welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _*
نویسنده :مهدي البيشوائي*

سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _

(29)

أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ

* في أحضان النبي

* أوّل من أسلم

* التضحيات الكبيرة

* ممثّل الرسول ومبعوثه الخاص

* على مفترق الطرق المصيري

* القتال في ثلاث جبهات


(30)

نبذة مختصرة من حياته ـ عليه السَّلام ـ

ولد الإمام علي في الثالث عشر من رجب عام 30 من عام الفيل في الكعبة.(1)

أُمّه فاطمة بنت أسد وأبوه أبو طالب.

استشهد في الواحد والعشرين من رمضان عام 40 هجري في مدينة الكوفة ويقع ضريحه الطاهر في النجف الأشرف.

جوانب من حياته ـ عليه السَّلام ـ

ونظراً إلى أنّ الإمام كان قد ولد قبل بعثة الرسول بعشر سنوات وانّه كان مع الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أحداث تاريخ الإسلام جنباً إلى جنب وانّه عاش بعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مدّة ثلاثين عاماً يمكن أن نقسم عمره البالغ 63 عاماً إلى المراحل الخمس التالية:

1. من الولادة إلى بعثة نبي الإسلام.

2. ومن البعثة إلى هجرته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة.

3. ومن هجرة الرسول إلى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

4. من وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى بداية خلافته ـ عليه السَّلام ـ .

5. فترة خلافته ـ عليه السَّلام ـ .


1-مروج الذهب:2/349; تذكرة الخواص:10; نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار:76.


(31)

1. من الولادة إلى بعثة نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

إننا وكما أشرنا إذا قسمنا مجموع عمر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ خمسة مراحل فانّ حياته قبل بعثة الرسول تكون المرحلة الأُولى منها ولم يكن عمره في هذه المرحلة يتجاوز العشرة أعوام حيث لم يبلغ الرسول أكثر من ثلاثين عاماً. حينما ولد الإمام والرسول قد بعث في الأربعين إذن لم يكن لعلي ـ عليه السَّلام ـ عندئذ أكثر من عشرة أعوام.

في أحضان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

عاش علي ـ عليه السَّلام ـ خلال هذه المرحلة وهي الفترة الحساسة لتكوين شخصيته وتربيته روحياً ومعنوياً في بيت الرسول محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي ظل تربيته.

وقد كتب المؤرّخون الإسلاميون حول ذلك:

وفي إحدى السنوات أصابت قريش أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للعباس ـ وكان من أيسر بني هاشم ـ: إنّ أخاك أبو طالب كثير العيال فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ منهم واحداً، وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه، فوافق العباس; فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، وفاتحوه بالأمر فوافق أبو طالب بهذا الاقتراح، فأخذ الرسول عليّاً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً، فلم يزل علي ـ عليه السَّلام ـ مع رسول اللّه في بيته حتى بعثه اللّه نبياً، فاتّبعه علي فأقرّبه وصدقه.(1)

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد أن أخذ علياً من أبيه: اخترت من اختار اللّه لي عليكم علياً.(2)


1-يمكن الرجوع إلى المصادر التالية: الكامل في التاريخ، 2/58; السيرة النبوية، ابن هشام:1/262; تاريخ الطبري:2/213; شرح نهج البلاغة:13/119.
2-مقاتل الطالبيين:15.


(32)

وحيث قد قضى النبي محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طفولته بعد وفاة عبد المطلب في بيت عمّه أبي طالب ونشأ وترعرع تحت رعايته ووصايته أراد أن يكافئه هو وزوجته فاطمة بنت أسد برعاية وتربية أحد أبنائهما، وكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطمح إلى علي ـ عليه السَّلام ـ وقد أشار علي ـ عليه السَّلام ـ زمن خلافته في الخطبة القاصعة إلى هذه الفترة التربوية وقال:

«وقد علمتم موضعي من رسول اللّه بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسّني جسده، ويشمُّني عرفه. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه...، ولقد كنت أتبعه اتبّاع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به».(1)

علي ـ عليه السَّلام ـ في غار حراء(2)

كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ قبل أن يبعث ـ يجاور في غار حراء من كلّ سنة شهراً وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي المسجد الحرام قبل أن يدخل بيته فيطوف حول الكعبة سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك ثمّ يعود إلى بيته.(3)

وقد دلت الروايات ونظراً إلى اهتمامه الكبير به على أنّ رسول اللّه كان يأخذ عليّاً معه إلى غار حراء و حينما هبط ملك الوحي على النبي لأوّل مرّة وكرّمه بالرسالة كان علي بجانبه في ذلك الغار، وكان ذلك اليوم من نفس ذلك الشهر الذي كان الرسول يذهب فيه إلى جبل حراء للعبادة. وقد قال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ حول


1-نهج البلاغة، صبحي الصالح، الخطبة 192.

2-حراء جبل يقع في شمال مكة وغار حراء يقع في قمته.
3-السيرة النبوية، ابن هشام:1/252.


(33)

ذلك في الخطبة القاصعة:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري...ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك لوزير وانّك لعلى خير».(1)

قد يكون هذا الكلام مرتبطاً بعبادة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حراء في فترة ما بعد البعثة غير انّ الروايات السابقة وانّ عبادته في حراء كانت قبل البعثة غالباً، تدلّ جميعها على أنّ هذا الكلام يتعلق بفترة ما قبل البعثة.

وعلى أية حال فانّ روح علي ـ عليه السَّلام ـ الطاهرة وتوجه واهتمام الرسول الدائم أوجبا أن يرى ويسمع بقلب يقظ وبصر ثاقب وأُذن صاغية أشياء وأصواتاً من غير المقدور رؤيتها وسماعها للناس العاديين وهو لمّا يزل يعيش فترة الطفولة. وكتب ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: قد ورد في كتب الصحاح انّه حينما أكرم اللّه محمّد بالرسالة وهبط عليه جبرئيل لأوّل مرّة كان علي معه.(2)

من البعثة إلى هجرته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة

تشكل هذه الفترة (من البعثة إلى هجرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المدينة) المرحلة الثانية من حياة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وهي فترة زمنية استغرقت ثلاثة عشر عاماً، وتشتمل هذه الفترة الزمنية على مجموعة كبيرة من الخدمات والجهود المتألّقة


1-نهج البلاغة، الخطبة192.
2- شرح نهج البلاغة :13/208.


(34)

والأعمال العظيمة والبارزة التي قدمها الإمام في سبيل ازدهار واعتلاء الإسلام، وهو مالم يتمتع به غيره من الشخصيات في تاريخ الإسلام.

أوّل من أسلم

إنّ أُولى مفاخر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في هذه المرحلة هو سبقه في الإسلام وتقدّمه، أو بعبارة أصحّ تجاهره بالإسلام القديم، لأنّه ـ عليه السَّلام ـ كان موحداً منذ نعومة أظفاره ولم يتلوث بالوثنية بتاتاً(1)حتى يكون إسلامه عبارة عن الرجوع عن عبادة الأصنام كما هو الحال عند كافة الصحابة.

إنّ للسبق في الإسلام قيمة عوّل عليها القرآن الكريم وأشاد بها، وقد أعلن صراحة بأنّ للسابقين في الإسلام منزلة وقيمة هناك حيث يقول:

(وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُون). (2)

إنّ اهتمام القرآن الخاص بموضوع السبق في الإسلام والتقدّم فيه بقدر من الأهمية انّه عدّ الذين آمنوا قبل فتح مكة وقدّموا أنفسهم وأموالهم في سبيل اللّه أفضل من الذين آمنوا وجاهدوا بعد الفتح، فكيف بالذين آمنوا وأسلموا قبل الهجرة وفي السنين الأُولى من ظهور الإسلام هناك حيث يقول: (لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتح وَقاتلَ أُولئِكَ أَعظَمُ دَرَجةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلوا وَكلاً وَعَدَ اللّهُ الحُسنى). (3)


1-مناقب الخوارزمي:18.
2-الواقعة/10ـ11.
3-الحديد/10.


(35)

والسبب في أفضلية إيمان المسلمين قبل فتح مكة في العام الثامن من الهجرة هو انّهم آمنوا في الوقت الذي لم يبلغ الإسلام ذروة عظمته في جزيرة العرب ولم يزل مركز الوثنيين وعبدة الأصنام ـ أي مكة ـ قائماً كقلعة صامدة والأخطار تهدد نفوس وأموال المسلمين من كلّ حدب وصوب.

صحيح انّ المسلمين كانوا بعد مهاجرتهم إلى المدينة وإسلام الأوس والخزرج والقبائل المتواجدة في أطراف المدينة يتمتعون بتقدّم وأمان نسبيين، وانّهم كانوا ينتصرون في كثير من نزاعاتهم العسكرية غير انّ الخطر لمّا يرتفع بعد بشكل كامل، فإذا كان الإيمان بالإسلام وتقديم النفس والمال في هذه الظروف يتمتعان بقيمة وتقدير خاص، فانّه سيكون للتجاهر بالإيمان والإسلام في بداية دعوة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث لم تكن هناك قدرة غير قدرة قريش وسلطة غير سلطة الوثنيين قيمة أكبر وأكثر من ذلك بالتأكيد، ومن هنا كان السبق والتقدّم في الإسلام يعد مفخرة من المفاخر الكبيرة بين الصحابة.

وبهذا يتضح جيّداً مدى قيمة تقدم الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ وسبقه في الإسلام.

أدلّة سبق الإمام علي وتقدّمه في الإسلام

إنّ أدلّة سبقه وتقدّمه في الإسلام كثيرة في الكتب الإسلامية لدرجة انّ سردها ونقلها جميعاً خارج عن نطاق هذا الكتاب وسعته، ولكنّنا نورد بعضاً منها على سبيل المثال:

أ: قد صرّح نبي الإسلام و قبل الكل بتقدّم علي ـ عليه السَّلام ـ وسبقه، وقال هو بين أصحابه:«أوّلكم وروداً عليّ الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب» .(1)


1-الاستيعاب:3/28; شرح نهج البلاغة:13/119; المستدرك على الصحيحين :3/17.


(36)

ب: قد نقل العلماء والمحدّثون: استنبئ النبي يوم الاثنين وصلى عليٌّ يوم الثلاثاء.(1)

ج: يقول الإمام في خطبة القاصعة: «ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة».(2)

د: ويذكر الإمام حول تقدّمه وسبقه في الإسلام بهذا النحو: «اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب ولم يسبقني إلاّرسول اللّه بالصلاة».(3)

هـ: قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «أنا عبد اللّه وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلاّكاذب مفترى، صلّيت مع رسول اللّه قبل الناس سبع سنين».(4)

و: قال عُفيف بن قيس الكندي:

«كنت في الجاهلية عطّاراً، فقدمت مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة وقد تحلقت الشمس في السماء أقبل شاب كأنّ وجهه القمر حتى رمى ببصره إلى السماء فنظر إلى الشمس ساعة، ثمّ أقبل حتى دنا من الكعبة فصف قدميه يصلي، فخرج على أثره فتى كأنّ وجهه صفيحة يمانية فقام عن يمينه، فجاءت امرأة متلففة في ثيابها فقامت خلفهما، فأهوى الشاب راكعاً فركعا معاً، ثمّ أهوى الأرض ساجداً فسجدا معه، فقلت للعباس: يا أبا الفضل أمر عظيم! فقال: أمر واللّه عظيم! أتدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا ابن أخي، هذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، أتدري من هذا الفتى؟ قلت: لا، قال: هذا ابن أخي علي


1-الاستيعاب:3/32; الكامل في التاريخ:2/57.
2-نهج البلاغة: الخطبة 192.
3-نفس المصدر: الخطبة 131.
4-تاريخ الطبري:2/312; الكامل في التاريخ:2/57; المستدرك:3/112.


(37)

بن أبي طالب، أتدري من هذه المرأة؟ قلت: لا، قال: هذه ابنة خويلد خديجة زوج محمّد هذا، وانّ محمداً هذا يذكر انّ إلهه إله السماء والأرض أمره بهذا الدين... واللّه ما أعلم على وجه الأرض كلّها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة».(1)

ويدلّ هذا النص بوضوح على أنّه لم يؤمن بدعوة نبيّ الإسلام في البداية وباستثناء زوجته خديجة سوى علي ـ عليه السَّلام ـ .

حامية رسول اللّه وخليفته

امتنع نبي الإسلام مدة ثلاث سنوات عن الدعوة العامة العلنية، وكان يدعو فقط وفي لقاءات خاصة الشخصيات التي كان يشعر بأنّها مستعدة للإسلام، وبعد تلك الثلاثة أعوام هبط ملك الوحي وأبلغ أمر اللّه تعالى بأن يبدأ الرسول دعوته العامة من خلال دعوته أهله وعشيرته وهكذا كان أمر اللّه:

(وَأَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الأَقْرَبين* وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ * فَإنْ عَصَوك فَقُلْ إِنِّي بَريءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ) .(2)

والسبب في اختيار دعوته للعشيرة مبدأً لانطلاق دعوته العامة هو انّه إذا لم يؤمن بالقائد الإلهي أقرباءه وعشيرته ولم يتبعوه، فلن يكون هناك تأثير لدعوته على البعداء عنه، ذلك انّ للأقرباء معرفة بخفايا شخصيته وصفاته النفسية الحسنة والسيئة جيداً، ومن هنا كان إيمانهم دلالة على نزاهة صاحب الدعوة، كما أنّ ابتعاد أكثرهم وتخلّفهم عنه يدلّ تجرده من صدقه ونزاهته في ما يدعيه، ولذلك


1-راجع شرح نهج البلاغة:13/226; تاريخ الطبري:2/212 مع اختلاف يسير، وقد ذكر ابن أبي الحديد ذلك عن عبد اللّه بن مسعود أيضاً وقد شاهد هو خلال سفره إلى مكة هذا المشهد أيضاً.
2-الشعراء/214ـ 216.


(38)

أمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ عليه السَّلام ـ بأن يعدّوليمة غداء ويدعو خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم إليها وأن يعد طعاماً من اللحم مع اللبن. تسارع الجميع في الحضور لدى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الوقت المحدد وبعد تناول الطعام حالت أحاديث عمه أبي لهب وتهكّمه دون إعداد المجلس لفتح الحديث حول أهدافه، وانتهت الضيافة بلا جدوى، وترك الضيوف بيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقرر النبي أن يعد وليمة أُخرى في اليوم التالي وأن يدعوهم جميعاً ما عدا أبا لهب، وأعدّ عليّ الطعام وفقاً لأمر النبي باللحم مع اللبن مرّة أُخرى، ودعا كبار القوم وشيوخهم لتناول الغذاء ولاستماع كلمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد حضورهم في الموعد المحدد وتناول طعامهم افتتح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كلمته قائلاً: «إنّي واللّه ما أعلم أنّ شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» قال هذه الكلمة ووقف قليلاً ليرى من يجيب دعوته، و في هذه الفترة ساد الحضور صمت عميق ممزوج بالحيرة والدهشة ناكسين رؤوسهم، وفجأة كسر علي ـ عليه السَّلام ـ ـ و لم يتعد عمره 14 عاماً (1)ـ ذلك الصمت ونهض ناظراً إلى الرسول، وقال: أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه، ثمّ مدّ يده للرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليكون ذلك عهداً للتضحيات.

وفي هذه الأثناء أمر الرسول علياً بالجلوس وأعاد ما قاله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مرّة أُخرى، وأعاد علي ـ عليه السَّلام ـ إعلانه عن استعداده مرّة أُخرى، وأمره الرسول بالجلوس أيضاً، وفي المرة الثالثة لم يقم كما في السابق أحد سوى علي ـ عليه السَّلام ـ . فهو الوحيد الذي كان يقوم ويعلن عن حمايته عن هدف رسول اللّه المقدس، و في هذه اللحظات ضرب بيده على يد علي و قال في حقّه وبحضور وجهاء بني هاشم المقولة الشهيرة:


1- راجع حول سنّ علي ـ عليه السَّلام ـ حينما أعلن عن نصرته لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحين إسلامه، شرح نهج البلاغة:13/234ـ 235.


(39)

«هذا عليٌّ أخي ووصيي وخليفتي فيكم».(1)

وهكذا يتم ترشيح أوّل وصي لرسول الإسلام على يد آخر السفراء الإلهيين في بداية دعوته التي لم يستجب لها حينها إلاّنفر قليل.

وهنا يمكن أن نقيّم وبوضوح منزلة الإمامة في الإسلام وأهميتها من خلال انّ النبي أعلن عن نبوّته وإمامة علي ـ عليه السَّلام ـ في يوم واحد وانّه اليوم الذي قال فيه: أيّها الناس إنّي رسول اللّه، هو نفس ذلك اليوم الذي قال فيه بأنّ عليّاً وصيي وخليفتي، وأن نلتفت إلى هذه الحقيقة وهي انّ هاتين المنزلتين النبوّة والإمامة لا تفترقان عن بعضهما، وانّ الإمامة امتداد لمنهاج الرسالة.

التضحية الكبيرة

إبّان حصول حلف العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة ليلة الثالث عشر من ذي الحجة بين رسول الإسلام وبين أهل يثرب الذي قد تم ضمنه استدعاؤه إلى تلك المدينة ووعدهم له بنصرته والدفاع عنه ومن اليوم التالي الذي بدأ المسلمون فيه بالهجرة تدريجاً عرف قادة قريش بأنّه تمّ اعداد مركز جديد لأجل نشر الدعوة الإسلامية في يثرب، ولهذا قد شعروا بالخطر لانّهم يخشون أن ينتقم منهم رسول اللّه بعد كلّ ذلك الأذى الذي آذوه به هو وأتباعه، وحتى لو فرض انّه لا يريد محاربتهم فهو يشكل خطراً لتجارة قريش التي تمر بقوافلها على مقربة من يثرب.

ولمواجهة هذا النوع من الخطر اجتمع أُولئك القادة نهاية شهر صفر سنة أربعة عشر من البعثة في دار الندوة للتوصل إلى حلّ لذلك.


1-تاريخ الطبري:2/217; الكامل في التاريخ:2/63; شرح نهج البلاغة:13/211.


(40)

اقترح بعض الحاضرين أن ينفى الرسول أو يسجن غير انّ هذا الاقتراح قد رفض وبالتالي قرّروا قتله، ولكن لم يكن قتل رسول اللّه بالأمر البسيط، لأنّ بني هاشم لن يدعوا الأمر يفوت بسلام وسيطالبون بثأره.

وقد قرروا أخيراً أن يعدّوا من كلّ قبيلة رجلاً شاباً حتى يهجموا على محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هجمة رجل واحد ويقطعوه إرباً إرباً في فراشه، و في هذه الحالة لن يكون القاتل واحداً و لن يستطيع بنو هاشم الأخذ بثاره، لأنّهم يعجزون عن محاربة جميع القبائل ويرتضون لا محالة بقبول الفدية وتنتهي المسألة، اختارت قريش لتنفيذ خطتها الليلة الأُولى من ربيع الأوّل وقد ذكر اللّه تعالى فيما بعد جميع خططهم الثلاث وقال: (وَإِذْ يَمْكُرُبِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين) .(1)

وإثر قرار قريش هذا أطلع ملك الوحي رسول اللّه على خطة المشركين المشؤومة، وأبلغه أمر اللّه بأن اترك مكة واتّجه نحو يثرب. وهنا كان على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يضللهم ويخفي أثره حتى يمكنه الخروج من مكة، ولأجل ذلك كانت هناك حاجة إلى شخصية مضحية تبيت في فراشه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كي يتصوّر المهاجمون بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مازال هناك، و بالتالي يركزون على البيت ويغفلون عن سيطرة الطرق ومراقبتها، ولم تكن هذه الشخصية سوى علي ـ عليه السَّلام ـ ، ولهذا كشف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن خطة قريش لعلي ـ عليه السَّلام ـ وقال: «امضي إلى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أنّي لم أخرج» فأطاع علي ما أمر به، وحاصر جلاوزة قريش ومرتزقتهم بيت رسول اللّه وداهموه بسيوف مسلولة، فنهض عليٌّ من الفراش.

أُولئك الذين كانوا يعتقدون إلى تلك اللحظة بنجاح ودقة خطتهم مئة بالمئة ظلّوا حيارى محبطين ينظرون إليه قائلين: أين محمّد؟ فأجاب: «هل


1-الأنفال/30.


(41)

أودعتموه عندي لتسألوني عنه؟ قمتم بفعل اضطره إلى ترك البيت».

وفي هذه الأثناء هاجموا علياً ـ عليه السَّلام ـ ووفقاً لنقل الطبري آذوه وسحبوه إلى المسجد الحرام، وبعد احتجاز مؤقت أطلقوا سراحه، وانطلقوا باتجاه المدينة يقتفون أثر رسول اللّه في حين كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مختبئاً في غار ثور.(1)

وقد خلّد القرآن المجيد تضحية علي ـ عليه السَّلام ـ العظيمة هذه في التاريخ وقدمه ضمن آية على أنّه من الذين يضّحون بأنفسهم في سبيل اللّه (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابتِغاءَ مَرضاةِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بالْعِباد).(2)

قال المفسرون: قد نزلت هذه الآية حول التضحية العظيمة لعلي ـ عليه السَّلام ـ ليلة المبيت.(3)

وقد احتج نفس الإمام ـ عليه السَّلام ـ في الشورى السداسية التي تشكّلت بأمر عمر لاختيار الخليفة بهذه الفضيلة الكبيرة على أصحاب الشورى وقال: نشدتكم باللّه هل فيكم أحد اضطجع على فراش رسول حين أراد أن يسير إلى المدينة ووقاه بنفسه من المشركين حين أرادوا قتله غيري؟ قالوا: لا.(4)


1-السيرة النبوية، ابن هشام :2/124ـ 128; الكامل في التاريخ:2/102، 1399هـ. ق. بيروت، دار صادر; الإرشاد، الشيخ المفيد: 30; المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيشابوري:3/4، بيروت، دار المعرفة; تاريخ الأُمم والملوك:2/244، بيروت، دار القاموس الحديث.
2-البقرة/207.
3-شرح نهج البلاغة، تحقيق أبو الفضل إبراهيم:13/262، 1378هـ.ق; دلائل الصدق، حسن المظفر:2/80، و ينقل المرحوم المظفر عن المفسرين والعلماء البارزين لأهل السنّة مثل الثعلبي والقندوزي والحاكم بأنّ هذه الآية نزلت في علي ـ عليه السَّلام ـ .
4-الخصال، الشيخ الصدوق، تحقيق الغفاري:2/560، 1403هـ.ق; الاحتجاج:1/75، المرتضوية، النجف، 1350هـ.ق.


(42)

3. من هجرة الرسول إلى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

علي ـ عليه السَّلام ـ أخو رسول اللّه

إنّ الإخوة الإسلامية والعلاقة الأخوية تعد مبدأً من المبادئ الاجتماعية للإسلام، وقد حاول نبي الإسلام وبأنحاء مختلفة ومتنوعة أن يوجد ويقوي هذه العلاقة، فإنّه وبعد أن دخل المدينة قرر أن يبرم عقد الأُخوّة والأخاء بين المهاجرين والأنصار من المسلمين، ولهذا الهدف قام يوماً من بين جموع المسلمين وقال: «تآخوا في اللّه أخوين أخوين» ثمّ تصافح المسلمون بعدها مصافحة الاخوة، وهكذا استحكمت الوحدة واشتد الترابط بينهم.

وقد روعي طبعاً في هذا الحلف التناسب بين المت آخين من ناحية الإيمان والفضيلة وإسلامية الشخصية ويتّضح هذا جيداً بالتدقيق في طبيعة الشخصيات التي تآخت فيما بينها، و بعد أن حصل كل واحد على أخيه من الحاضرين جاء علي ـ عليه السَّلام ـ وكان قد بقي وحده إلى رسول اللّه والدموع تفيض من عينيه وقال: «ما آخيت بيني و بين أحد» قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«أنت أخي في الدنيا والآخرة».(1) ثمّ آخى بينه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين علي ـ عليه السَّلام ـ .(2)

هذا الأمر يعكس درجة العظمة والفضيلة التي يتمتع بها عليٌّ جيداً، ويوضح مدى قرابته من رسول اللّه.

في الغزوات

تخلّلت حياة علي ـ عليه السَّلام ـ منذ هجرة الرسول وحتى وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحداث كثيرة


1-المستدرك على الصحيحين:13/14.
2-الاسيتعاب في معرفة الأصحاب:3/35.


(43)

والتي منها بشكل خاص تضحياته العظيمة في الغزوات وجبهات الحرب وقد كان لنبي الإسلام بعد هجرته إلى المدينة سبعٌ وعشرون غزوة(1)مع المشركين واليهود والمتمردين، وقد شارك عليّ ـ عليه السَّلام ـ في ست وعشرين منها، ولم يشارك في غزوة تبوك للظروف الحرجة والحسّاسة التي كانت تنذر بتدبير مؤامرة من قبل المنافقين عند غياب رسول اللّه في مركز الحكومة الإسلامية، وبقى فيها بأمر من الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن حيث إنّ دراسة كلّ هذه الغزوات تفيض عن سعة هذا الكتاب، نعرض تالياً وعلى سبيل المثال دور علي ـ عليه السَّلام ـ في أربع ساحات من ساحات الجهاد الكبيرة في زمن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

الف: في غزوة بدر

نحن نعلم بأنّ غزوة بدر كانت أوّل حرب بين المسلمين والمشركين بكلّ ما تعنيه كلمة الحرب من معنى، ولهذا السبب كانت تعد أوّل اختبار عسكري بين الجيشين، و من هذه الناحية كان الانتصار فيها هامّاً للغاية.

اندلعت هذه الحرب في العام الثاني من الهجرة. وكان قد علم رسول اللّه بأنّ هناك قافلة تجارية لقريش يترأسها أبو سفيان عدو الإسلام القديم آتية من الشام تريد مكة، وحيث إنّها تمر من طريق على مقربة من المدينة انطلق رسول اللّه ومعه 313 نفراً من المهاجرين والأنصار باتجاه بدر، وهو طريقها المعتاد بهدف السيطرة عليها. وقد كان دافع الرسول من هذه الحركة هو أن تعلم قريش بأنّ خطها التجاري في متناول أيدي القوات الإسلامية وإذا ما منعت من انتشار الدعوة الإسلامية وحرّية المسلمين فسوف ينقطع شريان حياتهم الاقتصادية بيد


1-يصطلح مؤرّخو السيرة على إطلاق الغزوة على تلك الحروب التي خاضها الجيش الإسلامي، تحت إمرة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .


(44)

تلك القوات. ومن ناحية أُخرى فإنّ أبا سفيان من حيث إنّه كان على علم بانطلاق المسلمين أبعد القافلة بسرعة عن منطقة الخطر من خلال سلوكه طريقاً جانبياً يقع على ضفاف البحر الأحمر، وتزامناً مع ذلك طلب التعزيزات من قادة قريش في مكة، وعلى أثر استنجاده بقريش انطلق نحو 950 إلى 1000 نفر من محاربيها باتجاه المدينة، وواجه هذا العدد المسلمين في 17 رمضان في حين كانت قوى الشرك ثلاثة أضعاف قوى الإسلام، وفي بداية الحرب تقدّم باتجاه وسط ساحة الحرب ثلاثة من شجعان قريش باسم:عتبة، وهو أبو هند زوجة أبي سفيان، وأخوه الأكبر شيبة، وابنه الوليد يطلبون أكفاءً لهم وأقرانهم، ينادون هل من مبارز؟ وفي هذه الأثناء دخل الساحة ثلاثة من شجعان الأنصار لمبارزتهم بعد أنّ عرّفوا أنفسهم فأحجم أبطال قريش من مبارزتهم، ونادوا: يا محمد! أرسل لمبارزتنا من هم أكفّاء لنا وأقراننا منّا. وحينئذ أمر رسول اللّه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب و حمزة بن عبد المطلب وعلياً ـ عليه السَّلام ـ ليبارزوهم، فاتجه هؤلاء المجاهدون الشجعان الثلاثة إلى ساحة الحرب وعرّفوا أنفسهم، فقبلوهم للمبارزة، وقالوا: إنّهم أكفاء كرام.

تواجه من بين هؤلاء الثلاثة حمزة مع شيبة، وعبيدة مع عتبة، وعلي (وكان أصغرهم) مع الوليد خال معاوية وبدأ القتال، قتل عليٌّ وحمزة قرينيهما بينما كان القتال مستمراً بين عبيدة وعتبة ولم ينتصر أحد منهما على الآخر، ولهذا انطلق علي وحمزة بعد قتل صاحبيهما لمساعدة عبيدة وقضوا على عتبة أيضاً.(1)

وقد كتب علي في إحدى رسائله إلى معاوية مشيراً إلى هذا الحدث: وعندي السيف الذي اعضضته بجدّك وخالك وأخيك في مقام واحد.(2)


1- السيرة النبوية، ابن هشام:2/277; الكامل في التاريخ:2/125.
2-نهج البلاغة، الرسالة 64 وقد ذكر ذلك في الرسالة 28 أيضاً.


(45)

واندلعت الحرب الجماعية بعد انتصار ثلاثة من أبطال الإسلام الكبار على شجعان قريش، وانتهت بهزيمة ساحقة لجيش المشركين لدرجة انّه قد تأسّر سبعون منهم، وكان قد هلك أكثر من نصف المقتولين بضربات سيف علي ـ عليه السَّلام ـ في هذه الحرب، وقد ذكر المرحوم الشيخ المفيد ثلاثة وثلاثين شخصاً من قتلى المشركين في غزوة بدر وكتب:«وقد أثبتت رواة العامة الخاصة معاً أسماء الذين تولّى أمير المؤمنين قتلهم ببدر من المشركين سوى من اختلف فيه واشرك هو فيه غيره.(1)

ب: الشجاعة الفريدة في غزوة أُحد

أُصيبت قريش أثر هزيمتها في بدر بإحباط نفسي شديد، ولأجل تعويض هذه الخسارة والهزيمة الكبيرة والأخذ بثأر قتلاها قرّروا أن يهاجموا المدينة بقوات مجهزة كبيرة، ونقل رجال رسول اللّه وعيونه في قريش قرارها حول هذا الموضوع، فشكّل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجنة عسكرية لمواجهة العدو، واقترح بعض من المسلمين بأنّه من الأفضل للجيش الإسلامي أن يواجه العدو خارج المدينة، وانطلق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ برفقة ألف مقاتل تاركاً المدينة متجهاً نحو شمالها، وتخلّف عنهم خلال المسير ثلاثمائة رجل من أتباع عبد اللّه بن أبيّ المنافق الشهير أثر تثبيطه وتحريضه لهم فتنزّل عدد القوات الإسلامية إلى سبعمائة مقاتل،وفي صباح اليوم السابع من شوال من السنة الثالثة للهجرة اصطف الجيشان متقابلين في وادي جبل أُحد.

وقبل اندلاعها درس نبي الإسلام [وبإلقاء نظرة عسكرية] ساحة الحرب وتفحّصها، وقد أثار انتباهه منفذ كان من الممكن أن ينفذ منه العدو ويهاجم


1-الإرشاد: 39.


(46)

المسلمين من الخلف خلاله، ولذلك وجّه شخصاً يدعى عبد اللّه بن جبير مع خمسين رامياً وأقرّهم على تل حتى يمنعوا الاختراق المحتمل من ذلك المنفذ، وأمر ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأن لا يترك ذلك المنفذ الحساس بأي حال من الأحوال سواء انتصر المسلمون أم انهزموا، ومن ناحية أُخرى كان لحامل اللواء دور كبير جداً في حروب ذلك العصر لذلك كانوا يعطون الراية أو اللواء لرجل قوي وشجاع، فانّ صمود وثبات حامل الراية وترفرفها في ساحة الحرب يبعث الطاقة في المقاتلين، وعلى العكس فإنّ موت حاملها وانتكاس الراية يسبب هبوطاً معنوياً في نفوسهم، ولهذا السبب يتم ترشيح مجموعة من أشجع المقاتلين قبل بدء الحرب لتولّي حمل الراية للحد من الهبوط النفسي للجنود.

قامت قريش بنفس هذه العملية في هذه الحرب واختارت حملة رايات من قبيلة بني عبد الدار المشهورة بالشجاعة غير انّ أصحاب رايتهم كانوا يلقون مصرعهم الواحد تلو الآخر على يد علي ـ عليه السَّلام ـ ، وكانت انتكاسات الراية المتتالية تبعث اليأس والعجز النفسي في نفوس مقاتلي قريش فلاذوا بالفرار.

ونقل عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بأنّه قال: «كان أصحاب اللواء يوم أُحد تسعة قتلهم علي بن أبي طالب عن آخرهم».(1)

وقال ابن الأثير: «وكان علي هو الذي هزم أصحاب لواء قريش».(2)

وعلى ما رواه المرحوم الشيخ الصدوق قد أكد عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ في احتجاجاته على الشورى السداسية التي تشكّلت بهدف تعيين الخليفة بعد موت عمر على هذه النقطة، وقال:


1- الإرشاد: 47.
2-الكامل في التاريخ:2/154.


(47)

«نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قتل من بني عبدالدار تسعة مبارزة غيري كلّهم يأخذ اللواء، ثمّ جاء صوأب مولاهم كأنّه قبة مبنية قد ازبدّ شدقاه واحمرت عيناه فاتقيتموه وحدتم عنه، وهو يقول: واللّه لا أقتل سادتي إلاّ محمداً، فخرجت إليه فاختلفت أنا و هو ضربتين فقطعته بنصفين وبقيت رجلاه وعجزه وفخده، غيري؟

قالوا: اللهم لا».(1)

وقد صدق كلّ أصحاب الشورى كلام علي ـ عليه السَّلام ـ .

وعلى أية حال هزم جيش قريش وأراد مقاتلوا فرقة عبد اللّه بن جبير مغادرة موقعهم بمجرد مشاهدتم لهذا المشهد بدافع تجميع الغنائم، فذكّرهم عبد اللّه بأمر الرسول فلم يعبأوا به، وانحدر منهم ما يزيد عن 40 من التل لجمع الغنائم، وبقي عبد اللّه بن جبير مع ما يقل عن عشرة مقاتلين هناك.

وفي هذه الأثناء كان خالد بن الوليد مع مجموعة من الفرسان يترصّدون للمسلمين، وحيث قد رأى ما هم عليه هاجمهم، وبعد القضاء عليهم واصل هجومه على المسلمين من الخط الخلفي، وقد تزامن هذا مع رفرفة رايتهم بيد إحدى نساء قريش وتدعى عمرة بنت علقمة، وكنّ قد أتين لتشجيع جيش المشركين في ساحة القتال، ومنذ ذلك الحين تغيّرت معادلة الحرب كلية واختل تناسق وانسجام المسلمين العسكري والقتالي، وانقطع الاتصال بين المقاتلين والقيادة وانهزم المسلمون، واستشهد حوالي سبعين مقاتلاً من بينهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير أحد حملة رايات الجيش الإسلامي و من مجاهدي الإسلام.


1-الخصال:560.


(48)

ومن ناحية أُخرى هبطت معنويات كثير من المسلمين إذا أشاع العدو نبأ قتل رسول اللّه في ساحة القتال وتراجع أغلب المسلمين أثر الضغط العسكري الجديد لجيش المشركين، وتفرّقوا، ولم يصمد إلى جانب الرسول سوى عدد قليل، وتوالت اللحظات الحرجة والمصيرية في تاريخ الإسلام هناك حيث ينجلي دور علي ـ عليه السَّلام ـ الكبير، إذ كان يقارعهم بسيفه بشجاعة وببسالة لا مثيل لها مع رسول اللّه جنباً إلى جنب يحمي الوجود المقدس لقائد الإسلام العظيم من الهجمات المتوالية لكتائب المشركين الهائلة.

وكتب ابن الأثير في تاريخه:

«فلمّا قتلهم أبصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جماعة من المشركين، فقال لعلي: احمل عليهم ففرّقهم وقتّل فيهم، ثمّ أبصر جماعة أُخرى فقال له: احمل عليهم، فحمل عليهم وفرّقهم وقتل فيهم، فقال جبرائيل: يا رسول اللّه هذه المواساة ،فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «إنّه مني وأنا منه » فقال جبرائيل: وأنا منكما، قال فسمعوا صوتاً يقول: لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي».(1)

وكتب ابن أبي الحديد أيضاً:

«لمّا فرّ معظم أصحابه عنه يوم أحد كثرت عليه كتائب المشركين، وقصدته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كتيبة بني كنانة فيها بنوسفيان بن عويف، وهم خالد بن سفيان، وأبو الشعشاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان ، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«يا علي اكفني هذه الكتيبة» فحمل عليها وانّها لتقارب خمسين فارساً، وهو ـ عليه السَّلام ـ راجل فمازال يضربها بالسيف حتى


1-الكامل في التاريخ:2/154.


(49)

تتفرّق عنه، ثمّ تجتمع عليه هكذا مراراً حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها ممّن لا يعرف بأسمائهم، فقال جبرائيل ـ عليه السَّلام ـ لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :يا محمد انّ هذه المواساة لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ما يمنعه وهو مني وأنا منه»، فقال جبرائيل: وأنا منكما، قال: وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مراراً: «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علي»، فسئل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنه فقال: «هذا جبرائيل».(1)

ج: في غزوة الأحزاب (الخندق)

كانت غزوة الأحزاب كما يبدو من اسمها حرب اتّحدت فيها جميع القبائل والأحزاب المتعددة المعادية للإسلام للقضاء على الإسلام الفتي.

وقد عدّ بعض المؤرخين جيش الكفر في هذه الغزوة بأنّه تجاوز العشرة آلاف مقاتل في حين لم يتعد عدد المسلمين الثلاثة آلاف.

وكان قادة قريش الذين يتولّون قيادة هذا الجيش قد أعدّوا خطة جعلتهم يعتقدون بأنّهم سيقضون على الإسلام بشكل تام في هذه الحرب وانّهم سينتهون ويرتاح بالهم من محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأتباعه إلى الأبد.

عندما أُعلم رسول اللّه بانطلاق قريش شكل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لجنة عسكرية، وقد اقترح فيها سلمان بأن يحفر خندق عند منافذ المدينة ليمنع نفوذ العدو إليها، فقبل هذا


1-شرح نهج البلاغة:14/250ـ251. ويروي الخوارزمي بأنّ علياً احتج على أصحاب الشورى بهذه المواساة التي تبعها نداء السماء.


(50)

الاقتراح وحفر الخندق بجهود المسلمين خلال عدّة أيام ذلك الخندق الذي بلغ عرضه حداً يعجز فرسان العدو عن العبور قفزاً من خلاله وعمقه درجةً إذا دخله أحد لم يمكنه الخروج منه بسهولة.

وصل جيش الشرك بتعاون من اليهود وكانوا يتصورون بأنّهم سيواجهون المسلمين في أطراف المدينة كما في السابق، ولكن لم يجدوا لهم أثراً خارج المدينة هذه المرة وواصل الجيش في تقدّمه فوصل إلى بوابة المدينة، وقد أثارت رؤية خندق عميق عريض حول منافذ المدينة دهشتهم، لأنّه لم يسبق للعرب ان استخدمته في حروبها، فاضطروا إلى محاصرة المدينة من وراء الخندق ووفقاً لبعض الروايات استمر الحصار على المدينة حوالي شهر واحد، وكلّما فكّر جنود قريش في العبور من الخندق كانوا يجابهون بمقاومة المسلمين وحماة الخندق الذين كانوا مستقرين على مسافة قصيرة في مواضعهم الدفاعية، وكان الجيش الإسلامي يرد على أية فكرة اعتداء، بالنبال ورمي الحجر، كان التراشق بالنبال مستمراً في الليل والنهار ولم ينتصر أحد من الطرفين على الآخر، ومن ناحية أُخرى كان حصار المدينة على يد هذا الجيش الكبير العرمرم قد أضعف معنويات كثير من المسلمين واهبطها خاصة انّه قد شاع نبأ نقض العهد من قبل القبيلة اليهودية بني قريضة أيضاً، واتضح بأنّها وعدت الوثنيين بأنّه حالما يعبرون الخندق فإنّهم سيهاجمون المسلمين من الخلف.

الأيام الحسّاسة والحرجة

وقد صور القرآن الكريم ظرف المسلمين الحرج والمتأزم أبّان أحداث هذا الحصار جيداً في سورة الأحزاب:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا )


(51)

عَلَيْهِمْ ريحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيراً* إِذْ جاءُوكُمْ مِنْ فَوقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّهِ الظُّنونا *هُنالِكَ ابْتُليَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلزالاً شَديداً* وَإِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّغُروراً* وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْل يَثْربَ لا مُقامَ لَكُم فَارْجِعُوا وَيَستأذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيوتَنا عَورةُ وَما هِيَ بِعَورة إِن يُريدُونَ إِلاّ فِراراً* ولو دُخِلَتْ عَليهِم مِنْ أَقطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفتنَة لأَتوْها وما تَلَبَّثوا بِها إِلاّ يَسيراً).(1)

ومع أنّ المسلمين كانوا في وضعية حرجة كان الخندق حاجزاً أمام افتراق جيش الأحزاب، واستمرار هذه الحال أمراً عسيراً عليهم ذلك انّ الطقس كان يبرد شيئاً فشيئاً، ومن ناحية أُخرى ونظراً إلى أنّ الزاد والطعام والعلف الذي أعدّوه كان يكفي لحرب قصيرة الأمد كحربي بدر وأُحد، فانّ نفادها ومع تطاول مدّة الحصار كان يثير قلقهم وأُوشكوا يفقدون حماسهم ورغبتهم في القتال ودبّ التعب والتخاذل في نفوسهم. لذلك لم ير قادة الجيش بّداً غير إرسال محاربيهم الأقوياء والشجعان لاختراق الخندق وبشكل ينكسر فيه حاجز الحرب المعلقة، ومن هنا حاول خمسة أبطال من جيش الأحزاب استعراض قوتهم بخيولهم حول الخندق واخترقوه من خلال منفذ ضيق وصاروا إلى جانبه الآخر وطلبوا المبارزة من أقرانهم. وكان أحد هؤلاء المحاربين بطل عربي شهير يدعى عمرو بن عبدِوَدّ الذي كان من أقوى وأشجع رجال العرب، وكانوا يعدّونه بألف مقاتل، وحيث إنّه قد انتصر لوحده على مجموعة من أعدائه في أرض يقال لها يليل، اشتهر بفارس يليل،


1-الأحزاب/9 ـ 14.


(52)

وكان عمرو قد شارك في حرب بدر وجرح فيها، ولهذا السبب لم يشارك في حرب أحد، فجاء الآن إلى حرب الخندق معلّماً ليمتاز عن الآخرين، وبعد ان عبر الخندق رفع صوته بنداء هل من مبارز؟ وحينما لم ينهض أحد من المسلمين لمواجهته، تجرأ أكثر واستهزأ بعقائد المسلمين وقال: تقولون إنّ من يقتل منكم في الجنةو من يقتل منّا في النار، فهل من أحد أرسله إلى الجنة أو يرسلني إلى النار؟ ثم ّ أنشد أشعاراً قال فيها:

ولقد بححت من النداء * لجمعكم هل من مبارز

وكان قد بلغ الرعب والخوف من صيحات عمرو المتوالية في قلوب المسلمين درجة ممّا جعلهم يتسمّرون في مكانهم عاجزين عن الحراك وعن أية ردة الفعل.(1)

وكان كلّما يرتفع نداء عمرو للمبارزة كان عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ هو الوحيد الذي يقوم ويستأذن الرسول ليذهب إلى ساحة القتال، غير انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يوافق، وقد تكررت هذه الحالة ثلاث مرّات، وفي المرة الأخيرة التي استأذن علي ـ عليه السَّلام ـ فيها قال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :« انّه عمرو بن عبدود» فقال علي:« وأنا علي».(2)

وفي النهاية وافق نبي الإسلام وأعطاه سيفه وألبسه عمامته، و ما أن انطلق عليٌّ ـ عليه السَّلام ـ إلى ساحة القتال، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «برز الإسلام كلّه إلى الشرك كله».(3)

وتوضيح هذه العبارة بشكل جيد انّ انتصار أحد هذين المقاتلين على الآخر يكون انتصاراً للكفر على الإيمان أو للإيمان على الكفر.


1-وقد صوّر الواقدي رعب المسلمين بهذه العبارة: كأنّ على رؤوسهم الطير . المغازي:2/470.
2-شرح نهج البلاغة:13/284 .
3-البحار:20/215.


(53)

وبعبارة أُخرى: يكون قتالاً مصيرياً يحدد مستقبل الإسلام والشرك.

انطلق عليّ ـ عليه السَّلام ـ راجلاً نحو عمرو، و قال حينما واجهه: «إنّك كنت تقول في الجاهلية لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلاّقبلتها» قال: أجل، قال ـ عليه السَّلام ـ :«فانّي أدعوك أن تشهد أن لاإله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه وتسلم للّه ربّ العالمين». قال: يا ابن أخي أخّر هذا عني; قال: «فأُخرى ترجع إلى بلادك، فإن يكن محمد صادقاً كنت أسعد الناس، و إن غير ذلك كان الذي تريد» قال: هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبداً، وقد نذرت ما نذرت وحرّمت الدهن; قال: فالثالثة، قال «البراز» فضحك عمرو و قال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظن انّ أحداً من العرب يرومني عليها، إنّي لأكره ان أقتل مثلك وكان أبوك لي نديماً، فارجع فأنت غلام حَدَث; قال علي ـ عليه السَّلام ـ : «فأنا أحب أن أقتلك» غضب عمرو من قول علي، ونزل من فرسه بكبرياء، وعقل فرسه، فتقاتلا قتالاً شديداً، فأنزل عمرو ضربة قاصمة على رأس علي، فدفعها بترسه، فصار نصفين، وجرح رأسه ـ عليه السَّلام ـ فاستغل علي الفرصة وضربه بضربة قوية، فألقاه صريعاً، وكانت الغبرة المثارة تمنع من رؤية القتال فسمع التكبير ودبّ الفرح في قلوب المسلمين.(1)

تسبب مصرع عمرو في أن يهرب المقاتلون الأربعة الذين رافقوه عند اختراق الخندق، وكانوا ينتظرون ما ينتهي إليه قتال علي وعمرو. تمكن ثلاثة منهم من اختراق الخندق للرجوع إلى معسكرهم، سوى انّ أحدهم و يدعي نوفل قد سقط مع فرسه في الخندق عند هروبه، فنزل إليه علي ـ عليه السَّلام ـ وقتله أيضاً، وبقتل هذا البطل فقد جيش الأحزاب معنوياته ويأس عن إمكانية أي هجوم على المدينة بشكل تام وظلت القبائل المتعددة تفكّر كلّ واحدة منها بالرجوع إلى موطنها، وقد كانت آخر ضربة تلقّوها هي تلك التي جعلها اللّه تعالى على شكل رياح عاتية


1-المغازي:2/471.


(54)

وأعاصير شديدة، وفي النهاية أخذوا الطريق إلى أوطانهم حاملين فشلهم الذريع.(1)

وبمناسبة هذا العمل العظيم قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ في ذلك اليوم:

«لو وزن اليوم عملك بعمل جميع أُمّة محمّد، لرجح عملك على عملهم، وذاك انّه لم يبق بيت من المشركين إلاّ وقد دخله ذل بقتل عمرو ولم يبق بيت من المسلمين إلاّوقد دخله عزّ بقتل عمرو.(2)

وقد نقل محدث أهل السنّة الشهير الحاكم النيشابوري كلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهذه العبارة: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبدود يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة».(3)

وفلسفة هذا الكلام واضحة طبعاً، وذلك انّ الإسلام والقرآن في ذلك المشهد العسكري من ذلك اليوم كانا على شفا جرف ويمرّان في أكثر الفترات حراجة، وكانت الشخصية التي أنقذت الإسلام بتضحيتها الفريدة من الخطر وكفلت له الاستمرارية إلى يوم القيامة واستقوى الإسلام ببركة تلك التضحية هي شخصية علي ـ عليه السَّلام ـ ، وعليه كانت عبادة الجميع منوطة بتضحيات علي ـ عليه السَّلام ـ .


1-وقد ذكرت أحداث قتال علي ـ عليه السَّلام ـ المصيري مع عمرو بن عبدود مضافاً إلى المصادر السابقة في الكتب التالية مع اختلاف يسير:
بحار الأنوار:20/203 ـ 206; الخصال: 560; السيرة النبوية:3/236; الكامل في التاريخ:2/181; الإرشاد:54; شرح نهج البلاغة:19/62ـ 64.
2- البحار:20/216.
3-المستدرك على الصحيحين:3/32.


(55)

د: فاتح حصن خيبر

كان قد قرر رسول اللّه في العام السابق من الهجرة أن يحارب يهود خيبر ويغزوهم، وكان دافعه في ذلك أمرين:

أ. كانت خيبر قد تحولت إلى مركز للمؤامرات والفتن ضدّ الدولة الإسلامية الحديثة، وقد شارك يهود هذه الحصن أعداء الإسلام في الهجوم على المدينة مرات عديدة، وبشكل خاص في حرب الأحزاب حيث كان لهم دور هام في تعزيز قوة ذلك الجيش وتقويته.

ب. وعلى الرغم من أنّ فارس والروم كانتا وبصفتهما امبراطوريتين كبيرتين في نزاعات طويلة مع بعضهما غير انّ ظهور الإسلام في الساحة على أنّه قوة ثالثة لم يكن بالأمر الذي يمكن التسامح فيه، ولهذا لم يكن من المستبعد أن يصير يهود خيبر أداة لكسرى أو لقيصر تساندهما في دك الإسلام، أو انّهم كما حرّضوا المشركين ضد الإسلام الفتي قد يحرضون هاتين الامبراطوريتين لأجل القضاء على هذا الدين الجديد. دفع هذان الأمران الرسول إلى أن ينطلق برفقة ألف وستمائة مقاتل نحو خيبر، وقد كانت قلاع خيبر محصّنة ومستحكمة جداً ومجهّزة بأجهزة دفاعية كثيرة، وكان المقاتلون اليهود يدافعون عنها بقوة، وكانت الحصون والقلاع تتساقط الواحدة تلو الأُخرى (ومع صعوبة وبطء) بجهاد وبسالة جنود جيش الإسلام، ولكن بقيت حصن قموص التي كانت أكبر الحصون ومركزاً لمقاتليهم الشجعان تقاوم ولم يكن بإمكان مجاهدي الإسلام فتحها، وكان الصداع الذي أُصيب به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد منعه أن يحضر ساحة القتال ويقود الجيش بنفسه، ومن هنا كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعطي الراية كل يوم لواحد من المسلمين ويحمّله مسؤولية فتحها، ولكنّهم كانوا يعودون الواحد تلو الآخر بلا جدوى، وفي أحد الأيام أعطى


(56)

الراية لأبي بكر وفي اليوم الثاني أعطاها لعمر، و قد عاد كلاهما من دون أن يحقّقا نصراً وفتحاً إلى عسكر الإسلام، وقد كان استمرار هذه الحالة ومشاهدة ذلك أمراً ثقيلاً على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال حينئذ: «لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللّه على يديه، يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله».(1)

وظلّ أصحاب رسول اللّه يفكّرون تلك الليلة في أنّه من هو الذي سيعطيه الرسول الراية غداً؟ وعند شروق الشمس اجتمع جنود الإسلام عند خيمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكان كلّ واحد منهم يتمنّى أن يكون هو الشخص الذي يأخذ الراية منه، و قال حينئذ: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا : يا رسول اللّه يشتكي عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فجاء فدعا النبي لشفاء عينيه فشفي. وقال:«يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا »فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فانفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللّه فيه، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم».(2)

انطلق عليٌّ في هذه المهمة وفتح تلك الحصن القوية الصامدة بشجاعة فريدة.

مبعوث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الخاص

كان قد مرّ أكثر من عشرين سنة والدين الإسلامي المعادي للشرك ظل في


1- وقد نقل ابن عبد البر حديث الرسول بهذا النحو: «لأعطينّ الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله ليس بفرار يفتح اللّه على يديه». الاستيعاب في معرفة الأصحاب:3/36.
2-صحيح مسلم:7/121. وذكرت مهمة علي ـ عليه السَّلام ـ الكبيرة هذه وحديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الكتب التالية باختلاف يسير: السيرة النبوية:3/349; الكامل في التاريخ:2/219; المستدرك على الصحيحين:3/109; صحيح البخاري:5/18.


(57)

أرجاء الحجاز بين القبائل العربية المشركة، و قد كان أكثرهم قد تعرف على رأي الدين الإسلامي حول الأوثان والوثنية طيلة هذه الفترة، وعلموا بأن الوثنية ليست إلاّ تقليداً أعمى للأجداد والآباء. إن أوثانهم الباطلة على درجة من الذلة والعجز بحيث إنّها عاجزة ليس فقط على أن تفعل شيئاً للآخرين، بل تعجز حتى عن دفع أي مكروه عن نفسها أو أن تفيدها، فليس هذا النوع من الآلهة الحقيرة والبائسة جديراً بالثناء والخضوع اذن، وكانت هناك مجموعة تحمل ضميراً حياً وقلباً مستنيراً بسماع كلام الرسول الكريم قد أحدثت انقلاباً عميقاً في حياتها متجهة من الوثنية إلى التوحيد خاصة عند ما فتح رسول اللّه مكّة حيث استطاع الدعاة ممارسة الدعوة إلى هذا الدين في أجواء تسودها الحرية، وبالتالي مارست جموع كثيرة معتد بها عملية كسر الأصنام في المدن والنواحي والقرى، ودوّى نداء التوحيد الباعث على الحياة في أكثر أرجاء الحجاز، ولكن كانت هناك مجموعة أُخرى متعصبة جاهلة صعب عليها كثيراً ان تقلع عن تقاليدها السابقة، وهي في نزاع دائم مع طبيعتها الإنسانية وضميرها، فظلت متمسكة بعاداتها القبيحة ومعتقدة بالخرافات والأوهام المفعمة بالانحرافات الخلقية والاجتماعية وعليه كان قد حان ذلك الزمن الذي يدك الرسول الكريم فيه أي نوع من مظاهر الوثنية واللاإنسانية بقوة عسكرية يستخدمها وبشدّة لاستئصال تلك الوثنية التي هي مصدر الفساد الأخلاقي والاجتماعي وتمثل نوعاً ما اعتداءً على حرمة الإنسانية.

في هذه الفترة نزلت آيات سورة البراءة وكلف رسول اللّه بأن يعلن عن براءة اللّه ورسوله من المشركين في مناسك الحجّ في تلك الجموع الغفيرة التي يجتمع الحجاج فيها ويأتون من كان حدب وصوب إلى مكة وتبليغهم وبأعلى صوته بأن يوضحوا موقفهم خلال الأربعة أشهر الآتية، فإن أسلموا فحالهم كحال المسلمين وسوف يتمتعون كالآخرين بمزايا الإسلام المادية والمعنوية، وإذا استمروا في


(58)

عنادهم فيجب أن يستعدوا للقتال بعد هذه المدّة وأن يعلموا انّهم حيثما قبض عليهم أو أُسروا فسيقتلون. ونزلت آيات سورة البراءة في الوقت الذي لم يقرر الرسول فيه المشاركة في مناسك الحجّ، لأنّه كان قد زار بيت اللّه في عام الفتح الماضي، وكان ينوي الحجّ في السنة التالية، وهي ما سمّيت فيما بعد بحجّة الوداع، لذلك لم يجد غير أن يبعث أحداً ليبلغ الرسالة الإلهية فاستدعى أبا بكر في البداية واقرأه بعضاً من الآيات الأُولى لسورة البراءة ،وأرسله برفقة أربعين نفراً إلى مكة كي يقرأ هذه الآيات عليهم في عيد الأضحى وبينما أبو بكر في طريقه إلى مكة، فإذا بالوحي الإلهي يهبط ويأمر الرسول بأن لا يؤديها عنك إلاّ أنت أو رجل منك.

فمن يا ترى هذا الإنسان الذي هو من رسول اللّه في رأي الوحي ولا يجدر بشخص آخر أن يقوم بهذه المسؤولية غيره؟ لم تمض فترة حتى استدعى الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علياً ـ عليه السَّلام ـ وأمره بأن ينطلق إلى مكة ويدرك أبا بكر في الطريق ويأخذ منه الآيات ويقول له بأنّ اللّه تعالى أمر الرسول بأن لا يقرأ هذه الآيات للناس إلاّ أنت أو رجل منك وكلّفت أنا بهذه المهمة.

انطلق علي ـ عليه السَّلام ـ ومعه جابر ومجموعة من الصحابة وهو راكب على ناقة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الخاصة باتجاه مكة وأبلغ أبا بكر كلام رسول اللّه فأعطاه هو الآيات وسلّمها.

دخل أمير المؤمنين مكة وصعد في العاشر من ذي الحجة على جمرة العقبة وقرأ الآيات الأُولى من سورة البراءة بصوت عال عليهم، وأتبعها بإنذار رسول اللّه وتحذيره المؤلف من أربعة بنود، وأسمعهم جميعهم.(1)


1-كان الإنذار يتألّف من البنود الأربعة التالية:
الف: إلغاء حلف الهدنة مع المشركين.
ب: أن لا يحضروا موسم الحج.
ج: أن يمنع الناس وهم عراة من الطواف وقد كان ذلك سائداً حينها بين المشركين.
د: أن يمنع المشركون من دخول المسجد الحرام.


(59)

وبهذه الرسالة علم المشركون جميعاً بأنّ أمامهم أربعة أشهر فقط كي يحدّدوا موقفهم تجاه الحكومة الإسلامية.

وأثرت الآيات وانذار الرسول تأثيراً عجيباً على الكفّار حيث أسلموا ودخلوا دين التوحيد زرافات ووحداناً والأربعة الأشهر لم تنته بعد و لم تأت نهاية السنة العاشرة من الهجرة حتى استئصل الشرك في الحجاز كله، وعند ما علم أبو بكر بتنحيته عاد إلى المدينة منزعجاً وجاء إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معاتباً وقال: «مالي يا رسول ؟!» قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خير؟! غير انّه لا يبلّغ عني غيري أو رجل مني».(1)

4. من وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى خلافته الظاهرية

وقبل البدء بهذا البحث نشير مقدمة إلى أنّ الإمامة قد مرت منذ وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في صفر سنة 11 هجرية والى وفاة الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ في ربيع الأوّل سنة 260هـ بأربع مراحل تقريباً، وكانت كلّ مرحلة من هذه المراحل تمتاز من حيث مواقف الأئمّة تجاه السلطات الحاكمة بسمة معينة وهي:

أ: مرحلة الصبر والمداراة مع هذه السلطات، وتشتمل هذه المرحلة جميع الخمس وعشرين سنة الممتدة من عام وفاة الرسول الكريم 11 هجرية إلى بداية خلافة أمير المؤمنين الظاهرية سنة 35 هجرية.

ب: مرحلة استلام الإمام للسلطة وهي تشمل تلك الأربع سنوات والتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين، وبعضاً من الشهور من خلافة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ ،


1-روح المعاني، الآلوسي، ج10/44، تفسير سورة التوبة.


(60)

وهذه المرحلة بالرغم من قصر مدتها، وحدوث الاضطرابات والأزمات التي كان يثيرها أعداء الإسلام لهذين العظيمين عليمها السَّلام فهي من أكثر سنين الحكومة الإسلامية ازدهاراً.

ج: مرحلة المحاولة البناءة القصيرة الأمد لتشكيل الحكومة الإسلامية، وتشمل فترة العشرين عاماً الممتدة من عقد صلح الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ في سنة 41هـ إلى شهادة الإمام الحسين سنة 61هـ. وبعد إحداث الصلح بدأت عملياً نشاطات الشيعة النصف سرية مع خطط ترمي إلى إعادة السلطة لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ في الفرصة المناسبة، ولم تكن هذه الفرصة البعيدة وفقاً للحسابات المعتادة، وكان الأمل في تحقّقها موجوداً مع انتهاء حياة معاوية الشريرة.

د: وأخيراً كانت المرحلة الرابعة هي متابعة هذا المنهاج في برامج طويلة الأمد، وقد استمرت قرابة قرنين من الزمن توالت فيها الانتصارات والانتكاسات في فترات متعددة متواكبة مع النجاح الكاسح في المجال الآيديولوجي والعقيدي المندمج في مئات الأساليب المتناسقة المكلّلة بآلاف الأكاليل من الإخلاص والتضحية.(1)

وفاة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقضية الخلافة

كان علي ـ عليه السَّلام ـ من أكثر الشخصيات الراقية جدارة في قيادة المجتمع الإسلامي بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يكن في العالم الإسلامي شخص يبلغ مستوى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في الفضل والتقوى والرؤية الفقهية والقضائية والجهاد في سبيل اللّه تعالى و في كافة الصفات الإنسانية العالية غير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وبسبب هذه الجدارة رُشِّح ـ عليه السَّلام ـ من قبل رسول اللّه وبأمره تعالى في مناسبات عديدة لقيادة


1-الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، آية اللّه السيد علي الخامنئي، ص 21.


(61)

المسلمين المستقبلية وأهمها هو ما حدث في الغدير.

ومن هنا كان من المتوقع انّه سيتولّى الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ الخلافة وقيادة المسلمين غير انّه لم يحدث ذلك من الناحية العملية، وانحرف خط الخلافة الإسلامية بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأُقصي علي ـ عليه السَّلام ـ من الساحة السياسية ومركز القرار في قيادة المجتمع الإسلامي.

على مفترق الطرق المصيري

لم يتحمل علي ـ عليه السَّلام ـ هذا الانحراف ولا السكوت عليه، وانتقد الخليفة وأتباعه باستدلالاته وحججه الدامغة مرات عديدة غير انّ الأيّام و مجرى الأحداث قد دلّتا على أنّ هذه الاعتراضات غير مجدية وانّ الخليفة وأتباعه يصرّون على الاحتفاظ بالسلطة والاستمرار، وظل علي ـ عليه السَّلام ـ حينئذعلى مفترق طرق مصيري حسّاس وبين خيارين، فهو إمّا أن ينتفض مستخدماً القوة وبمساعدة أنصار أهل بيت الرسالة وأصحابه الحقيقيّين الذين لا يؤمنون بمشروعية وقانونية الحكومة الجديدة في وجهها ويستلم زمام الخلافة، أو يرضى بالأمر الواقع ويساهم بقدر الإمكان في معالجة قضايا المسلمين ويقوم بواجبه.

وانطلاقاً من أنّ السلطة والمنصب ليسا هدفاً في القيادات الإلهية، وانّ الهدف أسمى وأكبر من الاحتفاظ بالسلطة ووجود القيادة آلة لتحقق ذلك الهدف، فانّ القائد إذا ما قدّر له يوماً أن يكون بين خيارين وخيّر بين اختيار المنصب والسلطة واختيار الهدف والمبدأ ،فعليه التضحية بالمنصب والسلطة، ويقدّم الهدف والمبدأ وأن يعتبر الهدف أولى من السلطة والقيادة.

واجه عليٌّ هذه الحالة واختار الخيار الثاني وتوصل ومن خلال دراسة ظروف المجتمع الإسلامي إلى هذه النتيجة، وهي انّه لو أصر على الاستيلاء على السلطة


(62)

وعلى الاحتفاظ بالمنصب والقيادة فستحدث ظروف تضيع فيها جهود رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والدماء الطاهرة التي أُريقت في سبيل اللّه.

يذكر الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ في خطبة الشقشقية هذا المفترق الصعب والحساس والخيارين المصيريّين وسبب اختياره للخيار الثاني بهذا النحو:

«فَسَدَلْتُ دُونَها ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْها كَشحاً، وطَفِقْتُ أرتَئي بَين أن أُصولَ بيدجَذّاء، أو أصْبِرَ على طَخية عمياء، يَهْرَمُ فيها الكَبير وَيشيبُ فيها الصَغير، ويَكْدَحُ فيها مؤمِنٌ حَتّى يَلقى ربَّهُ، فَرَأيْتُ أنَّ الصَّبرَ على هاتا احجى، فصبرتُ وفي العَيْنِ قَذى وَفي الحَلْقِ شَجى، أَرى تُراثي نَهباً».(1)

وقد أشار الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى صبره على انحراف الخلافة الإسلامية عن خطها الصحيح بدافع الحفاظ على الإسلام في مناسبات أُخرى أيضاً ومنها ما قاله في بداية خلافة عثمان عندما عملت الشورى لصالحه واستولى على السلطة واقفاً أمامهم:« لقد علمتم أنّي أحقّ الناس بها من غيري، وواللّه لأسلمن ما سلمت أُمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة».(2)

التحديات والأخطار الداخلية والخارجية

قد قلنا انّ علياً ـ عليه السَّلام ـ امتنع عن الكفاح المسلح، وذلك نظراً للأخطار والتحديات التي كانت من الممكن أن تظهر في المجتمع الإسلامي حال قيامه بذلك، وقد يسأل عن نوعية هذه التحديات التي كانت تواجه المجتمع الإسلامي الفتي آنذاك.


1-نهج البلاغة، الخطبة 3.
2-نهج البلاغة، الخطبة 74.


(63)

وجواباً على ذلك يمكن عرض الأخطار والتحديات الداخليةوالخارجية والموانع التي جعلت علياً ـ عليه السَّلام ـ يغض النظر عن الكفاح بالنحو التالي:

أ: انّ الإمام لو كان قد استخدم القوة ومارس الكفاح المسلح لاسترداد الخلافة، لكان يخسر كثيراً من الأعزاء الذين كانوا يؤمنون بإمامته إيماناً راسخاً من الأعماق.

وكان الإمام ـ عليه السَّلام ـ يعاني من قلة الناصر والمعين على هذا الأمر، ويقول:«فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى».(1)

ويقول أيضاً:

«لو وجدت أربعين ذوي عزم».(2)

كما صدّر الإمام ـ عليه السَّلام ـ في زمن خلافته بياناً سياسياً هاماً وأمر بأن يقرأ على مسامع الناس كلّ جمعة امام عشرة شهود من كبار أصحابه، مؤكداً فيه ذلك:

«فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، ولو كان بعد رسول اللّه عمي حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرهاً، ولكنّني منيت برجلين حديثي عهد بالإسلام: العباس وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت ريقي على الشجا، وصبرت على أمَرّ من العلقم وآلم للقلب من وخز الشِّفار».(3)

مضافاً إلى هؤلاء سيقتل كثير من صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذين يمثّلون الخط


1-شرح نهج البلاغة:2/20، وجاء قريب من هذا المضمون في نهج البلاغة، الخطبة 26، تحقيق صبحي الصالح.
2-نفس المصدر22.
3-بحار الأنوار:3/15ـ16 وجاء قريب منه في نهج البلاغة الخطبة 217.


(64)

المعارض لخلافته ـ عليه السَّلام ـ ، وهؤلاء الصحابة وإن كان موقفهم مضاداً لموقف الإمام في مسألة الخلافة وكانوا يخالفون توليه الخلافة بسبب حقدهم وعقدهم النفسية غير انّهم كانوا يتفقون معه في القضايا الأُخرى وسيشكّل قتلهم (وهم يعدّون على أيّة حال قوة أمام الوثنية والنصرانية واليهودية) ضعفاً في مركز العالم الإسلامي.

وقد أشار الإمام ـ عليه السَّلام ـ إلى هذه النقطة الهامة عندما انطلق إلى البصرة للقضاء على الناكثين: طلحة والزبير في خطبة له وقال:

«إنّ اللّه لما قبض نبيّه استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حقّ نحن أحق به من الناس كافّة، فرأيت ان الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم والناس حديثو عهد بالإسلام والدين يمخض مخض الرطب، يفسده أدنى وهن ويعكسه أقلّ خلف».(1)

ب: كان هناك عدد غير قليل من القبائل والجماعات التي أسلمت في أواخر حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم تر التعاليم الإسلامية الضرورية ولما يدبّ في قلوبهم نور الإيمان بشكل كامل، وعندما علموا بنبأ وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رفعوا علم الارتداد والعودة إلى الوثنية، وأعلنوا عن معارضتهم للحكومة الإسلامية في المدينة، وامتنعوا عن دفع الضرائب الإسلامية، وشكّلوا خطراً على المدينة من خلال إعدادهم القوات العسكرية.

ولذلك كان أوّل عمل قامت به الحكومة الجديدة هو أنّها عبّأت مجموعة من المسلمين لقتال المرتدين والقضاء على تمردهم، وفي النهاية تمّ ببركة جهود المسلمين اخماد نار فتنتهم.(2)


1-بحث معمق حول حياة علي ـ عليه السَّلام ـ ص 222 نقلاً عن شرح النهج لابن أبي الحديد.
2-هذا الكلام لا يعني، طبعاً، انّ جميع ما قامت به حكومة أبي بكر صحيح كتسامحها في قتل مالك ابن نويرة .


(65)

لذلك لم يكن من الصحيح أن يرفع الإمام ـ عليه السَّلام ـ في هذا النوع من الظروف التي رفع أعداء الإسلام الرجعيين راية الارتداد فيها وتحدّوا الحكومة الإسلامية، راية أُخرى ويواجه الحكومة الفعلية.

وقد أشار إلى هذه النقطة في إحدى رسائله إلى أهل مصر وقال:

«فواللّه ما كان يلقى فى روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أهل بيته، ولا أنّهم مُنحّوه عني من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه».(1)

وهكذا أثار هذا الموضوع في أيّام خلافته الأُولى من خلال خطبة من خطبه.

قال عبد اللّه بن جنادة: قدمت من الحجاز اريد العراق في أمارة علي ـ عليه السَّلام ـ ، فمررت بمكّة فاعتمرت، ثمّ قدمت المدينة فدخلت مسجد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ نودي الصلاة جامعة واجتمع الناس، وخرج علي ـ عليه السَّلام ـ متقلداً سيفه، فشخصت الأبصار نحوه فحمد اللّه.

ثمّ قال:


1-نهج البلاغة: الرسالة 62; الغارات:1/306 مع اختلاف يسير في الألفاظ.


(66)

«أمّا بعد فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحدٌ ولا يطمع في حقّنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا فصارت الإمرة لغيرنا... وأيم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنّا على غير ما كنّا لهم عليه....(1)

ج: إضافة إلى خطورة المرتدين كان هناك ظهور المتنبئين ومدّعي النبوة الكذّابين أمثال مسيلمة وطليحة وسجاح أيضاً، وقد عبّأ كلٌ منهم مجموعة من القوات للهجوم على المدينة، فهزموا على يد المسلمين وبتعاونهم وتكاتفهم بعد تحمّل كثير من العناء.

د: خطورة هجوم الروم المحتمل كان يمكن أن يبعث بدوره قلقاً آخر في نفوس المسلمين ذلك انّ المسلمين كانوا قد واجهوا الروم وقاتلوهم ثلاث مرات إلى ذلك الحين، وكانت الروم تعتبر المسلمين خطراً حقيقياً لها، فلو كان علي ـ عليه السَّلام ـ يمارس الكفاح المسلح وهو مما يعني قلقلة الوضع الداخلي للمسلمين وتوتيره، لكان يمنح الروم فرصة كبيرة لاستغلال هذا الوضع المتزلزل.

يتضح بالالتفات إلى النقاط السالفة بشكل جيد انّه لماذا رجّح الإمام ـ عليه السَّلام ـ الصبر والسكوت على النهوض في وجه السلطة وانّه كيف أنقذ العالم الإسلامي بصبره واحتماله وبعد نظره، وانّه لولا حبه لوحدة المسلمين وخوفه من النتائج الوخيمة للفرقة والاختلاف لما كان يسمح أن يفلت زمام قيادة المسلمين من يد أوصياء وخلفاء رسول اللّه الحقيقيّين ويتلقّفه الآخرون .


1-شرح نهج البلاغة :1/307. وقريب منه في ارشاد المفيد، ص 131.

Website Security Test