welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : اللألي العبقرية في شرح العقينيّة الحميرية*
نویسنده : بهاء الدين الاصبهاني المعروف بالفاضل الهندي*

اللألي العبقرية في شرح العقينيّة الحميرية

اللألي العبقرية
في
شرح العقينيّة الحميرية

تأليف

نابغة عصره
بهاء الدين الاصبهاني
المعروف بالفاضل الهندي

قدم له
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (ع)
إيران _ قم


(2)

هويّة الكتاب

اللآلي العبقرية في شرح العينية الحميرية

الموضوع:    الأدب في رحاب العترة الطاهرة

المؤلف:    محمّد بهاء الدين الاصبهاني المعروف بالفاضل الهندي

المحقّق:    لجنة التحقيق

المطبعة:    اعتماد ـ قم

الطبعة:    الأُولى

التاريخ:    1421هـ

الكمية:    1000

صف واخراج ونشر:    مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(3)


(4)

روى المرزباني، قال: حدثني فضيل بن عمر الحبال، قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ بعد قتل زيد ـ عليه السَّلام ـ فجعل يبكي، ويقول: رحم الله زيداً انّه العالم الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه.

فقلت: أنشدك شعر السيد؟ فقال: امهل قليلاً، وأمر بستور، فسدلت، وفتحت أبواب غير الأُلى، ثمّ قال: هات ما عندك فأنشدته:

لأُمّ عمرو باللوى مربع دارسة أعلامه بلقع

(أخبار شهراء الشيعة: 159.


(5)

تقديم

بقلم: جعفرالسبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير وهو موهبة عظيمة، كرّمه اللّه بها، وراح يعكس تفكيره من خلال الكلام إمّا منثوراً أو منظوماً، فالكلام المنثور هو ما يتكلّم به ارتجالاً، والثاني عبارة عن الكلام الموزون المقفّى الذي لا يحصل إلاّبالتروّي والأناة.

ثمّ إنّ للإنسان نزوعاً إلى هذا النوع من الكلام قد يبلغ به تهييج العواطف والتذاذ الأسماع بمكان أنّه ربما يفقد وعيه. والشعر في الوقت نفسه سلاح شديد الوقع، فإن استعمله الشاعر في الحماسة هاجت النفس لاقتحام الردى والهلكة، وإن استغله في الاستعطاف والاستعطاء حرك العواطف وهيّجها، وإن استعان به في التشبيب أغرى الأفئدة بالهوى والمجون، إلى غير ذلك من غايات خاصّة للشعر على وجه الإطلاق، كما أنّه سلاح ذو حدين، فالشعر الهادف هو ما يبني المجتمع ويوقظ الشعب ويسوقه نحو العلم والصلاح والفلاح، وغير الهادف منه هو ما يكرّس النزعات الأنانية في المجتمع ويسير به نحو هاوية الانحطاط، ويبعثه نحو الانحلال الخلقي، وللّه در الشيخ محمد رضا الشبيبي شاعر العراق الفحل إذ


(6)

يقول:

كفى الشعر ذمّاً إنّ للشعر قائلاً * وما هو إلاّقائل غير فاعل(1)

ولا خير في شعر إذا لم يقم به * خمولُ نبيه أو بناهةُ خامل

إذا قلت انّ الشعر بحر غبنته * متى يستقيم البحر من غير ساحل

قرائحنا منها بحور خضارم * ومنها إذا جربت رشحُ الجداول

وأجمعُ أقوال الرجال أسدُّها * معان كبار في حروف قلائل(2)

فالحقّ كما قال الشبيبي انّ قيمة الشعر بمعناه وبتأثيره الخطير في إيقاظ المجتمع، فربَّ قصيدة كثيرة الأبيات لا تجد فيها كلمة حكيمة تُسعد الإنسان في حياته أو تصدّه عن مزالقه.

ورب بيت واحد يفضَّل على قصيدة، لأنّه ينشد إلى حكمة بالغة يأخذ بيد الإنسان في مزالق الحياة، وقد أشار إلى ذلك الشاعر المذكور.


1- إشارة إلى قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ انّهُمْ في كُلِّ واد يهيمون * وانّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُون)(الشعراء:225ـ 226).
2- محمد جمال الهاشمي: الأدب الجديد: 1ـ2، طبعة النجف الأشرف.


(7)

وقد يبلغ البيت البليغ قصيدة * مطوّلة لكن على غير طائل

وقد يبلغ اللفظ القصير رسالة * إذا عدَّت الألفاظ روحَ الرسائل

ويا للأسف انّ الشعراء لم يجروا على حلبة واحدة، فهم بين مصلح بنّاء، ومفسد هدّام مثير للميوعات:

يقول امرؤ القيس في معلّقته:

أفاطم مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدلُّل * وإن كُنتِ قَدْ ازمَعْتِ صَرْمي فاجملي

أغرَّكِ منّي أنّ حُبَّكِ قاتِلي * وأنّك مهما تأمرى القَلْبَ يفعل

وإن تك قد ساءَتْكِ مِنِّي خليقة * فسُلِّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُلِ

وما زَرَفَتْ عيْناكِ إلاّلِتَضْربي * بِسَهميك في أعشار قلب مُقتَّل

وبيضةِ خِدْر لا يُرامُ خِباؤها * تَمتَّعْتُ من لهو بها غير مُعجَلِ(1)


1- شرح المعلّقات السبع لأحمد بن الحسين الزوزني:13ـ15، ط عام 1381هـ.


(8)

وهناك من يبعث روح الشجاعة والتضحية والفداء في المجتمع ويحثّه في المضي قُدماً في سلالم العز والكمال، وهذا ما نلمسه بوضوح في الأبيات التالية لعميد الدين المعروف بالطغرائي (المتوفّى عام 510هـ) في لاميته المعروفة بلامية العجم:

حبّ السلامة يُثني همّ صاحبه * عن المعالي ويُغري المرء بالكسلِ

فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقاً * في الأرض أو سُلّماً في الجوِّ واعتزلِ

لو كان في شرف المأوى بلوغُ منى * لم تبرح الشمس يوماً دارة الحملِ

وشأنَ صدقك عند الناس كذبهم * وهل يطابق معوجّ بمعتدلِ

ملك القناعة لا يُخشى عليه ولا * يحتاج فيه إلى الأنصار والخولِ

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها * فهل سمعت بظل غير منتقلِ

و ما نرى في الذكر الحكيم من ذم للشعراء، يقول سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتِّبعُهُم الغاوُون * أَلَمْ تَرَ أنَّهُمْ فِي كُلِّ واديهيمُون * وَانَّهُمْ يَقُولونَ ما لا يَفْعَلُون)(1)


1- الشعراء: 224 ـ 226.


(9)

فهو راجع إلى الشعراء الذين لا همّ لهم سوى الحصول على المزيد من حطام الدنيا من خلال مدح ذوي الجاه والمقام أملاً في نيل عطائهم، أو إثارة شهواته الجامحة التي تعصف بالمجتمع في ورطة الانحلال الاخلاقي.

ثمّ إنّه سبحانه لا ينظر إلى الجميع على حدّ سواء بل يستثني منهم طائفة، بقوله: (إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَروُا اللّه كَثِيراً وَانْتَصروا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلِبُون)(1).

وبذلك يتبين موقف الأحاديث الواردة في هذا المضمار، فهي بين مندِّدة بالشعر وبين مادحة له، كما في قوله:

إنّ من الشعر لحكمة، وإنّ من البيان لسحرا.(2)

وقد كان الشعر هو الوسيلة الوحيدة للإعلام و إثارة العواطف والأحاسيس وبثّ الأفكار من خلاله، وكان للشعر و الشعراء في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده مقام شامخ، وكان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يغدقون عليهم بالعطايا والصلات.

قال البراء بن عازب: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قيل له: إنّ أبا سفيان بن حارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام عبد اللّه بن رواحة فقال: يا رسول اللّه: ائذن لي فيه، فقال: «أنت الذي تقول ثبَّت اللّه»، قال: نعم، قلت يا رسول اللّه.

فثبـت اللّه مـا أعطاك مـن حسـن * تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصروا

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «وأنت يفعل اللّه بك خيراً مثل ذلك».(3)


1- الشعراء: 227.
2- مسند أحمد: 1/269، 273; سنن الدارمي: 2/296.
3- مستدرك الحاكم:3/488.


(10)

و قد أنشد كعب بن زهير قصيدته التي قالها في مدح النبي في مسجده الشريف، و التي مطلعها:

بانت سُعادُ فقلبي اليوم متبول * متيـّم إثرَهـا لم يفـد مكْبـولُ

قال الحاكم: لما أنشد كعب قصيدته هذه لرسول اللّه، وبلغ قوله:

إنّ الرسول لسيفٌ يُستضاء به * وصارمٌ من سيوف اللّه مسلـول

أشار ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.(1)

ويروى أنّ كعباً أنشد «من سيوف الهند» فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من سيوف اللّه.

قال المقريزي في حوادث السنة الثامنة من الهجرة: ففي هذه السنة كان إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلمى، فأسلم وقدم على رسول اللّه المدينة وأنشده القصيدة فكساه بُردة كانت عليه، وقال ابن قتيبة: أعطى رسول اللّه كعب بن زهير راحلة وبُردًا، فباع البُرد من معاوية بعشرين ألفاً، فهو عند الخلفاء إلى اليوم.(2)

وقد تأسّى أئمّة العترة الطاهرة بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تكريم الشعراء المجاهرين بولائهم، المخلصين من الذين كانوا ينظمون القريض لغايات دينيّة، معرضين عن التردّد على بلاط الخلفاء الأمويين والعباسيين،وقد كان لشعرهم يومذاك تأثير بالغ في قلوب الناس، وإيقاظ ضمائرهم، ولهذا الهدف الأسمى كان أئمّة أهل البيت يبجّلون بشعرهم ويدعون لهم ويغدقون عليهم بالصلات، ولهذه الغاية راجت بين شيعة أئمّة أهل البيت ميميّة الفرزدق، وهاشميّات الكميت، وعينية الحميري، وتائية دعبل الخزاعي، وميميّة الأمير أبي فراس، وكانوا يحفظونها


1- مستدرك الحاكم: 3/580.
2- المقريزي: الإمتاع: 1/356، ط عام 1401هـ.


(11)

وينشدونها في مجالسهم ومحافلهم، فصارت هذه القصائد كالسيف الصارم بيد الموالين.

ومن هذه الطليعة الشاعر المفلق المكْثر لثناء أهل البيت السيد الحميري الذي نحن بصدد التقديم له وللشرح الذي قام به نابغة عصره الشيخ بهاء الدين الاصبهاني المعروف بـ«الفاضل الهندي»، فيلزم علينا الإلمام بترجمة الشاعر أوّلاً ، ثمّ الشارح ثانياً حسب ما تقتضيه الحال.

السيد الحميري

هو إسماعيل، وكنيته أبو هاشم، بن محمد بن يزيد بن وداع الحِمْيري الملقب بالسيد، وانّه من بني حدّان تزوّج بها أبوه، لأنّه كان نازلاً فيهم، ولد عام 105هـ(1)، بعُمان و نشأ في البصرة في حضانة والديه الإباضيّين إلى أن عقل وشعر فهاجرهما و اتصل بالأمير عقبة بن مسلم و تزلّف لديه حتى مات والداه، فورثهما ـ كما سيوافيك خبره ـ ثمّ غادر البصرة إلى الكوفة وأخذ فيها الحديث عن الأعمش وعاش متردّداً بينهما. و مات (2)عام 173هـ.

ترجمه غير واحد من رجال الفريقين نذكر نصوصهم:

1. فقد ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الصادقعليه السَّلام ، قال: إسماعيل بن محمد الحميري، السيد الشاعر يكنّى أبا عامر.(3)

2. وذكر في الفهرست، وقال: السيد بن محمد، أخباره تأليف الصولي،


1- أخبار السيد للمرزباني: 151ـ 152.
2- لسان الميزان:1/383.
3- رجال الطوسي برقم 108.


(12)

أخبرنا بها ابن عبدون عن أبي بكر الدوري عن الصولي.(1)

3. ولم يترجمه النجاشي مستقلاً، وإنّما ذكر من جمع أخباره وسيوافيك أسماء من جمع أخبار السيد.

4. وقال ابن شهر آشوب في المعالم في فصل الشعراء المجاهدين:

السيد أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد(2) (بن محمد)(3) بن وداع بن مفرغ الحميري.

من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ولقي الكاظم ـ عليه السَّلام ـ وكان في بدء الأمر خارجياً ثمّ كيسانيّاً ثمّ إمامياً.(4)

5. وقال العلاّمة في الخلاصة في القسم الأوّل من الباب الثاني من فصل الهمزة.

إسماعيل بن محمد الحميري: ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة رحمه اللّه.(5)

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء في حقّه في معاجم أصحابنا، وأمّا ما ذكره غيرهم، فإليك نصوص بعضها:

6. قال ابن عبد ربّه: السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له الوسادة في مسجد الكوفة.(6)

7. وقال أبو الفرج الاصفهاني (المتوفّى عام 356هـ): كان السيد شاعراً


1- الفهرست برقم 350.
2- وفي المصدر مزيد و لعله مصحف يزيد كما في اخبار السيد للمرزباني.
3- هذه الزيادة ليست في أخبار السيد المرزباني.
4- معالم العلماء: 146.
5- الخلاصة، باب الهمزة، برقم 22.
6- العقد الفريد: 2/289.


(13)

متقدماً مطبوعاً، يقال له انّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشّار، أبو العتاهية، والسيد، فانّه لا يعلم انّ أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.(1)

كان السيد أسمر، تامّ القامة، أشنب(2)، ذا وفرة، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في محل قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.(3)

8. ونقل عن التوزي، أنّه قال: رأى الأصمعي جزءاً فيه من شعر السيد، فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم عليّ ان أخبره فأخبرته، فقال: أنشدني قصيدة منه، فأنشدته قصيدة ثمّ أُخرى، وهو يستزيدني، ثمّ قال: قبّحه اللّه ما أسلكه لطريق الفحول! لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحداً من طبقته.(4)

أقول: «كلّ إناء بالّذي فيه ينضح»(5)، انّ الاصمعي ناصبي عنيد يبغض علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ والعترة الطاهرة ـ عليهم السَّلام ـ فلا غرو في أن يدعو على السيد بما عرفت، ولكن مع ذلك لم يستطع أن يُسدل الستار على عظمة السيد في مجال الشعر، وانّه سلك طريق الفحول في عالم القريض، ويتلوه في المذهب والإطراء أبوعبيدة، ومع ذلك يقول في حقّ السيد أشعر المُحْدَثِين السيّد الحميري وبشار.(6)

9. وروى عمر بن شبّة، قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوماً وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتاباً، فلمّا رآني أطبقه، فقال له أبو عبيدة: إنّ أبا


1- الأغاني:7/229.
2- الشنب: البياض والبريق والتحديد في الاسنان.
3- الأغاني:7/231.
4- الأغاني: 7/232.
5- «مثل يُضرب».
6- الأغاني: 7/232.


(14)

زيد ليس ممن يحتشم منه فأقرأ، فأخذ الكتاب وجعل يقرأه، فإذا هو شعر السيد، فجعل أبو عبيدة يُعجب منه ويستحسنه، قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه، قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدمي، سمعت جعفر بن سليمان الضُّبعي ينشد شعر السيد.(1)

10. وحكى عن الموصلي عن عمِّه، قال: جمعت للسيد في بني هاشم الفين و ثلاثمائة قصيدة فخِلْتُ أن قد استوعبت شعره حتى جلس إليّ يوماً رجل ذو أطمار رثّة، فسمعني أنشد شيئاً من شعره فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي، فقلت في نفسي لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه، ثمّ أنشدني بعده ما ليس عندي، لكان عجيباً، فكيف وهو لا يعلم وإنّما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ انّ شعره ممّا لا يدرك ولا يمكن جمعه كلّه.(2)

11. قال غانم الوراق: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمر بن تميم، فأثبتني بعضهم، فقال: هذا الشيخ واللّه راوية، فجلسوا إليّ وأنسوا بي وأنشدتهم وبدأت بشعر ذي الرمة، فعرفوه، وبشعر جرير فعرفوهما ثمّ أنشدتهم للسيد.

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا، فأعلمتهم، فقالوا: هو واللّه أحد المطبوعين، لا واللّه ما بقي في هذا الزمان مثله.(3)

12. قال الزبير بن بكار: سمعت عمي يقول: لو انّ قصيدة السيد التي يقول فيها :

انّ يـوم التطهيــر يــوم عظيـم * خصَّ بالفضـــل فيه أهل الكسا


1- الأغاني: 7/236.
2- الأغاني: 7/237.
3- الأغاني: 7/239.


(15)

قرأت على منبر ما كان فيها بأس ولو انّ شعره كله كان مثله لرويناه وما عيّبناه.(1)

13.حدث الحسين بن ثابت، قال: قدم علينا بدويّ، وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأُنشد في معناه للسيد حتى أكثرتُ، فقال لي: ويحك! من هذا؟ هو واللّه، أشعر من صاحبنا.(2)

وهذه الكلمات التي نقلها ابي الفرج الاصفهاني تعرب عن تضلّع السيد في الأدب العربي وبلوغه الذروة في القريض بحيث لا يجاريه فيه أحد، وقد نال اعجاب عباقرة الشعر وجهابذة الأدب، ولولا كفاحه ونضاله وتهالكه في حب أهل البيت، ومناهضته للجهاز الأموي و العباسي، لحظي بمكانة مرموقة في بلاط الخلفاء، وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت بفضله الأعداء، والفضل ما شهدت به الأعداء، وقد أتاح سبحانه لسان أعدائه على تمجيده وتعظيمه.

أُسرة السيد

والعجب انّ أُسرة السيد الحميري كانت من بني حمير الذين قطنوا عمان وكانوا أباضية المذهب يكنُّون العداء لعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ . وعلى الرغم من كلّ ذلك فقد ظهر من هذا المنبت السوء، موال لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، مخلص في حبهم، ذابّ عن حريم ولايتهم بشعره وبيانه وجسمه وروحه، على نحو لم يُر له مثيل فيمن غبر.

روى سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: انّ أبوي السيد كانا إباضيّين، و كان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، وكان السيد يقول: طالما سُبّ أمير المؤمنين في


1- الأغاني: 7/239.
2- الأغاني: 7/239.


(16)

هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له، قال: غاصت عليَّ الرحمة غوصاً.

وروي عن السيد انّ أبويه لما علما بمذهبه همّا بقتله، فأتى عقبة بن سلم الهنائي، فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلاً وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما.(1)

وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد: كنت عنده يوماً في جناح له، فأجال بصره فيه، ثم قال: يا إسماعيل طال و اللّه ما شُتم أمير المؤمنين عليّ في هذا الجناح، قلت و من كان يفعل؟ قال: أبواي.(2)

وقال المرزباني بسنده عن العباسة بنت السيد، قالت: قال لي أبي : كنت وأنا صبيّ أسمع أبويّ يثلبان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً و عقلت وبدأت أقول الشعر.

قلت لأبويّ: إنّ لي عليكما حقاً يصغر عند حقّكما عليّ فجنِّباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، بسوء، فإنّ ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقالتكما، فتماديا في غيّهما، فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعراً ،وهو:

خف يا محمّد فالق الاصباح * وأزل فساد الدين بالإصلاح


1- الأغاني: 7/230.
2- الأغاني: 7/235.


(17)

أتسبّ صنو محمّد ووصيه * ترجو بذلك الفوز بالإنجاح

هيهات قد بعدت عليك و قرّبا * منك العذاب وقابض الأرواح

أوصى النبي له بخير وصية * يوم الغدير بأبين الأفصاح

فتواعداني بالقتل، فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري، فقال لي: لا تقربهما، وأعدّ لي منزلاً أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى عليَّ جراية تفضل عن مؤنتي.(1)

تفانيه في حبّ أهل البيت

ـ عليهم السَّلام ـ ونشر مناقبهم

إنّ الأثر البارز في حياة السيد هو تفانيه في حبّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ونشر مناقبهم بقريظه وشعره وبيانه ولسانه، ونقده اللاذع لأعداء العترة الطاهرة ومناوئيهم، على نحو لا يرضى أن يتبوّأ مجلساً ليس فيه ذكر لأحمد ولا لوصيهعليه السَّلام.

روى أبو الفرج الاصبهاني، عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي: كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلا فتذاكرنا السيد، فجاء فجلس


1- أخبار شعراء الشيعة: 154ـ 155، ط عام 1413هـ.


(18)

وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض، فقلنا: يا أبا هاشم، مِمّ القيام؟ فقال:

انّي لأكره ان أطيل بمجلس * لا ذكرَ فيه لفضل آل محمّد

لا ذكر فيه لأحمد ووصيه * وبنيه ذلك مجلس نظف(1) ردئ

انّ الذي ينساهم في مجلس * حتى يفارقه لغير مسدّد(2)

وهناك وثائق تاريخية تعرب عن إخلاص السيد وولائه المنقطع النظير للعترة الطاهرة، نقتطف منها هذه الشذرات، فانّ الاستيعاب يطيل بنا الكلام.

1. ذكر التميمي ـ و هو علي بن إسماعيل ـ عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ إذ استأذنه آذنه للسيد، فأمر بايصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس، فاستنشده، فأنشده قوله:

أمْرُر على جدث الحسيـ * ـن فقل لأعظُمه الزكيّه

آ أعظُمـاً لا زلت من * وَطفَاء(3) ساكبة رَويّه


1- النظف: السيء الفاسد.
2- الأغاني: 7/267.
3- وطفاء: بينة الوطف، والوطف في السحاب: أن يكون في وجهه كالمحل الثقيل، أو هو استرخاء في جوانبه لكثرة مائه.


(19)

وإذا مررت بقـبره * فأطل به وَقف المطيّه

وأبكِ المطهَّر للمطـ * ـهّر والمطهَّرة النقيّه

كبُكاء مُعولة أتت * يوماً لواحدها المنيّه

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك.(1)

2. روى الشيخ ابن قولويه(المتوفّى عام 367هـ) بسنده عن أبي هارون المكفوف: قال: دخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فقال لي: أنشدني، فأنشدته، فقال: لا، كما تنشدون، وكما ترثيه عند قبره، قال فأنشدته.

امرر على جــدث الحــسين * فقــل لأعظمــه الـزكيـّه

قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مر، فمررت، قال:ثمّ قال: زدني زدني، قال: فأنشدته:

يا مريـم قومـي فانـدبي مـولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء(2)

3. روى أبو سليمان الناجي، و محمد بن حليم الأعرج، قالا:


1- الأغاني: 7/240ـ 241.
2- كامل الزيارات: 105ـ 106، ط النجف الأشرف ; ثواب الأعمال: 109، ط عام 1391هـ.


(20)

كان السيد إذا استنشد شيئاً من شعره لم يبدأ بشيء إلاّبقوله:

أجَدّبآل فاطمةَ البكـورُ * فدمعُ العين منهمر غزير

وهناك منام صادق ينمُّ عن أنّ البيت المزبور حظى بإعجاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

حدث إبراهيم بن هاشم العبدي البصري، قال: رأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المنام و بين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكـور * فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إيّاها على آخرها و هويسمع:

قال: فحدثت هذا الحديث رجلاً جمعتني وإيّاه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا، فقال لي: واللّه لقد كنت على خلاف فرأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المنام و بين يديه رجل ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور * ...

إلى آخرها، فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حبّ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كنت أعتقده.(1)

قال إسحاق: وسمعت العتبي ، يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهباً في شعره ولا أنقى ألفاظاً من السيد، ثمّ قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم، فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويل * أم لا فانّ اللـوم تضـليـل


1- الأغاني: 7/246.


(21)

يقول فيها:

أقسم باللّه وآلائــه * والمرء عمّا قال مسؤول

إنّ علـي بن أبي طــالب * علـى التقى والبرِّ مجبول

فقال العتبي:

أحسن واللّه ما شاء، هذا و اللّه الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.(1)

4. سمع السيد محدّثاً يحدِّث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان ساجداً فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر: نعم المطيّ مطّيكما، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ونعم الراكبان هما.

فانصرف السيد من فوره ، وقال في ذلك:

أتى حسناً والحسين النبـي * وقد جلسا حجرةً يلعبان

ففدّاهما ثــــمّ حيّاهمــا * وكانا لديه بذاك المكان

فراحا وتحتهما عاتقــاه * فنعم المطيّة والراكبان

وليدان أُمّهمــا بـــرّة * حَصَـان مطهّرة للحَصَان

وشيخهمـا ابـن أبـي طالب * فنعـم الوليدان والوالدان

خليليّ لا تُرجيا وأعلمــا * بأنّ الهدى غير ما تزعُمان

وأنّ عَمَى الشكّ بعد اليقــين * وضعفَ البصيرة بعد العيان

ضلال فلا تَلْجَجـا فيهـما * فبئست لعمركُما الخصلتان

أيُرجى عليٌّ إمام الهدى * وعثمانُ ما أعند المُرجيان


1- الأغاني: 7/258ـ 259.


(22)

ويُرجى ابنُ حربوأشياعه * وهُوجُ الخوارج بالنَّهروان

يكون إمامَهم في المعاد * خبيثُ الهوى مؤمن الشَّيصَبان(1)

إلى غير ذلك من قصائد جمة ذكر فيها فضائل الإمام علي وأهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ .

ويكفيك في ذلك ما ذكره المعتز في طبقاته:

كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلاّ نقلها إلى الشعر، وكان يملّه الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمّد صلوات اللّه عليهم، ولم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم.(2)

وممّا تجدر الإشارة إليه انّ أكثر شعراء العصر الأموي والعباسي قد أنكبّوا على عتبة بلاط الجهاز الحاكم رغبة منهم في الصلة والعطايا، ولكن السيد تنزّه عن هذه الوصمة و أناخ راحلته على عتبة أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فلم يمدح شخصاً إلاّلضرورة، ولذلك تجد انّه يعيب البشار في شعره لما مدح من ليس أهلاً له، فأقبل عليه، وقال:

أيّها المادح العباد ليُعطى * إنّ للّه ما بأيدي العباد

فاسأل اللّه ما طلبت إليهم * وارجُ نفع المنزِّل العوّاد

لا تقُل في الجواد ما ليس فيه * وتسمّي البخيل باسم الجواد

قال بشار: من هذا؟ فعرفَه، فقال لولا أنّ هذا الرجل قد شُغل عنّا بمدح


1- الأغاني: 7/258 ـ 259.
2- طبقات الشعراء:7.


(23)

بني هاشم لشغلنا ، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا.(1)

كما نقل انّ السيد دخل على المهدي لما بايع لابنيه موسى و هارون، فانشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجم * أمن قذىً بات بها لازم

أم من هوى أنت له ساهر * صبابة من قلبك الهائم

آليت لا أمدح ذا نائل * من معشر غير بني هاشم

أولتهم عندي يد المصطفى * ذي الفضل والمنّ أبي القاسم

فانّها بيضاء محمودة * جزاؤها الشكر على العالم

جزاؤها حفظ أبي جعفر * خليفة الرحمن والقائم

وطاعة المهدي ثمّ ابنه * موسى على ذي الإربة الحازمِ

وللرشيد الرابع المرتضى * مفترض من حقّه اللاّزم

ملكهُم خمسون معدودة * برَغم أنف الحاسد الرّاغم

ليس علينا ما بقُوا غيرهم * في هذه الأُمّة من حاكم

حتى يَردّوها إلى هابط * عليه عيسى منهم ناجم(2)

وقد بلغ السيد في إخلاصه لأهل البيت انّه كان يجاهر بعقيدته ومودته لهم في مجلس الخلفاء وإن وُشي عليه ما وشي ولم يكن يتقي في ذلك أبداً.


1- الأغاني: 7/237.
2- الأغاني: 7/255ـ256


(24)

روى عبد اللّه بن أبي بكر العتكي انّ أبا الخلاّل العتكي دخل على عقبة بن مسلم والسيد عنده، وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلاّل شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيُّها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلاً ما يَفتُرُ عن سبّ أبي بكر وعمر!، فقال له عقبة: ماعلمت ذاك ولا أعطيته إلاّ على العشرة والمودة القديمة وما يُوجبه حقُّه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقُّهم ورعايتهم.

فقال له أبو الخلاّل: فمره إن كان صادقاً أن يمدح أبا بكر و عمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض، فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل، فقال السيد:

إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد * ولا عهده يوم الغدير المؤكّدا

فإنّي كمن يشري الضّلالة بالهدى * تنصَّر من بعد التّقى وتهوّدا

ومالي وتيم أو عديَّ و انّما * أُولو نعمتي في اللّه من آل أحمد

تتم صلاتي بالصلاة عليهم * وليست صلاتي بعد أن أتشهدا

بكاملة إن لم أصلِّ عليهم * وأدعُ لهم ربّاً كريماً ممجَّدا

بذلت لهم ودّي ونصحي ونصرتي * مدى الدهر ما سمّيت ياصاح سيداً

وإنّ امراً يلحى على صدق ودّهم * أحقّ وأولى فيهم أن يُفنّدا

فإن شئت فاختر عاجل الغم ضِلّةً * وإلاّ فأمسك كي تصان وتُحمدا

ثمّ نهض مغضباً، فقام أبو الخلاّل إلى عُقبة، فقال: أعِذْني من شرِّه، أعاذك اللّه من السوء أيّها الأمير.

قال: قد فعلت على ألاّ تعْرضَ له بعدها.(1)


1- الأغاني: 7/262ـ263.


(25)

ارتجاله في إنشاء الشعر

روى أبو الفرج الاصبهاني: كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي «رضي اللّه عنه» ويخرج من عنده، ويقول في تلك المعاني شعراً، فخرج ذات يوم من عند بعض أُمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه، فوقف بالكُناسة، ثمّ قال: يا معشر الكوفيّين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا و ما عليَّ. فجعلوا يحدّثونه و ينشدهم، حتى أتاه رجل منهم، وقال: إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «رضي اللّه تعالى عنه» عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لُبس الخُفّ فلبس أحد خُفّيه، ثمّ أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضّ عقاب من السماء فحلّق به ثمّ ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل حُجراً، فلبس عليّ رضي اللّه عنه الخُفّ قال: ولم يكن قال في ذلك شيئاً، ففكّر هنيهة، ثمّ قال:

ألا يا قوم للعجب العجاب * لخُفّ أبي الحسين وللحُبابِ

أتى خُفّاً له وانساب فيه * لينْهش رجله منه بنابِ

فخرّمن السماء له عُقاب * من العِقْبان أو شبه العقابِ

فطار به فحلّق ثمّ أهوى * به للأرض من دون السّحابِ

إلى جُحر له فانساب فيه * بعيد القعر لم يُرتج ببابِ

كريهُ الوجه اسودُذو بصيص * حديدُ النّاب أزرق ذو لُعابِ

ودوفِع عن أبي حسن عليّ * نقيعُ سمامه بعد انسيابِ(1)


1- الأغاني: 7/256ـ257.


(26)

وزاد المرزباني بعد نقل القصة: ثمّ حرك فرسه وثناها و أعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر،وقال: إنّي لم أكن قلت في هذا شيئاً.(1)

صلته الوثيقة بالإمام الصادق

ـ عليه السَّلام ـ

إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يُثمِّنون جهود الشعراء المخلصين المجاهرين بالولاء الذين نذروا أنفسهم في هذا السبيل، ولبسوا في ذلك جلباب البلايا، منهم شاعرنا المفلق السيد إسماعيل فكان الإمام الصادق يتفقده حيناً بعد حين.

روي أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ لقي السيد بن محمد الحميري، وقال: سمّتك أُمّك سيّداً، وفِّقت في ذلك، وأنت سيّد الشعراء، ثمّ أنشد السيّد في ذلك.

ولقد عجبت لقائل لي مرّة * علامة فهم من الفقهاء

سماك قومك سيِّداً صدقوا به * أنت الموفّق سيّد الشعراء

ما أنت حين تخصُّ آل محمّد * بالمدح منك وشاعر بسواء

مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم * والمدح منك لهم بغير عطاء

فابشر فانّك فايز في حبّهم * لو قد وردت عليهم بجزاء

ما يعدل الدنيا جميعاً كلّها * من حوض أحمد شربة من ماء(2)

مذهبه

كان السيد أباضي المنبت، ثمّ صار شيعياً كيسانياً، يقول بإمامة محمد بن


1- أخبار شعراء الشيعة: 171، ط عام 1413هـ.
2- رجال الكشي:245، ط النجف الأشرف.


(27)

الحنفية، لكنّه عدل عنه إلى الإمامية على يد الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وعليه أكثر المؤرّخين.

يقول السيد الحميري عن نفسه: كنت أقول بالغلو واعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنَّ اللّه عليَّ بالصادق جعفر ابن محمد عليمها السَّلام وأنقذني به من النار و هداني إلى سواء الصراط... وتبت إلى اللّه تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أوّلها:

ولمّا رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفروا

وناديت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت ان اللّه يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت دايناً * به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت: فهبني قد تهوَّدت برهة * وإلاّفديني دين من يتنصّر

وإنّي إلى الرحمن من ذاك تائب * وإنّي قد أسلمت واللّه أكبر

فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أُخفي وأُضمر

ولا قائلاً حيٌّ برضوى محمّد * وإن عاب جُهال مقالي فأكثروا

ولكنّه ممّا مضى لسبيله * على أفضل الحالات يُقفى ويخبر

مع الطيبين الطاهرين الأُولى لهم * من المصطفى فرعٌ زكيٌّ وعنصر(1)

وهانحن نذكر بعض الكلمات، التي أشارت إلى مذهبه:

1. قال المرزباني: كان السيد بلا شكّ كيسانياً يذهب إلى أنّ محمد بن الحنفية هو القائم المهدي وانّه مقيم في جبال رضوى، وشعره في ذلك يدل على أنّه


1- الغدير: 2/245ـ 246.


(28)

كما ذكرنا كيسانياً فمن قوله:

يا شعب رضوى مالمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة ألوق

حتى متى وإلى متى وكم المدى * يا ابن الوصي وأنت حي ترزق

إنّي لآمل أن أراك وانّني * من أن أموت ولا أراك لأفرق

غير انّه رحمه اللّه رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق ـ عليه السَّلام ـ وقال:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1)

ومن زعم انّ السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه وطاعن فيه، ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك، دعاء الصادق ـ عليه السَّلام ـ وثناؤه عليه.(2)

2. وقال المعتز في طبقات الشعراء: حدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري راوية السيّد: كان السيّد أوّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد الحنفيّة، وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى

يابن الوصيِّ وأنت حيٌّ ترزق

والقصيدة مشهورة، وحدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري: ما زال السيّد يقول بذلك حتى لقي الصّادق ـ عليه السَّلام ـ بمكّة أيّام الحجّ فناظره وألزمه الحجّة، فرجع عن ذلك، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عمّا كان عليه ويذكر الصادق :

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(3)

ومن زعم ان السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه وطاعن فيه، ومن أوضح مادل على بطلان ذلك، دعاء الصادق عليه السلام وثناؤه عليه(4).

2. وقال المعتز في طبقات الشعراء: حدّثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيّد كان السيّد أوّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد الحنفية، وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى * يابن الوصيِّوأنت حيٌّ ترزق


1- هذا البيت ذكره المعتز في طبقاته كما سيوافيك.
2- أخبار شعراء الشيعة: 165.
3- طبقات الشعراء: 7.
4- أخبار شعراء الشيعة 165.


(29)

والقصيدة مشهورة، وحدّثني محمد بن عبد الله، قال: قال السدري: ما زال السيّد يقول بذلك حتى لقي الصّادق عليه السلام بمكّة أيّام الحجّ فناظره وألزمه الحجّة، فرجع عن ذلك، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه كان عليه ويذكر الصادق:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت انّ الله يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1).

3. وقال الصدوق: فلم يزل السيد ضالاً في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية، حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليمها السَّلام ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية، فسأله عن الغيبة، فذكر له انّها حقٌّ، ولكنّها تقع بالثاني عشر من الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، وأخبره بموت محمد بن الحنفية وانّ أباه محمد بن علي ابن الحسين بن علي ـ عليه السَّلام ـ شاهد دفنه، فرجع السيد عن مقالته، واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحقّ عند اتضاحه له ودان بالإمامة.(2)

4. وقال المفيد: وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه اللّه ، وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثمّ رجع عن القول بالكيسانية وتبرّأ منه ودان بالحقّ، لأنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمد عليمها السَّلام دعاه إلى إمامته، وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه.(3)


1- طبقات الشعراء: 7.
2- كمال الدين: 20.
3- الفصول المختارة:93.


(30)

5. وقال الإربلي: السيد الحميري رحمه اللّه كان كيسانياً يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرّفه الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ الحق والقول بمذهب الإمامية الاثني عشرية ترك ما كان عليه ورجع إلى الحقّ وقال به:

وينبئك عن مذهب الحقّ الصحيح قوله:

على آل الرسول وأقربيه * سلامٌ كلّما سجع الحمام

أليسوا في السماء هم نجوم * وهم أعلام عزّلا يرام

فيا من قد تحيّر في ضلال * أمير المؤمنين هو الإمام

رسول اللّه يوم غدير خمّ * أناف به وقد حضر الأنام

وثاني أمره الحسن المرجّى * له بيت المشاعر والمقام

وثالثه الحسين فليس يخفى * سنا بدر إذا اختلط الظلام

ورابعهم علي ذو المساعي * به للدين والدنيا قوام


(31)

وخامسهم محمد ارتضاه * له في المأثرات إذن مقام

وجعفر سادس النجباء بدر * ببهجته زها البدر التمام

وموسى سابع وله مقام * تقاصر عن أدانيه الكرام

علي ثان والقبر منه * بأرض الطوس إن قحطوا رهام

وتاسعهم طريد بني البغايا * محمّد الزكيّ له حسام

وعاشرهم عليّ وهو حصن * يحنُّ لفقده البلد الحرام

وحادى العشر مصباح المعالي * منير الضوء الحسن الهمام

وثاني العشر حان له القيام * محمد الزكي به اعتصام

أُولئك في الجنان بهم مساعي * وجيرتي الخوامس والسلام(1)


1- كشف الغمة:124، عنهالغدير: 2/251.