welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _*
نویسنده :مهدي البيشوائي*

سيرة الأئمة _ عليهم السَّلام _

قدم له آية الله جعفر السبحاني

سيرة الأئمة

_ عليهم السَّلام _

عرض وتحليل للحياة الأجتماعية والسياسية والعلمية للأئمة المعصومين _ عليهم السَّلام _

تأليف

مهدي البيشوائي

تعريب

حسين الواسطي


(2)


(3)


(4)

اسم الكتاب:   سيرة الأئمة(عليهم السلام)

تقديم:   آية الله جعفر السبحاني

المؤلف:    مهدي البيشوائي

تعريب:    حسين الواسطي

المطبعة:   اعتماد ـ قم

التاريخ:   1423 هـ. ق / 1381 هـ. ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الصف والإخراج باللاينوترون:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ 7745457 و 2925152، فاكس 2922331


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجع فكرة تأليف كتاب حول الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ إلى سنين مضت حيث نشرت عدّة أعمال بين تأليف وترجمة حول حياة بعضهم ـ عليهم السَّلام ـ ولقيت ترحيباً واستقبالاً من قبل القرّاء الراغبين في مثل هذه الأعمال، و منذ ذلك الحين أصبحت كتابة مجموعة كاملة عن حياتهم ـ عليهم السَّلام ـ وبنفس طريقة الأعمال السابقة أُمنية مقدّسة بالنسبة لي، غير انّ الوصول إلى هذا الهدف كان يتطلب زمناً وإمكانيات كثيرة للدراسة والتأليف لم تكن متوفرة لدي حينذاك، ومن ناحية أُخرى كان الكثير من الأشخاص يراجعوني ويطلبون منّي أن أُعرّفهم على كتاب شامل يمكن الاعتماد عليه وباللغة الفارسية الحديثة ليغنيهم عن الرجوع إلى المصادر المتعددة. انّ الشعور بالحاجة وإبداء الرغبة من قبل الأشخاص المذكورين جدّدا أُمنيتي القديمة في نفسي.

ومضافاً إلى كلّ ذلك فان كاتب السطور وخلال السنوات الأخيرة وعلاوة على تدريس تاريخ الإسلام درّس تاريخ المعصومين وسيرتهم عدّة مرّات في عدة مراكز للتعليم العالي، وقد توفّرت جرّاء ذلك مجموعة من الكراريس المختصرة في هذا المجال ولكن لم تكن هناك الفرصة الكافية لإبدالها بكتاب منسق. ونظراً إلى الحاجة والترحيب المذكورين أُعيد النظر في الملزمات المذكورة، وقد تمّ التدقيق فيها مرّة أُخرى والرجوع إلى مصادر أكثر وتوسعت الأبحاث والمواضيع واتّخذت مكانها المناسب وأصبح الكتاب بتوفيق اللّه تعالى كما تراه.


(6)

إنّ هذا الكتاب قد أعدّ لعامة القرّاء فقد أعرضنا فيه عن الخوض في الأبحاث التخصصية والبعيدة عن حاجتهم، كأبحاث تاريخ تكوّن الفِرَق الشيعية، والأبحاث الكلامية المعقدة، والمواضيع التي اختلف فيها وتحتاج كتاباً مستقلاً، وأمثال ذلك، وقد اكتفينا عند الضرورة بإشارة عابرة إليها وأحلنا القارئ إلى المصادر المثبتة في الهامش.

والجدير ذكره انّ كاتب السطور قد راجع مصادر الكتاب جميعاً بشكل مباشر وفي الوقت ذاته ثبّت هويتها بصورة كاملة حتى يسهل للقارئ الرجوع إليها، وكذلك يستطيع الراغبون بمزيد الاطّلاع الرجوع إلى هذه المعلومات أيضاً.

والأمر الآخر هو انّه وحسبما تقتضيه البحوث التأريخية قد استفيد في المرحلة الأُولى من المصادر القديمة المعتبرة والمعوّل عليها والقريبة من الأحداث زمنياً قدر الإمكان، ولم يغفل الكاتب في غضون ذلك عمّا كتب باللغة الفارسية لا سيما ما كتبه المعاصرون، وأينما وجدنا تحليلاً جيّداً وعرضاً رائعاً وقراءة جديدة ونقطة جذابة أفدنا منه.

وتقديراً لجهود الكتّاب وحفظاً للأمانـة ذكرنا أحياناً ـ وبمقتضى جودة ترجمتهم لبعض المواضيع إلى الفارسية، أو لأنّ كتبهم كانت عوناً لي ـ أسماء كتبهم بجانب المصادر القديمة التي استفدنا منها. وكذلك نقلنا في بعض المواضع قسماً من أعمال المعاصرين بنصّه تارة، ومع بعض التصرفات الطفيفة في العبارة مع ذكر للمصدر وعرض موجز تارة أُخرى.

وأرى هنا لزاماً علي أن أشكر جهودهم، ولحسن الحظ قد كُتبت في السنوات الأخيرة أعمال وكتب قيمة من قبل كتّاب وباحثين حول سيرة الأئمّة المعصومين باللغة الفارسية كلّها مفيدة وجديرة بالثناء غير انّ كلاً منها تتبّع هدفاً معيناً، أو كُتبت بطريقة خاصة أو من المحتمل انّها كتبت لشريحة معينة. ومن هنا اختلف هذا الكتاب الذي بين يديك عن تلك الأعمال والكتب كثيراً، فطريقة طرح البحوث في هذا الكتاب بأن


(7)

يتم في سيرة كلّ إمام عرض الخطوط والمراحل العامة من حياته عرضاً شاملاً في البداية.ثمّ يشار إلى طبيعة الأجواء السياسية والاجتماعية السائدة في عصره بالتفصيل، وبعدها يتم دراسة الخطوط الرئيسية لحياة الإمام ونضج مواقفه السياسية والاجتماعية وتناسبها مع الظروف والأوضاع السائدة في المجتمع آنذاك.

وهكذا أخذ هذا الكتاب أمر اهتمام الأئمّة بعامل الزمن والظروف والمقتضيات والموانع في تبيين حياتهم المليئة بالجهاد والخدمات بعين الاعتبار وأولاه أهمية بالغة، ويمكن عد ذلك إحدى سمات هذا الكتاب وامتيازاته.

والنقطة الأُخرى هي انّه قدّرنا لسيرة كلّ إمام خمسين صفحة بشكل متوسط واحترازاً من مشكلة تعدد المجلدات جعلنا أبحاث الكتاب في مجلد واحد وإذا كان حجم الكتاب كبيراً نسبياً فهو لهذا السبب.

ومن المؤكد وعلى رغم جهود الكاتب، فإنّ هذا العمل لن يكون خالياً من العيوب، وأخيراً يجب أن أُؤكد بأنّ أكبر المشجعين للكاتب في إتمام هذا الكتاب هو الأُستاذ الكبير سماحة الشيخ آية اللّه السبحاني ـ مدّ ظله ـ أُستاذ الحوزة العلمية في قم الّذي أصر كثيراً على التسريع في إنهاء كتابته، والآن وتحت إشراف الأُستاذ يطبع وينشر هذا الكتاب من قبل مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ للأبحاث و التحقيق. ومن اللّه التوفيق وعليه التكلان

مهدي البيشوائي

قم ـ رجب 1414هـ ـ دي/1372هـ.ش

مقدمة سماحة الشيخ آية اللّه جعفر السبحاني


(8)


(9)

بسم الله الرحمن الرحيم

التاريخ الماضي صحيفة كبيرة مفتوحة أمام صحيفة المستقبل المطوية، ومن خلال هذه الصحيفة المفتوحة ينبغي فتح ذلك القسم المطوي وتحديد معالم مسيرة المستقبل، وتعلّم دروس كثيرة من سيرة الماضين.

وحتى وقت قريب كثيراً ما كان المؤرّخون رواة للأحداث وساردين لها غير واقفين على أسباب الأحداث أو نتائجها السيئة أو الحسنة، وكأنّهم كتبوا التاريخ لتسلية الناس ولهوهم أو انّهم يتركون هذا العبء على عاتق القرّاء.

إنّ الحداثة في كتابة التاريخ التي حولته من مجرد نقل الأحداث بصورة جافة وقصّها إلى عملية تحليل وتمحيص لهي خطوة كبيرة في مجالات العلوم الإنسانية. أحدثت هذه المنهجية مسافة كبيرة بين نوعي التاريخ النقلي والتحليلي لدرجة انّها جعلت هاتين المنهجيتين والطريقتين في الكتابة وكأنّهما علمان مستقلان عن بعضهما. تتم الإفادة في هذا النوع من الكتابة مضافاً إلى النصوص التاريخية وأقوال الشهود والرواة من علوم عديدة، مثل علم النفس وعلم الاجتماع والجغرافيا وعلم الآثار وغير ذلك. وتعرض الأحداث التاريخية على شكل متسلسل بأن يكون كلّ واحد منها متلواً بالآخر مع أسبابها ونتائجها.


(10)

إنّ نقطة الضعف الكامنة في هذا النوع من كتابة التاريخ هي انّه لا يكون التاريخ مصوناً ونزيهاً من التدخل والتصرف الغير مناسب والتفسير بالرأي الخاطئ وتختلط الأحداث التاريخية فيها بأهداف وأفكار ودوافع الكاتب الشخصية ويختفي وجه الحقيقة تحت ستار سميك من التفسيرات والتنظيرات.

ومن الواضح انّه لا يمكن أن يتّهم جميع كتاب التاريخ بالحكمية السابقة لأوانها غير انّه ينبغي تقبّل عدم نزاهة الكثير منهم من نقطة الضعف تلك.

كما أنّه لا يمكن اعتبار جميع المؤّرخين النقليين كتّاباً هادفين وواقعيين، لأنّ البعض منهم لم يكن بعيداً عن الأغراض والمصالح الشخصية وكان ينقل ما يؤيد أفكاره وعقيدته الدينية ومصالحه القومية ولا يتعرض إلى الوجه الآخر من الأحداث ولكن ينبغي القول عند المقارنة انّ كمية الخطأ في التاريخ التحليلي أكثر بكثير من كمية الخطأ في التاريخ النقلي. وفي عصرنا الشيء الذي جعل التاريخ التحليلي مزدهراً أكثر هو ظهور فلسفة التاريخ التي تمتاز عن علم التاريخ شأنها شأن فلسفات أيّ علم من العلوم. توضح فلسفة التاريخ الأسباب العامة لحدوث الأحداث وتكامل المجتمع، وتعلّمنا القوانين العامة للتطور والتكامل.

وبعبارة أُخرى: انّ فلسفة التاريخ تدرس وتبحث العلاقة القائمة بين الأحداث المختلفة، وتكشف عن أسباب ومسببات تلك الأحداث التاريخية.

إنّ أي نوع من البحث للحصول على القوانين العامة لحركة وتكامل المجتمع الإنساني هي خطوة في سبيل تطور فلسفة التاريخ وتكامله، أو علم مجتمع الإنسان وتقدّمه.وتكشف الدراسة العميقة لعلل تكامل أو تحولات وتغييرات حياة الإنسان بأنّ العوامل المحرّكة للتاريخ لا تنحصر في عامل واحد أو عاملين، بل هناك أسباب متنوعة وفي ظروف مختلفة هي التي تحرك عجلة الحياة في المجتمع الإنساني وتكتب بقلم التكوين صفحات تاريخه، ولم يكن هناك عامل


(11)

واحد هو الذي يحدد مسار حياة الإنسان على مر التاريخ.وقد حاول البعض أن يجعل محرك التاريخ منحصراً في عامل واحد. وهناك ممن يحملون نظرة ضيقة يدرس جانباً واحداً من حياة الإنسان لا كلّ الجوانب وكأنّ هذا البعض قد أقسم بأن لا يقدم أكثر من عامل واحد لتكامل وتطور تاريخ الإنسان ، أو انّه اعتبر عامله الذي يطمح إليه مفتاحاً سحرياً يمكنه أن يفتح جميع أبواب التاريخ المغلقة، فهم ولأجل أن لا يظهروا بمظهر أصحاب النظرة الضيقة يقدمون دائماً عاملاً واحداً ـ كالعامل الاقتصادي ـ على أنّه هو السبب الرئيسي لجميع الأحداث ويجعلون العوامل الأُخرى في الدرجة الثانية من ناحية التأثير.

إنّ الذين لا يعتقدون بوجود أكثر من عامل واحد محرك للتاريخ هم أُناس سذج بسطاء أُحاديو النظرة والرؤية ، ويكتفون بجانب واحد فقط، ويستأنس فكرهم بعامل واحد من العوامل الصانعة للتاريخ، ويغفلون عن العوامل الأُخرى، أو انّ أفكارهم الحزبية والسياسية ساقتهم إلى الاعتقاد باقتدار عامل خاص ـ الصراع الطبقي ـ وان يحسبوا العوامل الأُخرى ثانوية فوقية لا أساسية.

التاريخ والصراع الطبقي

اعتقدت الماركسية بأنّ تاريخ المجتمع الإنساني حصيلة صراع طبقي لطبقات مسحوقة وقسّمت الشعوب في العالم إلى فئتين:

فئة مرتبطة بالنظام الكلاسيكي، وهي ترى أنّ مصلحتها تكمن في بقاء ذلك النظام.

وفئة مناضلة ترى أنّ مصلحتها في تقويض النظام السائد الحاكم.

إنّ هذا النوع من التفسير لتحولات وتغييرات الإنسان يدلّ على حصر نشاطات الإنسان في الرغبات المادية الدنيوية.


(12)

وفي الوقت الذي توجد ميول وغرائز أُخرى ضمن هذا الإطار تميل إلى أنّ شرف وقيمة الإنسان أعلى وأرقى من أن يفكر في إطار مصالحه المادية الضيق وأن يعتبر حركة التاريخ معلولة لبطنه وشهوته فقط.

إنّ صفحات التاريخ الإنساني تشهد لمناضلات وجهود شخصيات قديرة وكبيرة تناولت مقبض السيف وضحّت بأرواحها وأبنائها في سبيل الحفاظ على القيم الإنسانية ومكافحة الأوضاع الدينية والأخلاقية المتردية ومعالجتها.

والتاريخ خير شاهد على ذلك، ويشهد انّ كثيراً من الحروب والصراعات التي نشبت لمحو النظام الطبقي ـ و بعبارة أصح لاسترجاع حقوق المستضعفين من المستكبرين الجبابرة ـ قد تمت تحت قيادة رجال أحرار نهضوا بدافع حب الإنسان وحفظ حقوقه، بل وأكثر من ذلك بدوافع دينية إلهية.

وتروي آيات القرآن بصراحة انّ الشخصيات المؤمنة والمستضعفة والفقيرة كانت تشكّل الجزء الأكبر من أصحاب الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ والتي حاربت لدثر الشرك وآثاره المدمّرة وإيصال الإنسان إلى درجة راقية درجة التعلّق باللّه تعالى والارتباط به، حتى أنّ أحد اعتراضات الطغاة المستكبرين على الأنبياء هو التفاف الفقراء والمستضعفين حولهم.(1)

وعندما نقرأ حول نهضة خاتم الرسل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ودعوته نجد انّ طغاة عصره ومستكبريه يشترطون للإيمان بالإسلام أن يطرد الفقراء والمستضعفين من حوله.

ولذلك نهى اللّه تعالى الرسول عن طرد هذه الفئة التي حملت أعباء الدعوة على عاتقها نزولاً عند رغبة بعض المستكبرين.(2)

من يتصفّح التاريخ يجد هناك فئتين من البشر:


1-فقد قال أعداء هود ـ عليه السَّلام ـ له : (ما نَراكَ اتَّبعك إِلاّالّذين هم أَراذِلُنا بادي الرَّأي ) (هود/27).
2-(وَلا تَطْرُدِ الَّذينَ يَدْعُونَ ربَّهُمْ بِالغداة وَالعشي) (الأنعام/52).


(13)

1. فئة هي أسيرة رغباتها المادية، وهذه فئة وضيعة قاصرة العقل لدرجة انّها لا يدور في خلدها شيء غير مساندة النظام الحاكم وتبرير أعماله، وذلك لإشباع رغباتها وميولها النفسية.

2. وفئة أُخرى تطلب الحقّ وهي مبدئية هادفة،غاضبة، متحررة من ضغوط البيئة والطبيعة، وينصب عزمها وجهدها بصورة رئيسية على حفظ القيم الإنسانية والأخلاقية وعلى ترقية مستوى الإنسان الروحي المعنوي، وإذا كان محرّك التاريخ لدى الفئة الأُولى هو التمتع بالترف والرفاه المادي للإنسان، فإنّ إصلاح المجتمع وإحياءه والنهوض به وتحريره من الطبيعة الحيوانية والتعلّقات المادية والاهتمام بالقيم والمبادئ العليا كلّ ذلك يكون هو المحرّك له لدى الفئة الثانية، وهنا تجب دراسة دور الأنبياء والأولياء الإلهيّين في صنع التاريخ بدقة أكبر وأُفق أوسع، فقد كان للشخصيات الإلهية دور بارز لا يمكن إنكاره في ظهور النهضات الإصلاحية الكبيرة في التاريخ وكان منهاجهم الإلهي الذي يصل إليهم من خلال الوحي أكبر رأسمال للنهضة والثورة. انّ دورهم في زرع الإيمان في الشعوب و تعبئتها في سبيل الأهداف الإنسانية العليا، وبالتالي في قلب وجه المجتمع وواقعه لهو من بديهيات التاريخ ومسلماته. وقد أثبتت التجارب التاريخية بأنّ العلوم البشرية قد تنير درب الإنسان إلى حد ما غير انّها لا تحدث ثورة ولا تصنع مجتمعاً.

لقد كان أنبياء اللّه ورسله وأولياؤه الصالحون هم الذين علّموا البشرية درس التحرر من أسر الجبابرة المستكبرين وكانوا بسبب ما يتمتعون به من قوة الإيمان فاعلين في دك قلاع الظلم أكثر من أي عامل آخر.

الفرويدية وتاريخ البشرية

وفي هذا الإطار ارتكبت الفرويدية خطأ أكبر فقد عدّ فرويد حركة التاريخ


(14)

معلولة للغريزة الجنسية، واعتقد بأنّ لهذه الغريزة دوراً كبيراً وأساسياً في جميع نشاطات الإنسان الفردية والاجتماعية.

فالإنسان من وجهة نظره هو حصيلة سلسلة من المحاولات والجهود المتواصلة تنبع جميعها بشكل شعوري أو لا شعوري من الغريزة الجنسية،ولم يتّضح حتى الآن سبب اهتمام هذا الاتجاه بالغريزة الجنسية من بين غرائز الإنسان أكثر من غيرها، وقد غضّ الطرف عن الجوانب الروحية فيه مع أنّ البحوث العلمية قد اكتشفت قبل فرويد وبعده جوانب قديرة في النفس الإنسانية وأثبتت غرائز راقية كان لها دور في الإبداع في تاريخ الإنسان مثل:

1. الجانب الروحي والتوجّه نحو ما وراء الطبيعة الذي أوجد الأديان والمذاهب، وفي الواقع انّ وجود كلّ هذه المساجد والمعابد والمراكز الدينية يشكل جانباًمن نشاطات تلك الغرائز.

2. الجانب الأخلاقي وحب الحقّ والحقيقة وهو ممّا له دور كبير في حياة الإنسان، ولو حذف هذا الجانب الذي هو أحد الجوانب الروحية للإنسان من حياته لمنيت باختلال واضطراب عجيب.

3. حبّ الفن والجمال الذي أوجد الفنون المعمارية الشرقية والغربية واللوحات الفنية الرائعة ونضد الفسيفساوات والصناعات اليدوية الجميلة والأدب الإنساني نثراً وشعراً، كلّ ذلك يشكل مظهراً بارزاً لهذا الجانب من الجوانب الروحية للإنسان.

4. الجانب العلمي وحب كشف المجهولات ومعرفة أسباب الظواهر والحوادث الذي ساهم مساهمة كبيرة في الحضارات وانفتاح العقل الإنساني. وبالنظر إلى هذه الجوانب فكيف يضع فرويد زمام تاريخ الإنسان بيد غريزة


(15)

وضيعة؟! وكأنّه يعتقد ـ هو والماركسية ـ انّ إنسانية الإنسان تتلخص في بطنه وفرجه و ما شابه!

وعلى أية حال انّ تفسير حياة الإنسان الصاخبة على أساس النزاع الطبقي أو النظرية الجنسية يشبه تفسيرنا لزلزال عظيم دمر البيوت والعمارات وقوض الجبال واستأصلها على أساس انهدام كوخ خشبي في تلك المنطقة التي حدث فيها الزلزال. ومن الواضح انّ الذين يتمتعون بنظرة شمولية دقيقة يعرضون عن هذه المحدودية الفكرية في تحليل الأحداث، ولا يغضون الطرف عن تأثير العوامل الأُخرى التي منها تأثير الشخصيات الإلهية في صنع تاريخ الإنسان.

وقد خصّص القرآن العظيم وللأهمية التي يوليها بحق لجهود هذه الشخصيات الكبيرة في أحداث تاريخ الإنسان وحضارته قسماً من آياته بمواقفهم وجهودهم المتواصلة، وقد أشار خلال ذلك إلى نقاط ذات قيمة عالية واعتبر حياة الأنبياء المفعمة بالنضال والخدمات عبرة للعلماء: (لَقَدْ كانَ فِي قصَصهِمْ عِبْرَةٌ لأُولي الأَلْباب) .(1)

ومن هذا المنطلق كتب جماعة من العلماء والمفسّرين كتباً كثيرة حول حياة الأنبياء وسيرتهم يمكن أن تكون مفيدة لنا جداً. ومن المؤكّد توجد في بعض هذه الكتابات حقائق قرآنية قد امتزجت بمجموعة من الإسرائيليات والمجوسيات فرسمت صورة غير حقيقية عن حياة الأنبياء المقدسة، غير انّ أُولئك العلماء الذين كتبوا واستلهاماً من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في هذا المجال قد قدموا خدمة عظيمة للمجتمع الإسلامي.

ونعيد ما قلناه في البداية هنا وهو انّه يجب أن نقرأ هذا القسم من التاريخ،


1-يوسف:111.


(16)

بل و جميع كتب التاريخ من حيث إنّها تستطيع أن تعلمنا كمعلم صامت أسباب رقي الحضارات وسقوطها.

الأئمّة الإثنا عشر

ويفهم من الروايات والأحاديث التي نقلها السنّة والشيعة بوضوح انّ النبي الأكرم قد أخبر عن خلفائه الاثني عشر، وكما يروى لنا مسلم في صحيحه: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.(1)

وفي رواية أُخرى: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة. وقد أوردنا جميع الأحاديث التي نقلها أهل السنّة حول الخلفاء الاثني عشر في كتاب بحوث في الملل والنحل.(2)

وفي الوقت ذاته تحير أئمة الحديث من أهل السنّة في تحديد هؤلاء الخلفاء الاثني عشر وتخبّطوا تخبّطاً عجيباً ولم يتمكنوا من تعيين اثني عشر خليفة يتصل بعضهم ببعض بهم يكون الإسلام عزيزاً منيعاً، لأنّا نعلم انّ الحكم الأموي بدأ بعد عصر خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وليس بإمكان أي مؤرخ خبير ومنصف أن يعدّ معاوية وابنه يزيد ومروان بن الحكم ضمن الخلفاء الاثني عشر الذين يكون بهم الإسلام عزيزاً وعظيماً.

وبعد انقراض الحكم الأموي بدأ عصر بني العباس الأسود الذي تسبب هو الآخر في الكثير من الحروب والمجازر وسفك الدماء. وعليه لا يمكن عدّ هؤلاء العباسيين مصاديق لخلفاء الرسول الاثني عشر. ومن بين كلّ ما تقدّم انّ


1-صحيح مسلم:6/3، باب الأمارة والخلافة.
2-بحوث في الملل والنحل:6/58ـ 61.


(17)

المجموعة الوحيدة التي تشكل المصداق الحقيقي ـ باعتراف العدو والصديق ـ لهؤلاء الخلفاء الاثني عشر هم الاثنا عشر إماماً من الأئمة المعصومين للشيعة الذين ورد ذكر أسمائهم وصفاتهم وكيفية حياتهم عن لسان النبي في كتب التاريخ وفي الروايات بشكل متواتر.

ويوجد هناك كلام لأحد علماء أهل السنّة حول الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر عنهم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جدير بالالتفات إليه، ونحن نورد هنا خلاصة منه للقرّاء الأعزاء: إنّ الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أنّ مراد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال : «كلّهم من بني هاشم» في رواية عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم الآية (قُلْ لا أَسْأَلكُمْ عَليهِ أَجراً إِلاَّ الْمَوَدةَ فِي القُربى) وحديث الكساء، فلابدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند اللّه، وكان علومهم عن آبائهم متّصلاً بجدهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبالوراثة واللدنية.(1)


1-ينابيع المودة ـ للشيخ سليمان البلخي القندوزي ـ ص 446 ط استانبول، عام 1301هـ. والطبعة الجديدة ج3/292، نشر دار الأُسوة، قم ـ 1416هـ.


(18)

الوحي والمحافظة على الدين

تؤكد أحاديث الأئمة الاثني عشر على أنّ خطة الحفاظ على الدين بعد رحيل رسول اللّه هو أن يتعين خليفته من خلال تنصيصه هو عليه أو على يد خلفائه وانّ الأُمّة لا حقّ لها في انتخاب الخليفة.

لأنّه لو كان انتخابه من قبلهم لكان تحديد الاثنى عشر خليفة وحصرهم في بني هاشم منافياً لذلك الأصل الآنف الذكر. ولم تكتف الأحاديث المذكورة بذكر عدد الخلفاء وصفاتهم، بل انّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي عدة مناسبات كان يذكر أسماءهم أيضاً، وقد عيّن خليفته الأوّل في بداية دعوته ورسالته.

ويشهد على ذلك حادثتا يوم الدار(1) في السنة الثالثة من البعثة والغدير المشهورتان. وسنشير إلى سرّ ضرورة تعيين الخليفة من قبل اللّه تعالى بشكل موجز، وهو انّ الطريق الصحيح والسليم للحفاظ على الدين والاحتراز من أي اختلاف وافتراق بين الأُمّة أن يعين الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومن خلال الوحي خليفته أو خلفاءه وينص عليهم وأن لا يدع الأمر إلى أُمّته، لانّ إحالة الأمر إليهم خطأ من ناحيتين:

ذلك انّ طبيعة وطريقة حياتهم الاجتماعية ـ المتأثّرة من النظام القبلي ـ لم تكن لتسمح بأن يساهم أفراد المجتمع في الانتخابات ويختار في النهاية الشخص الأصلح بطريقة ديمقراطية وبحرية كما يقولون.

والناحية الثانية هي انّ ثالوث الأعداء كان يحدق بهذه الحكومة الفتية ويترصّدها ويتحيّن الفرصة للقضاء عليها، وفي هذه الظروف وهذا المجتمع يكون بقاء الدين واستمراره منوط بتعيين الخليفة من قبل القائد والمنظّر لهذه الثورة ولا


1-سيأتي تفصيل حادثة يوم الدار في هذا الكتاب في الصفحة 38.


(19)

يصبح ترك الأمر إلى الناس ـ الذين لم يبلغوا الكمال الاجتماعي والنضج الكافي ويسيرون ضمن إطار النظام القبلي وبأمر من شيوخ القبائل ـ عديم الفائدة ـ ولا ينتهي إلى اختيار الأصلح فقط بل سيتسبب في تفريق الأُمة وانقسامها. والآن سنتاول هذين العاملين بتفصيل أكثر:

1. طبيعة الحياة في شبه الجزيرة العربية

كانت حياة الناس في شبه الجزيرة حياة قبلية وعشائرية وفي مثل هذه البيئة لا يكون هناك أي معنى لكلمات مثل الديمقراطية والحرية واحترام رأي الإنسان. ومن الواضح انّ في مثل هذه الحياة وطبيعتها يكون الرأي الأوّل والأخير هو رأي شيخ القبيلة وسيد العشيرة، ولو كان يترأس عشيرة من ألف شخص، فهذا يعني انّ هناك واحداً وألف رأي في الظاهر، ولكن لم يكن هناك أكثر من رأي واحد في الواقع وذلك هو رأي شيخ القبيلة وسيدها، لأنّ الألف نفر يدلون برأيهم تنفيذاً لأمره دون أدنى تأمّل أو تفكير.

انّ مثل هذا الاستفتاء الشعبي وإن كان ديمقراطياً في الظاهر غير انّه ليس إلاّ حكم الشخص الواحد ذلك الشخص الأناني والمستبد برأيه الذي يريد أن يتقلد حكم العشيرة بالقوّة والحيلة أو كميراث للأسلاف، ويجب الانتباه إلى انّه كان يتواجد في المدينة وحدها بعد رحيل النبي جماعة الأنصار الذين كانوا يتشكلون من قبيلتين كبيرتين: الأوس والخزرج، شيخ الأُولى أسيد بن خضير والثانية شيخها سعد بن عبادة، ولو فرض أن ينتخب شخص لتولي الحكم لكان الأوس يتبعون رأي سيدهم والخزرج كذلك، ولكانت هذه القاعدة تصدق على جميع القبائل التي كانت تعيش في نجد والحجاز، فهل كان من الصحيح أن يترك الرسول ـ و نظراً للطبيعة الاجتماعية السائدة آنذاك ـ أمر انتخاب الخليفة إلى


(20)

الناس و في الواقع إلى أسيادهم؟ وتكون الديمقراطية الخاوية من المعنى قناعاً خادعاً وذريعة مبررة لبعض العناصر النافذين ويفرض الشخص المرغوب فيه من وجهة نظرهم نتيجة لمحاسبات عشائرية ضيقة الأُفق والنظرة ولعلاقات قبلية على الأُمّة.

يجب أن يكون خليفة رسول اللّه خير الأُمّة كمالاً وعلماً ودراية وكفاءة، ولم يكن لشيوخ القبائل وأسيادها الذين تربوا على الاستبداد وحبّ الرئاسة والسيادة أن ينتخبوا شخصاً مثل هذا.

2. الأعداء يترصدون الإسلام

عندما رحل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان هناك ثالوث نحس يهدّد كيان الإسلام، فمن جهة الشرق هناك امبراطورية الساسانيين العظيمة ـ حيث خسرو برويز الذي مزّق رسالة النبي بكلّ وقاحة ـ و من جهة الغرب امبراطورية الروم الشرقية وحلفاؤها في البلاد العربية، وأخيراً كان هناك وفي داخل شبه الجزيرة العربية المنافقون الذين لا يقلّون شأناً عن العدوين السابقين والذين كانوا يترصدون الإسلام الفتي ويتحيّنون الفرصة لاستئصاله. ففي هذه الظروف والأوضاع يكون أفضل القرارات هو أن ينتخب شخص من قبل نفس النبي يكون جديراً لهذا الأمر وقيادة الأُمّة، وبهذا ينسد باب الفرقة والاختلاف ويمنع اختراق الأعداء للعالم الإسلامي. نعم للحفاظ على كيان الإسلام الذي فتح أعداءه الثلاثة فمهم كتنين خطير يريد ابتلاعه كان يجب أن تعد خطة من قبل صاحب الشريعة يتم على أساسها تضييق رقعة الاختلاف وإعداد المجتمع ليواجه أعداءه بدل الانشغال بالنزاعات الداخلية فيقضى من اختاره الوحي على العدوين الداخلي والخارجي من خلال تعبئة القوات المتحدة.


(21)

وهنا يكون كما قال الشيخ الرئيس: والاستخلاف بالنصّ أصوب، فانّ ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف.(1)

توضح دراسة تاريخ الصحابة والتابعين ان طبيعة المجتمع آنذاك كانت طبيعة نزاعية. ومنذ ان دخل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة كان الاختلاف بين الأنصار والمهاجرين ملحوظاً فيهم، وكان يشتد في بعض الأحيان كما حدث في قضية الإفك(2)وقد بلغ الاختلاف ذروته في اجتماع سقيفة بني ساعدة، الاجتماع الذي عقده الأنصار من جانبهم بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثم التحق بهم جماعة بدافع الوقوف ضدّ قراراتهم واستلام مقاليد الخلافة والسلطة.

ونظراً إلى ما تقدّم فانّ العقل يحكم بأن ترك مصير الأُمّة إليها في تلك الظروف العصيبة والحرجة ليس من مصلحة الإسلام ولا من مصلحة أتباعه، بل انّ قرار القائد الإلهي وهو انتخاب شخص تتوفر فيه الشروط المذكورة هو الأمر الوحيد الذي يمكن من خلاله استئصال الاختلاف وإقصاء غير المؤهلين والسير بالأُمة وقيادتها تحت لواء الإمام المنصوص عليه إلى الأمام.

حياة الأئمّة المعصومين

تعرفنا فيما مضى على طريقة كتابة التاريخ التحليلي وخصوصياته، وعرفنا أحد أكبر أسباب صنع التاريخ، وأخيراً شاهدنا مخطط الوحي ومنهجه الحكيم للحفاظ على الدين وبقائه. وقد حان الآن وقت البحث حول سيرة الأئمّة المعصومين وحياتهم التي تشكل موضوع هذا الكتاب بصورة مختصرة.


1-الشفاء، الالهيات، ج2، ط ايران، ص 558و 564.
2-صحيح البخاري:5/119، باب غزوة بني المصطلق.


(22)

إنّ دراسة كتب التاريخ الإسلامي تدل على انّ سيرة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ من أهمّ المواضيع التي شغلت بال المحدثين والمؤرّخين بعد سيرة الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولو أحصينا عدد الكتب التي أُلّفت حول منذ بداية القرن الثاني حتى اليوم لوجدنا انّه ليس بالإمكان حتى درج أسمائها في كتاب واحد فضلاً عن نفس الكتب التي يحتاج جمعها إلى مكتبة ضخمة. وقد كشفت ـ لحسن الحظ ـ الفهارس الموجودة الستار عن هذه الحقيقة سواء التي أعدها الشيعة أو السنّة وفضلاً عن كتاب كشف الظنون للكاتب الجلبي (1017ـ 1067هـ) وكتاب الذريعة للعلاّمة الطهراني (1293ـ 1389هـ) وكتاب مرآة الكتب للشهيد ثقة الإسلام (المتوفّى1330هـ) والفهارس الموجودة في المكتبات العالمية فقد نجح أخيراً المحقّق المحترم عبد الجبار الرفاعي من خلال متابعاته وجهوده المتواصلة في مراجعة المصادر والفهارس الموجودة أن يؤلّف معجماً عمّا كتب عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وكانت حصيلة جهوده مجموعة من 11 مجلداً بالقطع الوزيري تحت عنوان «معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت ».

وقد تعرف فيما يتعلق بحياة الزهراء والأئمّة الاثني عشر معاً على 14206 من الكتب التي أُلفت وكتبت باللغات الفارسية والعربية والأردية واللاتينية.

ونحن نذكرها هنا بشيء من التفصيل:

1. فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ 546 كتاباً.

2. أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ 4956 كتاباً.

3. الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ 205 كتاباً.

4. الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ 3215 كتاباً.

5. الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ 399 كتاباً.

6. الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ 69 كتاباً.


(23)

7. الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ 331 كتاباً.

8. الإمام الكاظم ـ عليه السَّلام ـ 211 كتاباً.

9. الإمام الرضا ـ ـ عليه السَّلام ـ ـ 651 كتاباً.

10. الإمام الجواد ـ عليه السَّلام ـ 62 كتاباً.

11. الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ 79 كتاباً.

12. الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ 66 كتاباً.

13. الإمام صاحب الزمان ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ 1145 كتاباً.

14. أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ 2271.

فيكون المجموع 14206 كتاباً. هذا وقد ذكر انّ عدد الكتب التي أُلفت حول سيرة الرسول وتاريخه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد بلغ 11427 كتاباً.

وقد يتصور انّه مع كلّ هذا الكم الهائل ممّا كتب فما الحاجة إذن إلى تأليف كتب أُخرى حول سيرتهم؟

ويجب أن نؤكد بأنّ حياة الأئمّة والأولياء الإلهيين شأنها شأن عالم الطبيعة فيها جوانب عديدة مهما اكتشفت وكتب عنها، فستظل هناك جوانب مجهولة تحتاج لمن يكتشفها ويميط لثام الغموض عنها.

وفضلاً عن ذلك انّ أكثر ما كتب حول الأئمّة فهو ينحصر في تجميع فضائلهم ومناقبهم ومعجزاتهم وبالتالي في نقل أحداث حياتهم بصورة جافة بعيدة كلّ البعد عن التحليل، ثمّ إنّ الكتب التحليلية التي يمكن أن تلبّي رغبات الباحثين والمحقّقين المعاصرين قليلة جداً، وانّ بعضاً منها لا يتمتع من ناحية طريقة كتابتها وبيانها بالمستوى المطلوب. هذا و من المؤكد انّه قد أُلّف


(24)

وكتب عن بعض الأئمّة مثل أمير المؤمنين وسيد الشهداء الحسين بن علي باللغة العربية ـ و ربما الفارسية ـ بما فيه الكفاية غير انّ هناك فراغاً كبيراً للكتب التحليلية العميقة والجامعة فيما يتعلق ببقية الأئمّة وحياتهم ويجب ـ للأسف ـ الاعتراف بهذه الحقيقة المرة، وهي انّه ليس الناس العاديون هم الذين يجهلون حياة الإمام الجواد أو الإمام الهادي أو الإمام العسكري ـ عليهم السَّلام ـ السياسية والأخلاقية والعلمية فقط، بل انّ أغلب الخطباء والكتّاب يفتقدون المعرفة الكافية بهم أيضاً. ويجب أن يهتم الكتّاب بهذا الأمر أكثر في العصر الحاضر الذي يطلب فيه الجيل الشاب معرفة أوسع بحياة الأئمة السياسية والأخلاقية والاجتماعية، وذلك لأنّ ما يهمنا من تاريخ الرسول والأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ ليس هو معرفة نفس حياتهم وسلوكهم بل معرفة نوع الحياة وكيفية سلوكهم الاجتماعي ومواقفهم السياسية والاجتماعية وطبيعة نشاطاتهم الثقافية، فإنّا عند ما نشاهد ومنذ القرون الأُولى من ظهور الإسلام انّ العلماء والمؤرخين المسلمين يكتبون حول حياة نبي الإسلام تحت عنوان سيرة النبي فذلك يكمن فيما ذكرناه.

ذلك انّ ما يفيدنا ويكون لنا مثالاً نقتدي به من حياة الرسول ودعوته ليس هو نفس حياته وتحركه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بل نوع دعوته وتحركه وطريقة دعوته وكيفية مواجهته لأعداء الإسلام، انّ كلمة السيرة تعني في اللغة الحركة والمشي ومأخوذة من السير وبمعنى طريقة المشي أيضاً كما في الجلوس والجلسة فانّ الأُولى بمعنى القعود والثانية بمعنى كيفية الجلوس ونوعه. هذا أوّلاً.

وثانياً: انّ نوع الحياة التي كانوا يعيشونها وكيفية مواقفهم السياسية ـ الاجتماعية يكون واضحاً أكثر عند ما نلم بظروفهم الاجتماعية والسياسية والثقافية الخاصة التي كانوا يعيشون فيها، و ذلك انّنا نعرف بأنّ الأئمة الأطهار كانوا يقيمون طريقة حياتهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية وطبيعة نضالهم على أساس


(25)

من المحاسبات الدقيقة للظروف والأوضاع السائدة في عصرهم وتقييم الإمكانات والمقتضيات والموانع وتناسباً مع نوع المواجهة مع أعداء الإسلام. وعليه ما دمنا لم نتعرف على الأوضاع والظروف الخاصة التي كانوا يعيشون فيها آنذاك، فلن يكون لسيرة الأئمّة وحياتهم أي مفهوم ومعنى دقيق وواقعي. ولربما نجد من خلال مطالعة تاريخهم مواقف متناقضة لهم، لأنّنا نرى أنّ البعض منهم يصالح العدو، والآخر يقاتل حتى النفس الأخير، وثالثاً يؤسّس جامعة ضخمة، والآخر يقوم بنشاط ثقافي محدود، وخامساً يرفض اقتراح الخلافة عليه، وآخر يقبل باقتراح ولاية العهد و... ولكن عندما نتعرف على طبيعة ظروفهم السائدة في حياة كلّ واحد منهم تغدو مواقفهم المتضادة ذات معنى، ونفهم انّه لم يكن هناك أي تناقض بين مبادئهم ومواقفهم في الواقع وانّهم يتبعون هدفاً واحداً غير انّ طبيعة تحرك كلّ واحد منهم للوصول إلى الهدف المطلوب تختلف حسب المقتضيات الزمنية وظروفها.

إنّ أئمّتنا كانوا يؤكدون كثيراً على عامل الزمن ومعرفته ـ باعتباره أمراً حيوياً ـ فقد قال نبي الإسلام : «رحم اللّه من حفظ لسانه، وعرف زمانه، واستقامت طريقته».(1)

وضمن حديث طويل قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :« ... والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»(2)وحينئذ كيف كان هو يجهل هذه القاعدة الحيوية في مواجهة أحداث عصره؟!

يتناول هذا الكتاب الذي بين يديك ـ وهو حصيلة سنوات من البحث لكاتب قدير وصبور، وفي الوقت ذاته عميق ودقيق ـ سيرة الأئمّة الشيعة الأطهار وحياتهم بالتحليل والعرض في ضوء النقاط الهامة المذكورة آنفاً.


1-نهج الفصاحة:1، حرف الراء.
2-أُصول الكافي:1/26.


(26)

تقوم خطة البحث العامة في هذا الكتاب على أساس تقسيم مراحل إمامتهم ـ عليهم السَّلام ـ بعد رحلة رسول اللّه وحتى رحيل الإمام العسكري 260 هـ إلى أربعة مراحل:

1. المرحلة الأُولى هي مرحلة المداراة والمسالمة المصلحية للإمام مع الجهاز الحاكم آنذاك، وتشمل هذه المرحلة فترة الخمسة والعشرين عاماً التي تفصل بين رحيل النبي الأكرم وخلافة أمير المؤمنين.

2. والثانية هي مرحلة تقلد السلطة للإمام وقد استغرقت هذه المرحلة فترة أربع سنوات وتسعة أشهر من خلافة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وبضعة شهور من خلافة الإمام الحسن ـ عليه السَّلام ـ .

3. المرحلة الثالثة هي مرحلة المحاولات البنّاءة القصيرة زمنياً للقضاء على الحكم الظالم وتشكيل الحكم الإسلامي العادل. وتشمل هذه المرحلة فترة العشرين عاماً الواقعة بين صلح الحسن ـ عليه السَّلام ـ ـ عام 41هـ ـ واستشهاد الحسين ـ عليه السَّلام ـ ـ عام 61هــ . فبعد انعقاد الهدنة الاضطراري بين الإمام المجتبى ومعاوية ـ وهو الذي سمّي صلحاً ـ راحت نشاطات الشبه سرية للشيعة تبدأ وكانت ترمي إلى الوصول إلى هدفها الأخير وهو إرجاع الخلافة إلى أهل البيت في الفرصة المناسبة.

4. المرحلة الرابعة هي مرحلة مواصلة النشاطات الشبه سرية للشيعة تحت اشراف الأئمّة وقيادتهم ضمن خطة طويلة الأمد و يمكن تلخيص خصوصيات هذه المرحلة:

ألف: يأس الأئمّة من نجاح الكفاح العسكري.

ب: بذل الجهود البنّاءة على أمل إيجاد الحكم الإسلامي الربّاني وتقلّد السلطة من قبل الأئمّة في المدى البعيد.

ج: التمهيد لذلك من خلال النشاطات الثقافية وتربية الكوادر الإنسانية


(27)

المطلوبة.

د: نشر الفكر الإسلامي الأصيل والكشف عن الانحرافات والبدع.

وقد حاول الكاتب والباحث القدير حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ مهدي البيشوائي في كتابه القيم هذا وبذل قصارى جهده أن يقدّم حول حياة كلّواحد من الأئمّة عرضاً عاماً عن الجو السياسي والاجتماعي والثقافي الذي أحاط بهم في ضوء الوثائق التاريخية بصورة واضحة، ثمّ بعد ذلك يقدم الخطوط الرئيسية وأكبر نشاطاتهم الإصلاحية التي تتناسب مع ظروفهم تلك.

وبهذه النظرة يضع المؤلف كلّ جانب من جوانب حياة أُولئك الكرام ـ عليهم السَّلام ـ كالجانب السياسي والنضالي والجانب الاجتماعي والجانب الثقافي والجانب الروحي والإعجازي و... في موضعه المناسب وقد أثبت أنّ أنسب الأساليب ـ بل هو لا غير ـ هو ما اختار الإمام وسار على ضوئه.

إنّ الكتاب الذي بين يديك وهو حصيلة سنين طويلة من البحث والتأليف للمؤلف المحترم ونظراً إلى كيفية عرض وتقديم الأبحاث وطريقة الكتابة والاعتماد على المصادر و... يعد من بين أقرانه شيئاً جديداً، ونأمل أن يلبي رغبة من يشتاق إلى قراءة حياة الأئمّة وسيرتهم. وأنا بدوري أشكر الشيخ البيشوائي الذي عرف بين كتّاب الحوزة العلمية في قم بالعمق والمتابعة والصبر في البحث لما قدمه من خدمة ثقافية عظيمة، وأسأل اللّه تعالى أن يوفقه أكثر في سبيل خدمة أهل البيت الأطهار ـ عليهم السَّلام ـ .

جعفر السبحاني

قم ـ الحوزة العلمية ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

24/11/1372هـ.ش ـ المصادف2/رمضان/1414هـ


(28)

Website Security Test