welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _*
نویسنده :مهدي البيشوائي*

سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _

(101)

القائد الخائن

جعل الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ عبيد اللّه بن عباس على مقدمة الجيش وأرسل معه اثني عشر ألفاً من المقاتلين بعد أن ترك الكوفة منطلقاً إلى قتال معاوية، ونصب كلاً من: قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وهما من كبار أصحابه كمستشارين له يخلفانه إذا ما حدث حادث لواحد من هؤلاء الثلاثة على التوالي.(1)

حدّد الإمام مسير الجيش واتجاهه وأمر بأن يصد جيش معاوية أينما وجد، وأن يطلعوه على ذلك حتى ينطلق هو بأصل الجيش نحوهم ويلتحق بهم فوراً.(2)

انطلق عبيد اللّه بمجموعته وعسكر بأرض تدعى« مسكن» قبال جيش معاوية.

لم يمضِ وقت طويل حتى أُبلغ الإمام بأنّ عبيد اللّه قد استلم مليون درهم من معاوية والتحق بمعسكره ليلاً برفقة ثمانية آلاف مقاتل.(3)

وكان من الواضح مدى تأثير خيانة هذا القائد في زعزعة معنويات الجيش وضعضعة وضع الإمام العسكري في تلك الظروف الحرجة. ومهما كان فقد تولّى قيس بن سعد الذي كان رجلاً شجاعاً تقياً ووفياً لآل علي كثيراً قيادة الجيش بأمر من الإمام الحسن، وقد حاول أن يرفع من معنويات المقاتلين خلال خطبة حماسية، وأراد معاوية أن يغريه بالمال أيضاً غير انّه لم يبع نفسه وراح يواصل صموده أمام أعداء الإسلام.(4)


1-لم يذكر اليعقوبي سعيد بن قيس وذكره المؤرّخون الآخرون.
2-مقاتل الطالبيين: 40.
3-وقد قتل ولدي عبيد اللّه أحد قادة معاوية الدمويين بسر بن أرطأة، شرح النهج :2/14، و كان يجدر بعبيد اللّه أن يمنعه ـ على أقل تقدير ـ لمعاوية الذي قتل ابنيه من هذا العمل الشائن، غير انّ تلك الشخصية المتخاذلة شتّتت جيش الإمام بانضمامها إلى معاوية وخانت خيانة عظمى.
4-مقاتل الطالبيين، ص 42; تاريخ اليعقوبي: 2/204.


(102)

المؤامرات الغادرة

لم يكتف معاوية بشراء عبيد اللّه، بل راح وبدافع اختراق جيش الإمام الحسن وبث روح الفرقة والأراجيف من خلال جواسيسه ومرتزقته يشيع بين جيش الإمام انّ قيس بن سعد قد صالح معاوية، ويشيع في جيش قيس أيضاً انّ الحسن بن علي صالح معاوية هو الآخر.

وقد وصل بهم الأمر إلى أن أرسل معاوية عدّة ممن عُرفوا بحسن الظاهر لدى الناس للقاء الإمام الحسن فالتقوا به في معسكر المدائن، وبعد أن خرجوا من خيمته راحوا ينادون بصوت عال: إنّ اللّه قد حقن بابن رسول اللّه الدماء وسكن الفتنة وأجاب إلى الصلح. فصدّقهم الناس وكانوا يثقون بهم ولم يحاولوا استقصاء الحقيقة، فتمرّدوا على الإمام، وهاجموا خيمته وسلبوا ما فيها، ثمّ تفرّقوا بعد ان حاولوا قتله.(1)

خيانة الخوارج

انطلق الإمام تاركاً المدائن نحو ساباط، وكان قد كمن له أحد الخوارج في الطريق مسبقاً، فضربه ضربة قوية، فأخذ الإمام ينزف دماً أثر الجراح، ثمّ نقله بعض أصحابه المقربين إلى المدائن وتوخّمت حالته الصحية هناك، فراح معاوية يسيطر على الوضع باستغلاله لهذه الفرصة المتاحة، فاضطر الإمام الذي فقد قوته


1-وكما أسلفنا ونظراً إلى أنّ جيش الإمام قد تألّف من شرائح وتيارات عديدة بينها الخوارج وبعض الوصوليين لم يكن من الغريب أن يحاولوا قتله وسلبه وينادوا حينها انّ هذا الرجل باعنا لمعاوية وذلّ المسلمين!! فكم كان سبط النبي الأكبر مظلوماً حقاً؟!


(103)

العسكرية الرئيسية وظل وحيداً إلى قبول اقتراح الصلح والسلم.(1)

وعليه إذا الإمام قد رضخ للصلح فلأنّه لم يملك حلاً غير ذلك كما كتب الطبري ومؤرّخون آخرون: فلمّا أفردوه أمضى الصلح.(2)

رأي الإمام حول دوافع الصلح

وردّاً على اعتراض أحدهم على صلحه وضع الإمام يده على هذه الحقائق المريرة، ووضّح دوافع مبادرته هذه بالنحو التالي:

«واللّه ما سلمت الأمر إليه، إلاّ أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم اللّه بيني وبينه، ولكنّي عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً، انّهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا في فعل، انّهم لمختلفون يقولون لنا انّ قلوبهم معنا وانّ سيوفهم لمشهورة علينا».(3)

وقد خطب الإمام ـ و كان مستاء ومتأثراً من تثاقل أصحابه وتخاذلهم ـ خطبة قال فيها: «يا عجباً من أُناس لا دين لهم ولا حياء، ويلكم واللّه انّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وانّي إن وضعت يدي في يده فأُسالمه لم يتركني أدين لدين جدي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّي أقدر أن أعبد اللّه عزّ وجلّ وحدي، وأيم اللّه لا رأيتم فرجاً ولا عدلاً أبداً مع


1-تاريخ اليعقوبي:2/205، وقد اختلف المؤرخون في نقل الوقائع التي انتهت إلى نهب سرادق الحسن ـ عليه السَّلام ـ والهجوم عليه، فقد كتب الطبري وابن الأثير وابن حجر العسقلاني: فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا انّ قيس بن سعد قد قتل، فانفروا فنفروا...(تاريخ الأُمم والملوك:6/92; الكامل في التاريخ:3/404; الاصابة في تمييز الصحابة:1/330).
2-تاريخ الطبري:6/92; أُسد الغابة:2/14.
3-بحار الأنوار:44/147; الاحتجاج، ص 157.


(104)

ابن آكلة الأكباد وبني أُميّة وليسومنّكم سوء العذاب، وكأنّي انظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله اللّه لهم فلا يسقون ولا يطعمون، ولو وجدت أنصاراً في قتال أعداء اللّه لما سلّمت الخلافة لمعاوية، لأنّها تحرم على بني أُميّة».(1)

وقد قال الإمام المجتبى ذات يوم ـ و هو يعرف طبيعة حكومة معاوية الخبيثة جيداً ـ كلاماً في مجلس حضر فيه: «وأيم اللّه لا ترى أُمّة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أُمية».(2)

وكان هذا إنذاراً للعراقيين الذين تركوا قتال معاوية بسبب تخاذلهم ورغبتهم في الدعة والراحة، وهم يجهلون حقيقة انّهم لن يصلوا إلى آمالهم وأُمنياتهم في ظل حكومة معاوية.

معاهدة الصلح وأهداف الإمام

عندما ارتأى الإمام الثاني انّ الحرب تتعارض مع المصالح العليا للمجتمع الإسلامي والحفاظ على كيان الإسلام ودخل السلم اضطراراً للظروف العصيبة التي أُشير إليها تفصيلاً مسبقاً، بذل قصارى جهده لضمان تحقيق أهدافه العليا والمقدّسة بأقصى ما يمكن من خلال هذا الصلح بطريقة سلمية.

ومن ناحية أُخرى ولأنّ معاوية كان مستعداً لأن يقدّم أي نوع من الامتيازات والتنازلات للدخول في السلم واستلام السلطة، لدرجة انّه أرسل


1-جلاء العيون:1/345ـ 346.
2-شرح نهج البلاغة:16/28.


(105)

صحيفة بيضاء مختومة إلى الإمام كتب فيها: أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهي لك،(1)استغل الإمام هذه الفرصة فكتب في معاهدة الصلح جميع القضايا الهامة والحسّاسة ذات الأولوية التي تمثل مبادئه الكبيرة، وطلب من معاوية الالتزام بما جاء فيها.

وعلى الرغم من أنّ نصوص معاهدة الصلح مبعثرة في كتب التاريخ، بل وأشار كلّ من المؤرّخين إلى بعض بنودها وموادها بيد انّه يمكن تأليف صورة كاملة من مجموع ما تبعثر منها في الكتب، وبإلقاء نظرة على تلك البنود التي وضعها الإمام وأصرّ على إدراجها، يمكن أن نفهم قوة التدبير العالية التي استخدمها على صعيد النضال السياسي للحصول على تلك الامتيازات.

والآن وقبل أن ندرس كلاً من بنود معاهدة الصلح على حدة، يمكننا حصر نصها في خمسة بنود كما في الصورة التالية:

البند الأوّل: تسليم الأمر ـ الخلافة ـ إلى معاوية على أن يعمل بكتاب اللّه وسنّة رسوله.

البند الثاني: أن تكون للحسن الخلافة من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد بها إلى أحد.

البند الثالث: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه في الصلاة، وأن لا يذكر علياً إلاّ بخير.

البند الرابع: استثناء ما في بيت المال وهو خمسة ملايين درهم وتكون بحوزة الإمام الحسن، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني أُمية، وأن يفرّق


1-الكامل في التاريخ:3/405; الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ في هامش الاصابة :1/371 ; تاريخ الطبري: 6/93.


(106)

في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وصفين مليون درهم، و أن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد.(1)

البند الخامس: الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما صدر من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة وحقد، وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وانّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حق حقّه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت الرسول غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أُفق من الآفاق.

فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة والأيمان المغلّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام.(2)

وهكذا تتحقّق نبوءة نبي الإسلام التي أطلقها عندما شاهد الحسن بن علي وهو لم يزل طفلاً من على منبره وقال:


1-دار ابجرد هي إحدى المدن الخمس في ولاية فارس قديماً (لغتنامه دهخدا، كلمة دار أبجرد).
ولعلّ اختيار خراج دار ابجرد كان بسبب ـ و وفقاً للوثائق التاريخية ـ انّ أهلها استسلموا طوعاً بلا قتال للجيش الإسلامي وصالحوه ويختص خراجها كما أمر الإسلام بالرسول وأهل بيته واليتامى والمساكين وابن السبيل، لذلك شرط الإمام أن يدفع إلى عوائل شهداء الجمل وصفين من خراج هذه المدينة، لأنّ دخلها يختص بالإمام، مضافاً إلى ذلك انّ الفقراء من عوائل الشهداء كانوا المستحقين لهذا الخراج ، البحار:44/10.
2-يراجع تفصيل معاهدة الصلح في كتاب صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، تأليف الشيخ راضي آل ياسين، ص 259ـ 261.


(107)

«هذا ابني سيد، ولعلّ اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».(1)

أهداف الإمام من الصلح مع معاوية

عندما يجد العظماء وقادة العالم أنفسهم في ظروف تتعارض مع أهدافهم وآرائهم، يحاولون وهم على مفترق طرق أن يسلكوا الطريق الذي يحمل خسارة أقلّ لهم دائماً، وهذه قاعدة أساسية في الحسابات السياسية والاجتماعية، والإمام المجتبى أيضاً وانطلاقاً من هذا المنهاج المعقول سعى جاهداً أن يحقّق أهدافه العالية في حدود الإمكان ولو نسبياً، ولذلك عندما اضطر إلى الصلح مع معاوية اشترط في تسليم السلطة له بأن يعمل بكتاب اللّه وسنّة نبيّه في قيادة المجتمع الإسلامي.

ومن الواضح انّ استلام السلطة وتشكيل الحكم الإسلامي ليس هو ما يرمي إليه الإمام، بل الدافع الحقيقي هو صيانة مبادئ الإسلام في المجتمع وقيادته في ضوء تلك المبادئ، فلو كانت تنفذ على يد معاوية وتطبّق، فانّ الهدف الحقيقي متحقّق ولو ضمن حدود معينة، ومضافاً إلى ذلك بمقدور الحسن ـ عليه السَّلام ـ أن يتولّى قيادة المجتمع الإسلامي بحرية بعد موت معاوية طبقاً للبند الثاني، ونظراً إلى أنّ معاوية كان يكبر الإمام بثلاثة وثلاثين عاماً(2)و يعيش أيّامه الأخيرة، ويرجى أن


1-وقد روى هذا الخبر باختلاف يسير عن النبي في الكتب التالية: تذكرة الخواص، ص 194; أُسد الغابة:2/12; نور الأبصار، ص 121; الفصول المهمة، ص 158; الاصابة:1/330; كشف الغمة ـ فارسي ـ :2/98; تهذيب التهذيب:2/298; الصواعق المحرقة، ص 82; البداية والنهاية:8/36; الاستيعاب ـ في هامش الاصابةـ:1/369; حلية الأولياء:2/35; إسعاف الراغبين ـ في هامش نور الأبصار ـ ; مسند أحمد:5/38ـ 44; أنساب الاشراف:3/42; عمدة الطالب، ص 65; الطبقات الكبرى:1/26.
2-صلح الحسن ، آل ياسين ، ص 278.


(108)

يلقى حتفه حسب الظروف الطبيعية، يتّضح مدى الفائدة التي يعود بها هذا الشرط ـ البند الثاني ـ على الإسلام والمسلمين طبقاً للحسابات العادية. وكان لكلّ واحد من بنود هذه المعاهدة أهميته أيضاً، لأنّه وفي الوقت الذي كان يسب فيه أمير المؤمنين ويشتم في الصلاة بجرأة كبيرة ـ حيث أصبح هذا العمل بدعة ذات جذور ـ و كان محبّو الإمام و شيعته وأهل البيت مطاردين مضطهدين ينكل بهم في كلّ مكان، فسيكون لهذا الإلزام الذي ألزم معاوية به قيمة عالية.

الاجتماع في الكوفة

دخل الجانبان الكوفة بقواتهما بعد إبرام معاهدة الصلح، واجتمعوا في مسجدها الكبير والناس كانوا ينتظرون أن يتم التأكيد على بنود المعاهدة من خلال خطب قائدي الفريقين بمرأى ومسمع منهم حتى لا يبقى مجال للشك والترديد في تطبيقها. ولم يكن هذا التوقع في غير محلّه فانّ إيراد الخطبة كان جزءاً من الصلح، ولذلك ارتقى معاوية المنبر وخطب خطبة غير انّه ليس فقط لم يؤكد على بنود المعاهدة، بل قال مستخفاً و مستهتراً: أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون! ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم. ثمّ قال: ألا وإنّ كلّ شرط وشيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين.(1)وهكذا داس معاوية كلّ ما تعهد به وشرطه ونقض معاهدة الصلح علانية.


1-شرح نهج البلاغة:16/15; مقاتل الطالبيين، ص 45; الإرشاد، ص 191. قال أبو الفرج: خطب هذه الخطبة قبل دخول الكوفة.


(109)

جرائم معاوية

وتبعاً لهذه السياسة لم يكتف معاوية بعدم إجراء تعديل على طريقته هذه في التعامل فقط، بل ازداد طغياناً وإجراماً أكثر من السابق، فقد أشاع بدعة سب أمير المؤمنين وهتك حرمة ساحته المقدسة أكثر ممّا مضى، وضيّق الخناق على الشيعة وأصحاب علي الكبار الأوفياء لدرجة كبيرة، وقتل شخصية بارزة كحجر بن عدي وجماعة آخرين من الشخصيات الإسلامية الكبيرة، وتصاعد القتل والتنكيل والاضطهاد على شيعة علي حتى أصبح الشيعة بشكل عام إمّا سجناء أو مفقودين أو مشرّدين بعيداً يعيشون في أجواء يسودها الرعب والخوف. مضافاً إلى ذلك انّ معاوية لم يلتزم بالبند الذي على صيانة حرمة الإمام علي واحترامه هو وشيعته، وخالف كذلك البند المتعلّق بخراج دار أبجرد من تلك الوثيقة.وكتب الطبري حول هذا الموضوع:

وحال أهل البصرة بينه ـ يعني بين الحسن ـ و بين خراج «دار ابجرد» وقالوا فيئنا.(1)

وكتب ابن الأثير: وكان منعهم ـ يعني منع أهل البصرة ـ بأمر من معاوية.(2)

وعي الناس ويقظتهم

كان ينبغي على أُولئك الذين شقّت عليهم الحرب وملّوها لكثرة ما خاضوا منها وأطاعوا رؤساءهم وعلّقوا آمالاً على صلح معاوية تأثراً بإعلام ودعاية عماله


1-تاريخ الطبري:6/95.
2-الكامل في التاريخ:3/405. و كتب البلاذري في أنساب الأشراف: 47: أمر معاوية عامله على البصرة بأن يحرض الناس على الحسن بن علي عليمها السَّلام ، فقام بذلك حتى قالوا : هذا فيئنا ولم نعطيه غيرنا .


(110)

ووعودهم الزائفة أن يستيقظوا ويعوا انّهم ارتكبوا خطأً كبيراً، عندما تثاقلوا وتخاذلوا في القتال، ولهثوا وراء وعود معاوية، وأطاعوا رؤساءهم طاعة عمياء، وكان هذا أمراً مستحيلاً دون أن يروا عملهم هذا ونتائجه المشؤومة والخطيرة بأُم أعينهم.

مضافاً إلى ذلك كان من الضروري أن يتعرّف المسلمون على الوجه الحقيقي للحكم الأموي ويلمسوا عمليات الإرهاب والاضطهاد والإقصاء والتنكيل والمطاردات الدائمة التي يمارسها، وفي الواقع إنّ ما كان يجب على الإمام الحسن وأصحابه المقرّبين فعله في تلك الآونة الحسّاسة من التاريخ هو الكشف عن تلك الحقائق علانية للجميع، وبالتالي إعدادهم فكرياً وذهنياً لإدراك و فهم تلك الحقائق المرة والثورة عليها.

وعليه إذا كان الإمام الحسن قد قبل الصلح، فليس لأنّه أراد التخلّي عن المسؤولية ،بل لأجل أن يبدأ الحرب على صعيد آخر، وهذا ما تؤيده الأحداث التالية لمعاهدة الصلح التي هزّت العراقيين هزّاً، ويقول الطبري: إنّ معاوية قد عسكر بعد الصلح في النخيلة وجماعة من الخوارج قد خرجوا عليه ودخلوا الكوفة، فبعث إليهم فرقة عسكرية من الشاميين، فقضى الخوارج عليهم، فأمر معاوية أهل الكوفة بالقضاء عليهم ومحاربتهم وإلاّ يسلبهم الأمان.(1)

وهكذا أصبح العراقيون الذين تثاقلوا عن القتال بجانب أمير المؤمنين والحسن بن علي مرغمين على قتال الخوارج في جيش معاوية الذي كان عدواً لهم جميعاً.

وقد دلّ هذا على أنّ السلام والاستقرار اللّذين كانوا يأملون في الحصول عليهما في ظل حكم معاوية أصبح أمراً مستحيلاً.


1-تاريخ الطبري:6/95.


(111)

سياسة الإرهاب والتجويع

مضافاً إلى ذلك اتّبع معاوية سياسة لا إنسانية وتدميرية شاملة بالنسبة إلى العراقيين يمكن أن نسمّيها سياسة الإرهاب والتجويع، فكان تارة يضطهدهم وينكل بهم، وأُخرى يحرمهم من حقوقهم وامتيازاتهم وكتب ابن أبي الحديد العالم السنّي الشهير: قتلت الشيعة بكلّ بلدة، وقطع بنو أمية أرجلهم وأيديهم على الظنّة، وكان كلّ من يذكر ويعرف بحب أهل البيت والانقطاع إليهم سجن أو نهب ماله أو هدمت داره، وقد بلغ الاضطهاد حدّاً جعل الرجل يقال له زنديق أو كافر أحب إليه أن يقال من شيعة علي، و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

قمة الاضطهاد والإرهاب في الكوفة والبصرة

وكما أسلفنا كان أهل العراق لا سيما الكوفيون أشد نكبة وبلاءً من غيرهم، حتى أنّ الرجل من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان المغلّظة ليكتمن عليه.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:

انظروا من قامت عليه البيّنة انّه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان


(112)

وأسقطوا رزقه وعطاءه.(1)

وقد استخلف زياد الذي ولي الكوفة ستة أشهر والبصرة كذلك تناوباً سمرة بن جندب على البصرة في غيابه فقتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له زياد : هل تخاف أن تكون قتلت بريئاً؟ فرد عليه قائلاً: لو قتلت إليهم مثلهم ماخشيت.

وقال أبو سوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(2)

الصلح تمهيد لثورة عاشوراء

هزت الأحداث الرهيبة العراقيين هزّاً وسلبتهم الراحة والدعة، وكشفت عن الوجه الحقيقي للحكم الأموي إلى حدود ما، وفي الوقت الذي كان رؤساء القبائل يرغدون بما عادت عليهم معاهدة الصلح ويتمتعون بعطايا وصلات معاوية، كان أهل العراق العاديون قد أدركوا طبيعة الحكم الأموي وحقيقته تلك الحكومة الظالمة المستبدة التي مشوا إليها بأقدامهم وأقاموها بأيديهم.(3)

وولى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة، واستعمل عبد اللّه بن عامر على البصرة


1-شرح نهج البلاغة:1/43ـ45.
2-تاريخ الطبري:6/132.
3-كان الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ يتوقع جميع هذه الأحداث ويعلم جيداً انّ قيادة المسلمين لو صارت بيد الأمويين، فسيكون المصير المظلم بانتظارهم لا سيما الشيعة، و لكن طالما انّ المسلمين لم يواجهوا هذه الأحداث المريرة بأنفسهم، فسوف لن يعرفوا مدى أهمية هذا الأمر، وعندما عاشوا تلك الأحداث المرعبة أدركوا حينها بأنّهم ضيعوا الفرصة وانّهم هيّأوا مقدّمات شقائهم بأنفسهم من حيث يدرون ولا يدرون. وقد أشار الحسن خلال خطبته التي تقدم جانباً منها سابقاً إلى المستقبل المظلم: «وأيم اللّه إن سلمت الأمر إليه لا رأيتم فرجاً ولا خفضاً مع بني أُمية و ليسومنكم سوء العذاب، وكأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله اللّه لهم، فلا يسقون ولا يطعمون».


(113)

وكان قد عاد إليها بعد ان غادرها إبّان قتل عثمان، وذهب معاوية إلى الشام مستقراً في دمشق يدير دولته من هناك.

وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيّام علي فيحزنون عليها ويندمون على ما كان من تفريطهم في جنب خليفتهم ويندمون على ما كان من الصلح بينهم وبين أهل الشام، وجعلوا كلما لقي بعضهم بعضاً تلاوموا فيما كان وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون، ولم تكد تمضي أعوام قليلة حتى جعلت وفودهم تفد إلى المدينة للقاء الحسن ـ عليه السَّلام ـ والقول له والاستماع منه. (1)

و عليه كانت فترة الصلح الذي أقامه الإمام فترة إعداد تدريجي للأُمّة لمواجهة الحكم الأموي حتى يحين اليوم الموعود يوم يكون المجتمع الإسلامي مستعداً للثورة.

الإعلان عن الاستعداد للثورة

يوم صالح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ لم يكن المجتمع قد بلغ ذلك المستوى من الوعي والاستيعاب بما يخدم هدف الإمام في تلك الفترة كان المجتمع أسير الأماني والآمال تلك الأماني والآمال التي بثّت فيه روح الهزيمة.

إذن كان هدف الحسن هو أن يهيّئ عقول الناس للثورة على حكم الأمويين، ويمنحهم الفرصة لاكتشافه بأنفسهم مع التنبيه على ما فيه من مظالم وجرائم وانتهاكات للأحكام الإسلامية ممّا يبعث الوعي ويبثّه في أفكار الناس.(2)


1-علي وبنوه، الدكتور طه حسين، 207.
2-و من هنا يمكن القول بانّ معاهدة الصلح كانت كسيف ذي حدين لمعاوية كلّ منهما جارح مؤذ ، لأنّه لو التزم بمفادها، لكان هذا تحقيقاً لهدف الإمام في حدود ما، وإلاّفسيتسبب في خلق الكراهية الشاملة للسلطة الأموية وتحريض الناس لمواجهتها، وهذا أمرٌ لم يكن الإمام ليستبعده.


(114)

واستقوى هذا الاستعداد شيئاً فشيئاً وتوجهت شخصيات العراق الكبيرة إلى الحسين طالبين منه القيام والثورة.(1)

صدى الأحداث في المدينة

ولقد كان كلّ حدث من أحداث معاوية يجد ـ بعد استشهاد الإمام الحسن ـ صدى في المدينة حيث الإمام الحسين ويكون مداراً لاجتماعات يعقدها الإمام مع أقطاب الشيعة في العراق والحجاز وغيرهما من بلاد الإسلام، يدلنا على ذلك انّه حين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وأصحابه خرج نفر من أشراف الكوفة إلى الحسين فأخبروه الخبر وأثار هذا استنكار المؤمنين.

وهذا يوحي لنا بأنّ حركة منظمة كانت تعمل ضد الحكم الأموي في ذلك الحين وإن دعاتها هم هؤلاء الأتباع القليلون المخلصون الذين ضن بهم الحسن عن القتل، وانّ مهمة هؤلاء كانت بعث روح الثورة في النفوس عن طريق إظهار المظالم التي حفل بها عهد معاوية انتظاراً لليوم الموعود.(2)

لما ذا قعد الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ وقام الإمام الحسين

ـ عليه السَّلام ـ ؟

بينت الأبحاث السابقة دوافع صلح الإمام الحسن غير انّه قد بقى هناك سؤال وهو انّه لماذا قعد الحسن وقام الحسين؟ فإذا كان الصلح عملاً وجيهاً وصحيحاً فلماذا لم يصالح الحسين يزيد؟ وإذا كان الأصل هو الحرب فلماذا لم


1-ولكن الإمام الحسين بن علي عليمها السَّلام كان يأمرهم بطاعة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ويقول لهم: «وأمّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم اللّه بالأرض واكمتوا في البيوت واحترسوا من الطنة مادام معاوية حياً».
2-ثورة الحسين ـ عليه السَّلام ـ ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: 150ـ 151.


(115)

يحارب الإمام الحسن؟

ويجب البحث عن إجابة هذا السؤال في الظروف المختلفة التي عاشها هذان الإمامان الكبيران وكيفية سلوك وشخصية كلّ من معاوية ويزيد وهنا سنشير إلى جوانب من اختلافات معاوية ويزيد، السلوكية.

حيل معاوية ومكره

حاول معاوية أبّان تولّيه السلطة أن يضفي بخططه وسياسته الماكرة على حكمه طابعاً دينياً إسلامياً دائماً، وكان يمنع من أن يعي الناس انحرافه عن خط السياسة الإسلامية الصحيحة، وبالرغم من انّه حرّف الإسلام عملياً واستبدل الخلافة الإسلامية البسيطة المتواضعة بالحكم الأموي الإرستقراطي وحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع غير إسلامي إلاّ أنّه كان يتظاهر بسلوكه المحافظ على تعاليم الدين و يغطي حقيقته، ويهتم بتطبيق بعض الأحكام الإسلامية في بلاطه، وماكان ليسمح بأن تتغيّر الصبغة الدينية في المجتمع.

وقد كان يدرك انّه ليس ينبغي له ـ وهو يحكم الناس بسلطان الدين ـ أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدّياً للدين الذي يحكم بسلطانه، بل عليه أن يسبغ على أعماله غشاءً دينياً لتنسجم هذه الأعمال مع المنصب الذي وصل إليه، أمّاما لا يمكن تمويهه من التصرفات فليرتكبه في السر.

مضافاً إلى انّه كان لمعاوية اسلوب سياسي غير عادي في معالجة الأحداث والمشاكل، فهو يعالجها بطريقة خاصة يفتقر ابنه يزيد إلى المهارة في استخدامها، وكان سيخلق هذان الأمران شكاً وترديداً في نجاح الثورة وتأثير الشهادة الإيجابي في عهد معاوية، لأنّه و في تلك الظروف سوف لن يصدر عامة الناس حكماً صائباً


(116)

حول الثورة على الأمويين ولن تثار موجة الكراهية للسلطة الأموية، لأنّ الرأي العام كان ما يزال يجهل مدى انحراف معاوية عن الإسلام، ولذلك راحت بعض الشخصيات اللاواعية تعتقد انّ صراع الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ مع معاوية صراع سياسي على السلطة أكثر منه على الحقّ والباطل.

إنّ الشهادة في مثل هذه الظروف لا تخدم أهداف الثورة بل يعرّض الرأي العام إلى الخطأ في الحكم والتقدير وإلى ضياع الحقيقة.

أجواء غير ملائمة

وكما لاحظنا لم يكن الجو السياسي في عهد معاوية جواً ملائماً يتمكن المصلح فيه أن يحسم أمراً في ضوء خطة معينة وأن يجد المجتمع وجهته بدقة بل كان جواً يجعل المصلح أن يكون مراقباً لتصرفات القادة الفاسدين وأن يبدي ـ و بالنظر إلى إمكانيته وطبيعة من حوله ونوع مواجهة العدوـ رد فعل مناسب حتى تنتصر بهذا النحو الحقيقية المهزومة على الخديعة المنتصرة.

كانت هذه هي المشكلة الرئيسية في عصر الإمام الحسن.

لم يكن في ذلك العصر لما كان يعرف بالشهادة التأثير المفروض وفي الواقع تحتاج الشهادة شأنها شأن الكثير من الظواهر إلى أرضية مناسبة حتى تخرج من إطار الشهادة والإخلاص الفرديين وتأخذ لنفسها طابع ظاهرة اجتماعية مؤثرة، فيكون دم الشهيد باعثاً للحياة في شرايين الآخرين، وقد دلّت الوثائق التاريخية على أنّه لو كان الإمام يثور بجيش متثاقل متخاذل كالذي أحاط به ـ و تقدّم الحديث عنه ـ و يشهر سيفه في وجه معاوية لما كانوا يقتلونه ليكون البطل الشهيد بل كانوا يأسرونه. فقد كان معاوية يريد أن يمسح وصمة العار التي لحقته هو


(117)

وعشيرته على يد جنود الإسلام بأسر واحد من أسياد آل محمد.

إذن ما كان الإمام ليصبح ـ إذا ما هزم ـ شهيداً بطلاً بقتله كما حدث في عاشوراء، بل كان يعلق بمخالب معاوية وبالتالي يتم القضاء عليه بطريقة مجهولة، وتكون هذه واحدة من تلك الخسارات الكبيرة التي تلحق موقف الحقّ وجبهته في تلك الأيام. فلو كان جيش الإمام الحسن يمنى بالهزيمة على يد جيش معاوية لكان معاوية يغير على البلاد الإسلامية ومدنها ويقوم فيها بالقتل والتنكيل بكلّ ما أُوتي من قوة لا سيما مكة والمدينة والكوفة والبصرة والحواضر الأُخرى التي كانت ضمن حدود دولة علي بن أبي طالب.

وهكذا يكون عدد القتلى ـ و على عكس نكبة عاشوراء ـ بالغاً ما لا نهاية له وما لا يمكن عده وإحصاؤه، إذن فقد كان هذا هو حقن الدماء الذي تحدث عنه الإمام.(1)

ولعله ولهذه الأسباب ولتصويبه صلح الإمام الحسن امتنع الإمام الحسين عن الثورة بعد استشهاد أخيه العظيم في فترة العشر سنوات الأخيرة من عهد معاوية أي من عام 50 إلى عام 60 هجرية تقريباً، و كان ـ عليه السَّلام ـ ينتظر الفرصة المناسبة بلهفة، واهتم بإعداد الناس فكرياً ونفسياً، إذ لم يكن رد فعل المجتمع الإسلامي والرأي العام معلوماً فيما إذا قام وثار في تلك الفترة.

يزيد شخصية المجتمع الإسلامي الكريهة

غير انّ هذا الأمر يختلف تماماً في يزيد ـ كما سنشير إليه في سيرة الإمام الحسين ـ ليس لأنّه لا يملك نضج وحنكة ودراية الأب وسياسته فقط، بل كان


1-امام در عينيت جامعه، محمد رضا الحكيمي: 121، 133، 171.


(118)

بعيداً كل البعد حتى عن التظاهر بمظاهر الإسلام الذي أراد أن يحكم الناس باسمه. فقد كان شاباً طائشاً نزقاً شهوانياً عنيداً، ومن أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروّي، كان إنساناً صغير العقل متهوراً ماجناً لاهياً سطحي التفكير.

إنّ حياة التحلل التي عاشها قبل أن يلي الحكم والانسياق مع العاطفة وتلبية كلّ رغباته كل ذلك جعله عاجزاً عن التظاهر بالورع والتقوى والتلبس بلباس الدين بعد ان حكم المسلمين مثل ما كان يفعل أبوه، بل راح و بسبب طبيعته النزقة يعالن الناس بارتكاب المحرمات ويقارف من الآثام ويتظاهر بشرب الخمر والفساد، وكان يزيد بقدر من السذاجة السياسية بحيث كشف للناس الطبيعة الواقعية والوجه الحقيقي لحكم الأمويين الذين كانوا العدو اللدود للإسلام والمظهر التام للعودة إلى الجاهلية واحياء النظام الإرستقراطي في ذلك العصر.

وقد أثبتت المجاهرة بالفساد والإنفلات من القيود لدى يزيد انّه يفتقد الجدارة والمؤهّلات لتولّي الخلافة وقيادة المجتمع الإسلامي.

وعليه فلن يكون في وسع أنصار الحكم الأموي أن يلوّثوا ثورة الحسين أمام الرأي العام بأنّها ثورة في سبيل الملك، لأنّ العامة ترى أنّ مبررات هذه الثورة موجودة في سلوك يزيد نفسه هذا السلوك الذي لا يلتقي مع الدين على صعيد، وكان الناس ستعتبر ثورة الحسين بن علي في مثل هذه الظروف هي ثورة ابن رسول اللّه على الحكومة اللا شرعية حفاظاً على الإسلام لا لأجل الصراع السياسي ولا النزاع على السلطة.

اشتداد الحركة الثورية

ويجب أن نجد السبب الآخر لثورة الحسين بن علي في وعي الناس والرأي


(119)

العام واتساع رقعة دعوة الشيعة ونفوذها بعد صلح الحسن، لأنّ الحركة التي انطلقت بعد الصلح ضد الحكم الأموي راحت تتسع في نطاقها شيئاً فشيئاً وتزداد في نفوذها يوماً بعد يوم و لقد كانت سياسة معاوية ـ من حيث يدري ولا يدري ـ سبباً في اشتداد هذه الحركة واتساعها، لأنّه كان يرى المجال مفتوحاً أمامه بعد استشهاد الإمام الحسن، فضيق الخناق على الناس لا سيما على الشيعة وأنصار أمير المؤمنين ولم يأل جهداً في اضطهادهم وظلمهم، أن انتهاكات معاوية المستمرة لحقوق المسلمين وإغاراته وهجماته المتكررة بجيشه الهمجي الظالم على البلدان الإسلامية المختلفة وقتل الأبرياء وايذاءهم ونقض معاهدة الصلح وأخذ البيعة لابنه يزيد، وأخيراً سمّ الإمام الحسن، كل ذلك شوّه وجه الحكم الأموي أكثر من السابق وزعزع مكانته.

وقد دفعت هذه الأحداث الشيعة إلى الترابط وترصيص الصفوف وتوحيدها أكثر وتقوية الجبهة المعادية للأمويين، وتمهيد الأرضية للثورة الحسينية.

وقال الدكتور طه حسين الأديب والكاتب المصري المعروف بعد توضيح التضييق والاضطهاد الذي كان يمارسه معاوية ضد الشيعة: إنّ الشيعة قد اشتد تحرّكهم في العشرة أعوام الأخيرة من عهد معاوية، وانتشرت دعوتهم في شرق العالم الإسلامي وجنوب البلاد العربية بشكل واسع، ومات معاوية حين مات وكثير من الناس وعامة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية وحب أهل البيت ديناً لأنفسهم.(1)

وهكذا عرفت الأمّة الإسلامية الوجه الحقيقي للحكم الأموي بما فيه الكفاية وذاقت طعم تعذيبه وإرهابه المرير وأدركت انتهاكه لحقوق المسلمين وارتفع القناع الذي كان يتقنّع به في بداية عهد معاوية وتعرّف الناس على حقيقته،


1-علي وبنوه، الدكتور طه حسين، ص 295.


(120)

وبالتالي زالت جميع الموانع التي وقفت في طريق ثورة منتصرة وانفسح المجال أمام الثورة على الحكم الأموي تماماً ، وكانت هذه الفترة هي الفترة التي أنزل فيها الحسين بن علي ـ عليه السَّلام ـ ضربة حاسمة قاضية على جسم الحكم الأموي الفاسد وفجّر تلك الثورة العظيمة الفريدة.

الثورة الملهمة

أحدثت ثورة الحسين تغييراً شاملاً في المجتمع الإسلامي، قلبت الأوضاع وحرّضت الرأي العام ضدّ الحكم الأموي، وتسببت في حدوث انتفاضات وثورات كبيرة متوالية، مثل: ثورة التوّابين، ثورة أهل المدينة، ثورة المختار الثقفي، وانتفاضة زيد بن علي، وانتفاضات كبيرة أُخرى; بينما لو كانت هذه الثورة تحدث في عهد الإمام الحسن و على يديه، لما كان لها مثل هذه الثمار والنتائج.

وفي الواقع انّ الحسين بن علي عليمها السَّلام قد اتّبع منهج أخيه القدير، لأنّ الإمام الحسن قد تحمّل الكثير ـ و بكل شهامة ـ من الإشكاليات و الشبهات التي كان يثيرها سطحيو التفكير المتهوّرون، وهيّأ بتوقيعه على معاهدة الصلح وانطلاقاً من فهمه للواقع الذي عاش فيه أرضية الثورة بالتدريج وأعد الأذهان والرأي العام، وإذا ما تمهّدت الأرضية تماماً انطلق الحسين بن علي بثورة على مركز الفساد.

اختلاف في الأصحاب

وممّا يجب الالتفات إليه وفضلاً عن التغاير الموجود بين عصر الإمام الحسن وعصر الإمام الحسين كما تقدّم الحديث عنه هو الاختلاف الهام بين مستوى أصحاب هذين الإمامين أيضاً. فقد لاحظنا في الصفحات السابقة انّ جيش الإمام الحسن كان يضطرب بمجرد سماع شائعة واحدة وينثال جماعة على خيمته


(121)

ينهبونها حتى البساط الذي تحت قدميه، ولاحظنا انّ أُولئك الذين أرادوا أن يقاتلوا جيش الشام مع الإمام ويضحّوا بأرواحهم في سبيل ذلك هم أنفسهم أحدثوا الفتن والبلابل وتركوا الإمام وحيداً .

فلنقارن بينهم و بين أصحاب الحسين الذين قالوا يوم عاشوراء :واللّه لو نعلم انّنا نقتل فيك ثمّ نحيا ثمّ نحرق ونذرّى، يفعل بنا ذلك سبعين مرة ما فارقناك حتى نلقى حمامنا دونك، فكيف وإنّما هي قتلة واحدة وتلك هي الشهادة ثمّ ننال الكرامة التي لا انقضاء لها.

نعم بهذا النوع من الرجال يمكن أن نلقي شرراً من الحماس باسم الشهادة في تاريخ الإنسان ونحدث صدى في كبد السماء اسمه عاشوراء لا مع قوم لا نصر معهم ولا شهادة بل يسلمون المرء مكتوفاً إلى الأعداء وحينئذ لن يبقى غير ذل الأسر ليس إلاّ، ولهذا غيّـر الإمام الحسن صعيد الكفاح.

وبعبارة أُخرى غيّر الساحة لا الجهة كمن يصلّـي على مركب وهو يتجه نحو القبلة فعندما يستبدل هذا المركب بمركب آخر فانّه يغير مكانه لا جهته وهي القبلة.وقبلة رجال الحقّ هي مقاتلة الباطل دائماً سواء كان هذا القتال في ساحة كربلاء أو في أزقة وأحياء الكوفة ومسجد المدينة أو سجن بغداد. فقد انصب قتال الإمام الحسن على معاوية الذي كان أكبر حاجز أمام نشر الحقّ والعدالة في تلك الفترة تارة على شكل إعداد الجيوش، وأُخرى في إطار قبول الصلح والهدنة.(1)

وجهان لرسالة واحدة

كتب العلاّمة المجاهد المرحوم «السيد شرف الدين العاملي» في المقدمة التي


1-امام در عينيت جامعه: 129ـ130.


(122)

كتبها لكتاب «صلح الحسن» القيّم تأليف العالم البحّاثة الكبير «الشيخ راضي آل ياسين»: وكان أهمّ ما يرمي إليه سلام اللّه عليه أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة ليحول بينهم و بين ما يبيّتون لرسالة جده من الكيد، وقد تم له كلّ ما أراد حتى برح الخفاء وآذن أمر الأموية بالجلاء والحمد للّه ربّ العالمين.وبهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح اللّه بها الكتاب وجعله فيها عبرة لأُولى الألباب، وقد كانا عليمها السَّلام وجهين لرسالة واحدة، كلّ وجه منهما في موضعه منها وفي زمانه من مراحلها يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.

فالحسن لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين أسخى منه بها في سبيل اللّه ، وإنّما صان نفسه يجندها في جهاد صامت، فلمّا حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنية، قبل أن تكون حسينية. وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطف لدى أُولي الألباب ممّن تعمّق، لأنّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ أُعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكين قاعد، وكانت شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً، لأنّ الحسن أنضج نتائجها ومهّد أسبابها. كان نصر الحسن الدامي موقوفاً على جلو الحقيقة التي جلاها لأخيه الحسين بصبره وحكمته، وبجلوها انتصر الحسين نصره العزيز وفتح اللّه له فتحه المبين، وكانا عليمها السَّلام كأنّهما متفقان على تصميم الخطة أن يكون للحسن دور الصابر الحكيم وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألّف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد، وقد وقف الناس بعد ساباط والطف يمعنون في الأحداث فيرون في هؤلاء الأمويين عصبة جاهلية منكرة....(1)

ونظراً إلى هذه الحقائق يمكن القول بأنّه لو كان الإمام الحسين في نفس


1-صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ : 12ـ 13.


(123)

الظروف التاريخية لأخيه الكريم الإمام الحسن لكان يقوم بنفس ما قام به، ولو كان الإمام الحسن في عصر الحسين وظروفه لكان ينتهج نفس نهجه، لأنّ هذين الإمامين الكبيرين أدى كلّ منهما رسالته التاريخية وفقاً لظروفه التاريخية والزمنية الخاصة به، وقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو يتوقع هذه الأحداث والإشكاليات حول ابنيه العظيمين: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».(1)

الصلح أو الصلاح؟

نختم هذا الفصل بمقالة أحد الكتّاب و قد نشرت في إحدى مجلات طهران تحت عنوان «الصلح أو الصلاح؟».

يمكن أن نعتبر صلح الحسن أو بعبارة أُخرى مهادنته لمعاوية من أصعب مراحل مسيرة الإمامة في الإسلام وكان أكثر الهدنات ثورية في التاريخ وانّ احتمال معاناته ـ الصلح ـ المضنية لا يمكن لأحد غير ابن علي ـ عليه السَّلام ـ مهما أوتي من المعرفة العالية جداً بمراتب ودرجات الإيمان وقد كان هذا الصلح مثاراً للجدل والنقاش دائماً وحاول المغرضون بأقلامهم المغرضة والجاهلون بنظرتهم الجاهلة أن يحرّفوا هذه السيرة الإيمانية ويقذفوها في دائرة الغموض والإبهام.

انّ الأئمّة جميعاً مظهر للتقوى والسياسة وانّهم يشتركون جميعاً في التقوى والإيمان ويختلفون في الأسلوب والسياسة، فقد أصبح أسلوب علي وسياسته في مرحلتي الصمت والسكون والصراخ والحركة ملاذ الأمة وحلّها الوحيد وسار الحسن على خطا أبيه في المرحلة الأُولى والحسين في المرحلة الثانية، ولولا الصمت لما كان لعلي ـ عليه السَّلام ـ صراخ وصوت مدو وشهادة منذرة تبعث الحياة في النفوس


1-وقال ابن شهر آشوب في مناقبه 3/394: إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ النبي قال هذا الحديث.


(124)

وهكذا صراخ وصوت الحسين المدوي وتضحياته ما كانا ليسجّلا في التاريخ من دون صلح أخيه بهذا الشكل.

وانّ كلّ أُولئك الذين اتهموا الحسن بطلب العافية والدعة وتمنّوا متأثرين بعواطفهم: ليته اختار الشهادة وخلق من ساباط ـ اسم مكان الصلح ويومه ذلك الصلح الثوري المصيري وبعبارة أُخرى يوم عاشوراء الحسن ـ عاشوراء ثانية ومن الكوفة كربلاء أُخرى كانوا مخطئين إلى أبعد الحدود.

انتقاء أكثر أساليب الكفاح تأثيراً

ربما كان احتمال الشهادة أسهل على الحسن، غير انّه وكباقي الأئمّة كان عليه أن يفكّر بإنقاذ الإسلام والمسلمين وانتقاء أكثر أساليب الكفاح فاعلية فقط.

ولو دقّقنا وتعمّقنا قليلاً في عصر الحسن لما كنا نجد هناك ما هو أنجع من سياسة السلم والصلح، لا سيما إذا كان بدافع تضخيم الدور الرسالي وبهدف الحياة لأجل الموت بطريقة أفضل ولو كان يثور ويقوم بكفاحه المسلح فريداً بلا أعوان لما كان هناك امتداد للإمامة.

ولعلّه إذا كان يملك مثل أخيه اثنين وسبعين ناصراً من الصدّيقين والفدائيين كان ينتفض بتلك الانتفاضة أيضاً، و لكن ماذا يبقى أمامه ليفعله عندما يجرده العدو من الأنصار ويجند حتى زوجته لقتله بالسم، ويدفع بقادة جيشه للمساومة عليه وتسليمه إلى معاوية مكتوف اليدين، وبالتالي يحرض قائد جيشه الذي كان يفترض أن يستعين به في معركته على التمرّد عليه، غير الصلح والسلم؟! والوحيد الذي كان بإمكان الحسن أن يعتمد عليه هو الحسين الذي


(125)

كان ينتظره يوم عاشوراء الرسالي العظيم.(1)

ولا شكّ انّه لولا صلح الحسن مع معاوية و كونها مقياساً اختبارياً في نقض ما جاء فيه لما حدثت ثورة الحسين أيضاً، ولو لم يشترط الحسن على معاوية بشرط يحرمه من حقّ الاستخلاف حتى ينقضه باستخلاف ابنه يزيد، لما كان هناك ذريعة مقبولة للحسين في ثورته ولا كان هناك دليل يستدل به شيعته.(2)

ساباط وعاشوراء يفضحان جاهلية الأمويين الخبيثة

عندما ألقت الأمّة نظرة على سير الأحداث في واقعتي ساباط وعاشوراء أدركت بوضوح جاهلية الأمويين الخبيثة والقبيحة. فقد شاهدت انّ الحسن قد ارتضى بالسلم بيد انّ معاوية لم يفِ بأي شرط من شروط المعاهدة المتفق عليها ونقض كلّ المواثيق فلا هو سار على هدي كتاب اللّه وسنة رسوله في حكمه، ولا جعل الحكم شورى من بعده، ولا منحه لصاحبه الحقيقي، ولا هو أوقف سبّ علي وصان قداسة المنبر من هذه البدعة الشائنة، ولا هو دفع الخراج الواجب عليه دفعه، ولا هو أبعد عن المسلمين المخلصين وأصحاب علي اضطهاده وملاحقاته ومطارداته الغادرة، بل سقى الحسن السم في النهاية أيضاً .


1-إنّه من البعيد عن الموضوعية والإنصاف أن لا نرى دور الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ في ثورة عاشوراء، والواقع انّ ثورة عاشوراء كانت حسنية قبل أن تكون حسينية، كما أنّه من غير الإنصاف أن ننظر إلى الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ نظرة الرجل المهزوم، بل ينبغي لنا أن ننظر إليه ـ عليه السَّلام ـ نظرة البطل الباسل الذي تحمّل الصلح بكلّ إباء وتضحية ليمهد الطريق أمام ثورة أخيه الحسين ـ عليه السَّلام ـ .
2-ولا يجب التعويل على هذا الكلام الأخير بشكل قطعي. المؤلف.


(126)

أعظم تجسيد للإرادة والعجز

وببركة ثورة الحسن الصامتة وثورة الحسين المدوية انكشف الستار عمّا كان خافياً وظهرت الأفكارالدفينة، انّ العبرة التي خنقت الحسن وضاق بها ذرعاً هي عبرة الإسلام التي ظلت تفور وتفور من أعماق وجوده وانقشعت بصرخة الحسين المدوية.

إنّ ما انعقدت نطفته في أحزان وعبرات الحسن وتكاملت خلاياه في دم الحسين هو لب الإمامة وأساسها، فقد كان الحسن أعظم تجسيد للإرادة والعجز ذلك المقاتل المغوار الذي أدهش الجميع بصولاته في سوح الوغى، ذلك الخلف الذي نهل من نمير مدرسة البسالة والاعتزاز مدرسة أبيه علي حتى اللحظة الأخيرة من حياته وأفاد منها الكثير من الحكمة والتعاليم.

وكم كان كريماً حليماً هناك حيث رأى انّ رسالته في ساحة الإمامة لا تكون إلاّ في الصلح والسلام فارتضى به واحتمله وكان هذا هو حُسن سيرة الحسن لا شيئاً آخر ذلك الحسن الذي أجلس الصمت والصلح على حد السيف واحتفظ بحلول الإسلام الأُخرى في نطاق حمايته .

وقد تدارك بلسانه القاطع وخطبه المجلجلة وكلامه الدامغ صمت السيف تماماً ومهّد أكثر الأرضيات استعداداً لثورة الدم ثورة أخيه، لدرجة انّ معاوية كان يرتعد ويرتعش من كلماته وخطبه تلك، فكان يدفع بزبانيته ومرتزقته إلى قطع سلسلة أحاديثه ليمنعوه من مواصلتها في الاجتماعات.


(127)

الجهاد في أوسع الميادين

خطا ـ عليه السَّلام ـ بأكبر خطوة إصلاحية وفتح باب مدرسة الأخلاق والحب والإصلاح في وقت كان يحكم فيه الفتنة والسلاح، وكمصلح لا يفكر في غير الخير والصلاح باع الشهرة برضا ربّه، ولم يختر الصلح في بداية الطريق بل في نهايته، واحتمله بعد الهزيمة في كلّ جبهات القتال.

انطلق جهاده المضني في أوسع الميادين وعلى مختلف الأصعدة فاختبر جيشه وتفحّص موضعه في ساحة القتال مع الأعداء وجرّب مواجهة الفتن والمكائد في جهاده مع أصحابه المنافقين، واستمد من قوة الإصلاح والإرشاد في جهاده لنفسه يكظم غضبه في احتمال الصلح المفروض... ولو ألقينا نظرة إجمالية على جهاد هذا المظلوم الصامت، لأصبح كلّ اعتراض اعتذاراً وكلّ نقد مدحاً....


(128)

Website Security Test