welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _*
نویسنده :مهدي البيشوائي*

سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _

قدم له آية الله جعفر السبحاني

سيرة الأئمة

_ عليهم السَّلام _

عرض وتحليل للحياة الأجتماعية والسياسية والعلمية للأئمة المعصومين _ عليهم السَّلام _

تأليف

مهدي البيشوائي

تعريب

حسين الواسطي


(2)


(3)


(4)

اسم الكتاب:   سيرة الأئمة(عليهم السلام)

تقديم:   آية الله جعفر السبحاني

المؤلف:    مهدي البيشوائي

تعريب:    حسين الواسطي

المطبعة:   اعتماد ـ قم

التاريخ:   1423 هـ. ق / 1381 هـ. ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الصف والإخراج باللاينوترون:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ 7745457 و 2925152، فاكس 2922331


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجع فكرة تأليف كتاب حول الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ إلى سنين مضت حيث نشرت عدّة أعمال بين تأليف وترجمة حول حياة بعضهم ـ عليهم السَّلام ـ ولقيت ترحيباً واستقبالاً من قبل القرّاء الراغبين في مثل هذه الأعمال، و منذ ذلك الحين أصبحت كتابة مجموعة كاملة عن حياتهم ـ عليهم السَّلام ـ وبنفس طريقة الأعمال السابقة أُمنية مقدّسة بالنسبة لي، غير انّ الوصول إلى هذا الهدف كان يتطلب زمناً وإمكانيات كثيرة للدراسة والتأليف لم تكن متوفرة لدي حينذاك، ومن ناحية أُخرى كان الكثير من الأشخاص يراجعوني ويطلبون منّي أن أُعرّفهم على كتاب شامل يمكن الاعتماد عليه وباللغة الفارسية الحديثة ليغنيهم عن الرجوع إلى المصادر المتعددة. انّ الشعور بالحاجة وإبداء الرغبة من قبل الأشخاص المذكورين جدّدا أُمنيتي القديمة في نفسي.

ومضافاً إلى كلّ ذلك فان كاتب السطور وخلال السنوات الأخيرة وعلاوة على تدريس تاريخ الإسلام درّس تاريخ المعصومين وسيرتهم عدّة مرّات في عدة مراكز للتعليم العالي، وقد توفّرت جرّاء ذلك مجموعة من الكراريس المختصرة في هذا المجال ولكن لم تكن هناك الفرصة الكافية لإبدالها بكتاب منسق. ونظراً إلى الحاجة والترحيب المذكورين أُعيد النظر في الملزمات المذكورة، وقد تمّ التدقيق فيها مرّة أُخرى والرجوع إلى مصادر أكثر وتوسعت الأبحاث والمواضيع واتّخذت مكانها المناسب وأصبح الكتاب بتوفيق اللّه تعالى كما تراه.


(6)

إنّ هذا الكتاب قد أعدّ لعامة القرّاء فقد أعرضنا فيه عن الخوض في الأبحاث التخصصية والبعيدة عن حاجتهم، كأبحاث تاريخ تكوّن الفِرَق الشيعية، والأبحاث الكلامية المعقدة، والمواضيع التي اختلف فيها وتحتاج كتاباً مستقلاً، وأمثال ذلك، وقد اكتفينا عند الضرورة بإشارة عابرة إليها وأحلنا القارئ إلى المصادر المثبتة في الهامش.

والجدير ذكره انّ كاتب السطور قد راجع مصادر الكتاب جميعاً بشكل مباشر وفي الوقت ذاته ثبّت هويتها بصورة كاملة حتى يسهل للقارئ الرجوع إليها، وكذلك يستطيع الراغبون بمزيد الاطّلاع الرجوع إلى هذه المعلومات أيضاً.

والأمر الآخر هو انّه وحسبما تقتضيه البحوث التأريخية قد استفيد في المرحلة الأُولى من المصادر القديمة المعتبرة والمعوّل عليها والقريبة من الأحداث زمنياً قدر الإمكان، ولم يغفل الكاتب في غضون ذلك عمّا كتب باللغة الفارسية لا سيما ما كتبه المعاصرون، وأينما وجدنا تحليلاً جيّداً وعرضاً رائعاً وقراءة جديدة ونقطة جذابة أفدنا منه.

وتقديراً لجهود الكتّاب وحفظاً للأمانـة ذكرنا أحياناً ـ وبمقتضى جودة ترجمتهم لبعض المواضيع إلى الفارسية، أو لأنّ كتبهم كانت عوناً لي ـ أسماء كتبهم بجانب المصادر القديمة التي استفدنا منها. وكذلك نقلنا في بعض المواضع قسماً من أعمال المعاصرين بنصّه تارة، ومع بعض التصرفات الطفيفة في العبارة مع ذكر للمصدر وعرض موجز تارة أُخرى.

وأرى هنا لزاماً علي أن أشكر جهودهم، ولحسن الحظ قد كُتبت في السنوات الأخيرة أعمال وكتب قيمة من قبل كتّاب وباحثين حول سيرة الأئمّة المعصومين باللغة الفارسية كلّها مفيدة وجديرة بالثناء غير انّ كلاً منها تتبّع هدفاً معيناً، أو كُتبت بطريقة خاصة أو من المحتمل انّها كتبت لشريحة معينة. ومن هنا اختلف هذا الكتاب الذي بين يديك عن تلك الأعمال والكتب كثيراً، فطريقة طرح البحوث في هذا الكتاب بأن


(7)

يتم في سيرة كلّ إمام عرض الخطوط والمراحل العامة من حياته عرضاً شاملاً في البداية.ثمّ يشار إلى طبيعة الأجواء السياسية والاجتماعية السائدة في عصره بالتفصيل، وبعدها يتم دراسة الخطوط الرئيسية لحياة الإمام ونضج مواقفه السياسية والاجتماعية وتناسبها مع الظروف والأوضاع السائدة في المجتمع آنذاك.

وهكذا أخذ هذا الكتاب أمر اهتمام الأئمّة بعامل الزمن والظروف والمقتضيات والموانع في تبيين حياتهم المليئة بالجهاد والخدمات بعين الاعتبار وأولاه أهمية بالغة، ويمكن عد ذلك إحدى سمات هذا الكتاب وامتيازاته.

والنقطة الأُخرى هي انّه قدّرنا لسيرة كلّ إمام خمسين صفحة بشكل متوسط واحترازاً من مشكلة تعدد المجلدات جعلنا أبحاث الكتاب في مجلد واحد وإذا كان حجم الكتاب كبيراً نسبياً فهو لهذا السبب.

ومن المؤكد وعلى رغم جهود الكاتب، فإنّ هذا العمل لن يكون خالياً من العيوب، وأخيراً يجب أن أُؤكد بأنّ أكبر المشجعين للكاتب في إتمام هذا الكتاب هو الأُستاذ الكبير سماحة الشيخ آية اللّه السبحاني ـ مدّ ظله ـ أُستاذ الحوزة العلمية في قم الّذي أصر كثيراً على التسريع في إنهاء كتابته، والآن وتحت إشراف الأُستاذ يطبع وينشر هذا الكتاب من قبل مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ للأبحاث و التحقيق. ومن اللّه التوفيق وعليه التكلان

مهدي البيشوائي

قم ـ رجب 1414هـ ـ دي/1372هـ.ش

مقدمة سماحة الشيخ آية اللّه جعفر السبحاني


(8)


(9)

بسم الله الرحمن الرحيم

التاريخ الماضي صحيفة كبيرة مفتوحة أمام صحيفة المستقبل المطوية، ومن خلال هذه الصحيفة المفتوحة ينبغي فتح ذلك القسم المطوي وتحديد معالم مسيرة المستقبل، وتعلّم دروس كثيرة من سيرة الماضين.

وحتى وقت قريب كثيراً ما كان المؤرّخون رواة للأحداث وساردين لها غير واقفين على أسباب الأحداث أو نتائجها السيئة أو الحسنة، وكأنّهم كتبوا التاريخ لتسلية الناس ولهوهم أو انّهم يتركون هذا العبء على عاتق القرّاء.

إنّ الحداثة في كتابة التاريخ التي حولته من مجرد نقل الأحداث بصورة جافة وقصّها إلى عملية تحليل وتمحيص لهي خطوة كبيرة في مجالات العلوم الإنسانية. أحدثت هذه المنهجية مسافة كبيرة بين نوعي التاريخ النقلي والتحليلي لدرجة انّها جعلت هاتين المنهجيتين والطريقتين في الكتابة وكأنّهما علمان مستقلان عن بعضهما. تتم الإفادة في هذا النوع من الكتابة مضافاً إلى النصوص التاريخية وأقوال الشهود والرواة من علوم عديدة، مثل علم النفس وعلم الاجتماع والجغرافيا وعلم الآثار وغير ذلك. وتعرض الأحداث التاريخية على شكل متسلسل بأن يكون كلّ واحد منها متلواً بالآخر مع أسبابها ونتائجها.


(10)

إنّ نقطة الضعف الكامنة في هذا النوع من كتابة التاريخ هي انّه لا يكون التاريخ مصوناً ونزيهاً من التدخل والتصرف الغير مناسب والتفسير بالرأي الخاطئ وتختلط الأحداث التاريخية فيها بأهداف وأفكار ودوافع الكاتب الشخصية ويختفي وجه الحقيقة تحت ستار سميك من التفسيرات والتنظيرات.

ومن الواضح انّه لا يمكن أن يتّهم جميع كتاب التاريخ بالحكمية السابقة لأوانها غير انّه ينبغي تقبّل عدم نزاهة الكثير منهم من نقطة الضعف تلك.

كما أنّه لا يمكن اعتبار جميع المؤّرخين النقليين كتّاباً هادفين وواقعيين، لأنّ البعض منهم لم يكن بعيداً عن الأغراض والمصالح الشخصية وكان ينقل ما يؤيد أفكاره وعقيدته الدينية ومصالحه القومية ولا يتعرض إلى الوجه الآخر من الأحداث ولكن ينبغي القول عند المقارنة انّ كمية الخطأ في التاريخ التحليلي أكثر بكثير من كمية الخطأ في التاريخ النقلي. وفي عصرنا الشيء الذي جعل التاريخ التحليلي مزدهراً أكثر هو ظهور فلسفة التاريخ التي تمتاز عن علم التاريخ شأنها شأن فلسفات أيّ علم من العلوم. توضح فلسفة التاريخ الأسباب العامة لحدوث الأحداث وتكامل المجتمع، وتعلّمنا القوانين العامة للتطور والتكامل.

وبعبارة أُخرى: انّ فلسفة التاريخ تدرس وتبحث العلاقة القائمة بين الأحداث المختلفة، وتكشف عن أسباب ومسببات تلك الأحداث التاريخية.

إنّ أي نوع من البحث للحصول على القوانين العامة لحركة وتكامل المجتمع الإنساني هي خطوة في سبيل تطور فلسفة التاريخ وتكامله، أو علم مجتمع الإنسان وتقدّمه.وتكشف الدراسة العميقة لعلل تكامل أو تحولات وتغييرات حياة الإنسان بأنّ العوامل المحرّكة للتاريخ لا تنحصر في عامل واحد أو عاملين، بل هناك أسباب متنوعة وفي ظروف مختلفة هي التي تحرك عجلة الحياة في المجتمع الإنساني وتكتب بقلم التكوين صفحات تاريخه، ولم يكن هناك عامل


(11)

واحد هو الذي يحدد مسار حياة الإنسان على مر التاريخ.وقد حاول البعض أن يجعل محرك التاريخ منحصراً في عامل واحد. وهناك ممن يحملون نظرة ضيقة يدرس جانباً واحداً من حياة الإنسان لا كلّ الجوانب وكأنّ هذا البعض قد أقسم بأن لا يقدم أكثر من عامل واحد لتكامل وتطور تاريخ الإنسان ، أو انّه اعتبر عامله الذي يطمح إليه مفتاحاً سحرياً يمكنه أن يفتح جميع أبواب التاريخ المغلقة، فهم ولأجل أن لا يظهروا بمظهر أصحاب النظرة الضيقة يقدمون دائماً عاملاً واحداً ـ كالعامل الاقتصادي ـ على أنّه هو السبب الرئيسي لجميع الأحداث ويجعلون العوامل الأُخرى في الدرجة الثانية من ناحية التأثير.

إنّ الذين لا يعتقدون بوجود أكثر من عامل واحد محرك للتاريخ هم أُناس سذج بسطاء أُحاديو النظرة والرؤية ، ويكتفون بجانب واحد فقط، ويستأنس فكرهم بعامل واحد من العوامل الصانعة للتاريخ، ويغفلون عن العوامل الأُخرى، أو انّ أفكارهم الحزبية والسياسية ساقتهم إلى الاعتقاد باقتدار عامل خاص ـ الصراع الطبقي ـ وان يحسبوا العوامل الأُخرى ثانوية فوقية لا أساسية.

التاريخ والصراع الطبقي

اعتقدت الماركسية بأنّ تاريخ المجتمع الإنساني حصيلة صراع طبقي لطبقات مسحوقة وقسّمت الشعوب في العالم إلى فئتين:

فئة مرتبطة بالنظام الكلاسيكي، وهي ترى أنّ مصلحتها تكمن في بقاء ذلك النظام.

وفئة مناضلة ترى أنّ مصلحتها في تقويض النظام السائد الحاكم.

إنّ هذا النوع من التفسير لتحولات وتغييرات الإنسان يدلّ على حصر نشاطات الإنسان في الرغبات المادية الدنيوية.


(12)

وفي الوقت الذي توجد ميول وغرائز أُخرى ضمن هذا الإطار تميل إلى أنّ شرف وقيمة الإنسان أعلى وأرقى من أن يفكر في إطار مصالحه المادية الضيق وأن يعتبر حركة التاريخ معلولة لبطنه وشهوته فقط.

إنّ صفحات التاريخ الإنساني تشهد لمناضلات وجهود شخصيات قديرة وكبيرة تناولت مقبض السيف وضحّت بأرواحها وأبنائها في سبيل الحفاظ على القيم الإنسانية ومكافحة الأوضاع الدينية والأخلاقية المتردية ومعالجتها.

والتاريخ خير شاهد على ذلك، ويشهد انّ كثيراً من الحروب والصراعات التي نشبت لمحو النظام الطبقي ـ و بعبارة أصح لاسترجاع حقوق المستضعفين من المستكبرين الجبابرة ـ قد تمت تحت قيادة رجال أحرار نهضوا بدافع حب الإنسان وحفظ حقوقه، بل وأكثر من ذلك بدوافع دينية إلهية.

وتروي آيات القرآن بصراحة انّ الشخصيات المؤمنة والمستضعفة والفقيرة كانت تشكّل الجزء الأكبر من أصحاب الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ والتي حاربت لدثر الشرك وآثاره المدمّرة وإيصال الإنسان إلى درجة راقية درجة التعلّق باللّه تعالى والارتباط به، حتى أنّ أحد اعتراضات الطغاة المستكبرين على الأنبياء هو التفاف الفقراء والمستضعفين حولهم.(1)

وعندما نقرأ حول نهضة خاتم الرسل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ودعوته نجد انّ طغاة عصره ومستكبريه يشترطون للإيمان بالإسلام أن يطرد الفقراء والمستضعفين من حوله.

ولذلك نهى اللّه تعالى الرسول عن طرد هذه الفئة التي حملت أعباء الدعوة على عاتقها نزولاً عند رغبة بعض المستكبرين.(2)

من يتصفّح التاريخ يجد هناك فئتين من البشر:


1-فقد قال أعداء هود ـ عليه السَّلام ـ له : (ما نَراكَ اتَّبعك إِلاّالّذين هم أَراذِلُنا بادي الرَّأي ) (هود/27).
2-(وَلا تَطْرُدِ الَّذينَ يَدْعُونَ ربَّهُمْ بِالغداة وَالعشي) (الأنعام/52).


(13)

1. فئة هي أسيرة رغباتها المادية، وهذه فئة وضيعة قاصرة العقل لدرجة انّها لا يدور في خلدها شيء غير مساندة النظام الحاكم وتبرير أعماله، وذلك لإشباع رغباتها وميولها النفسية.

2. وفئة أُخرى تطلب الحقّ وهي مبدئية هادفة،غاضبة، متحررة من ضغوط البيئة والطبيعة، وينصب عزمها وجهدها بصورة رئيسية على حفظ القيم الإنسانية والأخلاقية وعلى ترقية مستوى الإنسان الروحي المعنوي، وإذا كان محرّك التاريخ لدى الفئة الأُولى هو التمتع بالترف والرفاه المادي للإنسان، فإنّ إصلاح المجتمع وإحياءه والنهوض به وتحريره من الطبيعة الحيوانية والتعلّقات المادية والاهتمام بالقيم والمبادئ العليا كلّ ذلك يكون هو المحرّك له لدى الفئة الثانية، وهنا تجب دراسة دور الأنبياء والأولياء الإلهيّين في صنع التاريخ بدقة أكبر وأُفق أوسع، فقد كان للشخصيات الإلهية دور بارز لا يمكن إنكاره في ظهور النهضات الإصلاحية الكبيرة في التاريخ وكان منهاجهم الإلهي الذي يصل إليهم من خلال الوحي أكبر رأسمال للنهضة والثورة. انّ دورهم في زرع الإيمان في الشعوب و تعبئتها في سبيل الأهداف الإنسانية العليا، وبالتالي في قلب وجه المجتمع وواقعه لهو من بديهيات التاريخ ومسلماته. وقد أثبتت التجارب التاريخية بأنّ العلوم البشرية قد تنير درب الإنسان إلى حد ما غير انّها لا تحدث ثورة ولا تصنع مجتمعاً.

لقد كان أنبياء اللّه ورسله وأولياؤه الصالحون هم الذين علّموا البشرية درس التحرر من أسر الجبابرة المستكبرين وكانوا بسبب ما يتمتعون به من قوة الإيمان فاعلين في دك قلاع الظلم أكثر من أي عامل آخر.

الفرويدية وتاريخ البشرية

وفي هذا الإطار ارتكبت الفرويدية خطأ أكبر فقد عدّ فرويد حركة التاريخ


(14)

معلولة للغريزة الجنسية، واعتقد بأنّ لهذه الغريزة دوراً كبيراً وأساسياً في جميع نشاطات الإنسان الفردية والاجتماعية.

فالإنسان من وجهة نظره هو حصيلة سلسلة من المحاولات والجهود المتواصلة تنبع جميعها بشكل شعوري أو لا شعوري من الغريزة الجنسية،ولم يتّضح حتى الآن سبب اهتمام هذا الاتجاه بالغريزة الجنسية من بين غرائز الإنسان أكثر من غيرها، وقد غضّ الطرف عن الجوانب الروحية فيه مع أنّ البحوث العلمية قد اكتشفت قبل فرويد وبعده جوانب قديرة في النفس الإنسانية وأثبتت غرائز راقية كان لها دور في الإبداع في تاريخ الإنسان مثل:

1. الجانب الروحي والتوجّه نحو ما وراء الطبيعة الذي أوجد الأديان والمذاهب، وفي الواقع انّ وجود كلّ هذه المساجد والمعابد والمراكز الدينية يشكل جانباًمن نشاطات تلك الغرائز.

2. الجانب الأخلاقي وحب الحقّ والحقيقة وهو ممّا له دور كبير في حياة الإنسان، ولو حذف هذا الجانب الذي هو أحد الجوانب الروحية للإنسان من حياته لمنيت باختلال واضطراب عجيب.

3. حبّ الفن والجمال الذي أوجد الفنون المعمارية الشرقية والغربية واللوحات الفنية الرائعة ونضد الفسيفساوات والصناعات اليدوية الجميلة والأدب الإنساني نثراً وشعراً، كلّ ذلك يشكل مظهراً بارزاً لهذا الجانب من الجوانب الروحية للإنسان.

4. الجانب العلمي وحب كشف المجهولات ومعرفة أسباب الظواهر والحوادث الذي ساهم مساهمة كبيرة في الحضارات وانفتاح العقل الإنساني. وبالنظر إلى هذه الجوانب فكيف يضع فرويد زمام تاريخ الإنسان بيد غريزة


(15)

وضيعة؟! وكأنّه يعتقد ـ هو والماركسية ـ انّ إنسانية الإنسان تتلخص في بطنه وفرجه و ما شابه!

وعلى أية حال انّ تفسير حياة الإنسان الصاخبة على أساس النزاع الطبقي أو النظرية الجنسية يشبه تفسيرنا لزلزال عظيم دمر البيوت والعمارات وقوض الجبال واستأصلها على أساس انهدام كوخ خشبي في تلك المنطقة التي حدث فيها الزلزال. ومن الواضح انّ الذين يتمتعون بنظرة شمولية دقيقة يعرضون عن هذه المحدودية الفكرية في تحليل الأحداث، ولا يغضون الطرف عن تأثير العوامل الأُخرى التي منها تأثير الشخصيات الإلهية في صنع تاريخ الإنسان.

وقد خصّص القرآن العظيم وللأهمية التي يوليها بحق لجهود هذه الشخصيات الكبيرة في أحداث تاريخ الإنسان وحضارته قسماً من آياته بمواقفهم وجهودهم المتواصلة، وقد أشار خلال ذلك إلى نقاط ذات قيمة عالية واعتبر حياة الأنبياء المفعمة بالنضال والخدمات عبرة للعلماء: (لَقَدْ كانَ فِي قصَصهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْباب) .(1)

ومن هذا المنطلق كتب جماعة من العلماء والمفسّرين كتباً كثيرة حول حياة الأنبياء وسيرتهم يمكن أن تكون مفيدة لنا جداً. ومن المؤكّد توجد في بعض هذه الكتابات حقائق قرآنية قد امتزجت بمجموعة من الإسرائيليات والمجوسيات فرسمت صورة غير حقيقية عن حياة الأنبياء المقدسة، غير انّ أُولئك العلماء الذين كتبوا واستلهاماً من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في هذا المجال قد قدموا خدمة عظيمة للمجتمع الإسلامي.

ونعيد ما قلناه في البداية هنا وهو انّه يجب أن نقرأ هذا القسم من التاريخ،


1-يوسف:111.


(16)

بل و جميع كتب التاريخ من حيث إنّها تستطيع أن تعلمنا كمعلم صامت أسباب رقي الحضارات وسقوطها.

الأئمّة الإثنا عشر

ويفهم من الروايات والأحاديث التي نقلها السنّة والشيعة بوضوح انّ النبي الأكرم قد أخبر عن خلفائه الاثني عشر، وكما يروى لنا مسلم في صحيحه: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.(1)

وفي رواية أُخرى: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة. وقد أوردنا جميع الأحاديث التي نقلها أهل السنّة حول الخلفاء الاثني عشر في كتاب بحوث في الملل والنحل.(2)

وفي الوقت ذاته تحير أئمة الحديث من أهل السنّة في تحديد هؤلاء الخلفاء الاثني عشر وتخبّطوا تخبّطاً عجيباً ولم يتمكنوا من تعيين اثني عشر خليفة يتصل بعضهم ببعض بهم يكون الإسلام عزيزاً منيعاً، لأنّا نعلم انّ الحكم الأموي بدأ بعد عصر خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وليس بإمكان أي مؤرخ خبير ومنصف أن يعدّ معاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم ضمن الخلفاء الاثني عشر الذين يكون بهم الإسلام عزيزاً وعظيماً.

وبعد انقراض الحكم الأموي بدأ عصر بني العباس الأسود الذي تسبب هو الآخر في الكثير من الحروب والمجازر وسفك الدماء. وعليه لا يمكن عدّ هؤلاء العباسيين مصاديق لخلفاء الرسول الاثني عشر. ومن بين كلّ ما تقدّم انّ


1-صحيح مسلم:6/3، باب الأمارة والخلافة.
2-بحوث في الملل والنحل:6/58ـ 61.


(17)

المجموعة الوحيدة التي تشكل المصداق الحقيقي ـ باعتراف العدو والصديق ـ لهؤلاء الخلفاء الاثني عشر هم الاثنا عشر إماماً من الأئمة المعصومين للشيعة الذين ورد ذكر أسمائهم وصفاتهم وكيفية حياتهم عن لسان النبي في كتب التاريخ وفي الروايات بشكل متواتر.

ويوجد هناك كلام لأحد علماء أهل السنّة حول الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر عنهم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جدير بالالتفات إليه، ونحن نورد هنا خلاصة منه للقرّاء الأعزاء: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أنّ مراد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال : «كلّهم من بني هاشم» في رواية عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم الآية (قُلْ لا أَسْأَلكُمْ عَليهِ أَجراً إِلاَّ الْمَوَدةَ فِي القُربى) وحديث الكساء، فلابدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند اللّه، وكان علومهم عن آبائهم متّصلاً بجدهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبالوراثة واللدنية.(1)


1-ينابيع المودة ـ للشيخ سليمان البلخي القندوزي ـ ص 446 ط استانبول، عام 1301هـ. والطبعة الجديدة ج3/292، نشر دار الأُسوة، قم ـ 1416هـ.


(18)

الوحي والمحافظة على الدين

تؤكد أحاديث الأئمة الاثني عشر على أنّ خطة الحفاظ على الدين بعد رحيل رسول اللّه هو أن يتعين خليفته من خلال تنصيصه هو عليه أو على يد خلفائه وانّ الأُمّة لا حقّ لها في انتخاب الخليفة.

لأنّه لو كان انتخابه من قبلهم لكان تحديد الاثنى عشر خليفة وحصرهم في بني هاشم منافياً لذلك الأصل الآنف الذكر. ولم تكتف الأحاديث المذكورة بذكر عدد الخلفاء وصفاتهم، بل انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي عدة مناسبات كان يذكر أسماءهم أيضاً، وقد عيّن خليفته الأوّل في بداية دعوته ورسالته.

ويشهد على ذلك حادثتا يوم الدار(1) في السنة الثالثة من البعثة والغدير المشهورتان. وسنشير إلى سرّ ضرورة تعيين الخليفة من قبل اللّه تعالى بشكل موجز، وهو انّ الطريق الصحيح والسليم للحفاظ على الدين والاحتراز من أي اختلاف وافتراق بين الأُمّة أن يعين الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن خلال الوحي خليفته أو خلفاءه وينص عليهم وأن لا يدع الأمر إلى أُمّته، لانّ إحالة الأمر إليهم خطأ من ناحيتين:

ذلك انّ طبيعة وطريقة حياتهم الاجتماعية ـ المتأثّرة من النظام القبلي ـ لم تكن لتسمح بأن يساهم أفراد المجتمع في الانتخابات ويختار في النهاية الشخص الأصلح بطريقة ديمقراطية وبحرية كما يقولون.

والناحية الثانية هي انّ ثالوث الأعداء كان يحدق بهذه الحكومة الفتية ويترصّدها ويتحيّن الفرصة للقضاء عليها، وفي هذه الظروف وهذا المجتمع يكون بقاء الدين واستمراره منوط بتعيين الخليفة من قبل القائد والمنظّر لهذه الثورة ولا


1-سيأتي تفصيل حادثة يوم الدار في هذا الكتاب في الصفحة 38.


(19)

يصبح ترك الأمر إلى الناس ـ الذين لم يبلغوا الكمال الاجتماعي والنضج الكافي ويسيرون ضمن إطار النظام القبلي وبأمر من شيوخ القبائل ـ عديم الفائدة ـ ولا ينتهي إلى اختيار الأصلح فقط بل سيتسبب في تفريق الأُمة وانقسامها. والآن سنتاول هذين العاملين بتفصيل أكثر:

1. طبيعة الحياة في شبه الجزيرة العربية

كانت حياة الناس في شبه الجزيرة حياة قبلية وعشائرية وفي مثل هذه البيئة لا يكون هناك أي معنى لكلمات مثل الديمقراطية والحرية واحترام رأي الإنسان. ومن الواضح انّ في مثل هذه الحياة وطبيعتها يكون الرأي الأوّل والأخير هو رأي شيخ القبيلة وسيد العشيرة، ولو كان يترأس عشيرة من ألف شخص، فهذا يعني انّ هناك واحداً وألف رأي في الظاهر، ولكن لم يكن هناك أكثر من رأي واحد في الواقع وذلك هو رأي شيخ القبيلة وسيدها، لأنّ الألف نفر يدلون برأيهم تنفيذاً لأمره دون أدنى تأمّل أو تفكير.

انّ مثل هذا الاستفتاء الشعبي وإن كان ديمقراطياً في الظاهر غير انّه ليس إلاّ حكم الشخص الواحد ذلك الشخص الأناني والمستبد برأيه الذي يريد أن يتقلد حكم العشيرة بالقوّة والحيلة أو كميراث للأسلاف، ويجب الانتباه إلى انّه كان يتواجد في المدينة وحدها بعد رحيل النبي جماعة الأنصار الذين كانوا يتشكلون من قبيلتين كبيرتين: الأوس والخزرج، شيخ الأُولى أسيد بن خضير والثانية شيخها سعد بن عبادة، ولو فرض أن ينتخب شخص لتولي الحكم لكان الأوس يتبعون رأي سيدهم والخزرج كذلك، ولكانت هذه القاعدة تصدق على جميع القبائل التي كانت تعيش في نجد والحجاز، فهل كان من الصحيح أن يترك الرسول ـ و نظراً للطبيعة الاجتماعية السائدة آنذاك ـ أمر انتخاب الخليفة إلى


(20)

الناس و في الواقع إلى أسيادهم؟ وتكون الديمقراطية الخاوية من المعنى قناعاً خادعاً وذريعة مبررة لبعض العناصر النافذين ويفرض الشخص المرغوب فيه من وجهة نظرهم نتيجة لمحاسبات عشائرية ضيقة الأُفق والنظرة ولعلاقات قبلية على الأُمّة.

يجب أن يكون خليفة رسول اللّه خير الأُمّة كمالاً وعلماً ودراية وكفاءة، ولم يكن لشيوخ القبائل وأسيادها الذين تربوا على الاستبداد وحبّ الرئاسة والسيادة أن ينتخبوا شخصاً مثل هذا.

2. الأعداء يترصدون الإسلام

عندما رحل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان هناك ثالوث نحس يهدّد كيان الإسلام، فمن جهة الشرق هناك امبراطورية الساسانيين العظيمة ـ حيث خسرو برويز الذي مزّق رسالة النبي بكلّ وقاحة ـ و من جهة الغرب امبراطورية الروم الشرقية وحلفاؤها في البلاد العربية، وأخيراً كان هناك وفي داخل شبه الجزيرة العربية المنافقون الذين لا يقلّون شأناً عن العدوين السابقين والذين كانوا يترصدون الإسلام الفتي ويتحيّنون الفرصة لاستئصاله. ففي هذه الظروف والأوضاع يكون أفضل القرارات هو أن ينتخب شخص من قبل نفس النبي يكون جديراً لهذا الأمر وقيادة الأُمّة، وبهذا ينسد باب الفرقة والاختلاف ويمنع اختراق الأعداء للعالم الإسلامي. نعم للحفاظ على كيان الإسلام الذي فتح أعداءه الثلاثة فمهم كتنين خطير يريد ابتلاعه كان يجب أن تعد خطة من قبل صاحب الشريعة يتم على أساسها تضييق رقعة الاختلاف وإعداد المجتمع ليواجه أعداءه بدل الانشغال بالنزاعات الداخلية فيقضى من اختاره الوحي على العدوين الداخلي والخارجي من خلال تعبئة القوات المتحدة.


(21)

وهنا يكون كما قال الشيخ الرئيس: والاستخلاف بالنصّ أصوب، فانّ ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف.(1)

توضح دراسة تاريخ الصحابة والتابعين ان طبيعة المجتمع آنذاك كانت طبيعة نزاعية. ومنذ ان دخل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة كان الاختلاف بين الأنصار والمهاجرين ملحوظاً فيهم، وكان يشتد في بعض الأحيان كما حدث في قضية الإفك(2)وقد بلغ الاختلاف ذروته في اجتماع سقيفة بني ساعدة، الاجتماع الذي عقده الأنصار من جانبهم بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثم التحق بهم جماعة بدافع الوقوف ضدّ قراراتهم واستلام مقاليد الخلافة والسلطة.

ونظراً إلى ما تقدّم فانّ العقل يحكم بأن ترك مصير الأُمّة إليها في تلك الظروف العصيبة والحرجة ليس من مصلحة الإسلام ولا من مصلحة أتباعه، بل انّ قرار القائد الإلهي وهو انتخاب شخص تتوفر فيه الشروط المذكورة هو الأمر الوحيد الذي يمكن من خلاله استئصال الاختلاف وإقصاء غير المؤهلين والسير بالأُمة وقيادتها تحت لواء الإمام المنصوص عليه إلى الأمام.

حياة الأئمّة المعصومين

تعرفنا فيما مضى على طريقة كتابة التاريخ التحليلي وخصوصياته، وعرفنا أحد أكبر أسباب صنع التاريخ، وأخيراً شاهدنا مخطط الوحي ومنهجه الحكيم للحفاظ على الدين وبقائه. وقد حان الآن وقت البحث حول سيرة الأئمّة المعصومين وحياتهم التي تشكل موضوع هذا الكتاب بصورة مختصرة.


1-الشفاء، الالهيات، ج2، ط ايران، ص 558و 564.
2-صحيح البخاري:5/119، باب غزوة بني المصطلق.


(22)

إنّ دراسة كتب التاريخ الإسلامي تدل على انّ سيرة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من أهمّ المواضيع التي شغلت بال المحدثين والمؤرّخين بعد سيرة الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولو أحصينا عدد الكتب التي أُلّفت حول منذ بداية القرن الثاني حتى اليوم لوجدنا انّه ليس بالإمكان حتى درج أسمائها في كتاب واحد فضلاً عن نفس الكتب التي يحتاج جمعها إلى مكتبة ضخمة. وقد كشفت ـ لحسن الحظ ـ الفهارس الموجودة الستار عن هذه الحقيقة سواء التي أعدها الشيعة أو السنّة وفضلاً عن كتاب كشف الظنون للكاتب الجلبي (1017ـ 1067هـ) وكتاب الذريعة للعلاّمة الطهراني (1293ـ 1389هـ) وكتاب مرآة الكتب للشهيد ثقة الإسلام (المتوفّى1330هـ) والفهارس الموجودة في المكتبات العالمية فقد نجح أخيراً المحقّق المحترم عبد الجبار الرفاعي من خلال متابعاته وجهوده المتواصلة في مراجعة المصادر والفهارس الموجودة أن يؤلّف معجماً عمّا كتب عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وكانت حصيلة جهوده مجموعة من 11 مجلداً بالقطع الوزيري تحت عنوان «معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت ».

وقد تعرف فيما يتعلق بحياة الزهراء والأئمّة الاثني عشر معاً على 14206 من الكتب التي أُلفت وكتبت باللغات الفارسية والعربية والأردية واللاتينية.

ونحن نذكرها هنا بشيء من التفصيل:

1. فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ 546 كتاباً.

2. أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ 4956 كتاباً.

3. الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ 205 كتاباً.

4. الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ 3215 كتاباً.

5. الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ 399 كتاباً.

6. الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ 69 كتاباً.


(23)

7. الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ 331 كتاباً.

8. الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ 211 كتاباً.

9. الإمام الرضا ـ ـ عليه السَّلام ـ ـ 651 كتاباً.

10. الإمام الجواد ـ عليه السَّلام ـ 62 كتاباً.

11. الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ 79 كتاباً.

12. الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ 66 كتاباً.

13. الإمام صاحب الزمان ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ 1145 كتاباً.

14. أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ 2271.

فيكون المجموع 14206 كتاباً. هذا وقد ذكر انّ عدد الكتب التي أُلفت حول سيرة الرسول وتاريخه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد بلغ 11427 كتاباً.

وقد يتصور انّه مع كلّ هذا الكم الهائل ممّا كتب فما الحاجة إذن إلى تأليف كتب أُخرى حول سيرتهم؟

ويجب أن نؤكد بأنّ حياة الأئمّة والأولياء الإلهيين شأنها شأن عالم الطبيعة فيها جوانب عديدة مهما اكتشفت وكتب عنها، فستظل هناك جوانب مجهولة تحتاج لمن يكتشفها ويميط لثام الغموض عنها.

وفضلاً عن ذلك انّ أكثر ما كتب حول الأئمّة فهو ينحصر في تجميع فضائلهم ومناقبهم ومعجزاتهم وبالتالي في نقل أحداث حياتهم بصورة جافة بعيدة كلّ البعد عن التحليل، ثمّ إنّ الكتب التحليلية التي يمكن أن تلبّي رغبات الباحثين والمحقّقين المعاصرين قليلة جداً، وانّ بعضاً منها لا يتمتع من ناحية طريقة كتابتها وبيانها بالمستوى المطلوب. هذا و من المؤكد انّه قد أُلّف


(24)

وكتب عن بعض الأئمّة مثل أمير المؤمنين وسيد الشهداء الحسين بن علي باللغة العربية ـ و ربما الفارسية ـ بما فيه الكفاية غير انّ هناك فراغاً كبيراً للكتب التحليلية العميقة والجامعة فيما يتعلق ببقية الأئمّة وحياتهم ويجب ـ للأسف ـ الاعتراف بهذه الحقيقة المرة، وهي انّه ليس الناس العاديون هم الذين يجهلون حياة الإمام الجواد أو الإمام الهادي أو الإمام العسكري ـ عليهم السَّلام ـ السياسية والأخلاقية والعلمية فقط، بل انّ أغلب الخطباء والكتّاب يفتقدون المعرفة الكافية بهم أيضاً. ويجب أن يهتم الكتّاب بهذا الأمر أكثر في العصر الحاضر الذي يطلب فيه الجيل الشاب معرفة أوسع بحياة الأئمة السياسية والأخلاقية والاجتماعية، وذلك لأنّ ما يهمنا من تاريخ الرسول والأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ ليس هو معرفة نفس حياتهم وسلوكهم بل معرفة نوع الحياة وكيفية سلوكهم الاجتماعي ومواقفهم السياسية والاجتماعية وطبيعة نشاطاتهم الثقافية، فإنّا عند ما نشاهد ومنذ القرون الأُولى من ظهور الإسلام انّ العلماء والمؤرخين المسلمين يكتبون حول حياة نبي الإسلام تحت عنوان سيرة النبي فذلك يكمن فيما ذكرناه.

ذلك انّ ما يفيدنا ويكون لنا مثالاً نقتدي به من حياة الرسول ودعوته ليس هو نفس حياته وتحركه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بل نوع دعوته وتحركه وطريقة دعوته وكيفية مواجهته لأعداء الإسلام، انّ كلمة السيرة تعني في اللغة الحركة والمشي ومأخوذة من السير وبمعنى طريقة المشي أيضاً كما في الجلوس والجلسة فانّ الأُولى بمعنى القعود والثانية بمعنى كيفية الجلوس ونوعه. هذا أوّلاً.

وثانياً: انّ نوع الحياة التي كانوا يعيشونها وكيفية مواقفهم السياسية ـ الاجتماعية يكون واضحاً أكثر عند ما نلم بظروفهم الاجتماعية والسياسية والثقافية الخاصة التي كانوا يعيشون فيها، و ذلك انّنا نعرف بأنّ الأئمة الأطهار كانوا يقيمون طريقة حياتهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية وطبيعة نضالهم على أساس


(25)

من المحاسبات الدقيقة للظروف والأوضاع السائدة في عصرهم وتقييم الإمكانات والمقتضيات والموانع وتناسباً مع نوع المواجهة مع أعداء الإسلام. وعليه ما دمنا لم نتعرف على الأوضاع والظروف الخاصة التي كانوا يعيشون فيها آنذاك، فلن يكون لسيرة الأئمّة وحياتهم أي مفهوم ومعنى دقيق وواقعي. ولربما نجد من خلال مطالعة تاريخهم مواقف متناقضة لهم، لأنّنا نرى أنّ البعض منهم يصالح العدو، والآخر يقاتل حتى النفس الأخير، وثالثاً يؤسّس جامعة ضخمة، والآخر يقوم بنشاط ثقافي محدود، وخامساً يرفض اقتراح الخلافة عليه، وآخر يقبل باقتراح ولاية العهد و... ولكن عندما نتعرف على طبيعة ظروفهم السائدة في حياة كلّ واحد منهم تغدو مواقفهم المتضادة ذات معنى، ونفهم انّه لم يكن هناك أي تناقض بين مبادئهم ومواقفهم في الواقع وانّهم يتبعون هدفاً واحداً غير انّ طبيعة تحرك كلّ واحد منهم للوصول إلى الهدف المطلوب تختلف حسب المقتضيات الزمنية وظروفها.

إنّ أئمّتنا كانوا يؤكدون كثيراً على عامل الزمن ومعرفته ـ باعتباره أمراً حيوياً ـ فقد قال نبي الإسلام : «رحم اللّه من حفظ لسانه، وعرف زمانه، واستقامت طريقته».(1)

وضمن حديث طويل قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :« ... والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»(2)وحينئذ كيف كان هو يجهل هذه القاعدة الحيوية في مواجهة أحداث عصره؟!

يتناول هذا الكتاب الذي بين يديك ـ وهو حصيلة سنوات من البحث لكاتب قدير وصبور، وفي الوقت ذاته عميق ودقيق ـ سيرة الأئمّة الشيعة الأطهار وحياتهم بالتحليل والعرض في ضوء النقاط الهامة المذكورة آنفاً.


1-نهج الفصاحة:1، حرف الراء.
2-أُصول الكافي:1/26.


(26)

تقوم خطة البحث العامة في هذا الكتاب على أساس تقسيم مراحل إمامتهم ـ عليهم السَّلام ـ بعد رحلة رسول اللّه وحتى رحيل الإمام العسكري 260 هـ إلى أربعة مراحل:

1. المرحلة الأُولى هي مرحلة المداراة والمسالمة المصلحية للإمام مع الجهاز الحاكم آنذاك، وتشمل هذه المرحلة فترة الخمسة والعشرين عاماً التي تفصل بين رحيل النبي الأكرم وخلافة أمير المؤمنين.

2. والثانية هي مرحلة تقلد السلطة للإمام وقد استغرقت هذه المرحلة فترة أربع سنوات وتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وبضعة شهور من خلافة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ .

3. المرحلة الثالثة هي مرحلة المحاولات البنّاءة القصيرة زمنياً للقضاء على الحكم الظالم وتشكيل الحكم الإسلامي العادل. وتشمل هذه المرحلة فترة العشرين عاماً الواقعة بين صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ ـ عام 41هـ ـ واستشهاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ ـ عام 61هــ . فبعد انعقاد الهدنة الاضطراري بين الإمام المجتبى ومعاوية ـ وهو الذي سمّي صلحاً ـ راحت نشاطات الشبه سرية للشيعة تبدأ وكانت ترمي إلى الوصول إلى هدفها الأخير وهو إرجاع الخلافة إلى أهل البيت في الفرصة المناسبة.

4. المرحلة الرابعة هي مرحلة مواصلة النشاطات الشبه سرية للشيعة تحت اشراف الأئمّة وقيادتهم ضمن خطة طويلة الأمد و يمكن تلخيص خصوصيات هذه المرحلة:

ألف: يأس الأئمّة من نجاح الكفاح العسكري.

ب: بذل الجهود البنّاءة على أمل إيجاد الحكم الإسلامي الربّاني وتقلّد السلطة من قبل الأئمّة في المدى البعيد.

ج: التمهيد لذلك من خلال النشاطات الثقافية وتربية الكوادر الإنسانية


(27)

المطلوبة.

د: نشر الفكر الإسلامي الأصيل والكشف عن الانحرافات والبدع.

وقد حاول الكاتب والباحث القدير حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ مهدي البيشوائي في كتابه القيم هذا وبذل قصارى جهده أن يقدّم حول حياة كلّواحد من الأئمّة عرضاً عاماً عن الجو السياسي والاجتماعي والثقافي الذي أحاط بهم في ضوء الوثائق التاريخية بصورة واضحة، ثمّ بعد ذلك يقدم الخطوط الرئيسية وأكبر نشاطاتهم الإصلاحية التي تتناسب مع ظروفهم تلك.

وبهذه النظرة يضع المؤلف كلّ جانب من جوانب حياة أُولئك الكرام ـ عليهم السَّلام ـ كالجانب السياسي والنضالي والجانب الاجتماعي والجانب الثقافي والجانب الروحي والإعجازي و... في موضعه المناسب وقد أثبت أنّ أنسب الأساليب ـ بل هو لا غير ـ هو ما اختار الإمام وسار على ضوئه.

إنّ الكتاب الذي بين يديك وهو حصيلة سنين طويلة من البحث والتأليف للمؤلف المحترم ونظراً إلى كيفية عرض وتقديم الأبحاث وطريقة الكتابة والاعتماد على المصادر و... يعد من بين أقرانه شيئاً جديداً، ونأمل أن يلبي رغبة من يشتاق إلى قراءة حياة الأئمّة وسيرتهم. وأنا بدوري أشكر الشيخ البيشوائي الذي عرف بين كتّاب الحوزة العلمية في قم بالعمق والمتابعة والصبر في البحث لما قدمه من خدمة ثقافية عظيمة، وأسأل اللّه تعالى أن يوفقه أكثر في سبيل خدمة أهل البيت الأطهار ـ عليهم السَّلام ـ .

جعفر السبحاني

قم ـ الحوزة العلمية ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

24/11/1372هـ.ش ـ المصادف2/رمضان/1414هـ


(28)


(29)

أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ

* في أحضان النبي

* أوّل من أسلم

* التضحيات الكبيرة

* ممثّل الرسول ومبعوثه الخاص

* على مفترق الطرق المصيري

* القتال في ثلاث جبهات


(30)

نبذة مختصرة من حياته ـ عليه السَّلام ـ

ولد الإمام علي في الثالث عشر من رجب عام 30 من عام الفيل في الكعبة.(1)

أُمّه فاطمة بنت أسد وأبوه أبو طالب.

استشهد في الواحد والعشرين من رمضان عام 40 هجري في مدينة الكوفة ويقع ضريحه الطاهر في النجف الأشرف.

جوانب من حياته ـ عليه السَّلام ـ

ونظراً إلى أنّ الإمام كان قد ولد قبل بعثة الرسول بعشر سنوات وانّه كان مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أحداث تاريخ الإسلام جنباً إلى جنب وانّه عاش بعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مدّة ثلاثين عاماً يمكن أن نقسم عمره البالغ 63 عاماً إلى المراحل الخمس التالية:

1. من الولادة إلى بعثة نبي الإسلام.

2. ومن البعثة إلى هجرته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة.

3. ومن هجرة الرسول إلى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

4. من وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بداية خلافته ـ عليه السَّلام ـ .

5. فترة خلافته ـ عليه السَّلام ـ .


1-مروج الذهب:2/349; تذكرة الخواص:10; نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار:76.


(31)

1. من الولادة إلى بعثة نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إننا وكما أشرنا إذا قسمنا مجموع عمر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ خمسة مراحل فانّ حياته قبل بعثة الرسول تكون المرحلة الأُولى منها ولم يكن عمره في هذه المرحلة يتجاوز العشرة أعوام حيث لم يبلغ الرسول أكثر من ثلاثين عاماً. حينما ولد الإمام والرسول قد بعث في الأربعين إذن لم يكن لعلي ـ عليه السَّلام ـ عندئذ أكثر من عشرة أعوام.

في أحضان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

عاش علي ـ عليه السَّلام ـ خلال هذه المرحلة وهي الفترة الحساسة لتكوين شخصيته وتربيته روحياً ومعنوياً في بيت الرسول محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي ظل تربيته.

وقد كتب المؤرّخون الإسلاميون حول ذلك:

وفي إحدى السنوات أصابت قريش أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للعباس ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ: إنّ أخاك أبو طالب كثير العيال فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ منهم واحداً، وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه، فوافق العباس; فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، وفاتحوه بالأمر فوافق أبو طالب بهذا الاقتراح، فأخذ الرسول عليّاً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً، فلم يزل علي ـ عليه السَّلام ـ مع رسول اللّه في بيته حتى بعثه اللّه نبياً، فاتّبعه علي فأقرّبه وصدقه.(1)

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد أن أخذ علياً من أبيه: اخترت من اختار اللّه لي عليكم علياً.(2)


1-يمكن الرجوع إلى المصادر التالية: الكامل في التاريخ، 2/58; السيرة النبوية، ابن هشام:1/262; تاريخ الطبري:2/213; شرح نهج البلاغة:13/119.
2-مقاتل الطالبيين:15.


(32)

وحيث قد قضى النبي محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طفولته بعد وفاة عبد المطلب في بيت عمّه أبي طالب ونشأ وترعرع تحت رعايته ووصايته أراد أن يكافئه هو وزوجته فاطمة بنت أسد برعاية وتربية أحد أبنائهما، وكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطمح إلى علي ـ عليه السَّلام ـ وقد أشار علي ـ عليه السَّلام ـ زمن خلافته في الخطبة القاصعة إلى هذه الفترة التربوية وقال:

«وقد علمتم موضعي من رسول اللّه بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده، ويشمُّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه...، ولقد كنت أتبعه اتبّاع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به».(1)

علي ـ عليه السَّلام ـ في غار حراء(2)

كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ قبل أن يبعث ـ يجاور في غار حراء من كلّ سنة شهراً وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي المسجد الحرام قبل أن يدخل بيته فيطوف حول الكعبة سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك ثمّ يعود إلى بيته.(3)

وقد دلت الروايات ونظراً إلى اهتمامه الكبير به على أنّ رسول اللّه كان يأخذ عليّاً معه إلى غار حراء و حينما هبط ملك الوحي على النبي لأوّل مرّة وكرّمه بالرسالة كان علي بجانبه في ذلك الغار، وكان ذلك اليوم من نفس ذلك الشهر الذي كان الرسول يذهب فيه إلى جبل حراء للعبادة. وقد قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ حول


1-نهج البلاغة، صبحي الصالح، الخطبة 192.

2-حراء جبل يقع في شمال مكة وغار حراء يقع في قمته.
3-السيرة النبوية، ابن هشام:1/252.


(33)

ذلك في الخطبة القاصعة:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري...ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك لوزير وانّك لعلى خير».(1)

قد يكون هذا الكلام مرتبطاً بعبادة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حراء في فترة ما بعد البعثة غير انّ الروايات السابقة وانّ عبادته في حراء كانت قبل البعثة غالباً، تدلّ جميعها على أنّ هذا الكلام يتعلق بفترة ما قبل البعثة.

وعلى أية حال فانّ روح علي ـ عليه السَّلام ـ الطاهرة وتوجه واهتمام الرسول الدائم أوجبا أن يرى ويسمع بقلب يقظ وبصر ثاقب وأُذن صاغية أشياء وأصواتاً من غير المقدور رؤيتها وسماعها للناس العاديين وهو لمّا يزل يعيش فترة الطفولة. وكتب ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: قد ورد في كتب الصحاح انّه حينما أكرم اللّه محمّد بالرسالة وهبط عليه جبرئيل لأوّل مرّة كان علي معه.(2)

من البعثة إلى هجرته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة

تشكل هذه الفترة (من البعثة إلى هجرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة) المرحلة الثانية من حياة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وهي فترة زمنية استغرقت ثلاثة عشر عاماً، وتشتمل هذه الفترة الزمنية على مجموعة كبيرة من الخدمات والجهود المتألّقة


1-نهج البلاغة، الخطبة192.
2- شرح نهج البلاغة :13/208.


(34)

والأعمال العظيمة والبارزة التي قدمها الإمام في سبيل ازدهار واعتلاء الإسلام، وهو مالم يتمتع به غيره من الشخصيات في تاريخ الإسلام.

أوّل من أسلم

إنّ أُولى مفاخر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في هذه المرحلة هو سبقه في الإسلام وتقدّمه، أو بعبارة أصحّ تجاهره بالإسلام القديم، لأنّه ـ عليه السَّلام ـ كان موحداً منذ نعومة أظفاره ولم يتلوث بالوثنية بتاتاً(1)حتى يكون إسلامه عبارة عن الرجوع عن عبادة الأصنام كما هو الحال عند كافة الصحابة.

إنّ للسبق في الإسلام قيمة عوّل عليها القرآن الكريم وأشاد بها، وقد أعلن صراحة بأنّ للسابقين في الإسلام منزلة وقيمة هناك حيث يقول:

(وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُون). (2)

إنّ اهتمام القرآن الخاص بموضوع السبق في الإسلام والتقدّم فيه بقدر من الأهمية انّه عدّ الذين آمنوا قبل فتح مكة وقدّموا أنفسهم وأموالهم في سبيل اللّه أفضل من الذين آمنوا وجاهدوا بعد الفتح، فكيف بالذين آمنوا وأسلموا قبل الهجرة وفي السنين الأُولى من ظهور الإسلام هناك حيث يقول: (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتح وَقاتلَ أُولئِكَ أَعظَمُ دَرَجةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلوا وَكلاً وَعَدَ اللّهُ الحُسنى). (3)


1-مناقب الخوارزمي:18.
2-الواقعة/10ـ11.
3-الحديد/10.


(35)

والسبب في أفضلية إيمان المسلمين قبل فتح مكة في العام الثامن من الهجرة هو انّهم آمنوا في الوقت الذي لم يبلغ الإسلام ذروة عظمته في جزيرة العرب ولم يزل مركز الوثنيين وعبدة الأصنام ـ أي مكة ـ قائماً كقلعة صامدة والأخطار تهدد نفوس وأموال المسلمين من كلّ حدب وصوب.

صحيح انّ المسلمين كانوا بعد مهاجرتهم إلى المدينة وإسلام الأوس والخزرج والقبائل المتواجدة في أطراف المدينة يتمتعون بتقدّم وأمان نسبيين، وانّهم كانوا ينتصرون في كثير من نزاعاتهم العسكرية غير انّ الخطر لمّا يرتفع بعد بشكل كامل، فإذا كان الإيمان بالإسلام وتقديم النفس والمال في هذه الظروف يتمتعان بقيمة وتقدير خاص، فانّه سيكون للتجاهر بالإيمان والإسلام في بداية دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث لم تكن هناك قدرة غير قدرة قريش وسلطة غير سلطة الوثنيين قيمة أكبر وأكثر من ذلك بالتأكيد، ومن هنا كان السبق والتقدّم في الإسلام يعد مفخرة من المفاخر الكبيرة بين الصحابة.

وبهذا يتضح جيّداً مدى قيمة تقدم الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وسبقه في الإسلام.

أدلّة سبق الإمام علي وتقدّمه في الإسلام

إنّ أدلّة سبقه وتقدّمه في الإسلام كثيرة في الكتب الإسلامية لدرجة انّ سردها ونقلها جميعاً خارج عن نطاق هذا الكتاب وسعته، ولكنّنا نورد بعضاً منها على سبيل المثال:

أ: قد صرّح نبي الإسلام و قبل الكل بتقدّم علي ـ عليه السَّلام ـ وسبقه، وقال هو بين أصحابه:«أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب» .(1)


1-الاستيعاب:3/28; شرح نهج البلاغة:13/119; المستدرك على الصحيحين :3/17.


(36)

ب: قد نقل العلماء والمحدّثون: استنبئ النبي يوم الاثنين وصلى عليٌّ يوم الثلاثاء.(1)

ج: يقول الإمام في خطبة القاصعة: «ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة».(2)

د: ويذكر الإمام حول تقدّمه وسبقه في الإسلام بهذا النحو: «اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب ولم يسبقني إلاّرسول اللّه بالصلاة».(3)

هـ: قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «أنا عبد اللّه وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّكاذب مفترى، صلّيت مع رسول اللّه قبل الناس سبع سنين».(4)

و: قال عُفيف بن قيس الكندي:

«كنت في الجاهلية عطّاراً، فقدمت مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة وقد تحلقت الشمس في السماء أقبل شاب كأنّ وجهه القمر حتى رمى ببصره إلى السماء فنظر إلى الشمس ساعة، ثمّ أقبل حتى دنا من الكعبة فصف قدميه يصلي، فخرج على أثره فتى كأنّ وجهه صفيحة يمانية فقام عن يمينه، فجاءت امرأة متلففة في ثيابها فقامت خلفهما، فأهوى الشاب راكعاً فركعا معاً، ثمّ أهوى الأرض ساجداً فسجدا معه، فقلت للعباس: يا أبا الفضل أمر عظيم! فقال: أمر واللّه عظيم! أتدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا ابن أخي، هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، أتدري من هذا الفتى؟ قلت: لا، قال: هذا ابن أخي علي


1-الاستيعاب:3/32; الكامل في التاريخ:2/57.
2-نهج البلاغة: الخطبة 192.
3-نفس المصدر: الخطبة 131.
4-تاريخ الطبري:2/312; الكامل في التاريخ:2/57; المستدرك:3/112.


(37)

بن أبي طالب، أتدري من هذه المرأة؟ قلت: لا، قال: هذه ابنة خويلد خديجة زوج محمّد هذا، وانّ محمداً هذا يذكر انّ إلهه إله السماء والأرض أمره بهذا الدين... واللّه ما أعلم على وجه الأرض كلّها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة».(1)

ويدلّ هذا النص بوضوح على أنّه لم يؤمن بدعوة نبيّ الإسلام في البداية وباستثناء زوجته خديجة سوى علي ـ عليه السَّلام ـ .

حامية رسول اللّه وخليفته

امتنع نبي الإسلام مدة ثلاث سنوات عن الدعوة العامة العلنية، وكان يدعو فقط وفي لقاءات خاصة الشخصيات التي كان يشعر بأنّها مستعدة للإسلام، وبعد تلك الثلاثة أعوام هبط ملك الوحي وأبلغ أمر اللّه تعالى بأن يبدأ الرسول دعوته العامة من خلال دعوته أهله وعشيرته وهكذا كان أمر اللّه:

(وَأَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأَقْرَبين* وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ * فَإنْ عَصَوك فَقُلْ إِنِّي بَريءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ) .(2)

والسبب في اختيار دعوته للعشيرة مبدأً لانطلاق دعوته العامة هو انّه إذا لم يؤمن بالقائد الإلهي أقرباءه وعشيرته ولم يتبعوه، فلن يكون هناك تأثير لدعوته على البعداء عنه، ذلك انّ للأقرباء معرفة بخفايا شخصيته وصفاته النفسية الحسنة والسيئة جيداً، ومن هنا كان إيمانهم دلالة على نزاهة صاحب الدعوة، كما أنّ ابتعاد أكثرهم وتخلّفهم عنه يدلّ تجرده من صدقه ونزاهته في ما يدعيه، ولذلك


1-راجع شرح نهج البلاغة:13/226; تاريخ الطبري:2/212 مع اختلاف يسير، وقد ذكر ابن أبي الحديد ذلك عن عبد اللّه بن مسعود أيضاً وقد شاهد هو خلال سفره إلى مكة هذا المشهد أيضاً.
2-الشعراء/214ـ 216.


(38)

أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ عليه السَّلام ـ بأن يعدّوليمة غداء ويدعو خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم إليها وأن يعد طعاماً من اللحم مع اللبن. تسارع الجميع في الحضور لدى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الوقت المحدد وبعد تناول الطعام حالت أحاديث عمه أبي لهب وتهكّمه دون إعداد المجلس لفتح الحديث حول أهدافه، وانتهت الضيافة بلا جدوى، وترك الضيوف بيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقرر النبي أن يعد وليمة أُخرى في اليوم التالي وأن يدعوهم جميعاً ما عدا أبا لهب، وأعدّ عليّ الطعام وفقاً لأمر النبي باللحم مع اللبن مرّة أُخرى، ودعا كبار القوم وشيوخهم لتناول الغذاء ولاستماع كلمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد حضورهم في الموعد المحدد وتناول طعامهم افتتح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كلمته قائلاً: «إنّي واللّه ما أعلم أنّ شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» قال هذه الكلمة ووقف قليلاً ليرى من يجيب دعوته، و في هذه الفترة ساد الحضور صمت عميق ممزوج بالحيرة والدهشة ناكسين رؤوسهم، وفجأة كسر علي ـ عليه السَّلام ـ ـ و لم يتعد عمره 14 عاماً (1)ـ ذلك الصمت ونهض ناظراً إلى الرسول، وقال: أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه، ثمّ مدّ يده للرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليكون ذلك عهداً للتضحيات.

وفي هذه الأثناء أمر الرسول علياً بالجلوس وأعاد ما قاله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مرّة أُخرى، وأعاد علي ـ عليه السَّلام ـ إعلانه عن استعداده مرّة أُخرى، وأمره الرسول بالجلوس أيضاً، وفي المرة الثالثة لم يقم كما في السابق أحد سوى علي ـ عليه السَّلام ـ . فهو الوحيد الذي كان يقوم ويعلن عن حمايته عن هدف رسول اللّه المقدس، و في هذه اللحظات ضرب بيده على يد علي و قال في حقّه وبحضور وجهاء بني هاشم المقولة الشهيرة:


1- راجع حول سنّ علي ـ عليه السَّلام ـ حينما أعلن عن نصرته لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحين إسلامه، شرح نهج البلاغة:13/234ـ 235.


(39)

«هذا عليٌّ أخي ووصيي وخليفتي فيكم».(1)

وهكذا يتم ترشيح أوّل وصي لرسول الإسلام على يد آخر السفراء الإلهيين في بداية دعوته التي لم يستجب لها حينها إلاّنفر قليل.

وهنا يمكن أن نقيّم وبوضوح منزلة الإمامة في الإسلام وأهميتها من خلال انّ النبي أعلن عن نبوّته وإمامة علي ـ عليه السَّلام ـ في يوم واحد وانّه اليوم الذي قال فيه: أيّها الناس إنّي رسول اللّه، هو نفس ذلك اليوم الذي قال فيه بأنّ عليّاً وصيي وخليفتي، وأن نلتفت إلى هذه الحقيقة وهي انّ هاتين المنزلتين النبوّة والإمامة لا تفترقان عن بعضهما، وانّ الإمامة امتداد لمنهاج الرسالة.

التضحية الكبيرة

إبّان حصول حلف العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة ليلة الثالث عشر من ذي الحجة بين رسول الإسلام وبين أهل يثرب الذي قد تم ضمنه استدعاؤه إلى تلك المدينة ووعدهم له بنصرته والدفاع عنه ومن اليوم التالي الذي بدأ المسلمون فيه بالهجرة تدريجاً عرف قادة قريش بأنّه تمّ اعداد مركز جديد لأجل نشر الدعوة الإسلامية في يثرب، ولهذا قد شعروا بالخطر لانّهم يخشون أن ينتقم منهم رسول اللّه بعد كلّ ذلك الأذى الذي آذوه به هو وأتباعه، وحتى لو فرض انّه لا يريد محاربتهم فهو يشكل خطراً لتجارة قريش التي تمر بقوافلها على مقربة من يثرب.

ولمواجهة هذا النوع من الخطر اجتمع أُولئك القادة نهاية شهر صفر سنة أربعة عشر من البعثة في دار الندوة للتوصل إلى حلّ لذلك.


1-تاريخ الطبري:2/217; الكامل في التاريخ:2/63; شرح نهج البلاغة:13/211.


(40)

اقترح بعض الحاضرين أن ينفى الرسول أو يسجن غير انّ هذا الاقتراح قد رفض وبالتالي قرّروا قتله، ولكن لم يكن قتل رسول اللّه بالأمر البسيط، لأنّ بني هاشم لن يدعوا الأمر يفوت بسلام وسيطالبون بثأره.

وقد قرروا أخيراً أن يعدّوا من كلّ قبيلة رجلاً شاباً حتى يهجموا على محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هجمة رجل واحد ويقطعوه إرباً إرباً في فراشه، و في هذه الحالة لن يكون القاتل واحداً و لن يستطيع بنو هاشم الأخذ بثاره، لأنّهم يعجزون عن محاربة جميع القبائل ويرتضون لا محالة بقبول الفدية وتنتهي المسألة، اختارت قريش لتنفيذ خطتها الليلة الأُولى من ربيع الأوّل وقد ذكر اللّه تعالى فيما بعد جميع خططهم الثلاث وقال: (وَإِذْ يَمْكُرُبِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين) .(1)

وإثر قرار قريش هذا أطلع ملك الوحي رسول اللّه على خطة المشركين المشؤومة، وأبلغه أمر اللّه بأن اترك مكة واتّجه نحو يثرب. وهنا كان على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يضللهم ويخفي أثره حتى يمكنه الخروج من مكة، ولأجل ذلك كانت هناك حاجة إلى شخصية مضحية تبيت في فراشه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كي يتصوّر المهاجمون بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مازال هناك، و بالتالي يركزون على البيت ويغفلون عن سيطرة الطرق ومراقبتها، ولم تكن هذه الشخصية سوى علي ـ عليه السَّلام ـ ، ولهذا كشف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن خطة قريش لعلي ـ عليه السَّلام ـ وقال: «امضي إلى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أنّي لم أخرج» فأطاع علي ما أمر به، وحاصر جلاوزة قريش ومرتزقتهم بيت رسول اللّه وداهموه بسيوف مسلولة، فنهض عليٌّ من الفراش.

أُولئك الذين كانوا يعتقدون إلى تلك اللحظة بنجاح ودقة خطتهم مئة بالمئة ظلّوا حيارى محبطين ينظرون إليه قائلين: أين محمّد؟ فأجاب: «هل


1-الأنفال/30.


(41)

أودعتموه عندي لتسألوني عنه؟ قمتم بفعل اضطره إلى ترك البيت».

وفي هذه الأثناء هاجموا علياً ـ عليه السَّلام ـ ووفقاً لنقل الطبري آذوه وسحبوه إلى المسجد الحرام، وبعد احتجاز مؤقت أطلقوا سراحه، وانطلقوا باتجاه المدينة يقتفون أثر رسول اللّه في حين كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مختبئاً في غار ثور.(1)

وقد خلّد القرآن المجيد تضحية علي ـ عليه السَّلام ـ العظيمة هذه في التاريخ وقدمه ضمن آية على أنّه من الذين يضّحون بأنفسهم في سبيل اللّه (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابتِغاءَ مَرضاةِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بالْعِباد).(2)

قال المفسرون: قد نزلت هذه الآية حول التضحية العظيمة لعلي ـ عليه السَّلام ـ ليلة المبيت.(3)

وقد احتج نفس الإمام ـ عليه السَّلام ـ في الشورى السداسية التي تشكّلت بأمر عمر لاختيار الخليفة بهذه الفضيلة الكبيرة على أصحاب الشورى وقال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول حين أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري؟ قالوا: لا.(4)


1-السيرة النبوية، ابن هشام :2/124ـ 128; الكامل في التاريخ:2/102، 1399هـ. ق. بيروت، دار صادر; الإرشاد، الشيخ المفيد: 30; المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيشابوري:3/4، بيروت، دار المعرفة; تاريخ الأُمم والملوك:2/244، بيروت، دار القاموس الحديث.
2-البقرة/207.
3-شرح نهج البلاغة، تحقيق أبو الفضل إبراهيم:13/262، 1378هـ.ق; دلائل الصدق، حسن المظفر:2/80، و ينقل المرحوم المظفر عن المفسرين والعلماء البارزين لأهل السنّة مثل الثعلبي والقندوزي والحاكم بأنّ هذه الآية نزلت في علي ـ عليه السَّلام ـ .
4-الخصال، الشيخ الصدوق، تحقيق الغفاري:2/560، 1403هـ.ق; الاحتجاج:1/75، المرتضوية، النجف، 1350هـ.ق.


(42)

3. من هجرة الرسول إلى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

علي ـ عليه السَّلام ـ أخو رسول اللّه

إنّ الإخوة الإسلامية والعلاقة الأخوية تعد مبدأً من المبادئ الاجتماعية للإسلام، وقد حاول نبي الإسلام وبأنحاء مختلفة ومتنوعة أن يوجد ويقوي هذه العلاقة، فإنّه وبعد أن دخل المدينة قرر أن يبرم عقد الأُخوّة والأخاء بين المهاجرين والأنصار من المسلمين، ولهذا الهدف قام يوماً من بين جموع المسلمين وقال: «تآخوا في اللّه أخوين أخوين» ثمّ تصافح المسلمون بعدها مصافحة الاخوة، وهكذا استحكمت الوحدة واشتد الترابط بينهم.

وقد روعي طبعاً في هذا الحلف التناسب بين المت آخين من ناحية الإيمان والفضيلة وإسلامية الشخصية ويتّضح هذا جيداً بالتدقيق في طبيعة الشخصيات التي تآخت فيما بينها، و بعد أن حصل كل واحد على أخيه من الحاضرين جاء علي ـ عليه السَّلام ـ وكان قد بقي وحده إلى رسول اللّه والدموع تفيض من عينيه وقال: «ما آخيت بيني و بين أحد» قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«أنت أخي في الدنيا والآخرة».(1) ثمّ آخى بينه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين علي ـ عليه السَّلام ـ .(2)

هذا الأمر يعكس درجة العظمة والفضيلة التي يتمتع بها عليٌّ جيداً، ويوضح مدى قرابته من رسول اللّه.

في الغزوات

تخلّلت حياة علي ـ عليه السَّلام ـ منذ هجرة الرسول وحتى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحداث كثيرة


1-المستدرك على الصحيحين:13/14.
2-الاسيتعاب في معرفة الأصحاب:3/35.


(43)

والتي منها بشكل خاص تضحياته العظيمة في الغزوات وجبهات الحرب وقد كان لنبي الإسلام بعد هجرته إلى المدينة سبعٌ وعشرون غزوة(1)مع المشركين واليهود والمتمردين، وقد شارك عليّ ـ عليه السَّلام ـ في ست وعشرين منها، ولم يشارك في غزوة تبوك للظروف الحرجة والحسّاسة التي كانت تنذر بتدبير مؤامرة من قبل المنافقين عند غياب رسول اللّه في مركز الحكومة الإسلامية، وبقى فيها بأمر من الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن حيث إنّ دراسة كلّ هذه الغزوات تفيض عن سعة هذا الكتاب، نعرض تالياً وعلى سبيل المثال دور علي ـ عليه السَّلام ـ في أربع ساحات من ساحات الجهاد الكبيرة في زمن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

الف: في غزوة بدر

نحن نعلم بأنّ غزوة بدر كانت أوّل حرب بين المسلمين والمشركين بكلّ ما تعنيه كلمة الحرب من معنى، ولهذا السبب كانت تعد أوّل اختبار عسكري بين الجيشين، و من هذه الناحية كان الانتصار فيها هامّاً للغاية.

اندلعت هذه الحرب في العام الثاني من الهجرة. وكان قد علم رسول اللّه بأنّ هناك قافلة تجارية لقريش يترأسها أبو سفيان عدو الإسلام القديم آتية من الشام تريد مكة، وحيث إنّها تمر من طريق على مقربة من المدينة انطلق رسول اللّه ومعه 313 نفراً من المهاجرين والأنصار باتجاه بدر، وهو طريقها المعتاد بهدف السيطرة عليها. وقد كان دافع الرسول من هذه الحركة هو أن تعلم قريش بأنّ خطها التجاري في متناول أيدي القوات الإسلامية وإذا ما منعت من انتشار الدعوة الإسلامية وحرّية المسلمين فسوف ينقطع شريان حياتهم الاقتصادية بيد


1-يصطلح مؤرّخو السيرة على إطلاق الغزوة على تلك الحروب التي خاضها الجيش الإسلامي، تحت إمرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(44)

تلك القوات. ومن ناحية أُخرى فإنّ أبا سفيان من حيث إنّه كان على علم بانطلاق المسلمين أبعد القافلة بسرعة عن منطقة الخطر من خلال سلوكه طريقاً جانبياً يقع على ضفاف البحر الأحمر، وتزامناً مع ذلك طلب التعزيزات من قادة قريش في مكة، وعلى أثر استنجاده بقريش انطلق نحو 950 إلى 1000 نفر من محاربيها باتجاه المدينة، وواجه هذا العدد المسلمين في 17 رمضان في حين كانت قوى الشرك ثلاثة أضعاف قوى الإسلام، وفي بداية الحرب تقدّم باتجاه وسط ساحة الحرب ثلاثة من شجعان قريش باسم:عتبة، وهو أبو هند زوجة أبي سفيان، وأخوه الأكبر شيبة، وابنه الوليد يطلبون أكفاءً لهم وأقرانهم، ينادون هل من مبارز؟ وفي هذه الأثناء دخل الساحة ثلاثة من شجعان الأنصار لمبارزتهم بعد أنّ عرّفوا أنفسهم فأحجم أبطال قريش من مبارزتهم، ونادوا: يا محمد! أرسل لمبارزتنا من هم أكفّاء لنا وأقراننا منّا. وحينئذ أمر رسول اللّه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب و حمزة بن عبد المطلب وعلياً ـ عليه السَّلام ـ ليبارزوهم، فاتجه هؤلاء المجاهدون الشجعان الثلاثة إلى ساحة الحرب وعرّفوا أنفسهم، فقبلوهم للمبارزة، وقالوا: إنّهم أكفاء كرام.

تواجه من بين هؤلاء الثلاثة حمزة مع شيبة، وعبيدة مع عتبة، وعلي (وكان أصغرهم) مع الوليد خال معاوية وبدأ القتال، قتل عليٌّ وحمزة قرينيهما بينما كان القتال مستمراً بين عبيدة وعتبة ولم ينتصر أحد منهما على الآخر، ولهذا انطلق علي وحمزة بعد قتل صاحبيهما لمساعدة عبيدة وقضوا على عتبة أيضاً.(1)

وقد كتب علي في إحدى رسائله إلى معاوية مشيراً إلى هذا الحدث: وعندي السيف الذي اعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد.(2)


1- السيرة النبوية، ابن هشام:2/277; الكامل في التاريخ:2/125.
2-نهج البلاغة، الرسالة 64 وقد ذكر ذلك في الرسالة 28 أيضاً.


(45)

واندلعت الحرب الجماعية بعد انتصار ثلاثة من أبطال الإسلام الكبار على شجعان قريش، وانتهت بهزيمة ساحقة لجيش المشركين لدرجة انّه قد تأسّر سبعون منهم، وكان قد هلك أكثر من نصف المقتولين بضربات سيف علي ـ عليه السَّلام ـ في هذه الحرب، وقد ذكر المرحوم الشيخ المفيد ثلاثة وثلاثين شخصاً من قتلى المشركين في غزوة بدر وكتب:«وقد أثبتت رواة العامة الخاصة معاً أسماء الذين تولّى أمير المؤمنين قتلهم ببدر من المشركين سوى من اختلف فيه واشرك هو فيه غيره.(1)

ب: الشجاعة الفريدة في غزوة أُحد

أُصيبت قريش أثر هزيمتها في بدر بإحباط نفسي شديد، ولأجل تعويض هذه الخسارة والهزيمة الكبيرة والأخذ بثأر قتلاها قرّروا أن يهاجموا المدينة بقوات مجهزة كبيرة، ونقل رجال رسول اللّه وعيونه في قريش قرارها حول هذا الموضوع، فشكّل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجنة عسكرية لمواجهة العدو، واقترح بعض من المسلمين بأنّه من الأفضل للجيش الإسلامي أن يواجه العدو خارج المدينة، وانطلق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ برفقة ألف مقاتل تاركاً المدينة متجهاً نحو شمالها، وتخلّف عنهم خلال المسير ثلاثمائة رجل من أتباع عبد اللّه بن أبيّ المنافق الشهير أثر تثبيطه وتحريضه لهم فتنزّل عدد القوات الإسلامية إلى سبعمائة مقاتل،وفي صباح اليوم السابع من شوال من السنة الثالثة للهجرة اصطف الجيشان متقابلين في وادي جبل أُحد.

وقبل اندلاعها درس نبي الإسلام [وبإلقاء نظرة عسكرية] ساحة الحرب وتفحّصها، وقد أثار انتباهه منفذ كان من الممكن أن ينفذ منه العدو ويهاجم


1-الإرشاد: 39.


(46)

المسلمين من الخلف خلاله، ولذلك وجّه شخصاً يدعى عبد اللّه بن جبير مع خمسين رامياً وأقرّهم على تل حتى يمنعوا الاختراق المحتمل من ذلك المنفذ، وأمر ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأن لا يترك ذلك المنفذ الحساس بأي حال من الأحوال سواء انتصر المسلمون أم انهزموا، ومن ناحية أُخرى كان لحامل اللواء دور كبير جداً في حروب ذلك العصر لذلك كانوا يعطون الراية أو اللواء لرجل قوي وشجاع، فانّ صمود وثبات حامل الراية وترفرفها في ساحة الحرب يبعث الطاقة في المقاتلين، وعلى العكس فإنّ موت حاملها وانتكاس الراية يسبب هبوطاً معنوياً في نفوسهم، ولهذا السبب يتم ترشيح مجموعة من أشجع المقاتلين قبل بدء الحرب لتولّي حمل الراية للحد من الهبوط النفسي للجنود.

قامت قريش بنفس هذه العملية في هذه الحرب واختارت حملة رايات من قبيلة بني عبد الدار المشهورة بالشجاعة غير انّ أصحاب رايتهم كانوا يلقون مصرعهم الواحد تلو الآخر على يد علي ـ عليه السَّلام ـ ، وكانت انتكاسات الراية المتتالية تبعث اليأس والعجز النفسي في نفوس مقاتلي قريش فلاذوا بالفرار.

ونقل عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بأنّه قال: «كان أصحاب اللواء يوم أُحد تسعة قتلهم علي بن أبي طالب عن آخرهم».(1)

وقال ابن الأثير: «وكان علي هو الذي هزم أصحاب لواء قريش».(2)

وعلى ما رواه المرحوم الشيخ الصدوق قد أكد عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ في احتجاجاته على الشورى السداسية التي تشكّلت بهدف تعيين الخليفة بعد موت عمر على هذه النقطة، وقال:


1- الإرشاد: 47.
2-الكامل في التاريخ:2/154.


(47)

«نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قتل من بني عبدالدار تسعة مبارزة غيري كلّهم يأخذ اللواء، ثمّ جاء صوأب مولاهم كأنّه قبة مبنية قد ازبدّ شدقاه واحمرت عيناه فاتقيتموه وحدتم عنه، وهو يقول: واللّه لا أقتل سادتي إلاّ محمداً، فخرجت إليه فاختلفت أنا و هو ضربتين فقطعته بنصفين وبقيت رجلاه وعجزه وفخده، غيري؟

قالوا: اللهم لا».(1)

وقد صدق كلّ أصحاب الشورى كلام علي ـ عليه السَّلام ـ .

وعلى أية حال هزم جيش قريش وأراد مقاتلوا فرقة عبد اللّه بن جبير مغادرة موقعهم بمجرد مشاهدتم لهذا المشهد بدافع تجميع الغنائم، فذكّرهم عبد اللّه بأمر الرسول فلم يعبأوا به، وانحدر منهم ما يزيد عن 40 من التل لجمع الغنائم، وبقي عبد اللّه بن جبير مع ما يقل عن عشرة مقاتلين هناك.

وفي هذه الأثناء كان خالد بن الوليد مع مجموعة من الفرسان يترصّدون للمسلمين، وحيث قد رأى ما هم عليه هاجمهم، وبعد القضاء عليهم واصل هجومه على المسلمين من الخط الخلفي، وقد تزامن هذا مع رفرفة رايتهم بيد إحدى نساء قريش وتدعى عمرة بنت علقمة، وكنّ قد أتين لتشجيع جيش المشركين في ساحة القتال، ومنذ ذلك الحين تغيّرت معادلة الحرب كلية واختل تناسق وانسجام المسلمين العسكري والقتالي، وانقطع الاتصال بين المقاتلين والقيادة وانهزم المسلمون، واستشهد حوالي سبعين مقاتلاً من بينهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير أحد حملة رايات الجيش الإسلامي و من مجاهدي الإسلام.


1-الخصال:560.


(48)

ومن ناحية أُخرى هبطت معنويات كثير من المسلمين إذا أشاع العدو نبأ قتل رسول اللّه في ساحة القتال وتراجع أغلب المسلمين أثر الضغط العسكري الجديد لجيش المشركين، وتفرّقوا، ولم يصمد إلى جانب الرسول سوى عدد قليل، وتوالت اللحظات الحرجة والمصيرية في تاريخ الإسلام هناك حيث ينجلي دور علي ـ عليه السَّلام ـ الكبير، إذ كان يقارعهم بسيفه بشجاعة وببسالة لا مثيل لها مع رسول اللّه جنباً إلى جنب يحمي الوجود المقدس لقائد الإسلام العظيم من الهجمات المتوالية لكتائب المشركين الهائلة.

وكتب ابن الأثير في تاريخه:

«فلمّا قتلهم أبصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جماعة من المشركين، فقال لعلي: احمل عليهم ففرّقهم وقتّل فيهم، ثمّ أبصر جماعة أُخرى فقال له: احمل عليهم، فحمل عليهم وفرّقهم وقتل فيهم، فقال جبرائيل: يا رسول اللّه هذه المواساة ،فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «إنّه مني وأنا منه » فقال جبرائيل: وأنا منكما، قال فسمعوا صوتاً يقول: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي».(1)

وكتب ابن أبي الحديد أيضاً:

«لمّا فرّ معظم أصحابه عنه يوم أحد كثرت عليه كتائب المشركين، وقصدته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كتيبة بني كنانة فيها بنوسفيان بن عويف، وهم خالد بن سفيان، وأبو الشعشاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان ، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«يا علي اكفني هذه الكتيبة» فحمل عليها وانّها لتقارب خمسين فارساً، وهو ـ عليه السَّلام ـ راجل فمازال يضربها بالسيف حتى


1-الكامل في التاريخ:2/154.


(49)

تتفرّق عنه، ثمّ تجتمع عليه هكذا مراراً حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها ممّن لا يعرف بأسمائهم، فقال جبرائيل ـ عليه السَّلام ـ لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :يا محمد انّ هذه المواساة لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما يمنعه وهو مني وأنا منه»، فقال جبرائيل: وأنا منكما، قال: وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مراراً: «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي»، فسئل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنه فقال: «هذا جبرائيل».(1)

ج: في غزوة الأحزاب (الخندق)

كانت غزوة الأحزاب كما يبدو من اسمها حرب اتّحدت فيها جميع القبائل والأحزاب المتعددة المعادية للإسلام للقضاء على الإسلام الفتي.

وقد عدّ بعض المؤرخين جيش الكفر في هذه الغزوة بأنّه تجاوز العشرة آلاف مقاتل في حين لم يتعد عدد المسلمين الثلاثة آلاف.

وكان قادة قريش الذين يتولّون قيادة هذا الجيش قد أعدّوا خطة جعلتهم يعتقدون بأنّهم سيقضون على الإسلام بشكل تام في هذه الحرب وانّهم سينتهون ويرتاح بالهم من محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأتباعه إلى الأبد.

عندما أُعلم رسول اللّه بانطلاق قريش شكل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجنة عسكرية، وقد اقترح فيها سلمان بأن يحفر خندق عند منافذ المدينة ليمنع نفوذ العدو إليها، فقبل هذا


1-شرح نهج البلاغة:14/250ـ251. ويروي الخوارزمي بأنّ علياً احتج على أصحاب الشورى بهذه المواساة التي تبعها نداء السماء.


(50)

الاقتراح وحفر الخندق بجهود المسلمين خلال عدّة أيام ذلك الخندق الذي بلغ عرضه حداً يعجز فرسان العدو عن العبور قفزاً من خلاله وعمقه درجةً إذا دخله أحد لم يمكنه الخروج منه بسهولة.

وصل جيش الشرك بتعاون من اليهود وكانوا يتصورون بأنّهم سيواجهون المسلمين في أطراف المدينة كما في السابق، ولكن لم يجدوا لهم أثراً خارج المدينة هذه المرة وواصل الجيش في تقدّمه فوصل إلى بوابة المدينة، وقد أثارت رؤية خندق عميق عريض حول منافذ المدينة دهشتهم، لأنّه لم يسبق للعرب ان استخدمته في حروبها، فاضطروا إلى محاصرة المدينة من وراء الخندق ووفقاً لبعض الروايات استمر الحصار على المدينة حوالي شهر واحد، وكلّما فكّر جنود قريش في العبور من الخندق كانوا يجابهون بمقاومة المسلمين وحماة الخندق الذين كانوا مستقرين على مسافة قصيرة في مواضعهم الدفاعية، وكان الجيش الإسلامي يرد على أية فكرة اعتداء، بالنبال ورمي الحجر، كان التراشق بالنبال مستمراً في الليل والنهار ولم ينتصر أحد من الطرفين على الآخر، ومن ناحية أُخرى كان حصار المدينة على يد هذا الجيش الكبير العرمرم قد أضعف معنويات كثير من المسلمين واهبطها خاصة انّه قد شاع نبأ نقض العهد من قبل القبيلة اليهودية بني قريضة أيضاً، واتضح بأنّها وعدت الوثنيين بأنّه حالما يعبرون الخندق فإنّهم سيهاجمون المسلمين من الخلف.

الأيام الحسّاسة والحرجة

وقد صور القرآن الكريم ظرف المسلمين الحرج والمتأزم أبّان أحداث هذا الحصار جيداً في سورة الأحزاب:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا )


(51)

عَلَيْهِمْ ريحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيراً* إِذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنونا *هُنالِكَ ابْتُليَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلزالاً شَديداً* وَإِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّغُروراً* وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْل يَثْربَ لا مُقامَ لَكُم فَارْجِعُوا وَيَستأذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيوتَنا عَورةُ وَما هِيَ بِعَورة إِن يُريدُونَ إِلاّ فِراراً* ولو دُخِلَتْ عَليهِم مِنْ أَقطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفتنَة لأَتوْها وما تَلَبَّثوا بِها إِلاّ يَسيراً).(1)

ومع أنّ المسلمين كانوا في وضعية حرجة كان الخندق حاجزاً أمام افتراق جيش الأحزاب، واستمرار هذه الحال أمراً عسيراً عليهم ذلك انّ الطقس كان يبرد شيئاً فشيئاً، ومن ناحية أُخرى ونظراً إلى أنّ الزاد والطعام والعلف الذي أعدّوه كان يكفي لحرب قصيرة الأمد كحربي بدر وأُحد، فانّ نفادها ومع تطاول مدّة الحصار كان يثير قلقهم وأُوشكوا يفقدون حماسهم ورغبتهم في القتال ودبّ التعب والتخاذل في نفوسهم. لذلك لم ير قادة الجيش بّداً غير إرسال محاربيهم الأقوياء والشجعان لاختراق الخندق وبشكل ينكسر فيه حاجز الحرب المعلقة، ومن هنا حاول خمسة أبطال من جيش الأحزاب استعراض قوتهم بخيولهم حول الخندق واخترقوه من خلال منفذ ضيق وصاروا إلى جانبه الآخر وطلبوا المبارزة من أقرانهم. وكان أحد هؤلاء المحاربين بطل عربي شهير يدعى عمرو بن عبدِوَدّ الذي كان من أقوى وأشجع رجال العرب، وكانوا يعدّونه بألف مقاتل، وحيث إنّه قد انتصر لوحده على مجموعة من أعدائه في أرض يقال لها يليل، اشتهر بفارس يليل،


1-الأحزاب/9 ـ 14.


(52)

وكان عمرو قد شارك في حرب بدر وجرح فيها، ولهذا السبب لم يشارك في حرب أحد، فجاء الآن إلى حرب الخندق معلّماً ليمتاز عن الآخرين، وبعد ان عبر الخندق رفع صوته بنداء هل من مبارز؟ وحينما لم ينهض أحد من المسلمين لمواجهته، تجرأ أكثر واستهزأ بعقائد المسلمين وقال: تقولون إنّ من يقتل منكم في الجنةو من يقتل منّا في النار، فهل من أحد أرسله إلى الجنة أو يرسلني إلى النار؟ ثم ّ أنشد أشعاراً قال فيها:

ولقد بححت من النداء * لجمعكم هل من مبارز

وكان قد بلغ الرعب والخوف من صيحات عمرو المتوالية في قلوب المسلمين درجة ممّا جعلهم يتسمّرون في مكانهم عاجزين عن الحراك وعن أية ردة الفعل.(1)

وكان كلّما يرتفع نداء عمرو للمبارزة كان عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ هو الوحيد الذي يقوم ويستأذن الرسول ليذهب إلى ساحة القتال، غير انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يوافق، وقد تكررت هذه الحالة ثلاث مرّات، وفي المرة الأخيرة التي استأذن علي ـ عليه السَّلام ـ فيها قال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« انّه عمرو بن عبدود» فقال علي:« وأنا علي».(2)

وفي النهاية وافق نبي الإسلام وأعطاه سيفه وألبسه عمامته، و ما أن انطلق عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ إلى ساحة القتال، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «برز الإسلام كلّه إلى الشرك كله».(3)

وتوضيح هذه العبارة بشكل جيد انّ انتصار أحد هذين المقاتلين على الآخر يكون انتصاراً للكفر على الإيمان أو للإيمان على الكفر.


1-وقد صوّر الواقدي رعب المسلمين بهذه العبارة: كأنّ على رؤوسهم الطير . المغازي:2/470.
2-شرح نهج البلاغة:13/284 .
3-البحار:20/215.


(53)

وبعبارة أُخرى: يكون قتالاً مصيرياً يحدد مستقبل الإسلام والشرك.

انطلق عليّ ـ عليه السَّلام ـ راجلاً نحو عمرو، و قال حينما واجهه: «إنّك كنت تقول في الجاهلية لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلاّقبلتها» قال: أجل، قال ـ عليه السَّلام ـ :«فانّي أدعوك أن تشهد أن لاإله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه وتسلم للّه ربّ العالمين». قال: يا ابن أخي أخّر هذا عني; قال: «فأُخرى ترجع إلى بلادك، فإن يكن محمد صادقاً كنت أسعد الناس، و إن غير ذلك كان الذي تريد» قال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً، وقد نذرت ما نذرت وحرّمت الدهن; قال: فالثالثة، قال «البراز» فضحك عمرو و قال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظن انّ أحداً من العرب يرومني عليها، إنّي لأكره ان أقتل مثلك وكان أبوك لي نديماً، فارجع فأنت غلام حَدَث; قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «فأنا أحب أن أقتلك» غضب عمرو من قول علي، ونزل من فرسه بكبرياء، وعقل فرسه، فتقاتلا قتالاً شديداً، فأنزل عمرو ضربة قاصمة على رأس علي، فدفعها بترسه، فصار نصفين، وجرح رأسه ـ عليه السَّلام ـ فاستغل علي الفرصة وضربه بضربة قوية، فألقاه صريعاً، وكانت الغبرة المثارة تمنع من رؤية القتال فسمع التكبير ودبّ الفرح في قلوب المسلمين.(1)

تسبب مصرع عمرو في أن يهرب المقاتلون الأربعة الذين رافقوه عند اختراق الخندق، وكانوا ينتظرون ما ينتهي إليه قتال علي وعمرو. تمكن ثلاثة منهم من اختراق الخندق للرجوع إلى معسكرهم، سوى انّ أحدهم و يدعي نوفل قد سقط مع فرسه في الخندق عند هروبه، فنزل إليه علي ـ عليه السَّلام ـ وقتله أيضاً، وبقتل هذا البطل فقد جيش الأحزاب معنوياته ويأس عن إمكانية أي هجوم على المدينة بشكل تام وظلت القبائل المتعددة تفكّر كلّ واحدة منها بالرجوع إلى موطنها، وقد كانت آخر ضربة تلقّوها هي تلك التي جعلها اللّه تعالى على شكل رياح عاتية


1-المغازي:2/471.


(54)

وأعاصير شديدة، وفي النهاية أخذوا الطريق إلى أوطانهم حاملين فشلهم الذريع.(1)

وبمناسبة هذا العمل العظيم قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ في ذلك اليوم:

«لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أُمّة محمّد، لرجح عملك على عملهم، وذاك انّه لم يبق بيت من المشركين إلاّ وقد دخله ذل بقتل عمرو ولم يبق بيت من المسلمين إلاّوقد دخله عزّ بقتل عمرو.(2)

وقد نقل محدث أهل السنّة الشهير الحاكم النيشابوري كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهذه العبارة: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة».(3)

وفلسفة هذا الكلام واضحة طبعاً، وذلك انّ الإسلام والقرآن في ذلك المشهد العسكري من ذلك اليوم كانا على شفا جرف ويمرّان في أكثر الفترات حراجة، وكانت الشخصية التي أنقذت الإسلام بتضحيتها الفريدة من الخطر وكفلت له الاستمرارية إلى يوم القيامة واستقوى الإسلام ببركة تلك التضحية هي شخصية علي ـ عليه السَّلام ـ ، وعليه كانت عبادة الجميع منوطة بتضحيات علي ـ عليه السَّلام ـ .


1-وقد ذكرت أحداث قتال علي ـ عليه السَّلام ـ المصيري مع عمرو بن عبدود مضافاً إلى المصادر السابقة في الكتب التالية مع اختلاف يسير:
بحار الأنوار:20/203 ـ 206; الخصال: 560; السيرة النبوية:3/236; الكامل في التاريخ:2/181; الإرشاد:54; شرح نهج البلاغة:19/62ـ 64.
2- البحار:20/216.
3-المستدرك على الصحيحين:3/32.


(55)

د: فاتح حصن خيبر

كان قد قرر رسول اللّه في العام السابق من الهجرة أن يحارب يهود خيبر ويغزوهم، وكان دافعه في ذلك أمرين:

أ. كانت خيبر قد تحولت إلى مركز للمؤامرات والفتن ضدّ الدولة الإسلامية الحديثة، وقد شارك يهود هذه الحصن أعداء الإسلام في الهجوم على المدينة مرات عديدة، وبشكل خاص في حرب الأحزاب حيث كان لهم دور هام في تعزيز قوة ذلك الجيش وتقويته.

ب. وعلى الرغم من أنّ فارس والروم كانتا وبصفتهما امبراطوريتين كبيرتين في نزاعات طويلة مع بعضهما غير انّ ظهور الإسلام في الساحة على أنّه قوة ثالثة لم يكن بالأمر الذي يمكن التسامح فيه، ولهذا لم يكن من المستبعد أن يصير يهود خيبر أداة لكسرى أو لقيصر تساندهما في دك الإسلام، أو انّهم كما حرّضوا المشركين ضد الإسلام الفتي قد يحرضون هاتين الامبراطوريتين لأجل القضاء على هذا الدين الجديد. دفع هذان الأمران الرسول إلى أن ينطلق برفقة ألف وستمائة مقاتل نحو خيبر، وقد كانت قلاع خيبر محصّنة ومستحكمة جداً ومجهّزة بأجهزة دفاعية كثيرة، وكان المقاتلون اليهود يدافعون عنها بقوة، وكانت الحصون والقلاع تتساقط الواحدة تلو الأُخرى (ومع صعوبة وبطء) بجهاد وبسالة جنود جيش الإسلام، ولكن بقيت حصن قموص التي كانت أكبر الحصون ومركزاً لمقاتليهم الشجعان تقاوم ولم يكن بإمكان مجاهدي الإسلام فتحها، وكان الصداع الذي أُصيب به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد منعه أن يحضر ساحة القتال ويقود الجيش بنفسه، ومن هنا كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعطي الراية كل يوم لواحد من المسلمين ويحمّله مسؤولية فتحها، ولكنّهم كانوا يعودون الواحد تلو الآخر بلا جدوى، وفي أحد الأيام أعطى


(56)

الراية لأبي بكر وفي اليوم الثاني أعطاها لعمر، و قد عاد كلاهما من دون أن يحقّقا نصراً وفتحاً إلى عسكر الإسلام، وقد كان استمرار هذه الحالة ومشاهدة ذلك أمراً ثقيلاً على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال حينئذ: «لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللّه على يديه، يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله».(1)

وظلّ أصحاب رسول اللّه يفكّرون تلك الليلة في أنّه من هو الذي سيعطيه الرسول الراية غداً؟ وعند شروق الشمس اجتمع جنود الإسلام عند خيمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكان كلّ واحد منهم يتمنّى أن يكون هو الشخص الذي يأخذ الراية منه، و قال حينئذ: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا : يا رسول اللّه يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فجاء فدعا النبي لشفاء عينيه فشفي. وقال:«يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا »فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فانفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه فيه، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم».(2)

انطلق عليٌّ في هذه المهمة وفتح تلك الحصن القوية الصامدة بشجاعة فريدة.

مبعوث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الخاص

كان قد مرّ أكثر من عشرين سنة والدين الإسلامي المعادي للشرك ظل في


1- وقد نقل ابن عبد البر حديث الرسول بهذا النحو: «لأعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله ليس بفرار يفتح اللّه على يديه». الاستيعاب في معرفة الأصحاب:3/36.
2-صحيح مسلم:7/121. وذكرت مهمة علي ـ عليه السَّلام ـ الكبيرة هذه وحديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الكتب التالية باختلاف يسير: السيرة النبوية:3/349; الكامل في التاريخ:2/219; المستدرك على الصحيحين:3/109; صحيح البخاري:5/18.


(57)

أرجاء الحجاز بين القبائل العربية المشركة، و قد كان أكثرهم قد تعرف على رأي الدين الإسلامي حول الأوثان والوثنية طيلة هذه الفترة، وعلموا بأن الوثنية ليست إلاّ تقليداً أعمى للأجداد والآباء. إن أوثانهم الباطلة على درجة من الذلة والعجز بحيث إنّها عاجزة ليس فقط على أن تفعل شيئاً للآخرين، بل تعجز حتى عن دفع أي مكروه عن نفسها أو أن تفيدها، فليس هذا النوع من الآلهة الحقيرة والبائسة جديراً بالثناء والخضوع اذن، وكانت هناك مجموعة تحمل ضميراً حياً وقلباً مستنيراً بسماع كلام الرسول الكريم قد أحدثت انقلاباً عميقاً في حياتها متجهة من الوثنية إلى التوحيد خاصة عند ما فتح رسول اللّه مكّة حيث استطاع الدعاة ممارسة الدعوة إلى هذا الدين في أجواء تسودها الحرية، وبالتالي مارست جموع كثيرة معتد بها عملية كسر الأصنام في المدن والنواحي والقرى، ودوّى نداء التوحيد الباعث على الحياة في أكثر أرجاء الحجاز، ولكن كانت هناك مجموعة أُخرى متعصبة جاهلة صعب عليها كثيراً ان تقلع عن تقاليدها السابقة، وهي في نزاع دائم مع طبيعتها الإنسانية وضميرها، فظلت متمسكة بعاداتها القبيحة ومعتقدة بالخرافات والأوهام المفعمة بالانحرافات الخلقية والاجتماعية وعليه كان قد حان ذلك الزمن الذي يدك الرسول الكريم فيه أي نوع من مظاهر الوثنية واللاإنسانية بقوة عسكرية يستخدمها وبشدّة لاستئصال تلك الوثنية التي هي مصدر الفساد الأخلاقي والاجتماعي وتمثل نوعاً ما اعتداءً على حرمة الإنسانية.

في هذه الفترة نزلت آيات سورة البراءة وكلف رسول اللّه بأن يعلن عن براءة اللّه ورسوله من المشركين في مناسك الحجّ في تلك الجموع الغفيرة التي يجتمع الحجاج فيها ويأتون من كان حدب وصوب إلى مكة وتبليغهم وبأعلى صوته بأن يوضحوا موقفهم خلال الأربعة أشهر الآتية، فإن أسلموا فحالهم كحال المسلمين وسوف يتمتعون كالآخرين بمزايا الإسلام المادية والمعنوية، وإذا استمروا في


(58)

عنادهم فيجب أن يستعدوا للقتال بعد هذه المدّة وأن يعلموا انّهم حيثما قبض عليهم أو أُسروا فسيقتلون. ونزلت آيات سورة البراءة في الوقت الذي لم يقرر الرسول فيه المشاركة في مناسك الحجّ، لأنّه كان قد زار بيت اللّه في عام الفتح الماضي، وكان ينوي الحجّ في السنة التالية، وهي ما سمّيت فيما بعد بحجّة الوداع، لذلك لم يجد غير أن يبعث أحداً ليبلغ الرسالة الإلهية فاستدعى أبا بكر في البداية واقرأه بعضاً من الآيات الأُولى لسورة البراءة ،وأرسله برفقة أربعين نفراً إلى مكة كي يقرأ هذه الآيات عليهم في عيد الأضحى وبينما أبو بكر في طريقه إلى مكة، فإذا بالوحي الإلهي يهبط ويأمر الرسول بأن لا يؤديها عنك إلاّ أنت أو رجل منك.

فمن يا ترى هذا الإنسان الذي هو من رسول اللّه في رأي الوحي ولا يجدر بشخص آخر أن يقوم بهذه المسؤولية غيره؟ لم تمض فترة حتى استدعى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ عليه السَّلام ـ وأمره بأن ينطلق إلى مكة ويدرك أبا بكر في الطريق ويأخذ منه الآيات ويقول له بأنّ اللّه تعالى أمر الرسول بأن لا يقرأ هذه الآيات للناس إلاّ أنت أو رجل منك وكلّفت أنا بهذه المهمة.

انطلق علي ـ عليه السَّلام ـ ومعه جابر ومجموعة من الصحابة وهو راكب على ناقة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الخاصة باتجاه مكة وأبلغ أبا بكر كلام رسول اللّه فأعطاه هو الآيات وسلّمها.

دخل أمير المؤمنين مكة وصعد في العاشر من ذي الحجة على جمرة العقبة وقرأ الآيات الأُولى من سورة البراءة بصوت عال عليهم، وأتبعها بإنذار رسول اللّه وتحذيره المؤلف من أربعة بنود، وأسمعهم جميعهم.(1)


1-كان الإنذار يتألّف من البنود الأربعة التالية:
الف: إلغاء حلف الهدنة مع المشركين.
ب: أن لا يحضروا موسم الحج.
ج: أن يمنع الناس وهم عراة من الطواف وقد كان ذلك سائداً حينها بين المشركين.
د: أن يمنع المشركون من دخول المسجد الحرام.


(59)

وبهذه الرسالة علم المشركون جميعاً بأنّ أمامهم أربعة أشهر فقط كي يحدّدوا موقفهم تجاه الحكومة الإسلامية.

وأثرت الآيات وانذار الرسول تأثيراً عجيباً على الكفّار حيث أسلموا ودخلوا دين التوحيد زرافات ووحداناً والأربعة الأشهر لم تنته بعد و لم تأت نهاية السنة العاشرة من الهجرة حتى استئصل الشرك في الحجاز كله، وعند ما علم أبو بكر بتنحيته عاد إلى المدينة منزعجاً وجاء إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معاتباً وقال: «مالي يا رسول ؟!» قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خير؟! غير انّه لا يبلّغ عني غيري أو رجل مني».(1)

4. من وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى خلافته الظاهرية

وقبل البدء بهذا البحث نشير مقدمة إلى أنّ الإمامة قد مرت منذ وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في صفر سنة 11 هجرية والى وفاة الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ في ربيع الأوّل سنة 260هـ بأربع مراحل تقريباً، وكانت كلّ مرحلة من هذه المراحل تمتاز من حيث مواقف الأئمّة تجاه السلطات الحاكمة بسمة معينة وهي:

أ: مرحلة الصبر والمداراة مع هذه السلطات، وتشتمل هذه المرحلة جميع الخمس وعشرين سنة الممتدة من عام وفاة الرسول الكريم 11 هجرية إلى بداية خلافة أمير المؤمنين الظاهرية سنة 35 هجرية.

ب: مرحلة استلام الإمام للسلطة وهي تشمل تلك الأربع سنوات والتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين، وبعضاً من الشهور من خلافة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ،


1-روح المعاني، الآلوسي، ج10/44، تفسير سورة التوبة.


(60)

وهذه المرحلة بالرغم من قصر مدتها، وحدوث الاضطرابات والأزمات التي كان يثيرها أعداء الإسلام لهذين العظيمين عليمها السَّلام فهي من أكثر سنين الحكومة الإسلامية ازدهاراً.

ج: مرحلة المحاولة البناءة القصيرة الأمد لتشكيل الحكومة الإسلامية، وتشمل فترة العشرين عاماً الممتدة من عقد صلح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ في سنة 41هـ إلى شهادة الإمام الحسين سنة 61هـ. وبعد إحداث الصلح بدأت عملياً نشاطات الشيعة النصف سرية مع خطط ترمي إلى إعادة السلطة لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في الفرصة المناسبة، ولم تكن هذه الفرصة البعيدة وفقاً للحسابات المعتادة، وكان الأمل في تحقّقها موجوداً مع انتهاء حياة معاوية الشريرة.

د: وأخيراً كانت المرحلة الرابعة هي متابعة هذا المنهاج في برامج طويلة الأمد، وقد استمرت قرابة قرنين من الزمن توالت فيها الانتصارات والانتكاسات في فترات متعددة متواكبة مع النجاح الكاسح في المجال الآيديولوجي والعقيدي المندمج في مئات الأساليب المتناسقة المكلّلة بآلاف الأكاليل من الإخلاص والتضحية.(1)

وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقضية الخلافة

كان علي ـ عليه السَّلام ـ من أكثر الشخصيات الراقية جدارة في قيادة المجتمع الإسلامي بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يكن في العالم الإسلامي شخص يبلغ مستوى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في الفضل والتقوى والرؤية الفقهية والقضائية والجهاد في سبيل اللّه تعالى و في كافة الصفات الإنسانية العالية غير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وبسبب هذه الجدارة رُشِّح ـ عليه السَّلام ـ من قبل رسول اللّه وبأمره تعالى في مناسبات عديدة لقيادة


1-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، آية اللّه السيد علي الخامنئي، ص 21.


(61)

المسلمين المستقبلية وأهمها هو ما حدث في الغدير.

ومن هنا كان من المتوقع انّه سيتولّى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ الخلافة وقيادة المسلمين غير انّه لم يحدث ذلك من الناحية العملية، وانحرف خط الخلافة الإسلامية بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُقصي علي ـ عليه السَّلام ـ من الساحة السياسية ومركز القرار في قيادة المجتمع الإسلامي.

على مفترق الطرق المصيري

لم يتحمل علي ـ عليه السَّلام ـ هذا الانحراف ولا السكوت عليه، وانتقد الخليفة وأتباعه باستدلالاته وحججه الدامغة مرات عديدة غير انّ الأيّام و مجرى الأحداث قد دلّتا على أنّ هذه الاعتراضات غير مجدية وانّ الخليفة وأتباعه يصرّون على الاحتفاظ بالسلطة والاستمرار، وظل علي ـ عليه السَّلام ـ حينئذعلى مفترق طرق مصيري حسّاس وبين خيارين، فهو إمّا أن ينتفض مستخدماً القوة وبمساعدة أنصار أهل بيت الرسالة وأصحابه الحقيقيّين الذين لا يؤمنون بمشروعية وقانونية الحكومة الجديدة في وجهها ويستلم زمام الخلافة، أو يرضى بالأمر الواقع ويساهم بقدر الإمكان في معالجة قضايا المسلمين ويقوم بواجبه.

وانطلاقاً من أنّ السلطة والمنصب ليسا هدفاً في القيادات الإلهية، وانّ الهدف أسمى وأكبر من الاحتفاظ بالسلطة ووجود القيادة آلة لتحقق ذلك الهدف، فانّ القائد إذا ما قدّر له يوماً أن يكون بين خيارين وخيّر بين اختيار المنصب والسلطة واختيار الهدف والمبدأ ،فعليه التضحية بالمنصب والسلطة، ويقدّم الهدف والمبدأ وأن يعتبر الهدف أولى من السلطة والقيادة.

واجه عليٌّ هذه الحالة واختار الخيار الثاني وتوصل ومن خلال دراسة ظروف المجتمع الإسلامي إلى هذه النتيجة، وهي انّه لو أصر على الاستيلاء على السلطة


(62)

وعلى الاحتفاظ بالمنصب والقيادة فستحدث ظروف تضيع فيها جهود رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والدماء الطاهرة التي أُريقت في سبيل اللّه.

يذكر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبة الشقشقية هذا المفترق الصعب والحساس والخيارين المصيريّين وسبب اختياره للخيار الثاني بهذا النحو:

«فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْها كَشحاً، وطَفِقْتُ أرتَئي بَين أن أُصولَ بيدجَذّاء، أو أصْبِرَ على طَخية عمياء، يَهْرَمُ فيها الكَبير وَيشيبُ فيها الصَغير، ويَكْدَحُ فيها مؤمِنٌ حَتّى يَلقى ربَّهُ، فَرَأيْتُ أنَّ الصَّبرَ على هاتا احجى، فصبرتُ وفي العَيْنِ قَذى وَفي الحَلْقِ شَجى، أَرى تُراثي نَهباً».(1)

وقد أشار الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى صبره على انحراف الخلافة الإسلامية عن خطها الصحيح بدافع الحفاظ على الإسلام في مناسبات أُخرى أيضاً ومنها ما قاله في بداية خلافة عثمان عندما عملت الشورى لصالحه واستولى على السلطة واقفاً أمامهم:« لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، وواللّه لأسلمن ما سلمت أُمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة».(2)

التحديات والأخطار الداخلية والخارجية

قد قلنا انّ علياً ـ عليه السَّلام ـ امتنع عن الكفاح المسلح، وذلك نظراً للأخطار والتحديات التي كانت من الممكن أن تظهر في المجتمع الإسلامي حال قيامه بذلك، وقد يسأل عن نوعية هذه التحديات التي كانت تواجه المجتمع الإسلامي الفتي آنذاك.


1-نهج البلاغة، الخطبة 3.
2-نهج البلاغة، الخطبة 74.


(63)

وجواباً على ذلك يمكن عرض الأخطار والتحديات الداخليةوالخارجية والموانع التي جعلت علياً ـ عليه السَّلام ـ يغض النظر عن الكفاح بالنحو التالي:

أ: انّ الإمام لو كان قد استخدم القوة ومارس الكفاح المسلح لاسترداد الخلافة، لكان يخسر كثيراً من الأعزاء الذين كانوا يؤمنون بإمامته إيماناً راسخاً من الأعماق.

وكان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يعاني من قلة الناصر والمعين على هذا الأمر، ويقول:«فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى».(1)

ويقول أيضاً:

«لو وجدت أربعين ذوي عزم».(2)

كما صدّر الإمام ـ عليه السَّلام ـ في زمن خلافته بياناً سياسياً هاماً وأمر بأن يقرأ على مسامع الناس كلّ جمعة امام عشرة شهود من كبار أصحابه، مؤكداً فيه ذلك:

«فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان بعد رسول اللّه عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرهاً، ولكنّني منيت برجلين حديثي عهد بالإسلام: العباس وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت ريقي على الشجا، وصبرت على أمَرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشِّفار».(3)

مضافاً إلى هؤلاء سيقتل كثير من صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذين يمثّلون الخط


1-شرح نهج البلاغة:2/20، وجاء قريب من هذا المضمون في نهج البلاغة، الخطبة 26، تحقيق صبحي الصالح.
2-نفس المصدر22.
3-بحار الأنوار:3/15ـ16 وجاء قريب منه في نهج البلاغة الخطبة 217.


(64)

المعارض لخلافته ـ عليه السَّلام ـ ، وهؤلاء الصحابة وإن كان موقفهم مضاداً لموقف الإمام في مسألة الخلافة وكانوا يخالفون توليه الخلافة بسبب حقدهم وعقدهم النفسية غير انّهم كانوا يتفقون معه في القضايا الأُخرى وسيشكّل قتلهم (وهم يعدّون على أيّة حال قوة أمام الوثنية والنصرانية واليهودية) ضعفاً في مركز العالم الإسلامي.

وقد أشار الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى هذه النقطة الهامة عندما انطلق إلى البصرة للقضاء على الناكثين: طلحة والزبير في خطبة له وقال:

«إنّ اللّه لما قبض نبيّه استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حقّ نحن أحق به من الناس كافّة، فرأيت ان الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثو عهد بالإسلام والدين يمخض مخض الرطب، يفسده أدنى وهن ويعكسه أقلّ خلف».(1)

ب: كان هناك عدد غير قليل من القبائل والجماعات التي أسلمت في أواخر حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم تر التعاليم الإسلامية الضرورية ولما يدبّ في قلوبهم نور الإيمان بشكل كامل، وعندما علموا بنبأ وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رفعوا علم الارتداد والعودة إلى الوثنية، وأعلنوا عن معارضتهم للحكومة الإسلامية في المدينة، وامتنعوا عن دفع الضرائب الإسلامية، وشكّلوا خطراً على المدينة من خلال إعدادهم القوات العسكرية.

ولذلك كان أوّل عمل قامت به الحكومة الجديدة هو أنّها عبّأت مجموعة من المسلمين لقتال المرتدين والقضاء على تمردهم، وفي النهاية تمّ ببركة جهود المسلمين اخماد نار فتنتهم.(2)


1-بحث معمق حول حياة علي ـ عليه السَّلام ـ ص 222 نقلاً عن شرح النهج لابن أبي الحديد.
2-هذا الكلام لا يعني، طبعاً، انّ جميع ما قامت به حكومة أبي بكر صحيح كتسامحها في قتل مالك ابن نويرة .


(65)

لذلك لم يكن من الصحيح أن يرفع الإمام ـ عليه السَّلام ـ في هذا النوع من الظروف التي رفع أعداء الإسلام الرجعيين راية الارتداد فيها وتحدّوا الحكومة الإسلامية، راية أُخرى ويواجه الحكومة الفعلية.

وقد أشار إلى هذه النقطة في إحدى رسائله إلى أهل مصر وقال:

«فواللّه ما كان يلقى فى روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عني من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه».(1)

وهكذا أثار هذا الموضوع في أيّام خلافته الأُولى من خلال خطبة من خطبه.

قال عبد اللّه بن جنادة: قدمت من الحجاز اريد العراق في أمارة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فمررت بمكّة فاعتمرت، ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ نودي الصلاة جامعة واجتمع الناس، وخرج علي ـ عليه السَّلام ـ متقلداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه فحمد اللّه.

ثمّ قال:


1-نهج البلاغة: الرسالة 62; الغارات:1/306 مع اختلاف يسير في الألفاظ.


(66)

«أمّا بعد فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحدٌ ولا يطمع في حقّنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الإمرة لغيرنا... وأيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه....(1)

ج: إضافة إلى خطورة المرتدين كان هناك ظهور المتنبئين ومدّعي النبوة الكذّابين أمثال مسيلمة وطليحة وسجاح أيضاً، وقد عبّأ كلٌ منهم مجموعة من القوات للهجوم على المدينة، فهزموا على يد المسلمين وبتعاونهم وتكاتفهم بعد تحمّل كثير من العناء.

د: خطورة هجوم الروم المحتمل كان يمكن أن يبعث بدوره قلقاً آخر في نفوس المسلمين ذلك انّ المسلمين كانوا قد واجهوا الروم وقاتلوهم ثلاث مرات إلى ذلك الحين، وكانت الروم تعتبر المسلمين خطراً حقيقياً لها، فلو كان علي ـ عليه السَّلام ـ يمارس الكفاح المسلح وهو مما يعني قلقلة الوضع الداخلي للمسلمين وتوتيره، لكان يمنح الروم فرصة كبيرة لاستغلال هذا الوضع المتزلزل.

يتضح بالالتفات إلى النقاط السالفة بشكل جيد انّه لماذا رجّح الإمام ـ عليه السَّلام ـ الصبر والسكوت على النهوض في وجه السلطة وانّه كيف أنقذ العالم الإسلامي بصبره واحتماله وبعد نظره، وانّه لولا حبه لوحدة المسلمين وخوفه من النتائج الوخيمة للفرقة والاختلاف لما كان يسمح أن يفلت زمام قيادة المسلمين من يد أوصياء وخلفاء رسول اللّه الحقيقيّين ويتلقّفه الآخرون .


1-شرح نهج البلاغة :1/307. وقريب منه في ارشاد المفيد، ص 131.


(67)

إنجازات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ واهتماماته في زمن الخلفاء

تركزت نشاطات الإمام في هذه الفترة على الأُمور التالية:

أ: العبادة والعبودية للّه وبالنحو الذي يليق بشأن شخصية مثل علي ـ عليه السَّلام ـ وقد وصلت عبادته إلى درجة انّ الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ يعتبر عبادته وتهجّده الفريد هو لاشيء بالنسبة إلى عبادة جدّه العظيم.

ب: تفسير القرآن ومعالجة غوامض ومشاكل كثيرة من الآيات وتربية تلاميذ من مثل عبد اللّه بن عباس الذي يعد من أكبر مفسري الإسلام من بين الصحابة.

ج: الإجابة على شبهات وتساؤلات علماء الأديان العالمية لا سيما اليهود والنصارى منهم الذين كانوا يتوافدون إلى المدينة للبحث والاستقصاء حول دين النبي بعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وما كانوا يجدون من يجيب تساؤلاتهم سوى علي ـ عليه السَّلام ـ الذي بدت معرفته بالتوراة والإنجيل واضحة من خلال كلامه معهم، ولولا انّ علياً ملأ هذا الفراغ لكان المجتمع الإسلامي يغط في انتكاسة كبيرة. وعندما كان الإمام يقدم أجوبة مفحمة على جميع الشبهات والتساؤلات كان الفرح والإعجاب الكبير يغمران وجوه الخلفاء الجالسين في مكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

د: بيان الحكم الشرعي للمواضيع المستحدثة والتي لم يكن لها سابقة في الإسلام أو بأن تكون القضية بقدر من التعقيد والغموض بحيث يعجز القضاة عن الحكم فيها، وتشكل هذه النقطة جانباً هامّاً من حياة الإمام، فلو لم تكن هناك شخصية كالإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بين الصحابة، تلك الشخصية التي هي أعلم الأُمّة بشهادة واعتراف الرسول الكريم وأعرفها بأُصول القضاء والتحكيم لظلت هناك قضايا كثيرة عالقة من صدر الإسلام بلا حلول.


(68)

وقد كانت هذه المواضيع المستحدثة تستوجب أن يكون هناك إمام واع معصوم كالنبي له معرفة كبيرة بأُصول وفروع الدين الإسلامي بين الناس بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليحمي علمه الواسع ومعرفته الكبيرة الأُمّة من الاتجاهات المنحرفة وعمليات الأخذ بالقياس والظن والحدس، ولم تتوفر هذه الموهبة العظيمة إلاّفي شخص أميرالمؤمنين باعتراف جميع أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد نقلت كتب الحديث والتاريخ بعضاً من قضاء الإمام واستخدامه الرائع والبديع للآيات القرآنية وقد جمع بعض العلماء قسماً منها في كتا ب مستقل.(1)

هـ. تربية مجموعة من الذين كانوا يحملون ضميراً حياً وفطرة سليمة وروحاً مستعدة للسلوك الديني حتى يمكنهم الوصول إلى مدارج الكمالات المعنوية العالية والتعرف على مالا يمكن التعرف عليه بالمعرفة الظاهرية إلاّبالرؤية القلبية والعين الباطنية.

و. العمل والسعي لأجل ضمان معيشة شريحة كبيرة من الفقراء والمساكين، وقد وصل الأمر بالإمام إلى أن يغرس الأشجار ويحفر القنوات ثمّ يوقفها ويجعلها وقفاً في سبيل اللّه.

ز. عندما كانت الخلافة تصل إلى طريق مسدود في القضايا السياسية وبعض القضايا والمشاكل الأُخرى كان الإمام ـ عليه السَّلام ـ المستشار الوحيد والمعتمد الذي يعالج المشاكل بموضوعية خاصة مع حلول واضحة، وقد جاءت بعض الاستشارات في نهج البلاغة وكتب التاريخ.


1-ومنها على سبيل المثال كتاب قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ من مؤلّفات العالم الكبير الشيـخ محمـد تقـي التستـري، وكتاب قضـاء علـي بن أبي طالـب ـ عليه السَّلام ـ تأليـف السيـد إسماعيـل رسول زاده.


(69)

الإمام علي ومعالجة مشاكل الخلفاء العلمية والسياسية

يشهد التاريخ بأنّ أبا بكر وعمر كانا يراجعان الإمام في القضايا السياسية والدينية وتفسير القرآن والأحكام الفقهية للإسلام طيلة فترة خلافتهما وكانا يفيدان من استشارته وإرشاداته وعلمه بأُصول الدين وفروعه بشكل تام ونورد بعض الأمثلة من ذلك ممّا سجلته كتب التاريخ:

الحرب مع الروم

كان أحد أعداء الحكومة الإسلامية الفتية هي الامبراطورية الرومية التي كانت تشكل خطراً للحكومة الإسلامية من ناحية الشمال دائماً، وكان الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحتى اللحظات الأخيرة من حياته مدركاً لهذا الخطر، وقد أرسل في السنة الثامنة من الهجرة جيشاً بقيادة جعفر الطيار إلى ضفاف الشام غير انّ هذا الجيش الإسلامي عاد إلى المدينة بلا جدوى وقد فقد ثلاثة من القادة ومجموعة من المقاتلين، وانطلق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجيش جرّار نحو تبوك في السنة التاسعة، ولكنّه عاد إلى المدينة من غير مواجهة مع العدو، وكان لهذه الحركة نتائج بارزة وكبيرة مذكورة في التاريخ، ورغم كلّ ذلك كان احتمال هجوم الروم يقلق رسول اللّه دائماً، ولهذا أعدّ جيشاً من المهاجرين والأنصار في أيامه الأخيرة وهو على فراش الموت لينطلق باتجاه ضفاف الشام. لم يغادر هذا الجيش المدينة لسبب من الأسباب وفي حين كان الجيش الإسلامي معسكراً في أطراف المدينة توفي رسول اللّه والتحق بالرفيق الأعلى بعد ذلك وبعد أن أقرّ الجو السياسي الخلافة في يد أبي بكر عاشت المدينة جواً هادئاً بعد الأزمة.

كان أبو بكر الذي تولّى القيادة متردّداً في تنفيذ أمر النبي لمحاربة الروم


(70)

كثيراً، ولهذا استشار جماعة من الصحابة وقدّم كلٌ منهم رأياً لم يقتنع به، وفي النهاية استشار الإمام في ذلك فشجعه لتنفيذ أمر النبي وقال ـ عليه السَّلام ـ : إن فعلت ظفرت فاستبشر الخليفة لتشجيع الإمام و قال: بشّرت بخير.(1)

الخليفة الثاني واستشاراته السياسية للإمام

كان الإمام مستشاراً هاماً في معالجة كثير من المشاكل السياسية والعلمية والاجتماعية في زمن الخليفة الثاني وسنشير إلى مثال واحد من مجموع المرات العديدة التي استعان الخليفة الثاني فيها بفكر الإمام في القضايا السياسية. وقعت في السنة الرابعة عشرة من الهجرة حرب طاحنة بين جيش الإسلام و بين جيش الفرس في القادسية وانتهت بانتصار المسلمين وقتل رستم فرّخ زاد القائد العام للقوات الفارسية مع مجموعة من المقاتلين وانضم بهذا الانتصار جميع أرجاء العراق تحت لواء الإسلام واستولى المسلمون على المدائن التي كانت مركزاً للملوك الساسانيين وتراجع قادة الجيش الفارسي إلى داخل أراضيه.

وخشي المستشارون والعسكريون الفرس من أن يزحف الجيش الإسلامي إلى داخل أراضيهم ويستولي على جميع أرجاء البلاد بالتدريج، ولأجل مواجهة هذا النوع من الهجوم الخطير أعدَّ يزدجرد ملك فارس جيشاً قوامه مائة وخمسون ألف مقاتل بقيادة فيروزان حتى يصد أي هجوم مفاجئ، وإذا ساعدت الظروف يبدأ هو بالهجوم.

وكتب سعد بن أبي وقاص القائد العام للقوات الإسلامية [وعلى رواية عمار بن ياسر الذي استولى على الكوفة] رسالة إلى عمر يطلعه فيها على تحشدات العدو


1-تاريخ اليعقوبي:2/133.


(71)

وأضاف انّ جيش الكوفة مستعد لخوض المعركة وقبل أن يبدأنا العدو بالحرب نداهمه لإرعابه.دخل الخليفة المسجد واستدعى كبار الصحابة.

وأطلعهم على ما ينويه من ترك المدينة والانطلاق نحو مكان بين البصرة والكوفة ليقود الجيش من هناك، فقام طلحة في هذه الأثناء وشجّع الخليفة على ذلك وقال كلاماً تفوح منه رائحة التملّق جيداً، ثمّ قام عثمان بعد ذلك ولم يكتف بحثّ الخليفة على الانطلاق فقط، بل أضاف ان أكتب إلى جيش الشام واليمن بأن ينطلقوا جميعاً ويلحقوا بك حتى يمكنك مواجهة العدو بهذا الجيش الكبير . وحينئذ قام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ و قال:

«إنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة وهو دين اللّه الذي أظهره وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتى ما يبلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من اللّه واللّه منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم و إن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فانّك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك ممّا بين يديك.

إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولون: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأمّا ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإنّ اللّه سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأمّا ما ذكرت من


(72)

عددهم، فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنّما كنا نقاتل بالنصر والمعونة».(1)

استجاب عمر لكلام الإمام بعد سماعه ولم يذهب.(2)

ونظراً لهذه المعالجة والحلول قال عمر: أعوذ باللّه من مشكلة ليس لها أبو الحسن.(3)


1-نهج البلاغة: الخطبة 146.
2-الكامل في التاريخ:3/8 ، تاريخ الأُمم والملوك، الطبري:4/273; البداية والنهاية:7/107.
3-راجع لمزيد الاطلاع: الاصابة في تمييز الصحابة:2/509; الاستيعاب في معرفة الأصحاب:3/39; و كتاب تحليل لمواقف علي بن أبي طالب السياسية(بالفارسية) تأليف أصغر قائدان، الفصل الثالث والرابع، نشر أمير كبير.


(73)

5. من الخلافة إلى الشهادة

كيف بويع أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ

أثار عثمان غضب الناس جرّاء فساده المالي والإداري وتصرّفه غير الشرعي في أموال المسلمين، وهكذا تنصيب بني أُميّة وأقربائه الغير مؤهلين في مناصب عالية، وتسليطهم على مقدّرات الأُمة وبالتالي تنحية الشخصيات الجديرة والمؤهلة من المهاجرين والأنصار، وحيث إنّه لم يستجب لاعتراضات ومطاليب المسلمين المتكررة والمشروعة فيما يتعلق بتنحية عمّـاله وولاته الفاسدين ثارت الثورة على حكومته و انتهت بقتله، ثمّ بايع الناس علياً على أنّه خليفة على المسلمين، ومن هنا كانت حكومة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ التي وصلت إلى الحكم بعد مقتل عثمان حكومة ثورية وحصيلة انتفاضة شعبية في وجه فساد وظلم الحكومة السابقة.

إنّ أحد نماذج فساد حكومة عثمان هو إعادة الحكم بن أبي العاص وابنه مروان الذي طرده النبي إلى الطائف للمدينة، وهذا ممّا لم يجرأ حتى أبو بكر وعمر على فعله في خلافتهما، وزوّج مروان ابنته وولاّه مسؤولية ديوان الخلافة ممّا أثار غضب الناس وحوصر بيت عثمان مدة تسعة وأربعين يوماً من قبل الثوريين.(1)وكلّما حاول عثمان الخضوع واللين كان مروان يثير غضب الناس أكثر، و في النهاية داهم المسلمون بيت عثمان و أردوه قتيلاً.


1-المسعودي، مروج الذهب:2/346.


(74)

مكانة علي المتألّقة

الشيء الذي كان يفكر به الثوريون هو تنحية عثمان عن الخلافة على الرغم من أنّ اسم علي ـ عليه السَّلام ـ كان جارياً على الألسن طيلة فترة الحصار المضروب على بيت عثمان، ولكن لم يكن لديهم خطة واضحة للمستقبل لذلك اصطدموا بعد مقتل الخليفة بمشكلة اختيار الخليفة.

ومن ناحية أُخرى كان قد توفّي اثنان من أعضاء الشورى الستة، وهما :عبد الرحمان بن عوف و عثمان، و لم يكن هناك من بين الأربعة الموجودين ـ علي و طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ـ من هو أحب للناس وأكثر شعبية وفضلاً وماضياً متألقاً في الإسلام من علي ـ عليه السَّلام ـ ، وهو ما جرّ الناس إلى شخصيته ـ عليه السَّلام ـ .

وبعد تقييم ودراسة الظروف والأوضاع وملاحظة التغييرات التي حصلت في زمن عثمان، وهكذا بعد ابتعاد المسلمين وانفصالهم الكبير عن خط الإسلام الحقيقي الأصيل أيقن علي ـ عليه السَّلام ـ بأنّه من الصعب جداً ممارسته الحكم بعد ذاك الفساد والانحراف المتخلّفين من حكومة عثمان، و قد لا يحتمل الناس وخاصة كبار القوم تعديلاته وإصلاحاته التي يرمي إليها ولا يطيقون عدالته، و لهذا السبب رفض الخلافة عندما عرض عليه الثوريون بيعتهم.

قد اتّفق المؤرخون على أنّ عثمان قتل في سنة 35 هجرية ولكنّهم اختلفوا في يوم ذلك.(1)

وفي الوقت ذاته انّ المتيقن به هو وجود أربعة أو خمسة أيّام فصلت بين


1-يرى اليعقوبي ان قتل عثمان تمّ في 18 ذي الحجة سنة 35(تاريخ اليعقوبي:2/165) غير انّ المسعودي يقول انّه قتل لثلاثة أيام بقين من ذي الحجة(مروج الذهب:2/346).


(75)

مقتل عثمان وبيعة الناس لعلي ـ عليه السَّلام ـ .(1)

وكان الناس في هذه المدة يعيشون حالة من الفوضى والضياع وخلالها كان أصحاب الثورة يراجعون الإمام غير انّه كثيراً ما يبعد نفسه عن الأنظار، وحيث إنّهم كانوا يطالبونه بقبول بيعتهم وهو ما يزال يرى الظروف غير مناسبة لقبول الخلافة وانّ الحجّة لم تتم عليه بهذا الاقتراح قال: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وانّ الآفاق قد أغامت والحجة قد تنكرت، واعلموا أنّي وإن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وان تركتموني فأنا كأحدكم ولعلّي اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خيرٌ لكم منّي أميراً».(2)

وحيث قد كثر توافد المسلمين على الإمام ـ عليه السَّلام ـ وازدحامهم عليه واكتظت داره بهم وازداد إصرارهم عليه، تنفيساً عن عناء الاضطهاد السابق وشوقاً إلى العدالة شعر بالمسؤولية ولم ير بداً غير قبول البيعة، وقد ذكر الإمام ـ عليه السَّلام ـ شغف الناس وإقبالهم وإصرارهم عندما طالبوه بالبيعة في عدّة مواضع من نهج البلاغة والتي منها:

«فتداكوا عليّ تداك الإبل الهيم يوم وردها، وقد أرسلها راعيها وخلعت


1-كتب اليعقوبي : استخلف علي يوم الثلاثاء لسبع ليال بقين من ذي الحجة سنة 35) وعليه تكون المدة الفاصلة خمسة أيام غير انّ المسعودي يقول: (بايع الناس علياً يوم قتل عثمان ثمّ يقول في صفحة أُخرى: «انّه بويع بعد أربعة أيام من قتل عثمان بيعة عامة» مروج الذهب:2/349ـ 350. و يرى ابن الأثير انّ مقتل عثمان تمّ بتاريخ 18 ذي الحجّة وانّ البيعة لعلي تمت في 25 من ذلك الشهر (الكامل في التاريخ:3/179و194).ويصرح في الصفحة 192 بأنّ أهل المدينة قد عاشوا بعد مقتل عثمان خمسة أيام من الضياع وكانت المدينة تدار من قبل شخص يدعى غافقي بن حرب.
2-نهج البلاغة : الخطبة 92.


(76)

مثانيها حتى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض ولدي، وقد قلبت هذا الأمر بطنه وظهره حتى منعني النوم».(1)

ويجسد لنا في موضوع آخر ذلك المشهد المثير لازدحام الناس عليه من كلّ جانب ويرسم لوحة حيّة تعبر عن شدة فرح الناس وشوقهم وشغفهم بعد تلقيهم نبأ قبول الخلافة.

ويقول:«وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل، وسقط الرداء، ووُطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل».(2)

وقد تحدث الإمام في خطبته عن إقبال الناس عليه بحرارة وسرور عن أسباب قبول الخلافة قائلاً:

«... فما راعني إلاّوالناس كعرف الضبع إلي ينثالون عليّ من كلّ جانب حتى لقد وطئ الحسنان(3)وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون، كأنّهم لا يسمعوا كلام اللّه سبحانه يقول: ( تِلْكَ الدّارُ الآخِرَة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين).

بلى واللّه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور


1-نهج البلاغة : الخطبة 54.
2-نهج البلاغة : الخطبة 229.
3- نص كلام الإمام هو (وطئ الحسنان) الذي قد يعني: الحسن والحسين، ولكن قد فسر البعض الحسن بالابهام. راجع شرح نهج البلاغة:1/200.


(77)

الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».(1)

إنّ الحكم الإسلامي الذي مارسه علي ـ عليه السَّلام ـ على الرغم من قصر عمره إلاّ انّه كان نموذجاً كاملاً للحكومة الإسلامية التي أشاد صرحها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المدينة.

وعلى الرغم من أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لم يصل إلى كافة أهدافه الإصلاحية التي نادى بها نتيجة المؤامرات الداخلية التي حيكت ضده، إلاّ انّه استطاع بلا شك أن يطرح نموذجاً ناجحاً للحكومة وفق تعاليم الإسلام ومعاييره.

إنّ استعراض مزايا وخصائص حكومة علي ـ عليه السَّلام ـ يخرجنا عن نطاق هذا البحث المكثف، إلاّ انّنا نكتفي بلمحة سريعة للخطوط العريضة لسيرته ـ عليه السَّلام ـ في الحكم باعتبارها شاخصاً بارزاً ومثمراً للغاية.

1. أشار علي ـ عليه السَّلام ـ إلى أنّ فلسفة قبوله للخلافة هي لأجل إجراء العدالة الاجتماعية في المجتمع على كافة المستويات لا سيما الاقتصادية، والاستفادة من الإمكانات العامة، ومكافحة الفوارق الطبقية الكبيرة في المجتمع، وقد أكد على أنّ اللّه أخذ على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم.

2. انّ رؤية علي ـ عليه السَّلام ـ إلى الحكم تتلخص في أنّ الحكم والمنصب ليس إلاّ وسيلة لخدمة الناس وإحقاق الحقّ ودحض الباطل، لا انّه طعمة تدر الأرباح، وقد التزم الإمام بهذا المنهج إلى أبعد الحدود، حتّى تراه يجتنب عن إعطاء المهام الحساسة كالولاية وبيت المال إلى المتعطشين للسلطة كطلحة والزبير، ولهذا


1-نهج البلاغة، الخطبة3.


(78)

السبب فقد أجّجوا نائرة الفتن ورفعوا لواء العصيان ضدّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ .

3. لقد عاش الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عند تصدّيه للخلافة غاية الزهد والبساطة في الحياة، كما كان يوصي عماله بالاعتدال والعزوف عن زخارف الدنيا وزبرجها وهذه الخصوصية أي عزوفه عن زخارف الدنيا هي من أبرز خصائصه الذاتية وسيرة حكمه.

4. انّ المعيار الذي أكد عليه الإمام ـ عليه السَّلام ـ في انتخاب الولاة والعمال، هو أن تكون لهم سوابق في الإسلام، وتقوى، وكفاءة في إدارة سدة الحكم، والتزام بقيم الإسلام وغيرها من المعايير.

والشيء الذي لم يخطر ببال الإمام أبداً هو القرابة والعشيرة، كما يتضح ذلك حينما نصب (51) شخصاً كولاة وممثلين عنه في الولايات والإمارات المختلفة، فتجد فيهم من المهاجرين والأنصار، وأهل اليمن، والهاشمي وغير الهاشمي، والعراقي والحجازي، الشاب والكهل، ولا تجد في هذه القائمة أثراً لأسماء الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية و عبد اللّه بن جعفر (زوج زينب ـ عليها السَّلام ـ ) على الرغم من تقارب أعمارهم وتمتعهم بكفاءة عالية في إدارة دفة الحكم و تصدي المسؤوليات، ويعلم ذلك من خلال المهام الصعبة التي أوكلت إليهم في الحروب ومواقع الخطر إلاّ انّ الإمام كان يحذر من تعيينهم في المناصب الحكومية.

5. لم يكن الإمام يعتقد وخلافاً لمعظم الزعماء والرؤساء بأنّ الغاية تبرر الوسيلة ولم يتوصل إلى أهدافه المقدسة النبيلة بوسائل غير مشروعة قط، كما يظهر من جوابه لما عوتب على التسوية في العطاء وتصييره الناس أسوة فيه من غير تفضيل أولى السابقات والشرف.

«أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، واللّه لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً! ولو كان المال لي لسوَّيت


(79)

بينهم، فكيف وإنّما المال، مال اللّه».(1)

في حين انّ خصمه معاوية توصل بكلّ وسيلة غير مشروعة مهما كان الثمن للوصول إلى م آربه الشيطانية، وقد ساد الاعتقاد عند جماعة سذج انّ هذه من علامات ذكاء معاوية ودرايته وتفوقه على الإمام ـ عليه السَّلام ـ في السياسة، لذا تجد الإمام، يقول:

«واللّه ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كلّ غدرة فجرة، وكلّ فجرة كفرة، و لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة».(2)

6. كان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يراعي الأُصول والضوابط في تعامله مع أعدائه ومخالفيه، دون أن يصادر حرياتهم إلاّ إذا أجّجوا نائرة الفتن، ففي الأشهر الأُولى من خلافة الإمام ـ عليه السَّلام ـ همّ طلحة والزبير بالخروج من المدينة بعد أن يأسا منه في الحصول على الولاية وأقبلا على الإمام ـ عليه السَّلام ـ و قالا: إنّا نريد العمرة، فأذن لنا في الخروج.

فأذن لهما الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، و روي أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قال لبعض أصحابه: واللّه ما أرادا العمرة ولكنّهما أرادا الغدرة.(3)

ويعكس هذا النص التاريخي انّ الإمام لم يصادر حريتهما قبل أن يرفعا لواء العصيان على الرغم من علمه ـ عليه السَّلام ـ بما يضمران له.

وأيضاً لما خالف الخوارج الإمام ـ عليه السَّلام ـ إثر جهلهم وعنادهم وسوء فهمهم اعتزلوا معسكر الإمام حين رجوعهم من صفين وأقاموا لهم معسكراً في النهروان فخاطبهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ بعد ان كانت مخالفتهم سياسية ولم تتعدى القيام بعمليات


1-نهج البلاغة، الخطبة126.
2-نهج البلاغة، الخطبة200.
3-تاريخ اليعقوبي:2/180.


(80)

عسكرية وتهديد الأمن ـ بقوله:

«أما انّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتّى تبدؤونا».(1)

وبهذه الصورة فقد سايرهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ من منطلق القوة، إلى أن قاموا بنشر الرعب والخوف والإخلال بالأمن حينها اضطر الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى استعمال القوة بغية القضاء على فتنتهم.

7. على الرغم من أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ كان ينصب عمالاً وولاة صالحين وكفوئين إلاّ انّه في الوقت نفسه كان يجعل عليهم عيوناً لمراقبة تحركاتهم، و أدنى خطأ يصدر منهم فانّها تنقل إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ كي يتخذ الاجراءات المناسبة في حقّهم.

ومن أبرز تلك النماذج هو كتاب تقريع بعثه الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة و قد بلغه انّه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها.(2)

وجدير بالذكر انّ هذه الحادثة وقعت في الشهور الأُولى من خلافته ـ عليه السَّلام ـ ، لأن ابن حنيف كان عامله على البصرة قبل حرب الجمل التي نشبت عقب شهور ستة من تسلم الإمام ـ عليه السَّلام ـ لمقاليد الخلافة، وفي هذه الفترة المضطربة فانّ الإمام قد انشغل بترتيب الوضع الداخلي بعد الفوضى التي سادت البلاد من جراء مقتل عثمان، إلاّ انّ هذا كلّه لم يمنع الإمام ـ عليه السَّلام ـ من بعث الكتاب المذكور إلى عامله تقريعاً له على ما صنع.

القتال في ثلاث جبهات

حمّلت خلافة الإمام ـ عليه السَّلام ـ وقيادته التي ساد فيها العدل وإحياء المبادئ


1-تاريخ الأُمم والملوك:6/41، حوادث سنة 37.
2-نهج البلاغة: الكتاب 45.


(81)

والقيم الإسلامية الأصيلة جماعتها عبأ ثقيلاً ممّا أدى إلى تشكيل خط معارض لحكومته، وانتهت هذه المعارضات إلى حدوث ثلاث حروب مع الناكثين والقاسطين والمارقين سنمرّ على كل منها مروراً سريعاً.

قتال الناكثين

وقد كان سبب هذه الحرب مع الناكثين (ناقضي العهد) هو انّ طلحةوالزبير اللّذين بايعا علياً قد طلبا منه أن يولّيهما اعمال البصرة والكوفة، ولكن الإمام رفض ذلك، و تركا المدينة سراً والتج آ إلى مكة وجيّشاً جيشاً بأموال بيت المال المختلس من قبل بني أُمية وانطلقوا نحو البصرة واستولوا عليها.

فتحرّك علي ـ عليه السَّلام ـ تاركاً المدينة للقضاء عليهم، وحدثت حرب طاحنة قرب البصرة انتهت بانتصار عليّ وهزيمة الناكثين، وهذه هي حرب الجمل التي لها مساحة كبيرة في التاريخ، اندلعت هذه الحرب سنة 36 هجرية.

قتال القاسطين

كان معاوية قد أعدّ ومنذ فترة سبقت خلافة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ مقدّمات الخلافة لنفسه في الشام، وما إن استلم الإمام الخلافة عزله عن الشام ولم يرض أن يقرّه عليها لحظةواحدة، وكان حصيلة هذا النزاع هو أن تقاتل جيش العراق وجيش الشام في أرض تدعى صفين وكان انتصار لجيش علي ـ عليه السَّلام ـ لولا معاوية وخديعته التي أحدثت تمرداً بين جيش الإمام. وفي النتيجة وبعد الضغط الكبير على الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ من قبل جيشه رضخ لتحكيم إبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص لكي ينظروا في مصالح الإسلام والمسلمين يبديا رأيهما،وقد كان الضغط على أمير المؤمنين لأجل قبوله بالتحكيم بدرجة انّه لو لم يقبل به لأودى ذلك إلى


(82)

موته ولواجه المسلمون أزمة كبيرة.

وبعد أن حان موعد إعلان رأي الحكمين خدع عمرو بن العاص أبا موسى وهو ما أدّى إلى إفشاء خطة معاوية الشنيعة بين الجميع، وبعد ذلك خرج بعض من المسلمين الذين كانوا في صف الإمام عليه وانتقدوه لقبوله التحكيم الذي فرضوه هم أنفسهم عليه. وقد حدث قتال القاسطين عام 37 هجرية.

قتال المارقين

والمارقون هم أُولئك الذين أجبروا علياً على قبول التحكيم، وندموا بعد عدّة أيام على ذلك، وطلبوا منه أن ينقض العهد من جهته، غير انّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ لم يكن بذلك الشخص الذي ينقض عهده، ولهذاخرجوا على الإمام ووقفوا ضده وقاتلوه في النهروان وقد عرفوا بالخوارج لذلك. وانتصر الإمام في هذه الحرب غير انّ الأحقاد ظلّت دفينة في النفوس. اندلعت هذه الحرب في سنة 38، وعلى رأي بعض المؤرّخين في سنة 39 هجرية.

وأخيراً تضرج الإمام ـ عليه السَّلام ـ بدمه على يد أحد المارقين وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي في التاسع عشر من رمضان المبارك عام 40 للهجرة أي بعد أربع سنوات و بضعة أشهر من حكوم الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ .(1)

***

وفي الختام تجدر الإشارة إلى أنّ سيرة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ متعددة الأبعاد والجوانب، فمن العسير بمكان الإلمام بها، و لا ندعي انّنا قدمنا للقراء الأعزاء شيئاً جديداً وإنّما استعرضناها بهدف الحفاظ على تسلسل الموضوعات.


1-اعتمد في كتابة هذا الفصل مضافاً إلى المصادر المذكورة في الهامش على كتاب (بحث معمّق حول حياة علي ـ عليه السَّلام ـ ) تأليف الأُستاذ الكبير جعفر السبحاني.


(83)

الإمام الحسن المجتبى ـ عليه السَّلام ـ

* ملاذ المساكين

*السخاء النادر

* دراسة أسباب الصلح مع معاوية

* دوافع الصلح عن لسان الإمام

* لماذا صالح الحسن ـ عليه السَّلام ـ وثار الحسين ـ عليه السَّلام ـ


(84)


(85)

نبذة مختصرة عن حياة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

ولد إمام الشيعة الثاني ـ و هو الثمرة الأُولى لزواج علي الميمون من كريمة النبي ـ في النصف من شهر رمضان للسنة الثالثة من الهجرة في المدينة. (1)لم يدرك الحسن بن علي من حياة جدّه العظيم إلاّ سنين قليلة حيث كان في حوالي السابعة من عمره عندما توفّـي النبي، وقد عاصر أباه أمير المؤمنين حوالي ثلاثين عاماً بعد جدّه، وتولّى الإمامة بعد استشهاد علي عام أربعين مدة 10 سنوات، واستشهد ـ و بمؤامرة من معاوية ـ مسموماً عام 50هـ في الثامنة والأربعين من عمره، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة.

ملاذ المساكين

يتحمّل الأثرياء في الدين الإسلامي مسؤولية كبيرة تجاه الفقراء والمساكين في المجتمع، وبموجب الأواصر الروحية العميقة والعلاقات الأخوية الدينية المترسّخة بين المسلمين يجب عليهم بذل قصارى جهدهم لسد حاجات الفقراء والمساكين في المجتمع، ولم يكتف نبي الإسلام وأئمّة ديننا بالتأكيد على ذلك فقط، بل كان كلّ واحد منهم مثالاً بارزاً ورائعاً لحب الإنسانية ورعاية المحتاجين. لم


1-مناقب ابن شهر آشوب:4/28; الإرشاد، المفيد: 187; أُسد الغابة:2/10; الإصابة في تمييز الصحابة:1/328.


(86)

يكن الإمام الثاني يتمتع بمكانة راقية من ناحية العلم والتقوى والزهد والعبادة فقط، بل كان أيضاً في قمّة السخاء والجود، وأشهر من نار على علم في الاعتناء بالمساكين والفقراء في عصره. كان وجوده باعثاً على الشعور بالأمان في القلوب المنكسرة وملاذاً للفقراء والمساكين وبارقة أمل للمستضعفين، وما عاد فقير طرق بابه يوماً خالي الوفاض من عنده، ولا رجع مهموم منكسر القلب حمل شكواه إليه إلاّوقد وضع له بلسماً على جراحه، وكان كثيراً ما يحدث انّ الإمام يبادر هو بتقديم يد العون للآخرين وسد حاجاتهم قبيل أن يسأله الفقير ويتصبّب منه عرق الحياء وتبدو عليه مذلّة السؤال.

وكتب السيوطي في تاريخ الخلفاء: كان الحسن له مناقب كثيرة، سيداً حليماً، ذا سكينة ووقار وحشمة، جواداً ممدوحاً.(1)

درس وعبرة

كان الإمام الحسن المجتبى ـ عليه السَّلام ـ يهب الفقراء مبالغ طائلة دفعة واحدة أحياناً ممّا يثير استغراب الآخرين، والذي يبعث الإمام على ذلك هو انّه يريد أن يغني الفقير إلى الأبد بحيث يستطيع أن يسد جميع حاجاته ويعيش حياة كريمة أو يستثمرها لصالحه. ولم يكن الإمام ليرضى بإعطاء الفقير مالاً ليوم واحد يسد حاجته به بصعوبة بالغة، لأجل ألاّ يضطر إلى مد يده إلى هذا وذاك لكي يضمن الكفاف لنفسه.

أهل بيت العلم والفضيلة

مرّ رجل بعثمان بن عفان يوماً وهو قاعد على باب المسجد، فسأله، فأصر له


1-تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 189.


(87)

بخمسة دراهم، فقال له الرجل: أرشدني، فقال له عثمان: دونك الفتية الذين ترى، وأومأ بيده إلى ناحية من المسجد فيها الحسن والحسين وعبد اللّه بن جعفر، فمضى الرجل نحوهم حتى سلّم عليهم وسألهم، فقال له الحسن ـ عليه السَّلام ـ :«يا هذا انّ المسألة لا تحل إلاّفي إحدى ثلاث: دم مفجع، أو دين مقرع، أو فقر مدقع، ففي أيّها تسأل؟» فقال الرجل في وجه من هذه الثلاثة، فأمر له الحسن ـ عليه السَّلام ـ بخمسين ديناراً، وأمر له الحسين بتسعة وأربعين ديناراً ، وأمر له عبد اللّه بن جعفر بثمانية وأربعين ديناراً، فانصرف الرجل، فمرّ بعثمان فقال له: ماصنعت؟ فقال: سألتك، فأمرت بما أمرت ولم تسألني فيما أسأل، وانّ صاحب الوفرة ـ الحسن ـ لمّا سألته سألني فيما أسأل، فأعطاني كذا والثاني والثالث كذا وكذا، فقال عثمان: و من لك بمثل هؤلاء الفتية، أُولئك فطموا العلم فطماً وحازوا الخير والحكمة.(1)

السخاء النادر

بذل الإمام الحسن قصارى جهده في الأعمال الخيرية والتي ترضي اللّه تعالى، وقد أنفق أموالاً طائلة في سبيل اللّه، وقد سجّل المؤرّخون والعلماء في حياته المفعمة بالفخر والاعتزاز سخاءه الفريد وعطاءه العظيم وهو ما لم يلحظ في سيرة أيّ من العظماء، ويدلّ ذلك أيضاً على عظمة نفسه وعلى عدم مبالاته بمظاهر الدنيا المخادعة، فقد كتبوا انّه خرج من ماله للّه مرتين، وقاسم اللّه ماله ثلاث مرات حتى كان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً.(2)


1-البحار:43/333.
2-تاريخ الخلفاء:190; تاريخ اليعقوبي:2/215; تذكرة الخواص:196; إسعاف الراغبين (في هامش نورالأبصار) ص 179.


(88)

مساعدة غير مباشرة

إنّ طبع الإمام الرقيق وعزة نفسه وكرمها لم يكونا ليسمحا بأن يعود أحد خائباً يائساً من داره، وكان يصادف أحياناً انّه لا يمكنه تقديم المساعدة مباشرة فيحاول أن يقدمها بصورة غير مباشرة، ويقضي للآخرين حاجتهم، كما اتّفق وهو في عنفوان شبابه أيّام الخليفة الثاني أن جاءه رجل فقير وسأله، فصادف عدم وجود شيء من المال في حوزته، و كان ـ عليه السَّلام ـ من ناحية أُخرى يستحيي أن يخرج الرجل من بيته خائباً فقال له:

«أرشدك إلى أمر تنال به ما أردت؟» فقال الرجل :وماهو؟ قال الإمام : «ماتت اليوم ابنة الخليفة، وهو حزين عليها، ولم يعزّيه أحد، فاذهب إليه وعزّه بما سأقوله لك فتنال ما أردت. قال الرجل: وكيف ذلك؟ إن قدمت إليه فقل: «الحمد للّه الذي سترها بجلوسك على قبرها، ولا هتكها بجلوسها على قبرك». ففعل، وأثّرت هذه الكلمات العاطفية في نفس الخليفة بشكل كبير وقلّلت من حزنه، فأمر له بجائزة، ثمّ سأله: أمنك هذا الكلام؟ قال: لا، علّمنيه الحسن بن علي، فقال الخليفة: صدقت انّه ذو فصاحة وحلاوة في الكلام.(1)

دراسة دوافع صلح الإمام

إنّ من أكثر جوانب حياة الإمام الحسن أهمية وحساسية وإثارة للبحث والجدل، والذي أثار إشكاليات الأصدقاء السطحيين والأعداء المغرضين ومن لا خبرة لهم، هو ذلك الجانب المتعلّق بعملية صلحه مع معاوية واعتزاله الخلافة والحكم الإسلامي اضطراراً.

وقد تساءل البعض وبعد أن درسوا حياة الإمام الحسن وأحداث تلك الفترة


1-حياة الإمام الحسن، القرشي:1/302.


(89)

عن دافعه في صلحه مع معاوية؟ أو لم يبايعه أتباع أبيه علي وشيعته؟! أو لم يكن من الأفضل أن يقوم الإمام الحسن بما قام به الإمام الحسين بعد ذلك ويقف في وجه معاوية وحينها إمّا كان ينتصر أو تزلزل شهادته أركان حكمه؟!

وقبل أن نجيب على هذه الأسئلة يلزم في البداية أن نلفت الانتباه إلى النقاط الثلاث التالية:

1. جهاد الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ قبل الإمامة

كان الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ـ كما يشهد التاريخ ـ شخصاً شجاعاً مقداماً وشهماً، لا يعرف الخوف طريقه إليه، ولم يبخل يوماً في تقديم أي تضحية في سبيل تقدّم الإسلام وإعلاء كلمته، وكان دائم الاستعداد للجهاد في سبيل اللّه.

في حرب الجمل

كان الإمام الحسن يقاتل مع أبيه أمير المؤمنين جنباً إلى جنب وفي الخط الأمامي من ساحة القتال في حرب الجمل، وكان يتسابق مع أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ الشجعان البسلاء في ذلك، ويشن على قلب جيش الأعداء هجمات خطيرة وعنيفة.(1)و قبل بدء الحرب دخل الكوفة وبأمر من أبيه برفقة عمار بن ياسر وعدّة من أصحاب أمير المؤمنين ودعا أهلها للمشاركة في القتال.(2)دخلها في الوقت الذي كان أبو موسى الأشعري أحد عمّال عثمان على الكوفة، وقد أبقاه الإمام لأسباب في منصبه وهو يعارض حكومة أمير المؤمنين العادلة ويثبط المسلمين عن


1-مناقب ابن شهر آشوب:4/21.
2-تاريخ اليعقوبي:2/170; الإمامة والسياسة، الدينوري:1/67.


(90)

الاصطفاف في جيش علي لمحاربة الناكثين، غير انّه ورغم ذلك استطاع أن يعبّأ جيشاً تعدى التسعة آلاف مقاتل وبعث بهم إلى ساحة القتال.(1)

في حرب صفين

وقد كان له دور فاعل في تعبئة القوات وإرسال الجيش إلى قتال معاوية في حرب صفين أيضاً، وكان يدعو أهل الكوفة إلى الجهاد بجانب أمير المؤمنين للقضاء على أعداء الإسلام وخونته.(2)

وقد بلغ في استعداده للتضحية في سبيل الحقّ مبلغاً في حرب صفين جعل أمير المؤمنين يطلب من أصحابه أن يمنعوه هو وأخاه الحسين من مواصلة القتال لئلاّ ينقطع بهما نسل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(3)

2 .مناظرات الإمام الحسن الدامغة مع بني أُميّة

لم يتساهل الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ يوماً في بيان الحقّ وإظهاره والدفاع عن الإسلام، فقد كان ينتقد الأعمال الغير إسلامية التي كان يقوم بها معاوية، ويكشف الغطاء عن ماضيه المشين المخزي علناً وبلا مهابة. تشهد له بذلك مناظراته واحتجاجاته المثيرة والدامغة معه هو وأتباعه ومرتزقته، أمثال: عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، والمغيرة بن شعبة، ومروان بن الحكم.(4)

وقد وصل به الأمر إلى أن ـ و ذلك بعد عقد الصلح الذي ازدادت به قوّة


1-الأخبار الطوال، ص 144ـ 145; الكامل في التاريخ:3/231.
2-وقعة صفين، نصر بن مزاحم، ص 113.
3-شرح نهج البلاغة: 11/25، الخطبة 200.
4-الاحتجاج: 144ـ 150.


(91)

معاوية وثبت موقعه أكثر من السابق ـ يرتقي المنبر حينما دخل معاوية الكوفة، ويشرح دوافع صلحه ومناقب آل علي بن أبي طالب، ثمّ تطرق بعد ذلك إلى مثالب ومساوئ معاوية، وبحضور الجميع ووجّه إليه نقداً لاذعاً وبصراحة شديدة.(1)

وبعد استشهاد أمير المؤمنين وصلح الحسن عبّأت الخوارج قواتها جميعاً لقتال معاوية، وقد سمع هذا الأخير انّ حوثرة الأسدي ـ وهو من قادة الخوارج ـ قد تمرّد عليه وجنّد له جيشاً. وأرسل معاوية ـ لتثبيت موقعه وتعزيزه ومحاولة منه للتظاهر بأنّ الإمام مطيع لأوامره ـ إلى الحسن و هو في طريقه إلى المدينة رسالة يدعوه فيها إلى القضاء على تمرّد حوثرة، ثمّ يواصل مسيره، فأجاب الإمام : «واللّه لقد كففت عنك، لحقن دماء المسلمين، انّي تركتك لصلاح الأُمّة وما أحب ذاك يسعني، أفأُقاتل عنك قوماً أنت واللّه أولى بالقتال منهم».(2)تظهر في هذه الكلمات روح البسالة والشجاعة لا سيما تلك العبارة التي يحتقر فيها معاوية بكلّ عظمة حيث قال: فإنّي تركتك لصلاح الأُمّة .

3. قانون الصلح في الإسلام

وممّا ينبغي معرفته هو انّه لا يوجد هناك قانون واحد باسم الحرب والجهاد، فكما يأمر الإسلام المسلمين بالجهاد والقتال في ظروف معينة، كذلك يأمرهم بالصلح كلما لم تنفع الحرب في الوصول إلى الهدف. وقد شاهدنا كلتا الحالتين في سيرة نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقد خاض المعركة في بدر وأُحد والأحزاب وحنين، بينما


1-نفس المصدر، ص 156.
2-شرح نهج البلاغة:5/98; الكامل في التاريخ:3/409; كشف الغمة:2/199; الكامل في اللغة والأدب، المبرد:2/195.


(92)

صالح أعداء الإسلام واعتزل الحرب بشكل مؤقت كي يضمن تقدم الإسلام وإعلاء كلمته في ظل ذلك، ومن هذا القبيل كان صلح النبي مع بني ضَمْرة وبني أشجع وأهل مكة في الحديبية أيضاً.(1)

وعليه فكما أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تصالح مع الأعداء وفقاً لمصالح عليا قد تكون فوق درك بعض الناس وفهمهم في تلك الفترة، كذلك الحسن ـ و باعتبار انّه كان قائداً وإماماً قد أحاط بجميع جوانب الأمر علماً أفضل من أي شخص آخر ـ رأى وبعمق انّ من صلاح الأُمّة الإسلامية وخيرها هو عدم استمرار الحرب، ومن هنا يجب أن لا يكون هذا الأمر مثاراً للنقد والاعتراض، بل ينبغي أن نحسب سيرة الإمام وسلوكه سلوكاً يضاهي سلوك الرسول ويطابقه.

و الآن ولأجل أن تتضح دوافع صلحه ـ عليه السَّلام ـ ونتائجه جيداً يجب علينا أن نتصفح التاريخ وندرس هذا الموضوع في ضوء الوثائق التاريخية الأصيلة.

وينبغي القول عموماً انّ الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ لم يصالح في الواقع بل فُرض الصلح عليه، أي تعاونت الظروف المتردية مع العوامل الأُخرى بحيث أوجدت وضعاً جعل الصلح أمراً ضرورياً مفروضاً على الإمام و لم ير حلاً غير ذلك، بحيث لو كان أي شخص يعيش ظروفه لما كان يختار غير الصلح والهدنة، ذلك انّ الأوضاع والظروف خارج العالم الإسلامي والوضع الداخلي في العراق ومعسكره هو ـ عليه السَّلام ـ ، كلّ ذلك كان يدعو إلى عدم استمرارية الحرب، وسوف ندرس جميع ذلك بالصورة التالية.


1-شرح النهج:5/98; وردّاً على اعتراض أحدهم لصلحه مع معاوية وقد عوّل ـ عليه السَّلام ـ على عقود صلح الرسول قال ـ عليه السَّلام ـ : إنّ ما جعل رسول اللّه يصالح تلك القبائل جعلني أُصالح معاوية أيضاً، البحار:44/2.


(93)

من ناحية السياسة الخارجية

فمن ناحية السياسة الخارجية لتلك الفترة لم تكن الحرب الأهلية الداخلية في صالح العالم الإسلامي، لأنّ الروم الشرقية التي كانت قد تلقّت ضربات قوية من الإسلام كانت تتحيّن الفرصة المناسبة دائماً لضرب الإسلام ضربة انتقامية كبيرة كي تأمن سطوته وسلطته، وعندما وصل نبأ اصطفاف جيشي الإمام الحسن ومعاوية أمام بعضهما إلى قادة الروم، راحوا يعتقدون انّهم حصلوا على أفضل فرصة ممكنة لتحقيق أهدافهم، ولذلك انطلقوا بجيش جرّار للهجوم على العالم الإسلامي لينتقموا من المسلمين، فهل يبقى هناك خيار أمام شخصية مثل الإمام الحسن حملت أعباء رسالة الحفاظ على الإسلام غير الصلح والهدنة الذي وقى العالم الإسلامي من هذا الخطر الكبير وفي هذه الظروف الحرجة، وحتى لو كان ذلك على حساب الضغوط النفسية ولوم الاصدقاء السذج السطحيين؟!

وكتب اليعقوبي المؤرّخ المعروف: ورجع معاوية إلى الشام سنة 41 وبلغه انّ طاغية الروم قد زحف في جموع كثيرة وخلق عظيم، فخاف أن يشغله عمّا يحتاج إلى تدبيره وأحكامه، فوجه فصالحه على مائة ألف دينار.(1)

تدلّ هذه الوثيقة التاريخية على أنّه عندما كان النزاع مشتداً بين الطرفين في المجتمع الإسلامي كان عدو المسلمين المشترك على استعداد للهجوم عليه حيث كان العالم الإسلامي عرضة لخطر حقيقي، ولو كانت الحرب تندلع بين الإمام و معاوية، لكانت امبراطورية الروم الشرقية هي المنتصر الوحيد وليس هما، غير انّ هذا الخطر قد اندفع بحكمة الإمام وتدبيره وسعة أُفق نظرته وتسامحه، وقد قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ لشخص اعترض على صلح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «اسكت، فإنّه


1-تاريخ اليعقوبي:2/206.


(94)

أعلم بما صنع لولا ما صنع لكان أمر عظيم».(1)

من ناحية السياسة الداخلية

ما من شكّ في أنّه يجب على كلّ قائد يريد الانتصار على عدوه في ساحة القتال أن يتمتع بجبهة داخلية قوية مستقرة ومتحدة، لأنّ خوض الحرب بدونها سوف لن يجلب سوى الهزيمة الفادحة، وعند دراسة دوافع صلح الإمام الحسن من ناحية السياسة الداخلية والوضع الداخلي يلفت انتباهنا أمر مهم جداً، وهو فقدان تلك الجبهة الداخلية القوية المتحدة حيث لم يكن يتمتع أهل العراق لا سيما الكوفيون منهم بالاستعداد النفسي للقتال ولا بالانسجام والاتحاد في زمن الإمام.

الملل من الحرب

لقد كانت حروب الجمل وصفين والنهروان والحروب الخاطفة التي نشبت بين قوات معاوية وبين مراكز الحدود في العراق والحجاز و اليمن بعد التحكيم قد ولّدت عند أصحاب الإمام علي حنيناً إلى السلم والموادعة، فقد مرت عليهم خمس سنين وهم لا يضعون سلاحهم من حرب إلاّ ليشهروه في حرب أُخرى، وكانوا لا يقاتلون جماعات غريبة عنهم وإنّما يحاربون عشائرهم وإخوانهم بالأمس ومن عرفهم وعرفوه الذين أصبحوا الآن في معسكر معاوية.(2)


1-بحار الأنوار:44/1، و قد أفدنا لكتابة هذا الموضوع مضافاً إلى المصادر السابقة من كتيب يحمل عنوان فلسفة صلح إمام حسن بلا اسم المؤلف والناشر.
2-قد قتل في حرب الجمل أكثر من ثلاثين ألفاً ; تاريخ اليعقوبي:2/172 وقتل في النهروان أربعة آلاف من الخوارج; نفس المصدر:2/182، وكانت خسائر الطرفين في صفين قد بلغت المائة وعشرة آلاف قتيل; مروج الذهب:2/393.


(95)

وقد عبّر الناس عن رغبتهم في الدعة وكراهيتهم للقتال بتثاقلهم عن حرب الفرق الشامية التي كانت تغير على الحجاز واليمن وحدود العراق، وتثاقلهم عن الاستجابة للإمام عليّ حين دعاهم للخروج ثانية إلى صفين.(1)

وكتب الدكتور طه حسين وبعد ذكر أحداث التحكيم ووخامة الظروف عند نهاية حرب صفين:

«وهمّ عليّ بعد ذلك بالمضيّ إلى الشام، ولكن المنافقين من أصحابه أشاروا عليه بالعودة إلى الكوفة ليصلحوا من أمرهم بعد هذه الموقعة وليذهبوا إلى عدوهم بما ينبغي لهم من العدد والعدة، فعاد بهم إلى الكوفة ولكنّه لم يخرج منها وتفرق أصحابه إلى أهلهم وأقبلوا على أعمالهم وزهدوا في الحرب حتى أيأسوا علياً منهم، فجعل يدعوهم ويلحّ في دعائهم، ولكنّهم لا يسمعون منه ولا يستجيبون لدعائه، حتى قال ذات يوم في خطبة له: «لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، حتى قالت قريش ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، للّه أبوهم ومن يكون أعلم بها مني».(2)

فلما استشهد الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وبويع الحسن ـ عليه السَّلام ـ بالخلافة برزت هذه الظاهرة على أشدها وبخاصة حين دعاهم الحسن للتجهّز لحرب الشام حيث كانت الاستجابة بطيئة جداً. وعندما وصل خبر تحرك جيش معاوية باتجاه الكوفة، أمر الإمام الحسن أن يجتمع الناس في مسجدها، ثمّ خطب خطبة، وبعد أن أشار إلى تعبئة قوات معاوية، دعاهم إلى الجهاد في سبيل اللّه، والصمود والثبات في قتال أتباع الضلالة والفئة الباغية، وذكّرهم بضرورة الصبر والتضحية واحتمال


1-ثورة الحسين، محمد مهدي شمس الدين، ص 138ـ 141.
2-مرآة الإسلام، ص 248ـ 250، طه حسين.


(96)

الصعوبات، وبالنظر إلى أنّه كان على علم بمستوى الناس النفسي، قلق ـ عليه السَّلام ـ من عدم استجابتهم لدعوته، وهذا ما حدث بالفعل، فبعد ان أنهى خطبته المثيرة الجهادية، لزم الجميع الصمت ولم يستجب له أحد منهم ولا أيّدوه بكلمة، وقد كان هذا الموقف مؤسفاً ومحزناً إلى درجة انّ أحد أصحاب أمير المؤمنين البسلاء الذي كان حاضراً أنّبهم ووبّخهم ولامهم على هذا التثاقل والتخاذل ووصفهم بأنّهم أبطال مزيّفون جبناء، ودعاهم إلى قتال الشاميين والوقوف مع الإمام جنباً إلى جنب.(1)

ويدلّ هذا الأمر على مدى الخذلان والتثاقل الذي وصل إليه أهالي العراق آنذاك حيث خمدت في نفوسهم نار الحماس والجهاد ولم يكونوا على استعداد لخوض القتال.

وأخيراً وبعد خطب بعض أصحاب الحسن ـ عليه السَّلام ـ الكبار ومحاولاتهم لتعبئة القوات وحث الناس على القتال، انطلق الحسن مع نفر قليل من الكوفيين متجهاً نحو مكان يدعى«النُّخيلة» وعسكر هناك، وبعد انتظار لتعزيز القوات طال عشرة أيام اجتمع في معسكره أربعة آلاف مقاتل. ولأجل ذلك اضطر الإمام إلى العودة للكوفة للمحاولة مرة أُخرى لتعبئة قوات أكثر.(2)

المجتمع المتناقض

مضافاً إلى ذلك لم يكن المجتمع العراقي في تلك الفترة مجتمعاً مترابطاً ومتحداً يسوده الانسجام، بل كان مؤلفاً من شرائح وتيارات عديدة متناقضة بينها


1-مقاتل الطالبيين، الاصفهاني، ص 39; شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:16/38; أنساب الأشراف، البلاذري، ص 60.
2-صلح الحسن، آل ياسين، ص 102.


(97)

لا يجمعها أي تفاهم وتنسيق، فقد كان هناك أنصار الحزب الأموي الخطير، والخوارج الذين يوجبون محاربة الفريقين، والمسلمون الموالي الذين وفدوا إلى العراق من مناطق أُخرى حيث قد بلغ عددهم العشرين ألفاً، وأخيراً جماعة شكّاكون بلا عقيدة ثابتة يتأرجحون بين تأييد هذاالتيار وذاك.

هؤلاء جميعاً شكّلوا المجتمع العراقي في تلك الفترة، هذا مضافاً إلى تلك الشريحة التي تشايع خط أمير المؤمنين وأهل البيت.(1)

جيش متفكّك

وقد انعكست طبعاً ظاهرة التعدّدية العقائدية والتباين الفكري والتفكّك على جيش الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ أيضاً وجعلت منه جيشاً لا يتمتع بالانسجام والتماسك، ولذلك كان من غير الممكن الاعتماد على هذا الجيش في مواجهة العدو الخارجي .

وقد كتب أُستاذ الشيعة المرحوم الشيخ المفيد والمؤرّخون الآخرون حول هذه الظاهرة الخطيرة في جيش الإمام: وبعث حجراً يأمر العمال بالمسير واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ثمّ خفوا ومعه أخلاط من الناس:

أ. بعضهم شيعة له ولأبيه.

ب. وبعضهم محكّمة ـ أي خوارج ـ يؤثرون قتال معاوية بكلّ حيلة ـ بغضاً بمعاوية لا حباً بالحسن ـ.

ج. وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم.

د. وبعضهم شكّاك لا يرون للحسن أي أفضلية على معاوية.


1-نفس المصدر، ص 68ـ 74.


(98)

هـ. وبعضهم أصحاب عصبية اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين.(1)

وهكذا كان جيش الحسن يفتقد الوحدة والانسجام الضروريين في مواجهة عدو قوي كمعاوية.

وثيقة حية

قد لا تكون هناك وثيقة تعطي صورة شاملة عن طبيعة المجتمع العراقي وتخاذله في الحرب أكثر نطقاً وأبلغ من كلام نفس الإمام، فقد خطب خطبة جامعة حماسية في المدائن أي النقطة الأخيرة التي وصلها:

«واللّه ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسلبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنّا لكم كما كنّا ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له و قتيل بالنهروان تطلبون بثأره، فأمّا الباقي فثائر، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجلّ بظباء السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا».(2)

وما إن بلغ الإمام هذا الموضع من خطبته ناداه القوم من كلّ جانب: البقية البقية.


1-الإرشاد، المفيد، ص 189; الفصول المهمة، ابن صباغ المالكي، 167.
2-أُسد الغابة في معرفة الصحابة:2/13و14; الكامل في التاريخ:3/406; بحار الأنوار:44/21; تذكرة الخواص، ابن الجوزي، ص 199.


(99)

إذن كيف يمكن للإمام أن يواجه عدوّاً قوياً مثل معاوية بالاعتماد على مثل هذا الجيش الفاقد لروح الجهاد؟! وهل يكون النصر مرجواً أبداً معه وهو متركّب من تيارات وشرائح متضاربة متناقضة، الأمر الذي يمكن أن يكون مصدر خطر بمجرد الغفلة عنه؟!

وإذا افترض انّ الإمام الحسن ومعاوية قد تبادلا مواقعهما، وكان معاوية قائداً لمثل هذا الجيش، فهل كان بإمكانه أن يقوم بغير ما قام به الإمام؟!

نعم تعاونت هذه الأسباب واجتمعت لتدفع بالمجتمع الإسلامي إلى شفا وادي الدمار وخلّفت أحداثاً مريرة سنشير إليها.

تعبئة القوات من قبل الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ

قد شوّه بعض الكتّاب والمؤرّخين القدامى والمعاصرين الحقائق التاريخية وادّعى انّ الإمام الحسن لم ينو قتال معاوية والاختلاف معه، بل كان ومنذ الأيام الأُولى يتطلّع إلى الحصول على امتيازات مادية منه ليتمتّع بحياة رغيدة مرفّهة، ولم يكن نزاعه مع معاوية إلاّ لتحقيق تلك الأهداف والوصول إلى هذه الامتيازات!

هناك وثائق حية تدلّ على وهن هذه الافتراءات والتهم، وانّها لا تتلاءم مع الحقائق التاريخية على الإطلاق، لأنّه لو لم يشأ قتال معاوية لما كان هناك معنى لتعبئته للقوات وتجهيزه للجيش، وقد أجمع المؤرّخون على أنّه ـ عليه السَّلام ـ جهز جيشاً واستعد للقتال، غير انّ انعدام الانسجام ووجود التحزّب في جيشه من ناحية، وتفكّكه قبل بدء الحرب ونشوب النزاع أثر مؤامرات معاوية الغادرة وخذلان الناس له من ناحية أُخرى، دفعاه إلى أن يوقف الحرب ويخضع للصلح والسلم، وعليه بدأ عمل الإمام بالتحرّك وإعلان الحرب وإعداد الجيش، وانتهى إلى


(100)

الصلح والهدنة، وهو يدرك بعمق طبيعة المجتمع الإسلامي وظروفه ويهمه مصالح الأُمّة.(1)

وهنا نسترعي انتباه القرّاء إلى التفصيلات التالية.

ناكثو العهد

وكما أسلفنا لم يكن العراقيون على مرام واتجاه واحد، بل كانوا مذبذبين لا يعرفون الوفاء ولا يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم، يرفعون في كلّ يوم راية من الرايات وشعاراً من الشعارات، وطالما يخضعون للسلطات التي تحكمهم، وكما يقال يأكلون الرغيف بسعر اليوم.

وانطلاقاً من هذه الروح التي تحكمهم وتزامناً مع اشتداد تجهيز الجيوش وتعبئة القوات من الجانبين، خان بعض رؤساء القبائل والشخصيات المنحدرة من عوائل كبيرة الإمام الحسن وراسلوا معاوية وأعلنوا عن حمايتهم لحكمه وشجعوه على المسير نحو العراق سرّاً واعدين إيّاه أن يسلّموه الحسن حياً أو ميتاً إذا ما وصل هو إليهم، فأرسل معاوية نفس تلك الرسائل إلى الإمام، وقال له: كيف تقاتلني وأنت تثق وتعتمد على هؤلاء؟!(2)


1-ولهذا السبب ألف عدّة من المؤرّخين المسلمين القدماء كتباً تحت عنوان ـ قيام الحسن ـ ومنها الكتابان التاليان :
ألف: قيام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، تأليف هشام بن السائب الكلبي (المتوفّى 205هـ).
ب: قيام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، تأليف إبراهيم بن محمد الثقفي(المتوفّى عام 283هـ). (امام در عينيّت جامعه، محمد رضا الحكيمي، ص 171).
2-الإرشاد: 191، و ما يدعم هذه الحقيقة هو ما أجاب به الإمام الحسن أحد شيعته ،فقد قال ـ عليه السَّلام ـ ضمن سؤاله حول انّه لماذا أعرضت عن القتال؟:«واللّه لو كنت قاتلت معاوية لسلمني الناس إليه» ; البحار:44/20.


(101)

القائد الخائن

جعل الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ عبيد اللّه بن عباس على مقدمة الجيش وأرسل معه اثني عشر ألفاً من المقاتلين بعد أن ترك الكوفة منطلقاً إلى قتال معاوية، ونصب كلاً من: قيس بن سعد وسعيد بن قيس، وهما من كبار أصحابه كمستشارين له يخلفانه إذا ما حدث حادث لواحد من هؤلاء الثلاثة على التوالي.(1)

حدّد الإمام مسير الجيش واتجاهه وأمر بأن يصد جيش معاوية أينما وجد، وأن يطلعوه على ذلك حتى ينطلق هو بأصل الجيش نحوهم ويلتحق بهم فوراً.(2)

انطلق عبيد اللّه بمجموعته وعسكر بأرض تدعى« مسكن» قبال جيش معاوية.

لم يمضِ وقت طويل حتى أُبلغ الإمام بأنّ عبيد اللّه قد استلم مليون درهم من معاوية والتحق بمعسكره ليلاً برفقة ثمانية آلاف مقاتل.(3)

وكان من الواضح مدى تأثير خيانة هذا القائد في زعزعة معنويات الجيش وضعضعة وضع الإمام العسكري في تلك الظروف الحرجة. ومهما كان فقد تولّى قيس بن سعد الذي كان رجلاً شجاعاً تقياً ووفياً لآل علي كثيراً قيادة الجيش بأمر من الإمام الحسن، وقد حاول أن يرفع من معنويات المقاتلين خلال خطبة حماسية، وأراد معاوية أن يغريه بالمال أيضاً غير انّه لم يبع نفسه وراح يواصل صموده أمام أعداء الإسلام.(4)


1-لم يذكر اليعقوبي سعيد بن قيس وذكره المؤرّخون الآخرون.
2-مقاتل الطالبيين: 40.
3-وقد قتل ولدي عبيد اللّه أحد قادة معاوية الدمويين بسر بن أرطأة، شرح النهج :2/14، و كان يجدر بعبيد اللّه أن يمنعه ـ على أقل تقدير ـ لمعاوية الذي قتل ابنيه من هذا العمل الشائن، غير انّ تلك الشخصية المتخاذلة شتّتت جيش الإمام بانضمامها إلى معاوية وخانت خيانة عظمى.
4-مقاتل الطالبيين، ص 42; تاريخ اليعقوبي: 2/204.


(102)

المؤامرات الغادرة

لم يكتف معاوية بشراء عبيد اللّه، بل راح وبدافع اختراق جيش الإمام الحسن وبث روح الفرقة والأراجيف من خلال جواسيسه ومرتزقته يشيع بين جيش الإمام انّ قيس بن سعد قد صالح معاوية، ويشيع في جيش قيس أيضاً انّ الحسن بن علي صالح معاوية هو الآخر.

وقد وصل بهم الأمر إلى أن أرسل معاوية عدّة ممن عُرفوا بحسن الظاهر لدى الناس للقاء الإمام الحسن فالتقوا به في معسكر المدائن، وبعد أن خرجوا من خيمته راحوا ينادون بصوت عال: إنّ اللّه قد حقن بابن رسول اللّه الدماء وسكن الفتنة وأجاب إلى الصلح. فصدّقهم الناس وكانوا يثقون بهم ولم يحاولوا استقصاء الحقيقة، فتمرّدوا على الإمام، وهاجموا خيمته وسلبوا ما فيها، ثمّ تفرّقوا بعد ان حاولوا قتله.(1)

خيانة الخوارج

انطلق الإمام تاركاً المدائن نحو ساباط، وكان قد كمن له أحد الخوارج في الطريق مسبقاً، فضربه ضربة قوية، فأخذ الإمام ينزف دماً أثر الجراح، ثمّ نقله بعض أصحابه المقربين إلى المدائن وتوخّمت حالته الصحية هناك، فراح معاوية يسيطر على الوضع باستغلاله لهذه الفرصة المتاحة، فاضطر الإمام الذي فقد قوته


1-وكما أسلفنا ونظراً إلى أنّ جيش الإمام قد تألّف من شرائح وتيارات عديدة بينها الخوارج وبعض الوصوليين لم يكن من الغريب أن يحاولوا قتله وسلبه وينادوا حينها انّ هذا الرجل باعنا لمعاوية وذلّ المسلمين!! فكم كان سبط النبي الأكبر مظلوماً حقاً؟!


(103)

العسكرية الرئيسية وظل وحيداً إلى قبول اقتراح الصلح والسلم.(1)

وعليه إذا الإمام قد رضخ للصلح فلأنّه لم يملك حلاً غير ذلك كما كتب الطبري ومؤرّخون آخرون: فلمّا أفردوه أمضى الصلح.(2)

رأي الإمام حول دوافع الصلح

وردّاً على اعتراض أحدهم على صلحه وضع الإمام يده على هذه الحقائق المريرة، ووضّح دوافع مبادرته هذه بالنحو التالي:

«واللّه ما سلمت الأمر إليه، إلاّ أنّي لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم اللّه بيني وبينه، ولكنّي عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً، انّهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا في فعل، انّهم لمختلفون يقولون لنا انّ قلوبهم معنا وانّ سيوفهم لمشهورة علينا».(3)

وقد خطب الإمام ـ و كان مستاء ومتأثراً من تثاقل أصحابه وتخاذلهم ـ خطبة قال فيها: «يا عجباً من أُناس لا دين لهم ولا حياء، ويلكم واللّه انّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وانّي إن وضعت يدي في يده فأُسالمه لم يتركني أدين لدين جدي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّي أقدر أن أعبد اللّه عزّ وجلّ وحدي، وأيم اللّه لا رأيتم فرجاً ولا عدلاً أبداً مع


1-تاريخ اليعقوبي:2/205، وقد اختلف المؤرخون في نقل الوقائع التي انتهت إلى نهب سرادق الحسن ـ عليه السَّلام ـ والهجوم عليه، فقد كتب الطبري وابن الأثير وابن حجر العسقلاني: فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا انّ قيس بن سعد قد قتل، فانفروا فنفروا...(تاريخ الأُمم والملوك:6/92; الكامل في التاريخ:3/404; الاصابة في تمييز الصحابة:1/330).
2-تاريخ الطبري:6/92; أُسد الغابة:2/14.
3-بحار الأنوار:44/147; الاحتجاج، ص 157.


(104)

ابن آكلة الأكباد وبني أُميّة وليسومنّكم سوء العذاب، وكأنّي انظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله اللّه لهم فلا يسقون ولا يطعمون، ولو وجدت أنصاراً في قتال أعداء اللّه لما سلّمت الخلافة لمعاوية، لأنّها تحرم على بني أُميّة».(1)

وقد قال الإمام المجتبى ذات يوم ـ و هو يعرف طبيعة حكومة معاوية الخبيثة جيداً ـ كلاماً في مجلس حضر فيه: «وأيم اللّه لا ترى أُمّة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أُمية».(2)

وكان هذا إنذاراً للعراقيين الذين تركوا قتال معاوية بسبب تخاذلهم ورغبتهم في الدعة والراحة، وهم يجهلون حقيقة انّهم لن يصلوا إلى آمالهم وأُمنياتهم في ظل حكومة معاوية.

معاهدة الصلح وأهداف الإمام

عندما ارتأى الإمام الثاني انّ الحرب تتعارض مع المصالح العليا للمجتمع الإسلامي والحفاظ على كيان الإسلام ودخل السلم اضطراراً للظروف العصيبة التي أُشير إليها تفصيلاً مسبقاً، بذل قصارى جهده لضمان تحقيق أهدافه العليا والمقدّسة بأقصى ما يمكن من خلال هذا الصلح بطريقة سلمية.

ومن ناحية أُخرى ولأنّ معاوية كان مستعداً لأن يقدّم أي نوع من الامتيازات والتنازلات للدخول في السلم واستلام السلطة، لدرجة انّه أرسل


1-جلاء العيون:1/345ـ 346.
2-شرح نهج البلاغة:16/28.


(105)

صحيفة بيضاء مختومة إلى الإمام كتب فيها: أن اشترط في هذه الصحيفة ما شئت فهي لك،(1)استغل الإمام هذه الفرصة فكتب في معاهدة الصلح جميع القضايا الهامة والحسّاسة ذات الأولوية التي تمثل مبادئه الكبيرة، وطلب من معاوية الالتزام بما جاء فيها.

وعلى الرغم من أنّ نصوص معاهدة الصلح مبعثرة في كتب التاريخ، بل وأشار كلّ من المؤرّخين إلى بعض بنودها وموادها بيد انّه يمكن تأليف صورة كاملة من مجموع ما تبعثر منها في الكتب، وبإلقاء نظرة على تلك البنود التي وضعها الإمام وأصرّ على إدراجها، يمكن أن نفهم قوة التدبير العالية التي استخدمها على صعيد النضال السياسي للحصول على تلك الامتيازات.

والآن وقبل أن ندرس كلاً من بنود معاهدة الصلح على حدة، يمكننا حصر نصها في خمسة بنود كما في الصورة التالية:

البند الأوّل: تسليم الأمر ـ الخلافة ـ إلى معاوية على أن يعمل بكتاب اللّه وسنّة رسوله.

البند الثاني: أن تكون للحسن الخلافة من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد بها إلى أحد.

البند الثالث: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه في الصلاة، وأن لا يذكر علياً إلاّ بخير.

البند الرابع: استثناء ما في بيت المال وهو خمسة ملايين درهم وتكون بحوزة الإمام الحسن، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصلات على بني أُمية، وأن يفرّق


1-الكامل في التاريخ:3/405; الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ في هامش الاصابة :1/371 ; تاريخ الطبري: 6/93.


(106)

في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وصفين مليون درهم، و أن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد.(1)

البند الخامس: الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما صدر من هفواتهم، وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة وحقد، وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وانّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقّب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حق حقّه، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت الرسول غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أُفق من الآفاق.

فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختمه بخاتمه، وبذل عليه العهود المؤكدة والأيمان المغلّظة، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام.(2)

وهكذا تتحقّق نبوءة نبي الإسلام التي أطلقها عندما شاهد الحسن بن علي وهو لم يزل طفلاً من على منبره وقال:


1-دار ابجرد هي إحدى المدن الخمس في ولاية فارس قديماً (لغتنامه دهخدا، كلمة دار أبجرد).
ولعلّ اختيار خراج دار ابجرد كان بسبب ـ و وفقاً للوثائق التاريخية ـ انّ أهلها استسلموا طوعاً بلا قتال للجيش الإسلامي وصالحوه ويختص خراجها كما أمر الإسلام بالرسول وأهل بيته واليتامى والمساكين وابن السبيل، لذلك شرط الإمام أن يدفع إلى عوائل شهداء الجمل وصفين من خراج هذه المدينة، لأنّ دخلها يختص بالإمام، مضافاً إلى ذلك انّ الفقراء من عوائل الشهداء كانوا المستحقين لهذا الخراج ، البحار:44/10.
2-يراجع تفصيل معاهدة الصلح في كتاب صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ ، تأليف الشيخ راضي آل ياسين، ص 259ـ 261.


(107)

«هذا ابني سيد، ولعلّ اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».(1)

أهداف الإمام من الصلح مع معاوية

عندما يجد العظماء وقادة العالم أنفسهم في ظروف تتعارض مع أهدافهم وآرائهم، يحاولون وهم على مفترق طرق أن يسلكوا الطريق الذي يحمل خسارة أقلّ لهم دائماً، وهذه قاعدة أساسية في الحسابات السياسية والاجتماعية، والإمام المجتبى أيضاً وانطلاقاً من هذا المنهاج المعقول سعى جاهداً أن يحقّق أهدافه العالية في حدود الإمكان ولو نسبياً، ولذلك عندما اضطر إلى الصلح مع معاوية اشترط في تسليم السلطة له بأن يعمل بكتاب اللّه وسنّة نبيّه في قيادة المجتمع الإسلامي.

ومن الواضح انّ استلام السلطة وتشكيل الحكم الإسلامي ليس هو ما يرمي إليه الإمام، بل الدافع الحقيقي هو صيانة مبادئ الإسلام في المجتمع وقيادته في ضوء تلك المبادئ، فلو كانت تنفذ على يد معاوية وتطبّق، فانّ الهدف الحقيقي متحقّق ولو ضمن حدود معينة، ومضافاً إلى ذلك بمقدور الحسن ـ عليه السَّلام ـ أن يتولّى قيادة المجتمع الإسلامي بحرية بعد موت معاوية طبقاً للبند الثاني، ونظراً إلى أنّ معاوية كان يكبر الإمام بثلاثة وثلاثين عاماً(2)و يعيش أيّامه الأخيرة، ويرجى أن


1-وقد روى هذا الخبر باختلاف يسير عن النبي في الكتب التالية: تذكرة الخواص، ص 194; أُسد الغابة:2/12; نور الأبصار، ص 121; الفصول المهمة، ص 158; الاصابة:1/330; كشف الغمة ـ فارسي ـ :2/98; تهذيب التهذيب:2/298; الصواعق المحرقة، ص 82; البداية والنهاية:8/36; الاستيعاب ـ في هامش الاصابةـ:1/369; حلية الأولياء:2/35; إسعاف الراغبين ـ في هامش نور الأبصار ـ ; مسند أحمد:5/38ـ 44; أنساب الاشراف:3/42; عمدة الطالب، ص 65; الطبقات الكبرى:1/26.
2-صلح الحسن ، آل ياسين ، ص 278.


(108)

يلقى حتفه حسب الظروف الطبيعية، يتّضح مدى الفائدة التي يعود بها هذا الشرط ـ البند الثاني ـ على الإسلام والمسلمين طبقاً للحسابات العادية. وكان لكلّ واحد من بنود هذه المعاهدة أهميته أيضاً، لأنّه وفي الوقت الذي كان يسب فيه أمير المؤمنين ويشتم في الصلاة بجرأة كبيرة ـ حيث أصبح هذا العمل بدعة ذات جذور ـ و كان محبّو الإمام و شيعته وأهل البيت مطاردين مضطهدين ينكل بهم في كلّ مكان، فسيكون لهذا الإلزام الذي ألزم معاوية به قيمة عالية.

الاجتماع في الكوفة

دخل الجانبان الكوفة بقواتهما بعد إبرام معاهدة الصلح، واجتمعوا في مسجدها الكبير والناس كانوا ينتظرون أن يتم التأكيد على بنود المعاهدة من خلال خطب قائدي الفريقين بمرأى ومسمع منهم حتى لا يبقى مجال للشك والترديد في تطبيقها. ولم يكن هذا التوقع في غير محلّه فانّ إيراد الخطبة كان جزءاً من الصلح، ولذلك ارتقى معاوية المنبر وخطب خطبة غير انّه ليس فقط لم يؤكد على بنود المعاهدة، بل قال مستخفاً و مستهتراً: أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون! ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وألي رقابكم. ثمّ قال: ألا وإنّ كلّ شرط وشيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين.(1)وهكذا داس معاوية كلّ ما تعهد به وشرطه ونقض معاهدة الصلح علانية.


1-شرح نهج البلاغة:16/15; مقاتل الطالبيين، ص 45; الإرشاد، ص 191. قال أبو الفرج: خطب هذه الخطبة قبل دخول الكوفة.


(109)

جرائم معاوية

وتبعاً لهذه السياسة لم يكتف معاوية بعدم إجراء تعديل على طريقته هذه في التعامل فقط، بل ازداد طغياناً وإجراماً أكثر من السابق، فقد أشاع بدعة سب أمير المؤمنين وهتك حرمة ساحته المقدسة أكثر ممّا مضى، وضيّق الخناق على الشيعة وأصحاب علي الكبار الأوفياء لدرجة كبيرة، وقتل شخصية بارزة كحجر بن عدي وجماعة آخرين من الشخصيات الإسلامية الكبيرة، وتصاعد القتل والتنكيل والاضطهاد على شيعة علي حتى أصبح الشيعة بشكل عام إمّا سجناء أو مفقودين أو مشرّدين بعيداً يعيشون في أجواء يسودها الرعب والخوف. مضافاً إلى ذلك انّ معاوية لم يلتزم بالبند الذي على صيانة حرمة الإمام علي واحترامه هو وشيعته، وخالف كذلك البند المتعلّق بخراج دار أبجرد من تلك الوثيقة.وكتب الطبري حول هذا الموضوع:

وحال أهل البصرة بينه ـ يعني بين الحسن ـ و بين خراج «دار ابجرد» وقالوا فيئنا.(1)

وكتب ابن الأثير: وكان منعهم ـ يعني منع أهل البصرة ـ بأمر من معاوية.(2)

وعي الناس ويقظتهم

كان ينبغي على أُولئك الذين شقّت عليهم الحرب وملّوها لكثرة ما خاضوا منها وأطاعوا رؤساءهم وعلّقوا آمالاً على صلح معاوية تأثراً بإعلام ودعاية عماله


1-تاريخ الطبري:6/95.
2-الكامل في التاريخ:3/405. و كتب البلاذري في أنساب الأشراف: 47: أمر معاوية عامله على البصرة بأن يحرض الناس على الحسن بن علي عليمها السَّلام ، فقام بذلك حتى قالوا : هذا فيئنا ولم نعطيه غيرنا .


(110)

ووعودهم الزائفة أن يستيقظوا ويعوا انّهم ارتكبوا خطأً كبيراً، عندما تثاقلوا وتخاذلوا في القتال، ولهثوا وراء وعود معاوية، وأطاعوا رؤساءهم طاعة عمياء، وكان هذا أمراً مستحيلاً دون أن يروا عملهم هذا ونتائجه المشؤومة والخطيرة بأُم أعينهم.

مضافاً إلى ذلك كان من الضروري أن يتعرّف المسلمون على الوجه الحقيقي للحكم الأموي ويلمسوا عمليات الإرهاب والاضطهاد والإقصاء والتنكيل والمطاردات الدائمة التي يمارسها، وفي الواقع إنّ ما كان يجب على الإمام الحسن وأصحابه المقرّبين فعله في تلك الآونة الحسّاسة من التاريخ هو الكشف عن تلك الحقائق علانية للجميع، وبالتالي إعدادهم فكرياً وذهنياً لإدراك و فهم تلك الحقائق المرة والثورة عليها.

وعليه إذا كان الإمام الحسن قد قبل الصلح، فليس لأنّه أراد التخلّي عن المسؤولية ،بل لأجل أن يبدأ الحرب على صعيد آخر، وهذا ما تؤيده الأحداث التالية لمعاهدة الصلح التي هزّت العراقيين هزّاً، ويقول الطبري: إنّ معاوية قد عسكر بعد الصلح في النخيلة وجماعة من الخوارج قد خرجوا عليه ودخلوا الكوفة، فبعث إليهم فرقة عسكرية من الشاميين، فقضى الخوارج عليهم، فأمر معاوية أهل الكوفة بالقضاء عليهم ومحاربتهم وإلاّ يسلبهم الأمان.(1)

وهكذا أصبح العراقيون الذين تثاقلوا عن القتال بجانب أمير المؤمنين والحسن بن علي مرغمين على قتال الخوارج في جيش معاوية الذي كان عدواً لهم جميعاً.

وقد دلّ هذا على أنّ السلام والاستقرار اللّذين كانوا يأملون في الحصول عليهما في ظل حكم معاوية أصبح أمراً مستحيلاً.


1-تاريخ الطبري:6/95.


(111)

سياسة الإرهاب والتجويع

مضافاً إلى ذلك اتّبع معاوية سياسة لا إنسانية وتدميرية شاملة بالنسبة إلى العراقيين يمكن أن نسمّيها سياسة الإرهاب والتجويع، فكان تارة يضطهدهم وينكل بهم، وأُخرى يحرمهم من حقوقهم وامتيازاتهم وكتب ابن أبي الحديد العالم السنّي الشهير: قتلت الشيعة بكلّ بلدة، وقطع بنو أمية أرجلهم وأيديهم على الظنّة، وكان كلّ من يذكر ويعرف بحب أهل البيت والانقطاع إليهم سجن أو نهب ماله أو هدمت داره، وقد بلغ الاضطهاد حدّاً جعل الرجل يقال له زنديق أو كافر أحب إليه أن يقال من شيعة علي، و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.

قمة الاضطهاد والإرهاب في الكوفة والبصرة

وكما أسلفنا كان أهل العراق لا سيما الكوفيون أشد نكبة وبلاءً من غيرهم، حتى أنّ الرجل من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان المغلّظة ليكتمن عليه.

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان:

انظروا من قامت عليه البيّنة انّه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان


(112)

وأسقطوا رزقه وعطاءه.(1)

وقد استخلف زياد الذي ولي الكوفة ستة أشهر والبصرة كذلك تناوباً سمرة بن جندب على البصرة في غيابه فقتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له زياد : هل تخاف أن تكون قتلت بريئاً؟ فرد عليه قائلاً: لو قتلت إليهم مثلهم ماخشيت.

وقال أبو سوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(2)

الصلح تمهيد لثورة عاشوراء

هزت الأحداث الرهيبة العراقيين هزّاً وسلبتهم الراحة والدعة، وكشفت عن الوجه الحقيقي للحكم الأموي إلى حدود ما، وفي الوقت الذي كان رؤساء القبائل يرغدون بما عادت عليهم معاهدة الصلح ويتمتعون بعطايا وصلات معاوية، كان أهل العراق العاديون قد أدركوا طبيعة الحكم الأموي وحقيقته تلك الحكومة الظالمة المستبدة التي مشوا إليها بأقدامهم وأقاموها بأيديهم.(3)

وولى معاوية المغيرة بن شعبة الكوفة، واستعمل عبد اللّه بن عامر على البصرة


1-شرح نهج البلاغة:1/43ـ45.
2-تاريخ الطبري:6/132.
3-كان الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ يتوقع جميع هذه الأحداث ويعلم جيداً انّ قيادة المسلمين لو صارت بيد الأمويين، فسيكون المصير المظلم بانتظارهم لا سيما الشيعة، و لكن طالما انّ المسلمين لم يواجهوا هذه الأحداث المريرة بأنفسهم، فسوف لن يعرفوا مدى أهمية هذا الأمر، وعندما عاشوا تلك الأحداث المرعبة أدركوا حينها بأنّهم ضيعوا الفرصة وانّهم هيّأوا مقدّمات شقائهم بأنفسهم من حيث يدرون ولا يدرون. وقد أشار الحسن خلال خطبته التي تقدم جانباً منها سابقاً إلى المستقبل المظلم: «وأيم اللّه إن سلمت الأمر إليه لا رأيتم فرجاً ولا خفضاً مع بني أُمية و ليسومنكم سوء العذاب، وكأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله اللّه لهم، فلا يسقون ولا يطعمون».


(113)

وكان قد عاد إليها بعد ان غادرها إبّان قتل عثمان، وذهب معاوية إلى الشام مستقراً في دمشق يدير دولته من هناك.

وقد جعل أهل العراق يذكرون حياتهم أيّام علي فيحزنون عليها ويندمون على ما كان من تفريطهم في جنب خليفتهم ويندمون على ما كان من الصلح بينهم وبين أهل الشام، وجعلوا كلما لقي بعضهم بعضاً تلاوموا فيما كان وأجالوا الرأي فيما يمكن أن يكون، ولم تكد تمضي أعوام قليلة حتى جعلت وفودهم تفد إلى المدينة للقاء الحسن ـ عليه السَّلام ـ والقول له والاستماع منه. (1)

و عليه كانت فترة الصلح الذي أقامه الإمام فترة إعداد تدريجي للأُمّة لمواجهة الحكم الأموي حتى يحين اليوم الموعود يوم يكون المجتمع الإسلامي مستعداً للثورة.

الإعلان عن الاستعداد للثورة

يوم صالح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ لم يكن المجتمع قد بلغ ذلك المستوى من الوعي والاستيعاب بما يخدم هدف الإمام في تلك الفترة كان المجتمع أسير الأماني والآمال تلك الأماني والآمال التي بثّت فيه روح الهزيمة.

إذن كان هدف الحسن هو أن يهيّئ عقول الناس للثورة على حكم الأمويين، ويمنحهم الفرصة لاكتشافه بأنفسهم مع التنبيه على ما فيه من مظالم وجرائم وانتهاكات للأحكام الإسلامية ممّا يبعث الوعي ويبثّه في أفكار الناس.(2)


1-علي وبنوه، الدكتور طه حسين، 207.
2-و من هنا يمكن القول بانّ معاهدة الصلح كانت كسيف ذي حدين لمعاوية كلّ منهما جارح مؤذ ، لأنّه لو التزم بمفادها، لكان هذا تحقيقاً لهدف الإمام في حدود ما، وإلاّفسيتسبب في خلق الكراهية الشاملة للسلطة الأموية وتحريض الناس لمواجهتها، وهذا أمرٌ لم يكن الإمام ليستبعده.


(114)

واستقوى هذا الاستعداد شيئاً فشيئاً وتوجهت شخصيات العراق الكبيرة إلى الحسين طالبين منه القيام والثورة.(1)

صدى الأحداث في المدينة

ولقد كان كلّ حدث من أحداث معاوية يجد ـ بعد استشهاد الإمام الحسن ـ صدى في المدينة حيث الإمام الحسين ويكون مداراً لاجتماعات يعقدها الإمام مع أقطاب الشيعة في العراق والحجاز وغيرهما من بلاد الإسلام، يدلنا على ذلك انّه حين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي وأصحابه خرج نفر من أشراف الكوفة إلى الحسين فأخبروه الخبر وأثار هذا استنكار المؤمنين.

وهذا يوحي لنا بأنّ حركة منظمة كانت تعمل ضد الحكم الأموي في ذلك الحين وإن دعاتها هم هؤلاء الأتباع القليلون المخلصون الذين ضن بهم الحسن عن القتل، وانّ مهمة هؤلاء كانت بعث روح الثورة في النفوس عن طريق إظهار المظالم التي حفل بها عهد معاوية انتظاراً لليوم الموعود.(2)

لما ذا قعد الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ وقام الإمام الحسين

ـ عليه السَّلام ـ ؟

بينت الأبحاث السابقة دوافع صلح الإمام الحسن غير انّه قد بقى هناك سؤال وهو انّه لماذا قعد الحسن وقام الحسين؟ فإذا كان الصلح عملاً وجيهاً وصحيحاً فلماذا لم يصالح الحسين يزيد؟ وإذا كان الأصل هو الحرب فلماذا لم


1-ولكن الإمام الحسين بن علي عليمها السَّلام كان يأمرهم بطاعة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ويقول لهم: «وأمّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم اللّه بالأرض واكمتوا في البيوت واحترسوا من الطنة مادام معاوية حياً».
2-ثورة الحسين ـ عليه السَّلام ـ ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: 150ـ 151.


(115)

يحارب الإمام الحسن؟

ويجب البحث عن إجابة هذا السؤال في الظروف المختلفة التي عاشها هذان الإمامان الكبيران وكيفية سلوك وشخصية كلّ من معاوية ويزيد وهنا سنشير إلى جوانب من اختلافات معاوية ويزيد، السلوكية.

حيل معاوية ومكره

حاول معاوية أبّان تولّيه السلطة أن يضفي بخططه وسياسته الماكرة على حكمه طابعاً دينياً إسلامياً دائماً، وكان يمنع من أن يعي الناس انحرافه عن خط السياسة الإسلامية الصحيحة، وبالرغم من انّه حرّف الإسلام عملياً واستبدل الخلافة الإسلامية البسيطة المتواضعة بالحكم الأموي الإرستقراطي وحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع غير إسلامي إلاّ أنّه كان يتظاهر بسلوكه المحافظ على تعاليم الدين و يغطي حقيقته، ويهتم بتطبيق بعض الأحكام الإسلامية في بلاطه، وماكان ليسمح بأن تتغيّر الصبغة الدينية في المجتمع.

وقد كان يدرك انّه ليس ينبغي له ـ وهو يحكم الناس بسلطان الدين ـ أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدّياً للدين الذي يحكم بسلطانه، بل عليه أن يسبغ على أعماله غشاءً دينياً لتنسجم هذه الأعمال مع المنصب الذي وصل إليه، أمّاما لا يمكن تمويهه من التصرفات فليرتكبه في السر.

مضافاً إلى انّه كان لمعاوية اسلوب سياسي غير عادي في معالجة الأحداث والمشاكل، فهو يعالجها بطريقة خاصة يفتقر ابنه يزيد إلى المهارة في استخدامها، وكان سيخلق هذان الأمران شكاً وترديداً في نجاح الثورة وتأثير الشهادة الإيجابي في عهد معاوية، لأنّه و في تلك الظروف سوف لن يصدر عامة الناس حكماً صائباً


(116)

حول الثورة على الأمويين ولن تثار موجة الكراهية للسلطة الأموية، لأنّ الرأي العام كان ما يزال يجهل مدى انحراف معاوية عن الإسلام، ولذلك راحت بعض الشخصيات اللاواعية تعتقد انّ صراع الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ مع معاوية صراع سياسي على السلطة أكثر منه على الحقّ والباطل.

إنّ الشهادة في مثل هذه الظروف لا تخدم أهداف الثورة بل يعرّض الرأي العام إلى الخطأ في الحكم والتقدير وإلى ضياع الحقيقة.

أجواء غير ملائمة

وكما لاحظنا لم يكن الجو السياسي في عهد معاوية جواً ملائماً يتمكن المصلح فيه أن يحسم أمراً في ضوء خطة معينة وأن يجد المجتمع وجهته بدقة بل كان جواً يجعل المصلح أن يكون مراقباً لتصرفات القادة الفاسدين وأن يبدي ـ و بالنظر إلى إمكانيته وطبيعة من حوله ونوع مواجهة العدوـ رد فعل مناسب حتى تنتصر بهذا النحو الحقيقية المهزومة على الخديعة المنتصرة.

كانت هذه هي المشكلة الرئيسية في عصر الإمام الحسن.

لم يكن في ذلك العصر لما كان يعرف بالشهادة التأثير المفروض وفي الواقع تحتاج الشهادة شأنها شأن الكثير من الظواهر إلى أرضية مناسبة حتى تخرج من إطار الشهادة والإخلاص الفرديين وتأخذ لنفسها طابع ظاهرة اجتماعية مؤثرة، فيكون دم الشهيد باعثاً للحياة في شرايين الآخرين، وقد دلّت الوثائق التاريخية على أنّه لو كان الإمام يثور بجيش متثاقل متخاذل كالذي أحاط به ـ و تقدّم الحديث عنه ـ و يشهر سيفه في وجه معاوية لما كانوا يقتلونه ليكون البطل الشهيد بل كانوا يأسرونه. فقد كان معاوية يريد أن يمسح وصمة العار التي لحقته هو


(117)

وعشيرته على يد جنود الإسلام بأسر واحد من أسياد آل محمد.

إذن ما كان الإمام ليصبح ـ إذا ما هزم ـ شهيداً بطلاً بقتله كما حدث في عاشوراء، بل كان يعلق بمخالب معاوية وبالتالي يتم القضاء عليه بطريقة مجهولة، وتكون هذه واحدة من تلك الخسارات الكبيرة التي تلحق موقف الحقّ وجبهته في تلك الأيام. فلو كان جيش الإمام الحسن يمنى بالهزيمة على يد جيش معاوية لكان معاوية يغير على البلاد الإسلامية ومدنها ويقوم فيها بالقتل والتنكيل بكلّ ما أُوتي من قوة لا سيما مكة والمدينة والكوفة والبصرة والحواضر الأُخرى التي كانت ضمن حدود دولة علي بن أبي طالب.

وهكذا يكون عدد القتلى ـ و على عكس نكبة عاشوراء ـ بالغاً ما لا نهاية له وما لا يمكن عده وإحصاؤه، إذن فقد كان هذا هو حقن الدماء الذي تحدث عنه الإمام.(1)

ولعله ولهذه الأسباب ولتصويبه صلح الإمام الحسن امتنع الإمام الحسين عن الثورة بعد استشهاد أخيه العظيم في فترة العشر سنوات الأخيرة من عهد معاوية أي من عام 50 إلى عام 60 هجرية تقريباً، و كان ـ عليه السَّلام ـ ينتظر الفرصة المناسبة بلهفة، واهتم بإعداد الناس فكرياً ونفسياً، إذ لم يكن رد فعل المجتمع الإسلامي والرأي العام معلوماً فيما إذا قام وثار في تلك الفترة.

يزيد شخصية المجتمع الإسلامي الكريهة

غير انّ هذا الأمر يختلف تماماً في يزيد ـ كما سنشير إليه في سيرة الإمام الحسين ـ ليس لأنّه لا يملك نضج وحنكة ودراية الأب وسياسته فقط، بل كان


1-امام در عينيت جامعه، محمد رضا الحكيمي: 121، 133، 171.


(118)

بعيداً كل البعد حتى عن التظاهر بمظاهر الإسلام الذي أراد أن يحكم الناس باسمه. فقد كان شاباً طائشاً نزقاً شهوانياً عنيداً، ومن أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروّي، كان إنساناً صغير العقل متهوراً ماجناً لاهياً سطحي التفكير.

إنّ حياة التحلل التي عاشها قبل أن يلي الحكم والانسياق مع العاطفة وتلبية كلّ رغباته كل ذلك جعله عاجزاً عن التظاهر بالورع والتقوى والتلبس بلباس الدين بعد ان حكم المسلمين مثل ما كان يفعل أبوه، بل راح و بسبب طبيعته النزقة يعالن الناس بارتكاب المحرمات ويقارف من الآثام ويتظاهر بشرب الخمر والفساد، وكان يزيد بقدر من السذاجة السياسية بحيث كشف للناس الطبيعة الواقعية والوجه الحقيقي لحكم الأمويين الذين كانوا العدو اللدود للإسلام والمظهر التام للعودة إلى الجاهلية واحياء النظام الإرستقراطي في ذلك العصر.

وقد أثبتت المجاهرة بالفساد والإنفلات من القيود لدى يزيد انّه يفتقد الجدارة والمؤهّلات لتولّي الخلافة وقيادة المجتمع الإسلامي.

وعليه فلن يكون في وسع أنصار الحكم الأموي أن يلوّثوا ثورة الحسين أمام الرأي العام بأنّها ثورة في سبيل الملك، لأنّ العامة ترى أنّ مبررات هذه الثورة موجودة في سلوك يزيد نفسه هذا السلوك الذي لا يلتقي مع الدين على صعيد، وكان الناس ستعتبر ثورة الحسين بن علي في مثل هذه الظروف هي ثورة ابن رسول اللّه على الحكومة اللا شرعية حفاظاً على الإسلام لا لأجل الصراع السياسي ولا النزاع على السلطة.

اشتداد الحركة الثورية

ويجب أن نجد السبب الآخر لثورة الحسين بن علي في وعي الناس والرأي


(119)

العام واتساع رقعة دعوة الشيعة ونفوذها بعد صلح الحسن، لأنّ الحركة التي انطلقت بعد الصلح ضد الحكم الأموي راحت تتسع في نطاقها شيئاً فشيئاً وتزداد في نفوذها يوماً بعد يوم و لقد كانت سياسة معاوية ـ من حيث يدري ولا يدري ـ سبباً في اشتداد هذه الحركة واتساعها، لأنّه كان يرى المجال مفتوحاً أمامه بعد استشهاد الإمام الحسن، فضيق الخناق على الناس لا سيما على الشيعة وأنصار أمير المؤمنين ولم يأل جهداً في اضطهادهم وظلمهم، أن انتهاكات معاوية المستمرة لحقوق المسلمين وإغاراته وهجماته المتكررة بجيشه الهمجي الظالم على البلدان الإسلامية المختلفة وقتل الأبرياء وايذاءهم ونقض معاهدة الصلح وأخذ البيعة لابنه يزيد، وأخيراً سمّ الإمام الحسن، كل ذلك شوّه وجه الحكم الأموي أكثر من السابق وزعزع مكانته.

وقد دفعت هذه الأحداث الشيعة إلى الترابط وترصيص الصفوف وتوحيدها أكثر وتقوية الجبهة المعادية للأمويين، وتمهيد الأرضية للثورة الحسينية.

وقال الدكتور طه حسين الأديب والكاتب المصري المعروف بعد توضيح التضييق والاضطهاد الذي كان يمارسه معاوية ضد الشيعة: إنّ الشيعة قد اشتد تحرّكهم في العشرة أعوام الأخيرة من عهد معاوية، وانتشرت دعوتهم في شرق العالم الإسلامي وجنوب البلاد العربية بشكل واسع، ومات معاوية حين مات وكثير من الناس وعامة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية وحب أهل البيت ديناً لأنفسهم.(1)

وهكذا عرفت الأمّة الإسلامية الوجه الحقيقي للحكم الأموي بما فيه الكفاية وذاقت طعم تعذيبه وإرهابه المرير وأدركت انتهاكه لحقوق المسلمين وارتفع القناع الذي كان يتقنّع به في بداية عهد معاوية وتعرّف الناس على حقيقته،


1-علي وبنوه، الدكتور طه حسين، ص 295.


(120)

وبالتالي زالت جميع الموانع التي وقفت في طريق ثورة منتصرة وانفسح المجال أمام الثورة على الحكم الأموي تماماً ، وكانت هذه الفترة هي الفترة التي أنزل فيها الحسين بن علي ـ عليه السَّلام ـ ضربة حاسمة قاضية على جسم الحكم الأموي الفاسد وفجّر تلك الثورة العظيمة الفريدة.

الثورة الملهمة

أحدثت ثورة الحسين تغييراً شاملاً في المجتمع الإسلامي، قلبت الأوضاع وحرّضت الرأي العام ضدّ الحكم الأموي، وتسببت في حدوث انتفاضات وثورات كبيرة متوالية، مثل: ثورة التوّابين، ثورة أهل المدينة، ثورة المختار الثقفي، وانتفاضة زيد بن علي، وانتفاضات كبيرة أُخرى; بينما لو كانت هذه الثورة تحدث في عهد الإمام الحسن و على يديه، لما كان لها مثل هذه الثمار والنتائج.

وفي الواقع انّ الحسين بن علي عليمها السَّلام قد اتّبع منهج أخيه القدير، لأنّ الإمام الحسن قد تحمّل الكثير ـ و بكل شهامة ـ من الإشكاليات و الشبهات التي كان يثيرها سطحيو التفكير المتهوّرون، وهيّأ بتوقيعه على معاهدة الصلح وانطلاقاً من فهمه للواقع الذي عاش فيه أرضية الثورة بالتدريج وأعد الأذهان والرأي العام، وإذا ما تمهّدت الأرضية تماماً انطلق الحسين بن علي بثورة على مركز الفساد.

اختلاف في الأصحاب

وممّا يجب الالتفات إليه وفضلاً عن التغاير الموجود بين عصر الإمام الحسن وعصر الإمام الحسين كما تقدّم الحديث عنه هو الاختلاف الهام بين مستوى أصحاب هذين الإمامين أيضاً. فقد لاحظنا في الصفحات السابقة انّ جيش الإمام الحسن كان يضطرب بمجرد سماع شائعة واحدة وينثال جماعة على خيمته


(121)

ينهبونها حتى البساط الذي تحت قدميه، ولاحظنا انّ أُولئك الذين أرادوا أن يقاتلوا جيش الشام مع الإمام ويضحّوا بأرواحهم في سبيل ذلك هم أنفسهم أحدثوا الفتن والبلابل وتركوا الإمام وحيداً .

فلنقارن بينهم و بين أصحاب الحسين الذين قالوا يوم عاشوراء :واللّه لو نعلم انّنا نقتل فيك ثمّ نحيا ثمّ نحرق ونذرّى، يفعل بنا ذلك سبعين مرة ما فارقناك حتى نلقى حمامنا دونك، فكيف وإنّما هي قتلة واحدة وتلك هي الشهادة ثمّ ننال الكرامة التي لا انقضاء لها.

نعم بهذا النوع من الرجال يمكن أن نلقي شرراً من الحماس باسم الشهادة في تاريخ الإنسان ونحدث صدى في كبد السماء اسمه عاشوراء لا مع قوم لا نصر معهم ولا شهادة بل يسلمون المرء مكتوفاً إلى الأعداء وحينئذ لن يبقى غير ذل الأسر ليس إلاّ، ولهذا غيّـر الإمام الحسن صعيد الكفاح.

وبعبارة أُخرى غيّر الساحة لا الجهة كمن يصلّـي على مركب وهو يتجه نحو القبلة فعندما يستبدل هذا المركب بمركب آخر فانّه يغير مكانه لا جهته وهي القبلة.وقبلة رجال الحقّ هي مقاتلة الباطل دائماً سواء كان هذا القتال في ساحة كربلاء أو في أزقة وأحياء الكوفة ومسجد المدينة أو سجن بغداد. فقد انصب قتال الإمام الحسن على معاوية الذي كان أكبر حاجز أمام نشر الحقّ والعدالة في تلك الفترة تارة على شكل إعداد الجيوش، وأُخرى في إطار قبول الصلح والهدنة.(1)

وجهان لرسالة واحدة

كتب العلاّمة المجاهد المرحوم «السيد شرف الدين العاملي» في المقدمة التي


1-امام در عينيت جامعه: 129ـ130.


(122)

كتبها لكتاب «صلح الحسن» القيّم تأليف العالم البحّاثة الكبير «الشيخ راضي آل ياسين»: وكان أهمّ ما يرمي إليه سلام اللّه عليه أن يرفع اللثام عن هؤلاء الطغاة ليحول بينهم و بين ما يبيّتون لرسالة جده من الكيد، وقد تم له كلّ ما أراد حتى برح الخفاء وآذن أمر الأموية بالجلاء والحمد للّه ربّ العالمين.وبهذا استتب لصنوه سيد الشهداء أن يثور ثورته التي أوضح اللّه بها الكتاب وجعله فيها عبرة لأُولى الألباب، وقد كانا عليمها السَّلام وجهين لرسالة واحدة، كلّ وجه منهما في موضعه منها وفي زمانه من مراحلها يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازنه بالتضحية في سبيلها.

فالحسن لم يبخل بنفسه، ولم يكن الحسين أسخى منه بها في سبيل اللّه ، وإنّما صان نفسه يجندها في جهاد صامت، فلمّا حان الوقت كانت شهادة كربلاء شهادة حسنية، قبل أن تكون حسينية. وكان يوم ساباط أعرق بمعاني التضحية من يوم الطف لدى أُولي الألباب ممّن تعمّق، لأنّ الحسن ـ عليه السَّلام ـ أُعطي من البطولة دور الصابر على احتمال المكاره في صورة مستكين قاعد، وكانت شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً، لأنّ الحسن أنضج نتائجها ومهّد أسبابها. كان نصر الحسن الدامي موقوفاً على جلو الحقيقة التي جلاها لأخيه الحسين بصبره وحكمته، وبجلوها انتصر الحسين نصره العزيز وفتح اللّه له فتحه المبين، وكانا عليمها السَّلام كأنّهما متفقان على تصميم الخطة أن يكون للحسن دور الصابر الحكيم وللحسين دور الثائر الكريم، لتتألّف من الدورين خطة كاملة ذات غرض واحد، وقد وقف الناس بعد ساباط والطف يمعنون في الأحداث فيرون في هؤلاء الأمويين عصبة جاهلية منكرة....(1)

ونظراً إلى هذه الحقائق يمكن القول بأنّه لو كان الإمام الحسين في نفس


1-صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ : 12ـ 13.


(123)

الظروف التاريخية لأخيه الكريم الإمام الحسن لكان يقوم بنفس ما قام به، ولو كان الإمام الحسن في عصر الحسين وظروفه لكان ينتهج نفس نهجه، لأنّ هذين الإمامين الكبيرين أدى كلّ منهما رسالته التاريخية وفقاً لظروفه التاريخية والزمنية الخاصة به، وقد قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو يتوقع هذه الأحداث والإشكاليات حول ابنيه العظيمين: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».(1)

الصلح أو الصلاح؟

نختم هذا الفصل بمقالة أحد الكتّاب و قد نشرت في إحدى مجلات طهران تحت عنوان «الصلح أو الصلاح؟».

يمكن أن نعتبر صلح الحسن أو بعبارة أُخرى مهادنته لمعاوية من أصعب مراحل مسيرة الإمامة في الإسلام وكان أكثر الهدنات ثورية في التاريخ وانّ احتمال معاناته ـ الصلح ـ المضنية لا يمكن لأحد غير ابن علي ـ عليه السَّلام ـ مهما أوتي من المعرفة العالية جداً بمراتب ودرجات الإيمان وقد كان هذا الصلح مثاراً للجدل والنقاش دائماً وحاول المغرضون بأقلامهم المغرضة والجاهلون بنظرتهم الجاهلة أن يحرّفوا هذه السيرة الإيمانية ويقذفوها في دائرة الغموض والإبهام.

انّ الأئمّة جميعاً مظهر للتقوى والسياسة وانّهم يشتركون جميعاً في التقوى والإيمان ويختلفون في الأسلوب والسياسة، فقد أصبح أسلوب علي وسياسته في مرحلتي الصمت والسكون والصراخ والحركة ملاذ الأمة وحلّها الوحيد وسار الحسن على خطا أبيه في المرحلة الأُولى والحسين في المرحلة الثانية، ولولا الصمت لما كان لعلي ـ عليه السَّلام ـ صراخ وصوت مدو وشهادة منذرة تبعث الحياة في النفوس


1-وقال ابن شهر آشوب في مناقبه 3/394: إنّ المسلمين أجمعوا على أنّ النبي قال هذا الحديث.


(124)

وهكذا صراخ وصوت الحسين المدوي وتضحياته ما كانا ليسجّلا في التاريخ من دون صلح أخيه بهذا الشكل.

وانّ كلّ أُولئك الذين اتهموا الحسن بطلب العافية والدعة وتمنّوا متأثرين بعواطفهم: ليته اختار الشهادة وخلق من ساباط ـ اسم مكان الصلح ويومه ذلك الصلح الثوري المصيري وبعبارة أُخرى يوم عاشوراء الحسن ـ عاشوراء ثانية ومن الكوفة كربلاء أُخرى كانوا مخطئين إلى أبعد الحدود.

انتقاء أكثر أساليب الكفاح تأثيراً

ربما كان احتمال الشهادة أسهل على الحسن، غير انّه وكباقي الأئمّة كان عليه أن يفكّر بإنقاذ الإسلام والمسلمين وانتقاء أكثر أساليب الكفاح فاعلية فقط.

ولو دقّقنا وتعمّقنا قليلاً في عصر الحسن لما كنا نجد هناك ما هو أنجع من سياسة السلم والصلح، لا سيما إذا كان بدافع تضخيم الدور الرسالي وبهدف الحياة لأجل الموت بطريقة أفضل ولو كان يثور ويقوم بكفاحه المسلح فريداً بلا أعوان لما كان هناك امتداد للإمامة.

ولعلّه إذا كان يملك مثل أخيه اثنين وسبعين ناصراً من الصدّيقين والفدائيين كان ينتفض بتلك الانتفاضة أيضاً، و لكن ماذا يبقى أمامه ليفعله عندما يجرده العدو من الأنصار ويجند حتى زوجته لقتله بالسم، ويدفع بقادة جيشه للمساومة عليه وتسليمه إلى معاوية مكتوف اليدين، وبالتالي يحرض قائد جيشه الذي كان يفترض أن يستعين به في معركته على التمرّد عليه، غير الصلح والسلم؟! والوحيد الذي كان بإمكان الحسن أن يعتمد عليه هو الحسين الذي


(125)

كان ينتظره يوم عاشوراء الرسالي العظيم.(1)

ولا شكّ انّه لولا صلح الحسن مع معاوية و كونها مقياساً اختبارياً في نقض ما جاء فيه لما حدثت ثورة الحسين أيضاً، ولو لم يشترط الحسن على معاوية بشرط يحرمه من حقّ الاستخلاف حتى ينقضه باستخلاف ابنه يزيد، لما كان هناك ذريعة مقبولة للحسين في ثورته ولا كان هناك دليل يستدل به شيعته.(2)

ساباط وعاشوراء يفضحان جاهلية الأمويين الخبيثة

عندما ألقت الأمّة نظرة على سير الأحداث في واقعتي ساباط وعاشوراء أدركت بوضوح جاهلية الأمويين الخبيثة والقبيحة. فقد شاهدت انّ الحسن قد ارتضى بالسلم بيد انّ معاوية لم يفِ بأي شرط من شروط المعاهدة المتفق عليها ونقض كلّ المواثيق فلا هو سار على هدي كتاب اللّه وسنة رسوله في حكمه، ولا جعل الحكم شورى من بعده، ولا منحه لصاحبه الحقيقي، ولا هو أوقف سبّ علي وصان قداسة المنبر من هذه البدعة الشائنة، ولا هو دفع الخراج الواجب عليه دفعه، ولا هو أبعد عن المسلمين المخلصين وأصحاب علي اضطهاده وملاحقاته ومطارداته الغادرة، بل سقى الحسن السم في النهاية أيضاً .


1-إنّه من البعيد عن الموضوعية والإنصاف أن لا نرى دور الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ في ثورة عاشوراء، والواقع انّ ثورة عاشوراء كانت حسنية قبل أن تكون حسينية، كما أنّه من غير الإنصاف أن ننظر إلى الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ نظرة الرجل المهزوم، بل ينبغي لنا أن ننظر إليه ـ عليه السَّلام ـ نظرة البطل الباسل الذي تحمّل الصلح بكلّ إباء وتضحية ليمهد الطريق أمام ثورة أخيه الحسين ـ عليه السَّلام ـ .
2-ولا يجب التعويل على هذا الكلام الأخير بشكل قطعي. المؤلف.


(126)

أعظم تجسيد للإرادة والعجز

وببركة ثورة الحسن الصامتة وثورة الحسين المدوية انكشف الستار عمّا كان خافياً وظهرت الأفكارالدفينة، انّ العبرة التي خنقت الحسن وضاق بها ذرعاً هي عبرة الإسلام التي ظلت تفور وتفور من أعماق وجوده وانقشعت بصرخة الحسين المدوية.

إنّ ما انعقدت نطفته في أحزان وعبرات الحسن وتكاملت خلاياه في دم الحسين هو لب الإمامة وأساسها، فقد كان الحسن أعظم تجسيد للإرادة والعجز ذلك المقاتل المغوار الذي أدهش الجميع بصولاته في سوح الوغى، ذلك الخلف الذي نهل من نمير مدرسة البسالة والاعتزاز مدرسة أبيه علي حتى اللحظة الأخيرة من حياته وأفاد منها الكثير من الحكمة والتعاليم.

وكم كان كريماً حليماً هناك حيث رأى انّ رسالته في ساحة الإمامة لا تكون إلاّ في الصلح والسلام فارتضى به واحتمله وكان هذا هو حُسن سيرة الحسن لا شيئاً آخر ذلك الحسن الذي أجلس الصمت والصلح على حد السيف واحتفظ بحلول الإسلام الأُخرى في نطاق حمايته .

وقد تدارك بلسانه القاطع وخطبه المجلجلة وكلامه الدامغ صمت السيف تماماً ومهّد أكثر الأرضيات استعداداً لثورة الدم ثورة أخيه، لدرجة انّ معاوية كان يرتعد ويرتعش من كلماته وخطبه تلك، فكان يدفع بزبانيته ومرتزقته إلى قطع سلسلة أحاديثه ليمنعوه من مواصلتها في الاجتماعات.


(127)

الجهاد في أوسع الميادين

خطا ـ عليه السَّلام ـ بأكبر خطوة إصلاحية وفتح باب مدرسة الأخلاق والحب والإصلاح في وقت كان يحكم فيه الفتنة والسلاح، وكمصلح لا يفكر في غير الخير والصلاح باع الشهرة برضا ربّه، ولم يختر الصلح في بداية الطريق بل في نهايته، واحتمله بعد الهزيمة في كلّ جبهات القتال.

انطلق جهاده المضني في أوسع الميادين وعلى مختلف الأصعدة فاختبر جيشه وتفحّص موضعه في ساحة القتال مع الأعداء وجرّب مواجهة الفتن والمكائد في جهاده مع أصحابه المنافقين، واستمد من قوة الإصلاح والإرشاد في جهاده لنفسه يكظم غضبه في احتمال الصلح المفروض... ولو ألقينا نظرة إجمالية على جهاد هذا المظلوم الصامت، لأصبح كلّ اعتراض اعتذاراً وكلّ نقد مدحاً....


(128)


(129)

الإمام الحسين بن علي عليمها السَّلام

* موانع الثورة في عهد معاوية

* مواجهة الإمام لمعاوية

* حقيقة ثورة عاشوراء ودوافعها

* الحوراء زينب في قصر ابن زياد

* نتائج وآثار ثورة عاشوراء


(130)


(131)

نبذة مختصرة عن حياة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

ولد الإمام المعصوم الثالث في الثالث أو الرابع من شعبان عام أربعة هجرية في المدينة، وهو الثمرة الثانية لزواج علي الميمون من فاطمة بنت النبي . وقد اشتهر الحسين في حياته بالشجاعة والتحرر والصمود أمام الظلم.(1)


مراحل حياة الحسين بن علي عليمها السَّلام

قضى الحسين ستة أعوام من طفولته في عهد جدّه الكريم، وعاش بعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثلاثة وثلاثين عاماً إلى جانب أبيه أمير المؤمنين وشاركه في الأحداث التي تزامنت مع خلافته مشاركة فعّالة، وسجّل حضوراً دام عشر سنوات في الساحة السياسية والاجتماعية مع أخيه جنباً إلى جنب بعد استشهاد أبيه سنة 40هـ، وواصل بعد استشهاد أخيه عام 50هـ نزاعه مع معاوية بن أبي سفيان وهو في قمة قوته، وثار من بعد موته على حكم ابنه يزيد واستشهد في محرم عام واحد وستين هــ بأرض كربلاء، و تشكّل المرحلة الأخيرة من حياة الحسين ـ أي عهد إمامته ـ أهم مراحل حياته، و ستنصب بحوث هذا الكتاب على هذه المرحلة أكثر من غيرها.


1-شرح نهج البلاغة:3/249


(132)

جهاد الحسين قبل إمامته

دافع الحسين مذ كان شاباً وهو يشاهد انحراف الحكم الإسلامي عن خطه الأصيل عن مواقف أبيه السياسية، وأيّدها كما حدث ذلك يوماً في عهد خلافة عمر بن الخطاب وقد دخل المسجد وشاهد عمر على المنبر، فصعد إليه وقال : «انزل من منبر أبي واجلس على منبر أبيك» فقال ـ وقد دهش من ذلك ـ: ما كان لأبي منبر. ثمّ أجلسه إلى جانبه وأخذه بعد ذلك إلى بيته، وسأله من علمك هذا الكلام فقال الحسين: «لا أحد».(1)

في ساحات قتال الناكثين والقاسطين

وقف الحسين إلى جانب أبيه أمير المؤمنين إبّان خلافته في جميع الأحداث السياسية والعسكرية وشارك أباه الكريم في المعارك الثلاث التي حدثت في عهده مشاركة كبيرة.(2)وقد أُنيطت به قيادة ميسرة جيش أمير المؤمنين في حرب الجمل.(3)ولعب دوراً هاماً في صفين، سواء بخطبه الحماسية الساخنة وتشجيعه لأنصار علي للمساهمة في المعركة أو بقتاله للقاسطين.(4)

وكان أحد الشهود من ناحية أبيه في أحداث التحكيم.(5)

وعاضد أخاه إمام زمانه الحسن بن علي بعد استشهاد أبيهما ورافقه عندما


1-الإصابة:1/333; تاريخ دمشق، ابن عساكر، الجزء المتعلّق بحياة الحسين بن علي عليمها السَّلام ، ص 141.
2-الإصابة: 1/333.
3-تاريخ دمشق: 164.
4-وقعة صفين، نصر بن مزاحم: 114 و 249 و 530.
5-وقعة صفين: 507.


(133)

انطلق بقواته نحو الشام، ووقف إلى جانبه في ساحة القتال، واستدعاه الحسن هو وعبد اللّه بن جعفر لما اقترح معاوية الصلح عليه وتشاور معهما في ذلك.(1)

وأخيراً عاد مع أخيه بعد الصلح إلى المدينة ليقيم هناك.(2)

الظروف السياسية والاجتماعية في عهد الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ

وقد بلغ الانحراف عن مبادئ الإسلام الذي بدأ من السقيفة وازداد في عهد الخليفة عثمان إلى ذروته في عصر الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ .

وقد شكّل معاوية في تلك الفترة التي كان والياً فيها من ناحية الخليفة الثاني والثالث حيث ثبّت موقعه تماماً، واستولى باسم خليفة المسلمين على مقدّرات الأُمّة الإسلامية وعبث بمصيرها، وسلّط العصابة الأموية اللا إسلامية على المسلمين وبالاستعانة بعمال ظلمة غاصبين، أمثال: زياد بن أبيه، وعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب، و شكّل حكومة ملكية مستبدة، وشوّه وجه الإسلام. فمن ناحية طبق معاوية سياسة الحظر السياسي والاقتصادي على المسلمين الأحرار المخلصين، ورفض ـ بإقامته للمجازر وعمليات التعذيب والتنكيل وفرضه الفقر والتجويع عليهم ـ أيَّ مبادرة نقد واعتراض وأية حركة مناوئة له .

ومن ناحية ثانية وبإشعاله نار النزعات القومية والقبلية وتأجيجها حاول أن يضرب بعضها ببعض ليستنفد قواهم من خلال ذلك حتى لا يشكّلون خطراً على سلطانه هذا.

و قد خدّر الرأي العام وبمساعدة جلاوزته ومرتزقته بوضع الأحاديث


1-الكامل في التاريخ:3/405.
2-الكامل في التاريخ:3/333.


(134)

وتفسير وتأويل آيات القرآن بما يخدم مصالحه، وأسبغ صفة الشرعية على حكمه من ناحية ثالثة.

وقد تركت هذه السياسة الغير إسلامية وما قام به من إشاعة وتأسيس الفرق الباطلة كالجبرية والمرجئة ـ و هما مذهبان يتماشيان مع سياسته من ناحية العقيدة ـ آثاراً سيئة مدمرة في المجتمع وفرضت عليه سكوتاً مريراً مفعماً بالإذلال، ولقد كانت هذه السياسة خليقة بأن تحول الإنسان المسلم من إنسان يفهم انّ الدين لا يجعل من المؤمنين عبيداً لطاغية يحكمهم باسم الدين إلى إنسان يؤيد الطغاة الحاكمين وجعلته يتحول إلى إنسان جبان خانع مراء خلافاً لمنطق القرآن والتعاليم النبوية.

وتاريخ هذه الفترة من حياة المسلمين حافل بالشواهد على أنّ هذا التحوّل كان قد بدأ يظهر للعيان ويطبع المجتمع الإسلامي بطابعه، ويمكننا أن نخرج بفكرة واضحة عن أثر هذه السياسة في المجتمع الإسلامي حين نقارن بين ردّ الفعل الذي واجه به المسلمون سياسة عثمان وعماله و بين موقفهم من سياسة معاوية، فقد كان رد الفعل لسياسة عثمان وعماله ثورة عارمة من معظم أقطار الأُمّة الإسلامية من المدينة ومكة والكوفة والبصرة ومصر وغيرها من حواضر المسلمين وبواديهم، فهل نجد ردّ فعل جماعياً كهذا لتحديات معاوية في سياسته اللا إنسانية للجماهير المسلمة مع ملاحظة انّ الظلم على عهد معاوية أفدح، والاضطهاد والقتل والإرهاب أعمّ وأشمل، وحرمان الأُمّة من حقوقها وثرواتها وانتاجها أظهر؟! غير انّنا لم نر شيئاً من ذلك أبداً ، فقد كانت الجماهير خاضعة خضوعاً أعمى.

نعم كانت ثمّة احتجاجات تنبعث من هنا تارة و من هناك أُخرى تدلّ على أنّ المجتمع يتململ تحت وطأة الاضطهاد والظلم، كتلك التي عبر عنها


(135)

موقف حجر بن عدي وعمر بن الحَمِق الخُزاعي وأضرابهما، ولكنّها لم تأخذ مداها ولم تعبر عن نفسها في حركة فعلية عامة، بل كانت سرعان ما تهمد وتموت في مهدها حين كانت السلطة تأخذ طلائع هذه الحركات فيقتلون دون أن يحرك المجتمع ساكناً، وإذا حدث وتحرك فهو إنسان اشتري سكوته بالمال.(1)

موانع الثورة في عهد معاوية

وعلى الرغم من هذه الأجواء المفعمة بالاضطهاد والإرهاب والظروف المؤسفة، فإنّ الثورة أصبحت أمراً مستحيلاً، بل غير مجد في تلك الفترة.

ويمكن عدّ العاملين التاليين من أهمّ موانع ثورة الإمام الحسين في عهد معاوية:

الف: معاهدة صلح الحسن مع معاوية

ولو كان الحسين يثور في عهد معاوية كان بإمكانه أن يستغل في سبيل تشويه ثورته هذه المعاهدة التي كانت نتيجة صلح الحسن مع معاوية، لأنّ الناس كانوا يعرفون أنّ الحسن والحسين قد عاهدا معاوية على السكوت عنه والتسليم له مادام حياً، ولو ثار الحسين على معاوية لأمكن لمعاوية أن يصوّره بصورة منتهز ناقض لعهده وميثاقه، ونحن نعلم جيداً أنّ الحسين ما كان يرى في عهده لمعاوية عهداً حقيقاً بالرعاية والوفاء، فقد كان عهداً بغير رضى واختيار، وقد كان عهداً تمّ في ظروف لا يد للمرء في تغييرها، ولقد نقض معاوية هذا العهد ولم يعرف له حرمة ولم يحمل نفسه مؤونة الوفاء به، فلو كان عهداً صحيحاً لكان الحسين في حلّ منه، لأنّ معاوية نفسه قد تحلّل منه ولم يأل جهداً في نقضه.


1-ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، محمد مهدي شمس الدين، ص 126ـ 127.


(136)

وعلى أيّ حال كانت معاهدة الصلح يمكن أن تكون ذريعة لإعلام معاوية ودعايته ضدّ ثورة الحسين الاحتمالية.

ومن جهة أُخرى يجب أن نرى كيف كان يحكم المجتمع على ثورة الحسين المحتملة؟

ومن الواضح انّ مجتمع الحسين الذي رأينا أنّه لم يكن يملك قابلية الثورة والأهلية للقيام بها ويؤثر السلامة والعافية كان يرى أنّه قد عاهد وعليه أن يفي بما عاهد، وعليه لو كان الإمام الحسين يقوم بثورته في عهد معاوية كان سيقدمها على أنّها نقض للعهد والميثاق، ويظهرها للرأي العام وكأنّها تمرّد غير مشروع .

ب: تظاهر معاوية الديني

تركت ثورة الحسين في عهد يزيد أثراً كبيراً وأضفى عليها وهجاً ساطعاً خلدها في ضمائر الناس وقلوبهم ذلك الأثر ـ كما لاحظنا ـ الذي دفع الناس عبر القرون الطويلة إلى تمثل ابطالها واستيحائهم في أعمال البطولة والفداء، وأكبر الظن انّ الحسين لو ثار في عهد معاوية لما كان لثورته كلّ هذا الوهج الساطع والأثر الكبير، وسر ذلك يكمن في دهاء ومكر معاوية وأُسلوبه الخاص في معالجة الأُمور، ومع أنّ معاوية قد حرف الإسلام عملياً واستبدل الخلافة الإسلامية البسيطة المتواضعة بالحكم الارستقراطي الملكي الأموي، وحول المجتمع إلى مجتمع غير إسلامي، غير انّه كان يدرك جيداً انّه ليس ينبغي له وهو يحكم الناس بسلطان الدين أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدياً للدين الذي يحكم بسلطانه، بل عليه أن يضفي على أعماله طابعاً دينياً لتنسجم هذه الأعمال مع ما يتمتع به من المنصب، وأمّا ما لا يمكن تغطيته وتمويهه من التصرفات فليرتكبه في السر.

وهناك وثائق تاريخية تدلّ على أنّه كان ملحداً لا يؤمن بشيء ممّا جعل المغيرة


(137)

بن شعبة وهو في تحلّله يغتم لما سمعه منه في بعض مجالسه معه، ويقول عنه: إنّه أخبث الناس.(1)

وعلى الرغم من ذلك فقد أظهره سلوكه المحافظ على تعاليم الدين بمظهر صعّب على الناس معرفته على حقيقته.

هذا وقد استغل معاوية ظروفه جيداً لإضفاء الطابع الديني على منصبه، تارة بدعواه انّه يطالب بدم عثمان، وأُخرى بماموّه به على الرأي العام بعد أمر التحكيم وصلحه مع الحسن وبيعة الناس له من جدارته وصلوحه للخلافة.

وعليه لو كان الإمام الحسين يثور في عهده، لكان من السهل عليه أن يقدّم ثورته إلى الرأي العام على أنّها تعبير عن نزاع سياسي على السلطة وليست ثورة للحقّ على الباطل.

مواجهة الإمام لمعاوية

وجميع تلك الموانع لم تكن لتجعل الحسين أن يلتزم الصمت أزاء ظلم معاوية وانحرافه الكبيرين، بل كان يبذل قصارى جهده في الوقوف ضدّ كلّ التصرفات الظالمة التي قام بها معاوية في تلك الأجواء المفعمة بالإرهاب والاضطهاد، ونورد هنا ثلاثة نماذج من جهاد الحسين ومواجهاته لمعاوية وحكمه وندرسها:

1. الخطب والرسائل الاعتراضية

قد تمّ تبادل عدّة رسائل في فترة العشرة أعوام من إمامة الحسين ومواجهته السياسية بينه و بين معاوية عبّرت عن موقف الإمام المتصلب والثوري أزاء


1-وسوف نتحدّث حول دافع المغيرة من هذا الكلام في الصفحات التالية.


(138)

معاوية، وكان ـ عليه السَّلام ـ يوجه النقد اللاذع كلّما بدر من معاوية من أعمال غير إسلامية، ومن تلك المواقف موقفه تجاه أخذ البيعة ليزيد.

موقفه من البيعة ليزيد

واتباعاً لنشاطاته الواسعة لأخذ البيعة لابنه يزيد سافر معاوية إلى المدينة لأخذ البيعة من أهلها، ومن الشخصيات البارزة بشكل خاص وعلى رأسها الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، وبعد أن دخل المدينة التقى بالإمام وعبد اللّه بن عباس، فطرح خلال هذا اللقاء موضوع البيعة لابنه وحاول أن يقنعهما بذلك، فأجابه الحسين ـ عليه السَّلام ـ :

«...ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، و منعت حَتّى محلت، وجرت حتى تجاوزت، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقّه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله وسياسته لأُمّة محمّد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصراً. ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى اللّه من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه. فواللّه ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلاّ غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص...».(1)


1-الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري:1/184.


(139)

قلق معاوية من ثورة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ

وفي سنة من سنين تلك الفترة كتب مروان بن الحكم ـ عامل معاوية على المدينة ـ إليه: أمّا بعد فإنّ عمر بن عثمان ذكر انّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وانّه لا يؤمن وثوبه. وأضاف مروان في رسالته: وقد بحثت عن هذا فبلغني انّه لا يريد الخلاف من يومه هذا، فاكتب إليّ برأيك.

فكتب معاوية بعد استلام هذا الخبر مضافاً إلى جواب رسالة مروان رسالة إلى الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، وهي: أمّا بعد فقد انتهت إليّ أُمور عنك إن كانت حقّاً فانّي أرغب بك عنها، ولعمر اللّه إنّ من أعطى عهد اللّه وميثاقه لجدير بالوفاء، وانّ أحقّ الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك اللّه بها، ونفسك فاذكر، وبعهد اللّه أوف، فانّك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتق شق عصا هذه الأُمّة.(1)

ردّ الإمام التاريخي على معاوية

وردّاً عليه كتب الإمام الحسين :

«أمّا بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه انّه انتهت إليك عني أُمور أنت لي عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير، فانّ الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدّد إليها إلاّ اللّه تعالى، وأمّا ما ذكرت انّه رقي إليك عني، فإنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميم المفرّقون بين الجمع وكذب الغاوون، ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً، وانّي لأخشى اللّه في


1-اختيار معرفة الرجال، ص 48.


(140)

ترك ذلك منك و من الاعذار فيه إليك وإلى أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في اللّه لومة لائم؟! ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ألاّ تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم جرأة على اللّه واستخفافاً بعهده.

أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ العبد الصالح فقتلته بعد ما آمنته؟!

أو لست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد من ثقيف؟ فزعمت انّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الولد للفراش وللعاهر الحجر» فتركت سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتبعت هواك بغير هدى من اللّه، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأُمّة وليسوا منك.

أو لست صاحب الحضرمي الذي كتب فيه ابن سميّة انّه على دين علي صلوات اللّه عليه، فكتبت إليه أن أقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتله، ومثّل به بأمرك. ودين عليّ هو دين ابن عمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، التي بنا منّ اللّه عليكم فوضعها عنكم.

وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمّة واتّق شق عصاها، إنّي لا أعلم فتنة


(141)

أعظم على هذه الأُمّة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني.

وقلت فيما قلت: انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمد، وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربي، وإن لم أفعله فاستغفر اللّه لديني وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى.

وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدالك، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون، وانّي لأرجو أن لا تضر إلاّنفسك، ولا تمحق إلاّ عملك، فكدني ما بدالك، واتق اللّه يا معاوية، واعلم أنّ للّه كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، واعلم أنّ اللّه ليس بناس لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتهمة وأمارتك صبياً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ما أراك إلاّ قد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعية، والسلام».(1)

2. الخطبة الدامغة والفاضحة في اجتماع الحجّ العظيم

حجّ الحسين قبل أن يموت معاوية بسنة أو سنتين في الفترة التي بلغ الكبت والاضطهاد من قبل حكمه ذروته على الشيعة، وقد دعا الإمام الحسين ومعه عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن جعفر الصحابة والتابعين وأبرز شخصيات المجتمع الإسلامي آنذاك ممّن عرف بالنزاهة والصلاح وبني هاشم جميعاً أن


1-الإمامة والسياسة ، الدينوري:1/180، وذكرت هذه الرسالة في بحار الأنوار:44/212 ; احتجاج الطبرسي:2/161; اختيار معرفة الرجال، ص 48، مع اختلاف يسير في الألفاظ غير انّنا ذكرنا عبارات الإمامة والسياسة.


(142)

يجتمعوا في خيمته بمنى، فاجتمع سبعمائة من التابعين ومائتان من الصحابة فقام خطيباً بهم:

«أمّا بعد فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، واللّه متم نوره ولو كره الكافرون».(1)

ثمّ ذكر بعد ذلك مناقب أبيه أمير المؤمنين المتألّقة ومناقب أهل البيت، وأشار إلى بدع وجرائم معاوية وأعماله اللا إسلامية، وهكذا فجّر ثورة إعلامية ضخمة ضد السلطة الأموية الخبيثة وهيّأ الأرضية للثورة.

هذا وقد نقل الحسن بن علي بن شعبة وهو من العلماء الكبار في القرن الرابع خطبة الإمام في كتاب «تحف العقول» دون أن يتّضح محلّ إيرادها وزمانها، غير انّ القرائن ومضمون الخطبة يدلاّن على أنّها هي نفسها تلك الخطبة التي خطبها الإمام في منى، ولتناسبها مع موضوع البحث نورد هنا بعضاً منها:

«...ثمّ أنتم أيّتها العصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وباللّه في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر، أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يرجى


1-كتاب سليم بن قيس الهلالي، ص 206; الاحتجاج:161; الغدير:1/198.


(143)

عندكم من القيام بحقّ اللّه وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصّرون فاستخففتم بحقّ الأئمّة.

فأمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للّذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه، أنتم تتمنون على اللّه جنته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه.

لقد خشيت عليكم أيّها المتمنّون على اللّه أن تحلّ بكم نقمة من نقماته، لأنّكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضّلتم بها، ومن يعرف باللّه لا تكرمون وأنتم باللّه في عباده تكرمون، وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ محقورة والعمى والبكم والزمن في المدائن مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعنون، وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم اللّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء، لو كنتم تسعون ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه الأُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحقّ واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات اللّه كانت أُمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم أُمور اللّه في أيديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستبعد مقهور، و بين مستضعف على معيشته


(144)

مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداءً بالأشرار وجرأة على الجبار، في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول، لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد وذي سطوة على الضعفة شديد مطاع لا يعرف المبدئ المعيد، فيا عجباً ومالي لا أعجب والأرض من غاش غشوم ومتصدّق ظلوم وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا اللّه وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير».(1)

3. الاستيلاء على أموال حكومية

وفي تلك الأيام كانت هناك عِيرٌ قد اجتازت يثرب تحمل أموالاً من اليمن إلى دمشق، فعمد الإمام الحسين إلى الاستيلاء عليها، ووزّعها على المحتاجين من بني هاشم وغيرهم، وكتب إلى معاوية:

«من الحسين بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد: فإنّ عيراً مرت بنا من اليمن تحمل أموالاً وحللاً وعنبراً وطيباً إليك لتودعها خزائن دمشق، تعل بها


1-تحف العقول، ص 237ـ 239.


(145)

بعد النهل بني أبيك، وأنّي احتجت إليها فأخذتها والسلام» .

وقد استاء معاوية جداً من هذا العمل وردّ عليه ردّاً عنيفاً.(1)

وممّا لا شكّ فيه هو أنّ عمل الإمام هذا يعد خطوة واضحة في عدم الاعتراف بمشروعية سلطة معاوية ومعارضته المعلنة له في تلك الظروف التي لا يجرؤ أحد غيره ـ عليه السَّلام ـ على القيام بمثل هذا العمل.

حقيقة ودوافع ثورة عاشوراء

هناك تساؤلات تتعلّق بثورة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ يتوقّف وضوح دوافعها على الإجابة عليها وهي:

1. لو لم يضغط يزيد على الحسين ـ عليه السَّلام ـ لأخذ البيعة منه، فهل كان سيعارض سلطته؟

2. ولو لم يدعو أهل الكوفة الإمام إلى العراق، فهل كانت ستحدث هذه الثورة؟

3. وهل كانت هذه الثورة ثورة عفوية غير مدروسة وانتفاضة متفجّرة من تلك الانتفاضات الاجتماعية الثائرة التي يعرضها الماديون اليوم؟ أم هي ثورة واعية مدروسة؟

ولكي تتضح الإجابة على هذه التساؤلات نشير ابتداء إلى أنّه على عكس الظواهر الطبيعية التي عادة ما تكون أحادية الطبيعة والحقيقة، فإنّ الظواهر الاجتماعية قد تكون ذات جوانب وطبائع متنوعة، فالفلز لا يمكن أن يكون ذا طبيعة ذهبية وطبيعة نحاسية في آن واحد، بينما يمكن أن يكون للظواهر الاجتماعية جوانب متعددة في نفس الوقت وأن يؤثر فيها عدة أسباب، مثلاً قد تكون الثورة


1-حياة الإمام الحسين بن علي عليمها السَّلام ، باقر شريف القرشي:2/231 نقلاً عن نهج البلاغة.


(146)

ردة فعل أي تكون رداً لحدث فقط وفي الوقت ذاته تكون ذات طبيعة هجومية، وعندما تكون الثورة ردّاً لفعل ما قد تعدّ سلبية بالنسبة إلى حدث وإيجابية إلى آخر، كانت ثورة الحسين من هذا القبيل وقد أثّر فيها جميع ما تقدم، لأنّها انبثقت من عدة أسباب سنوضحها.

أسباب ثورة الحسين ـ عليه السَّلام ـ

حدثت الثورة الحسينية للدوافع والأسباب التالية:

1. طلب البيعة من الإمام الحسين ليزيد والضغط عليه بهذا القصد.

2. دعوة أهالي الكوفة للحسين للوفود إلى العراق.

3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو الشعار الذي انطلق به من المدينة منذ اليوم الأوّل.

والآن سندرس كلّ واحد من هذه الأسباب لنتعرف على طبيعة ثورة الإمام بالنظر إلى هذه الأسباب ومدى تأثير كلّ منها فيها.

1. رفض مبايعة يزيد

أوّل الأسباب من الناحية الزمنية هو مطالبة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ بالبيعة ليزيد ورفضه ـ عليه السَّلام ـ لها كما يقول المؤرّخون انّه قد كتب يزيد بعد موت معاوية في النصف من رجب عام ستين هجرية(1)إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة: أن خذ البيعة من الحسين بن علي أخذاً ليس فيه رخصة ولا تأخير. وما أن وصلت رسالة يزيد استدعى عامل المدينة الحسين بن علي عليمها السَّلام وفاتحه بذلك، الحسين


1-الارشاد، ص 200.


(147)

الذي كان يعارض ولاية العهد ليزيد منذ عهد معاوية بشدّة امتنع هذه المرة عنها أيضاً، لأنّ مبايعة يزيد لا تعني إسباغ الشرعية على خلافة شخصية شاذة مثل يزيد فقط، بل يعني تأييد انحراف كبير من مثل تأسيس نظام ملكي أسّسه معاوية.

استمر الضغط عدة أيّام من قبل عامل المدينة غير انّ الحسين قاوم ذلك، وجرّاء هذه المضايقات انطلق الإمام في 28 رجب برفقة أهل بيته وجماعة من بني هاشم نحو مكة ودخلها في الثالث من شعبان.

وكان سبب اختيار مكّة من بين المدن الكثيرة هو انّها كانت حرماً آمناً، مضافاً إلى ذلك كان موسم الحجّ على وشك الاقتراب، ونظراً إلى الاجتماع القريب للحجاج في مكة كانت مكاناً مناسباً جداً للإعلان عن رسالة الإمام وتبيين أهدافه للمسلمين.

إلى هنا كانت ثورة الإمام الحسين ردّة فعل سلبي أمام طلب غير مشروع، لأنّ حكومة يزيد طالبته بالبيعة بالضغط والإلحاح وكان هو يمتنع عن ذلك، ولكن قد بدا واضحاً انّ الإمام قد أعرب عن رفضه لبيعة يزيد رغم ضغوطه وقبل أن يدعوه الكوفيون، وحتى لو لم يدعوه إلى المسير إليهم فإنّه كان سيرفض مبايعته.

2.استدعاء أهل الكوفة للحسين ـ عليه السَّلام ـ

أقام الحسين ـ عليه السَّلام ـ في مكة بعد أن دخلها في الثالث من شعبان وراح يكشف عن طبيعة السلطة اللا إسلامية الحاكمة، وصل خبر معارضة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ لخلافة يزيد وإقامته في مكّة إلى العراق، واجتمع الكوفيون الذين كانوا ما يزالون يتذكّرون حكومة علي ـ عليه السَّلام ـ العادلة قبل ما يقارب العشرين عاماً، ومازالت آثار


(148)

تربية أمير المؤمنين وتعاليمه باقية في تلك المدينة ولم يزل اليتامى الذين ربّاهم علي ـ عليه السَّلام ـ على يديه والأيامى اللائي كان يرعاهنّ بعطفه أحياء يرزقون. اجتمعوا وبعد أن درسوا الظروف قرروا أن يعصوا يزيد ولا يطيعوه، وأن يدعوا الحسين بن علي عليمها السَّلام ليقودهم ويكون إماماً عليهم ويخضعوا لطاعته، وبعد هذا التشاور كتب وجهاء شيعة الكوفة وكبارهم من أمثال: سليمان بن صُـرَد، ومسيب بن نَجَبَةَ، ورفاعة بن شداد البَجَلي، وحبيب بن مظاهر، رسائل وبعثوا بها إلى الحسين ودعوه أن يقدم إلى العراق ويكون إماماً عليهم.

وصلت أوّل رسالة في العاشر من رمضان عام 60 هجرية إلى يد الحسين ـ عليه السَّلام ـ .(1)وراحت مراسلة الشخصيات والجماعات من الكوفة للحسين ـ عليه السَّلام ـ تستمر حتى اجتمعت ستمائة رسالة عند الحسين في يوم واحد فقط، وبلغ مجموع الرسائل المرسلة بالتدريج اثني عشر ألف رس(2)الة.

ونظراً إلى كلّ هذا الترحيب الحار والكبير وإلى السيل الجارف من الرسائل والدعوات قبل الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ دعوة العراقيين انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية تجاه ذلك، وفي أوّل ردّفعل إيجابي منه بعث مسلم بن عقيل ابن عمه ممّثلاً عنه إلى الكوفة حتى يدرس أوضاع وظروف العراق ويطلع الإمام على ذلك، ثمّ إن رأى


1-الإرشاد، المفيد، ص 203; مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، أبو مخنف، ص 16، و من حيث إنّ ما جاء في النسخة الموجودة لمقتل أبي مخنف المعروف الذي هو من أقدم المصادر حول وقعة عاشوراء لا يتطابق مع ما نقله الطبري والآخرون، ولذلك قد سقط من القيمة والاعتبار اللازم، وقد استخرج حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن الغفّاري روايات الطبري عن أبي مخنف في هذا المجال ونشرها بشكل مستقل مع مقدمة عن حياة أبي مخنف لوط بن يحيى و تعليقات وتوضيحات مفيدة، ونحن هنا في هذا الكتاب كلّما ذكرنا اسم هذا المقتل فانّا نقصد هذه النسخة.
2-اللهوف على قتلى الطفوف ، ابن طاووس، ص 15.


(149)

الكوفيين مازالوا أوفياء بما كتبوا انطلق الإمام باتجاههم، وكما هو ملحوظ نجد انّ مقابلة الإمام مع دعوتهم كانت مقابلة إيجابية وتعدّ نوعاً من التعاطف مع العراقيين.

ويتضح بالالتفات إلى ما تقدّم انّه بعد رفض البيعة ليزيد لم يكن للإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ في مكة مسؤولية ،لأنّه لم يبايع على أية حال، غير انّ دعوة الكوفيين له شكّلت منعطفاً جديداً في قضيته وحمّلته مسؤولية أُخرى.

ولعلّ تقدير الإمام وتقييمه كان بهذا النحو: الآن وقد دعاني أهل الكوفة مع كلّ هذا الإلحاح والترحيب، سأنطلق نحو العراق، فإن وفوا بوعودهم فخير على خير، وإن لم يكن ذلك أعود إلى مكة أو إلى إحدى المدن الإسلامية.

وهكذا كان الامتناع عن مبايعة يزيد أسبق من دعوة الكوفيين من الناحية الزمنية، وقد وصلت أوّل رسالة من الكوفة إلى الحسين بعد أربعين يوماًمن إقامته في مكة.

إذن فليس امتناع الإمام عن مبايعة يزيد كان بسبب دعوة الكوفيين، بل كان امتناعه عن ذلك قبل وصول دعوتهم ورسائلهم.

وبعبارة أُخرى: حتى إذا لم تكن هناك كوفة ما ولا هناك من يدعوه وضاقت الأرض عليه بما رحبت، فإنّ الإمام كان سيظل رافضاً لبيعة يزيد.

3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

انطلق الإمام الحسين ومنذ اليوم الأوّل من المدينة حاملاً شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والواقع انّ القضية لم تكن قضية عرض البيعة عليه ورفضه لها ثمّ القيام بالثورة لذلك، بل انّه كان يرى أنّ الثورة ضرورية حتى لو لم


(150)

يطالبوه بالبيعة.

وهكذا الإمام بالنسبة إلى دعوة الكوفيين فإنّه لم يثر لدعوة الكوفيين له حيث قد لاحظنا تأخّر دعوتهم ومراسلتهم له عن امتناعه عن البيعة حوالي شهر ونصف الشهر، و من هذه الزاوية كان منطق الإمام الحسين منطق الشجب والاعتراض ومهاجمة الحكومة اللإسلامية.

وقد كان منطقه هو انّه حيث إنّ العالم الإسلامي قد ساد فيه المنكر والفساد وتلوّث بهما وكانت السلطة الحاكمة هي مصدر ذلك كلّه كان من الضروري أن يثور انطلاقاً من مسؤوليته الدينية وواجبه الإلهي، وكما أشرنا كان لهذه الأسباب الثلاثة دور في ثورة الحسين العظيمة، وأوجب كلّ واحد منها نوعاً خاصاً من المسؤولية بالنسبة إليه، فكان موقفه ـ عليه السَّلام ـ يختلف ازاء كلّ منها.

فكان موقف الإمام ـ عليه السَّلام ـ دفاعياً بالنسبة إلى الدافع الأوّل، لأنّهم أرادوا إجباره على البيعة وكان هو يحجم عن ذلك.

وكان موقفه ازاء الباعث الثاني موقفاً تعاطفياً، لأنّهم طلبوا منه أن يتجاوب معهم فأجابهم.

وأمّا السبب الثالث فقد كان موقف الإمام ازاءه موقفاً هجومياً متحرشاً ذلك انّه حتى لو لم يطالبوه بالبيعة، فكان عليه أن يهاجم السلطة ويعتبرها سلطة غير إسلامية ولا شرعية.

تقييم الدوافع الثلاثة

لنلاحظ أي الأسباب الثلاثة أكثر أهمية.

ولا شكّ انّ للاستجابة لدعوة الكوفيين أهمية كبيرة، لأنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ قد


(151)

أعلن عن استعداده باستجابته للناس الذين تمرّدوا على يزيد ودعوه للإمامة عليهم وفيما لو كانت الظروف مؤاتية ومناسبة لكان يبادر إلى تشكيل حكومة إسلامية، غير أنّ امتناعه عن مبايعة يزيد له أهمية أكبر من ذلك، لأنّه قد أعلن مراراً انّه لن يبايع يزيد مهما كان و مهما كانت الضغوط، وهذا الأمر يدلّ على صمود الإمام وثباته أمام الضغط والوعيد، ولكن يبقى للسبب الثالث أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهميته القصوى، ذلك انّ موقف الإمام لم يكن موقفاً دفاعياً ولا تعاطفياً مع من دعوه بل كان موقفاً هجومياً تحرشياً استنكارياً، لأنّ ممّا لا شكّ فيه هو انّه لو كانت دعوة الكوفيين للإمام هي الدافع الرئيسي للثورة كان على الإمام أن ينسحب ولغيّـر موقفه عندما علم بتخاذلهم وعدم وفائهم وما كان يتجه نحو العراق، ولكننا نرى أنّ من أسخن خطب الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ وأكثرها إثارة وحماسة هي تلك التي قالها بعد استشهاد مسلم.

ومن هنا يتضح مدى أهمية دور دافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ثورته، وكم كان موقفه هجومياً صاخباً إزاء سلطة يزيد الفاسدة.(1)

إلى هنا اتضحت الإجابة على التساؤل الأوّل والثاني المطروحين في بداية هذا البحث وتبيّن أيضاً انّه حتى لو افترض أن يزيد لم يضغط على الحسين لأخذ البيعة منه فإنّه ـ عليه السَّلام ـ كان سيعارض سلطته، وعلمنا كذلك انّ الثورة كانت ستحدث من دون دعوة الكوفيين أيضاً.

بقى الآن أن نشير إلى بعض الوثائق الحية التي تمثّل درجة اهتمام الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ثورته لكي تتضح إجابة التساؤل الثالث أيضاً.


1-ما عرض حول حقيقة ودوافع ثورة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ هنا قد أُفيد من بحوث الأُستاذ الشهيد المطهري في المجلد الثاني من كتابه الحماسة الحسينية.


(152)

الف: وصية الإمام الدينية السياسية

كتب الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ قبل أن يترك المدينة وصية إلى أخيه محمد بن الحنفية ذكر خلالها انّه خرج لإصلاح الأُمّة الإسلامية، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياء سيرة جدّه وأبيه، وقد كتب بعد أن بين عقيدته في التوحيد والنبوة والمعاد بهذا النحو:

«إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي وأبي، أُريد أن آمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحق، ومن ردّعليّ هذا أصبر حتى يحكم اللّه بيني و بين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».(1)

وكما نلاحظ انّ الإمام حصر دوافع ثورته في أربعة أُمور:

أ. اصلاح الأُمّة .

ب. الأمر بالمعروف.

ج. النهي عن المنكر.

د. السير على سيرة جده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبيه علي ـ عليه السَّلام ـ وإحياء سنّتهما.

ب: السكوت الذي لا يغفر

عندما انطلق الإمام الحسين نحو العراق نزل بمكان يسمّى بيضة وخطب بأصحابه وأصحاب الحر خطبة بيّن خلالها دوافع ثورته:

«أيّها الناس انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: من رآى سلطاناًجائراً مستحلاً


1-بحار الأنوار:44/329.


(153)

لحرام اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله وأنا أحقّ مَنْ غيّر».(1)

ج: تضييع السنّة وإشاعة البدع

أرسل الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ بعد دخوله إلى مكة رسالة إلى رؤساء قبائل البصرة وبعد أن أشار إلى عهد الخلفاء الماضين الذين عزلوا أئمّة الإسلام الحقيقيّين عن القيادة السياسية والذين اختاروا الصمت حفاظاً على وحدة الأُمّة ومصالح الإسلام العليا وكتب فيها: «وقد بعثت برسولي هذا إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإنّ السنّة قد أُميتت، وانّ البدعة قد أُحييت، وأن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته».(2)

د: ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به؟

وخطب الحسين ـ عليه السَّلام ـ في مسيره إلى العراق بمكان يدعى«ذي حُسُم» بأصحابه وقال:

«إنّ هذه الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها، فلم يبقى منها إلا


1-مقتل الحسين لأبي مخنف، ص 85; تاريخ الطبري:6/229; الكامل في التاريخ :4/48، و قد نقل البلاذري بعضاً من هذه الخطبة في أنساب الأشراف:3/171.
2-تاريخ الطبري:6/200; مقتل أبي مخنف ص 86.


(154)

صبابة كصبابة الإناء وخسيس العيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون الحقّ، لا يعمل به وانّ الباطل لا ينتهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقاً فأنّـي لا أرى الموت إلاّ سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّبرما، انّ الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محصّوا بالبلاء، قلّ الديانون».(1)

الثورة الواعية

ووفقاً للتفسير الذي يقدّمه المادّيون اليوم عن الثورات الاجتماعية، فإنّ عملية التغيّر والثورة في مجتمع ما تكون كالانفجار الذي يحدث نتيجة تراكم البخار في قدر وانسداد ثغرات الأمان فيه حيث يتم ذلك سواء شاء الإنسان أم لم يشأ ذلك، لأنّه عندما تزداد الفوارق الطبقية والضغوط تبعاً لها يطفح كيل صبر المجتمع جرّاء الظلم والضغوط ويصبح التغيير والثورة والانفجار ظاهرة طبيعية.

وبعبارة أُخرى: انّ الثورة الانفجارية في نموذجها الصغير تشبه انفجار عقدة الشخصية الغاضبة النفسية التي تفرغ ما بداخلها لا شعورياً عندما تضيق ذرعاً مع أنّها قد تندم بعد ذلك.

وبالالتفات إلى ما قدمناه من أمثلة لخطب ورسائل الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، يتّضح جيداً أنّ ثورة هذا الإمام العظيم لا تنطبق عليها تلك القاعدة، بل انّ ثورته ثورة منطلقة من الوعي والشعور بالمسؤولية مع الالتفات إلى كلّ المخاطر


1-تحف العقول:245; مقتل أبي مخنف:86; تاريخ الطبري:229، وقد نقل الخطبة باختلاف طفيف ابن عساكر في تاريخ دمشق ، 214، والسيد ابن طاووس في اللهوف: 33، والمجلسي في البحار الأنوار:44/192، ووفقاً لما نقله ابن عساكر والمجلسي فانّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ خطبها في كربلاء بعد ان اصطدم بجيش عمر بن سعد.


(155)

والعواقب. لم يرد الحسين أن يختار الشهادة عن وعي ورغبة وحده فقط، بل أراد لأصحابه أن يكونوا كذلك أيضاً، ولذلك ترك الخيار لهم ليلة عاشوراء وقال بأنّ من شاء فليذهب، وأعلن انّه من مكث معه إلى الغد فانّه مقتول لا محالة، غير انّهم رغم كلّ ذلك اختاروا البقاء والشهادة; ومضافاً إلى كلّ ذلك فإنّه لا دور للقادة والشخصيات في الثورات الكبيرة على رأي الماديّين، بل انّهم يلعبون دور القابلة في توليد الأطفال، ونظراً إلى أنّ حدوث وظهور هذا النوع من الثورات خارج عن إرادة أبطال الثورة فهي لا تتمتع بأية قيمة أخلاقية، بينما نجد انّ دور قيادة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ في ثورة عاشوراء دور بارز وأشهر من نار على علم.

نفوذ العصابة الأموية في مركز السلطة

اتّضح ممّا قدمناه حول دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ثورة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، أنّ الدافع الأساسي لثورته هو انحراف الحكومة الإسلامية عن خطّها الحقيقي، وإحياء البدع، وضياع سنّة رسول اللّه، وانتشار الفساد والانحراف الديني، وكلّ ما هو غير إسلامي في مجتمع ذلك العصر.

ونؤكد توضيحاً أكثر من ذي قبل انّه كانت الحكومة الإسلامية ومقدّرات الأُمّة آنذاك بحوزة العصابة اللاإسلامية والجاهلية من الأمويين ، هذه العصابة التي أسلمت في الظاهر في فتح مكة بعد سنين عديدة من محاربة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ غير انّها أخفت كفرها ونفاقها ونشطت بشكل سرّي بعد وفاة الرسول متظاهرة بزي إسلامي، وأخذت تسيطر على جهاز الحكومة الإسلامية، وحازت على المناصب الحسّاسة فيها بالتدريج حتى تربعت على عرش السلطة من خلال معاوية بعد استشهاد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .

ومع أنّ قادة هذه العصابة ورموزها الكبار كانوا يخفون أهدافهم الدنيئة


(156)

لأجل ضرب الإسلام من الداخل وإحياء نظام الجاهلية، غير انّ إلقاء نظرة فاحصة على سلوكهم وأعمالهم يوضح ذلك بشكل جيد، وكذلك يدلّ على ذلك ما كانوا يكشفونه عن أهدافهم أحياناً في اجتماعاتهم الخاصة ظانّين انّ ما يقولونه لا يتسرب إلى الخارج، كما قال أبو سفيان رأس هذه العصابة يوم بويع عثمان أوّل خليفة أموي ـ و قد اجتمع في داره بنو أُمية وأغلقوها عليهم ـ: «أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، قال:

يا بني أُمية تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة.(1)

وهذا هو أبو سفيان الذي قال في عهد عثمان عندما مرّ على قبر حمزة بن عبد المطلب وركله بقدمه: إنّ الدين الذي قاتلتمونا أمس عليه بالسيف أصبح اليوم كرة بيد صبياننا يلعبون بها.(2)

سياسة معاوية اللا إسلامية

قد كشف معاوية بن أبي سفيان ـ عندما كان حاكماً ـ في أحد مجالسه الليلية مع المغيرة بن شعبة ـ و هو أحد عماله عن أمله في القضاء على الإسلام، وقد أفشى مطرف بن المغيرة ذلك و قال: «وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتّحدث عنده ثمّ ينصرف إلي، فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب ممّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتمّـاً، فانتظرته ساعة، وظننت انّه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: مالي أراك


1-شرح النهج:9/53، الخطبة 139. و قد نقل كلام أبي سفيان هذا ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب (في هامش الإصابة):4/87، والمقريزي في كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني أُمية وبني هاشم مع اختلاف في أنّه قال هذا الكلام يخاطب به عثمان.
2-قاموس الرجال ، الشيخ محمد تقي التستري:10/80.


(157)

مغتمّـاً منذ الليلة؟ قال: يا بني إنّي جئت من عند أخبث الناس، قلت له: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً، فانّك قد كبرت ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه؟ فقال لي : هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فواللّه ماعدا ان هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل أبو بكر; ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين، فواللّه ماعدا ان هلك فهلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل عمر; ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ماعمل و عمل به، فواللّه ما عدا ان هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وانّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرات: أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه، فأي عمل يبقى بعد هذا لا أمّ لك، واللّه ألا دفناً دفناً!!

يكشف حديث معاوية هذا عن كفره بشكل واضح، وعندما سمع المأمون الخليفة العباسي هذا الحديث من الرواة والمحدّثين أصدر بياناً يوجب فيه لعن معاوية في جميع أرجاء العالم الإسلامي.(1)

روى الجاحظ في كتاب «السفيانية» أنّ أبا ذر لمّا نفي إلى الشام، أقبل على معاوية، وقال له وبعد مشادّة كلامية بينهما: ما أنا بعدوّ للّه ولا لرسوله، بل أنت و أبوك عدوّان للّه ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ودعا عليك مرات ألاّ تشبع.(2)

وأيضاً كتب ابن أبي الحديد المعتزلي يقول: معاوية مطعون في دينه عند شيوخنا ـ رحمهم اللّه ـ، يُرمى بالزندقة، وقد ذكرنا في «نقض العثمانية» على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الإلحاد والتعرّض


1-مروج الذهب:3/454، سيرة المأمون.
2-شرح نهج البلاغة:8/257; السيد علي خان المدني: الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة:243.


(158)

لرسول اللّه وما تظاهر به من الجبر والإرجاء.(1)

ويدل كلّ ذلك على أنّه كيف كانت العصابة الأموية تريد القضاء على الإسلام وتتبنّى مشروعاً رجعياً.

فضائح يزيد

لم يكن يزيد الذي تربى في أحضان مثل هذه العائلة وترعرع على ثقافة مثل هذه العصابة الكبيرة ليؤمن بالدين الإسلامي الذي كان يريد أن يحكم الأُمّة بسلطانه، فقد كان يزيد شاباً غير ناضج، شهوانياً أنانياً، و من أبعد الناس عن الحيطة والتروّي، وكان صغير العقل، متهوّراً، ماجناً، لا يهم بشيء إلاّركبه، وسطحي التفكير.

يزيد الذي عاش حياة التحلّل ـ قبل أن يلي الحكم ـ والانسياق مع العاطفة وتلبية كل رغباته، كلّ ذلك جعله عاجزاً عن التظاهر بالورع والتقوى والتلبّس بلباس الدين مثل أبيه بعد ان حكم المسلمين، بل راح وبسبب طبيعته النزقة وتهوّره يعالن الناس بارتكاب المحرمات، ولم يأل جهداً في استخدامه أية وسيلة لإرضاء رغباته وشهواته. كان يعالن بشرب الخمر، ويتظاهر بالفسق واقتراف المعاصي، ويشرب الخمر في لياليه الحمراء وحفلاته الارستقراطية، وينشد الأشعار تهوّراً.

معشر الندمان قوموا * واسمعوا صوت الأغاني

واشربوا كأس مدام * واتركوا ذكر المعاني

شغلتني نغمة العيداني * عن صوت الأذان

وتعوضت عن الحور * خموراً في الدنان(2)


1-شرح نهج البلاغة:1/340.
2-تذكرة الخواص : 291.


(159)

فقد كان ينفي صراحةً الإسلام ونزول الوحي على النبي محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويعد كلّ ذلك وهماً لا أكثر كما ضمّن ذلك أشعاره التي قالها بعد انتصاره الظاهري على الحسين بن علي عليمها السَّلام .

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحـي نزل

ثمّ طفحت أحقاده الدفينة على قادة الإسلام الذين قتلوا قومه في معركة بدر تحت راية الإسلام وتذكّر ذلك، وراح يجعل قتل الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ انتقاماً لأُولئك وقال:

ليـت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّـوا و استهلـّـوا فرحــاً * ثـمّ قالـوا يا يزيد لا تشل(1)

وفي أحد الأعوام أرسل معاوية يزيد بجيش لمحاربة الروم (وكأنّه أراد أن يتظاهر بأنّ يزيد ليس رجل المواقف اللهوية فقط بل رجل المواقف الحربية أيضاً!) وأرسل معه سفيان بن عوف الغامدي، ورافق يزيد في رحلته هذه عشيقته أُمّ كلثوم .

وصل سفيان بالجيش إلى أرض الروم قبله وأُصيب جيش المسلمين لسوء المناخ والأحوال الجوية بمرض الجدري والحمى بمكان يسمى الغَذْقَذونة.(2)

وقال يزيد عندما أُخبر الخبر وهو نازل في دير اسمه دير «مُرّان»(3)ومعه أُمّ كلثوم للاستجمام واللهو والمجون منشداً:


1-تتمة المنتهى في وقائع أيام الخلفاء، الشيخ عباس القمي، ص 44.
2-الغذقذونة منطقة تفصل بين الشام والروم ويقع ضمنها طرطوس والمصيصة.
3-دير« مرّان» مكان على مقربة من دمشق، قال ياقوت الحموي: مران بضم الحرف الأوّل تثنية مرّ معجم البلدان. مادة ـ دير ـ كانت الأديرة المسيحية في العالم الإسلامي مراكز لأفظع ألوان الفسق والفجور واللعب، وكان يؤمها جميع الماجنين والمتحلّلين من الأُمويّين والعباسيين للاستمتاع فيها، وهي محال للعبادة، ولذلك نجد يزيد قد قصد دير« مرّان» وهي تقع في منطقة خصبة ذات خضار وأشجار وطبيعة خلاّبة تصلح لقضاء النزوات.


(160)

ما إن ابالي بما لاقت جموعهم * بالغذ قذونة من حمى و من موم

إذا اتّكأت على الانماط في غرف * بدير مُرّان عندي أُمّ كلثوم(1)

فمن كان يتمتع بهذا المستوى من التعاطف والإشفاق على جيشه وشباب العالم الإسلامي، فإنّه سيتضح جيداً كيف يكون حال الأُمّة الإسلامية عندما يستولي على مقاليد الحكم ومقدرات الأُمّة.

تحوّل بلاط يزيد إلى مركز يشكل أنواع الفساد وارتكاب المحرمات، وقد اتسعت رقعة انحراف وفساد بلاطه في المجتمع مع قصر مدّة حكومته إلى الحدّ الذي تلوّثت فيه مدن مقدّسة من قبيل مكة والمدينة.(2)

وقد لقى يزيد حتفه جراء الجري وراء إشباع ميوله الجامحة والإفراط في معاقرة الخمرة حيث مات مسموماً بها.(3)

قال المسعودي أحد المؤرّخين المشهورين: سار يزيد في الناس بسيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه.(4)

إنّ الأدلّة والوثائق الدالّة على انحراف وفساد يزيد وحياته الشائنة وسلطته الوضيعة بدرجة من الوفرة والكثرة بحيث يتعذّر علينا تناولها في بحثنا المضغوط هذا، ونعتقد انّ ما قدمناه يكفي للتعريف بشخصيته المنحطة.


1-تاريخ اليعقوبي:2/160; أنساب الأشراف:4/3; معجم البلدان،ص 534 مع اختلاف بسيط في الألفاظ.
2-مروج الذهب:3/67.
3-مقتل الحسين ، أخطب خوارزم:2/183.
4-مروج الذهب:3/68.


(161)

ميول يزيد إلى المسيحية المنحرفة

وفضلاً عن كلّ ذلك فانّ يزيد نشأ نشأة مسيحية، أو أنّه كان يميل إلى المسيحية على أقلّ تقدير.

وقد كتب الأُستاذ عبد اللّه العلائلي مشيراً إلى هذه الحقيقة: ويبدو مستغرباً بادئ ذي بدء أن نعرف أن يزيد نشأ نشأة مسيحية تبعد كثيراً عن عرف الإسلام وتزيد القارئ الدهشة إلى حد الإنكار، ولكن لا يبقى في الأمر ما يدعو إلى الدهشة إذا علمنا أن يزيد يرجع بالأُمومة إلى بني كلب، هذه القبيلة التي كانت تدين بالمسيحية قبل الإسلام، ومن بديهيات علم الاجتماع انّ انسلاخ شعب كبير من عقائده يستغرق زمناً طويلاً، والتاريخ يحدّثنا انّ يزيد نشأ فيها ـ القبيلة ـ إلى طور الشباب، ومعنى هذا انّه أمضى الدور الذي هو محط أنظار المربين وعنايتهم، وبذلك ثبت على لون من التربية النابية تمازجها خشونة البادية وجفاء الطبع.(1)

على أنّ طائفة من المؤرّخين، ومنهم لامنس المسيحي في كتاب «معاوية» وكتاب «يزيد» ترجح ـ ولا يبعد أن يكون صحيحاً ـ انّ من أساتذة يزيد بعض مسيحيّي الشام، ولا يخفى ما يكون لهذه التربية من أثر سيّء في من سيكون ولي أمر المسلمين.

ثمّ يضيف العلائلي: إنّ تحريضه للأخطل الشاعر المسيحي ليهجو الأنصار، وعهده بابنه إلى مسيحي مما لا اختلاف فيه بين المؤرّخين، ولا يمكن أن تعلّل هذه الصلة الوثيقة والتعلّق الشديد بالأخطل وغيره من المسيحيين إلاّ إلى مكان التربية ذات الصبغة المسيحية وبشهادة التاريخ لم يكن يزيد يخفي ميوله المسيحية. بل كان يقول جهاراً:


1-سمو المعنى في سمو الذات، ص 58.


(162)

فإن حـرمـت على ديـن أحمـد * فخذها على دين المسيح بن مريم(1)

وممّا يجب أن يعلم هو انّه كان هناك نفوذ للدولة الرومية في بلاط الأمويين، وكان بعض نصارى الروم لهم مناصب استشارية في ذلك البلاط، كما أنّ تنصيب عبيد اللّه بن زياد الذي كان والياً على البصرة لولاية الكوفة التي كان النعمان بن بشير والياً عليها مع إبقائه على ولاية البصرة إنّما كان باقتراح سَرْجَون الرومي(2)على يزيد بذلك.(3)


1-تتمة المنتهى في وقائع أيّام الخلفاء ص 43. طبعاً انّ شرب الخمرة حرام في الدين المسيحي الحقيقي كما في الإسلام وميوله ـيزيدـ إلى المسيحية كانت في الواقع ميوله إلى الانحراف الذي دب في هذا الدين في وقت متأخّر.
2-كما أنّه قال بعض العلماء بأنّ سرجون معرب عن كلمة سرجيوس.
3-مقتل الحسين: 22; تاريخ الطبري:6/199; الكامل في التاريخ:4/23; الإرشاد ، ص 205; تجارب الأُمم أبو علي مسكويه:2/42، وعلى ما نقل فردينان توتل المسيحي في معجم أعلام الشرق والغرب كان منصور بن سرجون وزير المالية لمعاوية وهو أبو يوحنا الدمشقي، وكتب آية اللّه الصافي في كتاب پرتوى از عظمت حسين في هذا المجال: قال العقاد في كتابه «معاوية بن أبي سفيان في الميزان» ص 168: إنّ معاوية سلم تولّى الأُمور المالية لسرجون بن منصور ثمّ لابنه منصور بعده.
وكتب أبو علي مسكوية: كاتب ديوان خراج سلطة معاوية ويزيد هو سرجون بن منصور الرومي تجارب الأمم:2/ 211و291 .
ومن ناحية أُخرى نُقل عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بأنّه عندما نقل السجاد ـ عليه السَّلام ـ مع باقي أهل بيت الحسين إلى دار خربة في دمشق قال أحدهم : وضعونا هنا حتى يقع السقف علينا فيقتلنا وقال الحرس بلغتهم الرومية: انظر إليهم يخافون من وقوع السقف مع أنّهم سيؤخذون غداً وتضرب أعناقهم.
قال الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ : لم يكن منا من يعرف اللغة الرومية جيداً مثلي حينها (بصائر الدرجات:8/338، باب 12) وتدلّ هذه الرواية على أنّ حرّاس سلطة يزيد كانوا يتكلمون باللغة الرومية، ويحتمل جداً انّهم روميون أصلاً، و طبعاً انّ معرفة الإمام الرابع باللغة الرومية قد تمت في ضوء علم الإمامة، وهذه الرواية وردت في باب علم الأئمّة.


(163)

والآن وقد اتّضحت لدينا حقيقة يزيد الوضيعة وكفره وعداوته للإسلام، نفهم جيداً دوافع ثورة الإمام الحسين على سلطته، ويتضح لنا جيداً بأنّ حكومته كانت غير شرعية من وجهة نظر الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ ليس بسبب انّها كانت أوّل من أبدع النظام الملكي الوراثي في الإسلام فقط، بل بسبب عدم جدارة شخصية يزيد نفسه أيضاً. وعليه حيث إنّ موانع الثورة كانت قد زالت بموت معاوية كان على الحسين أن يعلن عن معارضته وقد آن أوانها، ولو كان يبايع يزيد لكانت بيعته هذه أكبر حجّة على شرعية سلطته.

وقد تجلّى سبب معارضة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ في رسائله وخطبه بشكل واضح، وفي تلك الأيّام التي كان الحسين بن علي عليمها السَّلام معرضاً لمضايقات أخذ البيعة منه قال رداً على الوليد الذي اقترح عليه مبايعة يزيد: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأُمّة براع مثل يزيد.(1)

وقد وضح صفات الحاكم الإسلامي ضمن ردوده على رسائل الكوفيين بهذا النحو: «ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب والآخذ بالقسط، أو الدائن بالحقّ والحابس نفسه على ذاتاللّه».(2)

حملة لواء ثورة كربلاء

كلّ ثورة وانتفاضة تتشكّل من عنصرين أساسيين هما: الدم، والرسالة.

ويراد من عنصر الدم هو الكفاح الدامي والمسلح الذي يقتضي القتل والاستشهاد والتضحية في سبيل المبادئ والقيم المقدسة.


1-اللهوف على قتلى الطفوف، قم منشورات مكتبة الداوري: 11.
2-الإرشاد: قم، مكتبة بصيرتي، ص 204; مقتل الحسين: 17 ; تاريخ الأُمم والملوك: ج6، ص 196.


(164)

والمراد من العنصر الرسالي أيضاً هو إيصال وبث رسالة الثورة وتبيين مبادئها وأهدافها. ولا يقل العنصر الثاني في نجاح ثورة من الثورات أهمية عن العنصر الأوّل، لأنّه إذا لم يتم تبيين وتوضيح أهدافها ومبادئها للمجتمع فقدت الثورة دعمها الشعبي وانصهرت في بوتقة النسيان وصارت عرضة للتغيير والتحريف على يد أعدائها.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على ثورة الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ المقدسة نجد انّ هذين العنصرين متوفران فيها بشكل تام، إذ كانت ثورته ـ عليه السَّلام ـ حتى عصر يوم عاشوراء رمزاً للعنصر الأوّل، أعني: عنصر الدم والشهادة والتضحية، وقد تسلم لواءه الحسين ـ عليه السَّلام ـ بنفسه; بينما بدأ يأخذ العنصر الثاني في الظهور من عصر ذلك اليوم، وقد حمل لواء هذا كلٌ من الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ والحوراء زينب الكبرى ـ عليها السَّلام ـ ، فقد نشرا رسالة الثورة والشهادة الدامية للحسين وأصحابه بخطبهما الساخنة بين الناس والرأي العام، ونقرا ناقوس فضيحة الطغمة الأموية.

ونظراً للدعاية المضلّلة والكبيرة والواسعة التي استخدمها الحكم الأموي منذ عهد معاوية ضدّ أهل البيت خصوصاً في الشام، فلو لم يبادر بقية أهل بيت الحسين ـ عليه السَّلام ـ إلى فضح الأعداء وبث الوعي بين الرأي العام لكان أعداء الإسلام ومرتزقتهم الطغاة يحرّفون ثورة الإمام الكبيرة الخالدة في التاريخ ويشوّهونها أيّما تشويه، كما حاول بعض أُولئك أن يحرّف حقيقة قتل الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ و قال مات الحسن مسلولاً، أو كان يدّعي بعض آخر بأنّ الحسين مات بالسرطان، ولكن الإعلام والدعاية الواسعة النطاق التي استخدمها كلّ من السجاد والحوراء زينبعليمها السَّلام في فترة الأسر ـ وهي الفرصة التي هيّأتها أحقاد يزيد التافهة لهما ـ أحبطت محاولة التضليل والتعتيم فيما يتعلق بحقيقة ثورة الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، والآن ولكي


(165)

يتضح دور أسرى كربلاء الأحرار التاريخي في توعية الرأي العام وإيصال رسالة الثورة الحسينية العظيمة ـ بشكل جيد ـ يجب هنا أن نعود إلى الوراء قليلاً ونلقي نظرة على تاريخ حكم معاوية في الشام.

فترة حكم معاوية في الشام

وممّا ينبغي الالتفات إليه هو انّه ومنذ ان استولى المسلمون على الشام لم تر من القادة غير خالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان، ولم يدرك أهاليها صحبة الرسول ولا عرفوا نهج أصحابه، بل ولم يعرفوا ـ على الأقل ـ الإسلام على النحو الذي كان معروفاً بين أهل المدينة.

صحيح انّ هناك مائة وثلاثة عشر صحابياً شاركوا في فتح الشام أو سكنوا فيها بالتدريج، غير انّ مراجعة سيرة هؤلاء الصحابة تكشف عن أنّهم لم يدركوا ـ ماعدا القليل منهم ـ صحبة رسول اللّه إلاّ فترة وجيزة ولم يرووا عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ بضعة أحاديث، ومضافاً إلى ذلك انّه قدمات أغلب هؤلاء خلال فترة خلافة عمر وعثمان وإلى بداية حكم معاوية ولم يتبقى منهم عندما ثار الحسين واستشهد ـ عليه السَّلام ـ سوى أحد عشر صحابياً، وكانوا يعيشون في الشام وقد بلغ الواحد منهم السبعين والثمانين من العمر وفضّلوا حياة العزلة عن الناس على الاحتكاك بهم، ولم يكن لهم نفوذ في الرأي العام، وبالتالي كان الجيل الشاب ـ من هم في عمر يزيد ـ يجهل الإسلام الحقيقي، ولعلّهم كانوا يتصوّرون الإسلام نظاماً حكومياً مثل حكومة أُولئك الذين حكموهم قبل هؤلاء .

وكانت فخفخة بلاط معاوية وفخامته وبذخه وعبثه بأموال بيت المال واهتمامه بسيرة الطغاة المعهودة، مثل تشييد القصور الفخمة وتشكيل حرس التشريفات الخاص وبالتالي نفي وتصفية المعارضين أمراً طبيعياً لهم، لأنّهم كانوا


(166)

قد عاشوا وشاهدوا خلال الخمسين سنة الماضية هذا النوع من الحكم سابقاً .

ولا شكّ كان هناك من يعتقد بأنّ المدينة في عهد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت تعيش هذا النوع من الحكم أيضاً(1)و في النهاية كان الشاميون يرون سلوك معاوية بن أبي سفيان سلوكاً إسلامياً. حكم معاوية الشام 42 عاماً، خمسة أعوام منها في عهد الخليفة الثاني، وحوالي اثني عشر منها في عهد الخليفة الثالث، وما يقل عن خمسة أعوام في عهد خلافة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وحوالي ستة أشهر في خلافة الإمام الحسن الظاهرية، وأخيراً حكم باسم الخلافة الإسلامية فترة تقارب العشرين سنة.(2)

الإعلام المضلّل

وخلال هذه الفترة الطويلة نسبياً علّم معاوية الشاميّين بطريقة أماتت فيهم الوعي الديني، وجعلهم يسلّمون له رقابهم طاعة وخضوعاً بلا أدنى اعتراض.

لم يكن معاوية يسيطر على الشاميّين من الناحية العسكرية والسياسية فقط، بل كان يهيمن عليهم فكرياً ودينياً أيضاً، وخلق منهم أُناساً صماً بكماً لا يفقهون، ليملي عليهم بما يشاء ممّا يضفي عليه طابع التعاليم الإسلامية دون اعتراض، وقد نجح وبما يتمتع به من دهاء وخديعة متميزين نجاحاً باهراً ملحوظاً في هذا المجال.

كلّنا يعرف مكره وخديعته في تشويه وجوه متألّقة من مثل علي ـ عليه السَّلام ـ وبدعته في سبّه، وفي خديعة مفضوحة تخدع العوّام أشاع معاوية بعد استشهاد عمار بن ياسر ـ المقاتل التسعيني والمجاهد الإسلامي القديم والكبير ـ في صفين بين يدي


1-الدكتور جعفر الشهيدي، ثورة الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، ص 185.
2-تاريخ عاشوراء، ص 47.


(167)

علي ـ عليه السَّلام ـ والذي تنبّأ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باستشهاده على يد الفئة الباغية في جيشه الشامي بأنّ علياً هو قاتل عمار، لأنّه ورّطه في هذه المعركة وتسبب في قتله.(1)

ويؤكد ما قلناه قصة الناقة والجمل، و قضية صلاة الجمعة في يوم الأربعاء المخزية، وهي كما يقول المسعودي:

...إنّ رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين، فتعلّق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي، أُخذت منّي بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيّنة يشهدون أنّها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك اللّه! إنّه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودسّ إلى الكوفي بعد تفرّقهم فأحضره، وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه، وبرّه، وأحسن إليه، وقال له: أبلغ عليّاً أنّي أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل!

وقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنّه صلّى بهم عند مسيرهم إلى صفين، الجمعة في يوم الأربعاء وأعاروه رؤوسهم عند القتال وحملوه بها....(2)

وقد شوّهت السلطة الأموية مكانة أهل بيت الرسول الطاهرين في أعين أهل الشام وجعلت من بني أُمية أقرباء لرسول اللّه بإعلامهم المظلّل والحاقد إلى الحد الذي دفع بالمؤرخين أن يكتبوا: وقدم بعد غلبة العباسيين وتوطد حكم أبي العباس السفاح قدم إليه عشرة من أُمراء الشام، وأقسموا بأنّهم ما عرفوا قبل قتل مروان ـ آخر خلفاء الأمويين ـ قرابة لرسول اللّه ترثه حتى ملكتم أنتم.(3)


1-أنساب الأشراف، البلاذري: 317.
2-مروج الذهب:3/31.
3-شرح نهج البلاغة:7/159.


(168)

وعليه فلا عجب من أن نقرأ في كتب المقاتل: أُتي بحرم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى أدخلوا مدينة دمشق من باب يقال له باب توماء ثمّ ، أُتي بهم حتى وقفوا على باب المسجد، وإذا بشيخ قد أقبل حتى دنا منهم و قال: الحمد للّه الذي قتلكم وأهلككم وأراح الرجال من سطوتكم وأمكن أمير المؤمنين منكم!! سكت علي بن الحسين عليمها السَّلام حتى يفرغ الرجل الشامي ما في نفسه، فقال له:«يا شيخ هل قرأت القرآن؟» فقال: نعم قد قرأته، قال:« فعرفت هذه الآية: (قُلْ لا أَسألُكُمْ عَليهِ أَجْراً إِلاّالمَودَّة فِي القُربى) ؟» (1)، قال الشيخ: قد قرأت ذلك.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«وهذه الآية (وآتِ ذَا القُربى حَقّه)(2) ؟» قال الشيخ: قد قرأت تلك، وقال ـ عليه السَّلام ـ :«وهذه الآية (إِنّما يُريدُ اللّه لِيذهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أَهل البَيت وَيُطهّركُمْ تَطْهيراً) ؟» (3)قال الشيخ: قد قرأت ذلك.

فقال علي بن الحسين عليمها السَّلام : «يا شيخ نزلت هذه الآيات فينا، فنحن ذو القربى، و نحن أهل البيت الذين خصصنا بالطهارة من الرجس» فعلم الشيخ أنّ ما سمعه عن هؤلاء ما هو إلاّ أباطيل وليسوا هم بالخوارج، بل أبناء رسول اللّه، و بقي ساعة ساكتاً نادماً على ما تكلّمه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء و قال: اللّهمّ إنّي تائب إليك ممّا تكلّمته ومن بغض هؤلاء القوم، اللّهم إنّي أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمّد.(4)


1-الشورى:22.
2-الإسراء:26
3-الأحزاب:33.
4-مقتل الحسين، أخطب خوارزم:2/61; اللهوف على قتلى الطفوف السيد ابن طاووس ، ص 74; سيرة علي بن الحسين عليمها السَّلام ، الدكتور جعفر الشهيدي، ص 66.


(169)

ما حصل عليه الأسرى في الشام

ويتّضح الآن وبالنظر إلى الحملة الإعلامية الضخمة المضرة التي شنت ضد أهل البيت أهمية أخذ البقية الباقية من أهل بيت الإمام الحسين إلى الشام بشكل جيد، لأنّهم استطاعوا من خلال ذهابهم إلى هناك أن يمحوا آثار الإعلام الحاقد والمضلّل الذي دام أربعين عاماً، وأن يكشفوا القناع عن وجه الحكم الأموي الكريه بشكل كامل وأن ينبهوا الناس من غفلتهم بحيث يمكن القول بأنّهم كانوا عندما عادوا إلى المدينة بمثابة الجيش الفاتح المنتصر الذي أدّى واجبه بصورة ممتازة ، ولأجل أن تتّضح عظمة المهمة والرسالة التي قام بها حملة لواء الثورة الحسينية بصورة جيدة من المناسب أن نشير إلى نموذجين تاريخيين من ذلك:

الف: أهل البيت بعيداً عن نكبة الحرّة

بعد استشهاد الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ وتزامناً مع أقطار العالم الإسلامي الأُخرى أخذت المدينة التي كانت مركزاً لعشيرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تثور شيئاً فشيئاً، وظنّاً منه بحصافته أرسل والي المدينة جماعة من وجهاء المدينة إلى «دمشق» حتى يلتقوا بالخليفة الشاب ويكرمهم كي يحثّوا الناس عند عودتهم على طاعته; غير انّ يزيد الذي لم يتربى تربية صحيحة، ولم يتمتع بأية حيطة وحصافة في الرأي، ولا حتى يراعي الحفاظ على تعاليم الإسلام في الظاهر، راح يشرب الخمر ويلاعب الكلاب و يرتكب المحرمات أمام أعينهم، وما أن عاد مبعوثو المدينة من الشام أطلقوا صيحاتهم و قالوا: يزيد شارب للخمر وملاعب للكلاب وفاسق، ولا يمكن لشخص مثل هذا أن يكون خليفة للمسلمين و إماماً لهم.

و في النهاية عمّت المدينة ثورة عارمة، و طرد الناس عامل المدينة و بني أُمية منها.


(170)

وعند وصول أخبار هذه الأحداث إلى الشام أرسل يزيد جيشاً لقمع أهالي المدينة، و قلد «مسلّم بن عُقْبَة» ـ و كان طاعناً في السن ـ قيادة الجيش، وحاصر مسلم المدينة ولم يكن باستطاعتهم الاستمرار في الصمود فاستسلموا، فأخذ جيش الشام يقتل الناس وينكل بهم، ولم يدخر وسعاً في اقتراف أنواع القبائح والجرائم، فلم يسلم من طائلة سيوفهم الرجال الأتقياء والمؤمنون والمتهجدون، ولم يتركوا حرمة لم يهتكوها، ولم تأمن امرأة ولا فتاة من اعتداء هؤلاء الهمج.(1)

وقد أطلق على هذه المأساة اسم واقعة الحرة، هذا وقد ظل بيت الإمام زين العابدين و بيوت بني هاشم مأمونة من الاعتداء، ولهذا لاذ العشرات من عوائل المسلمين ببيته ـ عليه السَّلام ـ أبّان الحصار ونجوا.

وكتب الطبري: لما بعث يزيد مسلم بن عقبة إلى المدينة قال له : إنّ علي بن الحسين ليس منهم فأكرمه .(2)

و كتب الشيخ المفيد: إنّ مسلم بن عقبة لما قدم المدينة أرسل إلى علي بن الحسين فأتاه، فلما صار إليه قربه وأكرمه و قال له: أوصاني أمير المؤمنين ببرّك وصلتك وتمييزك عن غيرك، فجزاه خيراً ثمّ قال لمن حوله: أسرجوا له بغلتي، و قال له: انصرف إلى أهلك، فإنّي أرى أن قد أفزعناهم وأتعبناك بمشيك إلينا، ولو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقّك لوصلناك.(3)

وممّا لا شكّ فيه هو انّ أحد الأسباب التي تكمن وراء سلوك مسلم ـ و هذا ما سنتحدث عنه في سيرة الإمام الرابع ـ هو أنّ الإمام السجاد قد عزل نفسه ولم يشارك الثائرين في ثورتهم، ومن المؤكد أيضاً انّ سلطة يزيد دفعت ثمن قتل


1-تاريخ تحليلى إسلام، الشهيدي، ص 170.
2-تاريخ الطبري:7/421.
3-الإرشاد، ص 260.


(171)

الحسين باهظاً، وهي لم تزل رازحة تحت ضعوط الرأي العام، وكذلك لم يشأ أن يشوّه سمعته بإيذاء أهل البيت أكثر من ذلك.

ب: أمر عبد الملك بن مروان للحجاج

كتب اليعقوبي : «لما ولي عبد الملك بن مروان، كتب إلى الحجاج وكان عامله على الحجاز:

أمّا بعد فحسبي دماء بني عبد المطلب، فأنّي رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا بعدها إلاّ قليلاً.(1)

و إذا ما عرفنا انّ عبد الملك بن مروان كان من الحكام الأمويين الدهاة والسياسيين(2)، وانّه وصل إلى سدّة الحكم بعد مأساة كربلاء، فسوف ندرك مدى أهمية اعترافه، هذا الأمر يدلّ على أنّه بالرغم من الاضطهاد الذي مارسه آل أبي سفيان بحقّ آل أبي طالب، فأنّهم لم يحقّقوا أهدافهم المشؤومة، ولم يحصدوا من فعلتهم تلك غير الخزي والشنار واللعن الأبدي.

تدمير الدعامة الفكرية للأمويّين

من المتعارف عليه في المجتمعات البشرية هو انّ أيّة سلطة ونظام مهما


1-تاريخ اليعقوبي:3/49(ضمن أحداث عهد حكم عمر بن عبد العزيز) وقد نقل هذا الأمر في كتاب الاختصاص للشيخ المفيد ، ص 315 و بحار الأنوار:46/119 عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بهذا النحو: لماّ ولي عبد الملك بن مروان فاستقامت له الأشياء كتب إلى الحجاج كتاباً خطه بيده كتب فيه : بسم اللّه الرحمن الرّحيم من عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أمّا بعد فحسبي دماء بني عبد المطلب فأنّي رأيت آل أبي سفيان لما ولغوا فيها لم يلبثوا إلاّ قليلاً.
2-الفخري في الآداب السلطانية، ص 122.


(172)

بلغت سطوته وقدرته فانّه يحتاج في النهاية إلى دعامة فكرية آيديولوجية وفلسفية حيث يتم تبرير سلوك ذلك النظام السياسي والاقتصادي في ضوئها.

وبعبارة أُخرى: تحتاج السلطات الحاكمة الظالمة مضافاً للأدوات العسكرية البوليسية إلى آليات فكرية ونفسية كي يتسنّى لها أن تجعل الجماهير طوع إرادتها، ذلك انّه إذا كان للشعب آيديولوجية صحيحة وكان النظام الحاكم نظاماً منحرفاً أصبح من الصعب خضوع الشعب له.

ومن هنا تتضح ضرورة وجود دعامة فكرية وآيديولوجية لمثل هذا النوع من الحكومات بشكل جيد.

ومن المؤكد قد تكون هذه الدعامة على شاكلة تيار أو اتجاه فلسفي أو بشكل مذهب وعقيدة دينية طبقاً لاختلاف المجتمعات .

و قد رأى الحكم الأموي الطاغي واللاإسلامي نفسه في حاجة ماسّة إلى مثل هذه الدعامة الآيديولوجية، ومن حيث إنّ المجتمع مجتمع إسلامي اضطر أن يسبغ على جرائمه طابعاً من التبريرات الدينية ليخدّر و من خلال مسلسل إعلامي ديني فكر الجماهير. ويجب ألاّ تظن بأنّ الحكم الأموي كان غير مهتم بما يحكم به الشعب عليه، وانّه كان يقول مع ما يقوم به من جرائم: ليقول الشعب ما يريد، لا بل يريدون الرأي العام أن يبثوا مجموعة من الأفكار والعقائد بين الناس حتى تستقبل أذهانهم الوضعية الراهنة وتعد من أفضل الوضعيات وعليهم يجب الحفاظ عليها.

الجبرية

أحد أساليب تخدير الجماهير والرأي العام وإخضاعهم هي إشاعة عقيدة الجبرية وعندما تريد الحكومات الطاغية تبرير كيانها تصير ذات نزعة جبرية


(173)

عادة، أي انّهم ينسبون كلّ شيء إلى اللّه، ويوحون للآخرين في كلّ ما يقومون به من إعمال بأنّ اللّه هو الذي أراد أن يكون ذلك، ولولا المصلحة التي يعرفها الباري في ذلك الأمر لما كان يحدث. إنّ منطق الجبريين هو انّ ما هو كائن هو الذي يجب أن يكون، و انّ ما هو غيركائن هو الذي يجب ألاّ يكون.(1)

وقد كانت عقيدة الجبر إحدى الدعائم الفكرية والدينية للحكم الأموي، وقد أراد الأمويون من خلال إشاعة عقيدة الجبر أن يخنقوا أية روح معارضة في المهد، واحتضنوا عقيدة الجبر لأجل تثبيت سلطتهم والمنع من حدوث أية ثورة شعبية من المسلمين، ودافعوا عن أصحاب هذا المذهب حيث كانوا يواجهون خطر نفوذ عقيدة القدرية، التي كانت تقول بحرية الإرادة والاختيار لدى الإنسان، وانّه هو الذي يختار نوع السلوك والعمل الذي يمارسه في حياته(2)، وإذا كان حراً فهو مسؤول عن أفعاله، لأنّ كلّ حرية تستتبع المسؤولية حتماً. وقد شكلت هذه العقيدة ـ القدرية ـ خطراً كبيراً على الأمويين الذين كانوا يخشون معارضة المسلمين لهم، ولذلك فقد اضطهدوا هذه العقيدة ودعاتها، وتمسّكوا بالعقيدة المضادة لها أي عقيدة الجبر التي تلائمهم في ميدان النضال السياسي، لأنّها توحي إلى الناس بأنّوجود الأمويين وتصرفاتهم مهما كانت شاذة وظالمة ليست سوى قدر محتوم من قبل اللّه لا يمكن تغييره ولا تبديله فلا جدوى من الثورة عليه.

قد كان معاوية يتظاهر بالجبر لأجل تبرير أفعاله أمام الجماهير بأنّها مقدورة لا سبيل إلى تبديلها، مضافاً إلى ذلك فانّ أفعاله واقترافه المحرّمات لا يثير أية إشكالية ضدّه، لأنّه خليفة المسلمين وحاكم ديني.


1-الحماسة الحسينية، المطهري:1/312ـ 313.
2-فجر الإسلام، أحمد أمين، ص 284.


(174)

ومن الواضح انّ شخصاً مثل معاوية لا يجهل الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تقدّمها له عقيدة الجبر، فقد كان يعلم هو والأمويون انّ سلطتهم غير محتملة ولا تطاق من المسلمين، ويعلمون انّهم في نظر أكثر الناس أُناس مخادعون، وانّهم أعداء لأهل بيت النبي، وقتلة لأشخاص مقدّسين لا ذنب لهم.

وإن كانت هناك عقيدة تمنع الناس عن أن يثوروا عليهم وعلى أعمالهم لكانت تلك العقيدة هي عقيدة الجبر. هذه العقيدة التي توحي إلى الناس بأنّ اللّه قد حكم منذ الأزل أن تصل هذه الأُسر إلى الحكم فأعمالهم وتصرّفاتهم ليست إلاّنتيجة لقدر إلهي محتوم، ولذلك كان مفيد جداً لهم ولدولتهم أن تتأصل هذه الأفكار في أذهان المسلمين.(1)

استخدام الأدب التخديري

وقد استغل الشعر إلى جانب النصوص الدينية في سبيل تعزيز هذه الأفكار، فقد كان معاوية قادراً على أن يفيد مما لشعراء عصره من تأثير عظيم في الرأي العام بما يخدم مصالحه وأهدافه، فكان معاوية و ملوك بني أُمية من بعده يسمعون راضين شعراءهم، بل ويحملون هؤلاء الشعراء على أن يقولوا الشعر الذي يمجدونهم فيه بنعوت تجعل سلطانهم وسيادتهم قدراً مقدوراً من اللّه، ومن أجل ذلك لا يمكن أن يثور المؤمن ضدّهم.

إنّ مرتزقة معاوية كلّفوا بأن يصوغوا أفكاره الخاصة بما يشيع بين العامة، سواء كان ذلك بالرواية عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو بالشعر.(2)


1-ثورة الحسين، محمد مهدي شمس الدين، ص 118ـ 120.
2-ثورة الحسين، شمس الدين، ص 120ـ 123.


(175)

السيدة زينب في قصر ابن زياد

بدأ مرتزقة يزيد بعد واقعة عاشوراء حملتهم الإعلامية باستخدامهم تلك الأساليب وراحوا يبثون بين الناس بأنّ انتصار يزيد الظاهري هذا هو إرادة اللّه، وبعد استشهاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ أذن عبيد اللّه بن زياد إذناً عاماً وجمع الناس في مسجد الكوفة، وراح يتظاهر بمظهر الرجل المتديّن التقي، وقال: الحمد للّه الذي أظهر الحقّ ونصر أمير المؤمنين وأشياعه وقتل الكذاب بن الكذاب.(1)ولكن الحوراء زينب والإمام السجاد عليمها السَّلام كانا يعرفان خطة العدو الإعلامية هذه، فركزا عليها وراحا يصبان بالخطب الساخنة والحجج الدامغة نار غضب الحقّ على الأمويين وآيديولوجيتهم وحمّلا يزيد واليزيديين مسؤولية جميع الجرائم والجنايات .

ومن نماذج اصطدام هاتين الآيديولوجيتين هو ما حدث في قصر ابن زياد عندما أدخل فيه نساء الحسين وأولاده ورهطه، وكان عبيد اللّه قد أعدّ في ذلك اليوم اجتماعاً عاماً وجيء برأس الحسين فوضع بين يديه، وكانت السيدة زينب قد دخلت القصر متنكرة وعليها أرذل ثيابها بلا مبالاة وجلست في زاوية من زواياه وقد أحاطت بها النساء والإماء ، فقال ابن زياد وقد وقعت عينه عليها: من هذه انحازت وجلست ناحية ومعها نساؤها. فلم تجبه، فأعاد ثانية يسأل عنها، فقالت إحدى إمائها : هذه بنت فاطمة بنت رسول اللّه، فأقبل عليها ابن زياد فقال لها: الحمد للّه الذي فضحكم وقتلكم واكذب أُحدوثتكم.

فأجابت زينب: «الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيه محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو منّا، وطهّرنا من الرجس، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا ـ تعني: أنت وجماعتك ـ والحمد للّه».(2)


1-اللهوف على قتلى الطفوف، ص 69.
2-الإرشاد، المفيد، ص 244.


(176)

قال: كيف رأيت فعل اللّه بأهل بيتك؟

قالت ـ عليها السَّلام ـ : «ما رأيت إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللّه بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة».

فغضب ابن زياد (من جرأتها وصراحتها، ومن أنّها خاطبته باسم جدته سيئة الصيت) وهمّ بها، فقال له عمر بن حريث: أيّها الأمير انّها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

فقال لها ابن زياد: لقد شفى اللّه قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت:«لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت».

فقال ابن زياد وقد أعجبته فصاحتها بغضب وسخرية: هذه سجّاعة، ولعمري كان أبوك شاعراً.

فقالت: ما للمرأة والسجاعة؟(هل هذا مقام سجع).(1)

وأراد ابن زياد أن يوحي من خلال ذلك إلى الحاضرين بأنّ المفضوح هو الذي انهزم عسكرياً في الظاهر،لأنّه لو كان على الحقّ لكان ينتصر من الناحية العسكرية.

غير انّ زينب الكبرى ـ عليها السَّلام ـ التي كانت تعرف جيداً المنطلق الذي ينطلق منه ابن زياد في كلامه راحت تدك آيديولوجيته، وأعلنت بكلامها هذا بأنّ الشرف والفضل ليس بالانتصار والقوّة الظاهرية بل بالحقّ وطلب الحقيقة، وانّ المفضوح


1-اللهوف على قتلى الطفوف ، ص 68.


(177)

ليس من استشهد في سبيل اللّه، بل من ظلم وطغى وانحرف عن الحق والحقيقة.

كان ابن زياد يتوقع من زينب المفجوعة بعزيزها أن تركع بالضربة الأُولى وتذرف الدموع وتطلق العويل، ولكن الحوراء زينب ـ عليها السَّلام ـ بطلة كربلاء ردّت عليه ردّاً كالصاعقة مزّق كيانه و كسر كبرياءه .

من أين يمكننا أن نجد امرأة قتل ستة أو سبعة من إخوتها واستشهد ابنها فلذة كبدها وذبح عشرة من أبناء إخوانها وعمومتها وأُسرت هي مع كلّ أخواتها وبناتهن، تقوم وتقف وتدافع عن حقّها وعن شهدائها وهي أسيرة منكوبة مفجوعة؟! وأين يحدث كلّ هذا؟ في مدينة كانت عاصمة خلافة أبيها التي أمضى من عمره حوالي أربعة أعوام فيها.

ورغم كلّ هذا وكل ما يدعو إلى الحزن والأسى نراها لا تنطق ببنت شفة عتاباً وجزعاً، بل تقول فضلاً عن ذلك وبصراحة تامة لم نر ما لم نرغب فيه وإن استشهد رجالنا فلأنّهم عزموا على ذلك، ولو كان غير ذلك لكان مدعاة للحزن والأسى والألم، وهم الآن قاموا بواجبهم بما يرضي اللّه وتقلّدوا وسام فخر الشهادة، فما عسانا أن نفعل ما هو خليق بنا غير الحمد للّه والثناء عليه لما منّ به علينا من النصر والتوفيق.(1)

خطبة العقيلة زينب في الكوفة

هنا الكوفة وهي تختلف عن دمشق، الكوفة مدينة كانت ومنذ عشرين سنة عاصمة خلافة الإمام علي ومركزاً للشيعة وأهاليها ـ و هم من العراقيين ـ يرغبون في دولة عادلة إسلامية والتحرّر من قيود الطغاة ويميلون إلى أهل البيت، غير انّهم ليسوا مستعدين لدفع ثمن مثل هذه النعمة.


1-دراسة تاريخ عاشوراء، الدكتور محمد إبراهيم آيتي، ص 203.


(178)

إنّهم يريدون الحياة الدنيا أو الجاه والمنصب كما أنّهم يريدون التحرر من عبودية الطواغيت، ولكنّهم لا يريدون ما فيه خسارة وضرر، فإذا حدث ضيق عليهم أو ما يهدد مصالحهم فانّهم يتخلّون عن جميع مبادئهم، يحمل كلّ منهم ازدواجية في شخصيته، يعانون من تناقض في داخلهم، فمن ناحية يدعون ابن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكلّ حماس وحرارة، و من ناحية أُخرى لا ينسون عهودهم ووعودهم عندما يرون أنفسهم في خطر فقط بل يتعاونون على قتله، فلابدّمن إيقاظ هؤلاء وإرشادهم إلى أخطائهم، وأن يقال لهم بأنّكم لا تعلمون أي جريمة عظمى اقترفتم بقتل الحسين بن علي عليمها السَّلام ، كانت هذه المهمة على عاتق العقيلة زينب من بين النساء أكثر من غيرها، لأنّ النساء اللواتي تعدّى عمرهن الثلاثين عاماً يعرفن زينب منذ عشرين عاماً عندما كان علي ـ عليه السَّلام ـ خليفة المسلمين في هذه المدينة وكنّ يعرفن منزلتها وقدرها لدى علي ـ عليه السَّلام ـ ومكانتها عند آبائهن وأزواجهن، كانت زينب شخصية معروفة بالنسبة لهم وهاهنا الآن يُثير مشهد أسرها المحزن وهي بين الأسرى الذكريات الماضية. فتستغل زينب هذه الفرصة فتبدأ بالحديث، فيسمع الناس صوتاً مألوفاً وكأنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هو الذي يتحدث، فالكلام هو كلام علي، والصوت هو نفس صوت الإمام ، أو ليس المتحدث هو علي أم هي ابنته؟! نعم هي الحوراء زينب الكبرى وهي التي تتحدث.

وكتب أحمد ابن أبي طاهر المعروف بابن طيفور (204ـ 280هـ) في كتاب «بلاغات النساء» وهو يحوي مجموعة من الكلمات والخطب الفصيحة والبليغة لنساء العرب والإسلام، وهو من أقدم المصادر:

قال حذام الأسدي(1)دخلت الكوفة سنة إحدى وستين، وهي السنة التي


1-وقد ذكر في كتاب اللهوف انّ راوي الخطبة هو بشير بن خزيم الأسدي والموجود في نسخة بلاغات النساء هو خدام و حذيم أيضاً.


(179)

قتل فيها الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، فرأيت نساء الكوفة يشققن الجيوب ويبكين، ورأيت علي بن الحسين عليمها السَّلام و هو يقول بصوت ضئيل وقد نحل من المرض:«يا أهل الكوفة إنّكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم؟»ورأيت أُمّ كلثوم ـ عليها السَّلام ـ (1)ولم أر خفرة قط أنطق منها، كأنّما تفرغ على لسان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فلما سكنت الأنفاس وهدأت الأجراس، قالت:

«يا أهل الكوفة يا أهل الغدر والختل أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلاّ الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء؟ وهل أنتم إلاّ كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنحبون؟!

أي واللّه فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وانّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار محجتكم ومدره حجتكم، سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من اللّه وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول اللّه فريتم؟! وأي كريمة له أبرزتم؟! وأي دم له سفكتم؟! وأي حرمة له انتهكتم؟! ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض أو ملء السماء،


1-كلما ذكر اسم أُمّ كلثوم بشكل مطلق فالمراد هو زينب الكبرى بنت علي عليمها السَّلام الكبيرة.


(180)

أفعجبتم ان مطرت السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون؟! فلا يستخفنّكم المهل، فانّه لا يحفزه البدار ولا يخاف الثار وانّ ربكم لبالمرصاد».

و قد حرّكت هذه العبارات التي خرجت من روح مفجوعة تتقوى من بحر مفعم بالإيمان باللّه مشاعر الجميع وهيّجتها وقرع الحاضرون أسنانهم يأسفون يتحسرون ،و في هذا المشهد المأساوي والدرس الكبير أنشد شيخ من الجعفيين وقد اخضلّت لحيته من البكاء شعراً وقال:

كهولهم خير الكهـول ونسلهـم * إذا عد نسل لا يبور ولا يخزى(1)

الحوراء زينب ـ عليها السَّلام ـ في قصر يزيد

أمر يزيد بارسال الأسرى ورؤوس الشهداء إلى الشام، فانطلقت قافلة الأسرى نحو الشام، كان جلاوزة ابن زياد أجلافاً غلاظاً، وكان بلاط الشام ينتظر هذه القافلة التي كانت رسول النصر إليهم على أحر من الجمر، وكما ينقل المؤرّخون دخلت قافلة الأسرى المدينة من بوابة الساعات تخترق الآلاف من المشاهدين، ساد ذلك اليوم مدينة دمشق الفرح والابتهاج واحتفلوا بنصر يزيد، سار موكب الأسرى من بين الجموع المحتشدة تجوب الشوارع والأزقة حتى وصلت إلى قصر يزيد الشامخ.

جلس أهل البلاط في مكانهم المخصص لهم وارتقى يزيد كرسيه متسربلاً بكبريائه وزهوه الكبير استعداداً للقاء الأسرى،و على العكس من مجلس ابن زياد فانّ مجلس يزيد لم يحضره كلّ من هب ودب، بل حضره كبار مسؤولي الدولة


1-بلاغات النساء، ص 24; ثورة الحسين، الدكتور الشهيدي، ص 182.


(181)

ورؤساء القبائل وبعض السفراء الأجانب، ولهذا كان مجلساً هاماً للغاية.

دخل الأسرى وجلسوا في الناحية المقررة لهم في القصر، و ما أن وقعت عينه على أسرى أهل بيت النبي، وشاهدهم واقفين أمامه أمر بطشت ليوضع رأس الإمام الحسين فيه، وأخذ ينكث بمخصرته في ثنايا الإمام، وهو يتمثل بأبيات شاعر من مشركي قريش هو عبد اللّه بن الزبعرى السهمي مجدداً أحقاده الجاهلية:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

فجزيناهم ببدر مثلها * وأقمنا ميل بدر فاعتدل(1)

صيحة زينب ـ عليها السَّلام ـ

لو كان المجلس ينتهي إلى هذا الحد لكان يزيد هو المنتصر، أو أنّ ما كان يأمر به فينفذ ما كان يبدو قبيحاً في الأنظار، ولكن زينب لم تسمح بأن ينتهي الأمر بهذه السهولة، فعكّرت عليه صفو الانتصار ومرّرت حلاوته في فمه وسلبته نشوته.

وأفهمت الحاضرين بأنّ هؤلاء الواقفين هم أولاد الرسول الذي يحكم يزيد الناس بسلطان دينه.

وبدأت ـ عليها السَّلام ـ بشجاعة ورباطة جأش خطبتها مخاطبة إيّاه:

«صدق اللّه ورسوله يا يزيد ( ثمّ كان عاقبة الذين أساءوا ان كذبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزئون)، أظننت يا يزيد انّه حين أخذت


1-بلاغات النساء، ص 20.


(182)

علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما يساق الأُسارى انّ بنا هواناً على اللّه وبك كرامة عليه، وانّ هذا لعظيم خطرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقة لك والأُمور متسقة عليك، وقد أمهلت نفسك، وهو قول اللّه تبارك وتعالى:(لا يحسبن الّذين كفروا انّما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين).

أمن العدل يابن الطلقاء(1)تخديرك نساؤك وإماؤك وسوقك بنات رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سبايا قد هتكت ستورهن وأصلحت صوتهن، مكتئبات، تخدى بهن الأباعر، ويحدو بهنّ الأعادي من بلد إلى بلد لا يراقبن ولا يؤوين يتشوّفهن القريب والبعيد، ليس معهن ولي من رجالهن.

وكيف يستبطأ في بغضنا من نظر إلينا بالشنق والشن آن والإحن والأضغان، أتقول ليت أشياخي ببدر شهدوا غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكث ثنايا أبي عبد اللّه بمخصرتك، ولم لا تكون كذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، فلتردن وشيكاً موردهم و لتودن انّك عميت وبكمت وانّك لم تقل فاستهلوا وأهلوا فرحاً، اللّهم خذ بحقنا وانتقم لنا ممن ظلمنا، واللّه ما فريت إلاّ في جلدك، ولا حززت إلاّ في لحمك، وسترد على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يرغمك وعترته ولحمته في


1-إشارة منها إلى عفو جدّها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أبي سفيان (جدّ يزيد) ورهط من زعماء قريش لما خافوا أن يجازيهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند فتح مكة، فخاطبهم بقوله: اذهبوا فأنتم الطلقاء.


(183)

حظيرة القدس يوم يجمع اللّه شملهم ملمومين من الشعث وهو قول اللّه تبارك و تعالى: (ولا تَحْسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّهم يرزقون )، وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب المؤمنين إذا كان الحكم اللّه والخصم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجوارحك شاهدة عليك، فبئس للظالمين بدلاً أيّكم شر مكاناً وأضعف جنداً.

إنّي واللّه يا عدو اللّه وابن عدوه استصغر قدرك واستعظم تقريعك، غير انّ العيون عبرى والصدور حرّى، وما يجزي ذلك أو يغني عنّا وقد قتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ وحزب الشيطان يقربنا إلى حزب السفهاء ليعطوهم أموال اللّه على انتهاك محارم اللّه، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أُمهات الفراعل، فلئن اتخذتنا مغنماً لتتخذن مغرماً حين لا تجد إلاّما قدمت يداك تستصرخ بابن مرجانة ويستصرخ بك وتتعادى وأتباعك عند الميزان، وقد وجدت أفضل زاد زوّدك معاوية قتلك ذرية محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فواللّه ما تقيت غير اللّه ولا شكواي إلاّ إلى اللّه، فكدكيدك واسع سعيك وناصب جهدك فواللّه ما يرحض عنك عار ما أتيت إلينا أبداً، والحمد للّه الذي ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة، أسأل اللّه أن يرفع لهم الدرجات وأن يوجب لهم المزيد من فضله فانّه ولي قدير.(1)

إنّ رد الفعل لهذه الكلمات الصادرة من قلب مفجوع مفعم بالتقوى والإيمان واضح للجميع حتى لو كان الرجل أقسى الرجال، فإنّه عندما يواجه


1-بلاغات النساء، ص 12ـ 23.


(184)

الإيمان والتقوى يلمس عجزه وقوة الخصم وتراه أعجز من أن يتخذ قراراً ولو للحظات.

ساد القصر صمت قاتل، ولمّا شاهد يزيد اشمئزاز الحاضرين وتقزّزهم قال: قتل اللّه ابن مرجانة لم أكن أرضى بقتل الحسين.(1)

حرب الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ الإعلامية

ولأجل التحرر من الذلة والعبودية واستعادة العزة والحرية وإعداد الأرضية لثورة جذرية كبيرة وعلى نطاق واسع ضد الظلم والاضطهاد والانحراف، لم يعد هناك غير بث الوعي بين الناس وتوعيتهم.

إذن فلابدّمن توعية الجماهير وإرشادها وتعليمها لتشعر بالمسؤولية ثمّ تأخذ الثورة بالحدوث بشكل ذاتي.

وهذا هو قسم من مخطط الإمام الحسين و قد نفذه هو وأصحابه من خلال شهادتهم في المرحلة الأُولى، ووقع تنفيذ المرحلة الثانية ـ وهي إيصال رسالة ثورة كربلاء وبث مبادئها ـ على عاتق الإمام زين العابدين و زينب الكبرى عليمها السَّلام .

وقد كان هذا النوع من الكفاح هو السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله القضاء على الإعلام المضلّل والتحريف الذي دام أكثر من ثلاثين عاماً، وبه يتم القيام بثورة جذرية على الأمويين وجعل قصر يزيد متزلزلاً إلى الأبد.

بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب التي اقترنت بمظلومية أهل البيت وانطلقت من عصر عاشوراء واستمرت بخطبة زينب بنت أمير المؤمنين في سوق


1-ثورة الحسين ، جعفر الشهيدي، ص 187ـ 189، مع اختلاف يسير في العبارة.


(185)

الكوفة و بكلام زين العابدين الوجيز البسيط والمؤثر والمثير في الوقت ذاته في تلك المدينة أيضاً:

أشار الإمام إلى الجموع التي جاءت لمشاهدة الأسرى أن يسكتوا، فسكتوا، ثمّ قال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه:

«أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفي فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات بغير ذحل ولا تراث، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه وانتهب ماله وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً و كفى بذلك فخراً.

أيّها الناس ناشدتكم اللّه هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه؟ فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم وسوءاً لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول اللّه إذ يقول لكم قتلتم عترتي وهتكتم حرمتي فلستم من أُمّتي».

أثارت هذه الكلمات القصيرة اللاذعة ضجة وصخباً في تلك الأجواء المفعمة بالرعب والارهاب بلغ تأثيرها في أعماق نفس الكوفيين حداً جعل الأصوات والنياحة ترتفع من كلّ ناحية فجأة، والناس يقولون لبعضهم: هلكتم وما تعلمون .

فقال السجاد ـ عليه السَّلام ـ : «رحم اللّه امرءاً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في اللّه وفي رسوله وأهل بيته، فإنّ لنا في رسول اللّه اسوة حسنة».

فقالوا بأجمعهم: نحن كلّنا يابن رسول اللّه سامعون مطيعون حافظون لذمامك غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فأمرنا بأمرك يرحمك اللّه فانّا حرب


(186)

لحربك وسلم لسلمك، ولنأخذن يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا.

فقال ـ عليه السَّلام ـ :«هيهات هيهات: أيّها الغدرة المكرة، حيل بينكم و بين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي، كلاّ وربّ الراقصات فانّ الجرح لما يندمل، قتل أبي صلوات اللّه عليه بالأمس وأهل بيته معه و لم ينسني ثكل رسول اللّه وثكل أبي و بني أبي، ووجده بين لهاتي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا».(1)

حوار السجاد ـ عليه السَّلام ـ مع ابن زياد

وكما أشرنا مسبقاً كان الحكم الأموي يستفيد من عقيدة الجبر ويستغلها وينسب أعماله وجرائمه إلى اللّه وإرادته، ومن خلالها يخدّر الرأي العام، ولأنّ الإمام السجاد وزينب كانا على معرفة بهذا المخطط الإعلامي للأعداء مضيا قدماً في محاربته والمصداق البارز لهذه الحرب هو الحوار الذي دار بين الإمام السجاد وابن زياد في الكوفة، فبعد أن أدخل الأسرى من أهل البيت في قصره بمرأى الجميع وبعد ان دار حوار ساخن بين زينب وبينه التفت إلى علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ و قال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين، فقال: أليس قد قتل اللّه علي بن الحسين؟ فقال له الإمام: «قد كان لي أخ يسمّى علي بن الحسين قتله الناس» فقال: بل قتله


1-اللهوف، ص 66، زندگانى على بن الحسين، شهيدي، ص 56; امام چهارم، علي الحسني، ص 38ـ 40، ويحتمل انّه ـ عليه السَّلام ـ خطب هذه الخطبة بعد عودتهم من الشام في الكوفة، لأنّ الخطبة طويلة ،وحينما نقلوا إلى الشام لم تكن حرية الكلام ولا الوقت اللازم هذا، ويقول الطبرسي في بداية هذه الخطبة: احتجاج علي بن الحسين عليمها السَّلام على أهل الكوفة حين خرج من الفسطاط وتوبيخه إياهم على غدرهم ونكثهم ، الاحتجاج:2/166، و نحن نعلم أنّه لم يكن هناك وجود للفسطاط حينما أخذوا إلى الشام.


(187)

اللّه، فقال ـ عليه السَّلام ـ : (اللّهُ يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها)(1)

فقال ابن زياد: وبك جرأة على جوابي فاذهبوا به فاضربوا عنقه، فسمعت به عمته زينب حافظة وديعة الإمامة فقالت: يا ابن زياد انّك لم تبق منّا أحداً، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني.

فقال السجاد ـ عليه السَّلام ـ لعمته : «اسكتي يا عمتي حتى أُكلمه» ثم أقبل إليه فقال:«أبالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت انّ القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة».(2)

خطبة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ في الشام

وكما أشرنا مسبقاً كان للبقية الباقية من أهل بيت الإمام الحسين دور كبير في الكشف عن حقيقة سلطة يزيد الخبيثة وإيصال رسالة الثورة الحسينية وبث مبادئها من خلال رحلتهم إلى الشام. فقد أدّوا واجبهم المقدّس وجاهدوا ـ و بزي الأسر ـ بنفس ذلك الجهاد الذي جاهد به الحسين بزي الدم والشهادة، و كان وقوفهم في الشام قد منحهم فرصة مناسبة لتوعية الشاميين الذين لم يكن لديهم أية معرفة صحيحة وسليمة عن الإسلام وأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ جرّاء الإعلام المضلّل الذي مارسه معاوية طيلة الأربعين عاماً من حكمه. لذلك حاول آل الحسين أن يستغلوا أي فرصة ممكنة لهذا الغرض.

انّ لخطبة الإمام السجاد التي خطبها في أحد أيّام وقوفه في الشام دوراً كبيراً حاسماً، وقد فضحت يزيد وسلطته للداني والبعيد، وكتب المرحوم العلاّمة المجلسي


1-الزمر:42.
2-اللهوف على قتلى الطفوف، ص 68.


(188)

نقلاً عن صاحب المناقب وغيره:

وروي انّ يزيد دعا الخاطب وأمره أن يصعد المنبر ويذم الحسين وأباه ـ عليه السَّلام ـ ، فصعد وبالغ في سبّ أمير المؤمنين والحسين عليمها السَّلام والمدح لمعاويةويزيد فصاح به الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ : «ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوّأ مقعدك من النار». ثمّ قال: «أتأذن لي يا يزيد أن أصعد المنبر فأتكلم بكلمات فيهن للّه رضا ولهؤلاء الجلساء أجر» فأبى يزيد، فقال الناس، يا أمير المؤمنين إئذن فليصعد فلعلنا نسمع منه شيئاً، فقال: إنّه إن صعد لم ينزل إلاّبفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

فقيل له: وما قد يحسن هذا؟ فقال: إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّاً، فلم يزالوا به حتى اذن له، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ خطب خطبة أبكى بها العيون وأوجل منها القلوب.

ثمّ قال:

«أيّها الناس أُعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا: العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين.

وفضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومنّا الصديق، ومنّا الطيّار ومنّا أسد اللّه وأسد رسول اللّه، ومنّا خيرة نساء العالمين، ومنّا سبطا هذه الأُمّة الحسن والحسين(1).

أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف


1-نقل بعض المؤرخين خطبة السجاد مع عبارة «فضلنا بسبع» دون ذكر الفضيلة السابعة، وذكر بعض آخر على أنّها «منّا البتول» و آخر «منّا المهدي».


(189)

الرداء(1)، أنا ابن خير من أتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن من حجّولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى اللّه الجليل إليه ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لاإله إلاّاللّه.

أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه بسيفين(2)، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين(3)، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر باللّه طرفة عين.

أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين وقامع الملحدين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وزين العابدين وتاج البكّائين وأمير الصابرين وأفضل العالمين وأفضل القائمين من آل طه وياسين.


1-يشير بذلك إلى وضع الحجر الأسود في الرداء ورفعه به باقتراح النبي الكريم وهو في 35 من العمر لحل النزاع بين القبائل آنذاك.
2-قد تكون إشارة إلى كسر سيف علي في معركة أُحد ومنحه سيف ذا الفقار من قبل اللّه تعالى، وقد تكون إشارة إلى وقعة كان الإمام يحارب فيها بسيفين وذلك بقرينة الرمحين.
3-يوجد هناك أربعة احتمالات حول هجرة علي ـ عليه السَّلام ـ مرتين وهي:
الف: هجرته من مكة إلى المدينة في بداية الدعوة، ثمّ هجرته من المدينة إلى اليمن لإرشاد الناس أواخر حياة النبي.
ب: هجرته من مكة إلى المدينة ثم منها إلى الكوفة بعد رحيل النبي وأثناء خلافته.
ج: هجرته ـ عليه السَّلام ـ من مكة إلى شعب أبي طالب، وقد استغرقت ثلاثة أعوام، ثمّ هجرته من مكة إلى المدينة. امام چهارم ، الحسني، ص 66.


(190)

أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل.

أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، و قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفضل من مشى من قريش أجمعين، وأوّل من استجاب للّه ولرسوله من المؤمنين، وأوّل السابقين وقاصم المعتدين ومبيد المشركين، وسهم مرامي اللّه على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين اللّه وولي أمر اللّه وبستان حكمة اللّه وعيبة علمه.

ثمّ قال: أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء...».

فلم يزل الإمام يعرّف نفسه ويقدّمها، ويعرف في الواقع أصل الإمامة والرسالة حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب والأنين وخاف يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن ، فقال: اللّه أكبر اللّه أكبر.

فقال الإمام:« اللّه أكبر من كلّ شيء، فلما قال: أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه التفت الإمام إلى يزيد وقال: محمّد هذا جدي أم جدّك يا يزيد؟ فإن زعمت انّه جدّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت انّه جدي فلِمَ قتلت عترته؟». (1)

وكتب عماد الدين الطبري من علماء القرن السابع الهجري في كتاب كامل بهائي عند نهاية خطبة السجاد: ...قال الإمام السجاد: «يا يزيد هذا الرسول العزيز الكريم جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت انّه جدّك فقد كذبت ويعلم الناس ذلك، وإن زعمت انّه جدّي فلم قتلت أبي بلا ذنب ونهبت ماله وأسرت نساءه» .

قال الإمام ذلك وضرب بيده وشق ثيابه وراح يبكي وقال: «واللّه لو كان على


1-البحار، ج45، ص 137.


(191)

الأرض أحد جدّه رسول اللّه غيري فلم قتل هذا الرجل أبي ظلماً وأسرونا كما يأسر أهل الروم؟».

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «فعلت فعلتك هذه يا يزيد وتقول محمّد رسول اللّه وتستقبل القبلة؟! ويلك خصمك جدّي وأبي يوم القيامة».

وفي هذه الأثناء أمر يزيد اللعين المؤذن أن أذن، فسمعت ضجة وصخب عظيم بين الناس وتفرقوا، منهم من صلّى ومنهم من لم يصلّ.(1)

نتائج وآثار ثورة عاشوراء

تركت ثورة الحسين ـ عليه السَّلام ـ آثاراً كبيرة في المجتمع الإسلامي نشير إلى بعض منها على سبيل المثال بالصورة التالية:

الف: فضح السلطة الحاكمة

ولأنّ السلطة الأموية تسبغ على نفسها صفة الشرعية والدينية وتحكم المجتمع الإسلامي باسم الدين وخلافة رسول اللّه، وتعمد إلى تقوية مكانتها الدينية بين الناس من خلال أساليب عديدة، كوضع الحديث، وتسخير الشعراء والمحدّثين، وتأسيس الفرق الجبرية و... لذلك أنزلت ثورة الإمام الحسين واستشهاده ضربة قاصمة على جسمها وفضحتها، لا سيما انّ جيش يزيد وجلاوزته قد قاموا بإعمال غير إنسانية تنافي المروءة، مثل قطع الماء ومنعه على الإمام وأصحابه وأهل بيته، وقتل الأطفال، وأسر النساء وأولاد بيت النبوة، وغير ذلك التي ساعدت في فضحها وفضيحتها أكثر ممّا كرّهت يزيد بشكل كبير لدى


1-كامل بهائي، ص 301.


(192)

الجماهير، وخلقت منه شخصية بشعة في أعينهم حتى قال «مجاهد» و هو ممّن عاصر تلك الفترة:واللّه أخذ الناس جميعاً يلعنون يزيد ويسبّونه ويعيبون عليه ويعرضون عنه.(1)

وراح يزيد الذي كان مسروراً للغاية بانتصاره ولم تسعه الأرض فرحاً وغروراً بالنصر يتخبط مبهوتاً أمام شجب واستنكار الرأي العام، فحاول أن يلقي مسؤولية قتل الحسين على عاتق عبيد اللّه بن زياد.

وقال المؤرخون: إنّه استدعى ابن زياد وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه.(2)

وحينما بلغ استنكار الرأي العام ذروته، قام يزيد باستدارة سريعة يبّرئ نفسه من دم الإمام ويلقي اللوم على ابن زياد.

فقد كتب ابن الأثير: ولما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسرّه ما فعل، ثمّ لم يلبث إلاّيسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم، فندم على قتل الحسين، فكان يقول: و ما عليّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني حفظاً لرسول اللّه ورعاية لحقه وقرابته، لعن اللّه ابن مرجانة، فانّه اضطره وانّه سأله أن يضع يده(3)في يدي أو يلحق بثغر حتى يتوفّاه اللّه، فلم يجبه إلى ذلك فقتله، فبغّضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البرّ


1-تذكرة الخواص، سبط بن الجوزي، ص 262.
2-نفس المصدر ، ص 290.
3-ومن المؤكد انّ هذه العبارة من إضافات يزيد أو مؤرّخي البلاط، لأنّ الإمام الحسين لم يقل أبداً انّه مستعد لمبايعة يزيد ووضع يده في يده، ذلك انّ ثورة عاشوراء من بدايتها إلى نهايتها كانت رفضاً لبيعة يزيد من الأساس.


(193)

والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين، مالي ولابن مرجانة لعنه اللّه وغضب عليه.(1)

ومع أنّ يزيد عامل النساء والأطفال من أهل البيت بقساوة غروراً وحقداً، وأمر بوضعهم في دار خربة في البداية، تراه و بعد مدة قصيرة وتحت تأثير الرأي العام وشجبه يعاملهم معاملة حسنة ويغيّر مكان إقامتهم، و يقول لهم: إن كنتم راغبين أرسلكم إلى المدينة.

كتب عماد الدين الطبري حول ذلك: أرسلت زينب شخصاً ليستأذن من يزيد لإقامة العزاء على الحسين، فإذن لهم: و قال: يجب أن يأخذوا إلى دار الحجارة كي ينحن ويبكين هناك، وجعلن يبكين سبعة أيام، فكان يجتمع عندهن كثير من الناس ممّا لا يمكن إحصاؤه وهم الناس بالهجوم على قصر يزيد و قتله، فجاء مروان (2)و قد علم بهذا الأمر إلى يزيد و قال له: ليس يصلح لسلطانك بقاء أولاد ونساء الحسين وأهل بيته هنا، فيحسن بك أن تردهم إلى المدينة، اللّه اللّه ليطيعن سلطانك، فدعا يزيد الإمام زين العابدين وأجلسه بجانبه وأكرمه وقال:


1-الكامل في التاريخ:4/87، و قد نقل ذلك الطبري في تاريخه:6/266، والسبط ابن الجوزي ص 261ـ 265 بإيجاز ، وقد كان ابن زياد أيضاً قلقاً من عواقب الجريمة التي ارتكبها، ويشهد لذلك الحوار الذي دار بينه و بين عمر بن سعد.
وقد نقله كلّ من الطبري و أبي مخنف بالصورة التالية : ثمّ إنّ ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عودته من قتل الحسين: يا عمر ايتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين. قال عمر: مضيت لأمرك وضاع الكتاب قال ابن زياد: لتجئني به قال: ضاع قال: واللّه لتجئني به قال: ترك واللّه يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذاراً إليهن، أما واللّه لقد نصحتك نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت أدّيت حقّه، فقال عثمان بن زياد أخو عبيد اللّه: صدق واللّه لوددت انّه ليس من بني زياد رجل إلاّوفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وانّ الحسين لم يقتل. وقال الراوي ـوكان قد شهد الحوارـ واللّه ما أنكر ابن زياد ذلك. تاريخ الطبري:6/268.
2-كان مروان بالمدينة بعد موت معاوية إلاّإذا قلنا انّه جاء إلى الشام خلال هذه الفترة.


(194)

لعن اللّه ابن مرجانة واللّه لو انّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها، ولكن اللّه قضى ما رأيت، فكاتبني من المدينة وانه إلي كل حاجة وتقدم بكسوته وكسوة أهله، ولكن قيل انّ أهل البيت لم يقبلوا ذلك.(1)

هذا ولم يدم عمر يزيد أكثر من أربع سنوات بعد مأساة كربلاء، غير انّه ترك هذا العار والفضيحة إرثاً لبني أمية يلاحقهم ممّا دفع بالخلفاء الأمويين فيما بعد ممن كان له أدنى عقل ودراية أن يحترز من التورط في تكرار أعمال يزيد كما كتب اليعقوبي مؤرخ الإسلام الشهير:

كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج الذي كان عامله على الحجاز: فحسبي دماء بني عبد المطلب، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا ولغوا فيها لم يلبثوا بعدها إلاّ قليلاً.(2)

ب: إحياء سنّة الشهادة

حينما جاء نبي الإسلام بدين جديد يقوم على الإيمان باللّه، أحيا في الواقع سنّة الشهادة وأُسسها، وقد كانت الشهادة والرغبة فيها في سبيل اللّه ولأجل انتصار الحقّ السبب الأوّل والرئيس في كثير من انتصارات المسلمين الكبيرة، ولكن بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونتيجة لانحراف الحكم الإسلامي عن طريقه الحقيقي وجرّاء كثرة الفتوحات وازدياد الغنائم وتراكمها في مركز الخلافة وأسباب أُخرى ،فقد المسلمون روحهم الجهادية واعتادوا على الدعة و العافية حتى راح الناس يطيعون ـ خوفاً من ضياع حياة الدعة والراحة والتورّط في النزاعات


1-كامل بهائي، عماد الدين الطبري، 302.
2-تاريخ اليعقوبي: 3/49، ضمن أحداث عهد حكم عمر بن عبد العزيز، وقد نقلنا هذا النصّ مسبقاً في هذا الكتاب.


(195)

الاجتماعية ـ كلّ من أمسك بمقاليد الحكم طاعة عمياء وبكلّ بساطة، وهكذااستغلّ الحكام الطغاة نفسيتهم وروحهم هذه وحكموا باسم الإسلام، وكان كلّما طال عمر الحكم الأموي كانت تتردّى وتسيء أكثر، حتى بلغت في نهايات عهد معاوية وبداية عهد يزيد ذروتها في التردّي، وكان رؤساء القبائل ورجال الدين في تلك الفترة عبيداً لزخارف الدنيا والسلطة يتاجرون بكرامتهم وضمائرهم ويلهثون وراء الأموال لهثاً، وعلى الرغم من أنّهم ـ رجال الدين والسياسة ـ كانوا على علم بنسب عبيد اللّه بن زياد الوضيع بصورة تامة تراهم يطأطأون رؤوسهم أمامه تعظيماً، ولم يكونوا طوع إرادة يزيد وابن زياد فقط، بل كانوا يبالغون حتى في طاعة جلاوزتهما ومن يخدمهما، وذلك طمعاً بما في أيديهم من الأموال والسلطة ومالهم من المكانة والوساطة لدى ذينك الطاغيتين.

وهناك مجموعة أُخرى لا تقلّ وضاعة عن الصنف الأوّل، وهي المجموعة المتمثّلة بالزهّاد والمتدينين المرائين المخادعين الذين كانوا يتظاهرون بالزهد والإيمان حتى يحصلوا من خلال ظاهرهم الخادع على اللقمة الدسمة، وهؤلاء ما أن يلفتون انتباه الطغاة إليهم تجدهم يصبحون أبواقاً من أبواق السلطة و ينضوون تحت لوائها.

فقد كان الناس في تلك الفترة يعرفون هذه الأصناف جيداً، وقد اعتادوا على سلوكهم الوضيع حتى أصبح أمراً طبيعياً وعادياً لهم، ولم يثر فيهم أية مبادرة شجب واستنكار.

وكانت طبيعة الحياة آنذاك بالنسبة إلى الناس العاديين بنحو جعلتهم يركزون اهتمامهم على ضمان سد احتياجاتهم الشخصية فقط، وكان الواحد منهم يعمل لحياته الخاصة ويكدح لتحقيق أهدافه وطموحاته الشخصية، ولا يفكر بشيء سوى الحصول على ما يشبع رغباته هو، ولذلك لم يكن المجتمع ولا مشاكله


(196)

الكبيرة موضع اهتمام الإنسان على الإطلاق، والشيء الوحيد الذي يعير له هذا الصنف أهمية كبيرة ويواظب عليه هو أن لا ينقطع عنهم العطاء والراتب الذي يتقاضونه، ولحرصهم على ذلك راحوا ينفذون أوامر أسيادهم بالحرف الواحد ويلتزمون الصمت أمام مشهد من مشاهد الظلم والفساد والانحراف يشاهدونه ولا ينطقون ببنت شفة.

غيّـرت ثورة الإمام الحسين هذه الوضعية وقلبتها وأحيت سنّة الشهادة في المجتمع الإسلامي، وقد كشف الحسين بثورته هذه القناع عن حياة المسلمين الملوثة والوضيعة وفتح أمامهم طريقاً جديداً فيه كلّ العناء والحرمان سوى الذلّة والخنوع والخضوع، ولأجل أن يتضح مدى تأثير ثورة الإمام في بعث الروح الثورية والاستشهادية في الأُمّة الإسلامية في ذلك العصر، يجب أن نلتفت إلى أنّ ذلك المجتمع قد قضى وعاش فترة عشرين عاماً من الصمت والخنوع قبل ثورة عاشوراء، ومع أنّ موجبات الثورة كانت متوفرة خلال هذه الفترة الطويلة نسبياً لم تحدث أية انتفاضة اجتماعية ولو محدودة، باستثناء الاحتجاجات التي كانت تنبعث من هنا وهناك بشكل مؤقت من قبيل اعتراضات حجر بن عدي الكندي.

وفي تحرك أهل الكوفة الذي انتهى إلى مجيء مسلم بن عقيل نجد انّه كيف انفضوا من حوله، وهو مبعوث سيد الشهداء الباسل، وتخلّوا عنه بمجرد سماع تهديد كاذب بزحف جيش الشام نحوهم.

أيقظت مأساة كربلاء الضمير الديني في المجتمع، وأحدثت تغييراً روحياً امتد تأثيره إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي، وكان هذا كاف لدفع الناس للدفاع عن شخصيتهم وكرامتهم ودينهم، ولإيقاد روح النضال والجهاد التي أُخمدت جذوتها في المجتمع مرّة أُخرى، وبعث الحياة من جديد في القلوب الميتة والأجسام


(197)

المتثاقلة لتحريكها وتنشيطها.

هذا وقد كان من آثار هذا التأثير ثورة واحتجاج عبد اللّه بن عفيف الأزْدي في الكوفة، وذلك حينما بدأ ابن زياد خطبته الأُولى بسبّ الإمام الحسين بعد المعركة لإعلان انتصاره ممّا جعله يواجه غضب واستنكار ابن عفيف واحتجاجه الذي كان رجلاً أعمى(1)، فأمر ابن زياد باعتقاله فحمله أبناء عشيرته إلى داره، فأرسل ابن زياد جماعة من جلاوزته لاعتقاله، فواجههم عبد اللّه بن عفيف ببسالة وصمد أمامهم، غير انّه اعتقل واستشهد في النهاية.(2)

ج: الثورة والانتفاضة في الأُمّة الإسلامية

فجّرت ثورة الإمام الحسين العظيمة الكثير من الثورات والانتفاضات في المجتمع الإسلامي، نشير إلى بعض منها على سبيل المثال:

1. ثورة التوابين

كانت ثورة التوابين أوّل رد فعل مباشر لاستشهاد الإمام الحسين في الكوفة، فبعد ان استشهد الإمام ـ عليه السَّلام ـ وعاد ابن زياد من معسكره في النخيلة إلى الكوفة أخذ الشيعة الذين حرموا من الفرصة الذهبية للقتال مع الإمام في ملحمة عاشوراء يندمون كثيراً، وراحوا يلومون أنفسهم، وانتبهوا لتوهّم إلى الخطأ الكبير الذي ارتكبوه، لأنّهم هم الذين دعوا الحسين ثم تخلّوا عن نصرته وجاء إلى العراق


1-كان عبد اللّه بن عفيف من أصحاب علي ـ عليه السَّلام ـ ، وفقد إحدى عينيه في حرب الجمل والأُخرى في صفين.
2-تاريخ الطبري:6/263; مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ :207; اللهوف على قتلى الطفوف:69.


(198)

تلبية لطلبهم واستشهد على مقربة منهم فلم يحركوا ساكناً، وشعرت هذه الجماعة بأنّ عار هذه الخطيئة التي ارتكبوها سوف لن يذهب عنهم إلاّ إذا انتقموا لدم الحسين من قاتليه أو استشهدوا في سبيل ذلك.

وبسبب هذا الشعور راح الشيعيون يراجعون خمسة من رؤسائهم وشيوخهم في الكوفة; أمثال سليمان بن صُـرَد الخزاعي، مسيب بن نَجَبَة الفزاري، عبد اللّه بن سعد بن نُفَيْل الأزدي، وعبد اللّه بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البَجَلي، ويجتمعون بهم في دار سليمان.

وأوّل من فتح الحديث هو المسيب بن نجبة وقال بعد مقدمة: ...وقد كنّا مغرمين بتزكية أنفسنا فوجدنا اللّه كاذبين في كلّ موطن من مواطن ابن بنت نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله واعذر إلينا، فسألنا نصره عوداً وبدءاً وعلانية، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قوّيناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربّنا وعند لقاء نبيّنا وقد قتل فينا ولد حبيبه وذريّته ونسله؟! لا واللّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنّا عند ذلك.

وبعد عدة خطب حماسية أُخرى، قام سليمان بن صرد الخزاعي الذي انتخب قائداً للمجموعة فخطب قائلاً: إنّا كنّا نمد أعناقنا إلى قدوم آل بيت نبينا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ونمنّيهم النصر ونحثّهم على القدوم، فلمّـا قدموا ونينا وعجزنا وادهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد نبينا... ألا انهضوا فقد سخط عليكم ربّكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى اللّه، واللّه ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله، ألا لا تهابوا الموت، فما هابه أحد قط إلاّذلّ، وكونوا كبني إسرائيل إذ قال لهم نبيّهم


(199)

(إِنّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم).(1)

وبعد هذا الاجتماع أطلع سليمان بن صرد سعد بن حذيفة بن اليمان والشيعة الآخرين في المدائن على واقع الأمر، واستنصرهم، فلبّوا دعوته.

وكتب سليمان إلى المثنى بن مخرمة العبدي والشيعة في البصرة فأجابوه إلى ذلك.

دوافع التوّابين

كان التوابون يعتقدون بأنّ الحكم الأموي هو المسؤول في الدرجة الأُولى عن قتل الحسين لا الافراد، ولهذا انطلقوا نحو الشام بدافع الانتقام والثأر وقالوا فننطلق بعد الانتقام من بني أُميّة إلى طواغيت الكوفة ومجرميها.

وكما هو ملحوظ فإنّ دافع هذه الحركة هو الشعور بالندم من الذنب والرغبة في تلافي الخطيئة التي اقترفوها، ونلاحظ ذلك خلال كلامهم ورسائلهم وخطبهم حيث يلاحظ فيها الشعور العميق بالندم والرغبة الجامحة والملحة في غسل الخطيئة، ومن يمر عليها مروراً سريعاً يجد الأمر واضحاً جداً، وكان هذا هو الدافع الذي جعل التقييم الظاهري ان يعتبر ويقدم ثورة التوابين على أنّها ثورة انتحارية، كان التوابون يريدون الانتقام والثأر لدم لحسين وتدارك ما ارتكبوه من ذنب وخطيئة ليس غير.

وما كانت هذه الثلة تطلب فتحاً ونصراً وغنماً وحكماً، بل كان الانتقام هو هدفهم الأوّل والأخير، وكانوا حينما غادروا ديارهم على يقين من أنّهم سوف لن يعودوا إليها كانوا عطاشى الموت يتعطشون إليه في سبيل أهدافهم، بحيث نجد


1-البقرة:54.


(200)

عدوهم يقدّم لهم الأمان فيرفضونه، لأنّهم يعتبرونه خديعة لإفشال الثورة.

قوات التوّابين

لم يكن الشيعة وحدهم هم الذي التحقوا بثورة التوابين وناصروها، بل راح كلّ من يريد تغيير الواقع الفاسد والخروج من تحت نير الظلم الأموي واضطهاده من خلال حركة دامية يلتحق بها ويناصر أصحابها التوابين، وبالطبع لم ينضم إليهم وإلى ثورتهم الكثير بسبب انّ ثورتهم ثورة انتقامية استشهادية لم يفكر أصحابها بغير هدف الثأر أو الاستشهاد في سبيل ذلك.

كان عدد من بايع سليمان بن صرد وسجل في ديوانه ستة عشر ألفاً، فلم يأته منهم سوى خمسة آلاف (1)بينما كان عدد جيش الشام ثلاثين ألفاً، ومن المؤكد انّ سبب هذا الأمر واضح، لأنّ الشخصيات التي تتمتع بدرجة عالية من التضحية في سبيل العقيدة هي وحدها فقط تنجذب إلى العمليات الاستشهادية الانتحارية، وواضح أيضاً انّ هذا النوع من الشخصيات قليل في كلّ زمان.

عمليات التوّابين

بدأت حركة التوابين سنة إحدى وستين هجرية، فمازالوا منذ ذلك الحين يجمعون آلة الحرب ويدعون الناس في السر إلى الطلب بدم الحسين، فكان الناس من الشيعة وغيرهم يجيبونهم ويلتحقون بهم زرافات ووحداناً، ولم يزالوا على تلك الحال حتى مات يزيد، فأخذوا يبثّون دعاتهم إلى الناس في البلاد يدعونهم لمناصرتهم، وخلال هذه الفترة راحوا يتجهزون للقتال ويعدّون عدة الحرب علانية


1-وكان قد انطلق سبعون مقاتلاً من المدائن وثلاثمائة من البصرة للالتحاق بالتوابين، غير انّهم وصلوا إليهم وقد هزموا.


(201)

بلا توخي الحذر والحيطة إلى أن جاءت ليلة الجمعة الخامس من ربيع الثاني عام 65 هجرية واتّقدت جذوة الثورة، فانطلقوا تلك الليلة نحو تربة الإمام الحسين الطاهرة، فلمّا وصلوا إليها أطلقوا صيحة من الأعماق فقدوا فيها سيطرتهم على أنفسهم ومزجوها بهذه الكلمات:

اللّهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصدِّيق ابن الصدِّيق.

اللّهمّ إنّا نشهدك انّا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم وأولياء محبيهم.

اللّهم إنّا خذلنا ابن بنت نبينا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واغفر لنا ما مضى منّا وتب علينا وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وانّا نشهدك انّا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

وبعد انتهاء هذا المشهد المثير تركوا الضريح منطلقين نحو الشام، وواجهوا جيش الشاميين بقيادة عبيد اللّه بن زياد في أرض تسمى «عين الوردة» وهزموا بعد اقتتال شديد دام ثلاثة أيّام، واستشهد قادة الثورة سوى «رفاعة»، فعادت بقية القوات تحت قيادته إلى الكوفة وانضموا إلى حركة المختار وأنصاره الذين نشطوا هناك.(1)

وبالرغم من أنّ ثورة التوابين لم تكن ذات أهداف اجتماعية وقضي عليها بسرعة، لكنّها تركت تأثيراً كبيراً على أهالي الكوفة وهيّأت الرأي العام لمحاربة الحكم الأموي.


1-مقتل الحسين، لأبي مخنف، ص 248ـ 310; الكامل في التاريخ :4/158ـ 186.


(202)

2. ثورة المختار

ثار المختار بن أبي عبيد الثقفي عام ستة وستين هجرية في العراق ليطلب بثأر الحسين من قاتليه، وكان قد اعتقل من قبل ابن زياد حينما دخل مسلم بن عقيل الكوفة وناصره وتعاون معه وأُطلق سراحه بشفاعة عبد اللّه بن عمر، زوج أُخته لدى يزيد بعد واقعة عاشوراء، وكان عبد اللّه بن الزبير في تلك الفترة قد ادّعى خلافة المسلمين لنفسه في مكة فانطلق المختار نحوه وانضم إليه.

وحينما بلغ المختار سنة أربع وستين هجرية وبعد خمسة أشهر من وفاة يزيد انّ أهل العراق مستعدين للثورة على الأمويين وعدم رغبتهم في دولة عبد اللّه بن الزبير انطلق باتجاه الكوفة وبدأ تحركاته.(1)

سبب فشل ابن الزبير في العراق

ولأجل أن نعرف السبب في التفاف العراقيين حول ابن الزبير في البداية ثمّ تخلّيهم عنه وإجابتهم لدعوة المختار بعد ذلك يجب أن ننتبه إلى أنّ المجتمع العراقي آنذاك كان يطالب بأمرين:

1. الإصلاحات الاجتماعية وحماية الموالي، وهم المسلمون غير العرب الذين اضطهدوا وظلموا في عهد الحكم الأموي.

2. الثأر لبني هاشم من الأمويين.

فبايع أهل العراق ابن الزبير على أصل تحقيق هذين الأمرين لهم، لأنّه كما


1-الكامل في اللغة والأدب:2/112ـ 116; مقتل الخوارزمي:2/202. وقد كان التوابون في تلك الفترة منشغلين بتعبئة قواتهم و إعداد العدّة، ولكن المختار كان يقول:إنّ سليمان ليس له بصر بالحرب وسيمنى بالهزيمة.


(203)

كان عدواً للأمويين كان يتظاهر بالصلاح والزهد والرغبة عن الدنيا، غير انّه قد ثبت فعلاً انّ حكم ابن الزبير لا يختلف عن الحكم الأموي كثيراً.

صحيح انّه خلّص العراق من سيطرة الأمويين غير انّه أبقى على المجرمين والقتلة الخطيرين، أمثال الشمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج الذين كان لهم دور بارز في مأساة كربلاء و قتل الحسين، بل فعل أكثر من ذلك فقد قرّبهم إلى سلطته، كما أنّه لم يحقق أمنية العراقيين في تطبيق العدالة أيضاً، لأنّ الموالي كانوا على حالهم من الحرمان كما كانوا في عهد الحكم الأموي، وكانت السيطرة والإمكانيات محصورة في يد رؤساء القبائل وشيوخها، ولذلك تخلّى العراقيون عنه و التفوا حول المختار، إذ لم يحقّق ابن الزبير أهدافهم المنشودة.

ربط المختار دعوته بمحمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين وبدا انّه أرسل من قبله ممّا جعل الناس يطمأنّون إلى حركته، وجعل شعاره: يا لثارات الحسين، فبعث ذلك الأمل في العراقيين لتحقيق أهدافهم.

وقد دافع المختار عن الموالي بعد استلامه السلطة، و خطا خطوات في ضمان حقوقهم الاجتماعية، فأثار ذلك وجهاء ورؤساء القبائل العربية ضدّه، فأخذوا يشكّلون الاجتماعات ويخطّطون للنيل منه واستعدوا وبمساندة قوات عبد اللّه بن الزبير لمحاربته، وقد كان قتلة الحسين في مقدمة هؤلاء، وكفى هذا الأمر وحده في جعل الثوريين أكثر صموداً ومضياً في الوصول إلى النصر.

فاقتفى المختار أثر قتلة الإمام الحسين بإمعان، وقضى عليهم وقتلهم شر قتلة، حتى قتل منهم مائتين وثمانين شخصاً في يوم واحد، وهدم دور بعض قادتهم المجرمين الذين لاذوا بالفرار، وكان من بينها دار محمد بن الأشعث فقد هدمها و بنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الشهيد الكندي وصاحب علي


(204)

المخلص الذي هدم داره زياد بن أبيه.(1)

سقوط الحكم الأموي

إنّما بحثنا بحثاً إجمالياً حول ثورة التوابين والمختار، لأجل انّ هاتين الثورتين التاريخيتين قد حدثتا بعد فترة قليلة من استشهاد الإمام الحسين، وإلاّفهناك العديد من الثورات التي انبعثت مستلهمة من ثورة الإمام ولا تنحصر فيما ذكر، فقد حدثت عدة ثورات في السنوات التالية كانت أكبرها ثورة العباسيين التي نجحت عام 132هـ وقضت على الحكم الأموي، و قد كان أحد الأسباب لانتصار العباسيين في ثورتهم هذه هو التعريف والتشهير بظلم الأمويين لبني هاشم و مظلوميتهم، وكان للتذكير بمأساة استشهاد الإمام الحسين التأثير الأعظم في استثارة غضب الناس على الحكم الأموي.

وراح أحد الكتاب المعاصرين من مصر، يقول:

أنّني أرى ـ وهذا رأي خاص ـ انّ الحسين انتصر على المدى البعيد، فهو وإن لم يظفر بمراده في معركة حربية ومواجهة عسكرية إلاّ أنّ نيله الشهادة في ذاته كان انتصاراً للّه. ثمّ إنّه زرع بذور الحيلة والحقد والسخيمة في قلوب الناس جميعاً نحو بني أُميّة، ولا يخامرني شكّ في انّ الحسين انتصر على المدى البعيد، وكان استشهاده سبباً مباشراً في زلزلة عرش دولة الأمويين، مع انصباب جام اللعنات والسخطات عليهم من جراء هذه الجريمة البشعة.(2)


1-الكامل في التاريخ:4/211 ـ 244.
2-مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ (مقتبس من تاريخ الطبري); آراء ونظريات ابن تيمية حول مرقد رأس الحسين الواقع في مدينة القاهرة، والمقدمة للدكتور السيد الجميلي، 23.


(205)

وثمة سند تاريخي آخر في هذا الصدد يدلّ على أنّ استشهاد الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ قد ألحق عاراً أبدياً بقتلة الحسين ـ عليه السَّلام ـ وأعقابهم على المدى البعيد، مازال شاخصاً في صفحات التاريخ دون أن يمحى على الرغم من مرور عقود طويلة من الزمن.وهذا السند يشير إلى جانب من جوانب سيرة القاضي شريك بن عبد اللّه حفيد سنان بن أنس(1)أحد القتلة الأوغاد الذين شاركوا في مأساة كربلاء.

فقد كتب الخطيب البغدادي بعد أن تناول سيرته يقول:

قدم شريك [بن عبد اللّه القاضي] البصرة، فأبى أن يحدثهم، فاتّبعوه حين خرج، وجعلوا يرجمونه بالحجارة في السفينة، ويقولون: يابن قاتل الحسين.(2)

وعلى أية حال، فبعد الإشارة إلى هذين السندين تتضح أهمية القضية التالية:

أوّلاً: انّ البصرة بعد مقتل عثمان وحرب الجمل أضحت معقلاً للعثمانية التي كانت تحمل حقداً وضغناً لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وتكنّ ولاءً لنبي أُميّة.

ثانياً: الحقبة الطويلة التي كانت تفصل بين استشهاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ وسفر القاضي(95ـ177) إلى البصرة.(3)

وقد كتب المؤرّخون: ولمّا أتى أبو العباس ـ أوّل خليفة عباسي ـ برأس مروان سجد فأطال ثمّ رفع رأسه و قال ـ مخاطباً الرأس ـ :


1-ميزان الاعتدال:2/270; معجم رجال الحديث:10/27.
2-تاريخ بغداد:9/293.
3-ميزان الاعتدال:2/273ـ274.


(206)

الحمد للّه الذي لم يبق ثارنا قبلك وقبل رهطك، الحمد للّه الذي أظفرنا بك وأظهرنا عليك، ما أبالي متى طرقني الموت وقد قتلت بالحسين ألفين من بني أُمية...(1)

وحينما ألقى بجثث زعماء بني أمية بين يديه (أبو العباس السفاح)، و لم يزل بها رمق دعا بالغذاء وأمر ببساط فبسط عليهم، وجلس فوقهم يأكل وهم يضطربون تحته، فلمّـا فرغ قال: ما أعلم أنّي أكلت أكلة قط كانت أطيب ولا أهنأ في نفسي من هذه ثمّ قال: جرّوهم بأرجلهم وألقوهم في الطريق ليلعنهم الناس أمواتاً كما لعنوهم أحياءً.

ولم تمض فترة طويلة حتى رأى الناس الكلاب تجرهم بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشي.(2)


1-شرح نهج البلاغة:7/130، و قد نقل المسعودي ذلك أيضاً في مروج الذهب:3/257، ولكنّه ذكر مائتين بدل الألفين.
2-شرح النهج :7/139، ابن أبي الحديد.


(207)

الإمام علي بن الحسين

زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ

* حامل لواء ثورة كربلاء في عصر الإرهاب.

* لماذا لم يثر الإمام؟

* جهاد الإمام على أكثر من صعيد.

* الصحيفة السجادية كنز من العلوم والمعارف.

* ملاذ المساكين.

* المركز التربوي.


(208)

(209)

نبذة مختصرة عن حياة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

هو ابن الحسين بن علي ثالث أئمّة الشيعة في العالم، وأُمّه شهربانويه. (1)

وأشهر ألقابه: زين العابدين، والسجاد.

ولد الإمام السجاد سنة ثمانية وثلاثين للهجرة(2)، و قضى طفولته في المدينة، وأدرك سنتين من خلافة جدّه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وعاصر بعدها فترة عشرة أعوام من إمامة عمّه الحسن المجبتى التي تولى الخلافة الإسلامية لستة أشهر منها فقط، وبعد استشهاد عمّه سنة 50هـ عاش إلى جانب أبيه مدّة عشر سنوات من إمامته وهو يجاهد معاوية الذي كان في قمة قوته.


1-أُصول الكافي:1/467; الارشاد، ص 253; اعلام الورى، ص 256; تاريخ قم، حسن القمي، ص 196; كشف الغمة:2/286، وقد اختلف المؤرخون كثيراً حول اسم أُمّ الإمام الرابع وذكروا لها مضافاً إلى شهربانويه اثني عشر اسماً مثل: شاه زنان ، جهان شاه، شهرناز، جهان بانويه، خوله، سلافة و... وللمزيد يراجع: زندگانى على بن الحسين، الدكتور جعفر الشهيدي، ص 27ـ 29، و كتاب رى باستان، الدكتور حسين كريمان:1/403ـ 416، و قد ذكر بمناسبة البحث حول مقبرة بي بي شهربانو التي اشتهرت بين العامة على أنّها مدفن شهربانويه زوجة الإمام الحسين، عدة آراء حول اسمها ورفض انتساب هذه المقبرة إليها.
2-الإرشاد، ص 253; تاج المواليد، الطبرسي، ضمن المجموعة النفيسة، ص 112; مسار الشيعة، المفيد ضمن تلك المجموعة أيضاً، ص 67; دلائل الإمامة، الطبري، ص 80; أُصول الكافي:1/466; تذكرة الخواص، ص 324; إثبات الوصية، ص 167; روضة الواعظين، ص 226; اعلام الورى، ص 256; تاريخ الأئمّة، البغدادي، ص9، و قد قال بعض المؤرّخين: إنّ ولادته كانت عام 36 أو 37.


(210)

وحضر عام 61هـ أحداث ثورة أبيه الحسين واستشهاده في كربلاء.

تولى الإمامة بعد تلك النكبة وأُخذ أسيراً مع أسرى المخيم الحسيني إلى الكوفة والشام.

وقد كان خلال هذه الرحلة هو الذي يتولى رعاية الأسرى ويتفقدهم، وهو الملاذ الذي يلوذون به في محنتهم، وقد فضح خلال هذه الفترة الحكم اليزيدي بخطبه الساخنة، واختار الإقامة بعد عودته من الشام في المدينة، وعاش فيها حتى استشهد عام 94 أو 95هـ. و دفن في مقبرة البقيع المعروفة بجانب عمّه الإمام الحسن.

الخلفاءالمعاصرون للإمام

عاصر الإمام علي بن الحسين عليمها السَّلام ستة من الحكام وهم:

1. يزيد بن معاوية ـ (61ـ 64).(1)

2. عبد اللّه بن الزبير ـ (61ـ 73).(2)

3. معاوية بن يزيد (بضعة شهور من عام 64).


1-تشير الأعداد التي بين القوسين إلى فترة حكم الخلفاء في عهد الإمام السجّاد.
2-كان عبد اللّه بن الزبير من أُولئك الذين لم يبايعوا يزيد، فقد هرب إلى مكة بعد موت معاوية وقبل انطلاق الإمام الحسين بقليل. ونشط سياسياً هناك . وبعد استشهاد الإمام الحسين ولعدم وجود من ينافسه هناك حصل على بعض الأنصار وادّعى لنفسه الخلافة، ولم يتمكن يزيد حتى أواخر حكمه من القضاء عليه، وظل رافعاً راية خلافته حتى عام 73. وقد أخضع عبد اللّه الحجاز والعراق ومصر وبعضاً من الشرق الإسلامي لحكمه، وانحصر حكم الأمويين داخل حدود الشام وبعض المناطق. فقد كان يحكم من عام 61 إلى 73 خليفتان في منطقتين من العالم الإسلامي، ولكن خضعت جميع البلاد الإسلامية بعد هزيمة عبد اللّه على يد قوات عبد الملك عام 73 لحكم المروانيين فعادت إلى الشام مركزيّتها مرّة أُخرى.


(211)

4. مروان بن الحكم ـ (تسعة أشهر من عام 65).

5. عبد الملك بن مروان ـ (65ـ 86).

6. الوليد بن عبد الملك ـ (86ـ 96).

مرض الإمام مصلحة ربانية

حينما يذكر كثير من الناس الجهلاء الإمام الرابع يصفونه ـ و للأسف الشديد ـ بالإمام المريض و يتصوّرونه بعد إسباغ هذه الصفة عليه شخصاً معذباً عاجزاً ذا وجه ممتقع شاحب ونفسية متشائمة، في حين انّ الواقع غير ذلك، لأنّه كان مريضاً في كربلاء فقط و لمدة قصيرة وتحسّنت صحته بعدها، وأصبح يتمتع بصحة جسمية فترة حوالي 35 عاماً مثل بقية الأئمّة.

ولا شكّ انّ في مرضه المؤقت في تلك الأحداث مصلحة ربانية ليكون معذوراً من الجهاد(1)، و يصان وجوده المقدس من خطر القتل على يد جلاوزة يزيد وبذلك تستمر سلسلة الإمامة. ولو لم يمرض الإمام لوجب عليه المشاركة في جهاد اليزيديين، وحينئذ يصبح شهيداً مثل إخوته وأصحاب أبيه فتنطفئ شعلة الهداية بذلك.

قال السبط ابن الجوزي: وتركوا علي بن الحسين لمرضه.(2)

وقال محمد بن سعد: كان علي بن الحسين مع أبيه وهو ابن أربع وعشرين سنة ولا يصح ما قيل انّه كان صغيراً لم ينبت، بل قعد به المرض عن القتال.(3)

وأضاف: ثمّ انتهى الشمر بعد قتل الحسين بن علي إلى علي بن الحسين وهو


1-إثبات الوصية، المسعودي، ص 167; تذكرة الخواص، ص 324.
2-تذكرة الخواص، 324; شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي:1/105.
3-الطبقات الكبرى:5/221.


(212)

منبسط على فراش وهو شديد المرض فقال الشمر: اقتلوه، فقال بعض من معه: سبحان اللّه أنقتل غلاماً مريضاً لم يقاتل؟

وجاء عمر بن سعد فقال: لا تعرضوا لهؤلاء النساء، ولا تتعرّضوا لهذا المريض.(1)

وكتب الشيخ المفيد نقلاً عن حميد بن مسلم أحد جنود جيش يزيد: ثمّ انتهينا إلى علي بن الحسين وهو منبسط على فراش، وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجالة، فقالوا له: ألا تقتل هذا العليل؟ فقلت : سبحان اللّه أيقتل الصبيان(2)إنّما هذا صبي وانّه لما به ، فلم أزل حتى دفعتهم عنه، وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين، فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء، ولا تتعرّضوا لهذا الغلام.(3)

وكما لاحظنا كان مرض الإمام الرابع مصلحة ربانية أوجبت المحافظة والإبقاء على حياته ولم يكن عجزاً نفسياً وضعفاً أمام الأعداء على الإطلاق، ولم يكن الإمام في ظروف الأسر المؤلمة والمريرة ملاذاً للأسرى وصدراً دافئاً للقلوب المعذبة فقط، بل كان يواجه الأعداء بكلّ شجاعة وشهامة، وخير دليل على ذلك خطبه وحواراته الساخنة مع الأعداء في الكوفة والشام كما حدث من غضب ابن زياد وأمره بقتل الإمام إثر الحوار الحاد الذي دار بينهما في قصره، ولكنّه ـ عليه السَّلام ـ أجاب: «أبالقتل تهددني، أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة».(4)


1-الطبقات الكبرى:5/212; البداية والنهاية:9/104.
2-ولعلّ حميد بن مسلم نعت الإمام بالضعف والصبي لإثارة شفقتهم وعطفهم، أو انّه نسب هذا إلى نفسه حتى يقلّل من عظم ذنبه لدى الشيعة.
3-الإرشاد، ص 242; تاريخ الطبري:6/260; مقتل الحسين، الخوارزمي:2/38.
4-مقتل الخوارزمي:2/43.


(213)

حامل لواء التعريف بثورة كربلاء

وكما أشرنا كان الإمام السجاد حاضراً في نكبة كربلاء وأصبح بعد استشهاد أبيه الحسين ـ عليه السَّلام ـ سيد البيت الحسيني وحامل لواء التعريف بثورة الدم والشهادة، وأخذ يفضح بخطبه وحواراته الحكم الأموي الخبيث ويبث الوعي بين الناس، وإذا أخذنا الحملة الإعلامية المضلّلة التي قام بها الحكم الأموي على نطاق واسع منذ عهد معاوية فصاعداً ضد البيت النبوي في العالم الإسلامي والشام خاصة بعين الاعتبار، فلن يبقى هناك شكّ في أنّه لو لم يمارس المتبقون من آل الحسين دورهم في فضح الجهاز الحاكم وتوعية الرأي العام، لحاول أعداء الإسلام ومرتزقتهم أن يشوّهوا ثورة الحسين العظيمة ويحرفوا مبادئها التي انطلقت لأجلها في التاريخ، غير انّ حملة الإمام السجاد الإعلامية وبقية أهل البيت في فترة الأسر وحينما فسحت غباوة يزيد وأحقاده المجال لهم، لم تسمح لحدوث هذاالتشويه والتحريف على يد أعداء أبيه ـ عليه السَّلام ـ وراح يدق على ناقوس فضيحة يزيد وأعوانه.

وحيث كنا قد أشرنا إلى الحرب الإعلامية التي شنّها الإمام السجاد في سيرة الإمام الحسين بالتفصيل نكتفي هنا بهذا المقدار.

عصر القمع والإرهاب

وطبقاً للتقسيم الرباعي الذي قسّمنا الإمامة مرحلياً على أساسه بعد وفاة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ و هو ما وضحناه في سيرة أمير المؤمنين ـ تكون حياة الإمام السجاد في المرحلة الرابعة منها وهي:

1. مرحلة اليأس من الانتصار عن طريق الكفاح العسكري.

2. المحاولات والجهود البنّاءة على أمل إيجاد حكم إسلامي بيد أهل البيت على


(214)

المدى البعيد.

3. إعداد الأرضية اللازمة للوصول إلى هذاالهدف من خلال المشاريع الثقافية وتربية الطاقات المطلوبة.

4. التعريف بالفكر الإسلامي الأصيل والكشف عن الانحرافات والأفكار المنحرفة.

وتوضيح ذلك: هو انّ مأساة عاشوراء المؤلمة أنزلت ضربة مدمرة على الحركة الشيعية حيث بمجرد ان ذاع خبرها في أصقاع العالم الإسلامي في تلك الفترة ساد الأوساط الشيعية في العراق والحجاز خاصة رعب وخوف كبير، لأنّه أصبح متيقناً انّ يزيد الذي كان مستعداً لقتل ابن رسول اللّه مع ماله من منزلة وتقدير وقداسة في العالم الإسلامي وأسر نسائه وأطفاله لتوطيد حكمه، فهو لعلى استعداد أن يرتكب أية جريمة للحفاظ عليه.(1)

إنّ الرعب والإرهاب الذي تجلّت آثاره في الكوفة والبصرة والمدينة قد استفحلا بحدوث واقعة الحرة وقد قمعت انتفاضة أهل المدينة بقسوة كبيرة على يد جلاوزة يزيد عام 63 هـ، وساد المناطق التي يقطنها أهل البيت وشيعتهم كالمدينة في الحجاز والكوفة في العراق جو من الرعب والإرهاب، فضعفت الحركة الشيعية التي كانت تعد من أعداء البيت الأموي وأُصيبت بنوع من الفتور واختل وتلاشى تنظيمها.

وفي إشارة إلى هذه الأجواء قال الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ : «ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا».(2)


1-كان أسر النساء والأطفال وتسيير الرؤوس في المدن هو لأجل إلقاء الرعب في نفوس المعارضين.
2-بحار الأنوار:46/143; شرح نهج البلاغة:4/104.


(215)

وصرح المؤرخ الشهير المسعودي: قام أبو محمد علي بن الحسين بالأمر مستخفياً على تقية شديدة في زمان صعب.(1)

وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ راسماً لهذه الأوضاع المريرة والمأساوية :«ارتد الناس بعد الحسين إلاّ ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أُم الطويل، و جبير بن مطعم».(2)

ثمّ إنّ الناس لحقوا وكثروا وجاء يحيى بن أُمّ الطويل مسجد النبي في المدينة فنادى بالناس و قال: كفرنا بكم وبدا بيننا و بينكم العداوة والبغضاء أبداً.(3)

ومن الواضح انّ اتخاذ هذا النوع من المواقف الصريحة الواضحة في تلك الظروف لا يبدر إلاّمن القلة القليلة من الشخصيات المضحية المتفانية مثل يحيى بن أُم الطويل الذي أعدّ نفسه لتحمل كلّ نتائجها الخطيرة، ولذلك قطع الحجاج يديه ورجليه بذنب حبه وتشيّعه لأمير المؤمنين. (4)

وقال الفضل بن شاذان ـ أحد أبرز العلماء والمحدّثين الشيعة في أواسط


1-إثبات الوصية، ص 167.
2-وعلى رأي الباحث الكبير الشيخ محمد تقي التستري فانّ الصحيح هو حكيم بن جبير بن مطعم بدل جبير بن مطعم; قاموس الرجال:9/399، ومحمد بن جبير كما في حديث ابن شاذان الذي سيأتي قريباً.
3-الاختصاص، المفيد، ص 64; البحار:46/144; اختيار معرفة الرجال، ص 123، وقد نقل في هذا الكتاب رواية أُخرى أُضيف فيها اسم جابر بن عبد اللّه الأنصاري أيضاً إلى الثلاثة المذكورين آنفاً. هذا والقسم الأخير من كلام يحيى بن أُمّ الطويل هو من كلام إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ وشيعته يخاطبون به الوثنيين في عصرهم كما ينقل القرآن الكريم: (كَفَرنا بِكُمْ بدا بيينا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا باللّه وحده) (الممتحنة:4). وكان يحيى لا يقول هذا الكلام في الحجاز فقط، بل كان يلقيه في العراق ـ الكوفةـ أيضاً فكان يتبرّأ من المروانييّن واللاعنين علياً صراحة، ويوصي الشيعة بالابتعاد عن أعداء علي. أُصول الكافي:2/379.
4-اختيار معرفة الرجال، ص 123.


(216)

القرن الثالث الهجري ومن تلامذة الإمام الجواد والهادي والعسكري ـ عليهم السَّلام ـ ـ :ولم يكن في زمن علي بن الحسين في أوّل أمره إلاّخمسة أنفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيب، محمد بن جبير بن مطعم، يحيى بن أُمّ الطويل، أبو خالد الكابلي.(1)

حكومة عبد الملك السوداء

تزامن عهد الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ مع أحلك فترات الحكم الأموي في تاريخ الإسلام، ومع أنّ الحكم الذي سبقه كان حكماً إسلامياً منحرفاً انتهى به الأمر إلى الاستبداد، غير انّ هناك ميزة تميز بها عصر السجاد عن الأزمنة الماضية، وهي انّ الحكام فيه ينتهكون حرمة المقدسات الإسلامية علانية دون تحفظ ،ويدوسون على المبادئ الإسلامية بأرجلهم بشكل سافر، ولم يكن لأحد الشجاعة في الاعتراض عليهم.

وأكثر ما تزامنت إمامة السجاد مع عهد حكم عبد الملك بن مروان الذي دام واحداً وعشرين عاماً، وقد قال عنه المؤرخون: إنّه كان عاقلاً حازماً أديباً لبيباًعالماً.(2)

و قال صاحب الفخري: كان عبد الملك لبيباً، عاقلاً عالماً، ملكاً جباراً، قوي الهيبة، شديد السياسة، حسن التدبير للدنيا.(3)

وكتب هندوشاه: كان رجلاً عاقلاً عالماً، فصيحاً فقيهاً، له معرفة بالأخبار ولطائف الشعر، حسن التدبير.(4)

وقد كان عبد الملك قبل الخلافة أحد فقهاء (5)المدينة، وكان مشهوراً بالزهد


1-نفس المصدر ص 115.
2-الكامل في التاريخ:4/520.
3-الفخري، ص 122ـ 124.
4-تجارب السلف، ص 75.
5-الفخري، ص 122; تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 216.


(217)

والعبادة والورع، وكان يسمّى حمامة المسجد لمداومته تلاوة القرآن(1)، فلمّا مات أبوه وبُشّر بالخلافة أطبق المصحف وقال: هذا فراق بيني و بينك وهذا آخر العهد بك.(2)

إنّه فارق القرآن حقاً، وقد انمسخت شخصيته جرّاء غروره بقوته وقدرته لدرجة جعلت المؤرّخين يذكرون صحيفة أعماله السوداء بمرارة، فقد كتب السيوطي وابن الأثير: وهو أوّل من غدر في الإسلام، وأوّل من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء ـ و قد قتل عمرو بن سعيد بن العاص بعد منحه الأمان ـ و أوّل من نهى عن الأمر بالمعروف.(3)

وبعد سنتين من انتصاره على عبد اللّه بن الزبير في مكة عام 75هـ وخلال سفرة حجه بالناس خطب عبد الملك بالمدينة وقال: فإنّي لست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان ـ و لا بالخليفة المداهن ـ معاوية ـ و لا بالخليفة المأفون ـ يزيد ـ ألا و إنّي لا أُداوي هذه الأُمّة إلاّبالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وانّكم تكلّفوننا أعمال المهاجرين الأوّلين ولا تعملون أعمالهم، وانّكم تأمروننا بتقوى اللّه وتنسون ذلك من أنفسكم، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّضربت عنقه.(4)

وقال العبارة الأخيرة، لأنّ الخطباء وأئمّة صلاة الجمعة كانوا يبدأون


1-تجارب السلف، ص 76.
2-تاريخ الخلفاء، ص 217; الفخري، ص 122; الكامل في اللغة، المبرد:2/192; تجارب السلف، ص 76، تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان:4/100.
3-تاريخ الخلفاء، ص 218; الكامل في التاريخ:4/522، وقد كان معاوية يقوم ببعض هذه الأعمال في السابق أيضاً.
4- تاريخ الخلفاء:218; زندگانى على بن الحسين، الشهيدي، ص 98; تاريخ اليعقوبي:3/20; تاريخ التمدن الإسلامي:4/99.


(218)

خطبتهم بجملة : اتق اللّه.(1)

ومن الواضح حينما يتحدث من يدعو نفسه خليفة للرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مدينته وبجانب ضريحه بهذا الكلام ويهاجم سنّته، فإنّه يتضح حال سلوك عماله وولاته وأعمالهم وكلامهم في باقي الولايات النائية، وقد اعتاد عبد الملك في حكمه الطويل على الظلم والانحراف والفساد والإرهاب حتى انطفأ نور الإيمان في قلبه إلى الأبد، وقد اعترف هو بنفسه بهذه الحقيقة يوماً، و قال لسعيد بن المسيب: صرت اعمل الخير فلا أُسرّبه وأصنع الشر فلا أُساء به; فقال سعيد: الآن تكامل فيك موت القلب.(2)

وكان عبد الملك كثيراًما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة :بلغني يا أمير المؤمنين انّك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة؟! قال: أي واللّه والدماء قد شربتها.(3)

وهو الذي كان يتعوذ باللّه حينما جهز يزيد جيشاً إلى مكة للقضاء على عبد اللّه بن الزبير ويتقزّز من ذلك، راح بعد تقلّده الخلافة غير مكتف بهذه الأعمال يرسل رجلاً سفّاكاً كالحجاج لضرب الكعبة بالمنجنيق للقضاء على عبد اللّه بن الزبير فيها.(4)

الولاة الطغاة

وقد أحدث ولاة عبد الملك وعماله في البلدان الإسلامية المتعددة ومشياً على هديه سلطة الرعب والإرهاب، وكانوا يعاملون الرعية معاملة همجية ويقمعونهم.


1-زندگانى على بن الحسين، ص 98.
2-الفخري، ص 122; الكامل في التاريخ:4/521; تجارب السلف، ص 76.
3-تاريخ الخلفاء:216.
4-تاريخ الخلفاء، ص 217; تجارب السلف، ص 76.


(219)

كتب المسعودي: وكان له ـ عبد الملك ـ إقدام على الدماء، وكان عماله على مثل مذهبه، كالحجاج بالعراق، والمهلب بخراسان، وهشام بن إسماعيل بالمدينة.(1)

وكان هشام هذا وعامله على المدينة قاسياً مع الناس وساءت سيرته، وأظهر العداوة لآل الرسول، وبلغ حداً في ذلك جعل الوليد بن عبد الملك يعزله عنها بعد موت أبيه.(2)

و كان الأسوأ من الجميع هو الحجاج الذي بلغت جرائمه في الإسلام قمة الشهرة، وقد ولاّه عبد الملك بعد القضاء على ابن الزبير كلاًمن مكة والمدينة والطائف لمدة سنتين.(3)وختم الحجاج أعناق قوم من أصحاب رسول اللّه ليذلّهم بذلك، منهم: جابر بن عبد اللّه الأنصاري، أنس بن مالك، سهل بن سعد الساعدي، وجماعة معهم، وذلك تحت ذريعة انّهم من قتلة عثمان(4).

وقال لما ترك المدينة: الحمد للّه الذي أخرجني من أمّ نتن، أهلها أخبث بلد وأغشّه لأميرالمؤمنين وأحسدهم له على نعمة اللّه، واللّه لو ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيهم، لجعلتها مثل جوف الحمار أعواداً يعودون بها، ورمّة قد بليت، يقولون: منبر رسول اللّه و قبر رسول اللّه.(5)


1-مروج الذهب:3/91.
2-تاريخ اليعقوبي:3/27ـ 29; الطبقات الكبرى: 5/220.
3-الإمامة والسياسة:2/31.
4-تاريخ اليعقوبي:3/18. قال ابن الأثير وقد ختم أيديهم كما يفعل بأهل الذمة; الكامل في التاريخ:4/359.
5-الكامل في التاريخ:4/359; تاريخ تحليلى إسلام، الشهيدي، ص 182، نقلاً عن مشكاة الأدب. وأنا اعتذر من ساحة الرسول المقدسة لنقل هذا الكلام المخجل هنا، وقد كان ذلك للضرورة ولاطّلاع الآخرين على حقيقة الحكم الأموي الخبيث.


(220)

الحجاج في العراق

وبعد ان أخضع الحجاج مكة والمدينة ،علم عبد الملك بأنّ العراقيين يناسبهم شخص كالحجاج يقمعهم ويسيطر عليهم، ولهذا ولاّه عام 75 العراق ـ الكوفة والبصرة ـ وعندما جاء الكوفة لم يتصرف كما هو المعهود لدى الأُمراء، فقدمها وصعد المنبر متلّثماً بعمامته متنكباً قوسه وكنانته، فجلس على المنبر ملياً لايتكلم.

وأخذ الناس يتهامسون من هذا؟ فقال أحدهم: لنحصبه؟ فقالوا: لا أصبرحتى نسمع ما يقول؟

وما أن ساد الصمت أجواء المسجد أماط الحجاج اللثام عن وجهه وقال: واللّه إنّي أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وانّي لصاحبها، كأنّي أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى. ثمّ استمر في تهديده وأرعب الناس رعباً شديداً حتى الحصباء التي جمعها رجل ليحصبه بها تناثرت من يده دون أن يشعر! (1)

وقد كان دخول الحجاج البصرة بنفس الطريقة التي دخل بها الكوفة وقد وصف ابن قتيبة ذلك: توجّه الحجاج ومعه ألفا رجل من مقاتلة الشام و جملتهم آلاف من أخلاط الناس، وتقدّم بألفي رجل وتحرّى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة، فلمّـا دنا من البصرة أمرهم أن يتفرقوا على أبواب المسجد، على كلّ باب مائة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم، وعهد إليهم ان إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد والوقيعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض. فجلس رجاله على أبواب المسجد ينتظرون، ودخل الحجاج و


1-الكامل في اللغة والأدب، المبرد: 1/311; الكامل في التاريخ:4/375; مروج الذهب:3/127; تاريخ اليعقوبي:3/19; تاريخ تحليلى إسلام، ص 184; الفتوح: 7/6 اعثم الكوفي.


(221)

بين يديه مائة رجل كلّ منهم مرتد بردائه وسيفه تحت ردائه، فدخل المسجد وقد أخفى هو أيضاً سيفه تحت ردائه، وقد قال لجماعته: إنّي إذا دخلت المسجد فسألكم في خطبتي وسيحصبوني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي فضعوا أسيافكم وامتشقوها.

فصعد المنبر حينما حان وقت الصلاة وخطب فقال: إنّ أمير المؤمنين عبد الملك قد ولاّني مصركم وقسيمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم،وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المجلس البريء والعقاب إلى العاصي ... وأنّه قلّدني بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة وسيف عذاب نقمة، فأمّا سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأمّا سيف النقمة فهو هذا.

فحصبه الناس، فلمّا أكثروا عليه خلع عمامته فوضعها على ركبتيه، فجعلت السيوف تبري الرقاب. فلمّا سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج تلقوهم بالسيوف فاردعوا الناس إلى جوف المسجد، ولم يتركوا خارجاً يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك.(1)

وهكذا خلق الحجاج من العراق مسرحاً للرعب والقمع والإرهاب، وقد قتل الكثير من الناس الأتقياء والناسكين والأبرياء، وبلغ الرعب الذي أوجده في النفوس مبلغاً ليشمل مناطق خوزستان والشرق بجميع أرجائه.

موجة من القتل والإرهاب

كتب المسعودي المؤرخ الشهير: وكان تأمّره على الناس عشرين سنة، وأُحصي


1-الإمامة والسياسة، ابن قتيبة:2/30.


(222)

من قتله صبراً سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفاً، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة منهن ستة عشر ألفاً مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء.(1)

الجوانب المضيئة والمظلمة في صحيفة أعمال الوليد بن عبد الملك

تقلّد الوليد الخلافة بعد موت أبيه عبد الملك، وقد أثنى عليه بعض المؤرّخين وفضّلوه على أبيه وجده مروان وكثير من حكّام بني أُميّة ، ذلك انّه لم يقم أي واحد من الحكام الأمويين بمثل ما قام به عمر بن عبد العزيز من الأعمال الإصلاحية والإنسانية، وقد قام أبّان حكمه ببناء الجوامع وترميم المساجد وتوسيعها، وحثّ ولاته على ذلك وشجعهم، ويقول المؤرخون:

وبنى الوليد المسجد الجامع بدمشق، ووسّع مسجد النبي والمسجد الأقصى، وأمر ببناء المساجد في كلّ مكان خلا ممّا يصلّى فيه، وبنى الثغور والقلاع على الحدود لحماية البلاد الإسلامية، وأحدث الطرق، وحفر الآبار في أرجاء البلاد، وأسّس المدارس والمستشفيات، وألغى الصدقات، وأجرى على العميان والمساكين والمقعدين الأرزاق، وعمل دوراً للعميان والمساكين والمجذومين، ووظّف الأطباء والممرضين لرعايتهم وأمر بإطعامهم والاهتمام والسهر على راحتهم، وهكذا بنى دوراً لرعاية وتربية وتعليم اليتامى، وغالباً ما كان يشرف بنفسه على أوضاع المدينة والأسواق، ويراقب ارتفاع الأسعار ونزولها.(2)


1-مروج الذهب:3/166ـ 167.
2-مختصر تاريخ العرب، سيد امير علي، ص 123; تاريخ اليعقوبي:3/36; الفخري، ص 127; الكامل في التاريخ:5/9ـ10; تاريخ الخلفاء، ص 223ـ 224.


(223)

انحرافات الوليد

وعلى الرغم من وجود جوانب مشرقة في حياة الوليد وحكمه نجد هناك جوانب مظلمة جداً وانحرافات سافرة ينبغي أن لا نغفل عنها.

ووفقاً لما قاله المؤرّخون، فإنّ الوليد كان جباراً ظالماً، وقد ربّاه والداه على الخلاعة واللا مبالاة، ولذا كان يفتقد المؤهلات الإنسانية وأدبها(1)وكان لحاناً لا يجيد النحو، وبقي يجهله حتى اللحظة الأخيرة من حياته، وكثيراً ما كان يلحن في حواره مع الآخرين، فقد لحن مرة وهو في مجلس أبيه في حوار له مع أحد العرب، فعاتبه أبوه على ذلك، وقال له: لا يلي العرب إلاّمن يحسن كلامهم، فدخل الوليد بيتاً ومعه جماعة من علماء النحو وأقام مدة ستة أشهر يشتغل فيه، فخرج أجهل ممّا كان يوم دخوله.(2)

ولعل أحد أسباب اهتمامه بالعلوم ونشرها هو حرمانه منها، فأراد بذلك التغطية على نقطة الضعف التي تكمن فيه.

القادة الجائرون

سلّط الوليد من الولاة من كلّ مجرم سفّاك أُمراءً وحكّاماً على رقاب المسلمين يتحكّمون بمصيرهم، ويضيّقون الخناق عليهم، وكان الحجاج بن يوسف ممن أبقاهم الوليد على عملهم بعد موت أبيه عبد الملك.

وكانت الشام تخضع لسيطرة الوليد نفسه، والعراق تحت سلطة الحجاج، والحجاز لعثمان بن حيان، ومصر لقرة بن شريك، وكان كلّ منهم ناراً على علم في


1-تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 223.
2-الكامل في التاريخ:5/11; الفخري، ص 127.


(224)

الإرهاب والقمع والجريمة، وكان عمر بن عبد العزيز ابن أخي الوليد الذي عرف بالعدل وحبه له يقول مشيراً بذلك إلى سلطة هؤلاء في البلاد: اللّهمّ قد امتلأت الأرض جوراً فنجّ الناس من هذا البلاء.(1)

وكأنّ الإمام السجاد حينما قسّم الناس ستة أقسام في ذلك الزمان يشير إلى هذه المظالم والجرائم التي كان يمارسها هؤلاء الطغاة ضد المسلمين حيث شبّه الحكام بالأُسود والمسلمين بالشياه، وقد أحاط بهم أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير فتجز شعورهم وتؤكل لحومهم وتسلخ جلودهم وتكسر عظامهم.(2)

لماذا لم يثر الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ؟

الآن وقد اتّضح الجو السياسي لعصر الإمام السجاد إلى حدود ما، ندرك حينئذ السر في عدم ثورته جيداً، لأنّه و بسبب تفشي الرعب والإرهاب في المجتمع والسيطرة الكبيرة التي يتمتع بها الحكم الأموي في البلاد كان سيؤول أمر أية حركة ثورية إلى الفشل، ولم تكن لتبقى بعيداً عن عيون جواسيس الجهاز الحاكم ومرتزقته مهما كانت، كما أخبر عبد الملك أحد جواسيسه ذات مرة بأنّه كان لعلي بن الحسين جارية أعتقها ثمّ تزوّجها، فكتب رسالة إليه يعيب فيها على الإمام فعلته تلك ويؤاخذه عليها، وانّه لماذا لم يتزوج بمن تليق به من قريش.

فأجابه ـ عليه السَّلام ـ بأنّه ليس هناك فوق رسول اللّه مرتق في مجد، ولا مستزاد في كرم، انّ رسول اللّه أنكح عبده ونكح أمته، انّ اللّه رفع بالإسلام الخسة وأتم به الناقصة، وأكرم به من اللؤم، فلا لؤم على مسلم إنّما اللؤم لؤم الجاهلية.(3)


1-الكامل في التاريخ:5/11.
2-الخصال للصدوق، ص 339.
3-فروع الكافي، الكليني:5/344، كتاب النكاح; الطبقات الكبرى، ابن سعد:5/214; بحار الأنوار:46/105; عيون الأخبار، ابن قتيبة:4/8.


(225)

أراد عبد الملك بعمله هذا أن يحذّر الإمام ويقول له بأنّني على علم بكل تصرفاتك وأعمالك حتى الأُمور الشخصية منها!!

إذن في هذه الظروف كيف كان يمكن أن تحدث هناك حركة ثورية؟ وكأنّ الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ كان يدرك طبيعة الظروف المريرة والحرجة المحيطة به حينما دعا اللّه سبحانه و تعالى في دعائه:

«...فكم من عدو انتضى عليّ سيف عداوته، وشحذ لي ظبة مديته، وارهف لي شباحدّه، وداف لي قواتل سمومه، وسدّد نحوي صوائب سهامه، ولم تنم عني عين حراسته، واضمر أن يسومني المكروه، ويجرعني زعاق مرارته، فنظرت يا إلهي إلى ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن الانتصار ممن قصدني بمحاربته، ووحدتي في كثير عدد من ناواني، وارصد لي بالبلاء فيما لم اعمل فيه فكري، فابتدأتني بنصرك، وشددت أزري بقوتك...».(1)

على مفترق الطرق الصعب

بالالتفات إلى ما تقدم ندرك انّ الإمام السجاد واجه بعد واقعة عاشوراء مفترقاً صعباً، فكان عليه إمّا أن يقوم بثورة عارمة قوية من خلال تحريك عواطف ومشاعر أصحابه وأنصاره، العمل الذي هو أسهل ما يكون لديه وأن يرفع راية العداء والمعارضة ويخلق مأساة مثيرة، ولكن عليه أن ينطفئ مثل السراج ويفسح المجال ليصول ويجول الأمويون في الميادين الفكرية والسياسية، لعدم توفر الظروف المناسبة لحركة كبيرة تحتاج إلى صمود وثبات مثل هذه.


1-الصحيفة السجادية ، دعاء دفع كيد الأعداء (الدعاء49).


(226)

أو يضبط المشاعر والعواطف السطحية الساذجة بعمق التفكير والتأمل الكبير ويعدّ المقدمة الضرورية لعمله الضخم هذا، وهي خلق الفكر الرائد والجيش العقائدي للنهوض بالمشروع الأساسي ـ مشروع إحياء الإسلام وخلق مجتمع إسلامي جديد ـ حفاظاً على حياته وحياة الثلة القليلة من أصحابه المعتمد عليهم، ولإبقاء الحضور الدائم في الساحة مادام حياً وما دام هو بعيداً عن العين المترصدة والمرعوبة للجهاز الأموي ومواصلة ا لمعركة (خلق الطبقة الصالحة وإبداع وتعليم الفكر الرائد) في الخفاء وبلاهوادة، ثمّ يحاول مواصلة المسير في هذا الدرب الذي هولا شكّ أقرب إلى الهدف ويحيلها إلى الإمام الذي يليه.

ولا شكّ انّ الخيار والطريق الأوّل هو طريق الفدائيين والتضحيات، غير انّ القائد المبدئي الذي يمتد تأثير نشاطاته إلى خارج نطاق زمانه الذي يعيش فيه ويشمل حياة التاريخ على طولها لا يكفي أن يكون مضحياً، بل يجب أن يكون متمتعاً بالإضافة إلى التضحية بعمق التفكير وبعده والتروّي والحيطةوهذه هي الظروف التي جعلت الطريق الثاني أمراً محتوماً للإمام.(1)

ثورة أهالي المدينة

والمفروض أن نفسر امتناع تعاون الإمام السجاد مع منتفضي المدينة من هذا المنطلق، حدثت انتفاضة المدينة عام 63 أو 62 هجرية وعرفت باسم واقعة الحرّة.(2)


1-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، آية اللّه السيد علي الخامنئي، ص24.
2-وتطلق كلمة الحرة على الأرض المحروقة المغطاة بأحجار بركانية، وكانت أطراف المدينة تتمتع بهذه الخصوصية، وكان جيش الشام قد دخل المدينة من خلال حرّة واقم، لذلك سميت هذه الواقعة بواقعة الحرّة.


(227)

وكان الباعث على هذه الثورة هو انّه قد سادت موجة من الغضب والرفض أرجاء العالم الإسلامي ضد يزيد أثر استشهاد الإمام الحسين ، وقد ثارت المدينة أيضاً وهي معقل أهل البيت والصحابة والتابعين .

أرسل عامل المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ـ وهو لا يقل عن يزيد سذاجة ونزقاً وغطرسة ـ جماعة من كبار المدينة بالنيابة عن أهاليها إلى الشام وبتوصية من يزيد(1)حتى يشاهدوا الخليفة الشاب عن كثب ويتمتعوا بكرمه وإحسانه، ثمّ بعد ذلك يحثّون أهل المدينة على طاعته والخضوع له.

ولتنفيذ هذا المخطط أرسل عثمان مجموعة مركبة من: المنذر بن الزبير بن العوام، عبد اللّه بن أبي عمرو المخزومي، وعبد اللّه بن حنظلة غسيل الملائكة مع عدة شخصيات بارزة للقاء يزيد في دمشق، فراح يزيد ولعدم تمتعه بالتربية الإسلامية والمستشارين ليوصوه باتزان السلوك أمامهم على الأقل ولا حيطة أبيه ليعرب انّ الذي يحكم المسلمين باسم الإسلام فعليه ـ على الأقل ـ أن يحافظ على تعاليم الإسلام ويتظاهر بذلك، راح ـ و بحضور تلك الشخصيات ـ يلاعب الكلاب ويتجاهر بشرب الخمر ويقيم مجالس اللهو و الفجور والغناء دون انقطاع، غير انّه استقبلهم استقبالاً حاراً ولقيهم بحفاوة وأكرمهم وأحسن إليهم وقدّم لهم الهدايا والأموال الطائلة بمايزيد على الخمسين والمائة ألف دينار، و كان يعتقد انّهم سيمطرونه بالإطراء والمديح والثناء حينما يعودون إلى المدينة بعد كلّ هذه الحفاوة والتكريم والهدايا التي قدمها لهم في قصر دمشق الأخضر، ولكن هذا اللقاء لم يثمر النتيجة المطلوبة فقط، بل صار وبالاً عليه وحدث عكس ما كان يتوقعه تماماً.

رجعت تلك الشخصيات إلى المدينة ماعدا المنذر بن الزبير الذي ذهب إلى


1-أنساب الأشراف، البلاذري:4/31.


(228)

البصرة، وأعلنوا في اجتماع لهم بالناس: «قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحرّاب ـ و هم اللصوص ـ وانّا نشهدكم أنّا قد خلعناه» .

وقال ابن حنظلة:

«جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلاّ بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني وما قبلت منه عطاءه إلاّ لأتقوّى به» .

فبايع الناس أثر ذلك عبد اللّه بن حنظلة وطردوا عامل المدينة وجميع الأمويين منها، وبعد أن اطّلع يزيد على الأمر أرسل مسلم بن عُقْبَة الذي كان طاعناً في السن ومطيعاً لبني أُمية مع جيش جرّار لقمع الانتفاضة والقضاء عليها، وقال له : «ادع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلاّفقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثاً، فكلّ ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند».

هاجم جيش الشام المدينة واندلعت حرب دامية بين الفريقين، وانهزم الثوريون في النهاية، وقتل قادة الانتفاضة، فراح مسلم يقتلهم بشكل جماعي لمدة ثلاثة أيام وينهب أموالهم، وقد اقترف مقاتلو الجيش الشامي جرائم فظيعة يخجل القلم من كتابتها، و قد سمّي مسلم لقيامه بهذه المجازر مسرفاً، وبعد ان انتهت المجازر دعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول وخدم له.(1)

دور عبد اللّه بن الزبير

دخل عبد اللّه بن الزبير وكان رجلاً يطمح إلى السلطة ظاهر الصلاح مكة


1-أنساب الأشراف، البلاذري:4/30ـ 46; الكامل في التاريخ:4/102، 103، 111، 121; مروج الذهب:3/68ـ 71.


(229)

وأقام فيها قبل أن يأتيها الحسين ـ عليه السَّلام ـ عام 60 هجرية، و قد ألقى وجود الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ هناك الظل عليها، فتغافلت الناس عنه، و انفسح له المجال بعد استشهاد الإمام ليعلن عن رفضة ليزيد ويواصل نشاطه السياسي.

و لم تكن لعبد اللّه علاقة طيبة مع أهل بيت أمير المؤمنين، و قد كان له دور هام في إشعال فتنة الجمل، وحذف أبان نشاطه في مكة الصلاة على الرسول من أوّل الخطبة، وحينما سألوه عن ذلك قال: إنّ له أهل سوء يشرأبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به.(1)

ونظراً لهذا العداء كان الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ يبدي قلقاً من فتنته، وطبقاً لما كتبه المؤرخون كان لعبد اللّه بن الزبير دور في ثورة أهل المدينة وتمردهم.(2)

فقد عنّف العراقيّين ولامهم ـ ولدوافع سياسية ـ لأنّهم دعوا الإمام الحسين ثمّ خذلوه وتقاعسوا عن نصرته وكان كثيراً ما يذم يزيد وينعته بالشارب للخمر والملاعب للكلاب والفاسق وقد دعا الناس لخلعه.(3)

وأضاف المؤرّخون أيضاً انّ طرد عامل المدينة وبني أُمية منها كان بموافقته على ذلك.(4)

لماذا لم يتعاون الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ مع أصحاب ثورة المدينة؟

الآن حان أوان دراسة الأسباب التي دعت الإمام السجاد لعدم تعاونه مع المنتفضين ويمكن تلخيص تلك الأسباب بهذا النحو:

أ. انّ الإمام كان يتوقع (نظراً لأجواء الرعب والاضطهاد التي سادت بعد


1-تاريخ اليعقوبي:3/8.
2-كشف الغمة،الاربلي:2/299.
3-أنساب الأشراف:4/30.
4-مروج الذهب:3/69.


(230)

استشهاد الإمام الحسين) فشل هذه الثورة، وكان يرى أنّه لو شارك فيها لكان يقتل ليس هو وحده فقط بل جميع أصحابه وبقية الطاقات الشيعية دون جدوى.

ب. ونظراً إلى ماضي ابن الزبير ونفوذه في صفوف المنتفضين، فإنّ هذه الثورة ما كانت لأن تكون ثورة شيعية محضة، ولم يشأ الإمام أن يجعل شخصاً مثل عبد اللّه بن الزبير الطالب للسلطة جسراً للانتصار.

ج. انّ الثوريين ـ و كما تقدم ـ كانوا قد انتخبوا عبد اللّه بن حنظلة قائداً لهم ولم يستشيروا الإمام في ذلك على الإطلاق، ومع أنّ قادة الثورة كانوا أشخاصاً صالحين وكانت اعتراضاتهم على حكم يزيد حقة وصحيحة تماماً، لكنّه كان واضحاً انّ هذه الانتفاضة ليست انتفاضة شيعية خالصة، ولا يعلم إذا نجحت انّها ستنتهي لصالح الشيعة. وكأنّ الإمام قد أخذ هذه الأُمور بعين الاعتبار حينما لم يشارك في تلك الثورة منذ انطلاقتها وكان يزيد يعلم ذلك، ومن ناحية أُخرى انّ مأساة كربلاء وأثرها في الرأي العام جعلته يدفع ثمناً باهظاً، فأوصى مسلم بن عقبة بأن لا يتعرّض لعلي بن الحسين.

مجير المستجيرين

عندما طردوا بني أُميّة من المدينة رجا مروان الإمام بأن يضع أهله مع حرمه، فتقبّل الإمام ذلك بكرمه، لذلك تحوّلت دار الإمام السجاد أبّان إباحة المدينة بالقتل والنهب إلى ملجأ ممتاز ضم أربعمائة امرأة طيلة فترة الواقعة، وكان الإمام احتفى بهم بحفاوة خاصة.

طلب مسلم بن عقبة الإمام بعد نهاية المجزرة وحينما حضر الإمام لديه أجلسه بقربه وأحسن إليه وأكرمه، ثمّ وافق على عودته إلى البيت.(1)


1-كشف الغمة:2/319; أعيان الشيعة:1/630و 633.


(231)

الأصعدة التي حارب الإمام فيها ظلم وانحراف عصره

وعلى كلّ حال بدأ الإمام باختياره الطريق الثاني سلسلة من برامجه الإرشادية والثقافية ومعركته الغير مباشرة دون أن يثير حفيظة الجهاز الحاكم، وقد قام بنشاطات وفعاليات يمكن تلخيص أهمها بالصورة التالية:

أ. إحياء ذكرى عاشوراء

وحيث كان لاستشهاد الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ وأصحابه أثر بليغ في الرأي العام، جعل الحكم الأموي يدفع الثمن غالياًجداً وأثار التساؤل حول شرعيّته، واصل الإمام ـ ولكي تخلّد هذه المأساة ولا تُنسى ـ نضاله السلبي من خلال البكاء على الشهداء وإحياء ذكراهم.

ولا شكّ في أنّه كان لهذه الدموع الساخنة باعث عاطفي، لأنّ مأساة كربلاء وعظمة مصابها كانت حدثاً ضخماً ومؤلماً للغاية، لدرجة انّ الذين شاهدوها عن كثب لم ينسوها طيلة حياتهم، غير أن تعامل الإمام السجاد معها كان يجني من خلاله نتائج سياسية، فإنّ التذكير بتلك المأساة باستمرار يمنع أن تمسح جرائم الحكم الأموي من الذاكرة، فكان الإمام كلما أراد أن يشرب الماء وتقع عينه عليه تفيض عيناه بالدموع، ولماّ سئل عن ذلك، فقال: «كيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش».

وكان يقول: «إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّخنقتني العبرة».

وقال له خادمه مرةً: أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ له: «ويحك انّ يعقوب النبي ـ عليه السَّلام ـ كان له اثنا عشر ابناً، فغيّب اللّه واحداً منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، واحدودب ظهره من الغم و كان ابنه حياً في الدنيا، وأنا


(232)

نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟».(1)

وقال سهل بن شعيب أحد وجهاء مصر: دخلت على علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ فقلت: كيف أصبحت أصلحك اللّه؟ فقال:

«ما كنت أرى شيخاً من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا!! فأمّا إذ لم تدري أو تعلم فسأخبرك: أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر...».(2)

ب. إرشاد الأُمّة ونصيحتها

لم يكن باستطاعة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ أن يقدّم ويوضّح مفاهيمه الخاصة علانية وبصراحة، لأنّه كان يعيش في جو من الرعب والإرهاب، لذلك استخدم اسلوب الوعظ والإرشاد، وعرّف الناس من خلال الموعظة على الفكر الإسلامي الصحيح ذلك الفكر الذي تعرض إثر الإعلام المضلّل الذي مارسه الطغاة على مر التاريخ للنسيان والتحريف، نهض من جديد وقدمه الإمام إلى الناس كما كان و بكلّ ما يتمتع به من أصالة، وكان ـ عليه السَّلام ـ يبين لهم التعاليم الإسلامية في حدود استطاعته.

وتوضّح دراسة تلك المواعظ والتعاليم انّ الإمام كان يلقي عليهم وضمن تقديمه النصح والموعظة ما كان يريده أن يرسخ في أذهانهم ويبقى بطريقة


1-بحارالأنوار:46/108; البداية والنهاية:9/107; حلية الأولياء:3/140; أعيان الشيعة:1/631ـ 636; كشف الغمة:2/314; الخصال، الصدوق، ص 518.
2-الطبقات الكبرى، ابن سعد:5/219ـ220.


(233)

عقلانية وذكية جداً، وهذا من أفضل أنماط انتقال الفكر الإسلامي الصحيح في تلك الظروف، لأنّ هذه التعاليم لا تثير حفيظة الجهاز الحاكم على الرغم من أنّ لها آثار ونتائج سياسية ضد ذلك الجهاز، وقد وضّح وبيّن الإمام ـ ضمنياً ـ حقيقة الإمامة ـ أي نظام الحكم الإسلامي وقيادة المجتمع بقيادة الإمام المعصوم وبثّ الوعي بين الناس ـ وعرّفهم حقيقة ما يجري في المجتمع الإسلامي لتلك الفترة ـ أي تسلّط الحكام الطغاة وقادة الكفر والفسق والنفاق ـ وكان يفهمهم بأنّ الحكومة التي هي مثل حكومة عبد الملك ليست هي الحكومة التي يريدها الإسلام.

إنّ أهمية هذا الأمر هي من ناحية انّه طالما لم تنتبه الأُمّة إلى هذه الحقيقة وتخرج من حالة الجمود والتخدير التي أصابتها على مر الأيام، فانّه لن يكون هناك أمل و إمكانية في تغيير الأوضاع وتشكيل الحكم الإسلامي المراد، ومثال هذا النوع من التعاليم والمواعظ التي كان يقدّمها الإمام السجاد، وهي خير شاهد على تلك الحقيقة المذكورة هو كلامه التفصيلي الذي كان يلقيه كل يوم جمعة في مسجد النبي على أصحابه والآخرين كما صرّح بذلك المحدِّثون.

ونحن هنا نورد بعضاً من ذلك الكلام على سبيل المثال.

«أيّها الناس اتّقوا اللّه واعلموا أنّكم إليه راجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تودّ لو انّ بينها وبينه أمداً بعيداً... ألا و إنّ أوّل ما يسألانك ـ منكر و نكير ـ عن ربّك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي تدين به، و عن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاّه».(1)


1-تحف العقول، ابن شعبة، ص 249; الروضة من الكافي، ص 72; الأمالي، الصدوق، ص 301، (المجلس الثاني).


(234)

في هذا الكلام عدّة أُمور تثير الانتباه:

1. تكرار هذا الكلام في كلّ جمعة تبيّـن أهميته ودرجة اهتمام الإمام بهذا النوع من القضايا.

2. ونظراً إلى أنّ كلام الإمام يبدأ بعبارة «أيها الناس» فإنّه يعلم بأنّ مخاطبي الإمام ليسوا هم الشيعة خاصة ، بل نطاق خطابه أوسع من ذلك.

3. قد عوّل الإمام خلال كلامه مرة بصراحة وأُخرى بشكل ضمني على آيات من القرآن واستدلّ بها، و هذا بسبب انّ مخاطبيه هم عامة الناس وكانوا ينظرون إليه على أنّه إمام، ولذلك كان يستشهد بالآيات لإثبات أمر ما غير انّه حينما يقصد بكلامه خصوص الشيعة فقط، فلم ير ضرورة في الاستشهاد بآيات القرآن.(1)

تربية الكوادر

وهناك نموذج آخر من كلام الإمام وهي موعظة طويلة نسبياً ينقلها أبو حمزة الثمالي ـ أحد أفضل وأقرب أصحاب السجاد ـ عليه السَّلام ـ ـ يكشف لنا نص هذه الرواية انّ هذا الكلام قد ألقاه بين خاصة من الشيعة، يقول الإمام:

«كفانا اللّه وإيّاكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين، أيّها المؤمنون لا يفتننّكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا المائلون إليها المفتونون بها المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً... لعمري استدبرتم من الأُمور الماضية في الأيام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك فيها ما تستدلون به على تجنّب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الأرض بغير الحق، فاستعينوا باللّه وارجعوا إلى طاعته


1-دراسة حول حياة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ، آية اللّه السيد علي الخامنئي، ص 36ـ 38.


(235)

وطاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع وأطيع... فقدّموا أمر اللّه وطاعته وطاعة من أوجب اللّه طاعته بين يدي الأُمور كلّها، ولا تقدّموا الأُمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت وفتنة زهرة الدنيا... وإيّاكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنّه من خالف أولياء اللّه ودان بغير دين اللّه واستبد بأمره دون أمر ولي اللّه في نار تلتهب...».(1)

تفسّخ أخلاق الأُمّة

إنّ أهمية وضرورة هذه التعاليم والنصائح والمواعظ التي يقدّمها الإمام تتضح حينما ندرس المدى الذي وصلت إليه الأُمّة في انحطاطها في عهد حكم عبد الملك وابنه الوليد وإهمال السنّة والآداب والتعاليم الإسلامية في ذلك العصر، فنحن نعلم أنّ رقعة الفساد المالي والانحطاط الخلقي قد اتسعت منذ حوالي عام 30 هجرية في المجتمع الإسلامي، فراح أشراف قريش الذين كانوا يتمتعون بدخل كبير من خزينة بيت المال ومن عطاء خلفاء عصرهم يجمعون الأموال ويكنزون الذهب والفضة .

وهكذا سادت الرفاهية والارستقراطية واللهث وراء زخارف الحياة وزروقتها في المجتمع الإسلامي.

فقد أثرى الأثرياء ثراءً أكثر واشتروا الضياع والبساتين والجواري والغلمان خصوصاً الجواري اللاّتي رُبِّين للغناء والحفلات الساهرة بعد أن انتشرت مجالس اللهو والمجون والغناء بين الطبقات الأُخرى أيضاً، و قد بلغ هذا التفسّخ


1-تحف العقول، ص 252; الروضة من الكافي، ص 15.


(236)

والانحطاط الخلقي ذروته في عهد يزيد لدرجة انّ مدينتيّ مكة والمدينة المقدّستين لم تكونا مصونتين من هذه الظواهر الملوّثة.

كتب المسعودي: وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب.(1)

وقد استمر هذا الوضع حتى أيّام عبد الملك أيضاً، وأضاف شوقي ضيف ـ بعد أن بيّن ازدياد الفوارق الطبقية والارستقراطية والرفاهية في مكة والمدينة ـ قائلاً:

كأنّ مدينتي الحجاز هاتين بنيتا لأجل المغنّين والمطربين، وقد وصل الحال فيها لأن يرتاد الفقهاء والنساك مجالسهم فضلاً عن الناس العاديّين.(2)

وكان القاضي أبو يوسف يقول لبعض أهل المدينة: ما أعجب أمركم يا أهل المدينة في هذه الأغاني ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها.(3)

وصلت بيئة المدينة حداً من الاهتمام بالغناء بحيث لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم.(4)

وقد شهد مرة دحمان المغني الشهير عند عبد العزيز المخزومي قاضي يثرب ـ المدينة ـ لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق، فأجاز القاضي شهادته وعدله.

فقال له العراقي: إنّه دحمان؟! فقال عبد العزيز: أعرفه ولو كنت جهلته


1-مروج الذهب:3/67.
2-تاريخ الأدب العربي، العصر العباسي:2/347. وبالطبع فانّ هذا الاتجاه الذي كان سائداً عند الفقهاء والزهّاد ـ خلافاً للشيعة ـ له جذور في الإسلام الذي يصب في مصالح خلفاء الجور، ويبتعد عن تعاليم القرآن و أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ومع الأسف فمازالت آثاره باقية في بعض مجتمعات أهل السنة .
3-العقد الفريد:6/11; حياة الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ :2/409.
4-الاغاني:8/225.


(237)

لسألت عنه.

فقال العراقي: إنّه يغنّي ويعلّم الجواري الغناء؟!

فقال القاضي: غفر اللّه لك و لنا، وأيّنا لا يغنّي اذهب ادفع له حقّه.(1)

وكانت تقام في المدينة حفلات الرقص والغناء وربما كانت مختلطة بين النساء والرجال دون أن توضع بينهما ستارة.(2)

و كانت عائشة بنت طلحة تقيم حفلات مختلطة من الرجال والنساء وتغنّي فيها عزّة الميلاء.(3)

وقد آل أمرهم إلى أنّه حينما أرادت إحدى المغنيات المشهورات وتدعى جميلة أن تحج خرج الناس لاستقبالها استقبالاً لم يشاهد مثله في استقبال رجل فقيه ومحدث أو مفسر أو قاض وناسك.

وقد رووا انّ جميلة حجّت وخرج معها من المغنّين مشيّعين وهم من الرجال المشهورين الحذاق بالغناء مثل : هيت، طُويس، الدلاّل، برد الفؤاد، نومةُ الضحى، فند، رحمة، هبة اللّه، معبد، مالك، ابن عائشة، ونافع بن طنبورة، بُدَيح المليح، ونافع الخير ـ و قالوا بلغ عددهم ثلاثين ـ ،و من المغنّيات: الفرهة، عزة الميلاء، حبابة، سلامة، خُليدة، عقيلة، الشماسية، فرعة، بلبلة، لذة العيش، سُعَيدة، والزرقاء.

وقد رافقها بعضهم حتى النهاية، ولمّا قاربوا مكة تلقّاهم جماعة من أشراف مكة، ولمّا قدمت المدينة تلّقاها أهلها وأشرافهم من الرجال والنساء وخرجوا من بيوتهم، فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها إعجاباً وشوقاً.(4)


1-نفس المصدر:6/21.
2-حياة زين العابدين:2/410.
3-نفس المصدر، ص 411.
4-الاغاني:8/208ـ 210; اعلام النساء، كحالة :1/211ـ 214; زندگانى على بن الحسين، ص 104.


(238)

وهذه الروايات توضح لنا جانباً من انحطاط القيم في مجتمع المدينة آنذاك.

إنّ الأشخاص الذين شايعوا جميلة ورافقوها في سفرتها هذه كانوا من كبار المغنّين وأشهرهم في تلك الفترة، فإذا افترضنا انّ لكلّ واحد من المغنّين والمغنيات تلميذاً أو تلميذة يتعلّمان الغناء عليه، ولم نستبعد احتمال وجود مجموعة أُخرى من المغنّين والمغنّيات لم يحضروا مشايعة جميلة، فسنحصل على كم هائل من المغنّين والمغنّيات يصعب التصديق به!!

إذن حينما يصل الوضع الاجتماعي لقبلة المسلمين ومركز الحكم الإسلامي لهذه الدرجة من الانحطاط، فسيكون بإمكاننا تصور الحال التي وصلت إليها مدن دمشق، البصرة، والمدن الكبيرة الأُخرى.(1)

ضرورة بيان أحكام الإسلام وبث الثقافة الإسلامية الأصيلة

وإلى جانب هذه الوضعية المؤسفة إذا ما أخذنا جهل الناس بتعاليم الإسلام وغفلتهم عن ظهور البدع والأفكار المنحرفة بعين الاعتبار، فسوف يتجلّـى عمق هذه الكارثة بشكل أوضح، ونفهم جيداً انّ الإمام السجاد وانطلاقاً من فهمه العميق لمشكلة المجتمع راح يبث الوعي بين الناس بكلماته ومواعظه، والآن نسترعي انتباهكم لنماذج من إهمال تعاليم الإسلام وجهل الناس بواجباتهم الإسلامية وغفلتهم عن الأفكار المنحرفة.

أ. طبقاً لما يقوله بعض العلماء: كان بنو هاشم يجهلون كيفية أداء الصلاة ومناسك الحجّ فترة إمامة السجاد ـ عليه السَّلام ـ ، وانّ الشيعة لم يكونوا يعرفون من الأحكام الدينية غير ما سمعوه من الأفواه.(2)


1-زندگانى على بن الحسين، ص 104.
2-دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام:1/56، مقالة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ باعث الإسلام من جديد. السيد جعفر مرتضى العاملي نقلاً عن كشف القناع عن حجّية الإجماع، ص 67.


(239)

فحينما يكون حال فريضة كالصلاة التي هي من أركان الإسلام وتجب على كلّ مسلم خمس مرات في اليوم بهذا المستوى في بني هاشم الذين يجب أن يكونوا أعلم وأعرف من الجميع في هذا، يمكن حينئذ أن نحدد مستوى الوعي الديني بين الناس في المدن الأُخرى ومستوى معرفة المسلمين حول تعاليم الإسلام ومدى ذلك؟!

ب. كان أنس بن مالك الصحابي المعروف يقول: ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قيل: الصلاة؟ قال: أليس صنعتم ما صنعتم فيها.(1)

ج. حجّ عمر بن عبد العزيز متولياً أمارة الحاج في عهد خلافة الوليد بن عبد الملك عام 87 غير انّه لم يؤد مناسك الوقوف في يوم عيد الأضحى بشكل صحيح واخطأ.(2)

د. قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: أتينا أنس بن مالك في دمشق فرأيناه جالساً وحده وهو يبكي، فلما سألناه عن ذلك؟ قال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلاّ هذه الصلاة وقد ضيّعت.

هـ. وبعد فترة قليلة من عصر أنس كان الحسن البصري يقول: لو خرج عليكم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما عرف منكم إلاّقبلتكم.(3)

و. وعن أُمّ الدّرداء قالت: دخل أبو الدّرداء وهو غضبان ، فقلت ما أغضبك؟ فقال: ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد إلاّ أنّهم يصلّون جميعاً.(4)


1-دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام:1/56، مرتضى العاملي، مقالة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ; ضحى الإسلام:1/365.
2-تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 224.
3- جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البرّ القرطبي:2/200.
4-الاعتصام ، الشاطبي الغرناطي:1/26.


(240)

ج. عرض العلوم والمعارف في درس الدعاء

ومن أساليب الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ النضالية والإعلامية الأُخرى هو عرض المعارف الإسلامية في إطار الدعاء ونعلم بأنّ الدعاء اتّصال معنوي بين الإنسان وربه، وذو أثر تربوي هام، ومن هنا كان الدعاء من وجهة نظر الإسلام ذا مكانة خاصة، وإذا جمعت الأدعية التي وصلتنا من نبي الإسلام والأئمّة المعصومين معاً لكان لدينا مجموعة كبيرة منها.

إنّ هذه الأدعية مدرسة تربوية عظيمة تلعب دوراً هاماً في تربية الإنسان روحياً.

الصحيفة السجادية

ونظراً لجو الرعب والاضطهاد الذي كان سائداً زمن الإمام السجاد أخذ الإمام يطرح ويقدم أهدافه ومبادئه في إطار الدعاء والمناجاة، و قد عرفت أدعية الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ باسم الصحيفة السجادية، وتعد بعد القرآن ونهج البلاغة من أعظم وأهمّ كنوز المعارف الإلهية القيّمة، بحيث لقبت ومنذ زمن بعيد من قبل العلماء البارزين بأُخت القرآن(1)، وإنجيل أهل البيت وزبور آل محمّد.(2)

وليست الصحيفة السجادية تقتصر على التضرع للّه والدعاء والخشوع وبيان الحاجة في ساحة قدسه، بل هي بحر بلا شاطئ من العلوم والمعارف الإسلامية قدم فيها القضايا العقائدية والثقافية والاجتماعية والسياسية وقسماً من القوانين الطبيعية والأحكام الشرعية في إطار الدعاء.


1-الذريعة إلى تصانيف الشيعة، الشيخ آقا بزرگ:15/18.
2-رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين، المقدمة، ص 4ـ5 ; معالم العلماء، ابن شهر آشوب، ص 125و131.


(241)

وقد أرسل المرجع الديني الراحل المرحوم آية اللّه العظمى النجفي المرعشي قدَّس سرَّه عام 1353 هجرية نسخة من الصحيفة السجادية إلى العلاّمة المعاصر مؤلف تفسير الطنطاوي ـ مفتى الإسكندرية ـ فكتب إليه بعد أن شكره على هذه الهدية القيمة:

ولسوء حظنا هو انّنا لم نحصل على هذا العمل القيم والخالد الذي هو تراث النبوة، وكنت كلّما أنظر فيها أراها فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق.(1)

ولأهمية الصحيفة السجادية الكبيرة في تاريخ الإسلام كتبت عدّة شروح باللغتين العربية والفارسية عليها، وقد ذكر المرحوم العلاّمة آقا بزرگ الطهراني في كتابه القيّم «الذريعة» مائة وخمسين شرحاً لها ما عدا الترجمات. مضافاً إ(2)لى تلك الشروح فقد ترجمها العلماء قديماً وحديثاً عدّة مرات، وقدنشر وطبع بعضاً منها في السنوات الأخيرة. تشتمل الصحيفة السجادية على أربعة وخمسين دعاءً، وهي:

1. التحميد للّه تعالى، 2. الصلاة على محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، 3. الصلاة على حملة العرش، 4. الصلاة على مصدّقي الرسل، 5. دعاؤه لنفسه وخاصّته، 6. دعاؤه عند الصباح والمساء، 7. دعاؤه في المهمات، 8. دعاؤه في الاستعاذة، 9. دعاؤه في الاشتياق، 10. دعاؤه في اللجوء إلى اللّه، 11. دعاؤه بخواتيم الخير، 12. دعاؤه في الاعتراف، 13. دعاؤه في طلب الحوائج، 14. دعاؤه في الظلامات، 15. دعاؤه عند المرض، 16. دعاؤه في الاستقالة، 17. دعاؤه على الشيطان، 18.


1-صحيفه سجاديه، ترجمة سيد صدر الدين الصدر البلاغي ص 37.
2- الذريعة:13/345ـ 359. وللتعرّف على روايات واسناد الصحيفة السجادية فليراجع إلى : رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين; مقدمة كتاب « الإمام زين العابدين»،للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم، ص 95ـ 118.


(242)

دعاؤه في المحذورات، 19. دعاؤه في الاستسقاء، 20. دعاؤه في مكارم الأخلاق، 21. دعاؤه في الاستكفاء، 22. دعاؤه عند الشدة، 23. دعاؤه بالعافية، 24. دعاؤه لأبويه، 25. دعاؤه لولده، 26. دعاؤه لجيرانه وأوليائه، 27. دعاؤه لأهل الثغور، 28. دعاؤه في التفرغ، 29. دعاؤه إذا قُتِر عليه الرزق، 30. دعاؤه في المعونة على قضاء الدين، 31. دعاؤه بالتوبة، 32. دعاؤه في صلاة الليل، 33. دعاؤه في الاستخارة، 34. دعاؤه إذا ابتلى ورأى مبتلى بفضيحة أو ذنب، 35. دعاؤه في الرضا بالقضاء، 36. دعاؤه عند سماع الرعد، 37. دعاؤه في الشكر، 38. دعاؤه في الاعتذار، 39. دعاؤه في طلب العفو، 40. دعاؤه عند ذكر الموت، 41. دعاؤه في طلب الستر والوقاية، 42. دعاؤه عند ختم القرآن، 43. دعاؤه إذا نظر إلى الهلال، 44. دعاؤه لدخول شهر رمضان، 45. دعاؤه لوداع شهر رمضان، 46. دعاؤه للعيدين والجمعة، 47. دعاؤه في يوم عرفة، 48. دعاؤه يوم الأضحى والجمعة، 49. دعاؤه في دفع كيد الأعداء، 50. دعاؤه في الرهبة، 51. دعاؤه في التضرع، 52. دعاؤه في الإلحاح ، 53. دعاؤه في التذلّل، 54. دعاؤه في استكشاف الهموم.(1)

الجوانب السياسية للصحيفة السجادية

وكما أشرنا لا تحوي الصحيفة السجادية أدعية المناجاة والتضرّع وبيان


1-قال المتوكل بن هارون راوي الصحيفة: كانت هذه الأدعية 75 باباً نسيت 11 باباً منها وحفظت الباقي، واحتمل المرحوم السيد علي خان المدني بعد نقله لعبارة المتوكل بأنّه قد حذفت أبواب أُخرى على يد الرواة أو انّهم نسوها فبلغ عدد الأدعية 54 ; رياض السالكين، ص 29، المقدمة، و يوجد الآن مضافاً إلى تلك الصحيفة المعروفة والتي تعرف بالصحيفة الكاملة خمس صحف أُخرى قدجمعها العلماء وهي تحوي أدعية أُخرى للإمام السجاد ونشرت تحت عنوان الصحيفة الثانية والثالثة و... ; الذريعة:15/19ـ21.


(243)

الحاجة والسؤال والخضوع فقط، بل تتمتع بجوانب سياسية واجتماعية وثقافية وعقائدية أيضاً.

فقد تعرّض الإمام السجاد في أدعيته مرات عديدة للقضايا السياسية خصوصاً قضية الإمامة وقيادة المجتمع الإسلامي، نورد قسماً منها على سبيل المثال:

أ. قال السجاد ـ عليه السَّلام ـ في دعائه العشرين (دعاؤه في مكارم الأخلاق):

«...اللّهمّ صلّ على محمّد وآله واجعل لي يداً على من ظلمني، ولساناً على من خاصمني، وظفراً بمن عاندني، وهب لي مكراً على من كايدني، وقدرة على من اضطهدني، وتكذيباً لمن قصبني، وسلامة ممن توعّدني...».

يا ترى من أُولئك الذين يظلمون الإمام ويضطهدونه ويكايدونه ويكذبونه غير عمّال عبد الملك من مثل هشام بن إسماعيل المخزومي؟!

الواقع انّ دعاء الإمام هذا شكاية ممّا يتلقّاه من ظلم واضطهاد من حكام عصره، ولهذا كان لهذا الدعاء طابع سياسي.

ب. وفي دعاء كان الإمام يدعو به يوم عيد الأضحى والجمعة:

«...اللّهمّ انّ هذا المقام ـ مقام الإمامة والقيادة وزعامة الأُمة الإسلامية التي من شؤونها ولوازمها هو إقامة الصلاة يوم الجمعة وعيد الأضحى وإيراد الخطبة ـ لخلفائك وأصفيائك ومواضع أُمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك لا يغالب أمرك... حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلاً، وكتابك منبوذاً، وفرائضك محرّفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة، اللّهم العن أعداءهم من الأوّلين


(244)

والآخرين ومن رضي بفعالهم وأشياعهم وأتباعهم...».

يصرح الإمام في هذا الدعاء بالإمامة وقيادة الأُمّة التي تختص بأهل بيت النبي، ويذكر اغتصابها على يد الظالمين، وبالتالي يرفض شرعية الحكم الأموي.

ج. وقال الإمام في دعاء عرفة:

«ربّ صلّ على أطائب أهل بيته الذين اخترتهم لأمرك، وجعلتهم خزنة علمك وحفظة دينك، وخلفائك في أرضك، وحججك على عبادك، وطهّرتهم من الرجس والدنس تطهيراً بإرادتك، وجعلتهم الوسيلة إليك والمسلك إلى جنتك...

اللّهم إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمام أقمته علماً لعبادك ومناراً في بلادك، بعد أن وصلت حبله بحبلك، وجعلته الذريعة إلى رضوانك، وافترضت طاعته وحذّرت معصيته، وأمرت بامتثال أمره والانتهاء عند نهيه، وألاّ يتقدّمه متقدّم ولا يتأخّر عنه متأخّر...».

يتحدّث الإمام هنا في هذا الدعاء عن دور الأئمّة والقادة الإلهيّين من بيت النبوة ومكانتهم الخاصة ومميّزاتهم، وهذا يعني بالدقة رفض شرعية الحكم الموجود آنذاك .

د. مواجهة علماء البلاط

إنّ من أروع مراحل حياة الأئمّة هو صدامهم ومواجهتهم لرؤوس أدعياء الفكر والثقافة من معاصريهم في المجتمع الإسلامي، أي الفقهاء والمحدّثين والمفسرين والقرّاء وقضاة البلاط الرجعيين. كان هؤلاء هم الذين يوجّهون أفكار الناس و ذهنيتهم إلى ما ينصب في مصالح السلطات الظالمة ويملون عليهم الأفكار التي يريدها الحكام الأمويون والعباسيون أن تسود بينهم ويحثّونهم على


(245)

التسليم إليها ويعدون الأرضية الفكرية لشرعية حكوماتهم.

والنموذج البارز في حياة الإمام الرابع السياسية لهذا النوع من الصدام هو مواجهته الحادة لمحمد بن مسلم الزهري ( 58ـ 124 هـ) محدّث البلاط.

فقد كان أحد التابعين وفقهاء عصره ومن محدّثي المدينة الكبار، وكان أحد الفقهاء السبعة(1)، وأحد الأعلام المشهورين ورأى عشرة من الصحابة، وقد روى عنه جماعة من كبار الفقه والحديث.(2)

وفي ضوء هذه الخلفية تمتع الزهري بوجاهة وشهرة كبيرة في الأوساط العلمية والفقهية لذلك العصر، لدرجة انّ مالك بن أنس كان يقول: لم أر في المدينة إلاّ محدثاً وفقيهاً واحداً وهو ابن شهاب الزهري.(3)

و قيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: الزهري، قيل: ثمّ من؟ قال: الزهري، قيل: ثمّ من؟ قال: الزهري.(4)

وعلى الرغم من ذلك كان الزهري منبّهراً بعظمة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ العلمية وزهده وتقواه ومعجباً بمستواه الروحي، فكان يقول: ما رأيت قرشياً أورع منه ولا أفضل. (5)

و يقول أيضاً، أفضل من رأيت، وأعلم من بني هاشم هو علي بن الحسين.(6)

وكان كلّما ذكر الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ يبكي، وكان يذكره باسم زين


1-وأمّا سائر الفقهاء السبعة عند أهل السنة، فهم ـ كما نقله ابن سعد ـ: سعيد بن المسيب، سليمان بن يسار، عكرمة مولى ابن عباس، أبو بكر بن عبد الرحمن، عطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير (الطبقات الكبرى:2/378ـ379).
2- سفينة البحار:1/573; تتمة المنتهى، ص 87; شذرات الذهب:1/162.
3-الطبقات:2/388.
4-البداية والنهاية:9/343.
5-نفس المصدر:9/104.
6-مناقب آل أبي طالب:4/159.


(246)

العابدين.(1)

وقد أفاد كثيراً منه و نقل عنه عدّة روايات.(2)

وكان الزهري عاملاً لبني أُميّة على أحد الأعمال، وفي يوم من أيام ولايته عزّر رجلاً فمات إثر ذلك، وقد اهتز كيان الزهري من هذا الحادث واغتم لذلك، وهام على وجهه وترك أهله وماله، وقال: لا أظلني سقف بعدها، فلما اجتمع بعلي السجاد، فقال له:«قنوطك يا زهري من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء أعظم من ذنبك» وأمره بالتوبة، وأن يبعث الدية إلى أهله وأن يرجع لأهله، والزهري ومع ما يتمتع به من العلم والفقاهة لم يلتفت إلى هذا الأمر، وفرح بهذا الإرشاد، وكان يقول بعدها علي بن الحسين أعظم الناس علي منّة.(3)

تلمذ الزهري لدى الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ

اشتد الجدل حول عقيدة ومذهب الزهري بين علمائنا، فبعضهم يراه من شيعة وأصحاب الإمام السجاد ويقدّمون أدلّة لرأيهم، والبعض الآخر ينتقده ويعده من أعداء أهل البيت ومن الموالين لبني أُمية.

وقد جمع مؤلّف «روضات الجنات» بين الرأيين بهذا النحو: إنّه كان في مبتدأ عمره كما عرفته من جملة علماء أهل السنّة و ندماء حزب الشيطان ـ بني أُمية ـ ثمّ


1-كشف الغمّة في معرف الأئمّة:2/288.
2-للتعرّف على هذه الروايات يراجع الكتب التالية: بحار الأنوار:46/57 ، 64 ، 65 ، 73 ، 82، 107 و 150; الاحتجاج:2/51; الاستبصار:2/80; كشف الغمة:2/315; حلية الأولياء:3/141; أُصول الكافي:2/130; فروع الكافي:4/83 و 5/36.
3-مناقب آل أبي طالب:4/59; كشف الغمة:2/319ـ320; الطبقات الكبرى:5/214; البداية والنهاية:9/106.


(247)

إنّ علمه وإدراكه أدركاه وأرشداه إلى الحقّ المبين، فصيّراه في أواخر عمره من الراجعين إلى الإمام زين العابدين في زمرة المستنصرين منه. (1)

غير انّه و على العكس من رأيه توجد هناك وثائق وأدلّة تاريخية كثيرة تدلّ على أنّه في بداية أمره وأبّان شبابه في المدنية كان على علاقة بالإمام السجاد، وكان يستفيد من مجلس درسه ومدرسته غير انّه مال فيما بعد إلى بني أُمية وتولاّهم وانخرط في بلاطهم، وما كان يقوله الأمويون أحياناً طعناً وتجريحاً له: ما يفعل نبيّك ـ علي بن الحسين ـ؟! (2)ربما يخص هذه المرحلة من حياته. و بعد قليل سندرس حياته ونبحث الأدلة الدالة على علاقته بالبلاط الأموي.

الزهري في بلاط بني أُمية

قد عدّه ابن أبي الحديد أحد المبغضين لعلي ـ عليه السَّلام ـ وكتب: سمع علي بن الحسين يوماً انّ الزهري وعروة بن الزبير جالسان في مسجد النبي يذكران علياً فنالا منه، فجاء علي بن الحسين حتى وقف عليهما ووبّخهما .(3)

ورغبة في الثراء والعافية والرفاه الذي يوجد عند بني أمية توجّه الزهري في عهد عبد الملك إلى دمشق و اتّخذ من علمه ومعرفته سلّماً للتمتع بالمظاهر الدنيوية، ولفت انتباه عبد الملك إليه، فأكرمه وعيّن له راتباً وقضا ديونه و منحه خادماً، وهكذا انخرط الزهري في عداد المقرّبين والندماء لعبد الملك.(4)

وكتب ابن سعد: وكان قبيصة بن ذؤيب على خاتم عبد الملك بن مروان


1- روضات الجنات:7/245، وحول هذين الرأيين راجع سفينة البحار:1/573، مادة زهر ; قاموس الرجال:8/387; رجال الطوسي، ص 101.
2-مناقب آل أبي طالب:4/159.
3-شرح نهج البلاغة:4/102.
4-البداية والنهاية:9/341و 346.


(248)

وهو أدخل الزهري على عبد الملك بن مروان ففرض له ووصله وصار من أصحابه.(1)

ومن هنا بدأت علاقة الزهري ببلاط الأمويّين الوضيع، فقد ذاق طعم حلاوة الدعة والرفاهية والملذّات الدنيوية في بلاط عبد الملك، ولذلك ظلّ على هذه الحال حتى في بلاط أبنائه مثل: الوليد، سليمان، يزيد، و هشام، و هكذا في بلاط عمر بن عبد العزيز.

فقد ولاّه يزيد بن عبد الملك منصب القضاء، وقد تمتع في حكم هشام بن عبد الملك بتقدير واحترام خاص فجعله معلّماً لأولاده، وبقي على هذه الحال حتى نهاية حياته.(2)

وسدّد هشام عنه ديونه البالغة ثمانين ألف درهم.(3)

وكتب ابن سعد بأنّه جاء الزهري هشاماً في الرصافة وكان مقيماً عندهم ـ بني أُمية ـ قبل ذلك مدّة عشرين عاماً ً(4).

و هكذا ينقل عن سفيان بن عيينة بأنّه جاء الزهري برفقة هشام الخليفة آنذاك عام مائة وثلاثة وعشرين إلى مكة وأقام هناك حتى عام مائة وأربعة وعشرين.(5)

وقد طابت له حياة البلاط والرفاهية التي كان يتمتع بها وأدمن عليها لدرجة انّه حينما قالوا له: لو انّك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة فقعدت إلى مسجد رسول اللّه ودرجت وجلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس وعلّمتهم؟


1-الطبقات الكبرى:7/447(ترجمة قبيصة).
2-البداية والنهاية:9/341; وفيات الأعيان:4/178.
3-البداية والنهاية:9/343.
4-الطبقات الكبرى:7/474.
5-نفس المصدر:5/497.


(249)

فقال: لو انّي فعلت ذلك لوطئ عقبي، و لا ينبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة.(1)

احتياج الخلفاء الظالمين إلى وعّاظ السلاطين

إنّنا نعلم بأنّ الظلمة اللا إسلاميين من الخلفاء لم يكن أمامهم كي يحكموا المسلمين سوى توجيه إيمانهم القلبي نحو شرعية ما يقومون به من أعمال، لأنّه لم يمض وقت طويل على صدر الإسلام في تلك الفترة وكان إيمان الناس بالإسلام راسخاً، ولو كان الرأي العام يدرك بأنّ البيعة التي بايع بها الظالمين بيعة غير صحيحة ولا تليق بخلافة رسول اللّه لما كان يستسلم لهم، وإن لم نقبل هذا الأمر على جميع الناس أيضاً فلا شكّ كان هناك الكثير من الناس يتقبل الحالة اللا إسلامية للجهاز الحاكم انطلاقاً من عقيدتهم القلبية، أي انّهم كانوا يتصوّرون انّ وضع الجهاز الحاكم هو وضع إسلامي.

ولذلك حاول الخلفاء الظلمة وبدافع إضفاء صفة الشرعية على حكمهم أن يجمعوا المحدّثين وعلماء الدين في بلاطهم ويحثّوهم على وضع أحاديث على لسان نبي الإسلام وصحابته الكبار لصالحهم حتى تتهيّأ من خلال ذلك الأرضية الذهنية والفكرية لتقبّل حكمهم في المجتمع.(2)

وعلى هذا الأساس كان الدافع من جرّ الزهري إليهم هو استغلال موقعه الديني، وهو بدوره فرّغ نفسه لخدمتهم بشكل تام وألّف الكتب ووضع الأحاديث لصالحهم، وبذلك ساعدهم في تحقيق أهدافهم المشؤومة.

وقال شخص يدعى معمر: كنّا نرى انّا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل


1-البداية والنهاية:9/348.
2-دراسة حياة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ ص 56، السيد علي الخامنئي.


(250)

الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته، وكان يقال هذا علم الزهري.(1)

أي انّه ولكثرة ما كتب الزهري وألّف للوليد بناء على طلبه لوضع الأحاديث حينما أرادوا أن يخرجوها من خزانة الوليد اضطروا أن يحملوها على المراكب و نفس الزهري كان يقول: كنّا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأُمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين.(2)

وكتب ابن كثير: انّ هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يكتب لنبيه شيئاً من حديثه، ومن ذلك اليوم كتب الناس الحديث.(3)

وسأل هشام بن عبد الملك الزهري يوماً أن يكتب شيئاً من حديثه، فأملى على كاتبه أربعمائة حديث، ثمّ خرج على أهل الحديث فحدّثهم بها.(4)

وأصدر عمر بن عبد العزيز أمراً جاء فيه: عليكم بابن شهاب الزهري، فانّه ما بقي أحد أعلم بسنة ماضيه منه.(5)


1-البداية والنهاية:9/346; الطبقات الكبرى:2/389; تذكرة الحفاظ:1/112.
2-الطبقات الكبرى:2/389; البداية والنهاية:9/341.
3-البداية والنهاية:9/341.
4-تهذيب التهذيب:9/449; تذكرة الحفاظ:1/110.
5-البداية والنهاية:9/343. انّ منع تدوين الحديث وكتابته بدأ بعد رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومنذ عهد عمر بن الخطاب واستمر حتى نهاية القرن الأوّل ورفعه عمر بن عبد العزيز بشكل رسمي، ويعتقد من يحلّل التاريخ الإسلامي انّه كان لهذا المنع دافع سياسي وهو القضاء على المكانة التي كان يتمتع بها أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ في تلك الفترة وإخفاؤها، لأنّ علياً كان قد كتب كتباً دوّن فيها أحاديث الرسول في حياته وفي مجالات متعدّدة، فإنّ بث ونشر هذه الأحاديث سيتضارب مع مصلحة الخليفة من الناحية السياسية، لأنّ كلاً منها يثبت حقّ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ويشكّل 9; وثيقة حية، ومن هنا منع عمر كتابة الحديث، وهكذا نجد انّه كما كان لمنع تدوين الحديث دافع سياسي كان لغو هذا المنع من قبل هشام كذلك.
وسنوضح ذلك في سيرة الإمام الباقر أكثر، وعلى أيّة حال لم تعبأ الشيعة بهذا المنع وراحوا يكتبون الحديث ويروونه بعد رحيل النبي مباشرة فكانوا سبّاقين في كتابته وتدوينه.


(251)

وهنا يجب علينا أن نرى كلّ هذه الكتب والأوراق التي ملئت بالأحاديث بأمر من الوليد وهشام ما هي نوعية الأحاديث التي دونت فيها؟ وممّا لاشك فيه هو انّه لا يوجد ولا حتى حديث واحد في شجب من هم على شاكلة الوليد وهشام، بل سنجد فيها ذلك النوع من الأحاديث التي تضفي صفة الشرعية على أعمالهم الخبيثة الغير إسلامية، وتقلّل من شأن ومكانة منافسيهم وخصومهم السياسيّين، أي بني هاشم.

والوثيقة التاريخية المذكورة أدناه دليل ساطع على نوع الأحاديث التي كان يرغب إليها هشام.

كتب هشام بن عبد الملك إلى الأعمش ان أكتب لي فضائل عثمان ومساوئ عليّ، فأخذ كتابه ولقمه شاة عنده وقال لرسوله: هذا جوابك!

فألحّ عليه الرّسول في الجواب وتحمّل عليه باخوانه وقال: إن لم آت بالجواب قتلني. فكتب: بسم اللّه الرحمن الرّحيم ، أمّا بعد، لو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعك، ولو كان لعليّ مساوي أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك نفسك والسلام.(1)

أحاديث الزهري الموضوعة

وضع الزهري أحاديث تصب في صالح بني أُمية، لتبرير سياستهم اللا


1-شذرات الذهب: ابن العماد الحنبلي:1/221.


(252)

دينية، وللطعن في البيت الهاشمي نورد هنا نماذج منها:

أ. نسب الزهري إلى نبي الإسلام بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا تشدُّ الرحال إلاّإلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام».(1)

و قد نقل هذا الحديث كلّ من: مسلم، وأبو داود والنسائي، وهم ثلاثة من أكبر علماء السنّة في الحديث عن طريق أبي هريرة بهذا النحو: لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى».(2)ولم يوجد في أي واحد منها عبارة: وهو يقوم


1-تاريخ اليعقوبي:3/8.
2-صحيح مسلم:4/126، كتاب الحج; سنن أبي داود، ص 216; سنن النسائي بشرح السيوطي:2/37ـ 38. وسنن الترمذي(الجامع الصحيح):2/148، باب 243، حديث326 عن طريق أبي سعيد الخدري.


(253)

لكم مقام المسجد الحرام!

ومن الواضح انّ هذه الإضافة قد تمت بأمر من عبد الملك على يد الزهري، وتتعلّق بالفترة التي كان عبد اللّه بن الزبير فيها مستولياً على مكة، وكان حكم عبد الملك منحصراً في الشام حينما كان النزاع العسكري والسياسي في ذروته.

في ذلك الوقت الذي كان كلّما أراد أهل الشام الحج كانوا لابد وأن يقيموا في مكة بضعة أيام، وكانت هذه فرصة مناسبة وجيدة لعبد اللّه بن الزبير لممارسة سياسته الإعلامية ضد عبد الملك، وكان هذا الأمر يعرّض شرعية حكومته للخطر في مركز الخلافة، ولعدم رغبته في تأثر الحجاج بالإعلام المضاد منع الحج على الشاميين وأخذ الناس يتذمّرون من ذلك وانّه لِمَ تمنعنا من الحج الواجب؟ فقال عبد الملك: ابن شهاب الزهري يروي عن رسول اللّه أنّه قال : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي وضع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قدمه عليها ليلة الإسراء تقوم مقام الكعبة!

ثمّ بني عليها وبأمر من عبد الملك قبة، وضرب عليها ستائر من الحرير، وجعل لها السدنة، وحثّ الناس على الطواف حولها، وأمست هذه العادة باقية طيلة الحكم الأموي.(1)

وهكذا يلاحظ بأنّ الدافع من وراء وضع العبارة الأخيرة وإضافتها إلى الحديث(2)على يد الزهري هو إمالة الناس عن السفر إلى بيت اللّه ـ الذي كان تحت سيطرة عبد اللّه بن الزبير ـ ودفعهم نحو فلسطين التي كانت تحت سيطرة عبد الملك ومن اعمال الشام، وفي النتيجة حاول الزهري من خلال كلّ ذلك تقوية موقع عبد الملك والحكم الأموي المتمثل به.

ب. وكان الزهري ولأجل أن يقلّل من حدة كراهية الناس لآل مروان ويحرّف موقف الإمام السجاد الإلهي اتجاههم راح يذكره ـ عليه السَّلام ـ بهذا النحو: «وكان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك».(3)

في حين انّ درجة عداوة آل مروان لآل علي غير خافية على أحد، وانّ درجة كراهية العلويين لآل مروان واضحة للجميع هي الأُخرى، فلن يصدّق أحد بتهمة طاعة الإمام السجاد لآل مروان فضلاً عن تصديق انّه أطوع الأئمة.

ج. يروي الزهري عن عائشة أنّها قالت:

كنت يوماً عند رسول اللّه فجاء العباس وعلي فقال رسول اللّه: يا عائشة


1-تاريخ اليعقوبي:3/8. ويراجع: أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، ص 157.
2-وإن كان هناك مناقشة في أصل الحديث أيضاً.
3-الطبقات الكبرى:5/215; البداية والنهاية:9/106.


(254)

هذان يموتان على غير ديني.(1)

ومن الواضح انّ هذا الحديث وضع بدافع الحط من مكانة علي الكبيرة وتألّقه ولإرضاء آل مروان و إلاّ فمن هذا الذي يصدق بصحة هذا الحديث؟!

والطريف هو انّ الزهري ينقل هذا الحديث عن عروة بن الزبير عن عائشة، والجميع يعلمون كم كانت عائشة تحقد على علي ـ عليه السَّلام ـ ؟ كما أنّ عروة أيضاً كان من أعداء أهل بيت النبوة، وهذا ابن أبي الحديد يصرح بأنّه مثل أبي هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة الذين كانوا من مرتزقة معاوية في وضع الحديث في طعن علي ـ عليه السَّلام ـ .(2)

د. روى الزهري بأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طرق علياً وفاطمة عليمها السَّلام فقال لهما: ألا تصليان؟ قال علي فقلت: يا رسول اللّه إنّما أنفسنا بيد اللّه عزّوجلّ فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف النبي وهو يقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)(3).(4)

إنّ الزهري وبوضعه لهذه القصة الكاذبة يريد أن يصور علياً بصورة إنسان جبري مجادل، إنّ كذب هذه الرواية بحديُغني عن أي فحص ودراسة.عجباً يجادل وليد الكعبة وقتيل المحراب رسول اللّه في الصلاة؟!

هـ. يذكر الزهري قصة على لسان علي ـ عليه السَّلام ـ بالصورة التالية:

انّ عليّاً قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أعطاني ممّا أفاء اللّه عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة ـ عليها السَّلام ـ بنت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واعدتُ رجلاً صوّاغاً في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي باذخر فأردت أن


1-شرح نهج البلاغة:4/63.
2-نفس المصدر .
3-الكهف:54.
4-صحيح البخاري:9/106، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة; أجوبة مسائل جار اللّه:69; حلية الأولياء:3/143.


(255)

أبيعه من الصواغين فنستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفيّ قد أُجبّت أسنمتها، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عينيّ حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، عنده قينة وأصحابه، فقالت في غنائها (ألا يا حمز للشُّرف النِّواء)، فوثب حمزة إلى السيف فأجب اسنمتهما، وبقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، قال علي فانطلقت حتى أدخل على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعنده زيد بن حارثة، وعرف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي لقيت، فقال: مالك؟ قلت: يا رسول اللّه ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتيّ فأجبّ اسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب، فدعا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بردائه فارتدى، ثمّ انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه، فأذن له، فطفق النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل، محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثم صعّد النظر فنظر إلى ركبته ثمّ صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إلاّ عبيد لأبي، فعرف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه ثمل، فنكص رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على عقبيه القهقهرى فخرج و خرجنا معه.(1)

وحاول الزهري بوضعه هذه القصة المضحكة أن يرسم لشخصية عظيمة ومتألّقة مثل حمزة سيد الشهداء الذي صلّـى نبيّ الإسلام على جثمانه المضمخ بالدماء سبعين مرّة في ساحة الحرب، صورة الإنسان المتحلّل السكّير الذي لا يحترم أية قيمة من القيم والذي لا تتناسب أعماله مع أي مبدأ أخلاقي وديني، ومن الواضح انّ هذه التهم والافتراءات الباطلة التي يوجهها الزهري المرتزق


1-صحيح البخاري:5/83، باب قصة غزوة بدر; أجوبة مسائل جار اللّه، 70; حلية الأولياء:3/144.


(256)

كانت بدافع تقديم حمزة وتعريفه على أنّه مثل الأمويين غارق في الفساد وملوث مثلهم، وبذلك يخلق لأسياده الأمويين شريكاً في الجريمة.(1)

رسالة الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ القاصعة إلى الزهري

ونظراً إلى هذا الماضي الأسود الذي يحمله الزهري كتب الإمام السجاد إليه رسالة حادة اللهجة وبدافع الخير والنصيحة، وهي:

«كفانا اللّه وإيّاك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم اللّه بما أصحّ من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج اللّه بما حمّلك من كتابه وفقّهك من دينه وعرفّك من سنّة نبيّه محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فرض لك في كلّ نعمة أنعم بها عليك وفي كلّ حجة احتج بها عليك الفرض، فما قضى إلاّ ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك فقال: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ وَلِئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد). (2)

فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي اللّه فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك كيف قضيتها؟ ولا تحسبنّ اللّه قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال:(لتُبيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ).(3)

واعلم أنّ أدنى ما كتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنّوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غداً مع الخونة، وأن تسأل عمّا أخذت بإعانتك على


1-يراجع للمزيد من الاطلاع على وضع هذا الحديث كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم، للسيد جعفر مرتضى العاملي:4/40، غزوة بدر.
2-ابراهيم: 7.
3-آل عمران: 187.


(257)

ظلم الظلمة انّك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممّن لم يردّعلى أحد حقاً ولم ترد باطلاً حين أدناك، وأحببت من حادّ اللّه.

أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسُلّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلاّدون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم.

فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك.

وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خرّبوا عليك.

فانظر لنفسك فانّه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول، وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أن تكون كما قال اللّه في كتابه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا). (1)

إنّك لست في دار مقام أنت في دار قد آذنت برحيل فما بقاء المرء بعد قرنائه؟! طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يابؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعد، احذر فقد نبّئت، وبادر فقد أُجلت، انّك تعامل من لا يجهل، وانّ الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسب انّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكنّي أردت أن ينعش اللّه ما قد فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول اللّه تعالى في كتابه: (وَذكِّر فانَّ الذكرى تَنفع المؤمنين) .(2)


1-الأعراف: 169.
2-الذاريات: 55.


(258)

أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؟!

انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه؟ أم هل تراهم ذكرت خيراً علموه وعلمت شيئاً جهلوه، بل خطيت بما حلّ من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم.

أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟! قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت أيدركوا به مثل الذي أدركت؟ فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره فاللّه لنا ولك وهو المستعان.

أمّا بعد فأعرض عن كلّ ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم ليس بينهم وبين اللّه حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا ان لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنّك ورسوخ علمك وحضور أجلك(1); فكيف يسلم الحدث في سنّه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟!

إنّا للّه وإنّا إليه راجعون على من المعول؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى اللّه


1-لو فرض انّ الإمام كتب رسالته تلك في أواخر عمره مع الأخذ بنظر الاعتبار انّ الزهري ولد عام 58هـ وانّ الإمام استشهد عام 94 أو 95، فسنّ الزهري في ذلك الزمان لم يتجاوز 36 سنة ولم يبلغ مرحلة الكهولة بعد، وهنا نطرح عدّة احتمالات: أحدها انّ الزهري ولد قبل عام 58هـ، وانّ تاريخ ولادته قد صُحف، فقد كتب ابن خلكان انّ تاريخ ولادته عام 51هـ وكتب الذهبي انّه عام 50هـ.


(259)

بثّنا وما نرى فيك، ونحتسب عند اللّه مصيبتنا بك.

فانظر كيف شكرك لمن غذّاك صغيراً وكبيراً؟! وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً؟! وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً؟! وكيف قربك أو بعدك ممّن أمرك أن تكون منه قريباً ذليلاً؟!

ما لك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول: واللّه ما قمت للّه مقاماً واحداً أحييت به له ديناً أو أمتّ له فيه باطلاً فهذا شكرك من استحملك! ما أخوفني أن تكون كمن قال اللّه تعالى في كتابه: (أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً). (1)

ما استحملك كتابه واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد اللّه الذي عافانا ممّا ابتلاك والسلام».(2)

درس التحرّر

يجب أن لا يعتقد بأنّ الحكام الأمويين لم يفكّروا بنصب المصائد للإمام السجاد مثلما نصبوها للزهري وأمثاله، فقد كان ـ عليه السَّلام ـ لا يعبأ بما يقومون به من إغراءات ووعود وتهديد وكلّما حاولوا أن يستميلوه إليهم كان يخيب أملهم، ونعرض هنا نموذجين يشهدان على ذلك:

أ. كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت وعلي بن الحسين يطوف بين يديه لا يلتفت إليه ولم يكن عبد الملك يعرفه بوجهه، فقال: من هذا الذي يطوف بين أيدينا ولا يلتفت إلينا؟ فقيل: هذا علي بن الحسين، فجلس مكانه وقال: ردّوه إليّ، فقال له:يا علي إنّي لست قاتل أبيك فما يمنعك من المصير إليّ؟


1-مريم:59.
2-تحف العقول عن آل الرسول، ص 274ـ 277، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري; الإمام زين العابدين، عبد الرزاق الموسوي المقرم، ص 154ـ 159.


(260)

فقال ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ قاتل أبي أفسد بما فعله، دنياه عليه وأفسد أبي عليه بذلك آخرته، فإن أحببت أن تكون كهو فكن» .

فقال: كلا، ولكن صر إلينا لتنال من دنيانا.

فجلس زين العابدين وبسط رداءه فقال: «اللّهمّ أره حرمة أوليائك عندك» فإذا رداءه مملوء درراً يكاد شعاعها يخطف الأبصار، ثمّ قال:«اللّهم خذها فلا حاجة لي فيها».(1)

ب. كان عبد الملك قد اطّلع على أنّ سيف رسول الإسلام بحوزة علي بن الحسين عليمها السَّلام .

(وكان هذا أمراً رائعاً، لأنّه ذكرى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ويبعث على الفخر والاعتزار، وناهيك عن أنّه رمز الحكم والدولة، لذا كان وجوده في حوزة علي بن الحسين موجباً للقلق لدى عبد الملك، لأنّه كان يجذب الناس) ولذلك أرسل إليه رسولاً يطلب منه أن يبعث السيف إليه، وكتب في أسفل الرسالة بأنّني مستعد لأن أقضى ما تحتاج إليه، فرفض الإمام.

ثمّ كتب عبد الملك رسالة إليه يتوعّده فيها وانّه إذا لم تبعث بالسيف فسوف أحرمك من العطاء ـ و كان لجميع الناس في تلك الفترة عطاء من بيت المال و للإمام أيضاً ـ فكتب الإمام ردّاً على ذلك:

«أما بعد فانّ اللّه أمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون والرزق من حيث لا يحتسبون، وقال جل ذكره( انّ اللّه لا يحب كلّ خوّان فخور)(2) فانظر أيّنا أولى بهذه الآية.(3)


1-الخرائج والجرائح:1/255; الصحيفة السجادية الخامسة، السيد الأمين، ص 492.
2-الحج:32.
3-أعيان الشيعة:1/635; بحار الأنوار:46/95; دراسة حياة الإمام السجّاد، ص 73.


(261)

هـ. نشر الأحكام والأفكار التربوية والأخلاقية

والصعيد الآخر من أصعدة الجهاد للإمام السجاد للمظالم والانحرافات في عصره هو بث الأحكام الإسلامية وتبيين القضايا التربوية والأخلاقية، وقد خطا الإمام خطوات عظيمة في هذا المجال، لدرجة انّه حاز على إعجاب العلماء كما كتب عن ذلك عالم الشيعة الكبير الشيخ المفيد:«وقد روى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا تحصى كثرة وحفظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء ولو قصدنا شرحه لطال بنا الخطاب.(1)

ومن آثار الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ التربوية والأخلاقية رسالة الحقوق، وهي رسالة بيّن فيها الإمام وظائف الإنسان وواجباته تجاه اللّه تعالى ونفس الإنسان والآخرين، وقد عدّد الإمام هذه الوظائف التي تجاوزت الخمسين حقاً بشكل إجمالي في البداية ثمّ فصّلها بعد ذلك.(2)

إنّ رسالة الحقوق هذه التي نقلها المحدّثون وسجلت في كتب الحديث قد طبعت مستقلة وشرحت وترجمت مرات عديدة.

أمّا فهرس الحقوق التي بيّنها فبالصورة التالية:

1.حق اللّه، 2. حق نفس الإنسان، 3. حقّ اللسان، 4. حقّ الاذن، 5. حقّ العين، 6. حقّ اليد، 7. حقّ القدم، 8. حقّ البطن، 9. حقّ العورة، 10.


1-الإرشاد:260.
2-نقل المرحوم الشيخ الصدوق هذه الرسالة في كتاب الخصال(أبواب الخمسين وما فوقه) مسنداً، وفي كتاب من لا يحضره الفقيه مرسلاً. ونقلها الحسن بن شعبة في كتاب تحف العقول أيضاً بلا سند ولكن بشكل أكثر تفصيلاً. عدد الحقوق على نقل الصدوق واحد وخمسون، وعلى رواية ابن شعبة خمسون حقاً ـ راجع زندگانى علي بن الحسين ، الدكتور الشهيدي، ص 169ـ 188.


(262)

حقّ الصلاة، 11. حقّ الحجّ، 12.حقّ الصوم، 13. حقّ الصدقة، 14. حقّ الأضحية، 15. حقّ السلطان، 16. حقّ المعلم، 17. حقّ مالك الرقيق، 18. حقّ الرعية، 19. حقّ التلاميذ، 20. حقّ المرأة، 21. حقّ العبد، 22. حقّ الأُمّ، 23. حقّ الأب، 24. حقّ الابن، 25. حقّ الأخ، 26. حقّ المعتق، 27. حقّ المعتَق، 28. حقّ عامل الخير، 29. حقّ المؤذن، 30. حقّ الإمام، 31. حقّ الجليس، 32. حقّ الجار، 33. حقّ الصاحب، 34. حقّ الشريك، 35. حقّ المال، 36. حقّ الدائن، 37. حقّ المعاشر، 38. حقّ العدو على الإنسان، 39. حقّ الإنسان على العدو، 40. حقّ المستشير، 41. حقّ المستشار، 42. حقّ طالب النصيحة، 43. حقّ الناصح ، 44. حقّ الكبير، 45. حقّ الصغير، 46. حقّ السائل المحتاج، 47. حقّ المسؤول، 48. حقّ مقرح الإنسان، 49. حق المسيء، 50. حقّ المسلم 51. حق الذمة.

و. ملاذ المساكين

ومن جوانب حياة الإمام الرابع المتألّقة هو خدماته الاجتماعية في ذلك العصر المظلم، وقد اسثمرت هذه الخدمات من قبل الإمام طيلة حياته، سواء في الأيام العصيبة والمضطربة التي عاشتها المدينة في مأساة الحرة، أو في الفترة المستقرة التي كان المحتاجون والمساكين ينتظرون اليد الحنون التي تمتد إليهم بحب وسخاء، وقد نقل التاريخ لنا نماذج بارزة من تلك الخدمات:

فقد كان الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ يعول مائة عائلة فقيرة في المدينة.(1)


1-حلية الأولياء:3/136; تذكرة الخواص، ص 327; كشف الغمة:2/289; نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ص 140; بحار الأنوار:46/88; مناقب آل أبي طالب:4/154; الطبقات الكبرى:5/222; اسعاف الراغبين(في هامش نور الأبصار) الشيخ محمد الصبان ص 219; الإتحاف بحب الأشراف ص 136.


(263)

وكان جماعة من أهل المدينة يعيشون على الطعام الذي كان يأتيهم ليلاً ومن دون معرفة حامله إليهم، وبعد رحيل علي بن الحسين عرفوا لتوهّم بأنّ الشخص الذي كان يأتيهم بالطعام هو علي بن الحسين.(1)

فقد كان يحمل الطعام وجراب الخبز على ظهره متنكّراً إلى بيوت الفقراء، ويقول:«إنّ صدقة السر تطفئ غضب اللّه».(2)

وكان أهل المدينة يقولون:

ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي السجّاد.(3)

وكان الإمام ـ عليه السَّلام ـ لكثرة ما كان يحمله من جرب الدقيق والأطعمة الأُخرى على ظهره ويأخذه بنفسه إلى بيوت الفقراء طيلة سنوات مديدة حتى اسودّ ظهره، وانّه وبعد استشهاده غسّلوه وجعلوا ينظرون إلى آثار السواد في ظهره وقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه الفقراء.(4)

ز. المركز التربوي

كانت العبودية حينما ظهر الإسلام سائدة في ذلك العصر في أنحاء العالم حتى في حضارة اليونان والروم، ولمّا كان القضاء على هذه الظاهرة المنتشرة غير ممكن دفعة واحدة، وفّر الإسلام ومن خلال طرق مختلفة الأرضية للقضاء عليها


1-كشف الغمة 2/289; نور الأبصار:140، حلية الأولياء 3/140; البحار :46/88.
2-كشف الغمة: 2/289; حلية الأولياء:3/136; تذكرة الخواص : 327.
3-حلية الأولياء :3/136; نور الأبصار : 140; البحار:46/88; الإتحاف136; كشف الغمة: 2/313; تذكرة الخواص:327.
4-حلية الأولياء:3/136; كشف الغمة:2/289; مناقب ابن شهر آشوب:4/154; الخصال : 517و 518.


(264)

بالتدريج.

فمن ناحية قلّص طرق الاسترقاق وحدّدها، وقد جعل العتق كفّارة لكثير من الذنوب والمعاصي.

من ناحية ثانية وفّر لهم سبل الحرية.

ومن جهة ثالثة قد أوصى نبي الإسلام المسلمين بأن يعاملوا العبيد معاملة حسنة كما لو كانوا عضواً من أعضاء الأُسرة، وأمر الموالي بأن يطعموهم مما هم يأكلون ويكسوهم ما يكتسون هم به. وفضلاً عن ذلك قدّم عملية العتق بأنّها تحتوي على قيمة وثواب وفضل كبير لدرجة نجد انّ رواياتنا شبّهت الكثير من الأعمال الصالحة من ناحية كثرة الثواب والفضيلة بالعتق وتحرير العبيد، وبهذا النحو شُجع المسلمون على القيام بذلك .

كلّ ذلك يوضح نظرة الإسلام حول العبودية لدرجة ما.(1)

ومن هذا المنطلق ينبغي تحليل التعامل الخاص والرائع للإسلام وأئمته مع قضية العبودية.

وعلى أية حال تبقى قضية تحرير العبيد حينما ندرس حياة الإمام الرابع أيضاً ملفتة للنظر بيد أن نطاق هذه العملية واسع جداً لدرجة انّه لا يمكن تبريرها وفق التقديرات المسبقة، ويبدو انّ للإمام الرابع في عمله هذا دوافع أُخرى أرقى ممّا ذكر، ويوضح لنا التدقيق في هذا المجال انّه كان للإمام في عمله هذا نظرة تربوية وإنسانية، وذلك انّه كان يشتري العبيد ويخضعهم لأجواء تعليمية وتربوية ثمّ يحرّرهم بعد ذلك وكانوا يمارسون نشاطهم الثقافي والتربوي بصفتهم


1-راجع في هذا المجال «العبودية في الإسلام» محمد صادق ايرجي، رسالة بكالوريوس.


(265)

شخصيات نموذجية، وتظل علاقتهم بالإمام مستمرة بعد تحريرهم أيضاً.

كتب علي بن طاووس ضمن أعمال شهر رمضان: وكان علي بن الحسينعليمها السَّلام يعتق في آخر ليلة من شهر رمضان ما بين العشرين رأساً إلى أقل أو أكثر، وكان يقول: «إنّ للّه تعالى في كلّ ليلة من شهر رمضان عند الإفطار سبعين ألف عتيق من النار كلاً قد استوجب النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق فيها مثل ما اعتق في جميعه، وأنّي لأُحب أن يراني اللّه وقد أعتقت رقاباً في ملكي في دار الدنيا رجاء أن يعتق رقبتي من النار. وما استخدم خادماً فوق حول كان إذا ملك عبداً في أوّل السنة أو في وسط السنّة إذا كان ليلة الفطر أعتق واستبدل سواهم في الحول الثاني ثمّ أعتق كذلك كان يفعل حتى لحق باللّه تعالى، ولقد كان يشتري السودان وما به إليهم من حاجة يأتي بهم عرفات فيسدّبهم تلك الفرج والخلال، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم وجوائز لهم من المال.(1)

وحسب ما قاله أحد الكتّاب: إنّ العبيد ما ان يسمعون بذلك يحررون أنفسهم من أسر عبودية الأشراف والوجهاء ويقدّمون أنفسهم لخدمة زين العابدين.

وكانت الأيام تمضي وعلي بن الحسين يواصل تحريره للعبيد، فقد كان يكرر ذلك في كلّ عام وشهر وكلّ يوم وبمناسبات مختلفة، لدرجة انّه قد تشكّلت مجموعة ضخمة من العبيد والجواري الذين حرّرهم في المدينة.(2)

وكما أُشير إليه يمكن أن نستنتج من كلّ ذلك انّ الإمام و من خلال هذا المنهاج قد أحدث مركزاً تربوياً كان يشتري العبيد ويعيّشهم في أجواء تعليمية


1-إقبال الأعمال ، دار الكتب الإسلامية ، ص 261.
2-حياة زين العابدين، عبد العزيز سيد الأهل، ص 55، مترجم.


(266)

وتربوية لفترة ثمّ بعد تحريرهم يصبح كلّ منهم نموذجاً يحتذى به، ولم يكونوا يقطعون علاقتهم المعنوية والروحية مع الإمام و كانوا بدورهم يقومون بنشاطهم التربوي تجاه الآخرين.

إنّ هذا المنهاج الذي اتّبعه الإمام وعلى الرغم من وجود التضييق من ناحية قيادة وإرشاد المجتمع بشكل مباشر جدير جداً بالالتفات والدراسة.(1)


1-استفدت في كتابة هذا الفصل من كتاب« الإمام الرابع حامي ثورة كربلاء» لصديقي وأخي العالم السيد علي أكبر الحسني(فارسي).


(267)


الإمام محمد الباقر ـ عليه السَّلام ـ

*مؤسس النهضة العلمية الكبرى

* تلاميذ مدرسة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

* باقر العلوم وفاتح أبواب المعرفة

* تاريخ منع كتابة الحديث من قبل الخلفاء

* الشيعة مؤسسو كتابة الحديث

* الإمام الباقر في الشام


(268)


(269)

نبذة مختصرة من حياة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

ولد الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ عام 57 هجرية في المدينة وكان عمره حينما رحل أبوه الإمام زين العابدين سبعة وثلاثين أو ثمانية وثلاثين عاماً، اسمه محمد، وكنيته أبو جعفر، ولقبه الباقر وباقر العلوم، أُمّه أُمّ عبد اللّه بنت الإمام الحسن المجتبى، ولذلك هو أوّل من كان علوياً وفاطمياً من الأب والأُمّ.

توفّي الإمام عام 114 هجرية في المدينة ودفن في المقبرة المعروفة بالبقيع إلى جانب قبر أبيه وجدّه، وقد استغرقت إمامته تسعة عشر أو عشرين عاماً.(1)

الخلفاء المعاصرون للإمام

عاصر الإمام الخامس خلال فترة إمامته من الحكام والخلفاء :

1. الوليد بن عبد الملك (86ـ 96هـ).

2. سليمان بن عبد الملك(96ـ 99هـ).

3. عمر بن عبد العزيز(99ـ101هـ).

4. يزيد بن عبد الملك (101ـ 105هـ).


1-الكليني، الأُصول من الكافي:1/469; الإرشاد، ص 262; إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 264.


(270)

5. هشام بن عبد الملك(105ـ 125هـ).

كان جميع هؤلاء الخلفاء ـ باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي كان عادلاً نسبياً ويميل إلى أهل البيت ـ مثل أجدادهم في الظلم والاستبداد والغطرسة ولا يقلّون عنهم شيئاً لا سيما انّهم كانوا يضايقون الإمام كثيراً.

مؤسس النهضة العلمية الكبرى

مارس الإمام الخامس خلال مدة إمامته وفي تلك الظروف العصيبة بثّ المعارف والعلوم الإلهية وحلّ المعضلات العلمية وأحدث حركة علمية عظيمة مهدت لتأسيس جامعة إسلامية ضخمة بلغت ذروتها في فترة إمامة ابنه الكريم الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، فقد كان الإمام الخامس أبرز وجهاء بني هاشم في العلم والزهد والفضل وعلو المنزلة، وقد اعترف العدو والصديق بمنزلته العلمية والأخلاقية الكبيرة، ولم يخلف أحد من أبناء الإمام الحسن والإمام الحسين عليمها السَّلام إلى ذلك الحين بقدر ما خلّفه الإمام الباقر من الروايات في مجال الأحكام الإسلامية والتفسير و تاريخ الإسلام والمعارف الأُخرى.(1)

وقد أفاد رجال وشخصيات علمية كبيرة وأيضاً بعض من أصحاب الرسول الذين كانوا على قيد الحياة من نمير علومه، منهم:

جابر بن يزيد الجعفي وكيسان السجستاني (من التابعين) وفقهاء أمثال: ابن المبارك، الزهري، الأوزاعي، أبو حنيفة، مالك، الشافعي، وزياد بن منذر النهدي كلّهم قد أفادوا من معارفه ونقلوا أحاديثه بشكل مباشر تارة وبغير مباشر مرة أُخرى وانّ كتب ومؤلفات علماء أهل السنّة ومؤرّخيهم مثل :الطبري، البلاذري، السلامي،


1-الإرشاد، ص 261.


(271)

الخطيب البغدادي، أبو نعيم الاصفهاني وكتب مثل موطأ مالك، سنن أبي داود، مسند أبي حنيفة، مسند المروزي، تفسير النقاش، تفسير الزمخشري والعشرات من أمثالها التي هي من أهمّ كتب أهل السنّة مليئة بأحاديث الإمام الخامس العميقة فيقولون :قال محمد بن علي، أو قال محمد الباقر.(1)

وقد امتلأت كتب الشيعة أيضاً من أحاديث وكلمات الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، ويقرّ بذلك كلّ من له أدنى معرفة بتلك الكتب.

الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في رأي العلماء

ولاشتهاره بكثرة المعرفة والعلوم في أرجاء العالم الإسلامي تمتع الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ بلقب باقر العلوم.

فكتب ابن حجر الهيتمي: «أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّعلى منطمس البصيرة أو فاسد الطويةوالسريرة، و من ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه».(2)

وقال عبد اللّه بن عطاء ،أحد الشخصيات البارزة ومن العلماء الكبار المعاصرين للإمام: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنّه صبيٌ بين يدي معلمه.(3)


1-مناقب آل أبي طالب:4/195.
2-الصواعق المحرقة ، ص 201.
3-تذكرة الخواص ص 337; كشف الغمة:2/329; إعلام الورى بأعلام الهدى ص 269; البداية والنهاية:9/311،و قد ذكر في بعض النسخ الحكم بن عيينة غير انّ الصحيح هو عتيبة، ويراجع علم الحديث ودراية الحديث ص 67.


(272)

وكان ـ عليه السَّلام ـ غالباً ما يستشهد في كلامه بالآيات القرآنية ويقول: إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني عن كتاب اللّه.(1)

تلامذة مدرسة الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ

قد ربّى الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ تلاميذ بارزين في مجال الفقه والحديث والتفسير والعلوم الأُخرى، وكان لكلّ واحد منهم ثقله العلمي فشخصيات كبيرة، مثل: أبي محمد بن مسلم، زرارة بن أعين ، أبو بصير ، بريد بن معاوية العجلي، جابر بن يزيد، حمران بن أعين، وهشام بن سالم قد تربت في مدرسته، و كان الإمام السادس يقول:«ما أحد أحيا ذكرنا و أحاديث أبي ـ عليه السَّلام ـ إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا ، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينافي الآخرة».(2)

وقد كان تلاميذ مدرسة الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ من أكبر فقهاء ومحدّثي عصرهم، وكان لهم الأفضلية على الفقهاء والقضاة غير الشيعة في مجال البحث والمنافسة العلمية.

باقر العلوم وفاتح أبواب المعرفة

حوّلت آثار الإمام الخامس العلمية المتألّقة والتلامذة البارزون الذين قدمتهم مدرسته الكبيرة إلى المجتمع نبوءة نبي الإسلام إلى أمر حقيقي واقع وراوي هذه النبوءة هو جابر بن عبد اللّه الأنصاري الشخصية الشهيرة في صدر


1-الاحتجاج، ص 176.
2-اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي،ص 136ـ 137، الحديث رقم 219.


(273)

الإسلام. فقد كان يقول وهو أحد أصحاب نبي الإسلام الكبار ومن محبي أهل بيت النبوة :سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «إنّك ستدرك رجلاً منّي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً».

وقد تنبّأ نبي الإسلام بهذه النبوءة ولمّا يكن الإمام الباقر مولوداً بعد. مضت عدة سنوات على ذلك وحان موعد ظهور الإمام الرابع.

فبينما جابر ذات يوم يتردّد في بعض طرق المدينة إذ مر محمد بن علي، فلمّا نظر إليه قال: أقبل، فأقبل، فقال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل رسول اللّه والذي نفس جابر بيده، ما اسمك يا غلام؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «محمد بن علي بن الحسين» فقبّل جابر رأسه ثمّ قال: أبوك رسول اللّه يقرئك السلام، ومنذ ذلك الحين كان جابر يأتيه ويزوره مرتين في اليوم تقديراً وتعظيماً له، وكان يجلس في مسجد النبي بين الجموع من الناس ـ ردّاً على بعض المغرضين الذين كانوا ينتقدونه على عمله هذا ـ و يحدّثهم بنبوءة رسول اللّه.(1)

نقطة هامة

يجب أن نشير إلى نقطة هامة هنا و هي انّ قصة لقاء جابر بالإمام الباقر وإبلاغه سلام رسول اللّه إليه قد وردت في روايات مختلفة وبمضامين متشابهة في كتب: رجال الكشي، كشف الغمة، أمالي الصدوق، أمالي الشيخ الطوسي، واختصاص المفيد، وغيرها من الكتب بيد انّ هذه الروايات تبدو متناقضة من جهتين:

الأُولى: هي انّ بعضها تفيد انّ جابراً قد التقى بالإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في أحد


1-بحار الأنوار:46/226.


(274)

أزقة المدينة، وبعضها الآخر يقول في بيت الإمام، ووفقاً للطائفة الثالثة منها انّه ـ عليه السَّلام ـ ذهب بنفسه إلى جابر و هناك تعرف عليه.

الثانية: انّه قد جاء في بعض هذه الروايات وبصراحة انّ جابراً كان مكفوفاً في تلك الفترة، غير انّ البعض الآخر منها يفيد بأنّ جابراً نظر إلى الإمام الخامس بدقة وإمعان و من الواضح انّ هذا يتنافي مع عمى جابر.

وللإجابة عن هذا التناقض يجب أن يقال بأنّه لو دقّقنا لما كنّا نلاحظ أي تعارض بين هذه الروايات، لأنّ القرائن تدلّ على أنّ جابراً لحبه وإخلاصه لأهل بيت النبوة كان يكرر نبوءة النبي وإقراء السلام، وكان يرمي من خلال ذلك إلى تبيين عظمة الإمام الباقر بشكل أفضل، وعليه ما الإشكال في أن يتكرر هذا الأمر مرات عديدة وفي مواضع ومناسبات مختلفة؟!

وأمّا الإجابة عن التناقض الثاني، فإنّه قد تكون الروايات التي تنقل رؤية جابر له ـ عليه السَّلام ـ متعلّقة بفترة ما قبل عماه، كما ينقل الشيخ المفيد عن الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «دخلت على جابر بن عبد اللّه فسلّمت عليه، فردّ عليّ السلام، وقال لي: من أنت، وذلك بعد ما كفّ بصره...»(1)

وقد روى مثل هذا الحديث السبط ابن الجوزي أيضاً.(2)

الظروف السياسية والاجتماعية

قلنا: إنّ الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ كان معاصراً لخمسة من الخلفاء الأمويين، والآن سندرس طبيعة كلّ واحد منهم وخصوصياتهم في الحكم وإدارة المجتمع حتى يتّضح نوع الظروف السياسية والاجتماعية التي كان يعيش في ظلها.


1-الإرشاد، ص 262.
2-تذكرة الخواص ، ص 337.


(275)

الوليد بن عبد الملك

كان الوليد بن عبد الملك أوّل من عاصر الإمام الخامس من الخلفاء، ولأنّا تحدّثنا حول خصوصياته خلال سيرة الإمام السجاد، فما سنضيفه هنا فقط هو انّ عهد خلافة الوليد كان فترة فتوحات وانتصارات المسلمين في حروبهم مع الكفّار، ففي عهده اتّسع نطاق الحكم الأموي من الشرق إلى الغرب، ونتيجة للاستقرار الذي كان سائداً في البلاد أبّان حكمه، استطاع أن يواصل الفتوحات التي بدأها الخلفاء السابقون، ولذلك اتّسعت دائرة سلطته من ناحية الشرق والغرب والتحقت مناطق من الهند وكابل وكاشغر وطوس ومناطق مختلفة واسعة أُخرى بالبلاد الإسلامية الشاسعة، وامتدت رقعة فتوحاته إلى الأندلس وانهزمت جيوش امبراطورية الأندلس أمام القوات التي تحت قيادة موسى بن نصير قائد الجيش الإسلامي وأصبحت هذه البلاد بيد المسلمين.(1)

سليمان بن عبد الملك

كانت فترة خلافة سليمان بن عبد الملك قصيرة حيث إنّها لم تدم أكثر من ثلاث سنوات.(2)

وقد أبدى سليمان ليونة في بداية عهده ، وما أن سيطر على الأُمور فتح أبواب السجون في العراق وأطلق سراح الآلاف من السجناء الأبرياء الذين سجنهم الحجاج بن يوسف، وعزل الولاة وجباة الخراج الذين نصبهم الحجاج، وألغى الكثير من سياساته الظالمة والقمعية.


1- الأندلس أو تاريخ دولة المسلمين في أوربا ص 17ـ 18 (فارسي).
2-الكامل في التاريخ :5/11 و 37; مروج الذهب:3/173و182.


(276)

نار الانتقام

كان قرار سليمان في إطلاق سراح سجناء العراق الأبرياء قراراً سريعاً وعاجلاً، فقد غيّر سياسته هذه فيما بعد واعتماداً على تقديرات شخصية وتأثراً بمشاعر الانتقام لطخّ يده بالظلم والجرائم، فقد ضايق المضريّين ودعم منافسيهم من القبائل اليمنية(القحطانيّين) كلّ ذلك بدافع العصبية(1)، وقتل بعض قادة الجيش والشخصيات البارزة، وأهمل موسى بن نصير وطارق بن زياد وهما من الأبطال الشجعان الذين فتحوا الأندلس.(2)

وكتب مؤلف تاريخ الإسلام السياسي:

كان سليمان يتعامل مع ولاته حسب وجهة نظر خاصة، فقد كان يهتم ببعض ويخطط لبعض آخر للقضاء عليه، وممّن عاداهم سليمان محمد بن مسلم والي الهند، وقتيبة بن مسلم عامله على ما وراء النهر، وموسى بن نصير واليه على الأندلس.(3)

وقد انبثق كلّ هذا العداء من دوافع شخصية ومنافسات قبلية ولا يسعنا ـ للأسف ـ التطرق إليها بشكل أعمق.

الفساد في بلاط الخلافة

وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، وكان يلبس الثياب الرقاق وثياب الوشي، و في أيّامه عمل الوشي الجيد باليمن والكوفة والاسكندرية، ولبس الناس جميعاً الوشي جباباً واردية، وكان لا يدخل عليه رجل من أهل بيته إلاّ في


1-تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية عمر فروخ ص 197.
2-مختصر تاريخ العرب: 125.
3-تاريخ الإسلام السياسي:1/401.


(277)

الوشي، وكذلك عماله وأصحابه ومن في داره، وكان لا يدخل عليه أحدمن خدّامه إلاّ في الوشي.(1)

عمر بن عبدالعزيز

ومع أنّ وصية عبد الملك بن مروان أبي سليمان تنص على أنّ الخليفة بعد سليمان هو أخوه يزيد بن عبد الملك، غير انّه حينما مرض سليمان وعلم أنّ أجله آت اختار ـ لأسباب معينة ـ عمر بن عبد العزيز خليفة بعده، وحينما أُعلن عن خلافة عمر بن عبد العزيز في المسجد بعد وفاة سليمان رحب الحاضرون بهذا الاختيار وبايعوه.(2)

وراح عمر بن عبد العزيز الذي واجه أوضاع الناس المتردية، وشاهد موجات غضبهم وكراهيتهم الكبيرة لجهاز الحكم الأموي يواسي المحرومين والمضطهدين، ويكتب كتاباً إلى عماله وولاته في أرجاء البلاد جاء فيه: أمّا بعد فإنّ الناس قد أصابهم بلاء وشدّة وجور في أحكام اللّه وسنن سيئة سنّتها عليهم عمّال السوء، قلّما قصدوا قصد الحقّ والرفق والإحسان، ومن أراد الحجّ فعجلوا عليه عطاءه، حتى يتجهّز منه، ولا تحدثوا حدثاً في قطع وصلب حتى تؤامروني.(3)

مكافحة الفساد والتمييز

ومضافاً لذلك وبعد أن استتب له الأمر، عرض عمر بن عبد العزيز خيول


1-مروج الذهب:3/175.
2-نفس المصدر :3/183.
3-تاريخ اليعقوبي:3/50.


(278)

وركائب البلاط للمزايدة العلنية، وأودع ثمنها في خزانة بيت المال، وأمر زوجته فاطمة بنت عبدالملك بأن ترد جميع الأموال والحلي والهدايا الثمينة المهداة إليها من قبل أبيها وأخيها من بيت المال إليه، وخيّرها بين ردّها و بين تركه ومغادرة بيته. فأطاعته وردّت جميع الحلي والمجوهرات المتعلّقة ببيت المال.(1)

ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بتعريف العدالة لزوجته وسلبها حقّ الناس فقط، بل راح يبيع جميع ممتلكات وثياب عبد الملك الثمينة ورد ثمنها البالغ أربعة وعشرين ألف دينار إلى بيت المال.(2)

وقد وسع عمر بن عبد العزيز نطاق كفاحه، الذي بدأ إصلاحاته الاجتماعية ومكافحته للفساد بهذا النحو من بيته وجهاز الخليفة السابق ، وعرّض الأمويين وأبناء عمومته للمحاسبة، وأمرهم بإرجاع الأموال العامة التي تحت يدهم إلى بيت المال، واسترد وبكلّ صلابة جميع الأموال التي استولى عليها الأمويون وسلبوها من الناس وأدّاها إلى أصحابها، وضيّق على الأمويين، وكفى الناس وأموالهم شرّهم إلى حد كبير.(3)

أثارت هذه السيرة التي اتّخذها عمر بن عبد العزيز حفيظة الأمويين وبدأوا يتحاملون عليه ويثيرون الفتن، ولذلك عندما التقاه بعض أقاربه قال له: ألا تخشى أن يثور قومك عليك ويسلبون الخلافة؟ فقال: إنّي لا أخشى إلاّ يوم الحساب.(4)


1-تاريخ الخلفاء ص 232; الإمامة والسياسة: 2/116; مختصر تاريخ العرب ص 129.
2-الإمامة والسياسة:2/ 116.
3-تاريخ الخلفاء، ص 232.
4-الأخبار الطوال، ص 331.


(279)

سبُّ علي ـ عليه السَّلام ـ ممنوع

وكما لاحظنا كان عمر بن عبد العزيز ـ بالمقارنة بينه و بين الخلفاء الأمويين الآخرين ـ رجلاً عادلاً نسبياً وعلى الرغم من عدم تأييد حكمه من قبل المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ ووضعه في قائمة الطغاة، غير انّه وعلى أيّة حال فقد كافح الكثير من مظالم أسلافه، ولم يكن حكمه خالياً من نفع وخدمة للمسلمين.

إنّ من أهمّ إنجازاته وخدماته للإسلام والإنسانية والتي تتألّق من بين صحيفة أعماله الشخصية و الحكومية هو إلغاء بدعة سبّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، وقد قدّم خدمة عظيمة للشيعة، بل للإنسانية جمعاء من خلال إلغاء بدعة شائنة جاوز عمرها 60 عاماً.

كانت هذه البدعة من تراث معاوية المشؤوم، معاوية الذي قرّر بعد استشهاد أمير المؤمنين عام 40 هجريةوسيطرته على الأوضاع أن يقدّم علياً ومن خلال إعلامه المضاد، ويعرّفه بأنّه من أبغض شخصيات العالم الإسلامي، ولأجل تحقيق هذا الهدف ضيّق الخناق على أتباع أمير المؤمنين ومواليه وضغط عليهم من جهة وبسطوة السيف والرماح منع من تناقل فضائله ومناقبه، ولم يسمح حتى بأن ينقل حديث أو رواية أو بيت واحد في مدح وفضل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ .

ومن ناحية أُخرى ولأجل تشويه شخصية الإمام ـ عليه السَّلام ـ المتألّقة حثّ المحدّثين من مرتزقة جهاز الحكم الأموي بأن يضعوا أحاديث في طعن علي ـ عليه السَّلام ـ ، ومن خلال ذلك وضعت أحاديث كثيرة وانتشرت بين الناس، ولم يكتف معاوية بذلك بل أصدر أمراً بأن يلعن ويسب على المنابر في كلّ خطبة من خطب أيام الجمعة في أرجاء العالم الإسلامي، فشاعت هذه البدعة المشؤومة وأثرت في الرأي العام وتحوّلت إلى أمر ذي جذور، لدرجة أصبح الأطفال يتربّون على بغض


(280)

عـلي ـ عليه السَّلام ـ ، والكبار يرحلون عن الدنيا وهم يحملون له مشاعر الكراهية.

وبعد معاوية اتبع الخلفاء الأمويون هذه البدعة أيضاً، واستمرت حتى نهاية القرن الأوّل الهجري حيث تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة.(1)

تأثيرات معلم

ويظل هنا هذا السؤال مطروحاً وهو انّه ما هو دافع عمر بن عبد العزيز من ذلك، و ما السبب الذي جعله يقوم هو فقط بهذا العمل الكبير دون الخلفاء الآخرين؟

الإجابة على هذا السؤال هي انّه قد حدثت له حادثتان صغيرتان في الظاهر أيام طفولته غيّرتا مجرى تفكيره الذي كان متأثراً بالرأي العام وأحدثتا ثورة فيه، وفي الواقع انّ هذا الحدث الكبير الذي حدث في عهده كان مقدراً له منذ ذلك اليوم.

الحادثة الأُولى حدثت عندما كان يدرس على أُستاذه عبيد اللّه الذي كان رجلاً مؤمناً ورعاً وعالماً، كان عمر يلعب مع الصبيان فمر به أُستاذه يوماً وهم وعمر يلعنون علياً، فكره الأُستاذ ذلك ولم يقل شيئاً، ودخل المسجد، وترك عمر الصبيان وجاء إليه ليدرس عليه، فلما رآه أُستاذه قام إلى الصلاة وأطال فيها، فشعر عمر كأنّه معرض عنه، فلمّا أنهى صلاته، كلح في وجهه، فقال: فمتى علمت أنّ اللّه سخط على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد ان رضي عنهم؟!(2)قال: هل كان علي من أهل بدر؟ فقال الشيخ: ويحك وهل كانت بدر كلها إلاّله؟ فقال عمر:


1-شرح نهج البلاغة:3/57.
2-كان علي ـ عليه السَّلام ـ من المشاركين في حرب بدر وبيعة الرضوان، بل كان على رأسهم.


(281)

لا أعود لمثلها.

أثرت كلمات الأُستاذ المنطقية والبليغة عليه بشدة، وقرّر عمر منذ ذلك اليوم بأن لا يذكر علياً بسوء، ولكنّه كان يسمع في الإزقة والسوق وحينما يلعب مع الأطفال وفي كلّ مكان لعن الناس لعلي بلا خوف حتى حدثت الحادثة الثانية وجعلته أكثر رسوخاً ومضياً في قراره.

الاعتراف الكبير

وكانت الحادثة الثانية هي انّ عبد العزيز أبا عمر كان والياً على المدينة من قبل الحكم الأموي، وكان يلعن علياً في أيّام الجمعة كالعادة ويختم خطبته بلعنه.

وذات يوم سأل عمر أباه: يا أبتي أنت أفصح الناس وأخطبهم، فمابالي أراك إذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيراً؟!

فقال: يا بني لو علم من تحت منبرنا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد.

فلمّا سمع عمر هذا الاعتراف اهتز لذلك، وقد كانت كلمات أُستاذه لا تزال تدوي في أُذنه، وعاهد اللّه بأن يقضي على هذه البدعة إذا ما تقلّد الخلافة في يوم من الأيام.

فلمّا تقلّدها عام 99 هجرية حقّق أُمنيته القديمة وأمر أن تقرأ آية:( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإيتاءِذِي الْقُربى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)(1) بدل لعن علي ـ عليه السَّلام ـ على المنابر.

فرحب الناس بهذا القرار ومدح الشعراء والمحدّثون ذلك.(2)


1-النحل: 90.
2-الكامل في التاريخ:5/42; مروج الذهب:3/183; شرح النهج:3/59.


(282)

رد فدك إلى أولاد فاطمة ـ عليها السَّلام ـ

العمل الكبير الآخر الذي قام به عمر بن عبد العزيز في دفع الظلم عن أهل بيت النبوة هو رد فدك إلى أولاد فاطمة ـ عليها السَّلام ـ بنت نبي الإسلام الكريمة.

إنّ لفدك قصة مريرة مليئة بالأحداث ليس محل بحثها هنا، غير انّها إجمالاً هو النبي قد أهداها في وقته إلى ابنته فاطمة ـ عليها السَّلام ـ ، وبعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سلبها أبوبكر منها بالقوة وألحقها بالأموال الحكومية، ومنذ ذلك الحين وفدك تنتقل من يد إلى يد أُخرى على يد الخلفاء إلى أن جاء حكم معاوية فأهداها إلى مروان، وهو بدوره أهداها إلى ابنه عبد العزيز، وانتقلت بعد موته إلى ابنه عمر بن عبد العزيز، وقال: فدك لهم وليس لبني أُمية حق فيها، غير انّه وللأسف وبعدموته حين تقلّد يزيد بن عبد الملك الخلافة أخذها مرة أُخرى من الفاطميين.(1)

وقد نقل الصدوق في كتاب الخصال انّ عمر بن عبد العزيز قد ردّ فدك إلى الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ خلال سفره إلى المدينة.(2)

ولعلّه ولأجل هذه الخدمات التي قدّمها عمر لأهل البيت ورفع الظلم عنهم قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ :«عمر بن عبد العزيز نجيب بني أُمية».(3)

دام حكم عمر بن عبد العزيز ما يقارب السنتين، وقد قيل: انّ بني أُميّة هم الذين سمّوه وقتلوه.(4)


1-تاريخ اليعقوبي:3/50.
2-الخصال، أبواب الثلاثة.
3-تاريخ الخلفاء:230.
4-العقد الفريد:4/439.


(283)

منع كتابة الحديث

وجرّاء الانحرافات الكبيرة التي حدثت بعد رحيل النبي في المجتمع الإسلامي حدثت حادثة مؤسفة أُخرى ألقت بظلّها وآثارها المشؤومة والمخرّبة على العالم الإسلامي، وتلك هي المنع من كتابة ونقل الحديث، فبالرغم من أنّ حديث وكلام النبي يأتي في الرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد القرآن الكريم، ويعدّ بعد ذلك الكتاب السماوي أكبر مصدر للثقافة الإسلامية، وانّ هذين الاثنين لا ينفكّان عن بعضهما ولا ينفصلان من الأساس، راح الخليفة الأوّل والثاني يخالفان نقل وكتابة الحديث ومنعا منعاً باتاً المسلمين من كتابة الحديث كلّ ذلك تحت ذرائع تافهة وواهية وفي الواقع بدوافع سياسية.

قال أبو بكر لا تحدّثوا عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.(1)

وللمنع من كتابة السنّة كتب الخليفة الثاني إلى جميع الأمصار:

من كان عنده شيء فليمحه(2).

ولم يكتف بهذا بل راح يتهدّد ويتوعّد جميع أصحاب النبي وحملة الحديث وحفظته بأن يمتنعوا من التحدّث بحديث النبي وكتابته.

يقول قرظة بن كعب أحد الصحابة المعروفين:

بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وشيّعنا، فمشى معنا إلى موضع صرار، فقال: تدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا لحق صحبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولحق الأنصار


1-تذكرة الحفاظ:1/3.
2-أضواء على السنة المحمدية ص 43.


(284)

قال: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أُحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، انّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدّوا لكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد، فأقلّوا الرواية عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ أنا شريككم.

فلمّا قدم قرظة، قالوا :حدِّثنا، قال: نهانا عمر.(1)

وحينما قرر عمر يوماً وأراد أن يكتب السنن استفتى أصحاب رسول اللّه ـ ليتظاهر بالحرية ـ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً فقال: إنّي كنت أُريد أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وانّي واللّه لا اشوب كتاب اللّه بشيء أبداً.(2)

ولم يكتف الخليفة بالتحذير من ذلك والتأكيد عليه بل كان يعاقب كلّ من تحدّث بالسنّة والحديث عقاباً شديداً، كما قال يوماً لابن مسعود و أبي الدرداء وأبي ذر وهم من أكبر الشخصيات في صدر الإسلام: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق، ثمّ حبسهم وظلّوا كذلك إلى أن مات.(3)

وأوجبت هذه العقوبات والمضايقات أن لا يتجرّأ المسلمون الآخرون على كتابة السنّة والتحدث بها.


1-تذكرة الحفاظ :1/7; السنّة قبل التدوين ،ص 97; سنن ابن ماجة:1/12; المستدرك:1/102.
2-أضواء على السنّة المحمدية ص 43; طبقات ابن سعد:3/287; نگاهى به سرنوشت حديث ، ص 23; تدريب الراوي:2/64.
3-المستدرك على الصحيحين:1/110، وذكر في تذكرة الحفّاظ:1/7، أبامسعود الأنصاري بدل أبي ذر الغفاري.


(285)

خسارة غير قابلة للتعويض

أوجبت هذه المضايقات أن تظلّ الأحاديث النبوية حبيسة صدور حملة الحديث وحافظيه، وأن يبقى المسلمون لمدة من الزمن محرومين من المصدر الكبير للثقافة الإسلامية، لدرجة انّ الشعبي قال: «كنت جليساً لابن عمر مدّة عام واحد ولم أسمع منه حديثاً واحداً»(1)

وقال السائب بن زيد: كنت مع سعد بن مالك في سفره من المدينة إلى مكة ولم يحدّث خلال ذلك بحديث واحد عن الرسول.(2)

ومن الواضح انّ الخسارة التي مني بها الإسلام جرّاء هذا الحظر غير قابلة للتعويض، لأنّ كتابة الحديث باتت متروكة قرابة مائة عام، وأصبح ذلك الكلام الراقي بعيداً عن التداول بين المسلمين.

والأسوأ من كلّ ذلك انّ بعض المرتزقةوالوضّاعين والكذّابين استغلّ هذه الفرصة وراحوا يضعون الأحاديث على لسان الرسول بما ينصب في صالح الحكومات والحكّام في تلك الفترة، لأنّه عندما يكون مصدر الحديث هو المذاكرات والسماع من الأفراد فقط يكون من الطبيعي أن يتحدث ويدّعي أي شخص بأي شيء و كما يحلو له حيث لا كتاب ولا حساب، وواضح انّه يظهر العشرات من أمثال أبي هريرة في مثل هذه الظروف ولمصالح غير مشروعة يعتبرون أنفسهم محدّثين واقعيين.

استمر هذا الوضع حتى نهايات القرن الأوّل الهجري أي حتى خلافة عمر بن عبد العزيز(99ـ 101هـ) وألغى عمر بن عبد العزيز و من خلال مبادرة


1-سنن ابن ماجة:1/11.
2-نفس المصدر:1/12.


(286)

شجاعة هذه البدعة المشؤومة وشجّع الناس على كتابة الحديث.

فقد كتب ـ و بدافع تشجيع وترغيب العلماء والمحدّثين في ذلك ـ : انظروا حديث رسول اللّه فاكتبوه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب أهله(1).

و كما نقل البخاري انّ عمر بن عبد العزيز كتب كتاباً مماثلاً للكتاب السابق إلى عامله في المدينة أبي بكر بن حزم.(2)

ولكن كانت هذه هي البداية وكان لابدّ من مضي فترة طويلة كي يتم خلالها تعويض كل هذا التأخر والخسران وإحياء سنّة النبي وإنزال ما احتفظت به الذاكرات الذي اختلط ببعض التحريف والتزوير عمداً أو سهواً على الورق.

غير انّه ولأنّ فترة خلافة عمر بن عبدالعزيز كانت قصيرة لم تتطور هذه السيرة التي بدأها بسرعة، لأنّه قد اعتلى يزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك سدة الحكم بعده، والشيء الذي لم يكن له موضع في حكمهما هو الاهتمام بقضايا الإسلام والمسلمين.

وكتب بعضهم بأنّ أوّل مَن جمع الأحاديث بأمر من عمر بن عبد العزيز هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.(3)

وطبعاً ينبغي الالتفات إلى أنّه على الرغم من أنّ كتابة الحديث والتحدّث به صار مسموحاً به منذ حكم عمر بن عبد العزيز، غير انّ الروايات الموضوعة قد دخلت المجاميع الروائية خلال فترة منع كتابة الحديث من ناحية، ومن ناحية، أُخرى راح المحدِّثون الحكوميون ووعاظ السلاطين يمتنعون عن التحدّث بالروايات التي تنصب بنحو ما في صالح أهل البيت والشيعة.


1-السنة قبل التدوين،ص 329.
2-صحيح البخاري بشرح الكرماني:2/6.
3-علم الحديث ودراية الحديث، ص 30.


(287)

أعذار واهية

ويطرح هنا سؤال وهو انّه ما السبب الذي يكمن وراء منع كتابة الحديث، وبأي دليل أصدر الخليفة هذا الأمر؟ مع أنّنا نعلم جميعاً أنّ سنّة النبي حجة كالقرآن، واتّباعها واجب على جميع المسلمين، وقد قال القرآن حول ما قاله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سواء كان قرآناً وهو كلام اللّه أو حديثاً ألفاظه من نفس النبي غير انّ ـ محتواه مستمد من عالم الـوحي ـ (وَما يَنْطِـقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُـوَ إِلاّوَحيٌّ يُوحى).(1)

وفضلاً عن ذلك جعل اللّه كلام الرسول وما يأتي به حجّة على المسلمين وقال:

(وَما آتاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا) (2).

وقد روى عبد اللّه بن عمرو عن النبي انّه أومأ إلى شفتيه، فقال: يا ابن عمرو والذي نفسي بيده ما يخرج ممّا بينهما إلاّ حق فاكتب.(3)

وبالرغم من أهمية السنّة النبوية والتي تعد من الطرق الهامة والموثوقة لتعرف الناس على حقيقة الإسلام، فهل كان يجدر بالخليفة الثاني أن يكتب وللمنع من كتابة السنّة النبوية كتاباً إلى الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه؟ وهل يتلاءم هذا الأمر والقرار مع روح الإسلام، ذلك الدين الذي يدعو إلى التنمية والتوسع في العلم والمعرفة؟


1-النجم:3 و 4.
2-الحشر:7.
3-المستدرك على الصحيحين:1/104; تدريب الراوي:2/62; جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البرّ القرطبي:1/71، باب ذكر الرخصة في كتاب العلم.


(288)

وفي الإجابة على هذا السؤال تمحّل مدافعو جهاز الخلافة في أن ينحتوا لعمل الخليفة فلسفة من عندهم وانّ أبا بكر قال: منعت التحدّث بالسنّة النبوية كي لا تختلط بالقرآن.(1)

وقد بلغ هذا العذر درجة من الوهن حتى أنّه لا يحتاج معها إلى إجابة، ذلك انّه لما رحل النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت جميع الآيات والسور القرآنية محددة ومكتوبة، وكان كتبة الوحي وقرّاء القرآن قد حفظوا ـ و بما تمتعوا به من ذاكرة قوية ـ جميع القرآن، وقد بلغت الدقة في حفظ آيات القرآن وسوره وتحديدها درجةً لم يكن بمقدور أحد أن يحذف أو يضيف حرفاً منه أو إليه، إذن فهل كانت كتابة الحديث تضر بالقرآن وتؤثر عليه؟!

هذا مضافاً إلى أنّ القرآن لا يماثله أي كلام من ناحية فصاحته وبلاغته وعذوبة ألفاظه وتراكيبه، ولا يختلط أي كلام مهما بلغ من الرقي في الفصاحة ولا يشتبه بالقرآن، فهذا كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة وهذه خطب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نجدهما يعتليان ذروة الفصاحة والبلاغة وعذوبة الألفاظ وجمالها غير انّهما لا يختلطان بالقرآن أبداً، وانّ الآيات التي تضمنتها خطب أمير المؤمنين تشع كالدرر المتلألأة من بين كلامه، وكلّ من له معرفة بطبيعة الكلام العربي يجد الفرق بين هذين من أوّل نظرة.

الدافع السياسي

تدلّ القرائن على أنّه كان هناك دافع سياسي وراء ذلك القرار، و انّ المقصود هو طمس الميزة العظيمة التي تمتع بها أمير المؤمنين في تلك الفترة في


1-أضواء على السنة المحمدية، ص 43.


(289)

ضوء ذلك، لأنّه ـ عليه السَّلام ـ قد ألّف كتباً في حياة النبي جمع فيها أحاديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمعارف التي تعلّمها منه في مجالات مختلفة.

هل نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن كتابة الحديث؟

ومن المؤسف حقاً أن ينسب بعض المحدّثين منع كتابة الحديث إلى نبي الإسلام ويقولوا: انّه قال: لا تحدّثوا عنّي غير القرآن، و من كان عنده غيره فليمحه.(1)

وهناك أدلّة تدلّ على أنّ هذا الأمر غير صحيح وذلك:

أوّلاً: انّ أمير المؤمنين تلميذ مدرسة النبي قد حفظ الكثير من أحاديثه، وظل ما كتبه يتنقل من يد إلى أُخرى بين الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، فإذا كان النبي قد نهى عن كتابة الأحاديث ما كان علي ليخالف ما أمره به.

وثانياً: انّه قد كتبت رسائل عديدة في قضايا مختلفة من الأحكام والفرائض والمرافعات والسياسات في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد سجّل المحدّثون والمؤرّخون نصوصها بوثائق متقنة. ويتعلّق القليل من تلك الرسائل بالدعوة إلى الإسلام، غير انّ الكثير منها قد كتب حول فصل الخصومات وتحديد الحدود والجزاء في الإسلام وفي الأحكام والفرائض، وعليه كيف يمكن التصديق بأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد نهى عن كتابة غير القرآن ومن ناحية أُخرى تكتب 300 رسالة (يوجد منها الآن 216 رسالة بين أيدينا و بكلّ ما فيها ) أمام عينيه دون أن يعارضها؟!


1-احمد بن حنبل، المسند: 3/12; سنن الدارمي: 1/119.


(290)

الشيعة هم أوّل من دوّن الحديث

ولحسن الحظ بذل الشيعة قصارى جهدهم في هذا المجال منذ الأيام الأُولى من عهد نبي الإسلام وتأسّياً بأمير المؤمنين حازوا قصب السبق في نقل وكتابة الحديث، وخلّفوا تراثاً قيماً ومجموعات ثمينة من الروايات والأحاديث.

فقد كان عليّ أوّل من جمع أحاديث رسول اللّه، فكان نبي الإسلام يملي الأحاديث وعلي يكتبها وأخرجها على شكل كتاب، وانتقل هذا الكتاب من علي ـ عليه السَّلام ـ إلى الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ حتى صار في يد الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، وقد رآه الحكم بن عتيبة يوماً عند الإمام الباقر، وكان قد اختلف مع الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في مسألة ما، فعرض الإمام الكتاب والحديث المتعلّق بالمسألة المختلف فيها عليه وقال: «هذا خط علي وإملاء رسول اللّه».(1)

وقد اعتبر السيوطي علياً ـ عليه السَّلام ـ وابنه الحسن من المدافعين عن كتابة الحديث.(2)

وإذا كان أهل السنّة ظلّوا بعيداً عن كتابة الأحاديث الإسلامية ما يقارب المائة عام بسبب بدعة النهي عن كتابة الحديث، فإنّ الشيعة ولحسن الحظ حازوا قصب السبق في ذلك، لأنّه قد كتب ـ عدا علي ـ أبو رافع، وهو أحد أصحاب النبي ومن أصحاب الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ أيضاً كتاباً في عهد النبي باسم «السنن والأحكام والقضايا»(3)وجمع فيه الأحكام والسنن الخاصة في المجالات الإسلامية


1-فهرست أسماء مصنفي الشيعة ص 255 ترجمة محمد بن عذافر; الشيعة وفنون الإسلام ص 65، وجاء في بعضالنسخ الحكم بن عيينة غير انّ الصحيح عتيبة كما أسلفنا .
2-تدريب الراوي:2/61.
3-فهرست أسماء مصنفي الشيعة ص 4.


(291)

المختلفة، مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والمرافعات، وإذا ما اعتبرنا هذا الكتاب أوّل كتاب في الحديث ألّفه واحد من الصحابة، يمكننا أن نعدّه أوّل كتاب فقهي من هذا القبيل أيضاً.(1)

وقد كتب أبو رافع هذا الكتاب في وقت كانت كتابة الحديث وكلام الرسول تعد جريمة كبرى في رأي جهاز الخلافة لكنّه لم يعبأ بهذا المنع وأقدم على تأليف الكتاب المذكور، وبعد أبي رافع قام الكتّاب الشيعيون في تلك الفترة التي منعت فيها كتابة الحديث بتسجيل وكتابة الأحاديث الإسلامية، وبذلك حافظوا على كلام أئمتهم من يد التحريف وآفات الأيام الأُخرى.

وقد استمرت هذه السيرة منذ عهد أمير المؤمنين إلى عهد الإمام الخامس، وتطوّرت في عهد الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ بشكل ملحوظ، بحيث لمّا صدر أمر عمر بن عبد العزيز لتجميع وكتابة الحديث، كان كلّ واحد من أصحاب وتلاميذ الإمام الخامس قد حفظ الآلاف من الأحاديث.(2)

ويعدّ محمد بن مسلم الذي هو من كبار شخصيات الشيعة وعظماء الرواة وفضلائهم; المثال البارز لتلامذة الإمام الخامس في الفقه والحديث، فقد كان كوفياً وخلال إقامته في المدينة التي استغرقت أربع سنوات تشرّف بلقاء الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ والإمام الصادق بعده وأفاد من الإمامين العظيمين علوماً جمة، فقد


1-يراجع حول كتابة الحديث ، الملل والنحل جعفر السبحاني: 1/58ـ 73.
2-قال السيوطي ـ الذي يصر على أنّ مؤسسي العلوم الإسلامية هم جماعة من أهل السنّة ـ: أوّل من كتب في الفقه هو أبو حنيفة في حين انّه ولد عام 100 هجرية ومات عام 150، وأمّا أبو رافع فقد مات قبل ولادة أبي حنيفة بستين عاماً. السيد الصدر تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص 298، و عليه قام أهل السنة بكتابة الفقه والحديث من بداية القرن الثاني ولكن كبار الشيعة بدأوا بذلك منذ فترة أقدم من ذلك.


(292)

قال: ما شجر في رأيي شيء قط إلاّسألت عنه أبا جعفر، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد اللّه عن ستة عشر ألف حديث.(1)

وكان محمد بن مسلم قد ألّف كتاباً باسم الأربعمائة مسألة الذي يحتمل أن يكون أجوبة سمعها من الإمامين الخامس والسادس لتلك المسائل الأربعمائة. (2)

والشخصية الأُخرى التي تربّت في مدرسة الإمام الباقر هو جابر بن يزيد الجعفي، وكان كوفياً أيضاً وهاجر إلى المدينة ليفيد من الإمام الباقر، وبلغ درجات علمية عالية في ظل إفادته من مدرسة الإمام الخامس الغنية، وقد خلّف جابر ـ ممّا أفاده من معارف الإمام الخامس الكثيرة ـ كتباً ومصنّفات عديدة، وهو شاهد آخر على اهتمام الشيعة بمسألة كتابة الحديث وجمع المعارف الإسلامية، وأمّا كتب جابر فهي:

1. كتاب التفسير، 2. كتاب النوادر، 3. كتاب الفضائل، 4. كتاب الجمل، 5. كتاب صفين، 6. كتاب النهروان، 7. كتاب مقتل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، 8. كتاب مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ (3).

يزيد بن عبد الملك

اعتلى يزيد بن عبد الملك سدة الحكم بعد موت عمر بن عبد العزيز، وكان رجلاً ماجناً وعابثاً واهلاً للّهو والشرب، ولم يكن ملتزماً بأي مبدأ من المبادئ الأخلاقية والدينية.

ومن هنا كانت أيام حكمه من أحلك الأيام وأظلم أيام الحكم الأموي، لم


1-الاختصاص: 201 ; اختيار معرفة الرجال:163.
2-مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام: 64.
3-نفس المصدر: 36.


(293)

يحدث في عهده أي فتح وانتصار، ولا أي حدث بارز في المجتمع الإسلامي.

وحينما عهد إليه بولاية العهد في خلافة عمر بن عبد العزيز كان قد أخفى ماهيته ووجهه الحقيقي خلف مظهر خادع، ولفت من خلال ذلك الرأي العام نحوه، ولهذا واجهت حكومته في البداية ترحيباً من قبل الناس خاصة انّه أعلن في بداية تقلّده الحكم انّه سيسير بسيرة الخليفة السابق. وقد كان هذا الوعد للناس الذين ذاقوا طعم تطبيق العدالة وحلاوته في عهد عمر بن عبد العزيز ـ و لو بشكل نسبي وفي فترة قصيرة ـ أمراً يبعث على التفاؤل والأمل، ولكن سرعان ما تبدّل هذا الأمل إلى يأس وتشاؤم، لأنّه بعد أن مضت أيام قليلة من حكمه عدل عن سيرته وذهبت جميع الوعود أدراج الرياح.

الشهادة الكاذبة

ولأجل التغطية على انحرافاته ولأجل أن ينزّه نفسه عن أية معصية أتى بأربعين شيخاً ليشهدوا بأنّه منزّه عن الذنوب، وانّه ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.(1)

والمؤكد انّ شهادة هؤلاء لم يكن أمراً بسيطاً، بل كان جزءاً من سياسة بني أمية المضللة لتثبيت حكمهم، لأنّهم ولأجل ضمان تحقيق أهدافهم السياسية أوجدوا حركة فكرية كالمرجئة(2)التي كانت تمارس نشاطاتها تحت غطاء الدين لترسيخ أركان الحكم الأموي.


1-تاريخ الخلفاء، ص 246.
2-المرجئة فرقة ترى أنّ الإيمان هو اعتقاد بالقلب وانّ أيّاً من المعاصي والأفعال اللا إسلامية لا تتنافى مع الإيمان.


(294)

وكانت هذه النوعية من الفرق التي وظّفها الحكم الأموي تبرر الأعمال اللاإسلامية التي يقوم بها الحكام الأمويون من خلال تنظيراتهم وتفسيراتهم الدينية.

ويقول ابن قتيبة الدينوري:

وكان يزيد قبل ولايته محبوباً في قريش بجميل مأخذه في نفسه وهديه وتواضعه وقصده، وكان الناس لا يشكّون إذا صار إليه الأمر أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه، فلمّا صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به، وسار بسيرة الوليد أخيه واحتذى على مثاله، فعظم ذلك على الناس حتى همّوا بخلعه، وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش وخيار بني أُمية وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر، واطمأنّت إلى عدله بعد النفار والإنكار لسيرته وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمر والقنوع بقصده عليهم وتقصيره في إدراك المطامع والعطايا عليهم واتهم منهم بالخلع والخروج; فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم فأسكنهم السجن عشرين شهراً، ثمّ دس لهم السم فماتوا جميعاً، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلاً بعد أن أغرمهم مائة ألف ألف، وباع عقر أموالهم ورباعهم، وحمل العذاب عليهم والنكال حتى أصارهم عالة يتكفّفون الناس متفرقين في كور الشام وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم واتّهم بمصانعتهم ومصاحبتهم.(1)

غناء وقمار

كان الحكام الأمويون في السابق يقضون أوقات فراغهم بالإصغاء إلى


1-الإمامة والسياسة:2/125.


(295)

قصص وأخبار معارك الشجعان من العرب القدماء والقصائد الشعرية، غير انّه وفي عهد اللاحقين منهم ويزيد بن عبد الملك أيضاً أخذ الغناء مكان القصائد الشعرية، وأصبح هو البديل لقصائد الشعراء الحماسية وأخبار العرب في مجالس سمر البلاط الليلية.

هشام بن عبد الملك

وكان هشام بخيلاً، حسوداً، فظاً غليظاً، ظلوماً، شديد القسوة، بعيد الرحمة، طويل اللسان.(1)ويجمع الأموال ويعمر الأرض، وفي أيّامه عمل الخز والقطف، فسلك الناس جميعاً في أيّامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم، فقل الافضال وانقطع الرفد، ولم ير زمان أصعب من زمانه.(2)

سيطرة عناصر الفساد والانحراف

قدّم السيد أمير علي، المؤرّخ والعالم الشهير شرحاً وافياً حول الظروف الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإسلامي في تلك الفترة وحلّل سيرة هشام بشكل واضح:

«بموت يزيد الثاني وصلت الخلافة إلى هشام أخوه، واستتبت له الأُمور عندما قمع الثورات الداخلية وأخمد نار المعارك الخارجية، لأنّ قبائل التركمان وخزر كانت تضغط من الشمال على الحكومة المركزية في تلك الفترة، وفي الشرق كان القادة العباسيون يمهّدون الأُمور للقضاء على الحكم الأموي، وفي الداخل كانت نار غضب الخوارج وحقدهم ـ و كانوا شجعاناً بسلاء ـ مستعرة أيضاً،


1-تاريخ اليعقوبي: 3/70.
2-مروج الذهب: 3/205.


(296)

فمكان خيرة شبان العرب في هذه النزاعات إمّا أن يقتلوا في الحروب الأهلية أو يكونوا ضحية سياسة التشاؤم والحسد لبلاط الخلافة الفاسد، لأنّه ونتيجة للثقة العمياء التي منحها الخليفة السابق لوزرائه ورجال بلاطه، صار الحكم بيد أُناس أنانيين غير جديرين، فأثاروا لعجزهم وسوء تدبيرهم للحكم كراهية الناس وغضبهم.

ومن المؤكد كان هناك القليل من الرجال الكبار والشخصيات البارزة الذين كانوا يقومون بواجباتهم ووظائفهم الثقيلة بكل جدية واهتمام غير انّ الاهتمام بالدين كان آخر ما يفكّر فيه الناس، وكان الدين بين رجال البلاط وأتباع الجهاز الحاكم على وشك الزوال، لأنّهم لا همّ لهم غير اللهث وراء مصالحهم.

وفي ذلك العصر الخطير والحسّاس كان المجتمع الإسلامي يحتاج إلى ذراع قوية تنقذ سفينة الحكم المنهارة من الغرق، ومن هنا كان من الطبيعي أن يحتاج هشام إلى امتيازات وخصوصيات يستطيع في ظلها أن يواجه المشكلات التي أحاطت العالم الإسلامي من كلّ حدب وصوب، والأمر الذي لا شكّ فيه هو انّ هشام أفضل من الخليفة السابق يزيد، لأنّ جهاز الخلافة في عهده كان قد طهر من وجود العناصر الفاسدة وخلف فيه التروي والوقار النزق، وطهُر المجتمع من وجود الطفيليين الذين هم عالة على المجتمع، غير انّ مبالغة هشام في الصلابة وصلت إلى الغلظة والاضطهاد، وتطبّع اقتصاده بطابع البخل، وقد أدّى قصوره الأخلاقي والإنساني إلى تدهور الأوضاع إلى الأسوأ، لأنّه كان رجلاً سطحي التفكير، مستبداً، سيّء الظن، ومن هنا لم يثق بأي أحد، واتّخذ من التجسّس والخديعة وسيلة للقضاء على المؤامرات التي كانت تحاك ضده، ولأنّه كان سريع


(297)

التصديق كان يقتل خيرة رجال السلطة بمجرد السعاية فيهم أو سوء الظن بهم، وأدّت هذه المبالغة في إساءة الظن إلى أن يكون لتنحية ولاة الأمصار وقادته نتائج وخيمة.(1)

الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في الشام

إنّ إحدى مفاخر الإمام الخامس وأحداث حياته الهامة هو سفره إلى الشام، وكان هشام أحد الخلفاء المعاصرين للإمام يخشى دائماً منزلة الإمام الباقر الكبيرة وحب الناس له، ولأنّه كان يعرف انّ شيعته تعتبره إماماً لهم، لذلك دأب ساعياً أن يمنع بجد من اتساع تأثيره الروحي وازدياد شيعته.

وفي سنة من السنين حج الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ ومعه ابنه الكريم جعفر بن محمد عليمها السَّلام وكان قد حجّ هشام في تلك السنة أيضاً، وخلال أيّام الحج قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ كلاماً في فضل أهل البيت وإمامتهم، فبلغ هشاماً ذلك فضاق ذرعاً من ذلك وهو الذي كان يرى في وجود الإمام خطراً على حكمه، ولكنّه لم يتعرّض ـ ولعلّه لبعض الاعتبارات ـ للإمام ولا لابنه حتى انصرف إلى عاصمته دمشق، فأمر عامل المدينة بإشخاص وإحضار الإمام الباقر وابنه جعفر إلى الشام، فترك الإمام المدينة مضطراً وذهب إلى دمشق، ولكنّ هشاماً لم يسمح بلقائه فترة ثلاثة أيّام كي يتبجّح بعظمته الظاهرية، ظنّاً منه انّ ذلك يقلّل من منزلة الإمام، ولعلّه كان يفكّر خلال هذه الأيام الثلاثة في كيفية مواجهته؟ وكيف يضع خطة تؤدي إلى تشويه سمعة الإمام والتقليل من منزلته بين الناس.


1-مختصر تاريخ العرب: 139.


(298)

سباق الرماية

ومن المؤكد انّه لو كان بلاط هشام مركزاً لتربية العلماء ومنتدىً للخطباء لكان من الممكن أن يستدعي العلماء البارزين ويقيم مجلساً للبحث والمناظرة، غير انّ هشاماً لم يفكّر بإقامة مثل هذا المجلس من حيث إنّ بلاط أكثر الملوك الأمويين ـ و منهم هشام ـ كان يخلو من مثل هؤلاء العلماء دائماً وقد أخذ الشعراء والقصّاصون مكانهم، ولأنّه كان يعلم جيداً انّه لو أراد أن يواجه الإمام من خلال المطارحة والمناظرة العلمية لما كان يستطيع أحد من رجال بلاطه أن يتغلّب عليه، ولهذا السبب قرر أن يواجه الإمام في صعيد آخر يعتقد بحتمية انتصاره فيه.

نعم قرّر هشام ـ و بكل غرابة ـ أن يقيم سباقاً في الرماية، ويدخل الإمام في ذلك السباق على أمل أن يهزم ويفشل فيه، وبالتالي يستصغر في أعين الناس.

ولأجل تحقيق هذا الهدف أخذ يحثّ بعض أشياخ قومه بنصب غرض ـ هدف ـ و رميه، وذلك قبل دخول الإمام القصر، ثمّ دخل الإمام القصر وجلس قليلاً، فنظر هشام وقال: ألا تريد أن ترمي مع أشياخ قومك.

قال الإمام: «إنّي قد كبرت عن الرمي، فهل رأيت أن تعفيني؟

فقال هشام ـ وهو يظن انّ الفرصة المناسبة قد سنحت وانّه قرب الإمام الباقر من الهزيمة ـ: وحق من أعزّنا بدينه ونبيه محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا أعفيك.

وفي الوقت ذاته أومأ إلى شيخ من بني أُميّة أن أعطه قوسك، فتناوله الإمام والسهم معه، فوضع سهماً في كبد القوس، ثمّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانية فشق فواق سهمه إلى نصله، ثمّ تابع الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، فأثار ذلك العمل العجيب إعجاب الحاضرين واستحسانهم.


(299)

وراح هشام الذي أخطأ في تقديره وذهبت خططه أدراج الرياح يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك نفسه إلاّ أن قال: أجدت يا أبا جعفر وأنت أرمى العرب والعجم، هلا زعمت أنّك كبرت عن الرمي!!

ثمّ أطرق يفكّر للحظة ثم أقعد الإمام الباقر وابنه الكريم عن يمينه وكرّمهما فقال له: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك، للّه درّك مَن علّمك هذا الرمي، وفي كم تعلّمته؟

فقال الإمام: «قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيّام حداثتي ثمّ تركته، فلمّا أردت أنت منّي ذلك عدت فيه».

وقال: أيرمي جعفر (الصادق ـ عليه السَّلام ـ ) مثل رميك؟ فقال الإمام: «نحن نتوارث الكمال والتمام اللّذين أنزلهما اللّه على نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله: (اليَوم أَكْمَلت لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَليكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً)(1) والأرض لا تخلو ممّن ـ الحجّة ـ يكمل هذه الأُمور التي يقصر غيرنا عنها».(2)

مناظرة مع أُسقف المسيحيين

وعلى الرغم من أنّ بلاط هشام لم يكن المكان المناسب لإظهار منزلة الإمام الباقر العلمية وعظمتها، ولكن ولحسن الحظ سنحت فرصة مناسبة جداً للإمام قبل أن يغادر دمشق استطاع أن يستغلّها جيداً في توعية الرأي العام وتبيين مقامه العلمي الكبير ممّا دفع بالناس ان يموجوا ويخوضوا ويتحدّثوا عن ذلك، وحينها لم يكن لهشام الذريعة الكافية ليتجاسر على الإمام أكثر من ذلك، ولذا لم يكن أمامه غير السماح له بالرجوع إلى المدينة.


1-المائدة: 3.
2-دلائل الإمامة: 105.


(300)

وعندما خرج الإمام مع ابنه الكريم من القصر وإذا ميدان ببابه وفي آخر الميدان أُناس قعود عدد كثير سأل الإمام: «من هؤلاء؟ قالوا :هؤلاء القسِّيسون والرهبان، وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوماً واحداً يستفتونه فيفتيهم، فدخل الإمام بينهم متنكّراً وأُخبر هشام بذلك، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع الإمام، ولم يمض طويلاً حتى جاء الأُسقف الكبير الذي كان رجلاً طاعناً في السن وجلس في صدر المجلس، فأدار نظره، ولمّا لفت وجه الإمام الباقر انتباهه نظر إليه و قال: أمنّا أم من المسلمين؟

قال ـ عليه السَّلام ـ :من المسلمين.

فقال: من أيّهم أنت من علمائها أم من جهّالها ؟

فقال ـ عليه السَّلام ـ : لست من جهّالها.

ثمّ قال له: أأسألك أم تسألني؟

فقال ـ عليه السَّلام ـ : سل إن شئت.

فقال: من أين ادّعيتم انّ أهل الجنة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون؟ وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟


(301)

فقال ـ عليه السَّلام ـ : دليل ما ندّعي من شاهد لا يجهل الجنين في بطن أُمّه يطعم ولا يحدث.

ثمّ قال: هلا زعمت أنّك لست من العلماء؟! فقال ـ عليه السَّلام ـ : ولا من جهّالها.

فقال: أسألك عن مسألة أُخرى.

فقال ـ عليه السَّلام ـ : سل.

فقال: من أين ادّعيتم انّ فاكهة الجنة أبداً غضة طرية موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنة؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يجهل؟

فقال ـ عليه السَّلام ـ : دليل ما ندّعى النار في المصباح ،أنت لو قبست منها لتشعل مئات المصابيح ظلت نار المصباح الأوّل باقية أبداً لا تقل...

فراح الأُسقف يسأل الإمام بكلّ ما خطر في ذهنه من أسئلة صعبة، وكان يتلقّى الإجابة المقنعة لذلك، ولمّا رأى نفسه عاجزاً نهض عند ذلك قائماً غاضباً وقال: جئتموني بأعلم مني وأقعدتموه معكم حتى هتكني وفضحني، وأعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا وعنده ما ليس عندنا، لا واللّه لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة، ولاقعدت لكم ان عشت سنة، ثمّ ذهب بعد ذلك.

تهمة غير نزيهة

شاع خبر هذا الحدث بسرعة في مدينة دمشق وأثار موجة من الفرح في البيئة الشامية.

وكان هشام الذي يفترض به أن يسعد بهذا الانتصار العلمي الباعث على الفخر الذي تحقّق على يد الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ قلقاً خائفاً أكثر من السابق من نفوذ وسيطرة الإمام الروحية هناك، وفي نفس الوقت الذي تظاهر فيه بعكس ما هو عليه وأرسل جائزة إلى الإمام أبلغه بأن يغادر دمشق فوراً، ولأنّه قد غضب من ذلك الانتصار العلمي حاول أن يشوّه الشخصية العلمية والاجتماعية للإمام من خلال لعبة قذرة مكشوفة ويتّهم قائد الإسلام الكبير بالميول إلى المسيحية والخروج عن الإسلام.

ولذلك وبكل دناءة كتب إلى عامله على مدينة مدين: انّ ابني أبي تراب ـ محمد و جعفر عليمها السَّلام ـ وردا عليّولمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرهبان وأظهرا لهما دينهما ومرقا من الإسلام إلى الكفر وتقرّبا إليهم بالنصرانية، فكرهت ان


(302)

أنكل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي هذا ووصلا إليكم فناد في الناس: برئت الذمّة منهما.(1)

مقاومة الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ لسياسة التمييع الثقافي

عاصر الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ حكم بني أُمية، وكان واقفاً على الخطط والسياسات الشيطانية التي تستهدف طمس معالم الإسلام وإغفال الناس، ومطّلعاً على أنّ بني أُمية لم يدخل الإيمان في قلوبهم ولم يؤمنوا بالإسلام قط، وانّ ما يطرحوه من الدين ليست إلاّ ظواهر جوفاء لا تمس صميم العقيدة، الأمر الذي أتاح للفاسدين والجهلة أن يتصدّوا للأُمور الدينية وأن يهرجوا باطلاعهم الواسع على المعارف الإسلامية.

فتجد الإمام وفي ضمن رسالة مطوّلة بعثها إلى سعد الخير(2)أحد رموز بني أُمية المعروفة بالصلاح والفلاح والذي كانت تربطه بالإمام روابط حميدة، يشير إلى المسائل السالفة الذكر، ويُذكر بتفشّيها في الأُمم الغابرة، وكتب ضمن مقايسة بينها يقول:

...وكلّ أُمّة قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاّهم عدوّهم حين تولّوه، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية... فأعرف أشباه الأحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثمّ اعرف أشباههم من هذه الأُمّة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرّفوا حدوده....(3)


1-دلائل الإمامة: 105 ـ 107 ; بحارالأنوار: 46/307 ـ 313.
2-هو سعد بن عبد الملك بن مروان.
3-الروضة من الكافي، ص 53ـ55.


(303)

ومن ثم يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ الذي شهد اضمحلال حكم بني أُمية وزواله :إنّ بني أُمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان ولم يطلقوا تعليم الشرك لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه.(1)

ومعنى الشرك هنا هو الشرك في الطاعة، فلم يصادر بنو أُمية المحاولات التي تستهدف تعليم المسلمين الشرك في الذات والصفات والأفعال والعبادات، لأنّها لا تشكّل تهديداً لمصالحهم ولا تحد من سطوتهم، بل استهدفوا إغفال الناس حيال مسألة الشرك في الطاعة لتدوم طاعة الناس لهم ولسياستهم اللا إسلامية.

مناظرات الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ

وقد نشطت في عصر الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ فرق دينية وسياسية عديدة كالمعتزلة والخوارج والمرجئة، وكان الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ كالطود الشامخ يقف صامداً أمام عقائدهم الباطلة ونفوذها، وقد قوّض أُسسهم الفكرية خلال مناظراته مع رؤوس هذه الفرق والمذاهب وأثبت وهنها وبطلانها بأدلّة وحجج دامغة.

وهنا سنعرض للقرّاء الكرام حوار الإمام مع نافع بن الأزرق، أحد رؤساء الخوارج على سبيل المثال:

روي أنّ نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن علي بن الحسين فجلس بين يديه يسأله عن مسائل في الحلال والحرام.

فقال له أبو جعفر ـ في عرض كلامه: قل لهذه المارقة بما استحللتم فراق أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وقد سفكتم دماءكم بين يديه وفي طاعته والقربة إلى اللّه تعالى بنصرته؟! فسيقولون لك: إنّه حكّم في دين اللّه.


1-الأُصول من الكافي:2/415.


(304)

فقل لهم: قد حكّم اللّه تعالى في شريعة نبيّه في موردين رجلين من خلقه:

قال جلّ اسمه : (فَابْعَثُوا حَكماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكماً مِنْ أَهْلِها انْ يُريدا إِصلاحاً).(1)

وحكّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بما أمضاه اللّه.

أوما علمتم أنّ أميرالمؤمنين إنّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه واشترط ردّما خالف القرآن من أحكام الرجال، وقال حين قالوا له: حكمت على نفسك من حكم عليك فقال: ما حكّمت مخلوقاً انّما حكّمت كتاب اللّه، فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن، واشترط ردّ ما خالفه ولولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان؟!

فقال نافع بن الأزرق: هذا واللّه ما طرق سمعي قط.ولا خطر مني ببال، هوالحق إن شاء اللّه تعالى.(2)


1-النّساء: 35.
2-الاحتجاج: 2/176.


(305)

الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ

* عظمة الإمام العلمية

*الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية

* الجامعة الجعفرية الكبرى

* نموذج من تلامذة مدرسة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

*لماذا رفض الإمام اقتراح قادة الثورة العباسية

* انتفاضة زيد بن علي ـ عليه السَّلام ـ


(306)


(307)

نبذة مختصرة

عن حياة الإمام ـ عليه السَّلام ـ

اسم الإمام السادس جعفر، كنيته أبو عبد اللّه، لقبه الصادق، أبوه الإمام الباقر وأُمّه أُمّ فروة.

ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 83 في المدينة، ورحل في 65 من عمره عام 148 هجرية، ودفن في المقبرة المعروفة بالبقيع بجانب أبيه العظيم.

الخلفاء المعاصرون للإمام

بلغ الإمام الصادق الإمامة عام 114 هجرية تزامنت أمامته مع نهايات الحكم الأموي الذي انتهى عام 132 وبدايات الحكم العباسي الذي بدأ من ذلك التاريخ عاصر الإمام الصادق من الخلفاء الأمويين:

1. هشام بن عبد الملك(105ـ 125هـ).

2. الوليد بن يزيد بن عبد الملك (125ـ 126هـ).

3. يزيد بن الوليد بن عبد الملك (126هـ).

4. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (70 يوماً من عام 126هـ).

5. مروان بن محمد المعروف بمروان الحمار (126ـ 132هـ).


(308)

ومن الخلفاء العباسيين:

1. عبد اللّه بن محمد المعروف بالسفّاح(132ـ 136هـ).

2. أبو جعفر المعروف بالمنصور الدوانيقي (136ـ 158هـ).

عظمة الإمام العلمية

هناك أدلّة كثيرة على عظمة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ العلمية، وهو أمر متفق عليه من قبل علماء الشيعة والسنّة، فالفقهاء والعلماء الكبار يتواضعون أمام عظمته العلمية ويمدحون تفوقّه العلمي.

فأبو حنيفة إمام المذهب الحنفي الشهير كان يقول:

ما رأيت أعلم من جعفر بن محمد.(1)

ويقول أيضاً: لما أقدمه (جعفر بن محمد) المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة انّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من مسائلك الشداد فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ فجلست.

ثمّ التفت إليه فقال :يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة.

قال ـ عليه السَّلام ـ : نعم أعرفه.

ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك.

فجعلت أُلقي عليه فيجيبني، فيقول أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً، حتى أتيت على


1-تذكرة الحفاظ:1/166.


(309)

الأربعين مسألة فما أخل منها بشيء.

ثمّ قال أبو حنيفة وبعد ما بلغ إلى هذا الوضع: أليس انّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(1)

وقال مالك إمام المذهب المالكي: اختلفت إلى جعفر بن محمد زماناً، فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلياً، وإمّا صائماً، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدّث عن رسول اللّه إلاّعلى طهارة.(2)ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء العبّاد والزهّاد الذين يخشون اللّه، وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وور(3)عاً.

وكتب الشيخ المفيد: ونقل الناس عنه ـ الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من العلوم.(4)

وابن حجر الهيثمي: جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانيين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السجستاني.(5)

ويقول أبو بحر الجاحظ أحد علماء القرن الثالث: جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال انّ أباحنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب.(6)


1-بحار الأنوار:47/217; الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والمذاهب الأربعة:4/335.
2-تهذيب التهذيب:1/88.
3- الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ و المذاهب الأربعة:1/53.
4-الإرشاد، ص 270.
5-الصواعق المحرقة، ص 201.
6-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والمذاهب الأربعة:1/55 نقلاً عن رسائل الجاحظ.


(310)

وفي معرض حديثه عن المدارس الفلسفية في عهد الحكم الأموي يكتب السيد أمير علي:

ولم تتّخذ الآراء الدينية اتجاهاً فلسفياً إلاّ عند الفاطميين، ذلك انّ انتشار العلم في ذلك الحين اطلق روح البحث والاستقصاء، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كلّ مجتمع من المجتمعات، والجدير بالذكر انّ زعامة تلك الحركة الفكرية إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة، والتي أسّسها حفيد علي بن أبي طالب المسمّى جعفر والملقّب بالصادق، وكان رجلاً بحّاثة ومفكراً كبيراً، جيّد الإلمام بعلوم ذلك العصر، ويعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفية الرئيسية في الإسلام.

ولم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهية فحسب، بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاب الفلسفة من الأنحاء القصية. وكان الإمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفية في مدينة البصرة، و «واصل بن عطاء» مؤسس مذهب المعتزلة، من تلاميذه الذين نهلوا من معين علمه الفياض... .(1)

وكتب ابن خلّكان المؤرّخ الشهير: أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين، أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات آل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان أبو موسى جابر بن حيان الطوسي تلميذاً عنده، وصنّف جابر كتاباً في ألف ورقة يتضمّن رسائل الإمام جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة.(2)


1-مختصر تاريخ العرب ص 193.
2-وفيات الأعيان:1/327.


(311)

الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية في عصر الإمام

كان عصر الإمام الصادق من بين الأئمّة عصراً فريداً والظروف الاجتماعية والثقافية التي عاشها الإمام لم يعشها أي واحد منهم، ذلك انّ تلك الفترة كانت من الناحية السياسية فترة تزلزل الحكم الأموي واشتداد شوكة العباسيين، وكان الطرفان في صراع مستمر إذ بدأ الصراع الإعلامي والنضال السياسي للعباسيين منذ عهد هشام بن عبد الملك، ودخل عام 129 نطاق الكفاح المسلح، وفي النهاية انتصر العباسيون عام 132 هجرية .

ولأنّ الأمويين كانوا في هذه الفترة منشغلين بالمشاكل السياسية الكثيرة لم تسنح لهم الفرصة لمضايقة الإمام الصادق وشيعته كما حدث في حياة الإمام السجاد.

كما أنّ العباسيين ولأنّهم كانوا يرفعون شعار الدفاع عن أهل البيت والثأر لهم قبل استلامهم مقاليد الحكم لم تكن هناك مضايقة من جانبهم أيضاً، ومن هنا كانت هذه الفترة فترة هدوء وحرية نسبية للإمام الصادق وشيعته، فكانت فرصة مناسبة جداً لتفعيل نشاطهم العلمي والثقافي.

الظروف الثقافية الخاصة

ومن الناحية الفكرية والثقافية كان عصر الإمام الصادق عصر النشاط الفكري والثقافي، وقد حدثت في ذلك العصر حركة علمية منقطعة النظير في المجتمع الإسلامي، ونشأت العلوم المتعددة; سواء العلوم الإسلامية، مثل علوم قراءة القرآن والتفسير والحديث والفقه والكلامو ...; أو العلوم الإنسانية العامة، مثل علوم الطب والفلسفة والنجوم والرياضيات و...،لدرجة انّه كلّ من كان له بضاعة


(312)

فكرية وعلمية كان يعرضها على سوق العلم والمعرفة، وعليه حدث تعطّش علمي غريب كان على الإمام أن يجيب عليه ويستجيب له .

ويمكن حصر الأسباب التي أوجبت حدوث هذه الحركة العلمية في الأُمور التالية:

أ. حرية الفكر والعقيدة في الإسلام، ولم يكن العباسيون بلا تأثير في هذه الحرية الفكرية قطعاً، غير انّ لهذه الحرية جذور في تعاليم الإسلام بحيث لو كان العباسيون يريدون الوقوف أمامها لما كان بمقدورهم ذلك.

ب. كانت البيئة الإسلامية آنذاك بيئة دينية تماماً، وكانت الدوافع الدينية هي التي تحرك الناس.

كما أنّ لتشجيع نبي الإسلام على طلب العلم، وحثّ القرآن على التعليم والتعلّم وتأكيده على ذلك وعلى التفكير والتعقّل، الدور الأساسي في تنشيط وتفعيل هذه الحركة العلمية.

ج. كان للقوميات والأُمم التي دخلت الإسلام خلفية فكرية وعلمية، وكان لبعضها مثل العنصر الفارسي ـ الذي كان له خلفية حضارية أكثر ازدهاراً ـ والمصري والسوري حضارات عريقة في تلك الفترة، فراحت هذه الأُمم وبدافع فهم تعاليم الإسلام بشكل معمّق تبحث وتتفحص وتتبادل الآراء فيما بينها.

د. التساهل الديني أو التعايش السلمي مع غير المسلمين خاصة التعايش مع أهل الكتاب فقد تحمّل وقبل المسلمون أهل الكتاب ولم يروا في ذلك مخالفة لعقيدتهم الدينية، وكان لأهل الكتاب في تلك الفترة علماء وخبراء وكان المسلمون يواجهونهم مواجهة علمية، وكان هذا بدوره يؤدي إلى الجدل والبحث والمناظرة.(1)


1-سيرى در سيره أئمه أطهار، الشهيد المطهري، ص 142ـ 160.


(313)

صراع الفِرَق والطوائف الدينية

كان عصر الإمام ـ عليه السَّلام ـ عصر تلاقح وتضارب الأفكار، وظهور الفرق والطوائف والتيارات المختلفة، وانبثقت شبهات وإشكاليات متعدّدة جرّاء تضارب عقائد المسلمين مع عقائد أهل الكتاب وفلاسفة اليونان أيضاً.

وقد ظهرت تيارات وفرق، مثل المعتزلة، الجبرية، المرجئة، الغلاة(1)، الزنادقة، المشبّهة، المتصوّفة، المجسمة، والتناسخية وغيرها في ذلك العصر، وكانت كلّ فرقة تروّج أفكارها وعقائدها، وفضلاً عن ذلك كان الخلاف يدبّ في العلم الواحد من العلوم الإسلامية بين علماء ذلك العلم فعلى سبيل المثال كانت تحدث مناقشات حادة في علوم القراءة والتفسير والحديث والفقه والكلام(2)، وكان كلّ واحد يدافع عن رأيه بشكل ما ويصوب عقيدته.

الجامعة الجعفرية الكبرى

ونظراً لتوفر الفرصة السياسية المناسبة وحاجة المجتمع الماسّة واستعداد الأرضية الاجتماعية، واصل الإمام الصادق جهوده في النهضة العلمية والثقافية التي ابتدأها أبوه الإمام محمد الباقر وأسّس مدرسة وجامعة علمية كبيرة علّم وربى فيها تلامذة كباراً وبارزين; أمثال هشـام بن الحكـم، محمـد بن مسلـم، أبـان ابن تغلب، هشام بن سالم، مؤمن الطاق، المفضل بن عمر، و جابر بن حيان و... في مختلف المجالات العقلية و النقلية، و قد ناهز عدد تلامـذته الأربعة آلاف


1-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والمذاهب الأربعة:2/113ـ 126.
2-ويراد بعلم الكلام هو علم أُصول الدين، فقد كان هذا العلم مشهوراً ومن أكثر العلوم شعبية في ذلك العصر وكان كبار المتكلّمين يبحثون في مختلف الجوانب العقائدية.


(314)

طالب (1)كما قالوا.

وكان كلّواحد من هؤلاء الطلاب شخصية علمية كبيرة متألّقة، وقد قدّموا خدمات كبيرة، وكان لبعض منهم مؤلفات علمية وتلامذة كثيرون، فمثلاً كان لهشام بن الحكم واحد وثلاثون كتاباً (2)، وألّف جابر بن حيان أكثر من مائتي كتاب(3)في مواضيع علمية مختلفة لا سيما العلوم العقلية والطبيعية والكيمياوية وقد اشتهر لذلك بأبي علم الكيمياء وقد ترجمت كتبه في القرون الوسطى إلى لغات أُوروبية عديدة، وقد أطرى مؤرّخو العلوم جميعهم عليه.

رسالة توحيد المفضّل

وكما أشرنا كان الإمام الصادق قد بحث في العلوم الطبيعية، وقد توصل إلى نتائج أعجبت العلماء المعاصرين أيضاً، والشاهد على هذا الأمر ـ فضلاً عن تعليمات جابر ـ هو كتاب توحيد المفضّل الذي أملاه خلال أربعة أيّام على المفضل بن عمر الكوفي، واشتهر باسم توحيد المفضّل.

وقد قال المفضّل في مقدمة الرسالة: كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر (في مسجد النبي) وأنا مفكّر فيما خص اللّه تعالى به سيدنا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الشرف والفضائل و... فأنّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء وهو من زنادقة ذلك العصر فجلس حيث أسمع كلامه، فلمّـا استقر به المجلس إذ رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه، ثمّ دار بينهما الحديث عن نبي الإسلام ثمّ قال ابن أبي العوجاء: دع ذكر محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقد تحيّر فيه عقلي، وضلّ في أمره فكري،


1-الارشاد:271، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة:1/69.
2-هشام بن حكم مدافع حريم ولايت:19، روضة الواعظين:229، اعلام الورى:284.
3-الفهرست لابن النديم:512ـ517.


(315)

وحدّثنا في ذكر الأصل الذي نمشي له، ثمّ راحا يتحدثان عن مبدأ العالم، وانتهيا إلى حيث إنّه لا صانع ولا مدبّر لهذا العالم، بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبّر، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال.

قال المفضّل: فلمّا سمعت هذا الكلام الباطل من ذلك المطرود من رحمة اللّه لم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: يا عدو اللّه ألحدت في دين اللّه وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصوّرك في أتم صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت، فلو تفكّرت في نفسك وصدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة.

فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام ـ وهم الذين يبحثون في العقائد ويعلمونها والمتمرسون في البحث والجدل ـ كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولا تعدّى في جوابنا، وانّه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويتعرّف حجتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننا انّا قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه رداً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.

قال المفضل فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي الصادق ـ عليه السَّلام ـ فرآني منكسراً فقال: «مالك؟» فأخبرته بما سمعت من الدهريين.

فقال: «يا مفضّل لألقين عليك من حكمة الباري جلّ وعلا وتقدّس اسمه في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام و كلّ ذي روح من الأنعام والنبات والشجرة


(316)

المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحيّر فيه الملحدون، فبكّر عليّ غداً...».

راح المفضّل بعد ذلك يتردّد على الإمام الصادق مدة أربعة أيّام متتالية، وظلّ الإمام يلقي عليه بحوثاً حول خلق الإنسان منذ بدء الخلق والقوى الظاهرية والباطنية وصفاته الفطرية وكيفية خلق أعضائه وخلق أنواع الحيوان وخلق السماء والأرض و... وحول فلسفة الآفات ومواضيع وأبحاث أُخرى، و كان المفضل يكتب كلّ ذلك.(1)

وقد طبعت رسالة توحيد المفضل مستقلة مرات عديدة، وترجمها العلاّمة المجلسي وبعض آخر من العلماء المعاصرين إلى الفارسية.

سعة جامعة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وضخامتها

قارع الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ جميع التيارات الفكرية والدينية السائدة في تلك الفترة وأوضح موقف الإسلام حيالها جميعاً، وأثبت أفضلية العقيدة الإسلامية، ولم تقتصر جامعة الإمام الصادق على الطلاب الشيعة، وقد زخرت بطلاب العلم من مختلف المذاهب السنّية أيضاً، وكان أئمّة المذاهب السنّية المشهورين ـ بشكل مباشر وغير مباشر ـ تلامذة لديه يفيدون منه، و كان على رأسهم أبو حنيفة الذي لازم الإمام سنتين وجعل هاتين السنتين مصدر علمه ومعرفته وكان يقول: لولا السنتان لهلك النعمان.(2)


1-توحيد المفضل، المقدمة (ترجمة العلاّمة المجلسي ص 7ـ11); پيشواى ششم حضرت إمام جعفر صادق ـ عليه السَّلام ـ ، مؤسسه در راه حق، ص 47ـ 58.
2-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والمذاهب الأربعة: 1/70، كان اسم أبي حنيفة النعمان بن ثابت.


(317)

وقد كان تلامذة الإمام من الأقطار المختلفة مثل الكوفة والبصرة وواسط، والحجاز و غيرها، ومن مختلف القبائل مثل بني أسد، المخارق، طي، سليم، غطفان، الأزد، خزاعة، خثعم، بني ضبة، وقريش لا سيما بنو الحارث بن عبد المطلب وبنو الحسن الذين اتصلوا بتلك الجامعة.(1)

وكفى بما قاله «الحسن بن علي بن زياد الوشّاء» في سعة جامعة الإمام ورحابتها الذي كان من تلامذة الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ والمحدّثين الكبار: أدركت في هذا المسجد ـ الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد.(2)

ووفقاً لما قاله ابن حجر العسقلاني فقد حدّث عنه فقهاء ومحدّثون; مثل: شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومالك وابن جريج وأبي حنيفة وابنه موسى ووهيب بن خالد والقطّان وأبي عاصم وجماعة كثيرة.(3)

وكتب اليافعي: له كلام نفيس في علوم التوحيد وغيرها، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيان كتاباً يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائله وهي خمسمائة رسالة.(4)

وكان الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يشجع ويعلّم ويرغب تلاميذه في العلم الذي يتناسب مع ذوقهم وطبيعتهم، وفي النهاية كان كلّ واحد منهم يتخصّص في مجال علمي واحد أو مجالين مثل الحديث، التفسير، علم الكلام وغيرها.

وكان ـ عليه السَّلام ـ يرشد بعض العلماء الذين يراجعونه للبحث والمناظرة إلى المناظرة مع أحد الطلاب الذي تخصص في ذلك العلم.

قال هشام بن سالم: كنّا عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ جماعة من أصحابه، فورد رجل


1- الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ والمذاهب الأربعة: 1/38.
2-فهرست مصنفي الشيعة ص 39 و 40.
3-تهذيب التهذيب: 1/88.
4-مرآة الجنان: 1/304.


(318)

من أهل الشام فاستأذن، فأذن له، فلمّا دخل سلّم، فأمره أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بالجلوس، ثمّ قال له: «حاجتك أيّها الرجل؟» قال: بلغني انّك عالم بكلّ ما تسأل عنه، فصرت إليك لأُناظرك.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في ماذا؟

قال: في القرآن، واسكانه وخفضه ونصبه ورفعه.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «يا حمران دونك الرجل!».

فقال الرجل: إنّما أُريدك أنت لا حمران.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إن غلبت حمران فقد غلبتني».

فأقبل الشامي يسأل حمران حتى غرض وحمران يجيبه.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كيف رأيت يا شامي؟».

قال: رأيته حاذقاً ما سألته عن شيء إلاّ أجابني فيه.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «يا حمران سل الشامي» فما تركه يكشر.

فقال الشامي: أُريد يا أبا عبد اللّه أُناظرك في العربية!

فالتفت أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فقال:«يا أبان بن تغلب ناظره»، فناظره فما ترك الشامي يكشر.

فقال: أُريد أن أُناظرك في الفقه!

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«يا زرارة! ناظره!» فناظره فماترك الشاميّ يكشر.

ثمّ قال: أُريد أن أُناظرك في الكلام!

قال: «يا مؤمن الطاق ناظره»، فناظره فسجل الكلام بينهما، ثمّ تكلم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به.

وهكذا عند ما أراد الشامي أن يناظر في الاستطاعة ـ قدرة الإنسان على فعل


(319)

الشر والخير ـ والتوحيد والإمامة أمر الإمام و بالترتيب كلاً من حمزة الطيار وهشام بن سالم و هشام بن الحكم بمناظرته، فغلبوه بأدلّة قاطعة ومنطق مفحم.

وبمشاهدة ذلك المشهد المثير ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتي الإمام فرحاً.(1)

مناظرات الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

وكما سبقت الإشارة منّا فانّ عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ كان عصر صراع الأفكار وظهور المذاهب والفرق المختلفة، وقد حدثت إشكاليات وشبهات عديدة نتيجة لالتقاء الثقافة والعلوم الإسلامية بالفلسفات اليونانية وآراء فلاسفتها، ولهذا كان للإمام الصادق الكثير من المناظرات والمطارحات المثيرة مع أصحاب هذه التيارات والمذاهب، وذلك لتعريف الإسلام والرؤية الشيعية وقد أبدى خلالها وباستدلالاته الرصينةومنطقه القويم تفوق المدرسة الإسلامية وأثبت أفضليتها وبطلان تلك العقائد ووهنها.

وهنا نقدم للقرّاء الكرام من بين تلك المناظرات والمطارحات المختلفة المناظرة التي دارت بين الإمام وأبي حنيفة إمام المذهب الحنفي على سبيل المثال:

جاء أبو حنيفة إلى بيت الإمام الصادق للالتقاء به ذات مرة واستأذن عليه، فحجبه الإمام، و قال أبو حنيفة: وتوقفت قليلاً عند الباب، فجاء قوم من أهل الكوفة، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلت معهم، فلماّ صرت عنده قلت له: يا ابن رسول اللّه لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فانّي تركت بها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم.


1-اختيار معرفة الرجال، ص 275ـ 278; قاموس الرجال:3/416.


(320)

فقال الإمام: «لا يقبلون منّي».

فقلت: ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول اللّه؟!

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «أنت ممن لم تقبل مني، دخلت داري بغير إذني، وجلست بغير أمري، وتكلّمت بغير رأيي، وقد بلغني انّك تقول بالقياس؟».(1)

قلت: نعم به أقول.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«ويحك يا نعمان أوّل من قاس اللّه تعالى إبليس حين أمره بالسجود لآدم ـ عليه السَّلام ـ ، وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، أيّما أكبر يا نعمان القتل أو الزنا؟»

قلت: القتل.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«جعل اللّه في القتل شاهدين وفي الزنا أربعة؟ أينقاس لك هذا؟».

قلت: لا.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«أيما أكبر البول أو المني؟».

قلت: البول.

قال ـ عليه السَّلام ـ :« فلِمَ أمر اللّه في البول بالوضوء وفي المني بالغسل؟ أينقاس لك هذا؟» .

قلت: لا.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«فأيّما أكبر الصلاة أو الصيام؟».

قلت:الصلاة.


1-والقياس هو عبارة عن أنّ اللّه تعالى يبّين حكماً في مورد معين فيتم تسرية ذلك الحكم إلى مورد آخر لا يعلم وجود تلك العلة المعلومة في المورد الأوّل.


(321)

قال ـ عليه السَّلام ـ :«فلمَ وجب على الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ أينقاس لك هذا؟»

قلت:لا.

قال ـ عليه السَّلام ـ :««أيّما أضعف المرأة أو الرجل؟».

قلت: المرأة.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«فلِمَ جعل اللّه تعالى في الميراث للرجل سهمين وللمرأة سهماً؟ أينقاس لك هذا؟».

قلت: لا.

قال ـ عليه السَّلام ـ :«فَلِمَ حكم اللّه تعالى في من سرق عشرة دراهم بالقطع وإذا قطع رجل يد رجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم؟ أينقاس لك هذا؟ ».

قلت: لا.

قال ـ عليه السَّلام ـ : «وقد بلغني أنّك تفسر آية في كتاب اللّه وهي (لتسئلن يومئذ عن النعيم) (1) أنّه الطعام والماء البارد في اليوم الصائف».

قلت: نعم.

قال له: «دعاك رجل وأطعمك طعاماً طيباً وأسقاك ماء بارداً ثمّ امتن عليك به ما كنت تنسبه إليه؟».

قلت: البخل.

قال ـ عليه السَّلام ـ :« أفيبخل اللّه تعالى؟!» قلت: فما هو؟

قال: «حبنا أهل البيت».(2)


1-سورة التكاثر:8.
2-بحار الأنوار:10/22; مناظره درباره مسائل ايدئولوژيكى، ص 130ـ 132.


(322)

تبيين الأحكام بالطريقة الشيعية الخاصة

إنّ الذي خفى على الباحثين حول سيرة الإمام فيما يتعلّق بتأسيسه للجامعة العلمية والفقهية هو الجانب السياسي من هذه المبادرة العظيمة، ولكي يتّضح هذا الجانب السياسي منها ينبغي الالتفات في البداية إلى أنّ جهاز الخلافة في الإسلام يختلف عن كافة الأجهزة والأنظمة الحكومية الأُخرى في أنّه ليس نظاماً وجهازاً سياسياً فقط بل يمثل القيادة السياسية والدينية معاً، و الأمر الذي يوضح هذه الحقيقة هو عنوان الخليفة الذي يتمتع به الحاكم الإسلامي وانّه قبل أن يكون قائداً سياسياً عادياً فهو خليفة رسول اللّه والنبي هو من أوجد الدين وهو معلم الأخلاق، فالخليفة في الإسلام يتولّى الشؤون الدينية للناس ويكون إمامهم الديني أيضاً، مضافاً إلى كونه مسؤولاً عن القضايا والشؤون السياسية .

دفعت هذه الحقيقة المسلم بها وبعد السلسلة الأُولى من الخلفاء الإسلاميين بالحكام اللاحقين الذين كانوا يتمتعون بقلة الوعي الديني و يفتقرون إليه كلياً أحياناً أن يسدّوا هذا الفراغ برجال الدين التابعين لهم، وبضم المرتزقة من الفقهاء والمفسرين والمحدّثين إلى جهازهم الحاكم جعلوا منه تركيبة من الدين والسياسة.

والفائدة الأُخرى التي جناها الخلفاء من هؤلاء المرتزقة آنذاك هو أنّهم كانوا يستطيعون وبسهولة تغيير أحكام الشريعة كيفما شاء واشتهى الحكام الظالمون والمستبدون بذريعة تطلب مصالح العصر وحاجاته، ويبدّلون حكم اللّه باسم الاجتهاد الذي قلّما يستطيع عامة الناس إدراك حقيقته لإرضاء أربابهم وتقرّباً لهم، وقد ذكر المؤرّخون لنا نماذج رهيبة من عمليات وضع الحديث والتفسير بالرأي الأمر الذي لاح منه تورّط القوى السياسية وأجهزة الحكام فيه.

وقد قاموا بنفس هذه العملية في تفسير القرآن أيضاً، فقد كان التفسير


(323)

بالرأي وحسبما يراه المفسر من الأعمال التي يمكن من خلالها تغيير الأحكام الإلهية عند الناس بسهولة وتجعلهم يعتقدون بما يراه المفسر الذي كثيراً ما كان ينفذ رغبات الحاكم وطلباته.

وهكذا كان فقد انقسم كل من الفقه والحديث والتفسير ومنذ بدايات التاريخ الإسلامي إلى اتجاهين: اتجاه يخدم أجهزة الحكم الغاصبة ويضحي بكثيرمن الحقائق لأجل مصالح تلك الأجهزة ويحرّف أحكام اللّه للحصول على متاع الدنيا ،والاتجاه الآخر هو ذلك الاتجاه الأصيل والأمين الذي لا يقدّم أية مصلحة على مصلحة نشر أحكام الشريعة وتبيينها، وكان طبعاً يواجه الجهاز الحاكم ومرتزقته من الفقهاء في كلّ خطوة يخطوها، ولأجل ذلك كان يمارس هذا الاتجاه نشاطه بشكل سري في أغلب الأحيان.

الطابع النقدي لمدرسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

وممّا تقدّم يمكن أن نعرف جيداً بأنّ الفقه الجعفري لم يكن يمثل وجهة نظر دينية مختلفة عن بقية آراء الفقهاء الفقهية في عصر الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ فحسب، بل كان يحمل في طياته مفهومين نقديين في الوقت ذاته.

أوّلهما، وأهمهما : هو إثبات عدم تمتع جهاز الحكم بالوعي الديني اللازم وعجزه عن سد الفراغ الآيديولوجي الذي يعانيه الناس، ويعني في الواقع إثبات عدم جدارته في تولّي منصب الخلافة.

وثانيهما: هو تحديد موارد التحريف الديني في الفقه الحكومي الذي انبعث من استنتاجات غير إسلامية ومصالح ارتآها الفقهاء في بيان الأحكام الفقهية ممّا ينصب في صالح سياسات السلطات الحاكمة، ثمّ راح الإمام الصادق ومن خلال تفعيل البحوث العلمية وتبيين الفقه والمعارف الإسلامية وتفسير القرآن بطريقة


(324)

تختلف عن أُسلوب العلماء التابعين للحكم يسجّل اعتراضه العملي على الجهاز الحاكم.

وبهذه الطريقة خطّأ الإمام جميع المؤسسات الدينية والفقهية التابعة لجهاز الخلافة والتي تعدّ من أركانه وخلع عنه الصفة الدينية التي أضفاها على نفسه.

وفي الحوارات والتعاليم التي كان يلقيها على أصحابه ومقرّبيه تتضح جلياً الاستفادة من عامل عدم تمتع الخلفاء بالوعي الديني بصفته دليلاً على أنّ رأي الإسلام هو عدم استحقاقهم تولّي هذا المنصب. أي انّ الإمام كان يصرّح بنفس ذلك المفهوم النقدي الذي كان متمثلاً في دروسه الفقهية والقرآنية أيضاً وبشكل علني، وفي حديث روي عنه :«نحن قوم فرض اللّه طاعتنا وأنتم تأتمّون بمن لا يعذر الناس بجهالته»(1)أي انّ الناس الذين قد انحرفوا جرّاء جهل القادة والحكام وسلكوا الطريق الخطأ لا يمكنهم أن يعتذروا للّه تعالى بأنّه: «لم نسلك الطريق الخطأ بمعرفتنا بل انّ أئمتنا وقادتنا هم الذين دفعوا بنا جهلاً إلى هذا الطريق» ذلك انّ إطاعة هؤلاء القادة هو بنفسه عمل خاطئ، إذن فليس بإمكانه أن يبرر الأعمال الخاطئة اللاحقة.(2)

نموذج من تلامذة مدرسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

وكما أشرنا مسبقاً انّ عدد من تربّى وتعلم في الجامعة الجعفرية قد ناهز الأربعة آلاف طالب، وكان المناسب ـ على أقل تقدير ـ أن نترجم لبعض منهم هنا غير انّنا وللاختصار سنقتصر على ترجمة وتقديم نموذج واحد منهم وهو هشام بن الحكم.


1-أُصول الكافي:1/186.
2-پيشواى صادق، السيد علي الخامئني، ص 87ـ 91.


(325)

المستوى العلمي الكبير لهشام بن الحكم

كان هشام عالماً بارزاً ومتكلّماً كبيراً، ذا فصاحة وبلاغة، وعذوبة في الكلام، وحاذقاً جداً في المناظرة، وكان يعد من أكبر تلامذة مدرسة الإمامين الصادق والكاظم عليمها السَّلام ، وقد قدّم خدمات كبيرة للشيعة في ذلك العصر الذي كان الشيعة فيه عرضة للضغط السياسي والإعلامي من قبل السلطات والمذاهب المختلفة، وبشكل خاص دافع بجدارة عن عقيدة الإمامة التي هي من أركان عقائد الشيعة الأساسية وبيّن مفهومها البنّاء في قيادة المجتمع بشكل رائع.

وفي هذه الجامعة ارتسمت خطوط تكامله الفكري والإسلامي، ولكن وبعد عام 148هـ فصاعداً ، أي بعد استشهاد الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ تكاملت شخصيته الراقية في ظل تعاليم الإمام الكاظم وإرشاداته وبلغ إلى قمة الكمال والازدهار.

في طلب الحقيقة

توضح لنا دراسة حياة هشام انّه كان مغرماً بالعلم ومتعطشاً للحقيقة، فدرس أوّلاً وللوصول إلى هذا الهدف والارتواء من معين العلم والمعرفة علوم عصره، ودرس كتب اليونان الفلسفية لإتمام معرفته وإكمالها فتعلّمها جيداً لدرجة انّه كتب نقداً على أرسطاطاليس.

ثمّ بعد ذلك في سبيل إكمال سيرته الفكرية والعلمية تنقّل بين عدّة مدارس مختلفة، غير انّه لم يقتنع بفلسفة أي مدرسة من تلك المدارس، إلاّتعاليم الإسلام المنطقية والواضحة والمستقيمة التي ألقت في روعه السكينة والاستقرار، ولذلك وبعد أن اطّلع على جميع التيارات السائدة آنذاك أعرض عنها وتعرّف على الإمام الصادق من خلال عمه، ومنذ ذلك الحين تغيّرت مسيرة حياته في ظل معرفة


(326)

الإسلام العميقة وقبول منطق التشيّع وتحوّل تحولاً أساسياً.

وقال بعض: إنّ هشام بن الحكم كان من تلامذة أبي شاكر الديصاني (الملحد المعروف) في البداية، ثمّ تبنّى عقيدة الجَهْمية وصار من أتباع جَهْم بن صفوان، و قد عدّوا ذلك ممّا يطعن فيه هشام ويتهم بفساد العقيدة.(1)

في حين انّه ليس فقط لم يكن تلميذاً لأبي شاكر، بل كان له معه مناظرات انتهت بتشرّف أبي شاكر بالدين الإسلامي.(2)

وعلى فرض صحّة ما نسب إليه، فإنّ مساهمته في البحوث والمجالس التي كانت تقيمها المدارس المختلفة لا تثبت انّه كان يتبنّى تلك العقائد والآراء، بل كان اتّصاله بهم لأجل الاطّلاع والبحث والمناظرة هذا أوّلاً، وثانياً أنّ هذه التنقلات كانت بمثابة المعبر له في مسيرة تكامله العقلي والفكري، ولا يكون لمن يطلب الحق ويبحث بوعي ودراية عن الحقيقة عيباً ونقيصة، بل يجب أن ننظر إلى النقطة الأخيرة من مسيرته الفكرية والعقيدية ونحكم على أساسها(3)، ونحن نعلم أنّ هشاماً بذل قصارى جهده في إشاعة وبث الإسلام والتعريف بالعقائد الشيعية وترك وراءه صحيفة أعمال مضيئة.

عصر صراع الأفكار

وكما أشرنا مسبقاً كان القرن الثاني من الهجرة واحداً من عصور الازدهار العلمي والمعرفي والبحث وصراع الأفكار وظهور المدارس والتيارات المختلفة في


1-وحول حياته يراجع هشام بن الحكم، عبد اللّه نعمة، ص 39ـ 53.
2-قاموس الرجال، التستري:9/351.
3-هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، الصفائي ص 14; تنقيح المقال، المامقاني:3/301.


(327)

المجتمع الإسلامي، وعلى الرغم من أنّ الإسلام كان يدعو للعلم والمعرفة منذ البداية غير انّ الجدل والحوارات العلمية والدينية والمناظرات وصلت إلى أوجها في هذا القرن وظهر علماء كثيرون في هذا المجال لكلّ منهم ثقله ومكانته، وكلّ ذلك بسبب تعرف المسلمين وعلمائهم على الفلسفة اليونانية وأفكار العلماء الأجانب من جهة وظهور المدارس الدينية المختلفة في المجتمع الإسلامي من جهة أُخرى.

هذا وبسبب انّ أكثر البحوث والآراء العلمية لم تكن منسقة ومدونة لذا كان المجال مفتوحاً للجدل والمناظرة بشكل كبير.(1)

ولما تقدّم من الأسباب اتّسمت المناظرات والحوارات بين المدارس والفرق المتعددة بأهمية خاصة، وكانت تحدث مناظرات وحوارات قيمة ومثيرة هنا وهناك كلّها جديرة بالاهتمام ويوجد اليوم الكثير منها بأيدينا.

كوّن مجموع هذه الأسباب الباعث على الازدهار والمعرفة والإدراك التحليلي للقضايا بين المسلمين لدرجة انّه قد خصص لهذا الموضوع فصلاً خاصاً في كتب تاريخ الإسلام، و هشام بن الحكم الذي كان قد تربى وترعرع في هذه الأجواء وللاستعداد الكبير والعلاقة الشديدة اللّذين كان يتمتع بهما، برز بسرعة من بين علماء ومفكّري عصره وأصبح على رأسهم.(2)

اللقاء الأوّل

غير انّ هشاماً ما زال وهو في مسيرته العلمية لم يحصل على ضالّته المنشودة ومع أنّه درس مدارس فكرية متعددة وتباحث مع شخصيات علمية ودينية بارزة


1-ضحى الإسلام:2/54.
2-هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، ص 14.


(328)

في عصره إلاّ أنّه لم يكن قد بلغ ما يرومه وقد بقيت شخصية واحدة لم يواجهها وليست هي غير جعفر بن محمد إمام الشيعة السادس.

فقد كان هشام يفكّر بحق انّ الالتقاء به سيفتح له أُفقاًجديداً، ولهذا الغرض طلب من عمّه الذي كان شيعياً ومن الموالين للإمام السادس أن يرتّب له لقاء معه.

وقصة لقائه الأوّل بالإمام الصادق الذي غيّر مجرى حياته العلمية تماماً قصة رائعة وجذابة، يقول عمر بن يزيد عمّ هشام:

كان ابن أخي هشام يذهب في الدين مذهب الجهمية، فسألني أن أدخله على أبي عبد اللّه ليناظره، فأعلمته أنّي لا أفعل مالم استأذنه فيه، فدخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فاستأذنته في إدخال هشام عليه، فأذن لي فيه، فقمت من عنده وخطوت خطوات فذكرت رداءته وخبثه، فانصرفت إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فحدّثته رداءته وخبثه.

فقال لي أبو عبد اللّه: «يا عمر تتخوّف علي» فخجلت من قولي وعلمت أنّي قد عثرت، فخرجت مستحياً إلى هشام وأعلمته أنّه قد أذن له بالدخول.

فبادر هشام فاستأذن ودخل، فدخلت معه، فلمّا تمكّن من مجلسه سأله أبو عبد اللّه عن مسألة فحار فيها وبقي، فسأله هشام أن يؤجّله فيها، فأجّله أبو عبد اللّه، فذهب هشام فاضطرب في طلب الجواب أيّاماً فلم يقف عليه، فرجع إلى أبي عبد اللّه فأخبره أبو عبد اللّه بها.

وسأله عن مسألة أُخرى فيها فساد أصله وعقد مذهبه، فخرج هشام من عنده مغتماً متحيراً، قال: فبقيت أياماً لا أفيق من حيرتي.

ثمّ طلب منّي هشام أن استأذن له على أبي عبد اللّه ثالثاً، فدخلت على أبي


(329)

عبد اللّه فاستأذنت له، فقال أبو عبد اللّه: لينتظرني في موضع سمّاه بالحيرة(1)لالتقي معه فيه غداً إن شاء اللّه، فخرجت إلى هشام فأخبرته بمقالته فسّر واستبشر وسبقه إلى الموضع الذي سمّاه.

ثمّ رأيت هشاماً بعد ذلك، فسألته عمّا كان بينهما؟

فأخبرني انّه سبق أبا عبد اللّه إلى الموضع الذي كان سمّّاه له، فبينا هو إذا بأبي عبد اللّه قد أقبل على بغلة له، فلمّا بصرت به وقرب مني هالني منظره وأرعبني حتى بقيت لا أجد شيئاً أتفوّه به، ولانطق لساني لما أردت من مناطقته، ووقف عليّ أبو عبد اللّه ملياً ينتظر ما أكلّمه، وكان وقوفه عليّ لا يزيدني إلاّ تهيّباً وتحيراً، فلمّا رأى ذلك مني ضرب بغلته وسار حتى دخل بعض سكك الحيرة.(2)

ويوجد هنا عدة نقاط هامة في هذه القضية:

الأُولى: هو وجود الموهبة والقدرة العالية في التباحث والمناظرة في هشام ممّا جعل عمه يتخوّف، ويعبّر عن ذلك الاستعداد بالخباثةوالرداءة، وكان يشعر ـ جهلاً بمنزلة الإمامة السامية ـ بالقلق حيال هذه المواجهة ممّا جعله يفاتح الإمام في ذلك منذ البداية .

الثانية: رغبة هشام وتعطّشه العجيب لطلب المعرفة والعلم والتعلّم أكثر لدرجة انّه لا يفوّت أية فرصة في هذا السبيل ويستغل كلّ فرصة تسنح له، وبعد العجز عن الإجابة على أسئلة الإمام يجدد لقاءه معه ويسبقه في اللقاء الأخير إلى محل اللقاء، وهنا يتجلّى بوضوح عطشه واشتياقه الكبير.


1-نظراً إلى أنّ الحيرة كانت واحدة من مدن العراق وكان هشام يسكن الكوفة، فلعل هذا اللقاء كان قد تم في إحدى أسفار الإمام الاجبارية إلى العراق.
2-اختيار معرفة الرجال، الطوسي، 256; هشام بن الحكم مدافع حريم ولايت، الصفائي ص 15.


(330)

الثالثة: عظمة شخصية الإمام الصادق لدرجة انّها جعلت هشاماً مضطرباً عاجزاً عن أن يتفوّه بما كان قد أعدّه له لمناظرته وينسى كلّ ما كان في جعبته من العلم، فيعترف وبلغة العيون والنظرات الأخّاذة الممزوجة بالهيبة والاحترام بصغره أمام ذلك الإمام العظيم.

وعلى كلّ حال كان لذلك اللقاء الروحي أثره وغيّر مجرى حياة هشام، ومنذ ذلك اليوم اتصل بمدرسة الإمام السادس، وتخلّى عن عقائده السابقة، وتألّق في هذه المدرسة ،لدرجة انّه حاز على قصب السبق من بين أصحابه.

مؤلّفات هشام

وفي ظل ما أفاده هشام من المعارف الجمّة من مدرسة الإمام السادس قطع المراحل العلمية العليا وبذل قصارى جهده في إشاعة العقائد الشيعية والدفاع عنها، وقد ترك في هذا المجال تراثاً علمياً ضخماً، وتوضح لنا ملاحظة فهرس أعماله ومؤلّفاته التي ناهزت الثلاثين مجلداً مدى مستوى علمه وعمقه وضخامة أعماله، وها هو فهرس أعماله في المجالات المتنوعة:

1. كتاب الإمامة، 2. كتاب الدلالة على حدوث الأشياء، 3. كتاب الرد على الزنادقة، 4. كتاب الرد على أصحاب الاثنين، 5. كتاب التوحيد، 6. كتاب الرد على هشام الجواليقي، 7. كتاب الرد على أصحاب الطبائع، 8. كتاب الشيخ والغلام، 9. كتاب التدبير(1)، 10. كتاب الميزان، 11. كتاب الميدان، 12. كتاب الرد على من قال بإمامة المفضول، 13. كتاب اختلاف الناس بالإمامة، 14. كتاب الوصية والرد على من أنكرها، 15. كتاب الجبر والقدر، 16. كتاب الألفاظ، 17. كتاب المعرفة، 18. كتاب الاستطاعة، 19. كتاب الثمانية أبواب،


1-جمع الكتاب علي بن منصور من تلامذة هشام بن الحكم.


(331)

20. كتاب الرد على شيطان الطاق، 21. كتاب الأخبار كيف يفتح، 22. كتاب الرد على أرساطاطاليس في التوحيد، 23. كتاب الرد على المعتزلة وعقيدتهم في طلحة والزبير، 24. كتاب الحكمين، 25. كتاب القدر، 26. كتاب الرد على مذهب المعتزلة، 27. كتاب المجالس حول الإمامة(1)، 28. كتاب علل التحريم، 29. كتاب الفرائض.(2)

نشاطات الإمام السياسية

ويجب التأكيد على هذه النقطة هنا، وهي انّه وعلى العكس ممّا يتصوره الجميع فإنّ نشاطات الإمام الصادق لم تنحصر في المجالات العلمية بكل ما لها من سعة وعمق، بل كان له نشاطات سياسية أيضاً غير انّ هذا الجانب من نشاطاته ظل خافياً على كثير من المحدّثين والكتّاب، ولأجل أن يتضح وهن وخطأ هذا التصوّر وهو ـ انّ الإمام الصادق و نظراً للظروف السائدة آنذاك لم يتدخل في القضايا ا لسياسية أبداً ولم يكن له موقف سياسي أصيل بل كان يسير في ضوء ما ترسمه له سياسة الخلفاء والحكام آنذاك ـ نقدم نموذجاً من نشاطاته بالنحو التالي:

إرسال ممثليه لدعوة الناس إلى الإمامة

وبدافع بثّ فكرة الإمامة أرسـل الإمام الصـادق ـ عليه السَّلام ـ مـن يمثّلـه إلى سـائر أرجاء البلاد، ومنهم رجل كوفي بعثه الإمام نيابة عنه إلى خـراسان يـدعـوهـم لإمامتـه، ففـرقة أطاعت وأجـابت، وفـرقة جحدت وأنكـرت، وفـرقة


1-الفهرست، الطوسي، 355; فهرست مصنفي الشيعة ص 304; الفهرست، ابن النديم، ص 264; تأسيس الشيعة، الصدر، ص 361.
2-فهرست أسماء مصنفي الشيعة، ص 304.


(332)

ورعت ووقفت ـ خوفاً من الفتنة ـ .

ثمّ خرج من كلّ فرقة رجل يمثّل فرقته للقاء الإمام الصادق، وكان ممثل الفرقة الثالثة قد قام بعمل قبيح مع إحدى جواري بعض من معه دون أن يعلم به أحد، و لمّا دخلوا على الإمام كان المتكلم هو ذلك الرجل، فقال: أصلحك اللّه قدم علينا رجل من أهل الكوفة فدعا الناس إلى طاعتك وولايتك، فأجاب قوم وأنكر قوم وورع قوم ووقفوا .

قال الإمام: «فمن أي الثلاث أنت؟».

قال: أنا من الفرقة التي ورعت ووقفت.

قال الإمام: فأين كان ورعك ليلة قيامك بذلك العمل الشائن؟!(1)

وكما هو ملحوظ كان مبعوث الإمام كوفياً ومحل أداء مهمته خراسان بينما كان الإمام يقيم في المدينة، وهذا يوضح لنا اتساع رقعة نشاطاته السياسية.

أسباب سقوط الحكم الأموي

ولأنّ سقوط الحكم الأموي كان في عهد الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، لهذا ارتأينا من المناسب أن نستعرض أسبابه بشكل موجز: فقد أظهر الخلفاء الأمويون الكثير من البدع والفساد والانحراف في حكمهم وسياستهم ممّا أدى إلى إثارة غضب الناس وانتهى إلى ثورة المسلمين وسقوط حكمهم، وأمّا الذي أثار غضب الناس وكراهيتهم فهو:

1. انّه منذ عهد معاوية فصاعداً تحول نظام الحكم الإسلامي إلى نظام ديكتاتوري واستبدادي وراثي وفردي.


1-بحار الأنوار:47/72.


(333)

2. ان دخل الدولة الذي كان ينبغي أن يصرف في الأُمور والأعمال العامة والغنائم الحربية والفيء الذي هو للمجاهدين استولت الحكومة على كلّ ذلك وصرفتها على مجالس لهوها وقصورها وزخرفتها وبذخها ولذّاتها.

3. تفشّي الاعتقالات والتنكيل والمذابح والمجازر العامة أحياناً.

4. ومع أنّ الفقه الشيعي قبل قيام الحكم الأموي كان مهملاً وأئمّة الشيعة الذين كانوا على علم واسع بالأحكام الإسلامية لم يعرفوا كمراجع الأحكام الدينية غير انّ المعايير الدينية والفقهية الرسمية والسائدة كانت تراعى في الظاهر.

وعلى سبيل المثال عندما كانوا يريدون الحصول على حكم مسألة ما فانّهم يرجعون إلى القرآن و سنّة النبي في البداية، فإذا لم يحصلوا عليه فيهما رجعوا إلى الصحابة من المهاجرين والأنصار ويسألونهم هل سمعوا حديثاً عن النبي في ذلك أو لا؟ وإذا لم يحصلوا على دليل الحكم بعد كلّ هذا البحث والفحص كان الذين لهم حظّ من الفقه يحددون الحكم الشرعي باجتهادهم بشرط أن لا يخالف ذلك ظاهر القرآن والسنّة بشكل كامل.ولكنّ الخلفاء الأمويين ما كانوا يرون بأساً في أن يصدروا حكماً يخالف القرآن وسنّة النبي كما ألحق معاوية زياد الابن الغير الشرعي لأبي سفيان بنسبه واعتبره أخاً له خلافاً لما صرّح به حديث النبي.

5. قد حدد الفقه الإسلامي ـ كما نعلم ـ أحكاماً جزائية للمجرمين تعرف بالحدود والديات.

والمجرم يجب أن يلقى جزاءه وفقاً لها غير انّنا لا نجد أي تناسب بين الجريمة والجزاء المقرر لها في عصر الأمويين وغالباً ما كانت الأحكام الجزائية منوطة برأي الحاكم إن شاء عفا عن المجرم أو شاء قتل بريئاً وكان يحدث أحياناً أن يحكموا على الناس بأكثر ممّا قرره الشارع!

6. وبالرغم من انّه قد نشأ فقهاء كبار في المجتمع الإسلامي ولكن لم يكن


(334)

هناك من يعير لكلامهم أي أهمية، ولو انّ فقيهاً أفتى بحكم يخالف مصلحة الحاكم كانت حياته عرضة للخطر، ولهذا تعطّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللّذين هما من فروع الدين المهمة ولم يكن هناك من يجرأ على نهي الخليفة عمّـا يقوم به من العمل القبيح.

7. انتهكت حرمة الشعائر والمظاهر الإسلامية، وسمحوا أن يهان كلّ ما هو مقدس في عين المسلمين، كما هدموا الكعبة والمسجد الحرام وانتهكوا حرمة ضريح النبي ومنبره ومسجده واستباحوا المدينة قتلاً و تنكيلاً ثلاثة أيام.

8. قتلوا أولاد النبي بشكل جماعي لأوّل مرة في الإسلام، وأخذوا نساء وبنات أهل بيته سبايا يجولون بهن المدن.

9. ظهور نظم الشعر للمدح ـ الذي كان من مظاهر الجاهلية وعدّمذموماً في عهد النبي ـ مرة أُخرى وشيوعه وراح الشعراء في العصر الأموي ينسجون قصائد المدح يمدحون الخلفاء بأشياء ليست فيهم قدر استطاعتهم وينزّهونهم عن كلّ ما فيهم.

10. ظهور مجموعة من العلماء الدنيويين ومن تجار الدين الذين اشتروا رضا الحكّام بغضب الرب، وكان يفسّر هؤلاء ظاهر آيات القرآن وأحاديث النبي برأيهم وحسب رغبتهم ويبررون أعمال وسلوك الحكام.

11. ازدياد الرغبة في حياة يسودها البذخ والزينة في الأكل والألبسة والقصور، والاهتمام بمظاهر الحياة، وبناء القصور الفخمة في مركز الحكم وفي المصايف والأماكن التي يرتادونها للصيد.

12. الإدمان على الخمرة والانشغال بالنساء واللهو معهن، وشراء الجواري المغنيات، لدرجة انّهن شكّلن جلّ أحاديث بعض الخلفاء الأمويين اليومية،


(335)

مضافاً إلى الحديث عن الأكل والشراب.(1)

13. كان مبدأ المساواة أحد أهم أركان النظام الإسلامي، ولكنّه أُلغي واستبدل بالعنصرية العنيفة لصالح العرب وبضرر القوميات الأُخرى الغير عربية، وفي الوقت الذي يلغي القرآن والسنّة النبوية الفوارق والامتيازات العنصرية ويجعل ملاك التفاضل هو التقوى، نجد الأمويين يفضّلون العنصر العربي ويقولون: لأنّ نبي الإسلام مبعوث من العرب فالعرب أفضل من الآخرين وقريش أفضل من العرب الآخرين، وكان العرب في ضوء هذه السياسة يفضّلون على العجم في جميع الأُمور، وكان نظام الأمويين الارستقراطي يمنع الموالي ـ المسلمين من غير العرب ـ من التمتع بجميع حقوقهم الاجتماعية كالإماء والعبيد، وكان التحقير والاستصغار يرافقان الموالي أينما كانوا ويحرمون من مزاولة أي عمل محترم، فلم يكن يحق لهم أن يصنعوا السلاح ويركبوا الخيول أو يتزوّجوا من العربيات حتى لو كانت بدوية بلا نسب وحسب، وإذا ما حدث ذلك بشكل سري فكان الطلاق هو مصير المرأة والرجل مصيره السجن والضرب بالسياط.

الحكم والقضاء والإمامة أيضاً كان جميع ذلك مختصاً بالعرب فقط أينما كانوا، ولا يحق لغير العربي أن يتقلد هذه المناصب.

وكان العرب الأمويون يعتقدون بأنّهم خلقوا للسيادة والحكم، وانّ العمل والعناء خاص بالموالي.

فكان هذا النوع من التعامل مع الموالي أحد أكبر أسباب سقوط الحكم الأموي على أيدي الإيرانيين الفرس، وخلال موجة التمرد والثورة على الأمويين استغل العباسيون تلك الأسباب لتشويهم وتحريض الناس عليهم، غير انّه كان


1-تاريخ تحليلى اسلام تا پايان امويان، ص 204(بتصرف).


(336)

لسببين من تلك الأسباب أثره الأكبر في ذلك وهما:احتقار الموالي، ومظلومية أهل البيت. فاستغل العباسيون هذين الأمرين بشكل كبير وفي الواقع انّهما شكلا الجسر الذي عبر من خلاله العباسيون للوصول إلى أهدافهم.

هل كانت ثورة العباسيين إسلامية؟

والموضوع الآخر الذي يسترعي الانتباه في دراسة حياة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ هو امتناعه عن قبول اقتراح بيعة قادة الثورة العباسية له، وإذا ألقينا نظرة سطحية إلى هذا الأمر فانّا سنظن انّ للدوافع الدينية أثراً كبيراً فيها، لأنّ الشعارات التي حملوها كانت جميعها إسلامية، والكلمات التي كتبوها على راياتهم كلّها آيات قرآنية، وكانوا يتظاهرون بالولاء لأهل البيت وانّهم يريدون الانتقام لدماء أهل البيت التي أُريقت ظلماً من بني أُمية وبني مروان، وكان كلّ هدفهم هو ربط الثورة بأهل البيت.

ومع أنّهم لم يعلنوا عن اسم الخليفة الذي كان يدعون الناس إليه غير انّ شعارهم كان «الرضا من آل محمد» أي ثرنا لبيعة شخص منتخب من آل محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

قالوا: كان لأبي مسلم أصحاب وأنصار كثيرون بين العرب، وعندما بايعوه أقسموا بأن يصمدوا ويثبتوا في اتّباع كتاب اللّه وسنّة النبي وفي طاعة الرضا من آل البيت، وأن لا يتأخّروا في اتبّاع قادتهم، وأن ينفّذوا كلّ أوامرهم بدون مناقشة حتى أنّهم أقسموا بأنّهم إذا انتصروا على عدوهم لا يقتلونهم إلاّبما أمر به الإسلام وزعماءهم، وكان شعارهم الذي يعرفون به بعضهم ويتصلون من خلاله ببعضهم هي الملابس والرايات السوداء، وكان راياتهم سوداء باعتبار انّ راية النبي كانت سوداء، وهدفهم هو الرجوع إلى دين النبي، أو أن يكون رمزاً لمطالبتهم بدماء أهل


(337)

البيت وحزنهم عليهم . ولعلّهم أرادوا أن يجعلوا أنفسهم مصداقاً لأخبار الملاحم التي تقول بأن ظهور الرايات السوداء من خراسان علامة على زوال سلطان الطغاة وظهور الحكومة الحقة العادلة(1). (2)

وعلى أي حال دلّ ظاهر الأمر انّ ثورة العباسيين ثورة عظيمة ذات مغزى إسلامي.

رسائل قادة الثورة إلى الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

وبعد موت إبراهيم الامام كتب أبو مسلم إلى الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :إنّي أدعو الناس إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فليس مزيد عليك.

فأجابه الإمام : ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني.(3)

وكذلك يقول الفضل الكاتب: كنت عند أبي عبد اللّه، فأتاه كتاب أبي مسلم; فقال: «ليس لكتابك جواب، أُخرج عنّا».(4)

وهكذا قرر أبو سلمة الخلال(5)الذي عرف فيما بعد بوزير آل محمد أن يبتعد عن العباسيين ويتصل بالعلويين، لأنّه لاحظ انّ الظروف قد انقلبت ضده بعد موت إبراهيم الإمام، ولذلك كاتب ثلاثة من أعيان العلويين، وهم: جعفر بن


1-يراجع حول راياتهم وثيابهم السوداء: دو قرن سكوت ، زرين كوب، ص 116; الكامل في التاريخ:5/479; تاريخ بغداد:10/208; البداية والنهاية:10/67.
2-واعتبر مجيء الرايات السود من المشرق علامة ظهور الدولة العادلة في روايات علائم الظهور; بحار الأنوار:52/217ـ 229 باب علائم الظهور; إرشاد المفيد،ص 357.
3-الملل والنحل، الشهرستاني:1/154.
4-الروضة من الكافي، الكليني:8/274; بحار الأنوار:47/297.
5-ذكرت في سبب تسمية أبي سلمة بالخلال، ثلاثة أوجه (راجع ابن طقطقا، الفخري ، ص 153ـ154).


(338)

محمد الصادق، وعبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عبد اللّه المحض)، وعمر الأشرف بن زين العابدين، و أرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال للرسول: اقصد أوّلاً جعفر بن محمد الصادق عليمها السَّلام ، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد اللّه المحض، فإن لم يجب فالق عمر. فذهب الرسول إلى جعفر بن محمد أوّلاً ودفع إليه كتاب أبي سلمة.

فقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ : «مالي ولأبي سلمة؟ وهو شيعة لغيري».

فقال له الرسول:اقرأ الكتاب، فقال الإمام لخادمه:ادن السراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتى احترق !

فقال الرسول: ألا تجيبه.

قال الإمام: «قد رأيت الجواب»!

فخرج الرسول فأتى عبد اللّه بن الحسن ودفع إليه الكتاب، فقرأه وقبله، ثمّ ركب حتى أتى منزل أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، فقال هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان، فقال الإمام: «ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟! أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟! وهل تعرف منهم أحداً؟! فإن لم تعرفهم ولم يعرفوك فكيف صاروا شيعة لك؟!».

فقال عبد اللّه: كان هذا الكلام منك لشيء.

فقال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «قد علم اللّه أنّي أُوجب النصح على نفسي لكلّ مسلم، فكيف ادّخره عنك، فلاتمن نفسك بالأباطيل، فإنّ هذه الدولة ستتم لبني العباس، وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك».

فخرج عبد اللّه غاضباً، وكان موقف عمر بن زين العابدين سلبيـاً تجاه كتـاب أبـي سلمـة أيضاً ورفضـه، وقال: أنـا لا أعرف صاحب الكتـاب حتـى


(339)

أرد عليه.(1)

ولمّا أقبلت رايات الانتصار ترفرف وظهرت علائم النجاح كاتب أبو سلمة الإمام مرة ثانية: إنّ سبعين ألف مقاتل وصل إلينا، فننتظر أمرك.

فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الجواب كما شافهتك».(2)

ويروي لنا أبو بكر الحضرمي انّه: دخلت أنا وأبان على أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان فقلنا: ماترى؟

فقال: «اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح».(3)

وقال الإمام ـ عليه السَّلام ـ في حديث آخر لأصحابه: كفّوا ألسنتكم، وألزموا بيوتكم، فإنّه لا يصيبكم أمر تخصون به أبداً ـ الحكومة الإسلامية الحقة ـ ».(4)

لماذا رفض الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ اقتراح قادة الثورة العباسية؟

و بالنظر إلى ما تقدم يبدو موقف الإمام في الوهلة الأُولى تجاه اقتراحات أبي سلمة وأبي مسلم أمر يصعب فهمه وتحليله، ولكن إذا أمعنّا النظر قليلاً في الأُمور أدركنا السبب الكامن وراء هذا الموقف، فقد كان الإمام الصادق يدرك بأنّ قادة الثورة لا هدف لهم إلاّ الحصول على مقاليد السلطة، وليس رفع شعار الولاء لأهل البيت إلاّ لجذب واستقطاب الموالين لأهل البيت.

وتشهد الروايات التاريخية بوضوح انّ أبا سلمة الخلاّل تسلّم مقاليد الأُمور السياسية بعد وصول القوات الخراسانية إلى الكوفة، وراح يوزع المناصب السياسية والعسكرية بين جماعته وأصحابه، فقد أراد باختياره خليفة علوياً أن


1-الفخري، ابن طقطقا، ص 154; مروج الذهب:3/253ـ 254، ولم يذكر المسعودي رسالة عمر ابن زين العابدين.
2-بحار الأنوار:47/133.
3-بحار الأنوار: 52/139.
4-بحار الأنوار: 52/139.


(340)

يكون هو صاحب القرار والسلطة في الحكومة ويكون منصب الخليفة منصباً شكلياً.(1)

وكان الإمام يدرك بأنّ أبامسلم وأبا سلمة يبحثان عن شخصية مرموقة من أهل البيت حتى يستغلا مكانتها وشعبيتها للوصول إلى أهدافهما وبأنّهما لا يعتقدان بإمامته، وإلاّفما معنى إرسال ثلاث رسائل بمضمون واحد إلى ثلاث شخصيات من آل الرسول ؟!

كان الإ