welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

السيرة المحمّدية
دراسة تحليليَّة للسيرة المحمّدية
على ضوء الكتاب والسُّنّة
والتاريخ الصحيح

الاَُستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

اعداد واقتباس:تعريب

الدكتور يوسف جعفر سعادةالشيخ جعفر الهادي


(5)

مقدمة الموَلّف

بسم الله الرحمن الرحيم


إنّ أعظم صفحات التاريخ قيمة، هي تلك التي تعكس لنا حياة العظماء، وسيرةالرجال الخالدين، والتي تبحث عنهم بصدق وأمانة وموضوعية، ذلك إنّهم معجزة الخليقة بلا ريب، وحياتهم في الحقيقة ملحمة التاريخ الكبرى، وساحة البطولات الخالدة، ومسرح الحماسات العظمى الحيَّة النابضة على مر العصور.

لقد كان أُولئك العظماء يعيشون على خط الثوارات و التغييرات الاجتماعية، تجد مصداقيّتها في حياتهم، وتتجسّد في مواقفهم،ولهذا كانوا يشكّلون حلقة الاتّصال بين مظاهرالدنيا المختلفة المتناقضة، فكانت حياتهم الحافلة بالاَحداث، شاهدةً للاَلوان والمشاهد المثيرة المتنوعة.

ويأتي على رأس أُولئك الرجال التاريخيين والعظماء الخالدين، رسولُ الاِسلام العظيم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ أنّه لم تتسم حياة أحد ـ من حيث وفرة الاَحداث وعظمة الاَمواج ـ كما اتّسمت حياته«صلى الله عليه وآله وسلم» ، ولا اتّصفت شخصيةً بمثل ما اتّصف به ذلك النبيُّ العظيم. فلم يستطع أحدٌ سواه، أن يوَثّر في بيئته،ثمّ في جميع أنحاء العالم، وينفذ إلى أعماق الاَعماق بمثل السرعة والسعة التي حصلت له (صلى الله عليه وآله وسلم) .

إنّمطالعة عميقة لسيرة وحياة هذا الاِنسان العظيم، قادرة على أن تعلمنا الكثيرَ الكثيرَ، وأن توقفنا على مشاهد متنوعة في غاية النفع ومنتهى الفائدة.

وقد أُلّفت حول حياة رسول الاِسلام كتبٌ ورسائل ودراسات كثيرةٌ، بحيث


(6)

لو أُتيح لنا أن نجمعها في مكان واحد، لشكّلت مكتبةً ضخمة وعظيمة.

ويمكن القول بأنّه ليس ثمّة من عظيم استقطب اهتمام التاريخ والموَرّخين والمفكّرين، كما أنّه ليس ثمّة شخصيةً عالمية كتب حولَها الموَلّفون والباحثون، هذا القدرَ الهائلَ من الموَلّفات والمصنّفات والرسائل والكتب، مثل ما حصل للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

إلاّ أنّ أكثر هذه الكتب والموَلّفات تعاني من أحد إشكالين:

إمّا أنّه جاء على نَسَق التسجيل المجرّد للحوادث، أو النصوص التاريخية دون أن يقوم موَلّفُه بتحليلها ودراسة خلفيّاتها ونتائجها وإصدار الحكم اللازم بشأنها.

أو عَمَدَ إلى طائفة من الآراء الحدسية والاجتهادات الباطلة العارية عن الدليل، وإثباتها في موَلّفه على أنّها الحكمُ الحقّ، وخلط هذه الاَحكام مع الاَحداث، ليخرج كتابه إلى الجمهور المتعطّش إلى تاريخ الاِسلام، على أنّه التاريخ المحقَّق.

ويمكن الردُّ على هوَلاء، بأنّ الهدف من التاريخ ليس مجرّد تسجيل للحوادث وضبطها وتدوينها، بل هو تناول أحداثه من المصادر الصحيحة الموثوق بها، وإبراز عللها، وأسبابها وثمارها ونتائجها، وهو بهذا الشكل يصبح أعظم كنز تركه الاَقدمون لنا.

لقد تجنّب أكثر كُتّاب السيرة النبوية عن إظهار الرأي في الحوادث، أو القيام بأيّ تحليل للوقائع، بحجّة الحفاظ على أُصول الحوادث ونصوصها، بل إنّ أكثر الحوادث التاريخية في العصر الاِسلامي أُدرجت في الكتب من دون دراسة موضوعية وتقييم دقيق.

أمّا هذا الكتاب فإنّه يتميّز بميزتين هامتين:

أوّلها: إنّنا عمدنا فيه إلى تناول الحوادث والوقائع المهمة، ذات الفائدة


(7)

الكبرى والعبر ، بالبحث والتحليل مع إبعاد الاَحداث الجزئية الصغرى، و قد اتّخذنا تلك الاَحداث من المصادر الاَصلية و الاَوّلية التي دوّنت في القرون الاِسلامية المشرقة الاَُولى.

وثانيتهما: إنّنا أشرنا خلال الدراسة، إلى الاعتراضات والاِشكالات، وإلى مواطن الاِساءة التي قدّمها المستشرقون المغرضون، وتناولناها بالاِجابة على كلّ تلك الانتقادات غير الصحيحة بأجوبة مقنعة وقاطعة.

ولهذا بادرنا إلى ذكر رأى الموَلّفين الشيعة في المسائل التي اختلف عليها موَرّخو السنّة والشيعة، مع ذكر المصادر والشواهد التاريخية الواضحة المبرهنة.

وإنّنا إذ نقدّم هذه الدراسة التحليلية لشخصية وحياة خاتم الاَنبياء محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى القرّاء الكرام، نأمل أن يهتم بها عامّةُالمسلمين وخاصةً المثقفون والشباب منهم، ليتناولوا هذه السيرة العطرة بالمطالعة المتأنيَّة و التأمّل والتدبّر، حتى يمكنهم أن يرسموا خريطة حياتهم وحياة مجتمعهم في ضوء ما يستلهمونه ويتعلَّمونه من سيرة وحياة رسول الاِسلام«صلى الله عليه وآله وسلم» في هذه الحقبة البالغة الخطورة.

واللّه وليُّ التوفيق

جعفر السبحاني

قم المقدّسة ـ موَسّسة الاِمام الصادق (عليه السلام)

الاَربعاء 27 محرم 1420هـ


12|5|1999م


(8)



(9)

مقدمة الملخّص

كان لي الشرف العظيم والافتخار أن أتقابل مع الاَُستاذ المحقّق و العلاّمة الشيخ جعفر السبحاني في مكتبه بقم المقدسة، حينما جمعتني به الظروفُ والصّدفُالحسنة الطيبة والمباركة، أدام اللّه ظلّه وأطال في عمره الشريف، فقد كنتُ في قم المقدّسة بهدف تقييم كتابي:«أهل البيت «عليهم السلام» وآثارهم في المجتمع الاِنساني» الّذي كان يستدعي أن أعرضه على عدد من علمائنا الاَفاضل ـ أطال اللّه في أعمارهم وجعلهم أنواراً في الاَرض ـ ليقدّموا ما لديهم من مقترحات حول ما جاء فيه من أفكار وآراء قد لا تتناسب مع جزئيات الدين أو المذهب أو المعتقدات الخاصة بالمسلمين عامة و الشيعة خاصة.

وكان الشيخُ الفاضل ممن أُوصيت بالاتّصال به للمساعدة في هذا الجانب، فتشرَّفت بلقائه وتقبّل ما عرضت عليه، فله الشكرُ و التقديرُ والاحترام، إلاّ أنّه في نفس الوقت تقدّم هو الآخر بعرضٍ مماثل، وهو أن أقوم بتلخيص كتابه الكبير : «سيد المرسلين» الذي يتناول فيه سيرة الرسول الكريم محمّد «صلى الله عليه وآله وسلم» ، وذلك ليسهل تداوله في الاَيدي، فيطّلع عليه شبابنا المثقّف في هذا الزمن الذي امتنع فيه عن قراءة الكتب المطوّلة ذات الاَجزاء المتعدّدة، بل بالكاد يطلع على أقلّ الكتب صفحات وموضوعات وأفكار. وكان عرضه في الحقيقة شرفاً كبيراً لي، وتقديراً منه لي أيضاً، في الوقت الذي اندهشت لعرضه، إذ انّني في كتابي« أهل البيت» تناولت ما يتعلّق من أحداث عن الاَئمّة الاثني عشر «عليهم السلام» وأولادهم وأحفادهم، دون التعرّض للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والسيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) إلاّ نادراً، فأصبح هذا الكتاب وكأنّه يكمل


(10)

ولا شكّ ما جاء من وقائع وأحداث في كتابي أهل البيت «عليهم السلام» .

وقد نهج الكاتب العظيم في تأليفه، بأن قسمّ كتابه إلى جزءين: تناول في الاَوّل منهما أحداث الاِسلام والمسلمين في مكة إلى زمن الهجرة إلى يثرب. وفي الجزء الثاني، قدم شرحاً مفصلاً لاَحداث المدينة المنورة سنةً بعد سنةً، إلاّ أنّه لم يتخذ منهج التنظيم، شكلَ الاَبواب والفصول، بل نهج في تنظيمه بالاَعداد والاَرقام.

ولما كنت أميل نحو تنظيم الكتب في موَلفاتي إلى الاَقسام والاَبواب والفصول، فإنّي قمت بتقسيمه أوّلاً إلى قسمين: اختص الاَوّل بأحداث مكّة المكرّمة.

والثاني: ارتبط بوقائع ومجريات الاَُمور في المدينة المنورة.

ثمّ إنّ كلّ قسم اتّخذ عدة فصول بحسب الاَحداث و الوقائع وأهميتها. كما أنّي أضفت عدّة فقرات كانت بحاجة إلى تفسير بعض الاَحداث أو المواقع أو الشخصيات. ثمّ أعددت قائمة منظمة للمراجع والمصادر التي استفاد منها الموَلّف كما أعددت فصلاً خاصاً تناولت فيه ما جاء من قصص وروايات في كتاب العلاّمة الشيخ تثري المعلومات المقدمة.

وأرجو من اللّه العلي القدير أن يكون قد وفّقني في عملي المتواضع هذا، وأن يتقبّله الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأهل بيته الكرام، فيكون شفيعاً لي ولاَهلي يوم القيامة، وأن يُرضِيَ به أُستاذنا وشيخنا المحقّق العلاّمة جعفر السبحاني، أطال اللّه عمره بالصحّة الموفورة، ووفّقه لما فيه الخير والمصلحة للاِسلام والمسلمين.

د|يوسف جعفر سعادة

الكويت

21 ربيع الاَوّل1420هـ

4|7 (يوليو)|1999م


(11)

القسم الاول

مكّة المكرمة


و فيه فصول:


1. العرب قبل الاِسلام

2. الرسول الاَكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

3. البعثة النبوية

4. مواجهة المسلمين للكفّار



(12)



(13)

الفصل الاَوّل


العرب قبل الاِسلام


الاَحوال الداخلية في شبه الجزيرة العربية

الاَحوال السياسية في المنطقة المجاورة

التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)




(14)



(15)


1. الاَحوال في جزيرة العرب


لم تكن القبائل العربية الجاهلية المتناحرة، تعيش أيّة حضارة، ولم تكن تمتلك أيّة تعاليم وقوانين وأنظمة وآداب قبل مجيء الاِسلام، فقد كانت محرومةً من جميع المقوّمات الاجتماعية التي توجب التقدّمَ والرقي، ولذا فلم يكن من المتوقع أن تصل إلى تلك الذرى الرفيعة من المجد والعظمة، ولا أن تنتقل من نمط الحياة القبلية الضيقة إلى عالم الاِنسانية الواسع و أُفق الحضارة الرحيب، بمثل هذه السرعة التي وصلت إليه، والزمن القصير الذي انتقلت فيه.

ويمكننا أن نقف على وصف دقيق لحالة العرب قبل الاِسلام، من خلال مصدرين إسلاميين أساسيّين، وهما:

1. القرآن الكريم، وهو خير مرآة تعكس أحوال العرب وأوضاعهم بالدقّة والشمولية.

2. ما صدر عن الاِمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة في وصف الحالة قبل الاِسلام.

فقد ورد فيهما تصريحاتٌ ونصوصٌ صريحة تكشف عمّا كان عليه العرب في الجاهلية من سوء أحوال، وأوضاع، وأخلاق في جميع الاَبعاد والاَصعدة.


(16)

وبالرغم من أنّ العرب من ولد عدنان قد اتّصفوا بصفات حسنة، إذ كانوا يكرمون الضيف، وقلّما يخونون الاَمانة، ويضحّون في سبيل المعتقد، ويتحلّون بالصراحة الكاملة، إضافة إلى براعتهم في فن الشعر والخطابة، وكونهم يضربُ بهم المثل في الشجاعة والجرأة، إلاّ أنّهم إلى جانب كلّذلك، كانوا يعانون من مفاسد أخلاقية تطغى على ما لديهم من كمال وفضيلة.

فالمجتمع العربي وخاصة منطقة الحجاز لم تقم فيها حضارة،أو أنّه لم يبق أي أثر من هذه الحضارات فيها إلى ما قبل بزوغ الاِسلام، وقد شاعت فيه أخلاق وعادات كان أبرزها:

ـ الشرك في العبادة، حيث عبدوا الاَصنام والاَوثان والنجوم.

ـ إنكار المعاد، أي عودة الاِنسان إلى الحياة في العالم الآخر.

ـ هيمنة الخرافات، التي كانت تكبّل عقول الناس في المجتمع، حيث تركزت فيها، فكانت سبباً قوياً في تخلّفهم، وسداً منيعاً في طريق تقدّم الدعوة الاِسلامية، فيما بعد، ممّا جعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل بكلّ طاقاته وجهده في محو وإزالة تلك الآثار الجاهلية، والاَفكار والمعتقدات الخرافية.

ـ الفساد الاَخلاقي، مثل انتشار القمار ـ الميسر ـ والخمر و الزنا واللواط والبغاء.

ـ وأد البنات، وهي العادة القبيحة التي اعتبرها القرآن الكريم جريمة نكراء لا تمر في الآخرة بدون حساب شديد.

ولذا فإنّ المرأة كانت محرومة من جميع الحقوق الاجتماعية حتى حقّ الاِرث، كما عدّها المثقفون من الحيوانات تباع وتشترى، وجزء من أثاث البيت.


(17)

وكان الرجل يتزوج بزوجة أبيه متى طلقها أو بعد وفاته، و ربما تناوب الاَبناء على امرأة أبيهم واحد بعد واحد، كما كان الرجل يرث امرأة من قرابته إذا مات عنها، مثلما يرث أمتعة المنزل، إضافة إلى أنّهم كانوا يورثون البنين دون البنات.

ـ تناول الدم والميتة والخنزير، وأكل الحيوانات التي يقتلونها بقسوة.

ـ النسيء، وهو تأخير الاَشهر الحرم، كان يقوم به سدنة الكعبة أو روَساء العرب، عندما كانوا يقررون استمرار الحرب و الغارات في الاَشهر الحُرم.

ـ الربا، الذي شكّل العمود الفقرى في اقتصادهم.

ـ النهب والسلب، فقد كان انتهاب ما في أيدي الناس، والاِغارة والقتال، من العادات المستحكمة عندهم، حتى إنّ بعض حروبهم كانت تمتدّ إلى مائة سنة أو أكثر، حيث كانت الاَجيال تتوارث تلك الحروب، وقد بلغ ولعهم بالقتال وسفك الدماء أن جعلوها من مفاخر الرجال.

ـ أمّا عن الجانب العلمي والثقافي، فإنّ أهل الحجاز وُصِفوا بالاَُمّيين، فلم يتجاوز عددُ الّذين عرفوا القراءة والكتابة في قريش ما قبل الاِسلام عن(17) شخصاً في مكة ، و (11) نفراً في المدينة المنورة.

ومن ذلك يمكن القول أنّ تاريخ العرب قبل الاِسلام وبعده،تاريخان على طرَفي نقيض: الاَوّل جاهلي ووثني وإجراميّ، والثاني تاريخ علم ووحدانية وإنسانية وإيمان.

ومن التخلّف والانحطاط في الاَوّل، يمكن معرفة مدى تأثير الاِسلام وعظمة التعاليم الاِسلامية في جميع المجالات والحقول المعيشية. فكيف تحقق


(18)

ذلك التطور العظيم لهوَلاء العرب الجاهليّين في الجزيرة العربية، في حين لم يستطع عربُ اليمن الذين امتلكوا الشيء الكثير من الثقافة والحضارة، وعاشوا حياة حضارية متطورة، أن يصلوا إلى هذه النهضة الشاملة، أو تقيم مثل هذه الحضارة العريضة، أو عرب الغساسنة الذين جاوروا بلاد الشام المتحضّرة، والذين عاشوا تحت ظلّ حضارة الروم، أن يصلوا إلى تلك الدرجة من الثقافة، أو عرب الحيرة الذين عاشوا تحت ظل إمبراطورية الفرس أن ينالوا مثل ذلك الرقيّ والتقدّم، في الوقت الذي تمكّن فيه عرب الحجاز من تحقيق تلك النهضة الجبارة، وورثوا الحضارة الاِسلامية العظمى، في حين لم يكن لهم عهدٌ بأيّ تاريخ حضاريّ مشرق، بل كانوا يرزحون تحت أغلال الاَوهام والخرافات والاَساطير والعادات السيّئة.

وخيرُمن يوضّح تلك الاَوضاع والاَحوال، هو الاِمام علي (عليه السلام) في الخطبة الثانية من «نهج البلاغة»:

« والناسُ في فِتَن انجذم(1)فيها حبلُ الدين، وتزعزعت سواري(2)اليقين، واختلف النجرُ (3) و تشتُّت الاَمرُ، وضاق المخرجُ،وعمي المصدرُ، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرحمن ونُصر الشيطان، وخُذِلَ الاِيمانُ فانهارت دعائمهُ، وتنكّرت معالمُه،ودرست (4)سبلُه،وعفت شركه(5) ... فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون في خير دارٍ وشرِّ جيرانٍ، نومُهم سُهود، وكُحلهم دموع، بأرض عالمها مُلجَم وجاهلها مُكرَم».


1. إنقطع.
2. الدعائم.
3. الاَصل.
4. ِنطمست.
5. الطرق.

(19)

وفي الخطبة 26 قال (عليه السلام) :

«إنّاللّه بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) نذيراً للعالمين وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار منيخون(1) بين حجارة خُشن(2)هث، وحيّات صُمّّ(3) تشربون الكَدر، وتأكلون الجشِب(4) وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الاَصنام فيكم منصوبةٌ، والآثام بكم معصوبة (5).

و قال (عليه السلام) في الخطبة 95:

«بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والناس ضُلاّل في حيرة، وحاطبون في فتنةٍ،قد استهوتهم الاَهواءُ،واستزلّتهم الكبرياءُ، واستخفّتهم(6)الجاهلية الجهلاءُ، حَيارى في زلزالٍ من الاَمر، وبلاءٍ من الجَهل، فبالَغَ (صلى الله عليه وآله وسلم) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحَسَنة».

وأيضاً في الخطبة151: قال (عليه السلام) :

«أضاءت به (صلى الله عليه وآله وسلم) البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية، والناس يستحلون الحريمَ،ويستذلون الحكيمَ، يحيون على فترة(7) ويموتون على كفرة».

وقد أكد تلك الاَحوال والحياة، أيضاً، جعفرُبن أبي طالب، عندما خطب أمام


1. مقيمون
2. جمع خشناء من الخشونة.
3. التي لا تسمع لعدم إنزجارها بالاَصوات.
4. لطعام الغليظ.
5. مشدودة
6. طيّشتهم.
7. على خلوّ من الشرائع.

(20)

النجاشي في الحبشة، يشرح أحوال المسلمين والمشركين، فقال:

«أيّها الملك، كُنّا قوماً أهل جاهلية نعبدُ الاَصنام، ونأكلُ الميتة،ونأتي الفواحش،ونقطعُ الاَرحام،ونسيء الجوار، ويأكلُ القويُّمنّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث اللّه إلينا رسولاً منّا نعرف نَسَبَه وصدقَه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحّده ونعبده،ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباوَنا من دونه من الحجارة والاَوثان،وأمرَنا بصدق الحديث،وأداء الاَمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار،والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذف المحصَنات. وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام».(1)

2. الاَحوال السياسية في المنطقة

لقد جاروت البيئة الّتي ظهر فيها الاِسلام أعظم امبراطوريتين في ذلك الوقت هما: إمبراطوريةالروم والفرس، وهذا ممّا يجعلنا ندرس أحوالهما لنقف على قيمة الحضارة التي قدّمها الاِسلام.

فامبراطورية الروم تميّزت الاَحوال فيها بالحروب الداخلية والخارجية، وخاصّة في صراعها مع دولة فارس، كما كان للمنازعات الطائفية والمذهبية نصيبها في توسيع رقعة الاختلاف فيها، كالحرب بين المسيحيين والوثنيين، حينما مارس رجال الكنيسة أشدّ أنواع الضغط والاضطهاد بحقّ الآخرين، الاَمر الذي ساعد على إيجاد أقلية ناقمة، كما ساعد على ظهور حالة مهدت لتقبّل الشعب الروماني للدعوة الاِسلامية فيما بعد. هذا مضافاً إلى أنّ اختلاف رجال الدين فيما


1. السيرة النبوية 1| 335 والحديث عن أُمّسلمة.

(21)

بينهم، وتعدّد المذاهب من جهة، عملا على التقليل من هيبة الاِمبراطورية واتجاهها نحو الضعف و الانحلال. وقد أدّى كلّ ذلك إلى انقسام الاِمبراطورية الرومانية إلى قسمين: شرقي و غربي. وقد استغل اليهود ذلك الضعف و الانهيار الداخلي فخطّطوا لاِسقاط النظام، ممّا جرّ إلى ازدياد جرائم المذابح الانتقامية بين الطرفين، ولم تهدأ الاَحوال إلاّ بعد ظهور الاِسلام وانتشاره في تلك الجهات.

أمّا إمبراطورية فارس، فقد سيطرت على معظم مناطق العالم بالاشتراك مع إمبراطورية الروم، وتميّزت الفترة بالنزاع الدائم بين إيران الساسانية والروم للسيطرة على مناطق نفوذ جديدة، فقد بدأت الحروب بينهما منذ عهد «أنوشيروان» (531ـ589م) حتى زمن «خسرو برويز» لمدة 24 عاماً، ممّاأضعف الدولتين.

وقد اشتهر «برويز» بالميل نحو الترف وحياة البذخ، حتى بلغت أعداد نسائه وجواريه الآلاف منهن، كما كان أرغب الناس في جمع الاَموال والجواهر والاَواني.

وفي الجانب الاجتماعي، ظهر التمييز بين الطبقات، فالنبلاء والكهنة كانوا على رأسها تملكوا المناصب الاجتماعية العليا، بينما حرم الكسبة والمزارعون وبقية أبناء الشعب من كافة الحقوق الاجتماعية، سوى دفعهم للضرائب الثقيلة والمشاركة في الحروب. وقد أدّى هذا الوضع المتردّي إلى أن تمتلك أقلية صغيرة كلّ شيء وهي نسبة (5|11%) من مجموع الشعب، بينما حرم أكثر من (89%) من حقّ الحياة تماماً. كما أنّ الاَغنياء فقط هم الذين تلقّوا التعليم، بينما حُرِمَ الباقون منه، واتخذ الحكّام الساسانيون سياسةالخشونة القاسية مع الناس، وأخضعوهم بالسيف والعنف، وفرضوا الضرائب الثقيلة، ممّا جعل الشعب غير راضٍ على حكمهم وسيرتهم، الاَمر الذي جعل الصراع والتنافس يدب بين الاَمراء والاَعيان


(22)

وقادة الجيش، فاختار كلّ فريق أميراً من أبناء العائلة المالكة، وتفرغ لتصفية الطوائف الاَُخرى، ممّا أصبح كلّذلك أسباباً قويّة لضعف الدولة وانقسامها وانحلالها أيّام الفتح الاِسلامي.

على أنّ الفساد الذي ظهر في أوساط رجال الدين الزرادشت،وتطرّق الخرافات والاَساطير إلى المعتقدات الزرادشتية، تسبب في حدوث مزيد من التشتّت والاختلاف في آراء الشعب الاِيراني وعقيدته، ممّا أفقده الثقة والاِيمان بتلك المعتقدات.

وقد أدّى تردّي الاَوضاع الاجتماعية، والصراع الطويل بين فارس والروم في خلال عشرين عاماً، إلى عقد الصلح بينهما على أساس أن يدفع الروم إلى فارس ما يعادل (20 ألف دينار)، إلاّ أنّ الروم عادوا إلى الحرب والمعارك الطاحنة مرّة أُخرى لفترة سبع سنوات، تمكن فيها الملك الفارسي خسرو برويز في 614م من الاستيلاء على بلاد الشام وفلسطين وأفريقية، ونهب أورشليم، وحرق كنيسة القيامة ومزار السيد المسيح (عليه السلام) ، وقتل 90 ألف نصراني. وقد حدث ذلك في زمن بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد حزن المسلمون على هزيمة الرّوم الّذين كانوا أصحاب كتاب، و لم يتخذ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» موقفاً خاصّاً اتّجاه هذه الاَحداث حتى نزل الوحي عليه مبشّراً بانتصار الروم في المستقبل القريب، وقد تحقّقت هذه البشارة في سنة 627 م.(1) وقد وضع الجيش الاِسلامي بحملاته الناجحة، حداً لتلك الاَوضاع المضطربة، ونهايةً لذلك الصراع السياسي الدامي الذي استمر خمسين عاماً، وفسح المجال لاَن يختار الشعبُ الفارسي دينه ومعتقداته بحرية في منأى عن القهر والقسر.


1. راجع سورة الروم:1 ـ 6.


(23)

3. التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان من الواجب التحدّث عن أحوال أجداد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لما كان لهم من نصيب هام في تاريخ العرب والمسلمين . ولما كان نسب النبيُ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتهي إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» فإنّه من المستحب أن نتناول أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعرض والدراسة بدءاً منه (عليه السلام) .

1. النبي إبراهيم (عليه السلام) هو بطل التوحيد، جاهد في سبيل إرساء قواعد التوحيد، واقتلاع جذور الوثنية. ولد في بابل ـ التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع ـ التي حكمها «نمرود بن كنعان» الذي أمر الناس بعبادته إضافة إلى عبادة الاَصنام، ولمّا ذكر له أنّ عرشه سينهار على يد رجل يولد في بيئته، أمر بعزل الرجال عن النساء، في نفس الليلة التي انعقدت فيها نطفة النبي إبراهيم «عليه السلام» ، وهي الليلة التي تكهَّن بها المنجمون والكهنة من أنصار نمرود، ممّا دفع جلاوزته إلى قتل كلّ وليد ذكر. وقد حملت به أُمّه ـ أُمّ إبراهيم ـ مثلما حملت أُمّ موسى (عليه السلام) به، فأمضت فترة حملها في خفاء وتستر، ثمّ وضعته في غار بجبل قريب من المدينة للحفاظ عليه، وقضى في هذا الغار فترة ثلاث عشرة سنة، ثمّ انخرط في المجتمع الذي استغرب وجوده فأنكروه. ورأى في مجتمعه ظواهر التعبد لغير اللّه، من نجوم وكواكب وأصنام وعبادة الاِنسان، ممّا دعاه إلى أن يحارب في هذه الجبهات، التي أوضحها القرآن الكريم في سوره وآياته الشريفة. وقد بدأ عمَلَه بمكافحة ما كان عليه أقرباوَه، وعلى رأسهم عمه آزر، وهو عبادة الاَصنام والاَوثان، ثمّ اتَّجه إلى جبهة أُخرى أكثر ثقافة وعلم، وهي التي عبدت الكواكب والنجوم والاَجرام السماوية.

وقد أعطى النبي إبراهيم (عليه السلام) سلسلة من الحقائق الفلسفية والعلمية، لم يصل إليها الفكر البشري يومذاك، في حواره العقائدي مع عبّاد


(24)

الاَجرام السماوية، مدعمة بأدلّة لا تزال إلى اليوم،موضع إعجاب كبار العلماء وروّاد الفلسفةوالكلام. وقد نقل القرآن الكريم في هذا المجال أدلّة النبي إبراهيم (عليه السلام) باهتمام خاصّ وعناية بالغة.(1) فقد اتّخذ إبراهيم (عليه السلام) هيئة الباحث عن الحقيقة بدون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها. وركّز في عمله على التوحيد في الربوبية، والتدبير وإدارة الكون، وأنّه لا مدبّر ولا مربّي للموجودات الاَرضية إلاّ اللّه سبحانه و تعالى، فأبطل ربوبية الاَجرام السماوية بقوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِي للّذي فَطَرَ السَّمواتِ وَالاََرض حَنيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين) (2)
أمّا بالنسبة إلى عمّه آزر الذي كان ذا مكانة اجتماعية عالية بين قومه، وصانعاً ماهراً ومنجماً، له رأيه وأفكاره في الاَُمور الفلكية في بلاط نمرود، فإنّه ليس أبوه بل عمّه، وذلك أنّ علماء الشيعة قد اتّفقوا على أنّ آباء الاَنبياء كانوا موَمنين باللّه موحّدين به، وأكّد الشيخ المفيد ذلك في كتابه: «أوائل المقالات»(3) بل إنّ كثيراً من علماء السنّة قد وافقهم في ذلك أيضاً،ولعلّ مناداته بالاَب، نظراً لكونه الكافل لاِبراهيم (عليه السلام) ردحاً من الزمن، فنظر إليه بمنزلة الاَب.

وأمّا بخصوص عقابه، وإلقائه في النار، وعدم تأثّره بها وخروجه سالماً منها، فإنّالسلطات الحاكمة قررت نفيه من البلاد فغادرها إلى الشام، ثمّ إلى الحجاز مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل، حينما أسكنهما في مكّة، وظهرت بفضلهما عين زمزم، ووفدت جماعات من القبائل لتسكن في تلك البقعة، وأشهرها قبيلة «جرهم» التي تزوّج منها إسماعيل وصاهرهم، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مكة من


1. ترتبط آية 74 من سورة الاَنعام بحواره مع الوثنيّين، بينما ترتبط الآيات اللاحقة لها بعبادة الاَجرام السماوية.
2. الاَنعام:79.
3. اوائل المقالات:12، باب القول في آباء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(25)

المدن العامرة، بعد أن كانت صحراء قاحلة وواد غير ذي زرع.

2. قصيّ بن كلاب: هو الجدّ الرابع للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّه فاطمة التي تزوّجت برجل من بني كلاب ورزقت منه بولدين: زهرة وقصيّ. و قد توفّي أبوه فربّاه زوجُ أُمّه ربيعة، إلاّ أنّ خلافاً وقع بين قصيّ وقوم ربيعة، أدى إلى طرده من قبيلتهم،ولكن أُمّه تمكنت من إرجاعه إلى مكة، فعاش فيها متفوقاً في أعماله ومراكزه، فشغل المناصب الرفيعة، مثل حكومة مكة، وزعامة قريش، وسدانة الكعبة المعظمة، فأصبح رئيس تلك الديار دون منازع. ومن أهمّ أعماله:

أ: تشجيع الناس على البناء حول الكعبة.

ب: تأسيس مجلس شورى يجتمع فيه روَساء القبائل في حلّ مشكلاتهم، وهو دار الندوة.

وأمّا من الاَولاد فقد ترك: عبد الدار وعبد مناف.

3. عبد مناف: هوالجدّالثالث للنبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: «المغيرة»، ولقبه قمر البطحاء. و مع أنّه كان أصغر من أخيه، إلاّ أنّه حظي بمكانة خاصة عند الناس، فقد اتخذ التقوى شعاراً، ودعا إلى حسن السيرة وصلة الرحم، ولكن الزعامة والقيادة كانت لاَخيه عبد الدار، حسب وصية أبيهما. إلاّ أنّ الوضع تبدّل بعد وفاتهما، فقد وقع الخصام والتنازع بين أبنائهما على المناصب، فانتهى الاَمر إلى اقتسامها بينهم، حيث تقرّر أن يتولّى أبناء عبد الدار سدانة الكعبة وزعامة دار الندوة، ويتولّى أبناء عبد مناف سقاية الحجيج وضيافتهم ووفادتهم.

4. هاشم: وهوالجدّ الثاني للرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: عمرو و لقبه العُلاء، ولد مع عبد شمس توأماً له، وله أخوان آخران هما: المطلب ونوفل.

ومن الاَُمور المميزة لاَبناء عبد مناف، إنّهم تُوفُّوا في مناطق مختلفة، فهاشم تُوفّي في غزّة، وعبد شمس في مكّة، ونَوفَل في العراق،والمطلب في اليمن.


(26)

كان يدعو الناس إلى الترحيب بضيوف اللّه وزوّاره وتكريمهم بالمال والحلال في غرّة كلّ شهر ذي الحجة:«وأسألُكُم بحرمة هذا البيت ألاّيُخرج رجلٌ منكم من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلاّطيباً لم يوَخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحم، ولم يوَخذ غصباً».(1)
ومن أهمّ آثاره: أنّ زعامته لمكّة كانت لمنفعة أهلها وتحسين أوضاعهم، فقد ساهم كرمُه في عدم انتشار القحط والجدب، كما أنّه حسّن من الحالة الاقتصادية في البلاد عندما عقد معاهدة مع أمير الغساسنة، ممّا دفع أخاه عبد شمس إلى أن يعاهد أمير الحبشة، وأخويه نوفل والمطلب أيضاً أن يعقدا معاهدات مع أمير اليمن وملك فارس، وذلك لتجنب الاَخطار وتأمين الطرق و سير القوافل التجارية. وقد عُرِفَ عنه أنّه الموَسس لرِحلتي الشتاء والصيف إلى الشام واليمن.

إلاّ أنّ كلّتلك الاِسهامات من جانب هاشم، كانت دافعاً إلى أن يحسده أُميّة بن عبد شمس ابن أخيه، وذلك لما حظي به من مكانة وعظمة وتقرّب إلى قلوب الناس، الاَمر الذي أجبرهم على الحضور عند كاهن من كهنة العرب، فقضى لهاشم بالغلبة، فأخذ منه الاِبل وأخرج أُمية إلى الشام نافياً لمدّة عشرة سنين، حسب الشروط التي تمت بينهما.وتبيّن هذه القصة جذورَ العداء بين بني هاشم وبني أُميّة من ناحية، وعلاقات الاَمويين بالشام وارتباطهم بها حين اتخذوها عاصمة لدولتهم بعد ذلك من ناحية أُخرى.

ومن أشهر أولاده : شيبة، الذي عُرِفَ بـ«عبد المطلب» لاَنّه تربى وترعرَعَ في حجر عمّه المطلب، حيث كان العرب يسمّون من تَرعرَعَ في حجر أحد، وينشأ


1. السيرة الحلبية :1|6.

(27)

تحت رعايته، عبداً لذلك الشخص.

5. عبد المطلب: وهو الجدّ الاَوّل للنبي العظيمص ورئيس قريش وزعيمها. وأودعت يدُالمشيئة الربانية بين حنايا شخصيته نورَالنبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» ولذا كان إنساناً طاهر السلوك، نقيّ الجيب، منزّهاً عن أيّ نوع من أنواع الانحطاط والفساد، وأحد المعدودين الذين كانوا يوَمنون باللّه واليوم الآخر.

وقد اشتهر موقفه الاِيماني في عام الفيل، حينما أمر جماعته بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ونزل إلى الكعبة يدعو اللّه ويستنصره على أبرهة وجنوده مناجياً: «اللّهمّ أنت أنيسُ المستوحشين، ولا وحشة معك، فالبيت بيتُك والحرمُ حرمُك والدار دارُك، ونحن جيرانُك، تمنع عنه ما تشاء، وربّ الدار أولى بالدار».

وفي الصباح خرجت أسرابٌ من الطيور من جهة البحر يحمل كل واحد منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره،وحجر في كلّ من رجليه وحلّقت فوق روَوس الجند، ورجمتهم بالاَحجار بأمر من اللّه محطمة روَوسهم وممزقة لحومهم، وقد أصاب حجر منها رأس أبرهة القائد، فأمر جنوده بالتراجع والعودة إلى اليمن، إلاّ أنّهم أُهلكوا في الطريق، حتى أبرهة نفسه مات قبل وصوله صنعاء.(1)
وقد نتج من هذه العملية، أن تحطّم جيش أبرهة، وانهزم أعداء قريش، وعظم شأن المكيّين،وشأن الكعبة المشرفة في نظر العرب وغيرهم، فلم يجرأ أحد بعد ذلك على غزو مكة، أو الاِغارة على قريش، أو التطاول على الكعبة. كما أنّها من جانب آخر، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم وعنجهيتهم واعتزازهم بعنصرهم، فقرروا تحديد شوَون الآخرين والتقليل من وزنهم، على أساس أنّهم فقط الطبقة الممتازة من العرب. كما دفعتهم


1. السيرة الحلبية: 1|43؛ الكامل في التاريخ:1|260؛ بحار الاَنوار:5|130.

(28)

إلى التصور بأنّهم موضع عناية الاَصنام (الـ 360 ) إذ أنّهم فقط الذين تحبهم تلك الاَصنام وتحميهم وتدافع عنهم!!

وقد دفعهم كلّ ذلك إلى التمادي في لهوهم ولعبهم، والتوسع في ممارسة الترف واللّذات، وإظهار الولع بشرب الخمر، حتى أنّهم مدّوا موائد الخمر في فناء الكعبة، وأقاموا مجالس أنسهم إلى جانب تلك الاَصنام، متصورين أنّ حياتهم الجميلة هذه هي من بركة تلك الاَصنام والاَوثان!!

كما أنّهذه الحالة جعلت قريش تقوم بإلغاء أيّ احترام وتقدير للغير فقالوا: إنّ جميع العرب محتاجون إلى معبدنا، فقد رأى العرب عامةً كيف اعتنى بنا آلهة الكعبة خاصةً، وكيف حَمَتنا من الاَعداء.

ومن ذلك بدأت قريش تضيّق على كلّ من يدخل مكة للعمرة أو الحجّ، وتعاملهم بخشونة وأسلوب ديكتاتوري، وفرضت عليهم ألا يصطحب أحد منهم طعاماً معه من خارج الحرم ولا يأكل منه، بل عليه أن يقتني من طعام أهل الحرم ويأكل منه، وأن يلبس عند الطواف بالبيت من ثياب أهل مكّة التقليدية القومية، أو يطوف عرياناً بالكعبة إذا لم يكن في مقدوره شراوَها. و من رفض الخضوع للاَمر من روَساء القبائل وزعمائها، كان عليه أن ينزع ثيابه بعد الانتهاء من الطواف ويلقيها جانباً، دون أن يكون لاَحد الحقّ في مسّها حتى صاحبها.(1)

أمّا النساء فكان عليهن إذا أردن الطواف أن يطفُن عراة، ويضعن خرقة على روَوسهن. كما أنّه لم يكن يحق لاَي يهوديّ أو مسيحيّ أن يدخل مكة، إلاّ أن يكون أجيراً لمكيّ، وعليه ألاّ يتحدث في شيء من أمر دينه وكتابه.


1. كانت تسمّى عندهم «اللقى».

(29)

بالاِضافة إلى ذلك، فإنّهم أنفوا منذ ذلك اليوم أن يأتوا بمناسك عرفة، كما يفعل بقية الناس، حيث تركوا الوقوف بها والاِفاضة منها، بالرغم من أنّآباءهم ـ من ولد إسماعيل ـ كانوا يقرّون أنّها من المشاعر والحج.(1)

إنّ كلّذلك الانفلات الاَخلاقي والترف والانحراف، قد هيّأ الاَرضية وأعدها لظهور مصلح عالميّ.

أمّا بالنسبة لابن عبد المطلب، عبد اللّه، فقد سعى إلى أن يزوّجه، فاختار له: «آمنة بنت وهب بن عبد مناف» التي عُرِفت بالعفّة والطهر والنجابة والكمال. كما اختار لنفسه «دلالة» ابنة عم آمنة، فرزق منها حمزة، عمّ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي كان في نفس عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2) و قد تمّ حفل الزفاف في منزل السيدة آمنة طبقاً لما كان عليه المتعارف في قريش، ثمّ بقي «عبداللّه» مع زوجته ردحاً من الزمن حتى سافر في تجارة إلى الشام، وتوفّي في أثناء الطريق.

ويرتبط بموضوع أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، طهارته «صلى الله عليه وآله وسلم» من دَنَس الآباء وعهر الاَُمّهات، إذ لم يكن في أجداده وجدّاته، سفاح وزنا، وهو ما اتّفق عليه المسلمون، وصرّح به الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في أحاديث رواها السنة والشيعة. فقد جاء عنه «صلى الله عليه وآله وسلم» إنّه قال: «نُقلتُمن الاَصلاب الطاهرة إلى الاَرحام الطاهرة نكاحاً لا سِفاحاً».(3)

وقال الاِمام علي (عليه السلام) :«وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله وسيد عباده كلّما نسخ اللّه الخلق فِرقتين، جعله في خيرهما، لم يسهِم فيه عاهرٌ ولا


1. الكامل في التاريخ:1|266.
2. تاريخ الطبري:2|7 وهو يذكر أنّه «هاله».
3. كنز الفوائد:1|164.

(30)

ضربَ فيه فاجر».(1)

كما ذكر الاِمام الصادق (عليه السلام) ذلك مفسراً الآية: (وتقلّبك في الساجدين) : «أي في أصلاب النبيّين، نبي بعد نبي، حتى أخرجه من صلبِ أبيه عن نكاحٍ غير سفاح من لدن آدم».(2)



1. نهج البلاغة، الخطبة 215، شرح محمد عبده.
2. تفسير مجمع البيان.

(31)

الفصل الثاني


الرسول الاَكرم

محمد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


ـ مولده

ـ فترة طفولته

ـ فترة شبابه

ـ فترة عمله

ـ زواجه

ـ أولاده



(32)



(33)


1. مولده (صلى الله عليه وآله وسلم)


ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عام الفيل (570م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (632م) عن 62 أو 63 عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الاَوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الاِثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.(1)

ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الاِقرار بأنّ ما ينقله هوَلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لاَنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.

وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، 17 من ربيع الاَوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.

وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو


1. إمتاع الاَسماع: ص 3، وقد ذكر جميع الاَقوال التي وردت في ميلاد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .

(34)

يقول: «اللّه أكبر والحمد للّه كثيراً، سبحان اللّه بكرةً وأصيلاً» (1) كما تساقطت الاَصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد،وجفت بحيرة ساوة.

وهدفت هذه الاَحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين موَثرين:

1. فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال،فيتساءلون عن الاَسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الاَحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنيةوزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.

2. ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الاَنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.

وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنهبكبش شكراً للّه تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.

وقال عن تسميته النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والاَرض(2)

وكانت أُمّه (عليها السلام) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه(3) وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى 16 شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.


1. تاريخ اليعقوبي: 2|5؛ بحار الاَنوار:15|248؛ السيرة الحلبية:1|67.
2. السيرة الحلبية: 1|78.
3. السيرة الحلبية:1|82.

(35)

أمّا عن رضاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:

ـ ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته خديجة(عليها السلام) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها.

كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، وأبا سلمة بن عبد اللّه المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.

ـ حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الاَولاد: عبد اللّه ، أنيسة، شيماء. وقامت «شيماء» بحضانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً.

وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّص في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.(1)

وفي هذه المناسبة، أودُّ القول والتذكير، أنّه ينبغي أن يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقامة المهرجانات الكبرى والاحتفالات، تكريماً له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو أمر مطلوب ومحبّب في الشريعة المقدسة لقوله تعالى: (فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلََ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)(2) وعزّر بمعنى كرّم وبجّل.

فالاحتفال بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والاِشادة بشرفه وفضله، وهي أُمور مدحه بها القرآن الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيم) (3)( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) .(4)


1. البحار:15|342.
2. الاَعراف:157.
3. القلم:4.
4. الاِنشراح:4.

(36)

فالاحتفال بمولده الكريم هو احتفالٌ بالقيم السامية، وشكرٌ للّه على منّه، وإظهار للحبّ الكامن في النفوس له،وتكريم لمن كرمه اللّه تعالى وأمر بتكريمه واحترامه وحبّه ومودّته.وهو ردّعلى من يزعم بأنّذلك محرم لكونه بدعة، لا يخلو من منكرات ومحرمات كالرقص والغناء. فالمسلمون درِجوا في العصور الاِسلامية الاَُولى على الاحتفال بذكرى مولدهبإنشاد القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم أخلاقه وإظهار السرور والفرح،والشكر للّه تعالى بلطفه وتفضّله به ص على البشرية.(1)

ولذا كان لابدّ من أداء هذا الاحتفال في كلّ وقت وزمان،في حياته وبعد مماتهص.

2. فترة طفولته (صلى الله عليه وآله وسلم)

استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبيلة«بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه خير قيام،وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (صلى الله عليه وآله وسلم) على فصاحته و بلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(عليها السلام) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبداللّه، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الاَبواء(2) ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةًجدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.


1. للتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
2. السيرة الحلبية: 1|105.

(37)

وربما كان يُتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صالحه، فقد أراد اللّه تعالى منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده و مصاعبه ومتاعبه،أو أراد ألا يكون في عنقه طاعة لاَحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر الوحي وليس من العوامل العادية المتعارفة.

وقد فاجأت الحياةُ نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحزينة بوفاة جدّه العظيم«عبد المطلب» وهو في الثامنةمن عمره، فبكى عليه «صلى الله عليه وآله وسلم» كثيراً وظلّت دموعه تجري حتى وُري في لحده.(1)

كفالة أبي طالب

كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.

وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الاَشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «اليعقوبي» ينفي في تاريخه اشتراك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي طالب فيها.(2)

ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.


1. تاريخ اليعقوبي :2|10 حول سيرة عبد المطلب، أنّه كان موحداً لا وثنياً، وإنّ الاِسلام قد أخذ الكثير من سننه.

2 . تاريخ اليعقوبي:2|15.


(38)

إلاّ أنّ أحداث «بصرى» غيّرت برنامج رحلة أبي طالب، ودفعته إلى العودة إلى مكّة، وهي الاَحداث المرتبطة بمقابلة الراهب«بحيرا» بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تنبّأ عنه بقوله: «إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمةً للعالمين. احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنّ قتله».(1)

أمّا ما قيل عن تلك المقابلة من آراء متطرفة، وبأنّالراهب بحيرا علّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمور دينه التي درسها من كتب الاِنجيل والتوراة، فهو فرية المستشرقين والكارهين للاِسلام، إذ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمكث هناك أكثرمن أربعة أشهر هي فترة رحلة الشام عند العرب، ثمّ إذا كان هذا الراهب يمتلك هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلمية التي عرضها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلماذا لم يقم هو بنشرها، فيأخذ شهرته منها؟ ثمّ لماذا اختار محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره ليعرض عليه تلك المعلومات بالرغم من توافد القبائل عليه دوماً؟

إنّ الآيات القرآنية تصرح بأنّ الاَخبار الغيبية وصلت إلى النبي ص عن طريق الوحي فقط، فلم يكن على عِلمٍ بها مطلقاً. كما أنّ كُتب التوراة والاِنجيل لا تذكر أُموراً طيّبة عن الاَنبياء، في حين أنّ القرآن الكريم يجلّهم ويعظمهم ويكرمهم،على عكس ما جاء عنهم في كتب هوَلاء.

ولذا لم يعقل أن يقتبس القرآن الكريم من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين. كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرح تلك القصص والقضايا للناس قبل الوحي والرسالة: (قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلوتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أَدراكُمْ بهِ فَقَدْ لَبِثتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلهِِ أَفَلا تَعْقِلُون) .(2)


1. تاريخ الطبري:2|32؛ السيرة الحلبية: 1|180.
2. يونس:16.

(39)

فالآية توَكد على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لبث في قومه فترة طويلة لم يتلو فيها سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به اللّه تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة.(1)

3. فترة شبابه

كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش و هوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند اشتداد المعركة.

وفي مقابل هذا روى الموَرخ اليعقوبي (المتوفّى290هـ) في تاريخه:

وقد روي أنّ أبا طالب منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج الزبير بن عبد المطلب متكرهاً وقال عبد اللّه بن جدعان التيمي وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير.(2)


1. للتوسع في الموضوع، راجع مفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني:3|321.
2. تاريخ اليعقوبي:2|12، طبع النجف.

(40)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أحد المشاركين في حلف الفضول، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماوَهم جميعاً من لفظة «الفضل»، مثل: فضل بن فضالة، وفضل بن الحارث، وفضل بن وداعة. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشاد فيها بالحِلف،واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُفي دار عبد اللّه بن جدعان حِلفاً لو دعيت به في الاِسلام لاَجبت».

كما أشاد به الاِمام الحسين (عليه السلام) أيضاً، فضرب به المثل في أخذ الحقّوردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «الوليد بن عتبة»أمير المدينة.

4. فترة عمله

أمضى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شطراً من حياته قبل البعثة، في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّبتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الاِعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الاَوضاع المزرية والاَحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبةللنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّالاِمعان


(41)

في الآيات الدالة على وجود اللّه سبحانه و تعالى، وقدرته و حكمته وعلمه وإرادته.

فبالرغم من أنّ قلوب الاَنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الاِيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الاِلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الاِيمان،ويبلغون أسمى درجات اليقين،وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والاَرضين.

وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (صلى الله عليه وآله وسلم) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين،فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لاَسرعتْ إليك،وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».

إلاّ أنّ إباء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلوّ طبعه منعاه من الاِقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه :«فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لاَنّها تعرف أنّه المعروف بالاَمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد بعثت إليه قائلةً:«إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك،وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».(1)

ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه اللّه إليك».


1. البحار:16|22؛السيرة الحلبية: 1|132؛ الكامل في التاريخ:2|24.

(42)

وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الاِجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان أجيراً لاَحد قط.(1)

ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الاَوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكلّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ماحلفت بهما قط، وإنّي لاَمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي.ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الاَنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الاِنجيل،وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.(2)

وقد سلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.


1. تاريخ اليعقوبي:2|21.
2. البحار: 16|18؛ طبقات ابن سعد:1|130.


(43)

5. زواجه (صلى الله عليه وآله وسلم)

في هذا الوقت، فكّر (صلى الله عليه وآله وسلم) جدياً في أن يتّخذ شريكة لحياته ويكوّن أُسرة، فكيف وقع اختياره على السيدة خديجة التي رفضت كلّ مَن تقدّم إليها من كبار الشخصيات القرشية، أمثال: عقبة بن أبي معيط، وأبي جهل، وأبي سفيان؟ وكيف أدّى الارتباط بينهما والعلاقة العميقة و الاَُلفة والمحبة، إلى درجة أنّها وهبت كلّ ثروتها للنبيحتى ينفقها في نشر الاِسلام؟

كانت السيدة خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً وأقواهن عقلاً وأكثرهن فهماً، وقد قيل لها: سيدة قريش، وسمّيت الطاهرة لشدة عفافها، وذلك في أيّام الجاهلية.

وحين رفضت الزواج من سادة القوم قَبِلت بسيد البشر لما عرفت عنه من كرم الاَخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة، والصفات العالية. وهي المرأة الثرية التي وإن عاشت في الترف وأفضل العيش، إلاّ أنّها أصبحت في بيت زوجها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الزوجة المطيعة الخاضعة الوفية المخلصة، و سارعت إلى قبول دعوته واعتناق دينه بوعي وبصيرةٍ، مع علمها بما ينطوي ذلك على مخاطر ومتاعب. ثمّ جعلت كلَّ ثروتها ومالها في خدمة العقيدة والمبدأ، مشاطرة زوجها بذلك آلامَه ومتاعبَه ، وراضية بمرارة الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهي في سن الرابعة والستين.(1)

وقد بلغ من خضوعها للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبها له، أنّها بعد أن تم الزواج بينهما قالت له: إلى بيتك، فبيتي بيتك وأنا جاريتك.(2)


1. شرح نهج البلاغة: 14|59.
2. بحارالاَنوار: 16|4.

(44)

ويوَكد الموَرّخون أنّها هي التي اقترحت على النبيالزواج، وكما يعتقد أكثر الموَرّّخين، أنّ «نفيسة بنت عليّة» بلّغت رسالتها إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي تقبّل عرضها، فأخبرت السيدة خديجة بذلك، فأرسلت بوكيلها «عمرو بن أسد» لتحديد ساعة مراسم الخطبة في محضر الاَقارب.(1)

فشاور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعمامه وعلى رأسهم «أبو طالب»الذي خطب في القوم يمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويطلب الزواج له من السيدة خديجة قائلاً: «وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي، ومحمّد من قد عرفتم قرابتَه».

ثمّ أجرى عقد النكاح، ومهرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 400 دينار، وقيل أصدقها عشرين بكرة.(2)

وكان عمرها في هذا الوقت أربعين عاماً، إذ أنّها وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عاماً، كما جاء عنها أنّها تزوجت قبل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» برجلين، أوّلهما: «عتيق ابن عائذ»، ثمّ بعده: «أبو هالةالتميمي». وقد توفي كلٌّ منهما بعد زواجه منها.(3)

وقد تميّزت السيدة خديجة من نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لم يتزوّج عليها مدّة حياتها، وبلغت لديه مالم تبلغه امرأة قطّمن زوجاته.(4) وممّا يدل على سموّ مقامها وعلوّمنزلتها، أنّ أهل البيت «عليهم السلام» طالماً افتخروا بأنّخديجة منهم، وإنّهم من خديجة، فكانوا يعتزون بها ويشيدون بمكانتها. فالسيدة خديجة (عليها السلام) هي مثال الشرف والعقل، والحبّ العميق للرسول


1. تاريخ الخميس:1|264.
2. السيرة الحلبية:1|139.
3. الاستغاثة:1|70.
4. السيرة الحلبيّة: 1|169.

(45)

(صلى الله عليه وآله وسلم) والوفاء والاِخلاص، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الاِسلام الحنيف، فهي أوّل من آمنت باللّه ورسوله،وصدقت محمّداً «صلى الله عليه وآله وسلم» وآزرته، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه، من إيذاء وتكذيب، إلاّوفرّج اللّه عنه بخديجة التي خفّفت عنه، بلطفها وعطفها وعنايتها به في غاية الإخلاص والود.(1)

لقد اكتسبت السيدة خديجة بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمّدية، وتفانيها في سبيل الاِسلام، وحرصها العجيب على حياة صاحب الرسالة، مكانةً ساميةً في الاِسلام، حتى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذَكَرَها في أحاديثه الكثيرة، وأشاد بفضلها ومكانتها وشرفها، وذلك لاِلفات نظر المرأة المسلمة إلى القدوة التي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والحالات، بالاِضافة إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة ـ و هي نصف المجتمع ـ من دعم جدّىٍّ للرسالة، مادياً كان أم معنوياً.

ومن أشهر الاَحاديث التي نُقلت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال عنها:«أتاني جبرائيل (عليه السلام) فقال يا رسول اللّه، إذا أتتك خديجة فاقرأ عليها السلام من ربها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب».(2)

وقال عنها (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا واللّه ما أبدلني اللّه خيراً منها، آمنَت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواسَتْني في مالها إذ حَرمني الناس، ورزقني اللّه منها أولاداً إذ حرَمَني أولاد النساء».(3)

كما روى أنس بن مالك، أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أتى بهدية


1. أعلام النساء:1|328.
2. صحيح مسلم:7|133؛ مستدرك الحاكم:3|184.
3. أُسد الغابة:5|438؛ صحيح مسلم:7|134؛ صحيح البخاري: 5|39.

(46)

قال:« اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنّها كانت صديقة لخديجة، إنّها كانت تحبّ خديجة».(1)

كما قال عنها الاِمام علي (عليه السلام) : «كنتُ أوّل من أسلم، فمكثنا بذلك ثلاث حِجَج وما على الاَرض خلق يصلّي ويشهد لرسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بما أتاه، غيري، وغير ابنة خويلد رحمها اللّه، وقد فَعَلَ».(2)

وقد تحدّث عنها أيضاً الكثير من الشخصيات الاِسلامية المتقدمة والمتأخرة، فقد ذكر عنها «محمد بن إسحاق»: «إنّ خديجة بنت خويلد وأبا طالب، ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة وزيرة صدق على الاِسلام، وكان رسول اللّه يسكُن إليها».(3)

ولكلّ ذلك، فإنّ وفاتها كانت من أعظم المصائب التي أحزنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا دفعه أن يسمّي العام الذي توفّي فيه ناصراه وحامياه ورفيقا آلامه ـ: زوجته خديجة، وعمّه الموَمن الصامد أبو طالب ـ بعام الحداد أو عام الحزن . فينزل عند دفنها في حفرتها، ويُدخلُها القبر بيده في الحجون، فيلزم بيته و يقل الخروج.(4)

6. أولاد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد أنجبت خديجة لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة من الاَولاد، اثنين من الذكور، أكبرهما القاسم وعبداللّه، وأربعة من الاِناث. وذكر ابن هاشم، انّ أكبر بناته: رقية ثمّزينب ثمّ أُم كلثوم ، ثمّفاطمة، وكلّهن أدركنَ الاِسلام، أمّا الذكور فقد ماتوا قبل البعثة.


1. سفينة البحار:1|380.
2. شرح نهج البلاغة:14|59.
3. بحارالاَنوار:16|10.
4. تاريخ اليعقوبي:2|35؛ تاريخ الخميس: 1|301؛السيرة الحلبية: 1|346.

(47)


تبنّي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لزيد بن حارثة

كان ممّن سباه العرب من حدود الشام وباعوه في أسواق مكة رقيقاً لاَحد أقرباء السيدة خديجة ويدعى حكيم بن حزام. وقد أحبه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لذكائه وطهره،فوهبته خديجة له، حينما تزوّجت به «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إلاّ أنّ أباه حارثة الذي كان يبحث عنه لقيه عند النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فطلبه منه، الاَمر الذي جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخيّره بين المقام معه (صلى الله عليه وآله وسلم) والرحيل إلى وطنه، فاختار المقام مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أخرجه إلى الحجر الاَسود وأعتقه ثمّ تبناه أمام الملاَ قائلاً: «يامن حضر اشهدوا أنّزيداً ابني».(1)


1. الاِصابة في تمييز الصحابة:1|545؛ الكامل في التاريخ:2|225.

(48)



(49)

الفصل الثالث

البعثة النبوية

ـ الحالة الدينية في الجزيرة العربية عند البعثة النبوية

ـ إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآباوَه وكفلاوَه قبل الاِسلام

ـ الوحي

ـ الموَمنون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والدين الاِسلامي

ـ دعوة الاَقربين

ـ الدعوة العامة

ـ الاَساليب الفاشلة أمام نجاح الدعوة الجديدة



(50)



(51)

1.الحالة الدينية في الجزيرة العربية

إلى جانب عبادة الاَصنام والاَوثان، ظهرت جماعة من العرب، أنكروا عقائدها الباطلة، واستاءوا من دينها، كما كان اليهود يتوعّدون أهل الاَصنام بالنبي قائلين: ليخرجن نبي فليكسّرن أصنامكم. وجاء أيضاً أنّ الاَحبار من اليهود والرهبان من النصارى والكهّان من العرب، قد تحدّثوا بأمر رسول اللّهقبل مبعثه. وظهر كذلك من انتقد عبادتهم من فئة العقلاء وأصحاب الفكر الثاقب، فكان ذلك بمثابة جرس إنذار باقتراب سقوط دولة الوثنيّين وانقراضها واشتهر من هوَلاء بين العرب أربعة:

1. ورقةبن نوفل، الذي اختار النصرانية.

2.عبيد اللّه بن جحش، الذي أسلم عند ظهور الاِسلام.

3.عثمان بن الحويرث، الذي تنصّر عند ملك الروم.

4.زيد بن عمرو بن نفيل، الذي قال: أعبد رب إبراهيم.(1)


1. السيرة النبوية:1|225.


(52)

2. مكانةالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند قريش


حينما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) في عمر 35 عاماً واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، تمكن بحكمته من إزالة ذلك التخاصم،ممّا كشف عن مدى الاحترام الذي حظا به عند قريش. فعندما هُدمت الكعبة بسبب سيل عظيم، قام القوم بإعادة بنائها، إلاّ أنّهم اختلفوا في وضع الحجر الاَسود في مكانه، فتنازع زعماء قريش فيمن يتولى وضعه،ممّا أخّر عملية البناء مدة خمسة أيّام، وكادت أن تنشب فيما بينهم بسببه حرب دامية، وربما طويلة،حتى قام فيهم شيخ منهم وقال:يامعشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخُل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. فقَبِلُوا رأيه فكان أوّلَ داخل عليهم محمّد رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فقالوا: هذا محمّد الاَمين، رضينا، هذا محمّد. فقال ص: هلمَّ إليَّ ثوباً فأخذ الحجر ووضعه فيه و قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً. ثمّ وضعه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده في مكانه.(1)

3. إيمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و آبائه وكفلائه قبل الاِسلام


تدلّ الدلائل التاريخية والعقلية والمنطقية، على أنّ النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» لم يعبد غيرَ اللّه منذُ ولد حتى رحل إلى ربّه، وكذلك ما كان عليه آباوَه وكفلاوَه.

فجدّه عبد المطلب، طلب من اللّه وهو في الكعبة أن يرد هجوم أبرهة ويهزم جيشه، فقد كان الموحّد الذي لا يلتجىَ في المصائب والمكاره إلى غير كهف اللّه. كما أنّه كان يستسقي بالتوسّل إلى اللّه تعالى. وقد اعترف الموَرّخون بذلك، فقد ذكر اليعقوبي: «ورفض عبد المطلب عبادة الاَوثان والاَصنام، ووحّد اللّه عزّوجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة


1. السيرة النبوية:1|192؛ فروع الكافي:4|217.

(53)

من رسول اللّهبها،وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الاِبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا توَتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق،والنهي عن قتل الموَودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّعليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً،وتكريم الضيف،وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم،وتعظيم الاَشهر الحرم، ونفي ذات الرايات».(1)

كل ذلك يوَكد تماماً توحيده وإيمانه باللّه واعترافه برسالة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .

وكذلك كان عمّه أبو طالب، فله مواقف كثيرة بارزة قبل البعثة، تكشف عن عمق إيمانه وتوحيده، فقد اعتبر حامي الدين والمدافع عن المسلمين، آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتبره في قمة الكمال الاِنساني، بالاِضافة إلى أنّه أحلّه من قلبه محلَ الابن والاَخ، فكان يصحبه معه إلى المصلّى، ويستسقي به، حيث كانت دعوته تُستجاب دون تأخير، كما اصطحبه معه في سفره إلى الشام، كما أنّ دفاعه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن مادياً، فلم يقصد من وراء ذلك كسباً مادياً من مال وثروة، كما لم يهدف للحصول على جاه ومقام وإحراز مكانة اجتماعية مرموقة، لاَنّه كان يمتلك في المجتمع أعلى المناصب، فقد كان رئيساً لمكّة المكرّمة، بل إنّه فقد منصبه ومكانته بسبب موقفه الموالي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه «صلى الله عليه وآله وسلم» لهم، ممّا استوجب سخط الزعماء عليه واستياءهم منه، وإظهار العداء له ولبني هاشم عامة.


1. تاريخ اليعقوبي:2|9.

(54)

فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربى والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ أنّذلك كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اعتبره مظهراً كاملاً للفضيلة والاِنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل وينصرها بكلّ جهوده وقواه.(1)

كما أنّ هناك مواقف محددة توَكد المعنى السابق:

فقد أصدر تهديداً بمحاربة رجال قريش بالسلاح، إذا أقدموا على أي سوء نحو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد حافظ على حياته «صلى الله عليه وآله وسلم» لفترة 42 عاماً، ودافع عنه، وخاصةً في سنوات البعثة العشرة، فهو قد تولى مهمة كفالته والدفاع عنه والمحافظة على حياته بصدق وإخلاص، بالنفس والمال، وإيثاره على نفسه وأولاده والاِنفاق عليه من ماله، منذ صِغَره «صلى الله عليه وآله وسلم» وحتى الخمسين من عمره. ولذا كان لفقده أكبرُ الاَثر على سير الدعوة الاِسلامية.

وهو ما دفع ابن أبي الحديد المعتزلي أن ينشد بيتين يوضح تضحيته هو وابنه علي (عليه السلام) :

و لـولا أبـو طـالب وابنــُه لما مثلُ الدّين شخصاً وقاما

فـذاك بمكـة آوى وحامـى وهذا بيثرب جسّ الحِمامـا(2)

ويمكن التعرّف على إيمانه و إخلاصه عن طريق أشعاره وخدماته القيّمة في


1. وقد أشار إلى كلّ ذلك في قصائده وأشعاره. ونقل ابن هشام في سيرته:1|352 ، 15 بيتاً من قصيدته.
2. شرح نهج البلاغة:14|84.

(55)

السنوات العشر الاَخيرة من عمره، فمن قصائده المطولة نختار البيتين التاليين:

ليعلم خيارُ النـاس أنّ محمـّداً نبيُّ كموسى والمسيحِ بن مريم

أتـى بهـدى مثلمـا أتيــا بــه فكلّ بأمر اللّه يهدي ويعصم(1)

لقد كان إيمانه قوياً لدرجة أنّه رضى بأن يتعرض كل أبنائه لخطر القتل والاغتيال ليبقى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يمسّه أعداوَه بأيّ سوء. كما أنّه أوصى أولاده عند وفاته قائلاً: أُوصيكم بمحمّد خيراً فإنّه الاَمين في قريش، وهو الجامع لكلّما أوصيكم به. كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، واللّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلاّرَشَد، ولا يأخذ أحد بهديه إلاّسعد.(2)

وبينما كفّره البعض من علماء السنة، إلاّ أنّ منهم من حكموا بإسلامه وبإيمانه، مثل: «زيني دحلان» مفتي مكة (المتوفّى 1304هـ)، وقد تمادى بعض منهم في توسيع دائرة الكفر فشملت آباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و كان ذلك من آثار الحكومات الاَموية والعباسية التي عملت بكلّ جهدها لتأكيد كفر أبي طالب والاِعلام ضدّ إيمانه، لاَنّه كان والد الاِمام علي (عليه السلام) الذي اجتهدت الاَجهزة الاِعلامية لتلك الحكومات في الحط من شأنه دوماً، وخاصةً إنّ إسلامه مع أبيه كان يعد فضيلة بارزة من فضائله.

أمّا علماء الشيعة الاِمامية والزيدية فقد اتّفقوا على أنّه كان من أبرز الموَمنين برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخرج من الدنيا إلاّبقلب يفيض إيماناً بالاِسلام وإخلاصاً للّه تعالى وحباً للمسلمين.(3)


1. مجمع البيان:7|37؛ الحجة:57؛مستدرك الحاكم:3|623.
2. السيرة الحلبية: 1|35.
3. يوضح هذا الجانب جيداً صاحب موسوعة الغدير، العلاّمة الاَميني.

(56)

وأمّا أقاربه وما قدّموه من أفعال وأقوال توَكد موقفه الاِيجابي، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دفنه بنفسه. كما أنّ الاِمام الحسين (عليه السلام) أجاب عندما سئل عن إيمانه قال: «واعجباً، إنّ اللّه تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافرٍ، وقد كانت «فاطمة بنت أسد» من السابقات إلى الاِسلام لم تزل تحت أبي طالب حتى مات».

وقال (عليه السلام) : «ألم تعلموا أنّ أمير الموَمنين علي (عليه السلام) كان يأمر أن يحجّ عن عبد اللّه وأبيه».

وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «إنّمَثَل أبي طالب مَثَل أصحاب الكهف أسرّوا الاِيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين،وكذلك أبو طالب».(1)

ومن المعروف، أنّه للتعرف على عقيدة فردٍ ونمط تفكيره،ينبغي الاعتماد على:

ـ دراسة آثاره العلمية والاَدبية وما تركه من أقوال وكلمات.

ـ و أسلوب عمله وتصرفاته في المجتمع.

ـ و آراء أقربائه ومعارفه حوله.

وكلّتلك الجوانب أكدت إسلام أبي طالب، حامي الرسول العظيم «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فتسقط كلّ الاَقاويل والاَحاديث التي بثّها أعداوَه للحط من شأنه وإلصاق الكفر به.

وكذلك كان أبو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد اللّه، فقد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه انتقل في الاَرحام المطهّرة ممّا يوَكّد طهارة آبائه وأُمّهاته من كلّدنس وشرك.

وقد أشار الشيخ المفيد إلى أنّالاِماميّة تتفق على أنّ آباء رسول اللّه «صلى


1. أُصول الكافي:1|448.

(57)

الله عليه وآله وسلم» من لدن آدم إلى عبد اللّه بن عبد المطلب كانوا موَمنين باللّه وموحّدين إيّاه، واحتجّوا في ذلك بالقرآن و الاَخبار.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة


تدلّ الشواهد التاريخية بالاِضافة إلى البراهين العقلية، على أنّه ص كان موَمناً باللّه وموحّداً إيّاه قبل البعثة، فلم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً. وقد أجمع الموَرّخون على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخلو بحراء أشهراً كلّ عام يعبد اللّه تعالى فيه، فقد ذكر الاِمام علي (عليه السلام) : «ولقد كان يجاور في كلّسنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري».(1)

حتى وافاه جبرائيل (عليه السلام) بالرسالة في هذا المكان وفي تلك الحال، وقد صرح بهذا أيضاً أصحاب الصحاح الستة، وجاء في الاَخبار أنّالرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» حجّقبل البعثة عدّة حجّات، وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش، فقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «حجّ رسول اللّه عشر حجّات مستتراً في كلّها».(2)

وكلّ تلك الوقائع أصدق دليل على إيمانه وتوحيده، وهو النبي الخاتم والاَفضل من جميع الاَنبياء والمرسلين بنصّ القرآن الكريم. وجاء عن «العلاّمة المجلسي»، أنّه قد وردت أخبار كثيرة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطوف ويعبد اللّه في حراء، ويرعى الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاَكل وغيره،فكيف يمكن للّه تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة بغير عبادة (3)


1. نهج البلاغة: الخطبة 192.
2. وسائل الشيعة:8|88.
3. بحار الاَنوار:18|280.

(58)

والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موَمناً موحّداً عابداً للّه ساجداً قائماً بالفرائض العقلية والشرعية، مجتنباً عن المحرمات، عالماً بالكتاب وموَمناً به إجمالاً،وراجياً لنزوله إليه، إلى أن بعثه اللّه لاِنقاذ البشرية عن الجهل وسوقها إلى الكمال.

فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الخلق وأكملهم خلقاً وخُلقاً وعقلاً، وأنّه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء كان مطابقاً لشرع ماقبله أم مخالفاً، وأنّ هاديه وقائده، منذ صباه إلى أن بُعِث هو نفس هاديه بعد البعثة.(1)

4. الوحي في غار حراء

ويقع جبل حراء في شمال مكّة، ويستغرق الصعود إليه مدّة نصف ساعة، ويتكوّن من قطع صخرية لا أثر للحياة فيها. أمّا الغار فيقع في شمال الجبل، وهو يحكي ذكريات رجل طالما تردّد عليه وقضى الساعات والاَيّام والاَشهر في رحابه، يتعبد اللّه ويتأمّل في الكون وفي آثار قدرة اللّه وعظمته. إذ أنّ النبي ص كان يفكّر في أمرين، قبل أن يبلغ مقام النبوة:

1. ملكوت السماوات والاَرض، فيرى في ملامح كلّ من الكائنات نور الخالق العظيم وقدرته وعظمته، فتفتح عليه نوافذ من الغيب تحمل إلى قلبه وعقله النور الاِلهي المقدّس.

2.المسوَولية الثقيلة التي ستوضع على كاهله، فكان يفكر في فساد حياة المجتمع المكي، وكيفية رفع كلّذلك وإصلاحه.

وأمّا الرسالة الاِلهية إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أمر اللّه تعالى


1. للتوسع في ذلك يراجع مفاهيم القرآن للموَلف:5|135.

(59)

جبرائيل (عليه السلام) بأن ينزل على أمين قريش في الغار ويتلو على مسامعه بضع آيات كبداية لكتاب الهداية والسعادة، معلناً بذلك تتويجه بالنبوة ونصبه لمقام الرسالة، وطلب منه أن يقرأ، أو قال: يا محمّد اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال يا محمّد(اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَق* خَلَقَ الاِِنْسانَ مِنْ عَلَق*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاََكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَم* عَلَّمَ الاِِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم) (1) ثمّ أوحى إليه ربّه عزّ وجلّ ما أمره به ثمّصعد إلى العلوّونزل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجبل، وقد غشيه من تعظيم جلال اللّه وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه الحمى والنافض.

وقد أوضحت هذه الآيات برنامج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبيّنت بشكل واضح أنّ أساس الدين يقوم على القراءة والكتابة والعلم والمعرفة باستخدام القلم. ثمّ خاطبه الملك: «يا محمّد، أنت رسول اللّه، وأنا جبرائيل».

و قد اضطرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذين الحدثين، لعظمة المسوَولية التي أُلقيت على كاهله، فترك غار حراء متوجّهاً إلى بيت السيدة خديجة(عليها السلام) ، التي لاحظت الاضطراب و التعب على ملامحه فسألت عنه، فأجابها وحدّثها بكلّ ما سمع وجرى، فعظمت خديجة(عليها السلام) أمره ودعت له وقالت: «أبشر، فواللّه لا يخزيك اللّه أبداً». ثمّدثرته فنام بعض الشيء. ثمّ انطلقت إلى بيت ورقة تخبره بما سمعته من زوجها الكريم، فأجابها: إنّابن عمّك لصادق وإنّ هذا لبدء النبوة، وإنّه ليأتيه الناموس الاَكبر ـ أي الرسالة والنبوة ـ .(2)

وقد اختلقت قصص كثيرة عن تخوّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1. العلق:1ـ5.
2. طبقات ابن سعد:1|195.

(60)

واضطرابه ممّا حدث له في الغار، ودسّت تلك الروايات في التاريخ والتفسير عن قصد وهدف أو دخلت فيها عن غير ذلك. فالنبي الكريم «صلى الله عليه وآله وسلم» كانت روحه مهيّأة من جميع الجهات وبصورة كاملة لتلقّي السرّ الاِلهي ـ النبوة ـ وما لم تكن نفسيته كذلك، فإنّ اللّه تعالى لم يكن ليمن عليه بمنصب النبوة ويختاره لمقام الرسالة، لاَنّ الهدف الجوهري من انبعاث الرسل و الاَنبياء هو هداية الناس وإرشادهم. وتدل تلك القصص على أنّ ثمة يداً إسرائيلية وراءها فصاغتها، ولهذا فإنّ أئمّة الشيعة حاربوا هذه الاَساطير بكلّقوّة وأبطلوها برمّتها. فقد قال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ اللّه إذااتّخذ عبداً رسولاً، أنزل عليه السكينة والوقار، فكان يأتيه من قِبَل اللّه عزّوجلّ مثل الذي يراه بعينه».(1)

وفسر العلاّمة الكبير الطبرسي ذلك، بأنّ اللّه لا يوحي إلى رسوله إلاّبالبراهين النيّرة والآيات البيّنة الدالة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من اللّه تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها ولا يفزع ولا يفرق.(2)

أمّا بالنسبة إلى يوم مبعثه، فإنّ هناك اختلافاً فيه مثلما اختلف في يوم ولادته، فاتّفق علماء الشيعة على أنّه بُعث بالرسالة يوم 27 من شهر رجب، وأنّنزول الوحي بدأ من هذا اليوم، بينما اشتهر عند السنّة أنّه حدث في شهر رمضان. فهناك فرق في نزول القرآن جميعه على الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ونزول الآيات الاَُولى عليه يوم المبعث. فالآيات التي تصرح بنزول القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر المباركة، لا تدل على أنّ يوم المبعث ـ الذي نزلت فيه بضع آيات ـ، كان ذلك في الشهر نفسه، لاَنّ الآيات المذكورة الدالّة على


1. بحار الاَنوار:18|262؛ الكافي:1|271.
2. مجمع البيان:10|384.

(61)

أنّالقرآن نزل في شهر رمضان تدل على أنّ مجموع القرآن لا بعضه قد نزل في ذلك الشهر، في حين أنّه لم ينزل في يوم المبعث سوى آيات معدودة. كما أنّتفسيراً آخر يوَكّد أنّ للقرآن الكريم وجوداً جمعياً علمياً واقعياً،وهو الذي نزل على الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مرةً واحدةً في شهر رمضان، وآخر وجوداً تدريجياً كان بدء نزوله على النبي ص في يوم المبعث،واستمر نزوله إلى آخر حياته الشريفة على نحو التدريج. وهو ما قدّمه العلاّمة الطباطبائي من تفسير(1). كما أنّ ثمة قولاً آخر ذهب إلى أنّ ابتعاث الرسولبالرسالة في شهر رجب، لا يلازم نزول القرآن في ذلك الشهر حتماً.(2)

وأبرز ما في هذا الموضوع، أنّ الرسالة المحمّدية المباركة، بشّر بها جميع الاَنبياء المتقدّمين زمنياً على خاتم الاَنبياء والمرسلين محمّد «صلى الله عليه وآله وسلم» وأشار القرآن إلى ذلك في آيات كثيرة.

والاَمر الهامّ الآخر، إنّه كان خاتم الاَنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده و لا رسالة، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أرسلت إلى الناس كافةً،وبي خُتِم النبيّون».(3)

5. أوائل الموَمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والدين الاِسلامي


بدأ انتشار الاِسلام تدريجياً، وكان هناك سابقون كما كان هناك لاحقون،وعُدَّ السبق إلى الاِيمان برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدر الاِسلام،معياراً للفضل، ولذا كان لابدّ من التعرف على هوَلاء السابقين. ومن المسلّمات، أنّ السيدة خديجة (عليها السلام) كانت أوّل امرأة آمنت به فلم


1. تفسير الميزان: 2|14.
2. للمزيد من التوضيح و التوسع راجع البحار:18|184، 253؛ الكافي:2|460.
3. طبقات ابن سعد:1|128.

(62)

يختلف في هذا أحد.(1) وخاصّة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد بنفسه ذلك في قوله: «آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس».(2) فهي أوّل من التقته بعد نزول الوحي عليه في الغار، فآمنت به وصدقته.

كما أنّعلي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أوّل من آمن به من الرجال، حيث اتّفق العلماء كلّهم على ذلك، إذ أنّ الاِمام (عليه السلام) كان قد عاش في كنف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعثه اللّه تعالى نبياً فاتّبعه وآمن به وصدّقه.(3) فكان ممّا أنعم اللّه به على الاِمام (عليه السلام) أنّه كان في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الاِسلام وهو دون الثامنة. فحينما أجدبت مكة وضواحيها وأصاب الناس أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال، رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخفّف عنه، فطلب من عمّه العباس أن يأخذ منه بعض عياله، فكفل العباس جعفراً، وكفل رسول اللّهعلياً، وقيل أنّحمزة أخذ جعفراً، والعباسُ طالباً، وأبو طالب عقيلاً، وقال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :«إخترت من اختار اللّه لي عليكم، علياً».(4)

ويظهر أنّ الهدف من ذلك كان هو أن يتربّى علي (عليه السلام) في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتغذّى من مكارم أخلاقه ويتبعه في كريم أفعاله.

ويوَكد الاِمام (عليه السلام) موقفه بقوله: «اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب، ولم يسبقني إلاّ رسول اللّه بالصلاة».(5)


1. السيرة النبوية:1|240.
2. صحيح مسلم:7|134؛صحيح البخاري: 5|39؛ أُسد الغابة:5|428؛ البحار:16|8.
3. السيرة النبوية: 1|246؛ البداية والنهاية: 2|25.
4. مقاتل الطالبيين: 26؛ الكامل:1|37؛ السيرة النبوية :1|245.
5. نهج البلاغة:2|182.

(63)

كماجاء عن «عفيف الكندي» إنّه شاهد النبي صو زوجته و عليّاً «عليه السلام» يوَدّون الصلاة أمام الكعبة.(1)

وجاء في خطبة له (عليه السلام) قوله: «أنا الصديق الاَكبر، لقد صليت مع رسول اللّه قبل الناس سبع سنين، وأنا أوّل من صلّى معه».(2)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد ذلك أيضاً في أحاديثه المتكررة: «أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب».(3)

ومن أقوال الاِمام علي (عليه السلام) في ذلك، يذكر حكيم مولى زاذان،إنّه قال، سمعت علياً يقول: «صلّيت قبل الناس سبع سنين، وكنّا نسجد ولا نركع،وأوّل صلاة ركعنا فيها صلاة العصر». (4)

و قال أيضاً: «بُعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين وأسلمت يوم الثلاثاء».(5)

و قد أكّد هذا الموقف أكثر من ستين صحابياً وتابعياً أيّدوا القول الذي يذكر أنّ الاِمام علياً (عليه السلام) كان أوّل القوم إسلاماً.

و أشهر هوَلاء:

ـ أنس بن مالك : بُعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين وأسلم عليٌّ يوم الثلاثاء.

ـ بريدة الاَسلمي: ذكر نفس القول.

ـ زيد بن أرقم: أوّل من أسلم مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علي


1. الاِصابة:2|480.
2. خصائص النسائي: 3؛ سنن ابن ماجة:1|57؛ مستدرك الحاكم:1|112.
3. الغدير:3|220.
4. شرح نهج البلاغة :3|258.
5. مجمع الزوائد: 9|102.

(64)

بن أبي طالب، وأوّل من صلّى مع الرسول صعليّ، وأوّل من آمن باللّه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ (عليه السلام) .

ـ عبد اللّه بن عباس: أوّل من صلّى عليّ.

لعليّ أربع خصال ليست لاَحد هو أوّلُ عربيّ وأعجميّ صلّى مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كان عليّ أوّل من آمن من الناس بعد خديجة «عليه السلام» .

ـ سلمان الفارسي: أوّل هذه الاَُمّة وروداً على نبيّها الحوض أوّلها إسلاماً، علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

ـ أبو رافع: مكث عليّ يصلّي متخفياً سبع سنين وأشهراً قبل أن يصلّي أحد.

ـ كما نقل نفس الاَقوال والاَعمال التي قام بها الاِمام (عليه السلام) كلّمن:

أبو ذر الغفاري، خباب بن الاَرت، المقداد بن عمرو الكندي، جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، أبو سعيد الخدري، حذيفة بن اليمان، عمر بن الخطاب، عبد اللّه بن مسعود، أبو أيّوب الاَنصاري، هاشم بن عتبة المرقال، مالك بن الحارث الاَشتر، عدي بن حاتم، محمد بن الحنفية، محمّد بن أبي بكر، عبد اللّه بن أبي سفيان، الحسن البصري، الاِمام محمّد الباقر (عليه السلام) .(1)

6. دعوة الاَقربين

استمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو إلى دينه سرّاً مدّة ثلاثة أعوام، عمد فيها إلى بناء الكوادر وإعدادها من أفراد محدّدين، كانوا السبب في أن ينجذب إلى الدين الجديد جماعة آخرون تقبّلت دعوته.


1. الصواعق المحرقة: 72؛ تاريخ الخلفاء للسيوطي : 112.

(65)

واشتهر من بين السابقين إلى الاِيمان برسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : (1)

ـ السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)ـ علي بن أبي طالب (عليه السلام)

ـ زيد بن حارثة ـ الزبير بن العوام

ـ عبد الرحمن بن عوف ـ سعد بن أبي وقاص

ـ طلحةبن عبيد اللّه ـ أبو عبيدة الجراح

ـ أبو سلمة ـ الاَرقم بن أبي الاَرقم

ـ عثمان بن مظعون ـ قدامة بن مظعون

ـ عبد اللّه بن مظعون ـ عبيدة بن الحارث

ـ سعيد بن زيد ـ خباب بن الاَرت

ـ أبو بكر بن أبي قحافة ـ عثمان بن عفان

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخرج مع بعض أتباعه إلى شعاب مكّة للصلاة فيها بعيداً عن أنظار قريش، إلاّ أنّ البعض منهم رأوهم يصلُّون، فحدث نزاعٌ قصيرٌ بين الطرفين،حين استنكروا فعلهم، وهو ما جعلَالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يقرر اتّخاذ بيت «الاَرقم بن أبي الاَرقم» مكاناً للعبادة(2) حيث آمن في هذا البيت عددٌ آخر من المشركين، كان أبرزهم : عمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي.

وقد ركّز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جهده في الدعوة السريّة، دون عجلة أو تسرّع، يعرض فيها دينه على كلّمن وجده أهلاً لتقبل المبادىَ السامية،


1. السيرة النبوية:1|245.
2. وكان البيت عند جبل الصفا عرف إلى فترة بدار الخيزران. أُسد الغابة:4|44؛ السيرة الحلبية:1|283.

(66)

من الناحية الفكرية، ففي خلال ثلاثة أعوام اكتفى بالاتّصال الشخصيّ بمن وَجَدَه موَهلاً وصالحاً للدعوة ومستعداً لقبول الدين الجديد، ممّا ساعده في أن يكسب فريقاً من الاَتباع الذين اهتدوا إلى دينه بقبول دعوته.

أمّا زعماء قريش فإنّهم لم يعتنوا بالدعوة الجديدة، كما لم يتعرضوا بأي عمل عدائي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بل ظلوا ينظرون إليه باحترام، مراعين قواعد الآداب والسلوك، في الوقت الذي لم يتعرض فيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أيضاً لاَصنامهم وآلهتهم بسوء، ولا تناولها بالنقد والاعتراض بصورة علنية، وذلك أنّ زعماء قريش كانوا متأكدين من أنّ دعوته ستنتهي في العاجل بقولهم: إنّها أيّام وتنطفىَ بعدها شعلة الدعوة هذه فوراً، كما انطفأت من قبل دعوة «ورقة وأُميّة» اللّذين دعيا إلى نبذ الوثنية واعتناق المسيحية،ثمّنسي الاَمر.

وقد جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنوات الثلاث الاَُولى، أربعين شخصاً، لم يكن فيهم كفاية لاَن يصبحوا قوة دفاعية لحماية النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ورسالته، ممّا جعله يسعى إلى دعوة أقربائه، فكسر بذلك جدار الصمت،بالشروع في دعوة الاَقربين ثمّ الناس أجمعين،فالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» كان يوَمن ويعتقد أنّ أي إصلاح وتغيير لابدّ أن يبدأ من إصلاح الداخل وتغييره،ومن هنا أمره اللّه تعالى بأن يدعو عشيرته الاَقربين، الذين تمنّى أن يكوّنَ منهم سياجاً قوياً يحفظه ويحفظ رسالته من الاَخطار المحتَملة: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبين) (1) كما خاطبه بصدد دعوة الناس عامة 54321فَاصْدَعْ بِما تُوَْمَرُ وَأَعْرِضْعَنِ الْمُشْرِكينَ* إِنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزئِين) .(2)


1. الشعراء:214.
2. الحجر:94ـ95.

(67)

وقد اتّخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُسلوباً مميزاً في دعوة أقربائه، إذ أنّه أعدّ لهم مائدةً كبرى، لـ45 فرداً من سراة بني هاشم ووجهائهم،ليكشف لهم أمر رسالته خلال تلك الضيافة، إلاّ أنّالجو لم يناسب الحدث، فانفضّ المجلس دون تحقيق الغرض، ممّا اضطرّه إلى إعادتها في اليوم التالي. فقام النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بعد تناول الطعام، خطيباً فيهم وقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّ هو، إنّي رسول اللّه إليكم خاصةً وإلى الناس عامةً، واللّه لتموتنّ كما تنامون، ولتبعَثُنّ كما تستيقظون،ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً والنار أبداً. يا بني عبدالمطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟» فقام علي (عليه السلام) وهو في الثالثة عشرة أو الخامسةعشرة من عمره قائلاً: «أنا يا رسول اللّه أكونُ وزيرُك على ما بعثك اللّه». وبعدما تكرّر هذا الموقف ثلاث مرّات، أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد عليّ «عليه السلام» والتفت إلى القوم قائلاً: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».

فضحك الجميع مستهزئين،وقالوا لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه وجعله عليك أميراً.(1)

إنّ هذا الاِعلان عن وصاية الاِمام علي (عليه السلام) وخلافته في مطلع عهد الرسالة وبداية أمر النبوة، يفيد أنّ هذين المنصبين ليسا منفصلين، فقد


1. هذا ملخّص لتفصيل ما رواه أكثر المفسرين والموَرّخين دون أن يشكّك في صحته أحد، إلاّ ابن تيمية الذي اتخذ موقفاً فريداً من أهل البيت «عليهم السلام» راجع تاريخ الطبري:2|62؛ الكامل:2|40؛ مسند أحمد:1|11؛شرح نهج البلاغة:13|210.

(68)

أعلنهما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم إعلانه للدعوة والنبوة، ممّا يوَكد أنّ النبوة والاِمامة يشكّلان قاعدة واحدة، وإنّهما حلقتان متصلتان لا يفصل بينهما شيء، كما أنّ موقف الاِمام علي (عليه السلام) يكشف عن مدى شجاعته الروحية، حينما أعلن بكلّ جرأة وشجاعة، موَازرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حضور قوم ضمّ شيوخهم وسادتهم،معلِناً استعداده للتضحية في سبيل دينه،وهو غلام لم يتعد الخامسة عشرة.

وقد تناول «أبوجعفر الاِسكافي» هذا الموقف موضحاً إذ كتب يقول:

هل يكلّف عمل الطعام،ودعاء القوم، صغيرٌ غير مميّز وغيرُ عاقل؟! و هل يوَتَمن على سرّ النبوة طفل؟! و هل يُدعى في جملة الشيوخ والكهول إلاّ عاقل لبيبٌ وهل يضع رسول اللّه ص يده في يده، ويعطيه صفقة يمينه بالاَخوة والوصية والخلافة، إلاّ وهو أهلٌ لذلك، بالغُ التكليف، محتمل لولاية اللّه، وعداوة أعدائه، ما بالُهذا الطفل لم يأنس بأقرانه ولم يلصق بأشكاله، ولم يُر مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه،ولم ينزَع إليهم في ساعة من ساعاته، بل ما رأيناه إلاّماضياً على إسلامه، مصمّماً في أمره، محقّقاً لقوله بفعله، ولصق برسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» من بين جميع من حضره، فهو أمينه وأليفه في دنياه وآخرته.(1)


(69)

7. الدعوة العامة وتطوّر ردود أفعال قريش تجاهها

بعد تلك السنوات الثلاث، عمد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إعلان الدعوة جهراً، حين وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً بصوت عالٍ: «أرأيتكم إن أخبرتكم إنّالعدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدّقونني؟» قالوا: بلى. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد».(1) فرد عليه أحدهم: تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ فتفرّق الناس على أثر ذلك. إلاّ أنّه بعد فترة من الدعوة العامة، تشكلت جماعة قوية متعاطفة متحابّة، من السابقين واللاحقين، أو القدامى والجدد، كانت بمثابة إنذار لاَوساط الكفر والشرك والوثنية، وهم المخالفون،وقد تألّفت تلك الجماعة من قبائل مختلفة منعوا الكفّار من التعرض لهم، إذ لم يكن اتّخاذ أي قرار حاسم بحقّهم، أمراً سهلاً ومريحاً. ولذا قرر سادة قريش مواجهة قائد تلك الجماعة ومحركهم، بوسائل الترغيب والترهيب، بالاِغراء والتطميع، والاِيذاء والتهديد، واستمرت برامج قريش و موقفها من الدعوة بهذه الاَساليب طيلة عشر سنوات هي عمر الدعوة العامة في مكة، حتى اتّخذوا قرارهم النهائي بالتخلّص منه بقتله،في الوقت الذي تمكن (صلى الله عليه وآله وسلم) من إبطال موَامرتهم وإفشالها بالهجرة إلى المدينة.

وقد بدأوا التحرك في مطالبة كفيله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي طالب بأن يبعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم قائلين له: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلّي بينا و بينه. إلاّ أنّأبا طالب رَدّهم بقولٍجميلٍ حكيمٍ.(2)

ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، والقادمين إلى مكّة خلال الاَشهر الحرم، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداًبدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، فكثّر أنصاره منها، الاَمر الذي دفعهم إلى مقابلة أبي طالب مرةً أُخرى، ليذكّروه إشارة وتصريحاً، بالاَخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ الاِسلام وقوّته : إنّا واللّه لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه


1. السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية:1|194.
2. السيرة النبوية: 1|264.

(70)

عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فسكّن غضبهم وأطفأ ثائرَتهم وهدّأ خواطرهم، ليتم معالجة هذه المشكلة بطريقةٍ أفضل.

فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره بأمرهم، فردّ عليه بالجواب التاريخي الخالد، والذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الاِسلام الاَكبر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الاَمر حتى يظهِرَه اللّه، أو أهلك فيه، ماتركته». ممّا أثر في عمّه بتلك الكلمات العظيمة، فأظهر استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه قائلاً: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ ،فواللّه لا أُسْلِمَكَ لشيءٍ أَبداً».

وحاولت قريشٌ مساومة أبي طالب مرةً أُخرى، للتخلّص من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ودعوته، إلاّ أنّه رفض أي نوع من المساومة في هذه القضية، محافظاً على محمّدودينه.

فسلكوا طريقاً آخر، ووسيلة أجدى لاِثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المضي في دعوته،وهي تطميعه بالمناصب والهدايا والاَموال والفَتَيات الجميلات:فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنتَ إنّما تطلب الشرفَ فينا فنحن نسوِّدُكَ ونشرِّفك علينا،وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجنّ قد غلب عليك،بذلنا أموالنا في طِبّك.

إلاّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمّه: «يا عمّ أريدهم على كلمةٍ واحدة يقولُونها،تدين لهم العرب، وتوَدّي إليهم بها العجم الجزية».


(71)

قالوا: ما هي؟ قال: «لاإله إلاّاللّه». فقاموا فزعين قائلين: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إِنْهذا لشيء عجابٌ) .(1)

8. استخدام الاَساليب المتعدّدة لمنع انتشار الدعوة الجديدة

بعد استخدام أُسلوب الاَخذ والردّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق كفيله، وعدم جدواه، اضطرّت قريش إلى تغيير أُسلوبها ونهجها مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في منع انتشار دينه، مهما كلّف الثمن. فقرّروا اتخاذ سلاح السخرية والاستهزاء، والاِيذاء والتهديد.

وكان أبو طالب من جانب آخر، قد طلب من بني هاشم جميعاً القيام بحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلبّوا نداءه سواء بدافع الاِيمان أو الرحم، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من إيقاع الاَذى بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما وجدوا الفرصة السانحة، وخاصةً إذا وجدوه وحيداً بعيداً عن أعين حماته.

إنّ التاريخ يشهد بأنّ وجود رجال ذوي بأس شديد وقوة بين صفوف المسلمين، مثل «حمزة» الذي أصبح فيما بعد أحد كبار قادة الاِسلام، كان لهم أثر كبير في حفظ الاِسلام وحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعم جماعته.فقد جاء عنه: لما أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قد عزّ وامتنع، فكفّوا عمّا كانوا يتناولون منه.(2)

أمّا أساليب قريش فتعددت في الاِيذاء والاِيقاع بالرسولوجماعته، فقد كمن أبو جهل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما وقف للصلاة بين الركن اليماني والحجر الاَسود، ليضربه بحجر، إلاّ أنّه رجع عن عزمه دون أن ينفّذ خطته، مجيباً أصحابه في ذلك: قمت إليه لاَفعل به ما قلت لكم البارحة، فلمّا دنوتُ منه


1. السيرة الحلبية:1|303؛ تاريخ الطبري:2|65.
2. الكامل: 2|56.

(72)

عرض لي دونه ما لا رأيت مثله في حياتي، فتركته.(1)

ولا شكّ أنّ قوةً غيبيةً أدركت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك اللحظة وحفظته، كما وعده اللّه تعالى قائلاً: (إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئين) (2) فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يواجهُ في كلّيوم نوعاً خاصاً من الاَذى والمضايقة من هوَلاء الاَشرار، وأشهرهم: عقبة بن أبي معيط الذي شتمه وضربه، فكان أشدّ خصومه بغضاً له (صلى الله عليه وآله وسلم) . وعمّه أبو لهب الذي تعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَذاه مع زوجته أُمّ جميل، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاورهم فقاموا بإيذائه وإزعاجه، بإلقاء الرماد والتراب على رأسه الشريف، ونشر الشوك على طريقه أو عند باب بيته. والاَسود بن عبد يغوث، أحد المستهزئين، والوليد بن المغيرة، شيخ قريش وحكيمها وأكبر الملاّك فيها، وأُمية وأُبيّ، ابنا خلف، وأبو جهل(أبو الحكم بن هشام)، و العاص بن وائل، والد عمرو بن العاص الذي وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاَبتر.

وعندما فشلت أساليب قريش وأسلحتها الصديئة في القضاء على الدين الجديد وأهله، عمدوا إلى استخدام سلاح جديد لعلّه يكون أقوى من سوابقه، للحيلولة دون انتشار الاِسلام واتساع رقعته، وقطع علاقته بالمجتمع العربي، وهو سلاح الدعاية ضدّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . و من أساليبه:

الاتّهامات الباطلة، وقد أقرّوا استخدامها في دار الندوة، حين طرحوا فكرتها على «الوليد بن المغيرة»(3) الذي كان ذا مكانة مميزة عندهم، فقال: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد


1. السيرة النبوية:1|298.
2. الحجر:95.
3. أبو خالد بن الوليد.

(73)

قولكم بعضه بعضاً، ورأى ألاّ يقولوا عنه كاهن أو مجنون أو ساحر. و هكذا تحيّروا في ما ينسبون إلى رسول اللّهص حتّى اتّفقوا على أن يقولوا: إنّه ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وأخيه وزوجته وعشيرته، والدليل على ذلك ما أوجده من خلاف وانشقاق وتفرّق بين أهل مكّة الّذين عرفوا بالوحدة والاِتفاق.(1)

كما أشاعوا عنه الجنون، وأنّما يقوله ويقرأه ما هو إلاّ من نسج الخيال ومن أثر الجنون الذي لا يتنافى مع الزهد والاَمانة.

وقد ردّالقرآن الكريم على جميع تلك الاتهامات في آيات كثيرة وفنّدها.

وقد استمر أُسلوبهم في الاتهام والتشويش على شخصية النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة المحمدية بكلّالصور والمظاهر، فوصفوه بالكاهن، والساحر، والمجنون، وأنّه معلّم من قبل نصراني، وكذّاب و مفتر و شاعر، وما يقوله أضغاث أحلام.

ولما لم تأت كلّتلك الاتهامات بالنتيجة المرجوّة، ولم تنفع في الاِيقاع به، لمعرفة الناس بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته وأخلاقه منذ سنين بعيدة، اتجهوا إلى أُسلوب آخر، وهو معارضة القرآن الكريم عن طريق «النضر بن الحارث» أحد أعداء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تعلم في العراق شيئاً من أساطير الفرس وحكاياتهم، ليقصّ منها على الناس فيلهيهم عن السماع لرسول اللّهوالاِصغاء للقرآن الكريم. إلاّأنّ ذلك لم يدم طويلاً، فقد سأمت قريش أحاديثه فتفرقت عنه.

فاتجهوا إلى أُسلوب المجادلات الجاهلية والمآخذ السخيفة على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته، وهي تبرز تكبّرهم وعنادهم وجهلهم التي


1. السيرة النبوية:1|270.

(74)

طبعوا عليها. ومن أمثال هذه الوسيلة الاعتراض على النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» للاَُمور التالية :

1.عدم نزول القرآن على أحد أثريائهم.

2.عدم إرسال الملائكة إليهم.

3. تبديل الآلهة بإله واحد.

4.جدّد الحياة يوم القيامة.

5.عدم تملّكه لمعجزات متعدّدة كما كان لموسى (عليه السلام) .

وفي الوقت نفسه قدموا مقترحات لاِصلاح الوضع بينهم وبين النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل:

ـ أن يقوم بعبادة أصنامهم سنة، على أن يعبدوا إلهه سنة أُخرى.

ـ تبديل القرآن على ألاّ يحتوي على شجب عبادة الاَوثان.

ـ مطالب مادية عجيبة مستحيلة ومتناقضة، كأن يفجر لهم ينابيع، أو يأتي باللّه سبحانه وتعالى.

وعندما قدم وفدٌ مسيحيٌ تكوَّن من عشرين رجلاً من قبل أساقفة الحبشة لتقصّي الحقائق في مكة والتعرّف على الاِسلام، وزيارة النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» في مكّة، فجالسوه في المسجد وكلّموه وسألوه بعض المسائل، حتى عرض عليهم دينه وقرأ عليهم آيات من القرآن الكريم، فتأثرت نفوسهم وآمنوا به وصدّقوه.

وكان أبو جهل قد شاهد ما حدث فوبَّخهم على موقفهم وبما عملوا دون أن يوَدّوا عملهم كوفد من بلدهم، إلاّ أنّهم لم يردوا عليه إلاّ بخير. فكان لهذا الموقف أثره السيء في قريش دفعهم إلى تكوين وفد من «النضر بن الحارث وعقبة ابن أبي معيط» للسير إلى أحبار يهود المدينة وسوَالهم عن دين الرسول «صلى الله


(75)

عليه وآله وسلم» فأخبرهم اليهود أن يسألوه عن ثلاث، إذا عرفها فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو متقوّل.

1. عن فتيه ذهبوا في الدهر الاَوّل.

2. عن رجل طوّاف.

3. عن الروح، ماهي؟

فأجابهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآيات القرآنية، عن الروح في الآية 85 من سورة الاِسراء، وأصحاب الكهف وذي القرنين في سورة الكهف.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قابل تلك الآراء الشاذة والمقترحات الموَذية بصبر عظيم وثبات هائل، حرصاً منه على إبلاغ رسالته.

وبعد هذه الخطة الفاشلة، نفذوا خطة أُخرى وهي: منع كلّ من رغب في الاِسلام وقدم إلى مكّة للتعرف على النبيوالاتّصال به، وذلك بنشر الجواسيس في الطرقات للتعرض لهوَلاء ومنعهم من الوصول إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، وممّن تعرضوا له في الطريق: الشاعر الاَعشى، الذي قدم إلى مكّة ليهدي للرسول أبياتاً شعرية ويعلن إسلامه على يديه، فأقنعوه بالعودة إلى بلده بعد أن أخبروه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرم الخمر، وكان الاَعشى يحب الخمر والنساء. وقد مات في نفس العام فلم يفد على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» .(1) كما تعرّضوا للطفيل بن عمرو الدوسي الذي خشيت قريش أن يقوم بالاتصال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو شاعر حكيم، صاحب نفوذ وكلمة مسموعة في قبيلته، فخوّفوه من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسحره. إلاّ أنّه عندما سمع شيئاً من أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دون وعي منه، أحسن القولَ فأسلم وشهد شهادة الحقّ، ورجع إلى بلاده داعياً قومه إلى


1. السيرة النبوية:1|386.

(76)

الاِسلام، إلى أن تمّ اتصاله بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر فبقي معه حتى قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّّ شارك المسلمين بعد ذلك في معارك اليمامة زمن الخلفاء الراشدين، وقتل فيها.(1)

وتطورت وسائل وأساليب قريش في التخلّص من دعوة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وإيقاف زحف تلك الدعوة الاِسلامية واتّساعها في مدّة غير طويلة، إلى فرض حصار اقتصادي قويّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، تُقطع به كلّالشرايين الحيوية لهم، فتحدّ بذلك من سرعة انتشار الدين،وتخنق موَسسه وأنصاره. ولهذا وقَّع زعماء قريش في دار الندوة ميثاقاً كتبه:«منصور بن عكرمة» و علّقوه في جوف الكعبة، وتحالفوا على الالتزام ببنوده حتى الموت، وذلك في السنة السابعة من البعثة. وقد ضم الميثاق البنود التالية:

1. عدم التعامل التجاري مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصاره.

2.عدم التزاوج منهم.

3. عدم التحدّث معهم أو تناول الطعام معهم.

4. وأن يكونوا يداً واحداً على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصاره.

فما كان من «أبي طالب»إلاّ أن طلب من بني هاشم وبني المطلب، الاستعداد للدفاع عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والحفاظ على حياته وسلامته، على أن يستقرّوا خارج مكّة في شعب بين جبال مكّة عُرِفَ بشعب أبي طالب، والذي شمل بعض البيوت البسيطة، كما عيَّن بعض الرجال في جوانب مختلفة ومتفرقة، لمراقبة الطرق وحراسة المكان تحسباً لاَي طارىَ.(2)


1. السيرة النبوية:1|382.
2. السيرة النبوية:1|350؛ تاريخ الطبري:2|78.

(77)

ويشهد التاريخ أنّ أقوى العوامل في ثبات أقلية وصمودها في وجه الاَكثرية هو: قوة الاِيمان و الاعتقاد، وهذا ما تجلّى في أبي طالب و بني هاشم في هذه المأساة.

فقد استمر الحصار ثلاثة أعوام، جاع فيها الاَطفال والكبار متحمّلين قسوة الحال، فكان يعيشُ الفردُ منهم على تمرة واحدة طوال اليوم، وربما تقاسمها اثنان.

ولمّا كان لايُسمح لهم بالخروج من الشعب إلاّ في الاَشهر الحرم حيث يسود الاَمن في أنحاء الجزيرة العربية، فيخرج بنو هاشم للشراء والبيع ثمّ العودة إلى الملجأ، فإنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستغل هذا الموسم في نشر دينه ودعوته. إلاّ أنّ تجّار قريش كانوا يزيدون في سعر السلعة إذا أرادها مسلمٌ، على أن يقوم أبو لهب والوليد بن المغيرة بتعويض خسارة هوَلاء التجار. كما أنّهم عينوا الجواسيس على الطرق الموَدية للشعب حتى يمنعوا الاتّصال بالمسلمين. إلاّ أنّ بعضاً من أنصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوصل الطعام إليهم سراً خلال الليل كما أنّ قريشاً كانوا يصادرون مال كلّمن أراد التعامل مع أصحاب الشعب، في الوقت الذي اشتدّ إيذاوَهم لمن أعلن إسلامه.

ولكنّهم تأكدوا بعد فترة ليست قليلة بأنّ حصارهم هذا لم يأت بنتيجة مرجوة، ولم يتحقّق هدفهم منه و من غيره من الوسائل والاَساليب، ففكروا في نقض الميثاق بأيّ شكل. فقد صرّح «زهير بن أبي أُميّة» في مجلس قريش في المسجد الحرام بعدما اتّفق مع عدد آخر من المعارضين لمقاطعة بني هاشم:

يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يُبتاع منهم؟ واللّه لا أقعد حتى تُشَقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

وقام «المطعم بن عدي» إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد أنّ الاِرضة قد أكلتها إلاّ


(78)

عبارة :«باسمك اللّهم» فأسرع « أبو طالب» إلى الشِّعب يخبر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بما جرى، وانفك الحصار وعاد المحاصرون إلى منازلهم مرّة أُخرى. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عَلِم بأمر تقطيع الصحيفة والاِرضةالتي أكلتها إلاّ اسم اللّه، فأخبر أبا طالب بذلك، الذي قام بإخبار زعماء قريش بذلك، واتّفق معهم على: إن كان حقّاً ما ذكر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» فاتّقوا اللّه وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلاً دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتُموه وإن شئتم استحييتموه.وفقالوا: رَضينا ، وتعاقدوا على ذلك. إلاّ أنّهم نقضوا اتّفاقهم و نكثوا عهدهم لما شاهدوا وتأكدوا ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل ازدادوا شراً وعناداً، ورجع بنو هاشم مرّة أُخرى إلى الشِّعب محاصَرين فيه فترة أُخرى، حتى نقضها «هشام بن عمرو» فانتهى الحصار الاقتصادي لبني هاشم في منتصف شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة النبوية الشريفة.

وإلى جانب ذلك، فإنّ أفراداً من المسلمين تعرّضوا لاِيذاء قريش وتحمّلوا أشدّ أنواع العذاب، واشتهر منهم:

1. بلال الحبشي، الذي كان غلاماً لـ«أُميّة بن خلف» و هو أشدّ أعداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعمد إلى تعذيب هذا الغلام انتقاماً و تشفياً من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أنّه تردد ـ أي أُميّة ـ من إلحاق الاَذى به (صلى الله عليه وآله وسلم) خوفاً من عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحامية له.(1)

2. وعمار بن ياسر، الذي كان والده من السابقين إلى الاِسلام، فعمد المشركون إلى إيذائهم وتعذيبهم بعد ما انضموا إلى المسلمين، فكانوا يُخرِجون «عماراً وياسر وسمية» في وقت الظهيرة ويبقونهم طويلاً تحت أشعة الشمس، حتى مات ياسر، كما طعن أبو جهل بالرمح سُميّة في قلبها فماتت، فاعتُبرا أوّل


1. قتله بلال بالاِضافة إلى ابنه بعد أن أُسر في معركة بدر.

(79)

شهيدين في الاِسلام.(1)

أمّا عمّار فقد استخدم التقية للاِبقاء على نفسه، حيث تظاهر بترك الدين الاِسلامي حسب طلبهم، فانصرفوا عنه وتركوه. ولما ندم على فعله، طَمأنَه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالاِيمان. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن عادوا فَعُدْ».

3. «عبد اللّه بن مسعود» الذي أبدى استعداداً للقيام بتلاوة القرآن جهراً على مسامع قريش في المسجد الحرام، فقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمن الرَّحيم* الرَّحْمن* عَلَّم القُرآن) فقام إليه الجميع يضربونه في وجهه وهو يقرأ حتى أُدمي جسمه ووجهه فتركوه، وهو مسرور بما عمله في تمكين قريش من الاستماع إلى كتاب اللّه تعالى وآياته المباركة.(2)

4.وأبو ذر، أيضاً جاهر بالدين حين كان المسلمون يدعون سراً، فقد نادى في المسجد: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله.(3) ويوَكد التاريخ أنّ نداءه هذا كان أوّل نداء تحدّى جبروت قريش وظلمها، أطلقه رجل غريب عن مكّة وأهلها. فهجم عليه جماعة من قريش وضربوه بشدّة حتى أنقذه«العباس بن عبد المطلب» من الموت. بحجّة أنّه من غفار، وتمر تجارة قريش على بلده، فخافوا على تجارتهم فأمسكوا عنه.

ولما لم يحن الوقتُ بعد للدخول في مواجهات ساخنة مع المشركين، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بأن يلحق بقومه يدعوهم للاِسلام:«إلحق


1. بحار الاَنوار:18|241؛ السيرة الحلبية:1|300.
2. السيرة النبوية:1|314.
3. حلية الاَولياء: 1|158، طبقات ابن سعد:4|225؛ الاستيعاب:4|63.

(80)

بقومك فإذا بلغك ظهوري فأتني».

وقد تمكن من التأثير في قومه، فأسلم أبواه، ونصف رجال قبيلته ـ غفار ـ ثمّ أسلم ا لباقي بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، ثمّ تبعتها قبيلة «أسلم» التي وفدت على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتنقوا الاِسلام.

وقد التحق «أبو ذر» بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وأقام بها (1) و هو أوّل المجاهرين بالاِسلام، ورابع أو خامس من أسلم، فكان من

السابقين والاَوّلين، الذين لهم مكانة عظيمة عند اللّه تعالى ومقاماً لا يضاهى.


1. الدرجات الرفيعة:225ـ 230.


(81)

الفصل الرابع


موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

من إيذاء الكفّار للمسلمين


ـ الهجرة إلى الحبشة

ـ الاِسراء والمعراج

ـ سفره (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطائف

ـ المرحلة الجديدة في الدعوة ونتائجها: بيعة العقبة

ـ الهجرة الكبرى

ـ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة



(82)



(83)

مواجهة المسلمين

أمام أفعال قريش

1 . الهجرة إلى الحبشة

تعتبر هجرة فريق من المسلمين إلى الحبشة دليلاً بارزاً على إيمانهم وإخلاصهم العميق لدينهم وربّهم، فقد قرّر فريق من الرجال والنساء، بهدف الحفاظ على عقيدتهم، والتخلّص من أذى قريش، والاِقامة في مكان آمن يقيمون فيه شعائرهم بحرية ويعبدون اللّه الواحد، أن يغادروا مكة إلى جهة تحقّق أهدافهم، فنصحهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاِتجاه إلى الحبشة قائلاً: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صِدقٍ حتّى يجعل اللّه لكم فَرَجاً ممّا أنتم فيه».

لماذا اختار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك الاَرض؟ ويتضح السّر إذا درسنا أوضاع الجزيرة العربية والمناطق المجاورة لها. فالهجرة إلى المناطق العربية التي سكنها المشركون والوثنيون كانت تنطوي على خطر كبير على هوَلاء الاَفراد من المسلمين، إذ أنّهم سيمتنعون عن قبولهم في أرضهم إرضاءً لقريش أو وفاءً وتعصّباً لدين الآباء. وكذلك لم تصلح المناطق التي عاش بها اليهود


(84)

والنصارى لذلك إذ أنّ الصراع المذهبي والطائفي كان شائعاً بينهما، فلم تكن الاَوضاع لتسمح بدخول طرف ثالث في حلبة الصراع، كما أنّ هوَلاء الفريقين ـ اليهود والنصارى ـ كانوا يحتقرون العنصر العربي أساساً، ممّا يمنع التعايش معهم.

أمّا المناطق الخارجية، فإنّ اليمن كانت تحت حكم الفرس، الذين لم يقبلوا بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بعد، حتى إنّ إمبراطور فارس طلب من عامله على اليمن، القيام بالقبض على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرساله إليه. وكذلك الحيرة فقد كانت تحت النفوذ الاِيراني وسيطرته. أمّا الشام فكانت بعيدةً عن مكّة المكرّمة، لم تصلح للجوء المسلمين إليها، كما أنّها كانت سوقاً لقريش تربط سكانها بهم روابط وعلاقات وثيقة، وهي علاقات اقتصادية قوية.

ولذا فإنّ الفريق الموَمن غادر مكة ليلاً في غفلة من المشركين نحو ميناء جدّة للسفر عبر مينائها إلى أرض الحبشة، حيث وصلوا في الوقت الذي كانت فيه سفينتان تجاريتان على أُهبة الاِقلاع، فبادرالمسلمون إلى ركبوها لقاء نصف دينار عن كلّ راكب. وكان الفريق مكوناً من عشرة أو خمسة عشر شخصاً، بينهم أربع من النسوة المسلمات، ولم يكونوا من قبيلة واحدة، بل انتمى كلّ واحد منهم إلى قبيلة معينة. وقد حدث ذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)

و قد حاول المشركون في مكّة اللحاق بهم، فبعثوا جماعة من رجالهم لاِعادتهم إلى مكّة، إلاّ أنّ السفينة كانت قد غادرت الميناء. وكان روَساء «دار الندوة» بمكة وأقطابها، يعلمون جيدا أضرار هذه الهجرة وآثارها على أوضاعهم،


1. بحار الاَنوار: 18|412.

(85)

ولذا اهتموا في إعادتهم فوراً إلى ديارهم.

وقد تبعت هذه الهجرة، خروج جماعة أُخرى بلغ عددها 83 فرداً على رأسهم: «جعفر بن أبي طالب » ابن عمّ الرسولحيث تمّت بحريّة، وقد اصطحبوا فيها نساءهم وأولادهم،إلى أرض الحبشة أيضاً. وقد وجد المسلمون أرضها كما وصفها النبي ص: عامرةً، وبيئة آمنة حرة، تصلح لعبادة اللّه تعالى بحرّية وأمان. وبيّنت «السيدة أُمّ سلمة» الوضع بقولها: «لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمننا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نُوَذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه».

وقد حدثت هذه الهجرة في رجب من السنة الخامسة من النبوة، وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان ورمضان، وقدموا في شوال، لما بلغهم أنّ قريشاً أسلمت فعاد منهم قوم وتخلف آخرون.(1) إلاّ أنّ ذلك كان كذباً، فلم يدخل منهم مكّة إلاّالقليل، وعادت الاَكثرية إلى الحبشة ثانية. وكان ممّن دخل مكّة منهم: «عثمان بن مظعون» الذي دخل بجوار الوليد بن المغيرة، ولكنّه ردّ عليه جواره فاختار جوار اللّه ليواسي المسلمين ويشاركهم آلامهم ومتاعبهم، ممّا جعله يتلقّى فيما بعد شيئاً من تعذيب الكفّار وأذيتهم فأصابوا عينه.

وحينما علمت قريش ما أصبح فيه المسلمون المهاجرون من أمن وحرّية ، ثار فيهم الحسد، وتوجّسوا خيفة من نفوذهم هناك في الحبشة، التي اعتبرت أرضها الآن قاعدة قوية لهم، كما أنّهم تخوفوا من اعتناق نجاشي الحبشة لدينهم، فيكسبوا تأييده، ممّا يدفعه إلى محاربة مكّة فيما بعد للقضاء على حكومة


1. الكامل في التاريخ:2|52.

(86)

المشركين الوثنيين في شبه الجزيرة العربية. ولذا فقد اجتمع الاَقطاب في «دار الندوة» للتشاور في هذا الاَمر الخطير، فاستقر رأيهم على إرسال وفد منهم إلى البلاط الحبشي لاستمالة القواد والوزراء بالهدايا القيمة، لاِخراج المسلمين من أرضهم، فقد تحدّدت تعليماتهم إلى رئيس الوفد: عمرو بن العاص، وعبد اللّه بن أبي ربيعة: ادفعا إلى كلّ بطريقٍهديته قبل أن تكلّما النجاشي فيهم، ثمّقدّما إلى النجاشي هداياه، واسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلّمهم.

وحينما توجّها إلى الملك الذي تقبّل الهدايا، قالا له: أيّها الملك إنّه قد ضوى ـ أي لجأ ليلاً ـ إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك،وجاءوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

وقد شجعهم على قولهم هذا بطارقتُه الذين حصلوا على الهدايا من قبل، إلاّ أنّ النجاشي الحكيم العادل رفض إجابة مطالبهم دون أن يرجع إلى المسلمين فيرى رأيهم. وعندما حضروا أمامه بقيادة «جعفر بن أبي طالب » الناطق باسمهم، سأله الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر بن أبي طالب بعد أن وصف حالهم قبل الاِسلام وكيف أنّ اللّه هداهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدّقناه وآمنا به واتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا،


(87)

فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاَوثان، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلُّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلَم عندك أيّها الملك.(1)

وقد أثّرت كلمات «جعفر» البليغة وحديثه العذب تأثيراً عجيباً في نفس النجاشي حتى أغرورقت عيناه بالدموع،وخاصة عندما قرأ عليه بعض الآيات القرآنية التي تخص عيسى و مريم «عليهما السلام» فبكى النجاشي وبكى أساقفتُه معه، وقال: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، ويقصد أنّ القرآن والاِنجيل كلام اللّه و أنَّهما شيء واحد. ثمّ التفت نحو موفدي قريش قائلاً: انطلقا فلا واللّه لا أسلمَهم إليكما.

إلاّ أنّ «عمرو بن العاص» فكّر في حيلة جديدة تخلّصهم من موقفهم السّيء والمخزي، وهي: أن يخبر الملك بما يسيء إلى المسيح (عليه السلام) فقال في اليوم التالي للملك: إنّهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. ولكنَّ جعفراً أجاب الملك في ذلك: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. ممّا سرّالنجاشي و رضي به وقال: هذا واللّه هو الحقّ. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، من سَبّكُم غُرِم، ما أحبّ أنّ لي دبراً من ذهب، وإنّي آذيت رجلاً منكم. ثمّ ردّعلى وفد قريش هداياهم قائلاً: فلا حاجة لي بها، فواللّه ما أخذ اللّه منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.(2) لا فخرجوا من عنده خائبين مقبوحين.


1. أوّل الخطاب في ص 20 من الكتاب.
2. السيرة النبوية: 1|338؛ إمتاع الاَسماع : 21؛ بحار الاَنوار: 18|414.

(88)

2. الاِسراء والمعراج

بدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رحلته الفضائية من بيت «أُمّ هانىَ» أُخت الاِمام علي (عليه السلام) (1) إلى بيت المقدس في فلسطين، والّذي يسمّى المسجد الاَقصى، وتفقّد بيت لحم مسقط رأس السيّد المسيح (عليه السلام) ومنازل الاَنبياء وآثارهم، وصلّى عند كلّ محراب ركعتين. ثمّ بدأ في القسم الثاني من رحلته، المعراج إلى السماوات العلى، فشاهد النجوم والكواكب، واطّلع على نظام العالم العلوي، وتحدّث مع أرواح الاَنبياء والملائكة، واطلع على مراكز الرحمة والعذاب ـ الجنّة والنار ـ ورأى درجات أهل الجنّة، و تعرّف على أسرار الوجود و رموز الطبيعة، ووقف على سعة الكون وآثار القدرة الاِلهية المطلقة، ثمّ واصل رحلته حتى بلغ سدرة المنتهى، فوجدها مسربلة بالعظمة المتناهية والجلال العظيم. وهنا كان قد انتهى برنامج الرحلة، فأُمر بالعودة من حيث أتى، فمرّ في طريق عودته، على بيت المقدس ثانية، ثمّ توجه نحو مكّة، مارّاً على قافلةٍ تجاريةٍ خاصّة بقريش، وبعيرٌ لهم قد ضلّ في البيداء يبحثون عنه، وشرب من مائهم، ثمّ ترجّل عن مركبته الفضائية ـ البراق ـ في بيت أُمّ هانىَ، قبل طلوع الفجر. فأخبرها بما حدث، كما كشف عنه في أندية قريش صباح نفس تلك الليلة. إلاّ أنّ قريشاً كعادتها كذّبته وأنكرته، على أساس عدم استطاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القيام بذلك في ليلة واحدة، وطلبوا منه أن يصف بيت المقدس، فوصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاً شاملاً، مع ما شاهده في الطريق، وخاصة


1. مجمع البيان:6|395؛السيرة النبوية:1|396.

(89)

عير قريش، التي أكد لهم بأنّها الآن في موقع التنعيم، فلم تمض لحظات حتى طلعت عليهم العير، فحدّثهم أبو سفيان بكلّما أخبرهم به الرسول من ضياع بعيرهم في الطريق والبحث عنه.(1)

وقد اختلفت الاَقوال عن وقت حدوث الاِسراء والمعراج، فادّعى «ابن هشام و ابن إسحاق» انّه وقع في السنة العاشرة من البعثة الشريفة، وذهب الموَرّخ «البيهقي» انّه حدث في السنة الثانية عشرة منها، بينما قال آخرون إنّه وقع في أوائل البعثة، في حين أنّ فريقاً رابعاً أكد وقوعه في أواسطها.وربما يقال في الجمع بين هذه الاَقوال انّه كان لرسول اللّهمعارج متعدّدة.

وهناك اعتقاد أنّ المعراج الذي فرضت فيه الصلاة وقع بعد وفاة أبي طالب (عليه السلام) في السنة 10 من البعثة. والذين تصوّروا أنّالمعراج وقع قبل هذه السنة مخطئون، لاَنّ النبي ص كان محصوراً في شعب أبي طالب منذ عام 8 وحتى 10، فلم يكن المسلمون مستعدّين لوضع التكاليف عليهم. و أمّا سنوات ما قبل الحصار، فعلاوة على ضغوط قريش على المسلمين، والتي كانت مانعاً من فرض الصلاة عليهم، فإنّ المسلمين كانوا قلّة، ولم يكن نور الاِيمان وأُصول الاِسلام قد ترسخت بعد في قلوب ذلك العدد القليل، ولذا يستبعد أن يكونوا قد كلّفوا بأمرٍ زائدٍ مثل الصلاة في مثل تلك الظروف.

أمّا ما ورد في بعض الاَخبار والروايات، بأنّ الاِمام عليّاً (عليه السلام) صلّى مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة بثلاث سنوات، فليس المراد منها الصلاة المكتوبة، بل كانت عبارة عن عبادةٍ خاصةٍ غير محدّدة، أو كان المراد


1. بحار الاَنوار: 18|283و 410.

(90)

منها الصلوات المندوبة والعبادات غير الواجبة.(1)

وأمّا بالنسبة لما قيل وذكر عن معراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جسمانياً أو روحانياً، فقد قيل فيه الكثير، بالرغم من أنّ القرآن الكريم والاَحاديث النبوية توَكّد أنّ ذلك حدث جسمانياً، إلاّ أنّ بعض الآراء ترى أنّذلك وقع روحانياً، أي أنّ روح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طافت في تلك العوالم ثمّ عادت إلى جسده (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّة أُخرى، وذهب آخرون إلى أنّ كلّ ذلك حدث في عالم الروَيا، وروَيا الاَنبياء صادقة.(2) وربما دلّ تكذيب قريش وانزعاجها واستنكارها لحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنّذلك حدث جسمانياً. وإذا كان المراد من المعراج الروحاني هو التفكير في عظمة الحقّ وسعة الخلق والتدبير في مخلوقات اللّه ومصنوعاته ومشاهدة جماله وجلاله، فلا شكّ أنّ ذلك ليس من خصائص رسولنا الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بل إنّ كثيراً من الاَنبياء والاَولياء امتلكوا هذه المرتبة ، بينما أعتبره القرآن الكريمُ من خصائصه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونوع من الامتياز الخاصّ بهص. كما أنّحالة التفكير في عظمة الخالق والاستغراق في التوجه إليه، كانت تتكرر للرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في كلّ لليلة، وليس ليلة بعينها كما جرى وحدث في المعراج.

أمّا في العلم الحديث، فإنّ القوانين الطبيعية والعلمية الحالية لا تتلاءم مع معراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك للاَسباب التالية:

1. إنّ الابتعاد عن الاَرض يتطلب التخلّص من جاذبيتها، أي إبطال مفعولها، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد خرج عن محيط الجاذبية وأصبح في حالة انعدام الوزن، فكيف تمكن أن يطوى هذه المسافات بدون الوسائل


1. يراجع في ذلك الكافي:3|482.
2. نقل العلاّمة الطبرسي في تفسير مجمع البيان إجماع علماء الشيعة على جسمانية المعراج:6|395.

(91)

والاَدوات اللازمة، وعدم توافر الغطاء الواقي، الذي يصون الجسم من التبعثر والذوبان بفعل السرعة الهائلة؟

2. و كيف تمكن من العيش و الحياة في أعالي الجو بدون وجود أوكسجين؟

3. و كيف تمكن أن يصون نفسه من الاَشعة الفضائية والاَحجار السماوية؟

4. و إذا كان الاِنسان يعيش تحت ضغط معين من الهواء لا يوجد في الطبقات العليا من الجو، فكيف حافظ على حياته هناك؟

5. لا يستطيع أيّ جسم أن يتحرّك بسرعة تفوق سرعة النور، التي هي 30 ألف كم في الثانية، فكيف استطاع النبيالسير بتلك السرعة الهائلة ويرجع إلى الاَرض سالمَالجسم؟!

و الجواب على ذلك سهل ويسير، فإنّ البشر استطاع بأدواته وآلاته العلمية والتكنولوجية أن يعالج مشكلات عديدة في مجال ارتياد الفضاء، مثل مشكلة الاَشعة الفضائية وانعدام الغاز اللازم للتنفس، كما أنّ العلماء يخطّطون للعيش على سطح الكواكب كالقمر والمريخ، وبذا فإنّ العلم يوَكّد سهولة ارتياد الفضاء وعدم استحالته، فإذا كان البشر في إمكانه أن يقوم بذلك عن طريق الاَدوات والآلات العلمية، فإنّ الاَنبياء يمكنهم فعلَها بواسطة قدرة اللّه سبحانه و تعالى وفعله. فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرج بعناية وقدرة اللّه الذي خلق الوجود كلّه، وأقام هذا النظام البديع. فجميع العلل الطبيعية والموانع الخارجية مسخَّرة للّه تعالى وخاضعة لاِرادته، ومطيعة لاَمره. وكأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر البشرية وحتى الّذين يعيشون في هذا القرن: إنّني فعلت هذا بدون أيّة وسيلة، وإنّ ربّي قد منّ عليّوعرّفني على نظام السماوات والاَرض، وأطلعني بقدرته وعنايته على أسرار الوجود و رموز الكون.


(92)

وقال الاِمام موسى الكاظم (عليه السلام) في ذلك: «إنّ اللّه يوصَف بمكان ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أرادَ أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبِّهون ، سبحان اللّه تعالى عمّا يصفون».(1)

3. سفر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطائف


توفيت السيدة خديجة(عليها السلام) بعد وفاة أبي طالب، بشهر وخمسة أيّام، في السنة العاشرة من البعثة.(2) وهي التي سمّاها الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» عام الحداد أو الحزن. ومنذ هذا الوقت واجه (صلى الله عليه وآله وسلم) ظروفاً صعبة قاسية قلّما واجهها من قبل. فقد اصطدم منذ بداية السنة الحادية عشرة بأحوال قاسية مفعَمة بالعداء والحقد والاَخطار التي هدّدت حياته الشريفة، بل افتقاد إمكانية نشر الدعوة.فلمّا هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاَذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيهٌ من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً. وفي البيت عندما بكت ابنته على وضعه هذا قال: «ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب».(3)

وقد دفع هذا الاَمر المتردّي، أن يبحث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيئة أُخرى أفضل من بيئته لنشر الدعوة فيها، فاختار الطائف التي كانت تعتبر مركزاً هاماً آنذاك،فقرر السفر إليها وحيداً لمقابلة زعماء ثقيف، لعلّه يكسب نجاحاً في مهمته أو أنصاراً جدداً.


1. علل الشرائع:55؛ البحار:18|347؛ تفسير البرهان:2|400.
2. تاريخ الخميس:1|301.
3. السيرة النبوية:1|415، بحار الاَنوار: 19|5.

(93)

إلاّ أنّ عرضه لم يوَثر فيهم، بل إنّهم ردّوا عليه بصبيانية أوضحت تملّصهم من قبول الدعوة أو اعتناق الدين، بل أنّهم تمادوا في سلوكهم العدواني فأحاط به جمعٌ كبير منهم يسبّونه ويصيحون به، فالتجأ إلى بستان «عتبة وشيبة ابني ربيعة» للتخلّص من هوَلاء السفهاء، وعمد إلى ظل جلس فيه وهو يتصبب عرقاً، فقد ألحقوا الاَذى بمواضع عديدة من بدنه الشريف، كما أنّ رجليه سالت منهما الدماء، ولما دعا اللّه سبحانه وتعالى أن يعينه على هوَلاء الاَشرار، فقد تقدّم إليه ابنا ربيعة ـ اللّذان كانا ينظران إليه و يريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ـ بطبق من عنب قدمه إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) غلام لهما اسمه «عداس النصراني» من أهل نينوى، فلمّا رأى ما يعلمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من علوم عن المسيح (عليه السلام) أسلم على يديه.

إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتمكن من الرجوع إلى مكّة بسهولة، حيث خاف أذى المشركين، ممّا جعله يترك «نخلة» وهي واد بين الطائف ومكة، إلى حراء، فالتقى رجلاً من بني خزاعة طلب منه أن يخبر «المطعم بن عدي» بحالته، ويسأله أن يجير رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يدخل مكة في أمان.

ورغم أنّ «المطعم» كان وثنياً، إلاّ أنّه قبل أن يجيره «صلى الله عليه وآله وسلم» فدخل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة ليلاً، ونزل في بيت «مطعم» و بات فيه، ثمّ دخل في الصباح مع أهل بيته إلى المسجد الحرام ثمّ إلى منزله.(1)

ولم ينس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عمله الطيب هذا، بل تذكّره حتى بعد وفاة المطعم، إذ أنّه أعلن في معركة بدر عن استعداده للاِفراج عن جميع


1. السيرة النبوية:1|381؛ بحار الاَنوار: 19|7.

(94)

الاَسرى لو كان حيّاً، تقديراً لما قام به من إجارة وخدمة كبيرة له.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستخدم كلّوسيلة وطريقة لنشر دعوته، فكان يقوم بالدعوة في كلّوقت وكلّ مكان، منتهزاً الفرص المناسبة لذلك، مثل استغلاله لاَسواق العرب الشهيرة: عكاظ والمجنة وذي المجاز، حيث كان الخطباء والشعراء يقفون فيها ليلقوا ما عندهم من شعر وخطب، وفكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقف على مكان مرتفع خاطباً: «قولوا لا إله إلاّاللّه تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذلّ لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة».(1)

كما أنّه كان يلتقي في مواسم الحج بروَساء القبائل وأشرافها يعرض عليهم دينه، ويدعوهم إلى اللّه سبحانه، ويخبرهم بأنّه نبي مرسل، ويقول ابن هشام في ذلك: كان (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمع بقادم من العرب إلى مكة له اسم وشرف إلاّتصدّى له فدعاه إلى اللّه وعرض عليه ما عنده.


1. طبقات ابن سعد: 1|216.


(95)

المرحلة الجديدة في الدعوة و نتائجها الموَثرة

4. بيعة العقبة

سكنت يثرب قبيلتا الاَوس والخزرج في القرن الرابع الميلادي يعد هجرتهم من اليمن، وهم من القحطانيين . كما سكن بجانبهم اليهود القادمين من شمال الجزيرة العربية. وكثيراً ما كان يحضر منهم جماعة إلى مكّة، فكان النبييلتقي بهم ويتصل معهم عارضاً عليهم دينه، وقد كان لهذه اللقاءات والاتّصالات أثرها فيما بعد ودافعاً لهجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يثرب، فقد كان حجاجهم ينقلون أخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أهاليهم، ممّا مكنهم التعرف عليه وعلى أهدافه. وقد تمّت تلك الاتّصالات فيما بين سنوات 11، 12، 13 من البعثة.

ومن أشهر من تشرّف بمقابلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «سويد بن الصامت» الذي أسلم ونشر الاِسلام بين قومه، إلاّ أنّ الخزرج قتلته قبل يوم بعاث.(1) و «إياس بن معاذ» الذي رأى في إسلام أهله تخلّصاً من النزاع والتناحر بينهم، ليصبحوا بفضل الدين الجديد إخوة تزول بينهم أسباب العداء والقتال.

وكذلك تمّت مبايعة ستة أفراد من الخزرج والاِيمان به وبالاِسلام:إنّا قد


1. بعاث، موضع جرت فيه حرب بين الاَوس والخزرج.

(96)

تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ مثل ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّه بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك،ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه، فلا رجل أعزّمنك.(1)

وكان لهوَلاء تأثيرهم الاِيجابي في أهل يثرب، حيث أسلم عددٌ منهم، وقدم في السنة التالية 12 من البعثة، اثنا عشر رجلاً منهم، عقدوا مع النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بيعة العقبة، وهي أوّل بيعة في الاِسلام، وكان أبرزهم: أسعد بن زرارة، وعبادة الصامت.

وكان نصّ البيعة، بعد الاعتراف بالاِسلام والاِيمان باللّه وبرسوله: «بايعنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ألاّ نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق ولا نزني،ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف» ويرد عليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى اللّه عزّوجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر».

وطلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرسل إليهم من يعلّمهم القرآن والدين، إذ أنّهم نشطوا في نشر الاِسلام بعد عودتهم إلى يثرب، فبعث إليهم: «مصعب بن عمير» الداعية النشط الذي تمكن من أن يجمع المسلمين في غياب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويوَمهم ويصلّي بهم.(2)

وهكذا فقد أحدث تقدُّم الاِسلام في يثرب، هيجاناً كبيراً، وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فانتظروا حلول موسم الحجّ للاِلتقاء بالرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فخرجت قافلة كبيرة منهم ضمت 500 نفر، فيهم 73 مسلماً


1. تاريخ الطبري:2|86؛ السيرة النبوية: 1|427؛ بحار الاَنوار: 19|25.
2. السيرة النبوية:1|434؛ بحار الاَنوار: 19|25.

(97)

بينهم امرأتان، فالتقوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي واعدهم بالعقبة:«موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق»، وهي الليلة 13 من شهر ذي الحجّة، فاجتمع بهم مع عمّه «العباس بن عبد المطلب» بعد أن مضى ثلث الليل ونام الناس، حتى لا يشعروا بخروجهم.

فتكلّم فيهم العباس قائلاً: إنّمحمّداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عزّمن قومه ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنّه في عزّومنعة من قومه وبلده.

ثمّتكلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الاِسلام ثمّ قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». فبايعوه على ذلك و هم في حماس وسرور عظيم.

كما أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاهدهم على أن يبقى معهم، ويكون بجانبهم في سلمهم وحربهم: «أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» ثمّ قال لهم: «أخرجوا إليّمنكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم». فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، فقالص: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسي بن مريم، وأنا كفيل على قومي ـ أي المسلمين ـ فأُبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون نساءكم وأولادكم». فقالوا: نعم. فبايعوه على ذلك».

وكان النقباء ، 9 من الخزرج و3 من الاَوس، وقد انفضّ الجمع بعد ذلك، بعد أن وعدهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهاجر إليهم في الوقت المناسب.(1)


1. بحار الاَنوار: 19|25؛السيرة النبوية:1|441؛طبقات ابن سعد:1|221.

(98)

أمّا بخصوص قبول أهل يثرب الدين الاِسلامي أسرعَ من أهل مكّة الذين رفضوه خلال ثلاثة عشر عاماً، فإنّ هناك عاملين هامين كان لهما التأثير المباشر القويّ في ذلك:

1. وجود اليهود بالمدينة، وقيامهم بنشر الاَخبار عن ظهور نبي جديد ودين جديد، ممّا هيّأ أهلها لقبول هذا الدين الذي كانوا ينتظرونه، الاَمر الذي جعلهم أسرع في تقبلهم للدعوة خلال البيعة الاَُولى، حين قال بعضهم لبعض: واللّه إنّه للنبيّ الذي توعّدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه.

2. كما أنّالحروب الطويلة التي جرت بين أطراف أهل يثرب، والتي استمرت مائة وعشرين عاماً، قد أنهكتهم وكادت أن تذهب بما تبقّى من رمقهم، فملّوا الحياة، وفقدوا كلّأمل في تحسن الاَحوال والاَوضاع، فبحثوا عن مخلّص لما هم فيه من حالة سيئة ومشكلات مزمنة. ولهذا تمنّوا أن يضع النبي ص حداً لاَوضاعهم المتردية فقالوا: «عسى أن يجمعهم اللّه بك، فإن جمعهم اللّه بك فلا رجل أعزّ منك».

وقد أحدث كلّذلك خوفاً عجيباً في قلوب قادة قريش وسادة مكة المشركين المتغطرسين، إذ أنّ ذلك يعني أنّالمسلمين وجدوا قاعدة قوية في قلب الجزيرة العربية، تجمع كلّ طاقات المسلمين المبعثرة، و تعمل معاً في نشر دينهم وعقيدتهم، ممّا سيشكل خطراًجديداً يهدّدهم في الصميم،ولهذا بادَرتْ قريشٌ في الاتّصال بالخزرجيّين للاستفسار عمّا حدث في العقبة. فحلف لهم المشركون من أهل يثرب أنّه لم يحدث ما يوَذيهم أو يهدد مصالحهم،ولم يعلموا عنه، وهم في قولهم صادقون، إذ أنّهم لم يعلموا بما حدث في العقبة.

وحاولوا إلقاء القبض عليهم قبل خروجهم من مكّة، إلاّ أنّهم كانوا قد


(99)

توجهوا قبل ذلك نحو المدينة، فظفروا بـ «سعد بن عبادة» الذي تولّوا ضربه بعد ربط يديه إلى عنقه، حتى خلّصه منهم: «المطعمُ بن عدي».(1)

وفي المدينة المنورة، كان قد أسلم فيها كلُّ قبيلة «بني عبد الاَشهل» قبل أن يروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأصبحوا من الدعاة إلى الاِسلام والمدافِعين عن عقيدة التوحيد، بفضل نشاط الدعاة: مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، اللّذين أثّرا في إسلام قادة القبيلة: أُسيد بن حضير وسعد بن معاذ، ثمّ إسلام الباقي.(2)

وعندما اشتدّإيذاء قريش للمسلمين بعد إسلام جماعة من أهل يثرب، طلب بعضُهم النجاة بنفسه والهجرة إلى أيّمكان، فاستمهلهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» وقال: «لقد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها».(3)

وبذا فقد ترك المسلمون مكّة وهاجروا إلى المدينة تدريجياً، حتّى لا تعلم بهم قريش، إلاّ أنّ زعماءها فطنوا لسرهم، فمنعوا السفر والتنقل لاَيّ مسلم، وإعادة كلّ من وجدوه أثناء الطريق، وحبس زوجة كلّ مسلم أراد الهجرة. ولكن لحسن الحظ، لم يثمر كلّ ذلك، فإنّ معظم المسلمين تمكّنوا من الفرار والهجرة إلى يثرب، ما عدا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاِمام علي (عليه السلام) و أبو بكر، وعدد قليل من المسجونين والمرضى من المسلمين. حتى حان الوقت الذي أقرّ فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الهجرة من مكة في شهر ربيع الاَوّل من السنة 13 من البعثة النبوية المباركة.

5. الهجرة الكبرى

اجتمع روَساء قريش في دار الندوة، للتشاور فيما حدث أخيراً، من تجمع


1. السيرة النبوية:1|449.
2. إعلام الورى :59؛ بحار الاَنوار:19|10.
3. طبقات ابن سعد:1|226.

(100)

القوى والعناصر الاِسلامية وتمركزها في المدينة، فاتّخذوا قراراً قاطعاً وحاسماً وخطيراً، وهو القضاء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتخلص منه بقتله، بواسطة اشتراك جميع القبائل في هذا العمل الاِجرامي حيث قال المقترح: فتختاروا من كلّ قبيلة رجلاً قوياً ثمّتسلحوه حساماً عضباً،وليهجموا عليه بالليل ويقطّعوه إرباً إرباً، فيتفرّق دمه في قبائل قريش جميعها، فلا يستطيع بنو هاشم و بنو المطلب مناهضة قبائل قريش كلّها في صاحبهم، فيرضون حينئذٍ بالدية منهم. فاستحسن الجميع هذا الرأي واتّفقوا عليه، ثمّ اختاروا القَتَلَة، على أن يوَدّوا مهمتهم بالليل أثناء الظلام.(1)

إلاّ أن جبرائيل (عليه السلام) نزل على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبلغه بموَامرة المشركين فقرأ عليه قول اللّه تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجُوكَ وَيمكرونَ وَيَمْكرُ اللّهُ واللّهُ خيْر الماكِرين) .(2)

ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرر أن ينام شخص في فراشه ليتصوّر المشركون أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) موجود في منزله لم يبرحه، فيرتكز عملهم على محاصرة البيت دون الاهتمام بمراقبة الطرقات في نواحي مكة. فنام الاِمام علي (عليه السلام) في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاصر المنزل أربعون فرداً من قريش، وخرج النبي ص من الباب دون أن يشعر به أفراد قريش المكلّفون بقتله، حينما قرأ (صلى الله عليه وآله وسلم) سورة «يس» إلى قوله: (فَهُمْ لا يُبْصِرُون) . وخروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الصورة والكيفية، فسّره البعض بأنّ القوم المحاصرين كانوا نياماً لحظة خروجه، إلاّ أنّ آخرين يرون إنّه خرج من البيت عن طريق الاِعجاز والكرامة دون أن يروه ويحسّوا به.

وقبيل طلوع الفجر عند ساعة الصفر، هجم المتآمرون على فراش النبي


1. طبقات ابن سعد: 1|227؛ السيرة النبوية:1|480.
2. الاَنفال:30. ليثبتوك: ليسجنوك.

(101)

(صلى الله عليه وآله وسلم) ففوجئوا بوجود الاِمام علي (عليه السلام) يكشف عن نفسه، فغضبوا وندموا على انتظارهم الطويل حتّى الفجر، ولاموا أبا جهل الذي منعهم من دخول البيت فحمّلوه مسوَولية فشل الخطة، ولكنّهم أسرعوا في وضع خطه جديدة لترتيب أمر ملاحقته والقبض عليه.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر قد أمضيا ليلة الهجرة وليلتين أُخريين في غار ثور الواقع في جنوب مكة، وذلك ليعمّي على قريش فلا يتبعوا أثره، إذ أنّ الطريق إلى المدينة يقع في شمال مكّة.

وبالنسبة إلى مصاحبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي مسألة تاريخية غامضة، فيعتقد البعض أنّها كانت بالصدفة، أي أنّه تقابل معه في الطريق فاصطحبه معه إلى غار ثور، بينما يرى آخرون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذهب في نفس الليلة إلى منزل أبي بكر فخرجا في منتصف الليل إلى الغار.(1) في حين أنّفريقاً ثالثاً يذهب إلى أنّ أبا بكر جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرشده الاِمام علي (عليه السلام) إلى مخبأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أمّا قريش فقد بادرت إلى بثِّ العيون والجواسيس في طرقات مكّة، ومراقبة مداخلها ومخارجها، وبعثت القافلة تقتص أثره ص في كلّمكان وخاصة طريق مكة ـ المدينة، كما عيّنت مائة من الاِبل جائزة لمن يقبض عليه «صلى الله عليه وآله وسلم» ويردّه إليهم، أو لمن يأتي عنه بخبر صحيح.

وقد تمكّن المتتبعون لاَثر قدم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوصول إليه عند باب الغار، إلاّ أنّهم استبعدوا وجودهما فيه، نظراً لنسج العنكبوت وبيض الحمام. فاستمرّت محاولات البحث ثلاثة أيّام بلياليها دون جدوى.


1. تاريخ الطبري:2|100.

(102)

وقد تردّد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال تواجده في الغار: علي (عليه السلام) وهند بن أبي هالة (ابن خديجة) حسب رواية الشيخ الطوسي في أماليه، وعبد اللّه بن أبي بكر وعامر ابن فهيرة راعي أغنام أبي بكر، حسب رواية كثير من الموَرّخين.

والنقطة الهامة في هذه القضية هي مفاداة الاِمام علي (عليه السلام) النبيّ بنفسه. وتعريض حياته لخطر الموت في سبيل الدين والاِسلام وحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو نموذج رائع من الحبّ الحقيقي للحقّ، وقد مدحه اللّه تعالى في كتابه العظيم قائلاً: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاء مَرْضاتِ اللّهِ وَاللّهُ رءُوفٌ بِالْعِباد) .(1)

وقد دفعت هذه العملية التضحوية الكبرى كبار علماء الاِسلام إلى اعتبارها واحدة من أبرز وأكبر فضائل الاِمام (عليه السلام) وإلى وصفه بالفداء والبذل والاِيثار، واعتبار الآية المذكورة في شأنه من المسلمات قلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها.(2)

وقد طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاِمام علي (عليه السلام) أن يبتاع بعيرين له ولصاحبه، فقال أبو بكر: قد كنت أعددتُ لي ولك يا نبي اللّه راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فدفع إليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمنهما.(3)

كما أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) بأن يوَدّي أمانته على أعين الناس، وأمره بترتيب رحلة الفواطم: فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وفاطمة بنت أسد أُمّ الاِمام علي (عليه السلام) وفاطمة بنت الزبير، ومن يريد الهجرة معه من بني هاشم إلى يثرب، وما يحتاجون له من زاد وراحلة.


1. البقرة:207.
2. مسند أحمد:1|87؛ كنز العمال:6|407؛ الغدير:2|47.
3. الكامل:2|73؛ السيرة الحلبية:2|53.

(103)

وقد هيّأ الاِمام (عليه السلام) أوّلاً ثلاث رواحل ودليلاً أميناً يدعى «أريقط» للترحال إلى المدينة، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع صاحبه متوجهَين إلى يثرب سالكَين الخط الساحلي.

ومن هذه الليلة يبدأ تاريخ المسلمين، حيث بدأوا يقيسون كلّ ما يقع من الحوادث بذلك العام فيحددون تاريخه وزمان حدوثه.

ففي العام الاَوّل للهجرة، حقق المسلمون انتصاراً عظيماً وباهراً، وتأسّست لهم فيه حكومة مستقلة، وتخلّصوا من التشرذم والتبعثر، وتمركزت قواهم وعناصرهم في نقطة واحدة وبيئة حرة، لا أثر فيها للكبت والاضطهاد، ممّا جعلهم لكلّ ذلك يتخذون هذا العام مبدأ لتاريخهم.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه جعل التاريخ الهجري، وإنّ أي إعراض وتجاهل له واختيار تاريخ آخر مكانه، إعراض عن سنة رسول الاِسلام الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخالفة لما رسمه للمسلمين. وأمّا ما اشتهر بين الموَرّخين من أنّ الخليفة «عمر بن الخطاب» هو الذي جعل هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبدأ للتاريخ باقتراح وتأييد الاِمام علي (عليه السلام) فهو غير صحيح، لاَنّ شيئاً من الاِمعان والتبصّر في مراسلات النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ومكاتباته المدرجة في كتب التاريخ والسيرة والحديث، تثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي اعتمد تلك الحادثة الكبرى كمبدأ للتاريخ، فقد أرّخ رسائله وكتبه إلى أُمراء العرب وزعماء القبائل وغيرهم من الشخصيات البارزة، بذلك التاريخ الهجري، فهناك كثير من الكتب أُرّخت قبل السنة 16 أو 17 من الهجرة، وقد يكون في السنة الخامسة الهجرية.

كما أنّ أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرّخوا في أيّام حياته، الحوادث الاِسلامية بهجرته، فقالوا: وقع كذا في شهر كذا من الهجرة، فمثلاً قيل: حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في شهر شعبان، ستة عشر شهراً أو 17 شهراً أو 18 شهراً.


(104)

وفي السنة الخامسة من الهجرة ، أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحلال السنة الهجرية مكان الشهر الهجري.

6. وصول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة


تمكّن «سراقة بن مالك» من اللحاق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وهما في الطريق إلى المدينة، فدعا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجمح به فرسُه وطرحه أرضاً، فعرف أنّ ذلك من دعاء النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عليه، فاعتذر له وطلب منه السماح له بالعودة على ألاّ يخبر أحداً بمكانهما وموقعهما. ففعل، وردّ كلّ من بحث عنهما في الطريق.

أمّا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد وصل إلى قباء في 12 من شهر ربيع الاَوّل، يوم الاثنين،ونزل على : «كلثوم بن الهرم» شيخ بني عمرو بن عوف، ولبث في قباء إلى آخر الاسبوع، وبنى فيها مسجداً.(1)

وانتظر لحين قدوم الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة (عليها السلام) حيث كان قد لحق به الكفّار وحاولوا محاربته، إلاّ أنّه (عليه السلام) تمكن من التخلص منهم، فتركه القوم خائفين من غضبه وقوته، فواصل سيره باتّجاه المدينة، حيث وصلها في منتصف شهر ربيع الاَوّل.

ولمّا انحدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ثنية الوداع ـ وهي منطقة قريبة من المدينة ـ و حطّ قدمه على تراب يثرب، استقبله الناس رجالاً ونساء، كباراً و صغاراً، استقبالاً عظيماً، ورحّبوا به أعظم ترحيب، مردّدين أناشيد فرحين به: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع.


1. تاريخ الخميس: 1|338.

(105)

وأصرّ القوم على النزول عند أحدهم، إلاّ أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» كان يقول عن ناقته: «خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة». فانتهت الناقة إلى أرض واسعة كانت ليتيمين من الخزرج يقال لهما: «سهل و سهيل» كانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت على باب «أبي أيّوب خالد بن يزيد الاَنصاري»، فاغتنمت أُمّ أيّوب الفرصة وبادرت إلى رحل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلّته وأدخلته منزلها، وعندما تنازع القوم في أخذه، قال الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» : «أين الرحل؟» فقالوا: أدخلته أُمّ أيّوب في بيتها، فقال «صلى الله عليه وآله وسلم» : «المرء مع رحله».

وقد اتّفق كُتّاب السيرة على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل المدينة يوم الجمعة، حيث صلّى الجمعة في بني سالم بن عوف، وهي أوّل جمعة جمعها (صلى الله عليه وآله وسلم) في الاِسلام، وخطب أوّل خطبة في المدينة كان لها الاَثر العميق في قلوب أهلها ونفوسهم.



(106)



(107)

القسم الثاني

المدينة المنورة ـ يثرب

و فيه فصول

5. الاَحداث في المدينة المنوّرة

6. أحداث السنة الثالثة والرابعة من الهجرة

7. أحداث السنة الخامسة والسادسة من الهجرة

8. أحداث السنة السابعة والثامنة من الهجرة

9. أحداث السنة التاسعة و العاشرة والحادية عشرة



(108)



(109)

الفصل الخامس


الاَحداث في المدينة المنوّرة



ـ السنة الاَولى من الهجرة

ـ بناء مسجد في المدينة المنوّرة

ـ الموَاخاة بين المهاجرين والاَنصار

ـ معاهدة التعايش السلمي مع اليهود

ـ السنة الثانية من الهجرة

ـ تغيير اتّجاه القبلة

ـ معركة بدر ونتائجها الاِيجابية

ـ العمليات العسكرية الصغرى

ـ زواج السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) .



(110)





(111)

حوادث السنة الاَُولىمن الهجرة


كان أوّل عمل رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم به قبل أي عمل آخر، هو أن يبني محلاً للمسلمين ليتسنّى لهم أن يعبدوا اللّه فيه ويذكروه في أوقات الصلوات، مضافاً إلى أنّه كان هناك حاجة أكيدة لمركز يجتمع فيه أعضاء حزب الاِسلام ـ حزب اللّه ـ كلّ أُسبوع في يوم معيّن، ويتشاوروا في مصالحهم وشوَونهم، بجانب أدائهم صلاة العيد فيه مرّتين كلّعام. ولم يكن المسجد في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للعبادة فحسب، بل لتُلقى فيه العلوم والمعارف الاِسلامية والتربوية، إضافة إلى الاَُمور القضائية والفصل بين الخصومات وإصدار الحكم على المجرمين، فكان بمنزلة المحكمة في هذا اليوم. كما استخدمه الشعراء في إلقاء قصائدهم أمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي اتّخذه قاعة لاِلقاء خطبه الحماسية والجهادية في تعبئة المسلمين ضدّ الكفّار والمشركين. ممّا يبين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بذلك أن يعلن للجميع أنّ دينه ليس مجرّد أمر معنوي لا يتصل بالاَُمور الدنيوية، بل هو دين شامل كامل يهتم بالتقوى وشوَون المعيشة والاَوضاع الاجتماعية.


(112)

وقد استمرت أغلبية المساجد على هذا المنوال حتى مطلع القرن 4 هـ حيث كانت تتحول في غير أوقات الصلاة إلى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة، بل إنّها حتى بعدما فصلت المراكز العلمية عن المساجد فيما بعد، بقيت المدارس تبنى بجانب المساجد، الاَمر الذي جسّد الصلة الوثيقة والارتباط الاَقوى بين العلم والدين.

وفي بناء المسجد اشترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه في عملية البناء، ينقل الحجارة واللبن،ويردّد وهو يعمل: «لا عيش إلاّعيش الآخرة، اللّهم ارحم الاَنصار والمهاجرة». وكان «عمار بن ياسر» ممّن عمل بشدّة و قوّة مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في البناء، إذ كان يحمل اللبن والاَحجار بدل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبدل الآخرين، حتى شكا إليه «صلى الله عليه وآله وسلم» فعلهم وقال: يا رسول اللّه قتلوني يحملون عليّ ما لا يحملون. فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنّما تقتلك الفئة الباغية».(1)

وبنى كذلك بجانب المسجد صُفَّة يسكن فيها الفقراء والمهاجرون المحرومون، وكلف «عبادة بن الصامت» بأن يعلّمهم الكتابة وقراءة القرآن.

ثمّ بعد ذلك بنيت منازله ومنازل أصحابه حول المسجد.

وفي هذه البيئة الجديدة، واجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث مشكلات أو قضايا أساسية:

1. قريش و الوثنيين في شبه الجزيرة العربية.

2. اليهود في المدينة أو خارجها، مع توافر الاَموال لديهم.

3. الاختلاف بين المهاجرين والاَنصار، و بين الاَنصار أنفسهم ـ الاَوس


1. السيرة الحلبية: 2 | 71؛ تاريخ الخميس:1|345.

(113)

والخزرج ـ، أي الجبهة الداخلية.

وقد تمكّن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من التغلّب على تلك المشكلات والقضايا بأساليب حكيمة وسياسية محنّكة. فبالنسبة إلى التناقضات بين فئات المجتمع، فقد عالجها بالموَاخاة بين المهاجرين والاَنصار، حينما جمعهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لهم: «تآخوا في اللّه أخوين أخوين». فأصبح هذا التآخي والوحدة بين الاَطراف المتنازعة، طريقاً لحلّ المشكلات الاَُخرى. كما اختار عليّاً (عليه السلام) أخاً لنفسه وقال: «يا عليّ أنت أخي في الدُّنيا والآخرة».

أمّا مشكلة يهود يثرب، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أدرك أنّه ما لم تصلح الاَوضاع الداخلية في المدينة، ومالم يضم اليهود إلى جانبه، أي أن يقيم وحدة سياسية متوسعة، فإنّ شجرة الاِسلام لن تتمكن من النمو، بالاِضافة إلى أنّه لن يتمكن من معالجة القضية الاَُخرى وهي خطر قريش. ومن هنا رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتقدّم بالتفاهم معهم بعقد معاهدة تعايش سلمي ودفاع مشترك بين الاَنصار والمهاجرين، يوقّع عليها اليهود أيضاً.

وتعتبر هذه المعاهدة من أهمّ الاَعمال،ومسنداً تاريخياً قوي الدلالة، تكشف عن مدى التزام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بمبادىَ الحرية و العدالة، كما تكشف عن حنكته السياسية حيث استفاد من هذه الوسيلة من أجل إيجاد جبهة متحدة قوية في وجه الحملات الخارجية، فهي في الواقع واحدة من أكبر الانتصارات السياسية التي أحرزتها الحكومة الاِسلامية الناشئة في ذلك الوقت، بل هي أعظم معاهدة تاريخية على الاِطلاق. وهي نموذج كامل لرعاية الاِسلام وحرصه على مبدأ حرية الفكر والاعتقاد، وضرورة التعاون، وتوضيح


(114)

حدود صلاحيات واختيارات القائد ومسوَولية الموقعين عليها.وقد احترم فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دين اليهود وثرواتهم في إطار شرائط معينة.

وبالاِضافة إلى التعاهد مع يهود يثرب، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عقد مع طوائف اليهود الاَُخرى: بني قريظة ، بني النضير، وبني قينقاع، معاهدات مماثلة فيما بعد، كان من أهمّ بنودها:

ـ عدم الاعتداء على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه، فإن فعلوا فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم والاستيلاء على أموالهم.

إلاّ أنّ اليهود تميّزوا بمجادلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطرح الاَسئلة العويصة عليه بغية إحراجه وزعزعة إيمان المسلمين به «صلى الله عليه وآله وسلم» ، و لكن جميع تلك المخططات باءت بالفشل، و قلّ تأثيرها في صفوف المسلمين، بل إنّها ساعدت في الواقع على إقبال بعضهم على الاِسلام، كما حدث لعبد اللّه بن سلام الذي كان من علماء اليهود و أحبارهم، أعلن إسلامه بعد سلسلة مناظرات و مجادلات مطوّلة، كما التحق بعده عالم آخر منهم هو «المخيريق».

ولم يكتف اليهود بذلك أنّهم استخدموا أُسلوب الموَامرات والدسائس مثل: «فَرِّق تسد» لاِضعاف المسلمين، وذلك باستغلال رواسب الماضي بين الاَوس والخزرج، وإثارة العداء بينهم، وإقامة العلاقات السرية مع مشركي الاَوس والخزرج والمنافقين، واشتراكهم صراحة في اعتداءات قريش على المسلمين في الحروب التي دارت بين الطرفين، فقدموا كلّدعم ومساندة للوثنيين والعمل لصالحهم، كما اشتهروا بنقض العهود والمواثيق، الاَمر الذي أدّى إلى وقوع مصادمات وحروب مستمرة بينهم و بين المسلمين، نتج عنه إنهاء الوجود


(115)

اليهودي في المدينة.

أمّا المشكلة الاَخيرة والمرتبطة بإعتداءات قريش، فإنّ الفصل القادم يتناولها بالتفصيل.

وقد أقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة، منذ ربيع الاَوّل من السنة الاَُولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية. وأسلم في هذه الفترة من تبقّى من الاَوس و الخزرج، و لم يبق دار من دور الاَنصار إلاّ أسلم أهلُها، ماعدا بعض الفروع و العوائل ممّن بقوا على شركهم، إلاّ أنّهم أسلموا بعد معركة بدر.(1)


1. السيرة النبوية:1|50.


(116)

أحداث السنة الثانيةمن الهجرة

تميّزت هذه الفترة بالاستعراضات العسكرية، و المناورات الحربية، واستعراض القوّة، التي أمر بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ الشهر الثامن من الهجرة حتى رمضان من السنة الثانية، وهي أوّل مناورات عسكرية في تاريخ المسلمين.

كما تميزت الفترة بحدثين عظيمين كان لهما الاَثر الكبير في حياة المسلمين وهما: واقعة بدر الكبرى، وتغيير جهة القبلة.

وقد راج في كتابات الموَرّخين وكتاب السيرة، مصطلح الغزوة،والسريّة. فالغزوة هي تلك العمليات العسكرية التي كان يقودها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بنفسه. أمّا السريّة فهي مجموعات عسكرية صغيرة يقودها أحد قوّاده ، دون أن يشترك فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد أعد أوّل لواء عسكري بقيادة «حمزة بن عبد المطلب» حيث سيّره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ثلاثين فرداً إلى سواحل البحر الاَحمر حيث تمر في طرقاته قوافل قريش التجارية. ولم يحدث أيّ قتال بينهم.

وبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسرية أُخرى بقيادة «عبيدة بن


(117)

الحارث بن عبد المطلب» في ستين فرداً بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية. إلاّ أنّ قتالاً لم يجر بين الاَطراف.

كما بعث سرية قادها «سعد بن أبي وقاص» لرصد تحركات قريش. أمّا في شهر صفر من السنة 2 هـ فقد أناب على المدينة «سعد بن عبادة» وقاد بنفسه مجموعة من المهاجرين والاَنصار لملاحقة ركب قريش التجاري واعتراضه، حتى بلغ «الاَبواء»، ولكنّه رجع دون أن يلقى أحداً منهم.(1)

وخرج أيضاً في شهر ربيع الاَوّل من السنة نفسها مع 200 فرد حتى وصل إلى «بواط» قرب ينبع، ـ على بعد 90 كم من المدينة ـ ولكنّه لم يظفر بقافلة قريش بقيادة «أُميّة بن خلف».

كما أنّه خرج في شهر جمادى الاَُولى لاعتراض أكبر قافلة تجارية لقريش خارجة من مكة نحو الشام،بقيادة «أبي سفيان» إلاّ أنّه لم يلتق بهم في «ذات العشيرة».

أمّا «عبد اللّه بن جحش» فقد بعثه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رجب على رأس أفراد، لملاحقة قافلة قريش التجارية، فنزل نخلة ـ بين مكة والطائف ـ و تقابل مع قافلة قرشية بقيادة ـ «عمرو بن الحضرمي» فباغتهم المسلمون و قاتلوهم واستولوا على أموالهم بالاِضافة إلى القبض على أسيرين.

إلاّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انزعج لحدوث القتال في شهر رجب الحرام، وخاصة عندما استغلت أطراف عدّة كاليهود وقريش هذه القضية للتشهير بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّه استخدم الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الاَموال.


1. تاريخ الخميس:1|363.

(118)

وكذلك المسلمون فقد عابوا على عبد اللّه بن جحش فعلَتَه هذه. إلاّ أنّ آية قرآنية نزلت فأبعدت تلك المخاوف والحيرة التي أصبح فيها المسلمون.

وقد غنم المسلمون منها، فكانت أوّل غنيمة حصل عليها المسلمون، وأمّا الاَسيران فلم يقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إطلاق سراحهما إلاّ بعد أن تطلق قريش سراح أسيرين مسلمين، فتم تبادل الاَسرى بين الطرفين.(1)

وبذا فإن الهدف من تلك العمليات العسكرية الصغرى، وإرسال القوات الصغيرة، كان هو تحصيل وجمع المعلومات عن العدو ورصد تحركاته وخططه، وليس كما ادّعى المستشرقون، إنّها لمصادرة أموال قريش والسيطرة عليها لتقوية نفسه. إذ أنّ السرايا لم يتعد عدد أفرادها عن الستين أو الثمانين رجلاً، بينما كان يحرس قوافل قريش أعداد أكبر من ذلك، كما أنّالهدف منها لم يكن لمجرّد القتال وسفك الدماء أو الانتقام، لاَنّ الاَعداد لم تكن كافية لاِجراء قتال أو حرب مع العدو.ويوَكد ذلك انزعاج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حدوث القتال الذي جرى بين «ابن جحش» و بين أفراد من قريش، لاَنّه: «ما أمرهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقتال في الشهر الحرام ولا غير الشهر الحرام، وإنّما أمرهم أن يتحسّسوا أخبار قريش».(2)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخدم في تلك الغزوات الصغرى أحداً من الاَنصار، وذلك أنّهم بايعوه في «العقبة» على الدفاع عن المسلمين، فالمعاهدة بينهم كانت دفاعية، وقد تعهدوا بموجبها بالدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قصده عدو، وبالرغم من ذلك، فإنّه إذا خرج بنفسه قائداً للعمليات، فإنّه كان يأخذ معه جماعة من الاَنصار، تقوية لروابط الاِخوة والوحدة بين المهاجرين والاَنصار.


1. المغازي:1|13؛ السيرة النبوية:1|603.
2. المغازي:1|16.

(119)

ويوَكد ذلك إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشركهم في عمليات قتالية هجومية ابتداء، إلاّما حدث بعد ذلك في معركة بدر.

و هكذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استهدف من تلك السرايا والعمليات العسكرية التفتيشية، وعقد الاتفاقات و المعاهدات العسكرية مع القبائل المتواجدة على خطوط التجارة المكية، هو إعلام قريش بقوّة المسلمين عسكرياً، وإنّ جميع طرق التجارة المكية أصبحت في متناول يده، بحيث غدا في إمكانه أن يشل إقتصاد مكة و يهدد خطوطهم، خاصة أنّ التجارة كانت عمود الاِقتصاد المكي وأمراً حيوياً لهم،ولذا كان على قريش في هذه الحالة أن تعيد النظر في مواقفها العدائية، وحساباتها في ضوء الاَحوال الجديدة، فتترك للمسلمين حرية الدعوة والعقيدة، وتفتح لهم الطريق لزيارة بيت اللّه الحرام، ونشر التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة الحجاز.

1. تغيير اتّجاه القبلة

أمّا الحدث الآخر الهام في هذه الفترة فكان تحويل القبلة إلى الكعبة، فقد تمّ في الشهر 17 من الهجرة، أي في شهر رجب، حين أصبحت قبلة للمسلمين بمعنى انّهم غدوا يتوجهون إلى المسجد الحرام أثناء الصلوات بدل بيت المقدس، فقد صلّى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) 13 عاماً في مكّة نحو بيت المقدس. ولمّا زاد إيذاء اليهود للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الاِسلام، وقولهم: «أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا»(1) فاغتمَّ


1. أو قولهم: مادرى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. مجمع البيان:1|255.

(120)

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك وشق عليه، فانتظر فرجاً و وحياً من جانب اللّه، حتى نزلت الآية: (قَدْنَرْى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها) .(1) فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود و اجتنابهم، كما أنّاتّخاذ الكعبة قبلة، كان من شأنه كسب رضا العرب واستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الاِسلام، تمهيداً لاعتناق دين التوحيد، ونبذ الاَصنام، وخاصة أنّالكعبة كانت موضع احترام العرب وتقديسهم منذ أن رفع النبي إبراهيم (عليه السلام) قواعدها.

وقد تمّ التحويل خلال الركعة الثانية من صلاة الظهر، حين أخذ جبرائيل (عليه السلام) يد النبيص وأداره نحو المسجد الحرام،فتبعه الرجال والنساء في المسجد، فتوجه الرجال مكان النساء واتخذت النساء مكان الرجال.(2)

2. معركة بدر

كان من أساليب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحروب، جمع المعلومات حول استعدادات العدو، ومدى تهيّئه و مكان تواجده و تمركزه، ومعنويات أفراده، وهي مسائل تحظى بالاَهمية في المجال العسكري حتى اليوم. وحيث إنّ المعلومات التي تجمعت لدى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) توَكد أنّ قافلة كبرى لقريش شارك فيها كلّ أهل مكّة بأموالهم، ويحمل بضائعها ألف بعير،وتقيّم بخمسين ألف دينار، ويقودها أبو سفيان بن حرب، في أربعين رجلاً، وحيث إنّ أموال المسلمين كانت قد صودرت في مكة على أيدي قريش، فإنّ الوقت كان مناسباً للمسلمين لاستعادة أموالهم، بالاحتفاظ بأموال قريش إلى أن يعيدوا إليهم أموالهم المصادرة، وإلاّ فإنّهم يتصرفون في هذا المال كغنائم


1. البقرة:144.
2. بحار الاَنوار: 19|201.

(121)

حرب يقسمونها فيما بينهم.

ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في 313 رجلاً، كان منهم 82 من المهاجرين، و170 من الخزرج،و61 من الاَوس، في يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان، قاصداً تحقيق ذلك الهدف، وعقد رايتين سلم إحداهما إلى مصعب بن عمير و الاَُخرى وهي العقاب إلى الاِمام علي (عليه السلام) ، فوصل إلى «وادي ذفران».(1)

ونظراً لتخوف أبي سفيان من التعرض لهجوم من جانب المسلمين، فقد أرسل أحد رجاله إلى مكّة يستغيث بهم لنصرته، ممّا دعا أهلها إلى الاستعداد والتجهّز للخروج بقيادة روَسائهم وعظمائهم. وكان ذلك مفاجأة للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي لم يعدّ رجاله للحرب والمواجهة العسكرية، بل لهجوم يحصل منه على الاَموال المصادرة. فعقد مجلساً للشورى استطلع فيه آراء رجاله في الانسحاب من الموقع إلى المدينة، أو مجابهة العدو القائم عسكرياً؟ فاتّفق الجميع على المواجهة بالسير لملاقاة العدو رغم عددهم القليل، فتحركوا نحو بدر.(2)

وبالاَُسلوب العسكري السليم عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكان العدو، وعددهم وزعماءهم كما عرف موعد وصولهم إلى ماء بدر. فقال لاَصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها».(3)

إلاّ أنّ أبا سفيان علم بملاحقة المسلمين له ومطاردتهم لقافلته،فابتعد عن بدر عند رجوعه من الشام واتّخذ جهة ساحل البحر الاَحمر،وبعث أحدهم يخبر قريشاً بإمكانية الاِفلات من يد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه،ولكنّ


1. كانت تمر به قافلة قريش التجارية، ويقع على مرحلتين من بدر.
2. المغازي للواقدي:1|48؛ السيرة النبوية:1|615.
3. السيرة النبوية:1|617.

(122)

«أبا جهل» أصرّ على مواصلة التقدم نحو يثرب وعدم الرجوع إلى مكة قائلاً: واللّه لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجُزُر ـ الاَباعر ـ و نطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان والمغنيات،وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا،فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها. وكان لكلماته أثرها في تشجيعهم على السير نحو المدينة، فنزلوا في بدر.

أمّا في الجانب الاِسلامي فقد تقدّم الحباب بن المنذر باقتراح،على السير إلى أدنى ماء من القوم، ودفن العين والآبار، وبناء حوض يُملاَ بالماء يستخدمونه للشرب، كما اقترح سعد بن معاذ بناء برج عسكري يقود منه النبيالعمليات العسكرية، ويشرف على سيرها،فيكون مأمناً له من كيد الاَعداء.

أمّا قريش فقد تحركت باتجاه بدر صباح يوم 17 من شهر رمضان، فاستطلعوا أخبار المسلمين، فعرفوا عددهم وعدتهم. إلاّ أنّه حدث انقسام في الرأي بينهم، حول الموقع، حين دعا بعض زعمائهم إلى ترك الموقع والعودة إلى مكة دون إجراء أي قتال أو إبداء أي عمل عدائي ضدّ المسلمين، كان من بينهم: عتبة بن ربيعة، الذي طلب منهم العودة إلى مكّة دون حرب، إلاّ أنّ أبا جهل تمكّن من تغيير الموقف لصالح الحرب فحمّسهم للقتال.

وكان التقليد المتَّبع عند العرب في الحروب، أن يُبدأ القتال بالمبارزات الفردية، ثمّتقع بعدها الحملات الجماعية، فدعا ثلاثة من صناديد قريش، المسلمين إلى المبارزة وهم: عتبة ، و شيبة، وهما ابنا ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة بن ربيعة، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الاَنصار هم: عوف و معاذ ابنا الحارث، و عبد اللّه بن رواحة. إلاّ أنّ قريشاً رفضت منازلتهم وطلبت أفراداً من مكة، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبيدة بن الحارث وحمزة و علياً


(123)

بالمبارزة. فبارز حمزة شيبة، وبارز عبيدة عتبة، وعليّ بارز الوليد، ثمّ اتّجه حمزة وعلي بعد الفراغ من قتل خصميهما إلى عتبة وقتلاه. وبعد هذه المبارزة بدأ الهجومُ العام وتزاحفوا،فعدّل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفوف ورجع إلى العريش ـ برج القيادة ـ فكان ينزل بين الحين والآخر ويحرضهم على القتال والمقاومة، فقد كان لكلماته أثرها العميق في النفس، والشوق إلى الجنّة بالشهادة.

أمّا خسائر الحرب، في الاَرواح والاَموال، فإنّ المسلمين فقدوا 14 رجلاً، بينما قُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، كان من أبرزهم: النضر بن الحارث، عقبة بن أبي معيط، وسهيل بن عمرو، و العباس بن عبد المطلب، وأبو العاص بن الربيع ـ صهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد دفن شهداء بدر في جانب من أرض المعركة،ولا تزال قبورهم موجودة، أمّا قتلى المشركين فأمر الرسولبإلقائهم في البئر، ووقفص عليها فخاطب القتلى قائلاً: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس، ثمّقال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً، فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً».(1)

ثمّ صلّى العصر بالناس وغادر أرض المعركة ـ أرض بدر ـ قبل غروب الشمس،وقسّم الغنائم بينهم أثناء الطريق على قدم المساواة ومنح ذوي الشهداء أسهماً منها، كما وزع خمسها على المشاركين في المعركة، فربما لم تكن آية


1. السيرة النبوّية:1|639؛ السيرة الحلبية:2|180. إنّ مسألة محادثة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» مع روَوس الشرك في البئر من مسلّمات التاريخ والحديث، وقد أشار إليه كثير من الموَرّخين والمحدّثين، أبرزهم:صحيح البخاري ج 5 في معركة بدر ؛ صحيح مسلم:8، كتاب الجنة؛ سنن النسائي:4، باب أرواح الموَمنين؛ مسند الاِمام أحمد:2|131؛ المغازي:1|112؛ بحار الاَنوار:19|346.

(124)

الخمس قد نزلت بعد آنذاك، أو فعل ذلك لمصلحة خاصة.

كما قرر أسهماً لاَشخاص لم يحضروا المعركة، لاَسباب خاصة بهم منعتهم من الاشتراك فيها، أو لمهمات خاصة أُنيطوا بها في المدينة والطرقات. وبعث عبد اللّه ابن رواحة، وزيد بن حارثة، إلى المدينة يبشرون أهلها بالانتصار، إلاّ أنّهما علما هناك بوفاة ابنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زوجة عثمان بن عفان، فامتزجت الاَفراح بالاَحزان، في الوقت الذي تخوف فيه المشركون واليهود والمنافقون من الانتصار الكبير من جانب آخر.

أمّا بالنسبة لاشتراك العباس بن عبدالمطلب في المعركة، فإنّ ذلك كان أمراً خاصاً، لاَنّه كان قد أسلم وكتم إسلامه مخافة قومه وكره خلافهم مثل أخيه أبي طالب، فكان يساعد النبي ص ويخبره بمخططات العدو ونوايا وتحركاته واستعدادته، مثلما عمل في معركة أُحد.

وفي مكة، تحولت بيوتها إلى مأتم كبير وناحت قريش على قتلاها، إلاّ أنّأبا سفيان منعهم من النوح والبكاء على القتلى، وحثّهم على الاستعداد للثأر والانتقام من محمدوأصحابه، فقال: الدهن والنساء عليّ حرام حتى أغزو محمّداً.

وقد ساعدت عوامل كثيرة في انتصارالمسلمين ببدر، كان أهمّها:

1.عدم معرفة المسلمين بما لدى المشركين من إمكانيّات بشرية و قتالية، فواجهوا الاَمر الواقع وتعاملوا من دون أن يثبطهم شيء.

2. تقليل عد المسلمين في أعين المشركين، وعدد المشركين في أعين المسلمين في أوّل القتال، و تكثير عدد المسلمين في أعين الكفّار أثناء الحرب.


(125)

3. الاَُمور الغيبية ، مثل مساعدة المطر ونزوله في هذه الفترة، ومساعدة الملائكة، وتثبيت قلوب الموَمنين بواسطة هوَلاء الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفّار، حيث تشير الآيات القرآنية في سورة الاَنفال وآل عمران إلى كلّ ذلك.

نتائج وآثار معركة بدر

أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قراراً تاريخياً بعد المعركة خاصاً بأُسلوب المعاملة مع الاَسرى، وذلك بأنّ من علّم منهم عشرة من الصبيان، الكتابة والقراءة، كان ذلك فداوَه ويخلى سبيله دون أن يوَخذ منه مال.(1) وإنّ من دفع فدية قدرها 4000 درهم إلى ألف، خلّى سبيله، و من كان فقيراً لا مال له، أفرج عنه دون فداء. وإن الباب مفتوح أمامهم للدخول في الاِسلام لينعموا في كنفه مع المسلمين.

ولقد أحدث هذا القرار ردّ فعل كبير لدى عائلات مكة، دفعهم إلى تقديم الفداء إلى المسلمين لاِطلاق سراحهم. وكان «أبو العاص بن الربيع» من ضمن الاَسرى، وهو زوج زينب ابنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تزوّجها في الجاهلية، وثبت على دينه بعد إيمان بنات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّهم، فبعثت زينب في فدائه بمال فيه قلادة كانت هدية أُمّها السيدة خديجة«عليها السلام» لها ليلة زفافها، فلمّا رأى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القلادة، تذكّر زوجته الوفية وبكى بشدة، ممّا أثر في المسلمين فأطلقوا سراحه دون أخذ الفدية. وأخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي العاص الميثاق بأن يخلّي سبيل زينب ويبعثها إلى المدينة ففعل، مع إعلانه الاِسلام فيما بعد.

ويعتبر تعليم الاَولاد من قبل الاَُسارى المتعلمين، أوّل عملية تعليمية لمكافحة الاَُمّية، وهي أعظم خطوة حضارية وثقافية.


1. السيرة الحلبية:2|193.

(126)

كما أنّه كان لانتصار المسلمين أثر كبير على المراكز السياسية المتناثرة في شبه الجزيرة العربية، فكما كان له أثره القوي على قريش وأهلها، فإنّه هدد مراكز أُخرى في المدينة وخارجها، كاليهود الذين أبدوا تخوفهم من تطور قوّة المسلمين، وخاصّة يهود بني قينقاع، الذين بدأوا بتدبير الموَامرات،وممارسة الاَعمال العدوانية ضدّ المسلمين، وإعلان الحرب الباردة بنشر الاَكاذيب وبث المعلومات المزيفة، وإطلاق الشعارات القبيحة لتحقيرهم وتخريب سمعتهم وإضعاف معنوياتهم. إلاّ أنّهم بذلك، كانوا قد أعلنوا نقضهم لمعاهدة التعايش السلمي التي عقدها معهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) إبان قدومه إلى المدينة. وبالرغم من ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاول النصيحة بأن يتعايشوا معهم دون إظهار أيّ عمل تخريبي أو سيّىَ، وذلك لاَنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يريد أن يرفع السلاح ويحاربهم حتى يحافظ على الاَمن والاستقرار في يثرب، إذ لم يكن من المصلحة تفجير الموقف في هذه الفترة الحرجة، إلاّ أنّهم أصروا على موقفهم العدائي، دون أن يقتنعوا بالتغيير أو التخلّي عن موَامراتهم، ممّا اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى استخدام السلاح والقوة في الفرصة المناسبة، وقد حدثت تلك المناسبة، عندما اعتدى يهوديٌ على امرأة عربية في السوق، بإظهار عورتها والضحك عليها، فقتله رجلٌ مسلمٌ، فاجتمع عليه عددٌ من اليهود فقتلوه، ممّا اعتبر الشرارة الاَُولى في إعلان الحرب عليهم. فسارعوا إلى حصونهم وقلاعهم خوفاً من هجوم المسلمين،فحاصرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة عشرة ليلة،قذف اللّه في قلوبهم الرعب ففقدوا القدرة على المقاومة، ونزلوا عند حكم النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وهو الجلاء عن المدينة، على أن يتركوا أسلحتهم وأموالهم ودروعهم، فخرجوا من المدينة إلى منطقة «أذرعات» في أطراف الشام.(1)


1. المغازي:1|177؛ طبقات ابن سعد:2|28.

(127)

واضطرت قريش في هذه السنة إلى أن تغيّر طريقها التجاري إلى الشام، خوفاً من تعرض المسلمين لهم، فاتفقت على أن تتخذ طريق العراق، إلاّ أنّالمسلمين علموا بذلك، فأرسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن حارثة في مائة نفر، تمكّنوا من الاستيلاء على القافلة، وتقسيم الاَموال على المسلمين، بعد فرار القوم.

ولاَهمية معركة بدر التي هي من المعارك الكبرى للاِسلام، اكتسب المشاركون فيها منزلة خاصة بين المسلمين، فقد دعوا بالبدريين.

3. العمليّات العسكريّة الصغيرة

و قد جرت في هذه السنة أيضاً عدّة غزوات، كان أهمها:

غزوة قرقرة الكُدْر : قرقرة الكدر ناحية بين المعدن و المدينة يسكنها قبيلة بني سلم حيث بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ القبيلة المذكورة تتهيّأ للهجوم على يثرب فخرج ص بنفسه لتأديبهم،إلاّ أنّهم تفرقوا.

غزوة السويق: وذلك عندما قتل أبو سفيان رجلاً من الاَنصار وأجيراً له، وحرق بيتاً وزرعاً، على أساس أنّ له نذراً للثأر من المسلمين بعد معركة بدر، بأن لا يقارب زوجته مالم يثأر لقتلى بدر.. فهاجمه المسلمون، إلاّ أنّه فرّ و ترك وراءه أكياس السويق.(1)

غزوة ذي أمّر: و هو واد بطريق المدينة، وقد جرت عندما أعدّت قبيلة غطفان هجوماً على المدينة، فخرج الرسوللمحاربتهم، ولكنّهم فرّوا وهربوا. وأراد أحدهم أن يتخلّص من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مستريح تحت


1. المغازي:1|182؛ طبقات ابن سعد:2|30.

(128)

شجرة في وادي ذي أمّر، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمكّن من السيطرة عليه بفعل معجزة إلهية، فأسلم الرجل.

4. زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

تقدّم أشراف العرب للزواج من السيّدة فاطمة سيّدة النساء(عليها السلام) إذ تصوّروا أنّ كونهم ذوي ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة توَهلهم لذلك ولا يُرد لهم طلب، ولكنّهم أخطأوا في تصوّرهم، فلم يعلموا أنّزوج فاطمة(عليها السلام) لا يكون إلا كفوَها في التقوى والفضل والاِيمان والاِخلاص، وليس المال والثروة والجاه. و لمّا كان الرسول ص يرد الخطّاب بقوله: «أمرها بيد اللّه» فقد أدركوا أنّ زواجها ليس سهلاً و بسيطاً. إلاّ أنّ الاِمام علي (عليه السلام) حينما تقدّم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطبها وافق على طلبه وقال: «يا عليّ إنّه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رسلك حتى أخرج إليك».

فدخل على السيّدة الزهراء(عليها السلام) قائلاً : «إنّ علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته، وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً، فما ترين؟».

فسكتت السيدة فاطمة(عليها السلام) ولم ير الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في وجهها كراهة، فقال: «اللّه أكبر، سكوتها إقرارها».(1)

ولما لم يكن الاِمام عليّ (عليه السلام) يملك مالاً، أمره النبي ص ببيع درعه لصرفه على نفقات الزواج، وكان مهرها 500 درهم، وسكن أوّل الاَمر في منزل أحد الصحابة بصورة موَقتة، وعمل فرحاً وزفافاً جميلاً، وأطعم فيه كلّالمسلمين.


1. بحار الاَنوار:43|93.

(129)

ونقل ابن بابويه، أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والاَنصار أن يمضين في صحبة فاطمة (عليها السلام) وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضي اللّه. ثمّدعا لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ إجمع شملهما، وألّف بين قلوبهما، واجعلهما وذرّيتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّيةً طاهرةً طيّبةً مباركةً، واجعل في ذرّيتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما يرضيك. اللّهمّ إنّهما أحبّخلقك إليّ فأحبّهما، واجعل عليهما منك حافظاً، وإنّي أُعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرّجيم».(1)

فكانت أفضل زيجة في الاِسلام وأكثرها خير وبركة، إذ أنجبا أفضل الاَولاد والبنات وأطهرهم: الحسن والحسين السبطان، وزينب «عليهم السلام» التي اشتهرت في نصرة أخيها بكربلاء.

أمّا ما دسّه أصحاب الاَقلام المأجورة و ذوو النفوس الضعيفة والقلوب الحاقدة من أباطيل و ترّهات حول وجود خلاف و تنازع بين الزوجين الطاهرين، فتكذّبه الاَحاديث الكثيرة عن رسول الّله (صلى الله عليه وآله وسلم) حول مكانتهما و عُلوّ شأنهما، نقتطف منها ما يلي:

ـ «أحبّ الناس إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من النساء فاطمة ومن الرجال عليّ».

ـ «خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد».(2)


1. بحار الاَنوار:43|96ـ 114.
2. للمزيد من الاِطّلاع، راجع سيدالمرسلين:2|110 ـ 120.


(130)



(131)

الفصل السادس

1. أحداث السنة الثالثة من الهجرة


ـ الدفاع عن الحرية والكرامة

ـ معركة أُحد

ـ غزوة حمراء الاَسد


2. أحداث السنة الرابعة من الهجرة


ـ النتائج السلبية لمعركة أُحد

ـ غزوة بني النضير

ـ غزوة ذات الرقاع

ـ تحريم الخمر



(132)



(133)

أحداث السنة الثالثة من الهجرة


1. معركة أُحد

وهي سنةالدفاع عن الحرية والكرامة، وقد وقعت فيها معركة أُحد التي تعدّمن أعظم المعارك في الاِسلام.

فقد قرر كفّار قريش إعلان الحرب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن تتكفّل قريش نفقاتها، فأعدّت 4 آلاف مقاتل، إضافة إلى النساء اللائي هدفوا من اشتراكهن: تحريض الرجال على القتال، والصمود وعدم الفرار، وإشعال الحماس في النفوس، وإنّ فرار الرجال يعني أسرهن، فتصبح الغيرة والحمية سبباً للمقاومة والصمود. كما اشترك في الجيش عدد من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الذي وعدوا به متى ما نصروا أسيادهم، مثل وحشي الحبشي.(1)

إلاّ أنّ العباس بن عبد المطلب الذي عاش بين قريش كاتماً إيمانه، كتب تقريراً مفصلاً عن تلك الاستعدادات وأرسله مع رجل غفاري إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1. بحار الاَنوار:20|96.

(134)

الذي أخبر أصحابه بالاَمر. ثمّ عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الجمعة اجتماعاً عسكرياً للتشاور مع القادة وأهل الخبرة في وسائل مواجهة العدو، فأشار «عبد اللّه بن أُبي بن سلول» ـ من منافقي المدينة ـ بالقتال داخل المدينة، أي لا يخرج المسلمون منها بل يقاتلونهم حرب الشوارع. إلاّ أنّ فتيان المسلمين شجبوا هذا الرأي وأقروا الخروج من المدينة لملاقاة العدو، بعد أن أيّد الرأي السابق أكابر أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والاَنصار. وكان حمزة و سعد بن عبادة على رأس القائلين بلقاء العدو خارج المدينة، فأيّد النبيرأي الاَكثرية بالخروج للحرب، إذ أنّ محاصرة العدوّ للمدينة وسيطرته على مداخلها وطرقاتها وسكوت جنود الاِسلام على ذلك،من شأنه أن يقتل الروح القتالية والفروسية في أبناء الاِسلام المجاهدين.

وكان جيش الكفّار قد وصل أطراف المدينة، حتى استقر قرب جبل أُحد، يوم الخميس، الخامس من شهر شوال، فاستعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لبس لامته والدرع وتقلّد السيف واعتمّ، فخرج من بيته، ممّا آثار المسلمين وهزّهم بشدّة حتّى تصوّر بعضهم أنّهم قد أجبروه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخروج، فطلبوا منه المعذرة وإجراء أيّ فعل يقصده، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل».(1) ثمّ صلّى الناس الجمعة، وخرج على رأس ألف مقاتل قاصداً أُحد.

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رفض اشتراك جماعة من اليهود الذين تحالفوا مع «عبد اللّه بن أُبيّ بن سلول» معهم، فانعزل عن الجيش وعاد بثلث الناس كلّهم من الاَوس المتحالفين معه، إلى المدينة، بحجّة أنّ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» أخذ برأي الفتية والشباب. ولذا لم يشترك اليهودُ والمنافقون في هذه الحرب.


1. السيرة النبوية:2|23؛ المغازي:1|214؛ طبقات ابن سعد:2|38.

(135)

وفي يوم السبت 7 من شهر شوال، اصطف الجيش الاِسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم «عبد اللّه بن جبير» وطلب منهم الالتزام بالموقع: «إلزموا مكانكم لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا فلا تفارقوا مكانكم».

إلاّ أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل هوَلاء الرماة لاَوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي.

وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني الدار لحمل الراية، قتلهم الاِمام علي (عليه السلام) جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً.(1) وبذا فإنّ النتيجة الاَوّلية كانت هزيمة الكفّار مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة، لاَسباب منها:

ـ أنّهم قاتلوا في مرضاة اللّه، ونشر عقيدة التوحيد، دون أن يهدفوا إلى مصلحة مادية.

ولكنّهم انهزموا بعد انتصارهم الساحق لاَسباب كان أهمها:

ـ تغيّر أهدافهم، فقد اتجهت أنظارهم إلى الغنائم في أرض المعركة، ونسوا أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه بالتمسّك بها مهما حدث. وخاصة أُولئك الرماة الحامين ظهر المسلمين على جبل أُحد، حين تركوا مواقعهم ونزلوا إلى الساحة يريدون جمع الغنائم قائلين: «ولِمَ نقيم هنا من غير شيء وقد هزم اللّه العدو، فلنذهب ونغنم مع إخواننا». وهو الاَمر الذي استغله «خالد بن الوليد» الذي كان آنذاك مع المشركين و كان يترصّد خلوّ الثغرة من الرماة، فقتل


1. بحار الاَنوار:20|81.

(136)

باقي الرماة وكانوا عشرة من خمسين، ثمّ هاجم المسلمين الغافلين عن الوضع السّيىَ والذين انشغلوا بجمع الغنائم، فتفرقت جموعهم، و اجتمع جنود قريش الهاربون فقاتلوا المسلمين قتالاً ضارياً، حتى قُتِلَ منهم سبعون رجلاً. وعندما قتل أحد أبطال المشركين من قريش، حامل لواء الاِسلام : «مصعب بن عمير» ظنّ أنّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فصاح: قتلت محمداً. فانتشر الخبر بين المسلمين وقريش الذين سرّوا بذلك فصاحوا: ألا قد قتل محمد. فاضطر المسلمون ـ بعد انفراط القيادة ، وإشاعة الفوضى والهرج والمرج في الجيش ـ إلى أن يهرب معظمهم إلى الجبل تاركين أرض المعركة، إلاّعدداً قليلاً منهم.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهما كلّفهم الاَمر، وهم:

1.عبد اللّه بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2.عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحجار فكسر رباعيته.

3. ابن قميئة الليثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.

4.عبد اللّه بن حميد، الذي حمل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقتله أبو دجانة بطل الاِسلام.

5.أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المعركة وغيرها على شجاعته وقوّته، وقد أكدها الاِمام علي (عليه السلام) قائلاً: «كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن أحد أقرب منّا إلى العدو منه».(1)


1. شرح نهج البلاغة، فصل في غريب كلامه، رقم 9.

(137)

ومن هنا فإنّ سلامة النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحرب بل وفي عامة الحروب تعود في أكثر أسبابها إلى:

ـ حسن دفاعه عن دينه وعن نفسه، وإلى شجاعته وبأسه في المعارك، إضافة إلى تضحية تلك القلة من أصحابه الاَوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياته وسلامتهواشتهر من هوَلاء:

1. الاِمام علي (عليه السلام) الذي بلغ 26 عاماً من عمره، حيث قتل 12 من رجال قريش، والباقي وهم عشرة قتلهم باقي المسلمين. وهنا سمع هتاف بين السماء والاَرض يقول: لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار.

2.أبو دجانة، الذي جعل من نفسه ترساً يقي النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» من سيوف الكفّار.

3. حمزة بن عبد المطلب، الذي دأب على حماية الرسول ص من أذى المشركين دائماً في الظروف القاسية، إلاّ أنّ وحشي العبد قتله في هذه المعركة.

4. أُمّ عمارة، نسيبة المازنية، وقد باشرت القتال وذبت عن الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بالسيف، ورمت بالقوس حتى جُرِحت. وقد أُعجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشجاعتها فأشاد بموقفها يوم أُحد: «لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من فلان و فلان» فطلبت منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لها بالجنة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «بارك اللّه عليكم من أهل بيت رحمكم اللّه، اللّهمّ اجعلهم رفقائي في الجنة».

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم فاعتمدوا الاِعلام المزيف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من


(138)

قطع الاَنوف وجدع الآذان وسمل العيون وقطع الاَصابع والاَرجل والمذاكير، نكاية بالمسلمين وإطفاءً للحقد الدفين. وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله فعُرفت بآكلة الاَكباد، كما عرف أبناوَها فيما بعد ببني آكلة الاَكباد.

وقال الرسولص عندما شاهد عمّه حمزة: «ما وَقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا».

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكة، أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر، دفنوا الشهداء واحداً واحداً أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد.(1)

أمّا الشهداء فكانوا ما بين 70 أو 81 مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش 22 فرداً، وأمّا النبي ص فقد عالجته السيدة فاطمة «عليها السلام» والاِمام علي ص حينما رجع إلى المدينة.

غزوة حمراء الاَسد

إلاّ أنّ الوضع لم يستقر، بل أنّ الاَحداث استمرت إلى يوم الجمعة حيث غزوة «حمراء الاَسد».(2) ذلك أنّ اليهود والمنافقين أتباع «عبد اللّه بن أُبي» استغلوا الوضع الخطير الذي أصبح فيه المسلمون، وكانوا قد سرّوا لما أصابهم، ووجدوا البيوت حزينة يسمع منها أنين الجرحى والبكاء على الموتى والشهداء. ولما كان


1. السيرة النبوية:2|98؛ بحار الاَنوار:20|131.
2. تبعد عن المدينة ثمانية أميال.

(139)

هناك خوف أن يوَدّي ذلك إلى ضعف الجبهة الداخلية، إذ أنّ انهيار الوحدة والانسحاب في هذه الجبهة أخطر بكثير من تعرض البلاد لهجوم خارجي. ولذا فقد أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بملاحقة العدو في نفس هذه الليلة حتى يرهب العدو ويبلغه قوة المسلمين واتحادهم وأنّ ما أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.(1) فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه إلى «حمراء الاَسد» مخلفاً على المدينة:ابن أُمّ مكتوم.

وقد استطاع «معبد بن أبي معبد الخزاعي» رئيس بني خزاعة، الذي ارتبط بعلاقات ودية طيبة مع الرسولوالمسلمين بالرغم من كفره وشركه، من أن يخوّف أبا سفيان ويرعبه بما ذكره له عن قوّة المسلمين، وأعدادهم وملاحقتهم لقريش، ممّا دعاه إلى الانصراف عن مهاجمة المدينة مرّة أُخرى.

وفي هذه السنة (3هـ)، أيضاً بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً السرايا، واشتهرت منها: سرية محمد بن مسلمة، عندما انزعج كعب بن الاَشرف لانتصار المسلمين في بدر، وحاول إثارة قريش عليهم، فبدأ بإيذاء نساء المسلمين، ممّا جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرر التخلّص منه، فأرسل إليه محمّد بن مسلمة، الذي أعدّ خطة محكمة للقضاء عليه، فقتلوه بمساعدة أخيه بالرضاعة «أبونائلة». كما تخلّصوا من مفسد آخر هو:«أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي» الذي قام بنفس دور كعب بن الاَشرف في إيذاء الرسول والمسلمين.

وفي هذه السنة، ولد السبط الاِمام الحسن (عليه السلام) في 15 من شهر رمضان.


1. مجمع البيان:2|235.

(140)

أحداث السنة الرابعة من الهجرة


1. النتائج السلبية لمعركة أُحد

بالرغم من إظهار المسلمين قوتهم، ومطاردتهم للعدو ومنعهم من مهاجمة المدينة، فإنّ المنافقين واليهود والمشركين أعدّوا الموَامرات ضدّ الاِسلام والمسلمين، وجهزوا العدّة لمحاربتهم،مثل قبيلة «بني أسد» التي أرادت الهجوم على المدينة لنهبها، فأرسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) 150فرداً بقيادة أبي مسلمة الذي تمكن من القضاء عليهم والتخلّص منهم.

ومن المعروف أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرسل الدعاة و المبلغين من قرّاء القرآن الكريم، والمسلمين بالاَحكام الاِسلامية والتعاليم النبوية، لينقلوا تلك التعاليم والاَحكام إلى الناس في المناطق البعيدة والاَماكن النائية، كما كان يبعث من جانب آخر، السرايا والمجموعات العسكرية للقضاء على محاولات التمرد والموَامرات، ليتسنّى لهوَلاء المبلغين والدعاة في ضوء الاَمن والحرية والاَمان، الدعوة إلى الاِسلام وإرساء دعائم الحكومة الاِسلامية في القلوب، وتنوير الاَفكار وإيقاظ العقول. إلاّ أنّه كان يحدث أنّ بعض القبائل المتوحشة والمتخلفة فكرياً وأخلاقياً كانت تعتدي على هوَلاء المبلغين وتقتلهم


(141)

بصورة مفجعة مأساوية.(1) مثلما قامت به جماعة من قبيلة «عضل والقارة» الذين طلبوا القرّاء من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وغدروا بهم أثناء الطريق إلى مكان سكنهم. ومن قبلهم طلب أبو براء العامري في شهر صفر من هذه السنة، من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث رجالاً إلى نجد يدعوهم للاِسلام مع أنّه لم يسلم، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي أخشى عليهم أهل نجد». ولكن أبا براء أعلن عن استعداده لاِجارتهم وضمان أمنهم فقال: أنا لهم جار. فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعين رجلاً من أصحابه الخيار من حفظة القرآن و أحكام الاِسلام بقيادة «المنذر بن عمرو» و معه كتاب إلى «عامر بن الطفيل» أحد زعماء نجد، الذي قرر الغدر بهم، فقتل رسول المنذر، وطلب من بني عامر قتل المبلّغين، إلاّ أنّهم رفضوا على أساس أنّ لهم عقداً وجواراً مع أبي براء. فاستصرخ عليهم قبائل«بني سليم» الذين أجابوه، فأحاطوا بالدعاة وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم بعد أن قاوموا بقوّة وبسالة عظيمة. وتسمّى هذه الحادثة بجريمة بئر معونة، التي لم ينسها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يذكر شهداءها فترة من الزمان(2) كما أنّ تلك الحادثتان: الرجيع وبئر معونة، تركتا آثاراً سيئة،وخلفتا موجة من الحزن والاَسى في نفوس المسلمين.

2. غزوة بني النضير

لقد طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من يهود بني النضير المساهمة في دفع دية اثنين قتلا خطأ، بموجب الاتفاقية المعقودة بين الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» واليهود، والتي تقضي بالتعاون فيما بينهم في تسديد الدية، إلاّ


1. السيرة النبوية:2|169؛ طبقات ابن سعد:2|55.
2. السيرة النبوية:2|183؛ إمتاع الاَسماع:1|170.

(142)

أنّهم أضمروا له الشر، حينما سار إليهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدد قليل من أصحابه، وقصدوا قتله غدراً، وذلك بإلقاء صخرة عليه من فوق البيت الذي أستند الرسول ص إلى جداره، ولكنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بموَامراتهم سواء من تحركاتهم المشبوهة، أو بخبر جاء من السماء، فترك المكان مسرعاً بالعودة إلى المدينة، دون أن يخبر أصحابه الذين انتظروه طويلاً دون جدوى. وقد أخبرهم عند عودتهم بالسبب:«همت اليهود بالغدر بي فأخبرني اللّه بذلك فقمت».(1)

ورداً على الموقف الغادر لليهود، فقد أمر الرسولالمسلمين بالاِعداد لحربهم، وبعث رسالة إليهم مع «محمّد بن مسلمة» يبلغ فيها سادتهم: «قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. أخرجوا من بلادي، فقد أجّلتكم عشراً، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه».

وكان حكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا مطابقاً لما جاء في الميثاق الذي عقد بينهم عند دخوله المدينة: «ألاّ يعينوا على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ولا على أحد أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح في السر والعلانية، واللّه بذلك عليهم شهيد. فإن فعلوا فرسول اللّه في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم». إلاّ أنّالمنافقين برئاسة «عبد اللّه بن أُبيّ» اتّصلوا ببني النضير يعرضون عليهم المساعدة والتعاون، بعدم تنفيذ أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج من المدينة، ممّا دفعهم إلى اللجوء إلى حصونهم، والاِعداد للحرب ومقاومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى لا يسيطر المسلمون على ديارهم وبساتينهم وممتلكاتهم، وأرسل «حيي بن أخطب» إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّا لا نبرح من دارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع؛ فما كان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّأن خرج إليهم، بعد أن استخلف على المدينة «ابن أُمّ مكتوم» وسار لمحاصرة بني النضير،


1. طبقات ابن سعد:2|57؛ إمتاع الاَسماع:1|178.

(143)

فاستمر الحصار ست ليال على رواية ابن هشام، أو 15 يوماً حسب الروايات الاَُخرى. وأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقطع النخيل المحيطة بحصونهم، وإلقاء النار عليهم، حتى يكرهوا البقاء في تلك الديار بعد إعدام بساتينهم.

فدفعهم ذلك فعلياً إلى الرضوخ لمطالب الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بالجلاء عن موطنهم، على أن تحمل إبلهم ما لهم من مال دون أن يأخذوا السلاح والدروع، فرضى النبي ص بذلك، فخرج جماعة منهم إلى خيبر وأُخرى إلى الشام. أمّا تقسيم أموالهم فحيث إنّ المسلمين غنموها دون قتال ـ و هو الفيء ـ فانّه يعود أمره إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة يضعه حيث يشاء ويصرفه فيما يرى من مصالح الاِسلام، وقد فعل النبي ذلك وقسم المزارع والبساتين على المهاجرين فقط دون الاَنصار، وذلك لما حرموا من ممتلكاتهم وثرواتهم في مكة، وقد أيده في ذلك: سعد بن عبادة و سعد بن معاذ.(1)

وقد جرت هذه الحادثة في ربيع الاَوّل 4هـ وأوردتها سورة الحشر في القرآن الكريم.

3.غزوة ذات الرقاع

جاء الخبر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ قبائل بني محارب و بني ثعلبة من قبائل غطفان، أعدتا للهجوم على المدينة، فسار إليهم النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأدّبهم، دون أن يحدث قتال، وأصاب بعض الغنائم.

كما خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوّة بلغت 1500 فرد من المحاربين قاصداً بدراً لملاقاة أبي سفيان، الذي كان قد قرر في أُحد أن يلتقي بهم


1. إمتاع الاَسماع: 1|182.

(144)

في هذه السنة، إلاّ أنّهم تخوفوا من مواجهة المسلمين، وذلك من أظهر الصور لحكمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إجراءاته العسكرية، فقد أظهر قوته وعزيمته أمامهم، ممّا كان له أثره القويّ في نفوس الاَعداء.

4. تحريم الخمر

و قد حرّمت في أربع مراحل تدريجية ضمن آيات أربع أظهرت الاستياء من الخمر، فبدأت من مرحلة مخففة حتى انتهت إلى مرحلة الاِعلان عن التحريم القطعي. فالآيات الاَربع منعت من الخمر، بعد أن وصفتها بالرجس وإنّها نظير الميسر وانّها عمل شيطاني، مناقض للفلاح ومسبب للعداوة والبغضاء، وبذا فقد استطاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآيات أن يطهر مجتمعه من أدرانهذه العادة الشريرة التي انتشرت في البيئة بقوة، وكانت آفة متفشية ومتجذرة في المجتمع، بحيث إنّ معالجتها كانت تحتاج إلى وقت طويل وأُسلوب مدروس، وقد تحتم أن يعالَج هذا الوباء الاجتماعي من خلال إعداد الناس لمرحلة التحريم النهائي والقطعي تماماً، كما يفعل الطبيب للمرضى الذين يطول بهم المرض ولذا فإنّها حرمت في أربع مراحل.

و في هذه السنة ولد السبط الاَصغر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الاِمام الحسين (عليه السلام) في 3 شعبان.

كما توفيت السيدة فاطمة بنت أسد أُمّ الاِمام علي (عليه السلام) .

وأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن حارثة أن يتعلم السريانية من اليهود.(1)


1. إمتاع السماع: 1|187؛ تاريخ الخميس:1|464.


(145)


الفصل السابع

1. أحداث السنة الخامسة من الهجرة


ـ غزوة دومة الجندل ـ غزوة الاَحزاب

ـ غزوة بني قريظة ـ زواج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب بنت جحش

2. أحداث السنة السادسة من الهجرة

ـ اليهود ـ قبيلة بني لحيان

ـ بنو غطفان ـ غزوة بني المصطلق

ـ قصة الاِفك ـ الحديبية



(146)



(147)

أحداث السنة الخامسة من الهجرة


1. غزوة دومة الجندل

(1)

خرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ألف من المسلمين إليها لما ذكر عن أهلها من أنّهم يظلمون الناس والتجار وينوون الاِغارة على المدينة، إلاّ أنّ الاَهالي تركوها وهربوا منها عند اقتراب المسلمين منها، فأقام بها النبيأيّاماً ثمّ عاد إلى المدينة في 20 من شهر ربيع الثاني، دون حدوث قتال.

2. غزوة الاَحزاب

بعد أن أجلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يهود بني النضير عن المدينة، قرر زعماوَهم إجراء أعمال عدائية ضدّ المسلمين وذلك بالتآمر عليهم، فقدموا مكّة ليحرضوا قريشاً على حرب المسلمين بقولهم: إنّا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فلقد جئنا لنحالفكم على عداوة محمّد وقتاله، إنّ محمّداً قد وتركم ووترنا وأجلانا عن المدينة من ديارنا وأموالنا. كما أنّهم استخدموا اسلوبهم


1. منطقة بين دمشق و المدينة؛ طبقات ابن سعد: 2|44.

(148)

الملتوي حتى يوَثروا في قريش ويجذبونهم لجانبهم، فأقرّوا لهم بأنّ ما عليه المشركون خيرٌ من دين محمّد، بالرغم من أنّهم موحدون وقريش كفّار يعبدون الاَصنام، فكانت هذه وصمة عار أُضيفت إلى سجلّهم وتاريخهم المشوَوم.

وبذا فإنّهم شكّلوا اتحاداً ـ العرب واليهود ـ كما شاركتهم أحزاب أُخرى، من بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، وهي غطفان في نجد، وبنو سليم وبنو أسد وغيرها،ولذا سميت بمعركة الاَحزاب، أو معركة الخندق، لما قام به المسلمون من حفر خندق حول المدينة للدفاع عنها.

وحينما جاء أحد رجال استخبارات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخبار خروج تلك القوة الكبيرة، شاور (صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين في أساليب الحرب والدفاع، فافترح سلمان الفارسي حفر خندق حول المدينة، حتى يمكن تحديد الموقع الذي سيحاربون فيه العدو، فشرعوا في حفره واشترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه في أعمال الحفر مشاركاً للمسلمين همومهم وآلامهم، كما كان له دوره الموَثر في تنشيط الآخرين ودفعهم للعمل السريع والاجتهاد فيه والتدقيق. ووصل طول الخندق نحو خمسة كيلومترات ونصف الكيلومتر(5 و 5كم)، والعرض بمقدار خمسة أمتار، والعمق أيضاً خمسة أمتار، بحيث لا يتمكن الفارس الماهر من عبوره بالقفز عليه. وانتهي من العمل فيه في ستة أيّام. وفي هذه الفترة قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شأن سلمان: «سلمان منّا أهل البيت».(1)

وقام العدو بحصار المدينة شهراً، وبلغ عدد جيش المشركين، عشرة آلاف فرد، كان منهم أربعة آلاف من قريش، و 700 من بني سليم، و 1000 من قبيلة


1. المغازي:2|446؛ الكامل في التاريخ:2|122.

(149)

فزارة، و 3500 مقاتل من بقية القبائل. أمّا عدد المسلمين فلم يتجاوز 3 آلاف نزلوا في سفح جبل سلع في موضع مرتفع ومشرف على الخندق، يمكن منه مراقبة تحركات العدو ونشاطاته.

ولما كان الموسم موسم شتاء، والطعام قليلاً، وطالت فترة الحصار ـ شهر ـ فإنّ ذلك دفع المشركين إلى الاتّصال بيهود بني قريظة الذين كانوا يعيشون داخل المدينة لمساندتهم، بالرغم من أنّهم احترموا الميثاق الذي عقدوه مع الرسولإلاّ أنّ «حيي بن أخطب» تمكن من إقناعهم بنقض ذلك العقد للوقوف مع الاَحزاب في حرب المسلمين. وقد تأكد رسولا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سعد بن عبادة و سعد بن معاذ رئيسا الاَوس والخزرج من موَامرة بني قريظة ونقضهم للعهد، عندما توجها إلى حصونهم، فأخبرا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك.

وكانت خطتهم التآمرية تقضى بأن يقوم بنو قريظة بالاِغارة على أهل المدينة في الداخل، ويرعبوا أهلها ليخفف ذلك من الضغط على الكفّار في موقع المعركة عند الخندق. إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل 500 من رجاله بقيادة «زيد بن حارثة و مسلمة بن أسلم» لحراسة المدينة من الاَعداء.

وأمّا في ميدان المعركة، فقد تمكن خمسة من شجعان المشركين من عبور الخندق وعلى رأسهم «عمرو بن عبد ود العامري» فطلبوا المبارزة مع أبطال المسلمين. فقال الرسول ص: «أيّكم يبرز إلى عمرو أضمن له الجنة؟». فقام الاِمام علي (عليه السلام) قائلاً: «أنا له يا رسول اللّه»، والقوم ناكسوا روَوسهم، وكأنّ على روَوسهم الطير، وذلك لمكان عمرو وشجاعته المعروفة.(1)


1. المغازي:2|470.

(150)

وبذا فقد برز الاِمام علي (عليه السلام) وقال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» هنا كلمته الخالدة: «بَرَزَ الاِيمانُ كُلّه إلى الشرك كلّه». وتمكّن الاِمام علي (عليه السلام) من التخلص من عمرو والقضاء عليه حين ضربه ضربة قوية على ساقيه فقطعهما، فكبّر الاِمام علي (عليه السلام) يعلن انتصاره ومقتل عمرو، ممّا كان له أثره في العدو، فألقى الرعب في نفوسهم، فهربوا إلى معسكرهم تاركين الخندق، وسقط أحدهم بفرسه في الخندق وهو: «نوفل بن عبد اللّه» فرماه الحرس بالحجارة، ممّا جعله يطلب مقاتلة أحد المسلمين، فنزل إليه الاِمام علي «عليه السلام» فقاتله وقضى عليه في الخندق.(1)

ونظراً لضربة الاِمام علي (عليه السلام) الموَثرة ذات النتيجة والفعالية، فقد قال عنها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ضربة عليّيوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» إذ لم يبق بيت من بيوت المشركين إلاّودخله ذل بقتل عمرو بن عبد ود، على عكس ما حدث لبيوت المسلمين، فقد دخله بذلك العزّ والافتخار، فالضربة كانت في الواقع هزيمة للمشركين والاَحزاب ونهاية لقوتهم، بالاِضافة إلى الظروف السائدة، من قلّة الطعام والعلف والبرد.

عوامل تفرّق الاَحزاب

1. اختلاف قبائل غطفان و فزارة مع قريش و تخاذلهم في الهجوم، وخاصة عندما اتصل بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للاتّفاق على عودتهم وتراجعهم في مقابل مساعدتهم مادياً.

2. مصرع فارسهم الاَكبر عمرو بن عبدود الذي علّقوا عليه الآمال في الانتصار.


1. بحار الاَنوار: 20|256؛ تاريخ الطبري: 2|240.

(151)

3. دور «نعيم بن مسعود» في تفرقة أعداء الاِسلام و إيقاع الخلاف بينهم، وكان قد أسلم حديثاً، فقد تمكن بدهائه من التفرقة بين يهود بني قريظة وجيش الاَحزاب، حيث أقنع اليهود بأن يأخذوا رهائن من العرب ليكونوا ضماناً في مقابل تعاون اليهود مع المشركين قائلين: «حتى نناجز محمداً، فإنّنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه» وفي نفس الوقت طلب من قريش عدم إعطاء اليهود أحداً من رجالهم إذا طلبوا منهم ذلك، فإنّهم سيرسلونهم إلى النبيليقتلهم.

وهكذا فقد جرى الاَمر كما رسمه «ابن مسعود»إذ أنّ الاَطراف المتحالفة تأكدت من النوايا السيئة فانسحبت بنو قريظة، وتفرق الشمل ورجع الكفّار خائبين.

4. عامل إلهي، حين بعث اللّه عليهم فجأة، العاصفة والريح واشتد البرد، فقلعت خيامهم وأطفأت أضواءهم، فصاح بهم أبو سفيان: ارتحلوا فإنّي مرتحل.

وقد سجل القرآن الكريم وقائع هذه المعركة وأشار إلى أبرز النقاط فيها ضمن 17 آية من سورة الاَحزاب 9ـ25.

وقسمت الآيات الموضوع إلى ثلاثة أقسام:

1. آيات ترسم الوضع العام للمسلمين.

2. آيات تتعرض لموقف المنافقين.

3. آيات تبين موقف الموَمنين الصادقين.

فهي توَكد دور عناية اللّه بالموَمنين وحمايتهم من أعدائهم الكافرين، كما


(152)

أنّها تشرح الحالة العسكرية للمسلمين، من حصار الاَعداء لهم من كلّجهة، ممّا ألقى الرعب في قلوب اليهود من أهل المدينة، وما أظهره المنافقون من إشاعات وتشكيكات بالوضع، لاِلقاء روح الهزيمة بين الاَفراد.

وبالتالي فهذه الواقعة التي انتهت في 24 من شهر ذي القعدة، كانت امتحاناً اختباراً دقيقاً للنفوس والقلوب، ميّزت الصادق عن المنافق، والموفون بالعهد و عن الناقضين له، كما كشفت عن أنّ وعود اللّه صادقة ومحقّقة متى توفرت شرائطها ومقدماتها، كما أنّهاأشارت إلى دور الطابور الخامس في إضعاف الجبهات، وأساليب مواجهتها.

3. غزوة بني قريظة

قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معالجة قضية بني قريظة بعد المعركة دون انتظار، وذلك بأمر من اللّه تعالى. فسار مع المسلمين ليحاصر حصونهم التي تحصنوا بها وأغلقوا الاَبواب. ولما كان اليوم ـ السبت ـ فإنّهم لم يبتغوا القتال فيه أو الحرب. ثمّ إنّ وفداً منهم طلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتركهم يخرجوا من المدينة بأموالهم مثلما فعل مع بني النضير، أو يتركوا سلاحهم وأموالهم، فرفض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقترحاتهم ومطالبهم حتى لا يفعلوا فعلَبني النضير في تحريك العرب المشركين ضد المسلمين،ولذا فقد سلّموا أنفسهم للمسلمين دون أيَّة شروط، فدخل المسلمون الحصن وجردوهم من سلاحهم وحبسوهم حتى يتقرر مصيرُهم، أو يحكم فيهم سعد بن معاذ الاَوسي حليفهم. وفي المجلس الذي أعدّ لذلك، حكم سعد عليهم بقتل الرجال، وتقسيم أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، رغم الاِلحاح عليه بحسن الحكم في


(153)

حلفائه بني قريظة.(1)

وقد استند في حكمه إلى:

أ: أنّ يهود بني قريظة كانوا قد تعهدوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهم لو تآمروا ضدّ المسلمين وناصروا أعداءهم أو أثاروا الفتن والقلاقل، فإنّ للمسلمين الحقّ في قتلهم ومصادرة أموالهم وسبي نسائهم.

ب: وأنّ حكمه جاء بمثل ما في شريعتهم.

ج: ما قد رآه بعينه ممّا صدر قبل ذلك من قبائل اليهود حين عفا عنهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّهم نقضوا عهودهم معه «صلى الله عليه وآله وسلم» وأثاروا الاَجانب عليهم واشتركوا مع المشركين ضدّهم، الاَمر الذي جعله يتخوف من أن يعرّض هوَلاء مركز الاِسلام للخطر من خلال موَامراتهم. وخاصة أنَّهم كانوا قد أخلّوا بالاَمن فترة من الزمن في المدينة، ولولا الحراسة المكثفة التي عينها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفعلوا أفظع الاَُمور والاَعمال.

وقد قسمت الغنائم بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، وأُعطي للفارس سهمان،وللراجل سهم واحد، وسلم الرسول ص أموال الخمس لزيد بن حارثة، ليشتري بها السلاح والعتاد والخيل من نجد.(2)

وقد استشهد سعد بن معاذ الذي كان قد جرح في معركة الخندق، بعد أحداث بني قريظة. وانتهت هذه المشكلة في 19 من شهر ذي الحجّة.


1. السيرة النبوية:2|240؛ المغازي:2|510؛ زاد المعاد:2|73.
2. السيرة النبوية:2|241؛ تاريخ الطبري: 2|250؛ زاد المعاد:2|74.

(154)

4. زواج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بزينب بنت جحش


كان «زيد بن حارثة » قد سرقه قطاع الطرق وباعوه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام وأهداه لعمته السيدة خديجة بنت خويلد(عليها السلام) التي أهدته بدورها إلى النبيبعد زواجهما. وقد دفعت أخلاق النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وسيرته الحسنة إلى أن يحبه زيد حباً شديداً إلى آخر عمره، حتى أنّه فضل العيش معه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الرجوع إلى أهله.

ولما قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من اللّه تعالى أن يحطّم التقاليد الجاهلية في المجتمع العربي، ليعيشوا جميعاً تحت لواء الاِنسانية والتقوى إخوة متحابين، فقد زوّج زيداً من ابنة عمته زينب بنت جحش، حفيدة عبد المطلب، مع ما بينهما من الاختلاف في مستوى الانتماء القبلي والمكانة الاجتماعية إلاّ أنّ زواجهما لم يدم طويلاً فافترقا بعد الطلاق. ثمّ تزوجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك للتخلّص من تقليد جاهلي آخر مترسب في المجتمع، حيث كان يعتبر الابن المتبنّى كالابن الحقيقي،يعامله مثله تماماً في الحقوق والواجبات. ولذا فقد كلف اللّه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقضي على هذا التقليد الجاهلي والسنّة الخاطئة بإجراء عملي ظاهر للعيان، و هو التزوّج من زينب مطلّقة متبنّاه زيد:( فَلَمّا قَضى زَيدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَي لا يَكُونَ عَلى الْمُوَْمِنينَ حَرَجٌ في أَزواجِ أَدْعيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً).(1)


1. الاَحزاب:37.


(155)

أحداث السنة السادسة من الهجرة

1. اليهود

كان لابدّ من القضاء على خطر اليهود، إذا أراد المسلمون حياة الاستقرار والاَمن، حتى لا تتكرر قضية الاَحزاب مرّة أُخرى، فأرسل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مجموعة من شجعان الخزرج لتصفية هذا العنصر الحاقد، وكان على رأسهم: سلام بن أبي الحقيق، الذي عاش في خيبر، فخرجوا حتى وصلوا خيبر فدخلوها ليلاً، فدخلوا على المفسد وقتلوه، إذ طالما أزعج المسلمين بفتنه وموَامراته، وعادوا إلى المدينة سالمين.

2. قبيلة بني لحيان

قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه السنة تخويف هذه القبيلة، التي اعتدت من قبل على عدد من دعاة المسلمين غدراً ودون رحمة، فقام بسلسلة من المناورات العسكرية واستعراض لقواته القتالية، ليرهب أعداء اللّه الآخرين أيضاً و قريش خاصة فيذعرهم حيث كان الرسول ص وأصحابه قد نزلوا


(156)

عسفان على مقربة من مكة، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من رأيه، أنّه : «لو هبطنا عسفان لرأى أهل مكّة أنّا قد جئنا مكة». كما ذكر جابر بن عبد اللّه الاَنصاري أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عند رجوعه إلى المدينة: «أعوذ باللّه من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الاَهل والمال».(1)

3. بنو غطفان

في 3 من شهر ربيع الاَوّل، اعتدى جماعة من بني غطفان على إبل لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في منطقة الغابة ـ وهي قريبة من المدينة من ناحية الشام ـ و قتلوا رجلاً وأخذوا امرأة، فطاردهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاتلهم في ذي قرد، واستعاد منهم المرأة وعدداً من الاِبل .

4. غزوة بني المصطلق

وهم من قبائل خزاعة المتحالفة مع قريش. قرر زعيمها «الحارث بن أبي ضرار» أن يغزو المدينة، فأعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عدّته للقضاء عليهم، فخرج عندما علم من رجال مخابراته بنواياهم، فلقيهم عند ماء «المريُسيع» وقاتلهم فتفرقوا، وغنم المسلمون منهم كثيراً كما سبوا عدداً كبيراً من نسائهم.

وبعد المعركة، حدث أن تقاتل اثنان من المهاجرين والاَنصار على الماء، حتى كادت أن تقع حرب بين الطرفين، لولا حكمة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي تمكن من إخماد الفتنة في مهدها، وتجنيب المسلمين أخطارها. إلاّأنّ عبد اللّه بن أُبيّ رئيس المنافقين استغل الموقف فأثار الاَنصار ضدّ


1. تاريخ الطبري:2|254؛ المغازي 2|535؛ إمتاع الاَسماع:1|259.

(157)

المهاجرين، على أساس أنّهم أقلّ مكانة منهم، ممّا تركت كلماته أثرها في نفوسهم، إذ أنّهم ما زالوا يعانون من بقايا العصبية الجاهلية. وكادت الحركة أن توجه ضربة قاضية إلى صرح الوحدة الاِسلامية والاِخوة الاِيمانية، ولكن زيد بن الاَرقم ظهر من بين فتيان المسلمين ليرد عليه بالكلمات القوية: «أنت واللّه الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمّد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، واللّه لا أحبك بعد هذا أبداً». ثمّ سار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره بما حدث من المنافق، فأراد الرسول أن يهدّىَ الاَوضاع، فأمر بالرحيل في ساعة من النهار لم يكن يرتحل فيها عادة، كما أنّه سار ليلاً ونهاراً دون إستراحة إلاّللصلاة، وذلك حتى يشغلهم عن الذي حدث من عبد اللّه بن أُبيّ المنافق.

وقد طلب ابنه عبد اللّه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسمح له بقتل أبيه، حيث كان مسلماً حقيقياً أفضل من أبيه، ولكن الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».

فما كان من المسلمين إلاّ أن توجّهوا باللوم على ابن أُبيّ، فلحقه من ذلك ذلّشديد بين الناس ، فلم يعبأ به أحد، ولم يعد له أيّدور، وعاش بقية حياته محتقراً بين الناس.

وقد تزوّج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «الجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار» التي كانت من بين سباياهم، فأسلمت وأسلم أهلها، ثمّ أطلق الباقون وهم مائة عائلة من بني المصطلق، إذ اعتبروا من أصهار النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ،وأطلق جميع أسرى بني المصطلق رجالاً ونساء بفضل هذا الزواج المبارك، وبفضل سياسة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكيمة.

وفي هذه السنة خرج جماعة من قريش تنشد اللجوء إلى الحبشة خوفاً من قوة المسلمين، وكان فيهم عمرو بن العاص، الذي قدم الهدايا الكثيرة إلى الملك،


(158)

الذي نصحه بأن يعلن إسلامه، إذ لا مفر من انتشار الاِسلام في بلاده، فاضطر إلى أن يسلم على يديه، وكتم أمره عن أصحابه.(1)

5. قصة الاِفك

يرى أكثر المحدّثين المفسرين أنّالقصة ترتبط بالسيدة عائشة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويذكرون أحداثاً لا يتلاءم بعضها مع عصمة الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولذا لا يمكن القبول بها (2) بينما يذهب آخرون إلى المعني فيها هو مارية القبطية زوجة رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وأُمّ إبراهيم.

ففي رواية البخاري التي نقلها عن السيدة عائشة، ما يتنافى بقوة مع عصمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،لاَنّها تكشف عن أنّه وقع «صلى الله عليه وآله وسلم» فريسة بأيدي الشائعات الكاذبة إلى درجة أنّه غيّر سلوكه تجاه السيّدة عائشة، بعد أن شكّ في عفافها وشاور أصحابه في أمرها.(3) إنّمثل هذا الموقف مع شخص بريء لا يوجد أي دليل على تهمته، لا يتنافى فقط مع مقام العصمة النبوية، بل حتى مع مقام الموَمن العادي. كما أنّ الآية 12 و14 من سورة النور توبخ أُولئك الذين وقعوا فريسة الشائعات و ظنوا السوء، ممّا يعني أنّهذا العتاب والتوبيخ كان يعم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً لو صحت رواية البخاري هذه. ولذا فإنّه يُرفض كلّالرواية المذكورة في شأن النزول الذي يتناقض مع عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .


1. لاحظ الاِختلاف في الموقف هنا و في أوّل عهد الاِسلام بمكة.
2. الدر المنثور:5|24.
3. صحيح البخاري:6|102،تفسير سورة النور.

(159)

وأمّا بالنسبة لرواية البخاري الاَُخرى بشأن النزول، والتي ينقلها عن عائشة ومفادها: أنّه حدث شجار وصدام بين الاَوس والخزرج أمام الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» حينما كان يخطب على المنبر، فاتّهموا بعضهم بعضاً بسبب قضية الاِفك، حتى أشار عليهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسكوت فهدّأهم حتى انصرفوا، فهي كذلك لا تتناسب مع أحداث التاريخ الصحيح، إذ أنّ «سعد بن معاذ» رئيس الاَوس كان قد توفّي قبل حادثة الاِفك، التي جرت وقائعها بعد أحداث معركة بني قريظة، وقد صرح بذلك البخاري نفسه في صحيحه(1) في باب معركة الاَحزاب وبني قريظة، فكيف يمكن أن يحضر مجلس النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ويجادل سعد بن عبادة في قضية الاِفك التي وقعت بعد أحداث بني قريظة بعدّة شهور؟

ولذا فمن المهم أن نعرف أنّ حزب النفاق حاول أن يزلزل النفوس بإلقاء التهمة والبهتان إلى إمرأة صالحة ذات مكانة وأهمية في المجتمع الاِسلامي. وقد فسر قوله تعالى: (الذي تولّى كبره) بأنّ الذي تحمل القسط الاَكبر من هذه العملية الخبيثة هو: «عبد اللّه بن أُبي» فهو الذي قاد هذه العملية الرخيصة الخطرة، كما صرحت بذلك السيدة عائشة نفسها.(2) فقد كان «عبد اللّه بن أُبي» يعمل بتجارة الجواري ويضعهن تحت تصرف الرجال للزنا بهن، فيجني أرباحاً طائلة من وراء هذه التجارة البغيضة، حتى بعد انتشار الاِسلام في المدينة. ولما كان يكرههن على البغاء، واشتكت إحدى نسائه من ذلك، فقد نزلت الآية الكريمة تشجب عمله الدنيء: (وَلا تُكرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلى البِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ)


1. صحيح البخاري:5|113.
2. السيرة النبوية:2|297، وقد فطن ابن هشام لهذه الناحية فترك ذكر سعد بن معاذ بينما غفل عنها البخاري في صحيحه.

(160)

الدُّنيا) (1) وعندما حدث العداء بينه وبين ابنه بعد واقعة بني المصطلق، عمد إلى فعل كلّ ما يشفي غليله ويذهب غيظه، كترويج الشائعات الكاذبة انتقاماً من المجتمع الاِسلامي، ليعمل على بلبلة الرأي العام ويشغله بالتوافه من القضايا، ويصرفه عن القضايا المهمة والمصيرية، إذ أنّ سلاح الشائعات يعتبر من الاَسلحة المدمرة،وتستخدم في تشويه سمعة الاَفراد الصالحين والمجتمع أيضاً.

أمّا الرواية الاَُخرى، فترى أنّ المقصود من الآية مارية القبطية، حيث اتهم فردٌ يدعى جريح بعد وفاة ابنها إبراهيم بأنّه هو والد إبراهيم وليس النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فأرسل ص الاِمام علياً ليقتله، فصعد جريح إلى نخلة خوفاً من علي (عليه السلام) وفتكه به، فتعقّبه عليُّ، فرمى بنفسه من فوقها فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء، فرجع علي (عليه السلام) إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فأخبره بما رأى، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحمد للّه الذي صرف عنّا السوء أهل البيت .(2) وجميع هذه الروايات ضعيفة فلا يمكن القبول بها في شأن نزول آيات الاِفك.

6. الحديبية: رحلة دينية سياسية

كانت السنة 6 هـ تقترب من نهايتها حينما رأى الرسولفي المنام أنّه دخل الكعبة وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت. فقص ص روَياه على أصحابه، وتفاءل بها خيراً.(3)


1. النور:33.
2. بالرغم ما ذكر عن الاِمام علي (عليه السلام) أنّه لم ينظر إلى عورة قط، ولذا قيل عنه كرم اللّه وجهه.
2. مجمع البيان:9|126.

(161)

إنّ هذه الرحلة الروحانية انتجت مصالح اجتماعية وسياسية، عزّزت مكانة المسلمين في الجزيرة العربية وساعدت على نشر الدين الاِسلامي فيها، وذلك لاَنّ:

ـ القبائل العربية المشركة تصورت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خالف كلّ عقائد العرب وتقاليدهم الموروثة بما فيها الحج والعمرة، فأكد بذلك الصلح وتجنّب القتال في الشهر الحرام أنّه لا يعارض تلك الطقوس الدينية، بل يعتبرها فريضة مقدسة مثل والد العرب الاَكبر «إسماعيل بن إبراهيم» ويعمل على المحافظة على هذه التقاليد الدينية، ممّا قلل من مخاوفهم تجاه الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ودعوته.

ـ و لما لم يكن يحمل أسلحة معه على أساس حرمة الاَشهر الحرم، فإنّ ذلك غيّر من نظرة هوَلاء تجاه دعوة الاِسلام حين شاهدوا الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» وهو يحرّم القتال في الشهر الحرام،ويدعو إلى رعاية هذه السنّة الدينية القديمة.

ـ وستكون مناسبة يتمكن المهاجرون فيها من زيارة وطنهم وأهاليهم وأقربائهم. أمّا إذا منعتهم قريش من الدخول فإنّ سمعتها هي تتعرض للخطر، ويتضح عدوانُها، وينكشف للجميع بطلان مواقفها، نظراً لموقفها السّيىَ تجاه جماعة مسالمة أرادت أداء مراسم العمرة فقط.

ـ و إذا نجح المسلمون في سعيهم بأداء مناسك العمرة، فإنّه سيكون أفضل إعلام لجميع مناطق العرب، إذ أنّنداء الاِسلام سينتشر في تلك البقاع والمناطق التي لم يصلها دعاة النبي ص ومبلغوه حتى هذا الوقت.

ـ و لذا فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أصحابه بالتهيّوَ للعمرة داعياً القبائل المجاورة التي لم تزل على كفرها وشركها إلى مرافقة المسلمين في هذه الرحلة وبلغت أعدادهم ألف وأربعمائة أو 1600 أو 1800، أحرموا في ذي الحليفة فشاع في الجزيرة العربية أنّ المسلمين متجهون صوب مكة للعمرة في شهر ذي القعدة.


(162)

وعند عُسفان، أخبروا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّقريشاً ترفض السماح لهم بالدخول إلى مكّة، كما أرسلت كتيبة من أفرادهم بقيادة: خالد بن الوليد، لتنفيذ الاَوامر المعلنة، فغيّر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طريقه حتى لا يلتقي بخالد،سالكاً طرقاً وعرة حتى وصل الحديبية، التي بركت فيها ناقة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلوا في ذلك المكان، إلاّأنّ خالد بن الوليد تمكن من الوصول بكتيبته وحاط بهم وحاصر موكبهم. ولكن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لم يكن قد جاء ليحارب في سبيل دخول مكة، ولم يكن هذا هدفه، ولذا فإنّ التفاوض كان من أفضل الحلول لهذه المشكلة، فقال «صلى الله عليه وآله وسلم» : «لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطة يسألونني فيها صلة الرحم إلاّأعطيتهم إيّاها». فبلغ ذلك مسامع الجميع، فقرروا إرسال عدد من أفرادهم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للتعرف على هدفه الاَصلي من رحلته ومجيئه إلى مكة، فبعثوا إليه بأربعةأشخاص لتفهّم موقف الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّا لم نجىَ لقتال أحد ولكنّا جئنا معتمرين».

إلاّأنّ المندوبين أكدوا للمسلمين أنّ قريشاً لن تقبل بدخولهم مكة: «يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم عنوة أبداً». فذهبت كلّتلك المفاوضات سدى دون جدوى، ممّا جعل الرسول ص يرسل مندوباً عنه إلى قريش يوضح الصورة الصحيحة لهدفهم،وهو زيارة بيت اللّه وأداء مناسك العمرة، إلاّأنّقريشاً ـ خلافاً لكلّالاَعراف الدولية والاجتماعية ـ والتي تقضي بحماية السفراء واحترامهم، عمدت إلى عقر الجمل الذي قدم عليه السفير والمندوب النبوي، بل كادوا أن يقتلوه أيضاً، لولا تدخل جماعة من قادة العرب، فخلّت سبيله ليعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . كما أنّقريشاً أرسلت كتيبةلاِرهاب الرسولوجماعته وإرعابهم ونهب شيء من أموالهم، إلاّ أنّ الوضع لم يكن في صالحهم فقد أسرهم المسلمون وكانوا خمسين فرداً، فتدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفا عنهم و خلّى سبيلهم، ليوَكد لهم أنّه جاء يريد السلام، وأنّ هوَلاء ينشدون الحرب والقتال.


(163)

واختار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) «عمر بن الخطاب» لمهمة سفارة أُخرى لقريش، لاَنّه لم يكن قد أراق دم أيّمن المشركين حتى ذلك الوقت، ولكنّه اعتذر عن تحمّل هذه المسوَولية المحفوفة بالمخاطر قائلاً: «يا رسول اللّه، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي من يمنعني،ولكنّي أدلّك على رجل أعزّ بها منّي عثمان بن عفان».(1) إلاّ أنّ قريشاً ألقت القبض على عثمان وحبسوه،لعلّهم يتوصلون إلى حلّ فيطلقوه ليبلغ الرسولرأيهم. فلمّا أبطأ عثمان عنهم، وأوجد ذلك قلقاً شديداً في نفوس المسلمين، وخاصة إنّه أُشيع أنّ عثمان قتل، فإنّالمسلمين ثاروا وقرروا الانتقام والقتال، ممّا دعا النبيإلى أن يجدّد بيعته مع المسلمين، فبايعوه تحت الشجرة على الاستقامة والثبات والوفاء، وحلفوا ألاّ يتخلّوا عنه أبداً، وأن يدافعوا عن حياض الاِسلام حتى النفس الاَخير، وسميت هذه البيعة: بيعة الرضوان، التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرة فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَريباً) .(2) وبذا فإنّ موقف المسلمين تحدّد في: إمّا دخول مكة وزيارة بيت اللّه، وإمّا القتال فيما لو تصلب موقف قريش الرافض لذلك. ولكن «عثمان بن عفان» رجع إليهم وأخبرهم أنّاليمين التي التزمت بها قريش بمنعهم من دخول مكة هذا العام، هي التي تجعلهم في موقف متصلب رافض، وأنّهم سيرسلون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من يتفاوض معه في هذا الشأن. وكُلّف سهيل بن عمرو بإنهاء هذه المشكلة. ونتج عن التفاوض بين الطرفين عقد صلح شامل و


1. السيرة النبوية:2|315، كما أنّ بينه وبين أبي سفيان قرابة، فهو أموي.
2. الفتح:18.

(164)

واسع بينهما.

وفي الوقت الذي كان المندوب القرشي يتصلب في بعض البنود و المواد، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتساهل معه ويتنازل عنها، ممّا كان له أثر بعيد، فالتسامح الذي أبداه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تنظيم وثيقة الصلح، لا يعرف له نظير في تاريخ العالم، لاَنّه أظهر بجلاء أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» لم يقع فريسة بيد الاَهواء والاَغراض الشخصية والعواطف والاَحاسيس العابرة، فكان يعلم أنّ الحقائق لا تتبدل ولا تتغير بالكتابة والمحو،وهو ما جعله يتسامح مع مفاوض قريش الذي تصلب في مطالبه غير الشرعية، وذلك حفاظاً على أصل الصلح وحرصاً على السلام. وقد حدث خلال ذلك، أنّ طلب المندوب القرشي بأن يمسح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كتبه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» ويكتب بدلاً منه: باسمك اللّهمّ. كما طلب مسح كلمة «رسول اللّه» وإبدالها بمحمد بن عبد اللّه. فأجابه الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى ذلك.

أمّا صلح الحديبية، فكان من أبرز بنوده:

1. وقف القتال عشر سنين بين الطرفين.

2. من قدم إلى النبي من قريش دون إذن وليّه، يردّه عليهم، ومن جاء قريشاً من محمّد لا يردّوه إليه.

3. السماح بدخول أيّ طرف في التحالف مع أيّة أطراف.

4. يرجع المسلمون هذا العام على أن يقدموا العام القادم للعمرة.

5.لا يُستكره أحدٌ على ترك دينه، ويعبد المسلمون اللّه بمكة بحرية وأمان.

6. احترام الطرفين لاَموالهم، فلا خيانة ولا سرقة.

7. لا تعين قريشٌ على محمّد وأصحابه أحداً، سواء بسلاح أو أفراد.(1)


1. بحار الاَنوار: 20|352؛ السيرة الحلبية:3|21؛ مجمع البيان:9|117.

(165)

ثمّ كتبت الوثيقة بنسختين،ووقع عليها نفر من شخصيات قريش والمسلمين شهوداً عليها، وتسلم سهيل بن عمرو نسخة قريش، واحتفظ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسخة الاَُخرى.

وكثيراً ما اعترض المسلمون على بعض البنود، كالبند القاضي بتسليم كلّ مسلم سار إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من قريش، والعكس، فأوضحه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

«من جاءهم منّا فأبعده اللّه، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم اللّه الاِسلام من قلبه جعل له مخرجاً». فلا قيمة لاِسلام وإيمان من يترك المسلمين ويهرب لاجئاً عند المشركين، إذ أنّه يوَكد بفعله أنّه لم يوَمن حقّاً بالاِسلام، ولذا لم يكن هناك حاجة لقبوله في جماعتهم.

وهذا الميثاق يوَكد نزاهة الاِسلام وروحه وحقيقة تعاليمه،وأنّه لم يُطلَب نشره بقوة وإجبار، كما يذكره الاَجانب وغيرهم دوماً.

وبعد الانتهاء من تلك المراسيم وعودة جماعة قريش، قام الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بنحر ما كان معه من الهدي في نفس ذلك المكان وحلق، وأدّى الآخرون نفس العملية، ثمّ عادوا إلى المدينة بعد 19 يوماً من البقاء في أرض الحديبية.

وكان لهذه المعاهدة نتائج وآثار بعيدة المدى، كان من أبرزها وأهمها:

1. تهيّأت الاَرضية لنشر الاِسلام في المناطق المختلفة، بعد استقرار الاَمن والسلام بين المسلمين وقريش، فقد كان يقضي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر وقته في العمل على إفشال الموَامرات والدفاع عن المدينة والدخول في حروب.

2 . كان لاعتراف قريش بالكيان الاِسلامي رسمياً، دوره في منح القبائل حريتها في الانضمام إلى المسلمين إذا شاءوا.


(166)

3. زال الستار الحديدي الذي ضربه المشركون حول المسلمين في المدينة، فتمكن الناس من الارتحال إلى المدينة والتعرف عليها وعلى تعاليم الاِسلام العليا، ممّا فسح المجال لهم في اعتناق الاِسلام كما تمكن المسلمون من السفر إلى مكة وأجزاء أُخرى، ممّا ساعد في نشر الاِسلام في تلك الجهات.

4. التحق عددٌ كبير من روَوس الشرك والكفر كـ«خالد بن الوليد و عمرو ابن العاص» بالمسلمين واعتنقوا الاِسلام قبل فتح مكة.

5. زال الحاجزُ النفسي بين قريش و المسلمين، حين أثبت الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» لهم بأنّه معدن عظيم من معادن الخلق الاِنساني الكريم، بعد صبره وتجلده وتحمّله تصلّب قادة المشركين وتعنّتهم. فقد شاهدوا موقف النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مخالفته لآراء المعرضين من جماعته لبعض البنود عند توقيع العقد، وذلك في رغبة صادقة منه لاِقرار السلام بين الجانبين،فأبطل بذلك كلّالدعايات والاِشاعات المغرضة التي رُوِّجت ضدّه و ضدّ دعوته المباركة، وأثبت أنّه حقّاً رجل سلام وداعية خير للبشرية، حتى لو سيطر على مقاليد الجزيرة العربية، فإنّه سيعامل أعداءه باللطف والحسنى والتسامح.

ويوَكد ذلك قول الاِمام الصادق (عليه السلام) بعد ذلك:«وما كان قضية أعظم بركة منها». إذ لم يكد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصل إلى المدينة حتى نزلت سورة الفتح التي وعدت المسلمين وبشّرتهم بالانتصار، ممّا اعتبر مقدمة لفتح مكة (انّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبيناً) .(1)

وكانت المادة الثانية من المعاهدة، والتي اختلف حولها المسلمون، هي التي


1. بحار الاَنوار:20|263؛زاد المعاد:2|126.

(167)

تسبّبت في الفتح بعد ذلك، لاَنّ قريشاً طلبت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فترة قصيرة من توقيع المعاهدة بإلغاء تلك المادة التي تنص: على الحكومة الاِسلامية أن تعيد كلّمسلم هارب من مكة إلى قريش، وليس عليها أن تعيد كلّهارب من المسلمين.

ولما أثارت هذه المادة المسلمين، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طمأنَهم حينما ذكر لاَحدهم: «إنّ اللّه جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً».

ذلك أنّ بعض هوَلاء المسلمين الهاربين تمكّنوا من تأسيس عصابة خاصة في مراكز بعيدة عن مكة والمدينة، للنيل من قوافل قريش التجارية والتعرض لها وقتل من يقع في أيديهم، الاَمر الذي أقلق بال قريش، فراسلوا النبي صطالبين منه إلغاء هذه المادة للتخلص ممّا هم فيه من قلق وتوتر، فوافق الرسول الكريم «صلى الله عليه وآله وسلم» على ذلك، ولذلك انضم هوَلاء المسلمون المتفرّقون إلى جماعة المسلمين بالمدينة، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل بإعادة المسلمات، كما حدث «لاَُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط» التي هاجرت إلى المدينة فطلبوها، ولكن النبي ص قال: «إنّ اللّه نقض العهد في النساء».(1)

وقد جاء كلّذلك كما حكى القرآن الكريم في سورة الممتحنة:

(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ المُوَْمناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُوَْمِناتٍ فَلا تَرْجعُوهُنََّّ إِلَى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا) .(2)


1. المغازي:2|631؛ السيرة النبوية:2|323.
2. الممتحنة:10.


(168)



(169)


الفصل الثامن

1. أحداث السنة السابعة من الهجرة


ـ إعلان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عالمية رسالته ـ أحداث خيبر

ـ قصة فدك ـ عمرة القضاء

2. أحداث السنة الثامنة من الهجرة

ـ معركة موَته ـ غزوة ذات السلاسل

ـ فتح مكة ـ معركة حنين

ـ غزوة الطائف



(170)



(171)

أحداث السنة السابعة من الهجرة

1. إعلان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن رسالته عالمياً


كان من نتائج المعاهدة السابقة، أنّها أعطت الفرصة للنبيليفتح باب الاتّصال مع زعماء وملوك العالم وروَساء القبائل ورجال الدين المسيحي، فوجّه إليهم الرسائل عبر سفرائه ورسله، وهي خطوة اتّخذها الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بعد 19 عاماً من الصراع مع قريش المتعنّتة، فقد أشغلته الجبهة الداخلية ومشكلاتها وأجبرته على أن يصرف كثيراً من وقته في ترتيب البيت الاِسلامي، وشوَون الدفاع عن حياض الاِسلام وكيان المسلمين.

ولدينا الآن نصوص 185 رسالة وكتاب من قِبَل رسول اللّه ص أرسلها إلى عدّة أطراف وشخصيات محلية وعالمية تدعوهم إلى تقبّل الدين الاِسلامي، كما تتضمن عقد مواثيق عقدها مع روَساءالقبائل، قام بجمعها وضبطها أرباب السير وكُتّاب التاريخ، وهي تكشف عن أُسلوب الاِسلام في الدعوة والتبليغ، وأنّه يعتمد على المنطق والبرهان، لا على السيف و القهر، وعلى الاِقناع لا الجبر.(1)


1. أفضل ما تناول الموضوع من مصادر كتابان: أ. الوثائق السياسية للبروفيسور محمد حميد اللّه حيدر آبادي الاَُستاذ بجامعة باريس.
ب. مكاتيب الرسول للعلاّمة المحقّق الشيخ علي الاَحمدي.و هويمتاز بتحقيقات وتحليلات أدبية وتاريخية وسياسية إسلامية في غاية الاَهمية.

(172)

فالدعوة الاِسلامية كانت عالمية منذ ظهور الدعوة المحمدية، ويمكن الرد على المستشرقين المعادين للاِسلام، والذين يوَكدون على عدم عالمية الدعوة المحمّدية، وينظرون إليها بعين الشكّوالريبة، في محاولة للتعتيم على الحقيقة، فإنّ القرآن الكريم يظهر بوضوح في آياته التي تشهد بأنّ النبي ص دعا البشر عامة إلى التوحيد وإلى مبادىَ رسالته، ولم يقتصر في ذلك على العرب:

ـ (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كافّةً للنّاسِ بَشيراً وَنَذِيراً) .(1)

ـ (وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمين).(2)

ـ (لِيُنْذِرَمَنْ كانَ حَيّاً) .(3)

ـ (هُوَ الّذي أَرْسَلَرَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون).(4)

ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار ستة أفراد من خيرة أصحابه حملوا كتبه إلى الملوك، تضمنت دعوته العالمية، إلى مختلف جهات الاَرض،فتوجه سفراء الهداية ورسل الدعوة المحمّدية في وقت واحد إلى: إيران والروم والحبشة ومصر واليمامة والبحرين والحيرة، واتّخذ من هذا اليوم الذي كتب فيه الرسائل خاتماً من فضة نقشه ثلاثة أسطر: محمّد رسول اللّه، في الاَعلى لفظة الجلالة، وتليه كلمة رسول ثمّيليه اسمه الشريف، فختم به الكتب. كما أنّه ختم تلك الرسائل بالشمع أو الطين إمعاناً في السرية وحفاظاً عليها من التزوير.


1. سبأ: 28.
2. القلم:52.
3. يس:70.
4. التوبة:33.

(173)

ومن أبرز مبعوثيه ورسله إلى العالم:

1. دحية بن خليفة الكلبي: بعثه إلى قيصر الروم في القسطنطينية.

وقد توجه إلى بصرى حيث كان معه رسالة إلى حاكمها،فساعده في الوصول إلى بيت المقدس التي كان قيصر الروم قد اتجه إليها. ولما قيل له أنّعليه أن يسجد عند مقابلة قيصر، رفض على أساس أنّه لا يسجد لغير اللّه: «إنّما جئتكم من قِبَلِ نبي لاَبلّغ ملككم بأن عهد عبادة البشر قد انقضى وانتهى، وأنّه لا يحق السجود إلاّ للّه وحده، فكيف يمكنني ذلك وأنا أحمل هذه الرسالة التوحيدية إليكم؟».(1)

وقرأ ترجمان القيصر كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من محمّد بن عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد، فإنّما عليك إثم الاَريسيين. و(يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَوَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهدوا بِأَنّا مُسْلِمُون)(2) . محمد رسول اللّه».

وكان قيصر قد حصل على معلومات وافية عن الرسولمن أبي سفيان الذي كان متواجداً في هذا الوقت في الشام في تجارته، كما كتب إلى أحد علماء الروم يسأل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجابه:

«هذا النبي الذي كنّا ننتظره،بشّرنا به عيسى بن مريم».ولذا فإنّه دعا قومه إلى الاِيمان به صوبالاِسلام، إلاّأنّهم رفضوا ذلك وثاروا عليه، فأسكتهم،ثمّ أمر بإكرام دحية،وكتب جواباً على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرسل معه هدية إليه ص.


1. طبقات ابن سعد:1|259.
2. آل عمران:64.

(174)

2. عبد اللّه بن حذافة السهمي: إلى البلاط الفارسي.

حكم فارس خسرو برويز ثاني ملك بعد أنو شيروان، فجلس على العرش مدّة 32 عاماً قبل الهجرة النبوية، وتميز عهده بالاضطراب وعدم الاستقرار، بالرغم من أنّ النفوذ الاِيراني قد امتدّ حتى شمل آسيا الصغرى حتى مشارف القسطنطينية، كما استولى على صليب عيسى المقدس عند النصارى وأحضره إلى المدائن، إلاّ أنّ الاَحوال السيّئة وأساليب الحكم غير الصحيحة أدّت إلى ضعف هذه الدولة وخروج المستعمرات من تحت نفوذها، ممّا ساعد على اجتياح الروم لاَراضي إيران،وهروب الامبراطور خسرو برويز، الذي أثار بذلك السخط عليه، فقتله ابنه شيرويه. و برويز هذا هو الامبراطور الذي اشتهر بأنّه مزّق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعامل رسوله بجفاء وسوء أدب، وفيما يلي نص الرسالة إليه:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول اللّه إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى وآمن باللّه ورسوله، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّمحمّداً عبده ورسوله، أدعوك بدعاية اللّه، فإنّي أنا رسول اللّه كافة لاَنذر من كان حياً، ويحق القول على الكافرين. أسلم تسلم. فإن أبيت فعليك إثم المجوس».

وقد مزق الاِمبراطور الكتاب عند قراءة أوّل جملة منها ودون أن يعلم ما كان فيها، ثمّ أمر بإخراج الرسول من قصره. وعندما أُخبر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بذلك قال: «اللّهمّ مزّق ملكه».(1)

إلاّأنّ اليعقوبي، ينفرد برأي آخر، بأنّالامبراطور الفارسي أرسل هدية من حرير ومسك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . ويوافقه على رأيه أحمد بن حنبل فقط الذي قال: أهدى كسرى لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقبل


1. طبقات ابن سعد:1|260.

(175)

منه.(1)

أمّاالاِمبراطور المغرور فإنّه طلب من واليه على اليمن باذان ـ التي كانت تتبع فارس ـ بأن يقبض على هذا النبي ويبعثه إليه. فأرسل هذا إليه فارسين طلبا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسلّم نفسه للامبراطور الفارسي أو يقتلاه، فردّ عليهما بأن عرض (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهما الاِسلام ، على أن يعودا إليه في اليوم التالي. وفي هذه الفترة، تخلص ابن الامبراطور الفارسي منه بقتله، فأخبر اللّه تعالى نبيه بذلك، فذكره للفارسين قائلاً: إنّ ربّي قد قتل ربّكما ليلة كذا من شهر كذا بعد ما مضى من الليل كذا، وسلط عليه شيرويه فقتله. وكانت الليلة الثلاثاء من العاشر من جمادى الاَُولى 7هـ. فطلبا السماح لهما بإخبار ملكهم باذان في اليمن بما جرى، فسمح لهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نعم أخبراه ذلك عني، إنّ ديني و سلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك».

ولما تأكد الوالي باذان في اليمن من صحة أقوال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وما حدث بفارس، فإنّه أعلن إسلامه مع جميع أعضاء حكومته ـ وهم من الفرس ـ وكتب بذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .(2)

3. حاطب بن أبي بلتعة، إلى مصر:

وقد نصت الرسالة إلى المقوقس حاكم مصر: «أسلم يوَتك اللّه أجرك مرّتين. فإن توليت فإنّما عليك إثم القبط».


1. مسند أحمد بن حنبل:1|96.
2. بحار الاَنوار:20|391.

(176)

وقد توجه الرسول إلى الاِسكندرية حيث كان يعيش هناك في قصر شامخ، وكان متسامحاً، ممّا جعل حاطباً يتناول في خطابه إيّاه صورة الاِسلام وقوّة النبيّص كما ذكر التوراة والاِنجيل، وأنّ الاِسلام هو الصورة الاَكمل لدين المسيح، ثمّ إنّ المقوقس طلب منه أن يصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويبين مضمون دعوته، فقال، بعد أن سمع وصفه: «كنت أعلم أنّ نبياً بقي، وكنت أظن أنّمخرجه بالشام فأراه قد خرج من أرض العرب. والقبط لا تطاوعني في اتّباعه، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعد بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا».

ثمّكتب كتاباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمّا بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد أكرمتُ رسولك وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك».(1)

وحينما تسلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابه وهداياه قال: «ضنّبملكه ولا بقاء لملكه».(2)

4. عمرو بن أمية الضميري، إلى الحبشة

اختير عمرو لتسليم كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى نجاشي الحبشة الملك العادل، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أرسل إليه من قبل رسائل بشأن المهاجرين المسلمين للاعتناء بهم ورعايتهم.

وشمل كتابه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المرة دعوته إلى الدين: «أحمد اللّه الذي لاإله إلاّهو الملك القدّوس السَّلام الموَمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى بن مريم روح اللّه وكلمته، وإنّي أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، والموالاة على


1. طبقات ابن سعد:1|260.
2. طبقات ابن سعد:1|260.

(177)

طاعته وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني، فإنّي رسول اللّه وإنّي أدعوك وجنودك. وقد بلّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتّبع الهدى».(1)

ونظراً للعلاقات الطيبة بين الطرفين، فإنّ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بدأ كتابه بالسلام عليه ومرسلاً تحياته الشخصية، في حين أنّه لم يفعل هذا في الكتب الاَُخرى التي أُرسلت إلى كسرى و قيصر والمقوقس، فقد خصّه بالسلام عليه دون غيره من الزعماء.

أمّا النجاشي فقد اعترف بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أشهد باللّه أنّه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وإنّبشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأنّه ليس الخبر كالعيان، ولكن أعواني من الحبشة قليل، فانظرني حتى أُكثّر الاَعوان، وأُليّن القلوب، ولو استطيع أن آتيه لاَتيته».(2)

وكتب بذلك كتاباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر فيه:«إلى محمّد رسول اللّه من النجاشي. سلام عليك يا نبي اللّه ورحمة اللّه وبركاته، الذي لاإله إلاّ هو الذي هداني إلى الاِسلام. أشهد أنّك رسول اللّه وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه للّه ربّالعالمين. فإنّي أشهد أنّ ما تقول حقّ. والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته».(3)

كما بعث إليه بهدايا خاصة.

5. شجاع بن وهب: إلى أمير الغساسنة:

انزعج ملكها«الحارث بن أبي شمر الغساني» ممّا قرأ في آخر الكتاب:«وإنّي


1. السيرة الحلبية:3|248؛ إعلام الورى: 45.
2. السيرة الحلبية:3|248؛ الطبقات الكبرى:1|259.
3. تاريخ الطبري: 2|294؛بحار الاَنوار: 20|392.

(178)

أدعوك أن توَمن باللّه وحده لا شريك له يبقى ملكك» فقال: من ينتزع منّي ملكي؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته. وأعدّ الجيوش واستعرض قوته العسكرية أمام سفير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إرعاباً وتخويفاً، ثمّ أرسل إلى قيصر يخبره بنواياه، إلاّ أنّقيصر هدّأ من ثائرته وكتب إليه يمنعه من السير إلى رسول الاِسلام، ممّا كان له الاَثر في تغيير موقفه، فأكرم السفير ومنحه هدايا ثمينة، ووجهه نحو المدينة معززاً مكرماً، وأبلغ السلام إلى النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» . إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل بأُسلوبه الدبلوماسي غير الصادق، فقال: باد ملكه. أي أنّ ملكه سيزول عمّا قريب. فمات الحارث في السنة 8هـ أي بعد عام واحد.(1)

6. سليط بن عمرو إلى ملك اليمامة: هوذة بن علي الحنفي:

ونص خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه «إعلم إنّديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر (أي يعم الشرق والغرب) فأسلم تسلم واجعل لك ما تحت يديك».

وقد استطاع السفير بما أُوتي من قوّة في المنطق وشجاعة أدبية وخبرة بالاَسفار، أن يقنع ملك اليمامة بقبول مبادئه وأهدافه. كما نصحه أحد الاَساقفة بتقبل الدين الجديد، وأنّه هو النبي الذي بشّر به الاِنجيل. فكتب كتاباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيه: «ماأحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إليّبعض الاَمر اتّبعك» أي أنّه طلب أن يجعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة من بعده. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ولا كرامة،لو سألني سيابة من الاَرض ما فعلت. اللّهمّ أكفنيه.(2)


1. السيرة الحلبية:3|255؛ طبقات ابن سعد:1|261.
2. نفس المرجع السابق. سيابة من الاَرض: أي قطعة من الاَرض.


(179)

آثار تلك الرسائل ونتائجها

أصبح هوَلاء السفراء والرسل دليلاً قاطعاً على عالمية الرسالة الاِسلامية، إذ أنّ شعوباً كبرى تعرفت على النبي العربي محمّد ص الذي تأثر به معظم هوَلاء القادة والملوك، فأصبح ظهوره ص حديث الاَوساط والمحافل الدينية بالاِضافة إلى المراكز السياسية. فقد تمكنت هذه الرسائل من إثارة مشاعر تلك الشعوب المتحضرة ودفعتهم إلى البحث والتحقيق حول من بشّر به التوراة والاِنجيل، وتسابقت أفواجٌ وفرقٌ عدة من رجال الدين وغيرهم بالقدوم إلى المدينة لدراسة أوضاع الدين الجديد والتعرف على مبادئه.

2. أحداث خيبر: بوَرة الخطر

تقع خيبر على بعد 32 فرسخاً من المدينة، وهي منطقة واسعة خصبة، سكنها اليهود وبنوا فيها الحصون والقلاع المتينة، وبلغ عدد سكانها 20 ألف فرد.

ولما كانوا ممّن اشتركوا في جيش الاَحزاب وساعدوا المشركين في حربهم ضدّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين،فإنّالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أسرع للقضاء عليهم وعلى خطرهم نحو الاِسلام والمسلمين،إذ هم أشدّ تعصباً لدينهم،من تعصب قريش للوثنية،فقد كان يعلن ألف مشرك وثني إسلامهم في مقابل يهودي واحد. كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تخوّف من استغلال جهات أُخرى معادية كالقيصر أو كسرى، لهوَلاء اليهود في القضاء على الدولة الاِسلامية، إذ لا يستبعد منهم ذلك،وخاصة أنّهم كانوا المحرّضين لقريش في محاربة المسلمين.

ولذا فقد أعدَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لغزو آخر مركز من مراكز اليهود في الجزيرة العربية وقال: لا تخرجوا معي إلاّ راغبين في الجهاد أمّا الغنيمة فلا، فخرج معه ألف و600 مقاتل.


(180)

وعندما وصل إلى المنطقة، قطع الطريق عن أيّة إمدادات عسكرية تأتي من الشمال وذلك بقطع خط الارتباط بين قبائل غطفان وفزارة ويهود خيبر، فلم تستطع هذه القبائل أن تمد حلفاءها اليهود بأيّ شيء طوال شهر هو مدّة الحصار.(1)

ولمّا كانت حصونهم وقلاعهم متينة وقوية وممتنعة بمتاريس قوية شديدة، فإنّه كان لابدّ لفتحها من استخدام تكتيك عسكري مناسب، فكان أوّل عمل قام به الرسولهو احتلال كلّ النقاط والطرق الحساسة ليلاً، بالسرعة والسرية.

أمّا اليهود فقد قرروا في اجتماعهم العسكري أن يضعوا الاَطفال و النساء في حصن،والذخيرة من الطعام في حصن آخر، بينما يستقر المقاتلون على الاَبراج يدافعون عن القلاع والحصون، في الوقت الذي يخرج أبطالهم ليقاتلوا المسلمين ويبارزونهم خارج الحصون، و لذلك فإنّهم تمكنوا من مقاومة الجيش الاِسلامي لمدّة شهر، بحيث كانت محاولة فتح كلّحصن تستغرق عشرة أيّام دون نتيجة.

وقد فتح أوّل حصن وهو ناعم بعد أن استشهد في معاركه: محمود بن مسلمة الاَنصاري، وهو أحد فرسان المسلمين،وجرح خمسون مقاتلاً نقلوا إلى منطقة مخصصة للتمريض والعلاج، حيث سمح لبعض نساء بني غفار بالحضور إلى خيبر للمساعدة في التمريض والتضميد وتقديم خدمات أُخرى في المعسكر. ثمّ جرى فتح حصن القموص وأُسرت فيه «صفية بنت حيي بن أخطب» التي


1. الاَمالي للطوسي: 164. ويرى ابن هشام في سيرته:2|328 أنّ خروج النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى خيبر كان في شهر محرم، بينما ذهب ابن سعد في الطبقات: 2|77 أنّه كان في جمادى الثانية 7هـ.ولما كان إرسال الرسل و المندوبين عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر محرم، فإنّ الرأي الثاني هوالاَقرب إلى الصحة.

(181)

أصبحت زوجة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بعد.

ولكن الجوع استولى على المسلمين فاضطروا بسببه إلى تناول ما كره أكله من الاَنعام، وكادوا أن يهلكوا، فأمر الرسول ص أن توَخذ شاتان من غنم اليهود إضطراراً،وأطلق البقية ـ من الاَغنام ـ لتدخل الحصن بأمان. وقد سمح النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بذلك للاضطرار الذي يباح معه المحذور بقدره، فدعا ربّه: «اللّهمّ إنّك قدعرفت حالهم، وأن ليست بهم قوّة،وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إيّاه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاماً».(1)

ثمّ بعث رجالاً معروفين من صحابته لفتح الحصون، إلاّ أنّ شيئاً جديداً لم يتم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«لاَعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسولَه ويحبُه اللّه ورسولُه،يفتح اللّه على يديه، ليس بفرار ـ أو كرّار غير فرّار ـ» (2) فبات كلّواحد يتمنى أن يكون هو صاحب هذا النوط الخالد العظيم. وعندما بلغ الاِمام عليّاً (عليه السلام) مقالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو في خيمته قال: «اللّهم لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت». وفي الصباح طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً فقيل أنّ به رمد، فأُتي به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرر يده الشريفة على عينيه ودعا له بخير فعوفي من ساعته،فدفع إليه اللواء ودعا له بالنصر، وأمره أن يبعث إلى اليهود قبل قتالهم، من يدعو روَساء الحصون إلى الاِسلام، فإن أبوا و رفضوا، أمرهم بتسليم أسلحتهم إلى الحكومة الاِسلامية ليعيشوا تحت ظلّها بحريّة وأمان شريطة أن يدفعوا (3) لجزية. وإذا رفضوا قاتلهم. ثمّ قال ص للاِمام علي (عليه السلام):


1. السيرة النبوية:2|322.
2. مجمع البيان :9|120؛ السيرة الحلبية:2|37؛ السيرة النبوية:2|334؛ إمتاع الاَسماع:1|314.
3. صحيح مسلم:5|195؛ صحيح البخاري: 5|18.

(182)

«لئن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم».(1)

ومن ثمّ توجه الاِمام علي (عليه السلام) إلى القلعتين المحصنتين سلالم والوطيح، والتي عجز المسلمون وقوادّهم عن فتحهما،فخرج إليه الحارث، أخو مرحب، فقاتله الاِمام (عليه السلام) و سقط على الاَرض جثة هامدة بضربة من ضربات الاِمام (عليه السلام) المشهورة، ممّا أغضب مرحب أخيه فخرج غارقاً في الدروع والسلاح ليقاتل علياً (عليه السلام) الذي تمكن من شقّ رأسه نصفين، فكانت ضربة قوية بحيث أفزعت من كان مع مرحب من أبطال اليهود، ففروا لاجئين إلى الحصن. وبقي آخرون منهم قاتلوا علياً منازلة، فقضى عليهم الاِمام (عليه السلام) ثمّ لحق بالفارين إلى الحصن، فضربه أحدهم فطاح ترسه من يده، إلاّ أنّ الاِمام (عليه السلام) تناول باباً كان على الحصن فانتزعه من مكانه واستخدمه ترساً يحمى نفسه حتى فرغ من القتال. وبعد ذلك حاول ثمانية من أبطال المسلمين، كان منهم أبو رافع مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقلبوا ذلك الباب أويحرّكوه فلم يقدروا.(2)

ونقل الشيخ المفيد في إرشاده بسند خاص عن أمير الموَمنين علي «عليه السلام» بخصوص الباب، قوله: «لما عالجتُ باب خيبر جعلته مجناً لي فقاتلتهم به،فلمّا أخزاهم اللّه وضعتُ الباب على حصنهم طريقاً ثمّ رميتُ به في خندقهم».(3)

وأمّا الموَرخون فقد نقلوا قضايا عجيبة حول قلع باب خيبر و عن بطولات الاِمام (عليه السلام) في فتح الحصن، إلاّ أنّ جميعها لا تتمشى و لا تتيسر مع القدرة البشرية المتعارفة، ولا يمكن أن تصدر منها، حتى أنّ الاِمام (عليه السلام)


1. السيرة الحلبية:2|37.
2. تاريخ الطبري:2|94؛السيرة النبوية:2|349؛ تاريخ الخميس:2|47.
3. إرشاد المفيد: 62.

(183)

نفسه يرفع كلّ شك في هذا بقوله: «ما قلعتها بقوّة بشريّة، ولكن قلعتها بقوّة إلهية، ونفسي بلقاء ربّها مطمئنة رضية».(1)

وهكذا انتهت الحرب بانتصار المسلمين، الذي كان وراءه ثلاثة عوامل أساسية:

1. التخطيط العسكري والحربي الدقيق.

2. حصولهم على معلومات وافرة عن العدو وأسراره.

3. بطولة الاِمام علي (عليه السلام) .

فقد تمكّن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تحييد قبيلة غطفان ومنعها من إمداد المساعدات لليهود، كما تعرف على أحوالهم وأوضاعهم في حصون خيبر، سواء العسكرية منها أو النفسية للمقاتلين والاَفراد. بالاِضافة إلى بطولة الاِمام علي (عليه السلام) الذي قال: «فلم يبرز إليّ أحد منهم إلاّقتلته، ولا يثبت لي فارس إلاّ طحنته،ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدداً عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي ولم يكن لي فيها معاون إلاّاللّه وحده».(2)

ثمّ أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تجمع الغنائم كلّها في مكان واحد، وأن ينادى:

أدّوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة.(3) فالاِسلام يشدّد على أهمية الاَمانة، حتى اعتبر ردّ الاَمانة مهما صغرت من علائم الاِيمان،


1. بحار الاَنوار:21|40.
2. الخصال:369 باب السبعة.
3. وسائل الشيعة: باب جهاد النفس؛ المغازي:2|681.

(184)

والخيانة من علائم النفاق.

وفي لحظات الفرح بالانتصار على اليهود، رجعت مجموعة من مسلمي الحبشة المهاجرين إليها بقيادة جعفر بن أبي طالب، فاستقبله النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وقبّل ما بين عينيه وقال: ما أدري بأيّهما أُسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علّمه الصلاة المعروفة بصلاة جعفر الطيّار.(1)

وبالنسبة لقتلى الجانبين، فقد بلغ عدد شهداء المسلمين 20 فرداً، بينما سجّل التاريخ أسماء 93 رجلاً هم قتلى اليهود.(2)

وبعد ذلك تمّ الاتّفاق بين الطرفين على:

1. قبول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لطلب اليهود بأن يسكّنهم في خيبر كما كان الوضع.

2. ترك أراضيهم وبساتينهم لهم.

3.حصول المسلمين على نصف محاصيلها سنوياً.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجبرهم على شيء بل تركهم أحراراً في ممارسة شعائرهم والبقاء على ما كانوا يعتقدونه من أُصول دينهم، إذ أنّه لم يحارب أهل خيبر إلاّعندما تحولت إلى بوَرة خطرة للموَامرات والكيد للاِسلام والمسلمين،فقد أمدّوا الكفار والمشركين بكلّما يحتاجون للقضاء على الحكومة الاِسلامية الناشئة، ممّا اضطر معه النبي ص إلى إعلان الحرب عليهم وقتالهم وتجريدهم من السلاح ليعيشوا تحت ظل الدولة الاِسلامية، ويدفعوا الجزية لقاء دفاع الحكومة الاِسلامية عنهم وحمايتهم من الاَعداء، وهو ما يعني حماية أنفسهم وأنّأموالهم موَمنة لهم من قبل المسلمين.


1. فروع الكافي: 1|129؛ الخصال:2|82؛ إمتاع الاسماع:1|325.
2. بحار الاَنوار:21|32.

(185)

وعند جمع الغنائم حصل المسلمون على قطعة من التوراة طلب اليهود إعادتها، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعادتها إليهم، ممّا يكشف عن احترام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للشرائع والاَديان الاَُخرى.

وقد توجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد خيبر إلى وادي القرى التي شكلت مركزاً آخر لليهود،ففتحها وعقد صلحاً مع أهلها على غرار معاهدة خيبر. وبذا فإنّ الحجاز طهُرت من فتنة اليهود،وجرّدوا من أسلحتهم،ووضعوا تحت حماية المسلمين ومراقبتهم.(1)

إلاّ أنّ بعضهم خطّط بعد فترة من الهدوء والاستقرار، للتخلص من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقدّمت زينب بنتُ الحارث شاة مشوية سمّمت كتفها التي يحبها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأثّربه السم بعد ذلك وتوفي ص من أثره. ولم ينتقم منها النبيص بل عفا عنها، فالنبي ص لم يكن كبعض القادة والزعماء الذين يصبغون الاَرض بدماء من ظنّ أنّهم قصدوا قتله،أو يملاَون السجون بهم، أو يخضعونهم لاَشد أنواع العذاب والتعذيب الجسدي والنفسي.

3. قصة فدك

وتبعد فدك عن المدينة بما يقرب من 140 كم، و هي منطقة زراعية خصبة، اعتبرت نقطة ارتكاز هامة لليهود بعد خيبر. وقد تميّزت العلاقات بين رئيسها يوشع بن نون و القيادة الاِسلامية بالسلام والاَمان، حيث تعهد بأن يسلم نصف


1. الكامل في التاريخ:2|150.

(186)

محاصيلها سنوياً إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعيشوا تحت راية الحكومة الاِسلامية، على ألا يقوموا بأي أمر يعكر صفو السلام و الاَمن بين الطرفين، وتتعهد الحكومة الاِسلامية في مقابل ذلك بتوفير الاَمن في المنطقة كلها.(1)

ومن الجدير بالذكر أنّ الاَراضي التي يسيطر عليها المسلمون بالحرب والقتال، تعود ملكيتها إلى عامّة المسلمين بإدارة القائد الاَعلى للاَُمّة، أمّا الاَراضي التي لا يستخدمون القوّة في احتلالها، فتصبح ملكاً للرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» والاِمام من بعده يتصرف فيها كما يشاء، فيهبها أو يوَجرها،وعلى هذا الاَساس وهب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدكاً لابنته الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، حيث ابتغى من وراء ذلك تحقيق أمرين:

1. أن يستفيد منها الاِمام في أداء واجباته ومتطلبات الناس عندما يدير الحكم من بعده، إذ أنّه سيكون في حاجة إلى ميزانية كبيرة.

2. وأن تعيش أُسرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعده بصورة تليق بمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرفه ومكانته السامية.

وفي ذلك يذهب معظم العلماء والمفسرين والمحدّثين الشيعة وبعض علماء السنّة، أنّه عند نزول قوله تعالى: (وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسْكينَ وابنَ السَّبِيل) (2) أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فدكاً إلى ابنته الزهراء«عليها السلام» . ولذلك فقد أعاد المأمون العباسي بعد فترة من هذا الوقت، فدكاً إلى أبناء الزهراء (عليها السلام) بعد توضيح شأن نزول هذه الآية له، كما أنّ الاِمام علياً (عليه السلام) قد صرّح بملكيته لفدك في إحدى رسائله إلى واليه على البصرة: «عثمان بن حنيف»:«بلى كانت في أيدينا فَدَك من كلّ ما أظلته السماء فشحّت عليها نفوسُ قوم، و سخت عنها نفوسُ قوم آخرين ونعم الحكم اللّه».(3)


1. السيرة النبوية:2|353؛ إمتاع الاسماع:1|331؛ فتوح البلدان:42.
2. الاِسراء:26.
3. نهج البلاغة: الكتاب 45.

(187)

فدك بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

عندما حُرمت ابنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من ملكها الخاص بعد وفاة أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) عمدت إلى إثبات حقّها و استرداد ملكها من جهاز الدولة، عن طريق القانون،فأحضرت الدلائل بالرغم من أنّه لا يُطلب من فرد له يد على شيء ـ أي يكون تحت تصرفه ـ أن يقيم دليلاً على ملكيته ذلك الشيء. وكان شاهدها: الاِمام علي (عليه السلام) و أُمّ أيمن التي شهد لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّها من نساء الجنة (1) إضافة إلى رباح الذي كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أعتقه حسب رواية البلاذري(2) إلاّ أنّ كلّ ذلك لم ينفع في إرجاع الاَرض إلى صاحبتها.

وفي العصر الاَموي وزع معاوية بن ابي سفيان فدكاً بين ثلاثة: مروان بن الحكم ، عمرو بن عثمان، و يزيد. وعندما حكم مروان استولى عليها تماماً ووهبها لابنه عبد العزيز الذي سلّمها لولده عمر، الذي أزال أوّل بدعة وهي إعادة فدك إلى بني فاطمة(عليها السلام) فقد كان الخليفة المعتدل، ولكن حكّام بني أُميّة تداولوها ثانية حتى نهاية دولتهم.

أمّا في العصر العباسي فقد ردّها السفاح أبو العباس إلى عبد اللّه بن الحسن ابن الحسن، ثمّ قبضها أبو جعفر المنصور من بني الحسن، ثمّ ردّها المهدي ابنه إليهم، حتى جاء المأمون فردّها على أصحابها الشرعيين بصورة رسمية.

وقد استغل الاَمويون والعباسيون فدكاً استغلالاً سياسياً بجانب الاستفادة الاقتصادية و اضطرب أمرها بين السلب والردّ.


1. الاِصابة:4|432.
2. فتوح البلدان: 44.


(188)

4. عمرة القضاء

(1)

بعد مضي عام و احد على توقيع معاهدة صلح الحديبية، وعلى ضوء المادة التي تسمح للمسلمين بأداء العمرة في العام التالي، فقد قرروا التوجه إلى مكّة، وخاصّة أنَّهم كانوا قد تركوها سبعة أعوام بعدوا فيها عن وطنهم. فاستعد ألفان للانضمام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أداء العمرة، كان من ضمنهم شخصيات بارزة ملازمة له (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال فترة وجوده في المدينة. وكان ذلك يوم الاِثنين 6 من شهر ذي القعدة. كما أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» تحسباً لاَي طارىَ أعدّ مائتين من الاَفراد مسلّحين وضعهم خارج مكة على مقربة من الحرم للتدخل في أية مشكلة تصدر حيالهم.

وفي مكة خرج الاَهالي منها إلى روَوس الجبال وقالوا: لا ننظر إلى محمد ولا إلى أصحابه، فكانوا يراقبون المشهد من بعيد.

وقد بهرت أصوات المسلمين مكبّرين كلَّ سكان مكة وسحرت قلوبهم وجلبت عطفهم على المسلمين،مثلما أرعب اتّحادهم ونظامهم والتفافهم حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفئدة المشركين.

وطاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبيت على راحلته،وأمر عبد اللّه بن رواحة أن يردّد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص: «لاإله إلاّ اللّه وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده،وأعزّ جنده، وهزم الاَحزاب وحده» فردّدها المسلمون وراءه. ثمّ أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بلالاً أن يوَذن على ظهر الكعبة لصلاة الظهر، فانزعجوا بسبب الاَذان، وأحرجتهم مضامينه التي كانت ضدّ ما يحملونه من معتقدات باطلة موروثة.


1. سميت عمرة القضاء لاَنّها كانت بدلاً عن العمرة التي منع النبي والمسلمون عنها في العام السابق لها.

(189)

وبعد أداء المناسك، ذهب المهاجرون إلى منازلهم التي تركوها منذ سبعة أعوام فجدّدوا اللقاء بأقربائهم.

إلاّأنّ تأثير أوضاع المسلمين في نفوس أهل مكة، وتخوّفهم من إحداث إنقلاب روحيّ فيهم، إذ أنّ هذه الرحلة الدينية، اعتبرت دعائية وإعلامية، أثّرت في نفوس عدد من أهل مكّة فدخلوا الاِسلام، ممّا دعا إلى أن يطلب زعماء قريش من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مغادرة مكة بعد انقضاء المدّة المحددة و المقررة بينهم: «إنّه قد انقضى أجلك فاخرج عنّا».

وممن تأثر بالوضع، ميمونة أُخت زوجة العباس ـ أُمّ الفضل ـ لما شهدت من مشاعر المسلمين، فطلبت الزواج من النبي ص الذي وافقها، فقوى بذلك علاقاته مع قريش، إلاّ أنّهم لم يسمحوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاحتفال بمناسبة الزواج في مكّة، فطلب (صلى الله عليه وآله وسلم) من أبي رافع أن يُحضِر زوجته بعد ذلك.

وبذا فقد تحقَّقت روَيا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل عام من هذا، في أنّه دخل البيت وحلق رأسه، ونزلت آية الفتح التي تناولت تحقيق هذا الوعد:

(لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُوَيا بِالحَقِّ لَتدخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَمُحَلِّقينَ رءُوسكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُون فَعَلمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) .(1)


1. الفتح:27.

(190)

أحداث السنة الثامنة من الهجرة

1. معركة موَتة

بعد وقوع الاَحداث السابقة، واستقرار الاَمن في الحجاز بين المسلمين وقريش والاَطراف المعادية الاَُخرى، وضعف نفوذ اليهود وسطوتهم، فكّر النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يركز في دعوته على سكان مناطق الحدود عند الشام، فوجه لهذا الغرض «حارث بن عمير الاَزدي» يحمل كتاباً إلى أمير الغساسنة: الحارث بن أبي شمر الغساني، الذي حكم بصرى، فقبض على سفير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في موَتة وقتله مخالفاً بذلك كلّ الاَعراف الدولية التي تقضي باحترام السفراء وحصانتهم، ممّا أغضب الرسولوالمسلمين،فقرر الاقتصاص من قاتل سفيره.

وبالاِضافة إلى ذلك، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد بعث في شهر ربيع الاَوّل من هذه السنة 15 رجلاً إلى منطقة ذات أطلاح من أرض الشام خلف وادي القرى، لدعوة الناس إلى الاِسلام، إلاّ أنّ الاَهالي قتلوهم عن آخرهم موَثرين عز الشهادة على ذل الاَسر، إلاّجريحاً منهم تمكن من الوصول إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخبره بالحادث.

وقد أثر هذان الحادثان على الوضع السياسي بين الجانبين، فأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج إلى الجهاد في شهر جمادى، ووجه جيشاً قوامه 3 آلاف مقاتل لتأديب هوَلاء المخربين والغدرة، وعين القائد عليهم «جعفر بن أبي طالب» فإن قتل فزيد ابن حارثة، فإن أصيب، فعبد اللّه بن رواحة، فإن اصيب فليرتضي المسلمون بينهم رجلاً عليهم.

وقد خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه مع جماعة من أصحابه


(191)

مشيّعاً لهم وودّعهم قائلاً: «دفع اللّه عنكم وردكم سالمين غانمين صالحين».

ومن الموَكد أنّ القائد الاَوّل لهذا الجيش كان جعفراً ثمّزيداً فعبد اللّه، فلا مجال لتغيير الوضع الذي ذهب إليه بعض الرواة والمحدّثين، الذين اختلقوا ترتيباً آخر، بوضع زيد كقائد ثمّ جعفر كمعاون له ثمّ ابن رواحة، إذ أنّ وضع هذا الترتيب بهذا الشكل أُقرّ لدوافع سياسية وأغراض أُخرى لا مجال لذكرها هنا،وتبعهم في ذلك كتاب السيرة دون تمحيص وتحقيق.(1)

وفي الشام أعدّ الحاكم الحارث 100 ألف فارس لاِيقاف تقدّم المسلمين، كما أعدّ القيصر 100 ألف آخرين في البلقاء كقوّة احتياطيّة تتدخل عند اللزوم.(2)

ومن الواضح أنّه لم يكن هناك أيّتكافوَ بين الجيشين الاِسلامي والروماني، سواء في نوعية المعدات الحربية والاَجهزة القتالية أو وسائل النقل أو عدد الجنود، والاَرض وساحة المعركة الغريبة عن المسلمين، وقيامهم بدور الهجوم لا الدفاع الذي اتّخذه الروم ونفذوه في أرضهم وبلادهم.

وقد تواجه الجيشان في منطقة مشارف، ولكن المسلمين تراجعوا نحو موَتة، فبدأت المبارزات الفردية أوّلاً، فقُتل جعفر بعد مبارزة شجاعة، ثمّ قُتل زيد بن حارثة، وأيضاً ابن رواحة، فاختار الجنود خالد بن الوليد قائداً، فعمد إلى استخدام تكتيك عسكري لم يعرف من قبل، إذ أمر بالعسكر أن يحدث بعض التغييرات في صفوفه بالليل دون صوت، ويذهب عدد منهم إلى مكان بعيد ثمّ يلتحقوا بالمسلمين عند الصباح مكبرين، فيظن العدو بوصول إمدادات عسكرية بشرية جديدة إلى جانب المسلمين. ولذا تمكن المسلمون من مواجهتهم


1. السيرة النبوية:2|380.
2. المغازي:2|760؛السيرة النبوية:2|375.

(192)

وقتالهم، وقتل أعداد كبيرة منهم، فهدأت الاَحوال، فرجع الجيش الاِسلامي مستفيداً من هذا التكتيك ونَجَوا بأنفسهم من خطر فناء ساحق وأكيد.(1)

إلاّ أنّ المسلمين في المدينة رفضوا منطق الانسحاب من المعركة وفضلوا الاستشهاد في ساحة المعارك على الانسحاب، فهم كانوا يعدون الموت والشهادة في سبيل اللّه أفضل من الانسحاب.

وقد تأثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لشهادة جعفر وبكى بشدة، فكان كلّما تذكر جعفراً وزيداً بكى.(2)

2. غزوة ذات السلاسل

إنّ الاطّلاع المبكر على أسرار العدو العسكرية، ومعرفة حجم طاقاته ومبلغ استعداداته واكتشاف خططه، يعد من العوامل الجوهرية الموَثرة في الانتصار عليه. والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من ابتكر في تاريخ الاِسلام جهازاً خاصاً بهذا العمل في صورة منظمة، وتبعه الخلفاء من بعده، حين استعانوا بجواسيس وعيون للعمل في المجالات العسكرية والاِدارية.

واستطاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة ذات السلاسل أن يطفىَ نار فتنة باستخدام معلومات دقيقة علمها عن العدو، قبل أن يخسر الكثير بغير ذلك. فقد علم من عناصر المخابرات الخاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أعداداً كبيرة متحالفة تجمعوا في منطقة وادي اليابس هدفوا إلى التوجّه نحو المدينة للقضاء على قوّة الاِسلام والمسلمين، وقتل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» والاِمام علي (عليه السلام) خاصة. فأمر الرسول بنداء «الصلاة جامعة» أي دعوة الناس إلى الاجتماع به (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «صلى الله عليه وآله


1. السيرة النبوية:2|381.
2. بحار الاَنوار:21|54؛ المغازي:2|766.

(193)

وسلم» : «يا أيّها الناس، إنّهذا هو عدو اللّه وعدوكم قد عمل على أن يبيِّتكم فمن لهم؟».

فخرجت جماعة بقيادة أبي بكر ساروا مسافة حتى واجهوا قبيلة بني سليم الذين قاوموا القوّة الاِسلامية، فقرر أبو بكر الانسحاب والرجوع من حيث أتى. إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل بهذا الوضع، فانزعج لعودة الجيش بهذه الصورة المهينة، فأمر عمر بن الخطاب بتولّي القيادة، ولكنّه لم يحارب أيضاً لقوة العدو فانسحب أيضاً إلى المدينة. وطلب عمرو بن العاص من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يبعثه إلى هوَلاء الاَعداء على أساس أنّه من دهاة العرب، إلاّ أنّ بني سليم قاتلوه فهزموه وقتلوا عدداً من جماعته، فلم ييأس النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ونظم جماعة جديدة واختار الاِمام علياً (عليه السلام) قائدها، فاستعد الاِمام (عليه السلام) وتعصب بعصابة كان يشدها على جبينه في اللحظات الصعبة، ولبس بردين يمانيين، وحمل رمحاً هندياً، ثمّ توجه نحو الهدف سالكاً طريقاً غير معروفة ولا مطروقة حتى يعمّي بذلك على العدو، فتمكن من الانتصار عليهم وذلك للاَسباب التالية:

1. لم يشعر العدو بتحركاته، وذلك لتغييره مسيره، واستخدامه أُسلوب الكتمان في ذلك ، إذ سار ليلاً وكمن نهاراً واستراح خلاله.

2. كما أنّه فاجأ العدو حين صعد بجنوده إلى قمة الجبال ثمّ انحدر بهم بسرعة فائقة إلى الوادي مركز إقامة بني سليم، فأحاطوا بهم وهم نيام، وحاصروهم وأسروا منهم، وفرّ آخرون.

3. ثمّ أنّ شجاعة الاِمام علي (عليه السلام) وبسالته النادرة أرعبت العدو، وأفقدته القدرة على المواجهة والمقاومة، حيث فرّوا من أمامه تاركين الغنائم وراءهم.

وبذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استقبله بحفاوة وقال له عندما نزل من فرسه:«إركب فإنّ اللّه ورسوله راضيان عنك».


(194)

وكانت تضحية الاِمام (عليه السلام) وشجاعته من الاَهمية بحيث نزلت فيها سورة العاديات كاملة:(وَالعادِياتِ ضَبْحاً* فَالمُورياتِ قَدحاً* فَالمُغِيراتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً* فَوسَطْنَ بهِِ جَمْعاً) .(1)

وهناك عدد من الموَرّخين كالطبري، نقلوا هذه الواقعة بنحو آخر مختلف عمّا ذكرناه، فلا يبعد أن تكون ذات السلاسل اسماً لغزوتين، وقد نقل كلٌّ من الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ واحدة منها وأعرض عن الاَُخرى لاَسباب خاصّة.(2)

3. فتح مكّة

أخلّت قريش باتفاقية الحديبية ونقضتها، حينما زودت قبيلة بني بكر بالاَسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة المتحالفين مع المسلمين فيغيروا عليهم ليلاً ، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. و أُبلغ النبيبما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم النصرة. ولكن قريشاً ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على خزاعة، واشتراكهم معها في العدوان، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى المدينة لتطييب خاطر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة الصلح، إلاّ أنّه عندما وصل إلى بيت ابنته أُمّ حبيبة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يجد التقدير والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه مشرك نجس، فتوجه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّمه حول إمكانية تجديد العهد، فلم يرد عليه وهو ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون


1. العاديات:1 ـ 5.
2. تاريخ الطبري:2|315؛ السيرة الحلبية:3|190؛ المغازي:2|769.

(195)

جدوى. فذهب إلى منزل الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء«عليها السلام» فرد عليه الاِمام (عليه السلام) : «واللّه لقد عزم رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» على أمر ما نستطيع أن نكلّمه». فالتفت إلى السيدة الزهراء «عليها السلام» وهو يطلب شفاعتها أو شفاعة الحسنين لدى النبي ص: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري و بُنَيّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت(عليها السلام) وهي تعلم بنواياه الشريرة:« ذلك إلى رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وإنّهما صبيان وليس مثلهما يجير».(1) فطلب النصيحة من الاِمام (عليه السلام) فقال له: «ما أجد لك شيئاً أمثل من أن تقوم فتجير بين الناس ـ أي تعطي الاَمان للمسلمين ـ ثمّ إلحق بأرضك». فأدّى ما طلبه منه، ورجع إلى مكّة وأخبر سادة قريش بما صنع، فاجتمعوا للتشاور فيما يطفىَ غضب المسلمين ويثني الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عزمه.(2)

أمّا النبيّ الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أعلن التعبئة العامة بهدف فتح مكة، وتحطيم أقوى قلعة من قلاع الوثنية، وإزالة حكومة قريش الظالمة، التي كانت أقوى الموانع والعقبات في طريق تقدم الدعوة الاِسلامية وانتشار الاِسلام.

وطلب من اللّه سبحانه و تعالى في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة المسلمين وهدفهم: «اللّهم خُذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلاّبغتةً ولا يسمعون بي إلاّ فجأة».(3)

واجتمع في مطلع شهر رمضان الكثيرون، فقد شاركت قبائل وطوائف مختلفة في هذا الفتح العظيم، اشتهر منهم:

ـ المهاجرون: 700+3 ألوية إضافة إلى 300 من الخيل.


1. إمتاع الاَسماع:1|359.
2. المغازي:2|780؛ السيرة النبوية:2|389؛ بحار الاَنوار: 21|102.
3. المغازي:2|796.

(196)

ـ الاَنصار: 4000+ألوية كثيرة إضافة إلى 700 من الخيل.

ـ قبيلة مزينة: ألف مع مائة فرس، ولواءان.

ـ قبيلة جهينة: 800 مع خمسين فرساً و 4 ألوية.

ـ قبيلة بني كعب: 500 مع ثلاثة ألوية.

هذا بالاِضافة إلى اشتراك عدد آخر من قبائل غفار وأشجع وبني سليم.(1)

ويذكر ابن هشام، أنّ جميع من شهد فتح مكّة من المسلمين بلغوا عشرة آلاف، من بني سليم 700، ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار400، ومن أسلم 400، ومن مزينة ألف و300 نفر، وسائرهم من قريش والاَنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد.(2)

إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة الكبيرة وصلت إلى قريش، فقد أخبر جبرائيل (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى مكة، وأنّ امرأة تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال. وقد ساعد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» و المسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى المدينة، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش. ممّا جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب من الاِمام علي (عليه السلام) والمقداد و الزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ الخليقة ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها الاِمام (عليه السلام) : لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.(3)


1. المغازي:2|800؛ إمتاع الاِسماع:1|364.
2. السيرة النبوية:4|63.
3. بيّن القرآن الكريم ذلك في عدّة آيات من سورة الممتحنة.

(197)

وهكذا أعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم 10 رمضان. وفي الطريق أفطر على الماء وأمر جنده بالاقتداء به: «إنّكم مصبحوا عدوكم،والفطر أقوى لكم». إلاّ أنّ البعض منهم أمسك عن الاِفطار ظناً منهم أنّ الجهاد أفضل في حالة الصوم، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك و قال عنهم: «أُولئك العصاة».(1)

وفي هذا الوقت، خرج العباس بن عبد المطلب من مكة متوجهاً إلى المدينة ليلتحق بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية الفتح العظيم. كما التحق به عدوّان له أحجما عن الاِيمان برسول اللّه والاستجابة لدعوته و هما: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد اللّه بن أبي أُمية بن المغيرة، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» والموَذين له، بالرغم من أنّ أبا سفيان هذا كان ابن عمّ الرسول ص وأخاه من الرضاعة، وعبد اللّه هو أخو أُمّ سلمة ابنةعاتكة عمّة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» . وحاولا مقابلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّما ذكره لهما الاِمام علي (عليه السلام) ، بأن يقولا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( قالُوا تاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنا وَإنْ كُنّا لخاطِئين)(2) فسوف يعفو عنهما كما فعل يوسف (عليه السلام) مع إخوته.وقد حدث ما اقترحه الاِمام (عليه السلام) فقبل إسلامهما.

وحينما وصل الجيش الاِسلامي إلى مشارف مكّة، عمد النبي ص إلى إرعاب أهلها وتخويفهم بإشعال النيران فوق الجبال والتلال، وزيادة في التخويف وإظهار القوة، أمر بأن يشعل كلّفرد منهم ناراً في شريط طويل على الاَرض.

وهنا اتّجه «العباس بن عبد المطلب» ليوَدّي دوره العملي لصالح الطرفين،


1. وسائل الشيعة: 7|124؛ السيرة الحلبية:3|90؛ المغازي:2|802.
2. يوسف:91.

(198)

فيقنع قريشاً بالتسليم وعدم المقاومة، إذ أخبرهم بقوّة المسلمين وعددهم ومحاصرتهم لمكّة المكرمة، واصطحب معه أبا سفيان حتى يطلب له الاَمان و لهم كذلك من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأجاره عند الوصول إلى معسكر المسلمين، خاصة عندما حاول «عمر بن الخطاب» أن يقضى عليه ـ أي يقتل أبا سفيان ـ كما أنّه حاول إعادة قتله أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أساس أنّه عدو للّه فلابدّأن يقتل.

وتحدث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خيمته مع أبي سفيان قائلاً: «ألم يأن لك أن تعلم أنّه لاإله إلاّاللّه؟» فقال أبو سفيان: بأبي أنت و أُمّي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره، لقد أغنى عني شيئاً بعد. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه؟ »فقال: أما واللّه فإنّ في النفس منها حتى الآن شيئاً. فغضب العباس من عناده و قال: أسلم واشهد ألاّ إله إلاّاللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه قبل أن يُضرب عنقك. فشهد شهادة الحقّ وأسلم ودخل في عداد المسلمين. فارتفع بذلك أكبر سد، وانزاح أكبر مانع من طريق الدعوة الاِسلامية. ومع ذلك فقد أمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» العباس بحبسه لاَنّه لم يأمن جانبه بعد، قبل أن يتم فتح مكّة: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ـ أي أنفه ـ حتى تمر به جنود اللّه فيراها». فطلب العباس من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً. فاستجاب له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:

«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن،ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن». وذلك بالرغم من أخلاق أبي سفيان المنحدرة وأعماله السيئة تجاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، طيلة السنوات الماضية».

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عزم على أن يفتح مكة دون إراقة


(199)

دماء وإزهاق أرواح وتسليم العدو دون شروط. وقد تم ذلك نتيجة التخطيط السليم،وتحييد موقف أبي سفيان العدائي وهوقائد قريش،ولما كانت القطع العسكرية الاِسلامية تمر من أمام أبي سفيان، كان العباس يوضح له اسمها وخصوصياتها، فمرت كتيبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال للعباس: ما لاَحد بهوَلاء قبل ولا طاقة يا أبا الفضل، واللّه لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. فرد عليه العباس موبخاً: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملك، إنّها النبوة.

وحينئذٍ أطلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سفيان ليرجع إلى مكّة فيخبرهم بما رأى من قوّة الجيش الاِسلامي، ويحذرهم من مغبة المواجهة والمقاومة، والتسليم للاَمر الواقع بإلقاء السلاح والاستسلام دون قيد أو شرط. فصاح في أهل مكّة: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، أو قال: هذا محمّد في عشرة آلاف، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن،ومن أغلق بابه فهو آمن.

وأضاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك: و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. وهو موقع خامس عينه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للتأمين من القتل.

وأدّى كلّ ذلك إلى إضعاف نفوس أهل مكّة، حتى القياديين الاَعداء، ركنوا إلى المطالبة بالتسليم دون مقاومة.

وبالرغم من أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر جنوده بعدم بدء القتال، فلا يقاتلوا إلاّمن قاتلهم، إلاّ أنّه أمر بقتل عشرة من الاَفراد وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم:

1. عكرمة بن أبي جهل

2. هبار بن الاَسود

3.عبد اللّه بن أبي السرح


(200)

4. قيس بن حبابة الكندي

5. الحويرث بن نقيند

6. صفوان بن أمية

7. وحشي بن حرب، قاتل حمزة

8. عبد اللّه بن الزبعرى

9. حارث بن طلالة

10. عبد اللّه بن خطل

وأربعة نساء.(1)

وكان كلّواحد من هوَلاء إمّا قتل أحداً، أو ارتكب جناية أو شارك في موَامرة أوحرب ضدّ الاِسلام والمسلمين.

وفي دخول مكّة أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحيطة والحذر، ففرّق الجنود، على أن يدخلوها من أسفلها، وآخرون يتخذون طريقاً من أعلاها، وأعداداً أُخرى تدخل من جميع المداخل والطرق الموَدية إلى داخل مكّة، فدخلت الفرق كلّها مكّة دون قتال، إلاّ ما حدث مع جبهة خالد بن الوليد، الذي قابلته مقاومة صغيرة تمكن من السيطرة على الوضع بعد هروب المعتدين.

أمّا النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد دخل مكة من ناحية أذاخر وهي أعلى نقطة في مكّة، فضربت له قبة من أدم بالحجون ـ عند قبر عمّه العظيم أبي طالب ـ ليستريح فيها، فقد أبى أن ينزل في بيت من بيوتها. واغتسل بعد الاستراحة، فركب راحلته القصواء متوجهاً إلى المسجد الحرام لزيارة بيت اللّه المعظم والطواف به على راحلته، حيث لم يترجل،وكبّـر فكبّـر المسلمون، حتى


1. السيرة النبوية:2|410؛ تاريخ الخميس:2|90.

(201)

ارتجت مكة لدويّصوتهم، فسمعه المشركون الذين تفرّقوا في الجبال ينظرون المشهد المثير. وحينما كان يمر على أي صنم من أصنام المشركين، يقول و هو يشير بقضيب في يده: ( جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً)(1) فيقع الصنم لوجهه، ثمّأمر بتحطيم أكبر الاَصنام على مرأى من المشركين.

وبعد أخذ استراحة، طلب من عثمان بن طلحة أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فقد كان هو سادن الكعبة، حيث كانت السدانة تتوارث جيلاً بعد جيل. وفتح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باب الكعبة و دخل البيت، و دخل بعده، أُسامة بن زيد، و بلال وعثمان. ثمّأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بإغلاق الباب، الذي قام خالد بن الوليد بحراسته ومنع الناس عنه.

ولمّا كانت جدران الكعبة من الداخل مغطاة بصور الاَنبياء والملائكة وغيرهم، فإنّ النبيص أمر بمحوها جميعاً وغسلها بماء زمزم.

وقد اشترك الاِمام علي (عليه السلام) في كسر بعض الاَصنام الموضوعة في الكعبة، وحاول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصعد على كتفيه، إلاّأنّ ضعف الاِمام (عليه السلام) لم يساعده في ذلك، فطلب منه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يصعد ـ عليٌ ـ على كتفه قائلاً: «يا عليّاصعد على منكبي»، فصعد على منكبه، فألقى صنم قريش الاَكبر وأصنام أُخرى محطمة إلى الاَرض.(2) ثمّ وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على باب الكعبة وقال: «الحمد للّه الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الاَحزاب وحده». ثمّ اتجه إلى الناس الذين يشاهدون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يكسر الاَصنام ويحمد اللّه، فسألهم:

«ماذا تقولون وماذا تظنون؟» فقالوا: نقول خيراً ونظن خيراً. أخ كريم وابن


1. الاِسراء: 81.
2. مسند أحمد بن حنبل:1|84؛ السيرة الحلبية:3|86؛ تاريخ الخميس:2|86.

(202)

أخ كريم، وقد قدرت. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف: (قالَ لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ اليَومَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمين)(1).

وبهذا أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) العفو العام والشامل عن أهل مكة بقوله: «ألا لبئس جيران النبي كنتم،لقد كذّبتم،وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثمّ ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، اذهبوا فأنتم الطلقاء».(2)

وكان الوقت ظهراً فحان وقت الصلاة ، فصعد بلال سطح الكعبة ورفع نداء التوحيد و الرسالة ـ الاَذان ـ وبعدها ردّمفتاح الكعبة على عثمان بن طلحةو قال له:

«هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء». فالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» هو أوّل من يلتزم بالتعليم الاِلهي في أداء الاَمانة إلى أهلها، فيعيد مثل تلك الاَمانة الكبرى إلى صاحبها. ثمّ ألغى جميع مناصب الكعبة السائدة في الجاهلية، إلاّ ما كان نافعاً للناس، كالسدانة، والحجابة ـ و هي القيام بشوَون أستار الكعبة ـ و سقاية الحجيج.(3)

وفي حديث له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أقاربه، في اجتماع ضم بني هاشم و بني عبد المطلب، أوضح لهم أنّ صلة القربى التي تربطهم به «صلى الله عليه وآله وسلم» لا تبرر لاَحد منهم أن يتجاهل قوانين الحكومة الاِسلامية، فيتخذ من انتسابه إلى زعيمها ذريعةوغطاء لارتكاب ما لا يحل للآخرين.

وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا قد شجب كلّ تمييز وتفضيل غير صحيح وسليم، داعياً إلى لزوم العدل ومراعاة المساواة بين جميع الطبقات: «يا بني


1. يوسف:92.
2. بحار الاَنوار: 21|106؛ السيرة الحلبية:2|412.
3. بحار الاَنوار: 21|132.

(203)

هاشم، يا بني عبد المطلب، إنّي رسول اللّه إليكم وإنّي شفيق عليكم، لا تقولوا أنّمحمّداً منّا، فواللّه ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلاّ المتّقون، فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة. ألا وإنّي قد أعذرت فيما بيني و بينكم وفيما بين اللّه عزّوجلّ وبينكم، وإنّ لي عملي ولكم عملكم».(1)

ثمّ دعا إلى اجتماع تاريخي كبير عند بيت اللّه الحرام، حضره حشد كبير من أهالي مكة، وألقى فيهم خطاباً تاريخياً عالج الاَمراض الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العربي في ذلك العصر وحتى عصرنا الحالي، ومن أهمّما ورد وتناوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الخطاب:

1. التفاخر بالنسب: فقد كان من الاَمراض المستحكمة في البيئة العربية الجاهلية، إذ كان من أكبر أمجاد المرء أن ينتسب إلى قبيلة معروفة، أو يتفرع نسبه عن عشيرة بارزة كقريش مثلاً. فأبطل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطابه هذه العادة السيئة بقوله: «أيّها الناس إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنّكم من آدم و آدم من طين».

وبذا فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صنّف الشخصية بالتقوى و الورع: «ألا إنّ خير عباد اللّه عبد اتقاه» فأعطى الفضيلة والمنزلة لاَهل التقوى والورع خاصة.

2. التفاضل بالقومية العربية: فقد اعتبروا الانتساب إلى العرق العربي مفخرة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ العربية ليست بأب والد، ولكنّه لسان ناطق، فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه».

3. المساواة بين أفراد البشر: فقد دعا إلى دعم المساواة بين الاَفراد والجماعات: «إنّ الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي


1. بحار الاَنوار: 21|111.

(204)

على العجمي، ولا للاَحمر على الاَسود، إلاّ بالتقوى». وبذلك ألغى التمييز العنصري موَسساً بذلك ميثاق حقوق الاِنسان قبل أيّ جهة عالمية.

4. الاَحقاد والحروب الطويلة : إذ أنّالحروب المتلاحقة بين القبائل العربية أدت إلى نشأة الحقد و الضغينة، فلم يجد طريقاً للقضاء عليها إلاّبالطلب من الناس أن يتنازلوا عمّا لهم من دماء في أعناق الآخرين، سفكت في عهد الجاهلية، فتعتبر ملفات العهد القديم باطلة. وقال في ذلك«ألا إنّ كلّمال ومأثرة ودم في الجاهلية تحت قدمي هاتين».

5. الاَُخوة الاِسلامية: حيث دعا إلى اتّحاد المسلمين ووحدة كلمتهم وحقّالمسلم على أخيه المسلم، فهو من أهمّ مميزات الدين الاِسلامي، وهو بهذا يرغّب غير المسلم في اعتناق الاِسلام إذا سمع ورأى مثل هذه الحقوق والعلاقات المتبادلة بين المسلمين:«المسلم أخو المسلم، و المسلمون إخوة، وهم يد واحدة على من سواهم، تتكافوَ دماوَهم ليسعى بذمّتهم أدناهم».(1)

وبعد ذلك تفرّغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم على بعض المجرمين والموَذين،حيث كان هناك عدد من المجرمين المكيّين، كان لابدّ من عقابهم على ما فعلوا من أعمال سيئة، وذلك بالرغم من إصدار العفو العام، وقد طارد الاِمام علي (عليه السلام) اثنين منهم لجآ إلى بيت أُمّ هانىَ أُخت الاِمام (عليه السلام) التي أجارتهما،ولكن الاِمام (عليه السلام) طلب منها أن يعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمانها ليعطي رأيه في جوارها وأمانها كمرأة، فقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك و قال: «قد أجرنا من آجرت، وأمّنا من أمّنت، فلا يقتلهما».(2)


1. روضة الكافي:246؛ السيرة النبوية:2|412؛ مغازي الواقدي:2|836؛ بحار الاَنوار:21|105.
2. الاِرشاد:72.

(205)

وهو بهذا وضع قاعدة تقبل جوار المرأة وأمانها. كما أنّعبد اللّه بن أبي السرح الذي ارتدّعن الاِسلام وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله،نجا من القتل بشفاعة عثمان بن عفان له. وكذلك عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن، وتشفّعت فيه زوجته، فنجا من القتل. كما أمّن أيضاً كبير المجرمين صفوان بن أُمية حينما طلب «عمير بن وهب»من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعفو عنه، فأمهله أربعة أشهر ليعلن إسلامه بعد التفكير.

وكذلك وضع (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدة مبايعة النساء له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد بايعته المرأة للمرّة الاَُولى في بيعة العقبة بهذه الكيفية: [حيث أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحضار قدح ماء، ثمّألقى في الماء شيئاً من الطيب والعطر فأدخل يده فيه،وتلا الآية التي وردت فيها الاَُمور المذكورة، ثمّ نهض من مكانه و قال لهن: من أرادت أن تبايع فلتدخل يدها في القدح، فإنّي لا أصافح النساء].(1) وقد أجرى البيعة بهذا الاَسلوب، لوجود عدد كبير من النساء الفاسدات بينهن، فكان لابدّمن ذلك حتى لا تستأنف إحداهن عملهن القبيح بعد ذلك في السرّ.

هدم بيوت الاَصنام

وللقيام بهذه المهمة الضرورية، أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرقاً عسكرية إلى ضواحي مكة وداخلها وفي بيوتها لهدم الاَصنام المتواجدة فيها، كما أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من كان في بيته صنم فليكسره». و أرسل خالد بن الوليد إلى تهامة لدعوة قبيلة جذيمة بن عامر وهدم أصنامهم، ونهاه النبيعن القتل أو إراقة الدماء. إلاّأنّه لما كانت هذه القبيلة قد قتلت أيّام الجاهلية عمّ خالد


1. في سورة الممتحنة 12: (ألاّ يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف) .

(206)

ووالد عبد الرحمن بن عوف، فإنّه حقد عليهم، وأمر بقتل عدد منهم، الاَمر الذي أغضب النبيعندما علم بذلك، فأرسل مالاً كثيراً مع الاِمام علي (عليه السلام) ليدفع دية هوَلاء المقتولين وقال: «اللهمّإنّي أبرأ ممّا صنع خالد بن الوليد».(1) وارتاح بعد ذلك لما أقدم عليه الاِمام علي (عليه السلام) من معاملة طيبة لاَهالي المنكوبين و قال: «واللّه ما يسرني يا عليّأنّ لي بما صنعت حمر النعم، أرضيتني رضي اللّه عنك، أنت هادي أُمّتي».(2)

4. معركة حنين

وبعد أن استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة مدّة خمسة عشر يوماً، غادرها إلى أرض قبيلة هوازن و ثقيف، بعد أن عيّن معاذ بن جبل ليُعلّم الناس القرآن وأحكام الاِسلام، وعتاب بن أسيد لاِدارة الاَُمور والصلاة بالناس جماعة في مكة المكرمة.

وقد بلغ الجيش الذي سار به إلى هوازن: 12 ألف مسلحاً، إذ شاركه هذه المرة ألفان من شباب قريش الذين أسلموا بعد الفتح بقيادة أبي سفيان.(3) إلاّ أنّ كلّ ذلك العدد الكبير لم يساعد في النجاح والانتصار كما ذكر القرآن الكريم: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين) (4) وقد برز من طرف العدو: مالك بن عوف النصري الذي عرف بالفروسية والشجاعة، كما أنّه أدار الاتّصالات المكثفة بين هوازن وثقيف، لاِخراج خدعة عسكرية توجه منها ضربة إلى جيش


1. السيرة النبوية: 2|420؛ الكامل: 1|173؛ إمتاع الاَسماع:1|400.
2. مجالس ابن الشيخ: 318.
3. طبقات ابن سعد:2|139؛مغازي الواقدي:3|889.
4. التوبة:25.

(207)

الاِسلام، فقد اقترح بوضع الاَطفال والنساء والاَموال وراء ظهور الرجال حتى يضطروا إلى أن يقاتلوا عنهم، كما أرسلوا الجواسيس ورجال مخابراتهم للتجسس على المسلمين، مثلما بعث النبيرجاله إلى ديار الاَعداء.

وحسب الوضع والموقع، قرّر مالك بن عوف أن يخفى الجنود خلف الصخور وفوق الجبال ليباغتوا المسلمين في الوادي، الذي دخلته أوّل كتيبة، من بني سليم بقيادة خالد بن الوليد فبادرهم العدو و أخذ يرشقهم بالاحجار والنبال ويضربونهم بالسيوف، فوقعوا فيهم ضرباً وقتلاً، ممّا أدّى إلى إصابة المسلمين بالفوضى وبلبلة الموقف وخلخلة الصفوف فالفرار، الاَمر الذي جعل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يأمر العباس بن عبد المطلب بأن ينادي على هوَلاء الفارّين والهاربين ويرجعهم، فبلغت صرخاته مسامعهم فثارت حميتهم ونادوا: لبيك لبيك. وبذا فقد تمكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تنظيم صفوف جيشه من جديد، وحملا حملة رجلٍ واحدٍ على العدو لغسل ما لحق بهم من عار الفرار، وتمكّنوا من النيل منهم وإجبارهم على الانسحاب من الموقع والفرار من أمامهم وذلك بتشجيع وحماس من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». ممّا كان الاَثر الفعال في إلقاء الهزيمة المنكرة بقبيلة هوازن، تاركين وراءهم أموالهم ونساءهم وصبيانهم الذين كانوا قد وضعوهم خلف ظهورهم حسب أوامر وخطة قائدهم.

أمّا النتيجة النهائية للمعركة، فكانت شهادة ثمانية أفراد من المسلمين، وأسر ستة آلاف من العدو، وغنائم كثيرة من الحيوان وأربعة آلاف أوقية فضة.(1)

وأعطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوامره بإرسال الغنائم والاَسرى إلى الجعرانة ـ بين مكة والطائف ـ و بلغ من حنق المسلمين على المشركين في


1. 4 آلاف أوقية تساوي 852 كيلو غرام.

(208)

هذه المعركة، أن قتلوا الرجال وذرّيتهم، فلمّا بلغ ذلك النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «ألا لا تُقتَل الذرية». وعندما قيل له: إنّما هم أولاد مشركين. قال «صلى الله عليه وآله وسلم» : «أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كلّ نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، وأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها».(1)

5. غزوة الطائف

سكنت قبيلة ثقيف، واشتركوا مع هوازن في قتال المسلمين، وهربوا بعد المعركة السابقة إلى الطائف متحصنين في قلاعها وحصونها، فأمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بالاِعداد لمطاردتهم وملاحقتهم حتى ديارهم. فأرسل فريقاً عسكرياً بقيادة أبي موسى الاَشعري لملاحقتهم في أوطاس، فأحرز انتصاراً كبيراً على العدو. وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد توجه بجيشه إلى الطائف، حيث هدم حصن مالك بن عوف في طريقه، وسواه بالاَرض، حتى لا يستغله العدو فيما بعد.

واشتهرت حصون الطائف وقلاعها بالمنعة وارتفاع الجدران، فتمكنوا من ردّ المسلمين عن طريق حذفهم ورميهم، الذي أدّى إلى تراجعهم. فاقترح سلمان الفارسي أن يرمى الحصن بالمنجنيق ـ الّذي يأخذ دور الدبابة في الحروب الحديثة ـ فبدأوا برمي الحصون وأبراجها بالحجارة طوال عشرين يوماً، ممّا أصاب عدداً من المسلمين في هذه الاَعمال.(2)

وممّا يذكر أنّ سلمان الفارسي هو الذي صنع جهاز المنجنيق، وعلّم المسلمين كيفية استخدامه، بينما يرى آخرون أنّ المسلمين حصلوا على هذا


1. إمتاع الاسماع:1|409.
2. السيرة النبوية:4|126 ويرى ابن هشام أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من استخدم المنجنيق في الجزيرة العربية.

(209)

السلاح من يهود خيبر، وأنّ سلمان ربما أدخل عليه تحسينات إضافة أنّه علم المسلمين أسلوب استعماله.

كما أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حصل على بعض الآليات الحربية من خلال ما ترك في حروبه لقبيلة دوس التي استخدمتها في معاركها ضدّالمسلمين، فاستفاد منها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزو الطائف.

إلاّ أنّ نتائج تلك العمليات والآليات لم تأت بنتيجة حاسمة، فاتجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جانب آخر قد يكون أكبر قوّة وأثراً من الجانب العسكري، وهو الناحية النفسية والاقتصادية. إذ أنّ أرض الطائف كانت زراعية، ذات نخل وأعناب، ممّا فكر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لتهديدهم وتخويفهم لاَنّه سيعمد إلى قطع الاَعناب وإفناء المزارع، إذ استمر المعتصمون بالحصون في المقاومة. وعندما لم يرضخوا للتهديد، نفذ المسلمون عملياً أوامر النبي ص بالقطع والحرق والاِتلاف، ممّا أزعج الاَهالي وطلبوا من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يأمر رجاله بالكف عن ذلك، فتركوا العمل بهذا التكتيك. وقام بمحاولة أخيرة للتخلص منهم، فنادى: أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فنزل عدد منهم ملتحقاً بالمسلمين، وعرف منهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بعض الاَخبار المرتبطة بالحصن، وأنّه لا نية لهم للاستسلام، و لديهم الاستعداد للمقاومة حتى لو طال الحصار عاماً واحداً، فلن يقعوا في أزمة أو ضيق بسبب طول الحصار. ولذا فإنّ الجيش الاِسلامي رأى أنّه من الاَصلح الرجوع عن ساحة القتال، وذلك للاَسباب التالية:

1.مقتل عدد من المسلمين، من قريش والاَنصار، كما أنّ شهر شوال كان قد انتهى وبدأ شهر ذي القعدة وهو من الاَشهر الحرم، وللحفاظ على هذه السُّنّة، فقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينهي الحصار في أقرب وقت.


(210)

2. كما أنّ موسم الحجّ كان قد اقترب، وخاصة أنّ إدارة الموسم ومناسكه أصبحت في يد المسلمين الآن، وليس بيد المشركين كما في السابق.

ولكلّ ذلك ترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطائف متوجهاً إلى الجعرانة حيث حفظت الغنائم والاَسرى، فاستقر فيها 13 يوماً وزع فيها الغنائم بأسلوب جدير بالدراسة والتأمل: فقد أخلى سبيل بعض الاَسرى، وخطط لاِخضاع وإسلام مالك بن عوف قائد المعارك ضدّ المسلمين، وكان من بين المشركين مع هوازن، قبيلة بني سعد التي أرضعت إحدى نسائها ـ حليمة السعدية ـ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبر بينهم وعاش معهم خمس سنوات، ولذا فإنّ جماعة مسلمة منهم قدمت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلبون سراح الاَسرى من هذه القبيلة، وذكّروه بكلّ حياته بينهم في تلك السنوات. فردّ عليهم النبيص محسناً إليهم بأكثر ممّا قدموا، وتنازل عن نصيبه في الاَسرى، فتبعه المهاجرون والاَنصار و الآخرون، فارجعوهم إلى ذويهم. كما أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» دعا أُخته شيماء وبسط لها رداءه ورحب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أُمّه وأبيه من الرضاعة، فأخبرته بموتهما، فقال: إن أحببت فأقيمي عندنا محببة مكرمة، وإن أحببت أن أُمتعك وترجعي إلى قومك فعلت. فاختارت الرجوع إلى أهلها بعد أن أسلمت طوعاً ورغبة، ومنحها ثلاثة عبيد وجارية.(1)

وقد أدّت معاملات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه، وإطلاق الاَسرى إلى رغبة هوازن في الاِسلام، فأسلموا من قلوبهم، ففقدت الطائف آخر حليف لها.

أمّا بالنسبة لمالك بن عوف فقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرصة طيبة للسيطرة عليه، وهو رئيس المتمردين، فقال لوفد بني سعد: أخبروا


1. البداية والنهاية:2|363؛ الاِمتاع:1|413.

(211)

مالكاً إنّه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الاِبل. وعندما بلغه ذلك، وعلم بقوّة الاِسلام وأخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعظمته، قرر الالتحاق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج من الطائف لاِدراك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة أو الجعرانة، حين ردّ عليه ماله وأهله وأعطاه الاِبل، فأسلم وحسن إسلامه، وجعله قائداً على من أسلم من قومه حارب بهم ثقيف.

وأمّا الغنائم، فقد قسمها بين المسلمين، ووزع الخمس الّذي هو حقّه الخاص، بين أشراف قريش حديثي العهد بالاِسلام ليتألّفهم، مثل: أبي سفيان ومعاوية ابنه، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام و سهيل بن عمرو، وحويطب ابن عبد العزى، والعلاء بن جارية، وصفوان بن أمية، وغيرهم ممّن كانوا أعداءه بالاَمس القريب، لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1) وهذا الفريق يصطلح عليه في الفقه الاِسلامي: الموَلّفة قلوبهم. وهم يشكّلون إحدى مصارف الزكاة بنص القرآن الكريم.

إلاّ أنّ بعضهم لم يستحسن أسلوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التوزيع، ورأى أنّه لم يعدل حين وزع خمس الغنيمة على أبناء قبيلته، ومن أشهرهم:

ـ ذو الخويصرة التميمي، الذي رفض أُسلوب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ممّا دعا عمر بن الخطاب أن يستأذن النبي ص لقتله. ولكن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: دعه فإنّه سيكون له شيعة (أي تَبع) يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2) وقد أصبح فعلاًً زعيماً لفرقة الخوارج في عهد الاِمام علي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

كما اشتكى عدد من جانب الاَنصار، حول كيفية توزيع الخمس، فخطب


1. المحبّر: 473؛مغازي الواقدي: 3|944؛ السيرة النبوية:3|493.
2. وجاء في السيرة الحلبية أنّه أصل الخوارج.

(212)

فيهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موضحاً موقفه من هذا التوزيع في تأليف القلوب:«أفلا ترضون يا معشر الاَنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم. والذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت إمرىًًَ من الاَنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الاَنصار شعباً، لسلكت شعب الاَنصار».(1)

ثمّ ترحم عليهم قائلاً: «اللّهمّ ارحم الاَنصار وأبناء الاَنصار وأبناء أبناء الاَنصار».

فأثار بهذه الكلمات مشاعرهم فبكوا بشدّة وقالوا: رضينا يا رسول اللّه حظاً وقسماً. ويكشف ذلك عن عمق حكمة النبي ص وحنكته السياسية، وأُسلوب معالجته للمشكلات بروح الصدق واللطف.

وبعد ذلك خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معتمراً من الجعرانة، ثمّ انصرف راجعاً إلى المدينة فوصلها في أواخر ذي القعدة أو أوائل شهر ذي الحجّة، مستخلفاً على مكّة: عتاب بن أسيد، الذي بلغ من العمر عشرين عاماً، و قُدّر له راتبٌ يوميٌّ، درهم واحد، ولما احتجّ بعضهم على هذا التعيين، قال: «لا يحتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الاَكبر هو الاَفضل، بل الاَفضل هو الاَكبر، وهو الاَكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الاَمير عليكم والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به، ومن خالفه فلا يبعدُُ اللّه غيره».(2)

وأكد بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معيار الاَهلية والجدارة والكفاءة في حيازة المناصب الاجتماعية والاَُمور الاجتماعية الاَُخرى.

ومن أحداث هذه السنة أيضاً:


1. السيرة النبوية:2|498؛ مغازي الواقدي: 3|957.
2. بحار الاَنوار: 21|122؛ إمتاع الاَسماع:1|432.

(213)

وفاة زينب بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي التي كان زوجها ابن خالتها أبي العاص الذي بقي على شركه بعد أن آمنت هي بأبيها، ولكنّه آمن في الفترةالاَخيرة وأعاد النبي ص إليه زوجته.

كما أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رزق في أواخر هذا العام ولداً سمّاه إبراهيم من زوجته مارية القبطية، فأهدى المولدة هدية ثمينة، وعق له في اليوم السابع وحلق شعره وتصدق بوزنه فضة في سبيل اللّه.(1)


1. تاريخ الخميس:2|131.


(214)



(215)

الفصل التاسع


1. أحداث السنة التاسعة من الهجرة

ـ عام الوفود ـ هدم الاَصنام

ـ غزوة تبوك ـ مسجد ضرار

ـ وفد ثقيف ـ إعلان البراءة من المشركين


2. أحداث السنة العاشرة من الهجرة

ـ وفد نجران و المباهلة ـ وفود القبائل على المدينة

ـ حجّة الوداع ـ الخلافة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

ـ وضع أساس التعامل مع: المرتدين و الاَخطار الخارجية

ـ مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وفاة ابنه إبراهيم (عليه السلام)

3. أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة

ـ الكتاب الذي لم يكتب ـ اللحظات الاَخيرة


(216)



(217)


أحداث السنة التاسعة من الهجرة

1. عام الوفود

انتهت السنة الثامنة بسقوط أكبر قاعدة من قواعد الوثنية والشرك، في أيدي المسلمين، الذين انتصروا على أعدائهم تماماً، فأخذت القبائل المتمردة تتقرب إليهم تدريجياً، وتوالت وفودُها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقدم ولاءها وتعلن إسلامها وتتقبل الرسالة المحمّدية، ممّا دعت تلك الكثرة من الاَعداد الوافدة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسمى بعام الوفود.(1)

إنّ دراسة الوفود وما دار بينهم و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تفيد بوضوح بأنّ الاِسلام انتشر في الجزيرة العربية عن طريق الدعوة والتبليغ. وتحدث القرآن الكريم في سورة خاصة عن حضور تلك الوفود على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وما حقّقه الاِسلام من فتح وانتصار:(إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِوَالْفَتْح * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً) .(2)

إلاّ أنّه بالرغم من ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعدّ في هذا


1. سجل الموَرخ محمد ابن سعد في الطبقات:1|291 ، أسماء 73 وفداً قدموا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال السنة9هـ.
2. سورة النصر.

(218)

العام عدّة سرايا بعثها إلى جهات معينة، من جملتها سرية الاِمام علي «عليه السلام» إلى أرض طيء، وقد اختصت لهدم مظاهرالوثنيّة.

كما وقعت غزوة واحدة مثل غزوة تبوك، وإن لم يقاتل فيها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أحداً، إلاّ أنّها كانت تمهيداً لفتح المناطق الحدودية.

2. هدم الاَصنام

أدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضوء تعاليم الوحي أنّ الوثنية كجرثومة الكوليرا، تهدم فضائل الاِنسان وشرفه، وتقضي على مكارم الاَخلاق، وتحط من مكانة الاِنسان الرفيعة، وتجعله كائناً حقيراً أمام الطين والحجر. وعلى هذا الاَساس أمره اللّه تعالى أن يجتث جذور الشرك من كيان ذلك المجتمع الموبوء، بإزالة كلّمظاهر الوثنية وأنواعها وأشكالها، مستخدماً القوة تجاه الجماعات المعارضة. وعلم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ في قبيلة طيء صنماً كبيراً يقدَّس حتى ذلك الوقت، فأرسل الاِمام علياً (عليه السلام) مع 150 فارساً ليحطم هذا الصنم ويهدم بيته.

ونجح الاِمام (عليه السلام) في مهمته، وعاد بالغنائم والاَسرى إلى المدينة، وهرب رئيسها «عدي بن حاتم الطائي» إلى الشام ملتحقاً بأهل دينه، لاَنّه كان نصرانياً حسب ما ذكر بنفسه، وترك أُخته في قومه. إلاّ أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أرجعها إلى أخيها بالشام، فأخذت توبخه ممّا صنع من هروبه مع أهله، وتركها وحيدة، ثمّ طلبت منه أن يذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلن إسلامه، فاحترمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قدم إليه في المدينة، وقدم له ما يليق به كأمير وسيد على قومه.

ولما شاهد من سيرته وأفعاله ما يدل ويوَكد على أنّه نبي اللّه، أسلم على


(219)

يديه (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

3. غزوة تبوك: وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام.

أعدّ إمبراطور الروم قوّة عسكرية لمهاجمة المسلمين الذين ازدادت قوّتهم وأعدادهم وخطرهم على الدولة الرومانية. وتألفت هذه القوّة من 40 ألف فارس و كانت مجهزة بأحدث الاَسلحة و المعدات، وتقدمت إلى منطقة البلقاء، فأمر النبي ص عندها أصحابه بالتهيّوَ والاستعداد لغزو الروم، في موسمٍ شديد الحرارة، وجدب وعسرة، إلاّ أنّ الدوافع المقدّسة والجهاد في سبيل اللّه غَلَبَ على كلّتلك الاَُمور الدنيوية، فشارك 30 ألف من المسلمين في هذه الغزوة تحددت نفقاتها من الزكاة من أهل الغنى والثروة. وقد اعتبرت هذه الغزوة خيرَ مَحَكٍّ لمعرفة المجاهدين الصادقين من المنافقين والمبدعين، إذ أنّ بعضهم تخلّف بحجّة الخوف من أن يفتتن بالنساء الروميات، وهو عذر صبياني أقبح من الذنب: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمُحيطَةٌ بِالكافِرين) .(2)

وكان منهم أيضاً المنافقون الذين تظاهروا بالاِسلام، فثبَّطوا الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخوفوهم من قوّة الرومان، و اعتذروا بالحر الشديد: (وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُون) .(3)

كما أنّ مجموعة من الخونة ألّفت شبكة جاسوسية في المدينة، تمكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القضاء عليها بهدم المكان الذي اجتمعت به وحرقة، وهو بيت سويلم اليهودي.


1. مغازي الواقدي:2|988؛ السيرة النبوية:3|578؛ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الاِمامية:352.
2. التوبة:49.
3. التوبة:81.

(220)

وكذلك تخلّف عنهم المخلّفون الثلاثة، الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، حينما قالوا بأنّهم سيلحقون بركبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما يفرغون من الحصاد، فوبّخهم اللّه تعالى وعاقبهم، ليكونوا عبرةً لغيرهم. كما تخلف عن الغزوة ولكن بنية صادقة البكاوَون، وذلك لعدم تمكّنهم من المشاركة في الجهاد، لفقرهم و عدم حصولهم على دواب تحملهم، ولم يستطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجهز ذلك لهم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. كما لم يشارك فيها الاِمام عليّ (عليه السلام) فقد أبقاه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في المدينة، خوفاً من إثارة فتنة أو قيام انقلاب خلال غيابه، بمساعدة القوى المضادة للاِسلام. وبالرغم من أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استخلف على المدينة«محمد بن مسلمة» فإنّه قال للاِمام علي (عليه السلام) : «أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي و قومي» فكأنّه تعيّن كقائد عسكري في المدينة يحفظ الاَمن والاستقرار فيها. ولذا فإنّ المنافقين استغلوا ذلك فرصة لنشر الشائعات والاَقاويل في عدم اصطحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للاِمام علي (عليه السلام) معه في الجيش، ممّا جعل الاِمام (عليه السلام) يسير إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على بعد ثلاثة أميال من المدينة ليسأله عن هذا الاَمر قائلاً: «يا نبي اللّه، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخففت عني» فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذٍ كلمته التاريخية الخالدة التي اعتبرت من الاَدلة القاطعة على إمامته وخلافته بعده «صلى الله عليه وآله وسلم» : «كَذِبوا ولكنّي خلّفتُك لما تركتَ ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».(1)

وهكذا فقد استعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعسكر قبل تحرّك الجيش، وألقى فيهم خطاباً هاماً لتقوية معنويات المجاهدين، وشرح فيه هدفه من هذه التعبئة العامة الشاملة.


1. إمتاع الاَسماع:1|450.

(221)

وفي الطريق واجه متاعبَ ومشاق كثيرة، ولذا سمى هذا الجيش بجيش «العسرة»، إلاّأنّ إيمانهم العميق، وحبّهم للهدف المقدس، سهّل عليهم الاَمر. وعندما مروا بأرض ثمود، غطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهَه بثوبه وأمر أصحابه بسرعة السير: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّوأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم مثلما أصابهم». كما نهاهم أن يشربوا من مائها ولا يتوضأوا به للصلاة ولا يطبخ به طعام.(1) ولكنّهم شربوا عندما وصلوا إلى البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح (عليه السلام) فنزلوا عليها بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أظهر في الطريق بعض الاَُمور الغيبية حتى لا يوَثّر شكّ بعضهم في إيمان الآخرين، مثلما جرى لناقته التي ضلت الطريق، وبدأ المنافقون في التقليل من قوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واتّصاله باللّه سبحانه و تعالى، فأخبرهم بموقعها، بعلم من اللّه تعالى. وتنبأ عن أبي ذر و ما سيجري له عندما تأخّر عنهم فقال: رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده.(2)

على كلّ حال، وصل الجيش في مطلع شهر شعبان إلى أرض تبوك، دون أن يجدوا أثراً لجيش الروم الذي كان قد انسحب إلى داخل بلاده مفضلاً عدم مواجهة المسلمين، وموَكدين حيادهم تجاه الحوادث والوقائع التي تجري في الجزيرة العربية. فجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القادة و شاوَرَهم في أمر التقدّم في أرض العدو، أو العودة إلى العاصمة. فقرروا العودة ليستعيد الجميعُ نشاطَه بعد المشاق والتعب، إضافة إلى أنّهم حقّقوا هدفهم بتخويف العدو وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن كنت أُمرت بالسير فَسِرْ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو أُمرت به ما استشرتُكم فيه».(3) فاحترم


1. السيرة النبوية:2|521؛ السيرة الحلبية:3|134.
2. السيرة النبوية:2|521؛ السيرة الحلبية:3|134.
3. مغازي الواقدي: 3|1019.

(222)

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) آراء هوَلاء وقرر العودة إلى المدينة.

ورأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الوقت مناسب للاتّصال ببعض حكّام وروَساء المناطق الحدودية، ليعقد معهم معاهدات أمن وعدم إعتداء، ليأمن جانبهم. فاتصل شخصياً بزعماء أيلة وأذرح والجرباء. وعندما قدم يوحنا بن روَبة زعيم أيلة، إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم له فرساً أبيض وأعلن عن طاعته له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فاحترمه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصالحه وكساه برداً يمانياً، وقبل أن يدفع جزية قدرها 300 دينار سنوياً على أن يبقى على دينه المسيحي، ووقع الطرفان على كتاب أمان، فضمن بذلك أمن المنطقة الاِسلامية شمالاً.

وفي طريق تبوك تقع منطقة دومة الجندل ذات الخضرة والماء، وتبعد عن الشام 50 فرسخاً، وعن المدينة عشرة أميال، حكمها رجلٌ مسيحي هو: أكيدر بن عبد الملك. فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوّة بقيادة خالد بن الوليد لاِخضاعه، فتمكن من السيطرة عليهم وإحضار أكيدر إلى الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فأعلن خضوعه وقبل دفع الجزية والبقاء على دينه، وكتب عهداً وصالحه، وأهداه، ثمّ أوصله إلى بلده بحراسة خاصة.(1) فانتهت بذلك الاَعمال العسكرية في تبوك.

ويمكن تقييم نتائج تلك العمليات العسكرية كما يأتي:

1. إبراز مكانة وسمعة الجيش الاِسلامي في المناطق الخارجية، ممّا أثر في القبائل هناك فتسارعوا بالقدوم والوفود على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد عودته من تبوك، لتعلن خضوعها وطاعتها، حتى سمّي ذلك العام بعام الوفود.

2. ضمان أمن الحدود بعد توقيع المعاهدات والاتفاقيات مع حكّام تلك


1. بحار الاَنوار: 21|246؛ طبقات ابن سعد: 2|166.

(223)

المناطق.

3. تمهيد الطريق للمسلمين لفتح الشام بعد ذلك، عندما تعلموا منه «صلى الله عليه وآله وسلم» أساليب تكوين وإعداد الجيوش الكبرى لمحاربة القوى العظمى.

4. تمييز الموَمن عن المنافق.

وبعد أن مكث (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرين يوماً في تبوك، توجه إلى المدينة، إلاّ أنّ اثني عشر منافقاً تآمروا لاغتيال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قبل أن يصل إلى عاصمته، كان ثمانية منهم من قريش والآخرون من أهل المدينة، وذلك بتنفير ناقته في العقبة ـ بين المدينة والشام ـ ليطرحوه في الوادي، غير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بموَامرتهم فأرعبهم بصياحه فيهم، فتركوا العقبة هاربين، ورفض (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرسل من يقضي عليهم أو اللحاق بهم. ثمّ وصل الجيش إلى المدينة فرحين مسرورين معتزين بما حقّقوه من انتصار على الاَعداء، وإلقاء الرعب في قلب دولة كبيرة، ولما أرادوا التفاخر والتباهي على الذين تخلّفوا بعذر وقلوبهم مع جنود الاِسلام، فإنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» منعهم من ذلك، لاَنّ النيّة الصالحة والفكر الطيّب يقوم مقام العمل الصالح الطيّب.

ثمّ أقدم (صلى الله عليه وآله وسلم) على معاقبة الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجيش بأعذار واهية وهم: هلال بن أُمية، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، فقد أعرض بوجهه الكريم عنهم، ولم يكترث بهم حينما قدّموا التهنئة بعودتهم مظفرين، وقال فيهم: لا تكلّموا أحداً من هوَلاء الثلاثة، ممّا أثر في التعامل معهم تجارياً، فكسدت بضائعهم ، وانقطعت روابطهم مع أقربائهم، فأثر ذلك في نفسياتهم: (حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الاََرضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفسُهُمْْ) .(1)


1. التوبة:118.

(224)

فقاموا بالتوبة إلى اللّه، فأعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عفوه عنهم،ورفع المقاطعة عنهم.(1)

وكانت هذه آخر معركة اشترك فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لم يشارك بعدها في أيّقتال.

4. مسجد ضرار

أصبح أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة، الذي استشهد في أُحد، من المتعاونين مع المنافقين، الذين خططوا دائماً للتخريب و إفساد أعمال الاِسلام،ولذا قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتقاله فهرب إلى مكّة و منها إلى الطائف ثمّ إلى الشام، فقاد منها شبكة تجسسية لصالح المنافقين. وكتب في إحدى رسائله إلى جماعته، يطلب منهم أن يبنوا مسجداً في قباء في مقابل مسجد المسلمين ليتخذوه مركزاً لتخطيط وتنفيذ موَامراتهم. وكان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قد رفض من قبل طلبهم هذا قبل مسيره إلى تبوك، فاستغلوا غيابه فأقاموه. و لمّا عاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبوا منه أن يوَدي ركعتين فيه ليسبغوا عليه الصفة الشرعية، إلاّ أنّ جبرائيل (عليه السلام) أوحى إليه «صلى الله عليه وآله وسلم» بحقيقة الاَمر والنية، وسمّاه مسجد ضرار ووصفه بأنّه مركز لاِيجاد الفرقة والتآمر بين المسلمين:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُوَْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْحارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلفُن إِنْ أَردْنا إِلاّالحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّل يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ).(2)


1. السيرة الحلبية: 3|165.
2. التوبة:107.

(225)

ممّا دعا الرسولص أن يأمر فوراً بتدميره وإحراقه وتسويته بالاَرض، فتحول مكانه إلى مزبلة فيما بعد.(1) وكان ذلك ضربة قويّة للمنافقين، إذ انتهى حزبهم الخبيث وهلك حاميهما الوحيد عبد اللّه بن أُبي بعد شهرين من غزوة تبوك.

5. وفد ثقيف

وهي من القبائل العنيدة التي تصلبت في موقفها أمام المسلمين،وخاصة عندما حاصرهم الجيش الاِسلامي، فلم يتنازلوا أو يسلموا، إلاّ أنّ موقفهم تغيّر بعد غزوة تبوك التي أشهرت قوّة المسلمين،وخوفت عدّة جهات، ممّا دفع عروة بن مسعود الثقفي أحد سادتهم إلى أن يقدم إلى المدينة ويعلن إسلامه على يدي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يرجع إلى قومه داعياً لهم إلى الاِسلام، فرشقوه بالنبال والسهام حتى استشهد.

إلاّ أنّ موقفهم المتصلب تغيّر بعد فترة حينما علموا أنّمصالحهم التجارية وغيرها معرضة للخطر إذا لم يحسنوا علاقاتهم بالمسلمين، فقرروا التوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلان إسلامهم، فأوفدوا عنهم عبد ياليل مع خمسة رجال للتفاوض مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،وهناك أمر النبيبإكرامهم،وعين «خالد بن سعيد» قائماً بشوَون صيافتهم.

وفي المفاوضات التي جرت بين الطرفين، اشترط عليهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يهدموا الاَصنام فرفضوا أوّل الاَمر، ولكنّهم أطاعوه بالتالي على أن يقوم أشخاص غرباء ـ ليسوا من قبيلتهم ـ بهدمها. كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا خير في دين لا صلاة فيه». ثمّ وقّع


1. السيرة النبوية:2|530؛ بحار الاَنوار: 20|253.

(226)

الطرفان على شروط المعاهدة التي تمّت بينهما، واختار «صلى الله عليه وآله وسلم» منهم عثمان بن أبي العاص(1) الذي حرص على التفقّه في الدين وتعلّم القرآن، فأمّره عليهم وجعله نائباً دينياً وسياسياً عنه في قبيلة ثقيف، وأن يصلي بالناس جماعة، مراعياً أضعفهم: «يا عثمان تجاوز في الصلاة ـ أي خفف الصلاة وأسرع فيها ـ وأقدر الناس بأضعفهم،فإنّ فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة». ثمّ كلّف (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سفيان و المغيرة بن شعبة، للتوجه معهم لهدم الاَصنام هناك.(2)

6. إعلان البراءة من المشركين في منى

في أواخر هذا العام ـ 9هـ ـ نزل جبرائيل (عليه السلام) على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مع عدّة آيات من سورة البراءة، يطلب أن يتلوها رجل يختاره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في موسم الحج. وقد تضمنت الآيات رفع الاَمان عن المشركين، وإلغاء جميع العهود ـ إلاّما التزم بها أصحابها ولم ينقضوها ـ فيبلغ ذلك إلى روَوس المشركين ليوضحوا موقفهم تجاه الدولة الاِسلامية خلال أربعة أشهر، فإذا لم يتركوا ما هم عليه من شرك ووثنية خلال الاَربعة أشهر، نزعت عنهم الحصانة ورفع عنهم الاَمان. أمّا الدوافع التي كانت وراء صدور هذا العهد: البراءة:

1. كان التقليد السائد عند العرب جاهلياً أن يعطي زائر الكعبة ثوبه الذي يدخل به مكة إلى فقير، ويطوف بثوب آخر، وإذا لم يكن له ثوب آخر، فإنّه يستعيره ليطوف به حول البيت، وإن لم يجد طاف عرياناً بادي السوأة، حتى لو كانت إمرأة، فإنّها تطوف عارية بالبيت على مرأى من الناس، وهو الاَمر الذي


1. كان أحدثهم سناً.
2. السيرة النبويّة:2|537؛ السيرة الحلبية:3|216؛ أُسد الغابة:1|216.

(227)

انطوى على نتائج سيئة.

2. كما أنّه بعد انتشار الاِسلام وإظهار قوّته في خلال عشرين عاماً، رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستخدم القوّة لضرب كلّمظاهر الوثنية، على أنّها نوع من العدوان على الحقوق الاِلهية والاِنسانية، فكان لابدّ من استئصال جذور الفساد باستخدام القوّة العسكرية كآخر وسيلة.

3. ثمّ إنّ الحجّ كان أكبر العبادات والشعائر الاِسلامية، فكان على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بتعليم المسلمين مناسك الحجّ على الوجه الصحيح بعيداً عن تأثير أيّ نوع من الشوائب والزوائد، فكان لابدّ من اشتراك النبي ص بنفسه في تعليمهم هذه العبادة بصورة عملية، ولكن بشرط أن تخلو منطقة الحرم ونواحيها من المشركين العابدين للاَصنام، ليصبح الحرم الاِلهي خالصاً للموحدين والعباد الواقعيين.

4. والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحارب لفرض العقيدة لاَنّالعقائد لا تخضع لاَيّ قهر أو فرض، بل انحصر نضاله في القضاء على مظاهر الاعتقاد بالاَوثان، بواسطة هدم بيوت الاَصنام.

ولكلّ ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار أبا بكر بعد أن علمه تلك الآيات من سورة البراءة، ووجه صوب مكة يرافقه أربعون رجلاً، ليتلوها على مسامع الناس يوم عيد الاَضحى، إلاّأنّ جبرائيل (عليه السلام) أخبره «صلى الله عليه وآله وسلم» : «إنّه لا يوَدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» ممّا جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطلب من الاِمام علي (عليه السلام) القيام بهذه المهمة: «إلحق أبا بكر فخذ براءة من يده و إمض بها إلى مكّة و انبذ بها عهد المشركين إليهم، أي إقرأ على الناس الوافدين إلى منى من شتى أنحاء الجزيرة العربية براءة، بما فيها النقاط الاَربع التالية:


(228)

1. لا يدخل المسجد مشرك.

2. لا يطوف بالبيت عريان.

3. لا يحج بعد هذا العام مشرك.

4. من كان له عهد عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو له إلى مدّته، أي يحترم ميثاقه وماله و نفسه إلى يوم انقضاء العهد، ومن لم يكن له عهد ومدّة من المشركين فإلى أربعة أشهر، فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، ويسري هذا ابتداء من اليوم العاشر من ذي الحجّة. ويعني هذا أنّهذا الفريق من المشركين، عليه أن يحدد موقفه من الدولة الاِسلامية، فإمّا الانضمام إليها وترك مظاهر الشرك، و إمّا القتال.(1)

وقد أدرك الاِمام (عليه السلام) أبا بكر في الجُحفة وأبلغه أوامر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فأعطاه الآيات، ورجع أبو بكر إلى المدينةمستفسراً عن سبب موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما أمره جبرائيل (عليه السلام) .

ولم يمض على قراءتها المدّة المعلومة، حتى اعتنق أكثر المشركين الاِسلام، فتم بذلك استئصال جذور الوثنية في أواسط السنة 10 هـ، ويوَكد هذا الموقف على نيّة النبيبالكشف عملياً عن أهلية الاِمام علي (عليه السلام) وصلاحيته للقيام بأُمور الدولة في المستقبل.


1. فروع الكافي: 1|326.


(229)

أحداث السنة العاشرة من الهجرة


1. ورود وفد نجران، و المباهلة

تقع نجران على الحدود بين الحجاز و اليمن، واعتنق أهلها المسيحية، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدكتب إلى أُسقف نجران أبو حارثة يدعوه إلى الاِسلام أو دفع الجزية، أو الحرب بين الطرفين، فتشاور مع رجاله وشخصيات دينية كان من ضمنهم شرحبيل الذي عرف بالعقل والحكمة والتدبير فقال: قد علمتُما وعد اللّه إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوّة. ثمّ اتّفقوا على إرسال وفد منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمّ ستين شخصاً من أهل العلم بقيادة ثلاثة من أساقفتهم:

ـ أبو حارثة بن علقمة: أسقف نجران الاَعظم والممثل الرسمي للكنائس الرومية في الحجاز.

ـ عبد المسيح : رئيس الوفد.

ـ الاَيهم: من الشخصيات المقدّرة عندهم.(1)

وحينما وصلوا المدينة ودخلوا المسجد لمقابلة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في ملابسهم الخاصة من ديباج وحرير وذهب، والصلبان في أعناقهم، انزعج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك فأخبرهم الاِمام علي (عليه السلام)


1. السيرة الحلبية:3|211.

(230)

بأن يضعوا حللهم وخواتيمهم ثمّ يعودوا إليه، فدخلوا من ثمّ على النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي احترمهم وتقبّل هداياهم، ثمّ طلبوا الاِذن بالصلاة ـ أي صلاتهم ـ فأذن لهممدلّلاً بذلك على التسامح الديني الذي تميز به الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والاِسلام.

ثمّ جرت المفاوضات و المناقشات الدينية بينهم و بين النبي ص وخاصة فيما يرتبط بالسيد المسيح، فأوضح لهم النبي ص ما جاء حوله مفصلاً في القرآن الكريم، و أنّه بشر وليس إلهاً ولكنّهم لم يرضخوا لمنطق النبي ودلائله فدعاهم إلى المباهلة بعدما نزلت عليه الآيات: (فَمَنْ حاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِماجاءَكَ مِنَالعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللّهِ عَلى الكاذِبين) .(1)

واتّفق الطرفان على إجراء المباهلة في الصحراء خارج المدينة، فاختار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهله أربعة أشخاص فقط هم: الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والاِمامان الحسن و الحسين «عليهما السلام» فلم يكن غيرهم أطهر نفساً وأقوى وأعمق إيماناً. وفي الموعد المحدد سار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الموقع بأسلوب مميز، فقد احتضن الاِمام الحسين (عليه السلام) وأخذ بيد الاِمام الحسن (عليه السلام) وسارت السيدة الزهراء(عليها السلام) خلفه ، والاِمام علي (عليه السلام) خلفها، وهو يقول: إذا دعوتُ فأمِّنُوا

وكان زعماء الوفد النجراني قد قرروا أنّه إذا خرج النبيبأهله فقط، لم يباهلوه فإنّ ذلك يدل على صدقه وثقته بحاله، فلما شاهدوا ذلك بأنفسهم اندهشوا له، فكيف خرج النبيبابنته الوحيدة وأفلاذ كبده المعصومين للمباهلة،فأدركوا أنّهواثق من نفسه ومن دعوته، إذ لو لم يكن كذلك لما خاطر بأحبائه ولما عرضهم للبلاء السماوي، ولهذا قال أُسقف نجران: يا معشر


1. آل عمران:61.

(231)

النصارى، إنّي أرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الاَرض نصراني إلى يوم القيامة. فاتّفقوا بذلك على عدم أداء المباهلة، واستعدادهم لدفع الجزية سنوياً للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في مقابل قيام الدولة الاِسلامية بالدفاع عنهم.

وجاء عن السيدة عائشة: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يوم المباهلة وعليه مرط ـ كساء ـ مرجّل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة ثمّ علي، ثمّ قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَعَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً).(1)

ويوَكد الزمخشري، أنّ ذلك دليل قويّ على فضل أصحاب الكساء، وبرهان على صحّة نبوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمّا عن وقت حدوث المباهلة، فقد جاء أنّه لا خلاف بين الموَرخين بأنّ كتاب الصلح كتب عام 10هـ وفي يوم 25 من شهر ذي الحجّة.ويذكر السيد ابن طاووس أنّه كان يوم 24 وهو الاَصح، بينما رأى فريق آخر أنّه كان في يوم 21 أو 27 من الشهر نفسه.(2)

وقد جاء عن السيد ابن طاووس قصة المباهلة في كتاب الاِقبال بصورة مفصّلة لم ترد في أيّ كتاب آخر، مشيراً بأنّ محتوياته اقتبست من كتابين:

1. كتاب المباهلة لاَبي الفضل محمّد بن عبد المطلب الشيباني.(3)

2. كتاب عمل ذي الحجّة تصنيف الحسن بن إسماعيل بن إشناس.(4)


1. الاَحزاب:33.
2. الاِقبال:743.
3. يرى النجاشي أنّ له فترتين من الحياة، كان في إحداها موثوقاً به، وفي الاَُخرى لم يكن موثوقاً به.
4. من مشايخ الطائفة الاِمامية، توفي 460هـ ونقل أحاديث المباهلة.

(232)

أما رأينا حول توقيت المباهلة، فإنّ الدراسة العلمية تثبت أنّ الواقعة لم تحدث في شهر ذي الحجّة عام 10هـ، أنّ الرسول ص كان قد توجه إلى مكّة لتعليم مناسك الحجّ في هذه السنة، وفي اليوم 18 من هذا الشهر ـ و هو يوم الغدير، نصب علياً (عليه السلام) في غدير خم(1) خليفة على المسلمين من بعده، ولم تكن حادثة الغدير بالاَمر الهيّن حتى يتابع النبي ص سفره فوراً إلى المدينة، إذ أنّه نصب خيمة جلس فيها الاِمام علي (عليه السلام) ليدخل عليه المهنّئون،واستمر ذلك حتى ليلة 19 من ذي الحجّة، حيث بدأت أُمّهات الموَمنين في التهنئة عند نهاية المراسيم، فلا يمكن لذلك أن يغادر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» غدير خم في يوم 19، نظراً لوجود الكثير من الحجّاج الذين كانوا يودعون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه البقعة.

والشواهد التاريخية توَكد أنّ النظرية المذكورة في توقيت المباهلة لا تحظى بالاعتبار الكافي، فلابدّ لمعرفة زمن الحادثة التي هي من مسلمات القرآن والتفسير والحديث، تحرّي المزيد من التحقيق والدراسة والتقصّي. وأمّا سبب اختيار العلماء للوقت والزمن، فذلك لاَنّ الشيخ الطوسي اختاره استناداً إلى روايات نَقَلها في كتابه، مع وجود رجال غير ثقات ضمن سنده.

وتعتبر قصة مباهلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع وفد نجران من أحداث التاريخ الاِسلامي الجميلة و المثيرة، وإن قصّر بعض المفسرين والموَرخين في رواية تفاصيلها وتحليلها، إلاّ أنّ عدداً من العلماء كالزمخشري في الكشاف، والاِمام الفخر الرازي في تفسيره، وابن الاَثير في الكامل، تناولوها بدقائقها.(2)


1. تبعد عن الجحفة ميلين، والجحفة على 6 أميال من البحر الاَحمر،وتقرب من رابغ الآن، و4 أميال من مكة. أمّا بحساب المقاييس الحديثة فهي تبعد عن مكّة 220 كم. والميل عبارة عن 3 آلاف ذراع، والفرسخ يساوي 9 آلاف ذراع، و قيل إنّ الميل 4 آلاف ذراع،والفرسخ 12 ألف ذراع. و الميل ثلث الفرسخ،والفرسخ يعادل 3 أميال.
2. الكشاف: 1|382؛ مفاتيح الغيب للرازي:2|471؛ الكامل: 2|112.

(233)

كما أنّها وما نزل فيها من القرآن الكريم تعتبر أكبر فضيلة تدعم موقف الشيعة، في الكشف عن مقام ومكانة من باهل بهم رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» والذين يتخذهم الشيعة أئمّة وقادة لهم، فالآية الكريمة اعتبرت الاِمام الحسن والحسين «عليهما السلام» أبناء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي المرأة الوحيدة التي ترتبط بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبّر عن علي (عليه السلام) بأنفسنا، فكان بحكم هذه الآية بمنزلة نفس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أي من حيث الصفات النفسية والموَهلات الروحية.

2. وفود القبائل في المدينة

بعد إعلان البراءة من المشركين والوثنيين في موسم حج 9هـ ارتبكت القبائل فعمدت إلى إيفاد مندوبين عنها إلى عاصمة الاِسلام للحوار والتعرف على الدين الجديد والخضوع للدولة الاِسلامية. وهو ما يكشف عن أنّه في عام 10هـ فَقَد هوَلاء كلَ حصن يمنعهم عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ لم تنته الفترةُ المقررة لاِعلان موقفهم ـ سواء بالرفض أو القبول ـ بعد أربعة أشهر، إلاّوقد دخَلَت كلّمناطق الحجاز تحت راية التوحيد، بالاِضافة إلى سكان اليمن والبحرين واليمامة.

وقد بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن: معاذ بن جبل لينشر دين التوحيد ويشرح لهم التعاليم فأوصاه قائلاً: «يسّر ولا تعسّر، وبشّر ولا تنفّر» إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أن يرسل الاِمام عليّاً (عليه السلام) إلى تلك الجهات ليزيل المشكلات التي تعرقل تقدّم الاِسلام في تلك الديار. ولكن الاِمام (عليه السلام) تواضَعَ في ذلك وقال: يا رسول اللّه تبعثُني وأنا شابٌّ أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ـ أي ما فعلته قبل هذا ـ فضربَ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بيده على صدره و قال: «اللّهم اهد قلبه و ثبّت لسانه» ثمّ أوصاه بوصايا أربع هامة قائلاً: «يا علي أُوصيك : بالدعاء فإنّ معه الاِجابة، وبالشكر فإنّ معه المزيد،


(234)

وإيّاك أن تخفر عهداً أو تعين عليه، وأنهاك عن المكر فإنّه لا يحيق المكر السيّءُ إلاّبأهله، وأنهاك عن البغي، فإنّه من بُغي عليه لينصرنّه اللّه».

وفي اليمن دخلت قبيلة همدان كلّها في الاِسلام في يومٍ واحد، حينما قرأ عليهم كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكتب الاِمام (عليه السلام) بذلك إلى النبيفاستبشر وابتهجَوخَرَّ ساجداً شكراً للّه وقال: «السلام على أهل هَمْدان». وعلى أثر إسلام همدان تتابع أهل اليمن على الاِسلام.(1)

وقد حاولت جماعةٌ من القبائل اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد اتّفق ثلاثة من أفراد قبيلة بني عامر المعروفة بالشر و الطغيان أن يدخلوا المدينة على رأس وفد بني عامر متظاهرين بالتفاوض مع الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» واغتياله غدراً. والثلاثة هم: عامر، أربد، و جبار. وشملت خطتهم أن يتحدث عامر إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الوقت الذي يعد فيه أربد لضربه بالسيف، إلاّ أنّ الوضع لم يجرِ كما خُطِّطَ له، فقد هاب أربد النبيوانصرف عن نيّته، فغضب عامر و هدّد بمحاربة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وغادر المجلس بعد أن دعا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى صاحبه، فاستجاب اللّه دعاءه سريعاً حيث مات في الطريق بمرض الطاعون، واحترق أربد بصاعقة وهو في الصحراء.

3. حجّة الوداع

في عام 10 هـ أمرَ اللّهُ تعالى نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشارك في مراسم الحجّ، ويعلّم مناسكه للناس، ويوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليّاً، كما يقوم بإزالة كلّما ارتبط بها من زوائد طيلة السنوات


1. الكامل: 2|305؛ بحار الاَنوار: 21|360.

(235)

الماضية، ويعيّن حدود عرفات ومنى و يوم الاِفاضة منها. ولذلك فقد تهيّأ عددٌ كبير من المسلمين لمرافقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الرحلة المباركة، فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة يوم 26 من ذي القعدة حتى بلغ ذي الحُليفة ـ قرب مسجد الشجرة ـ فأحرم ودخل الحَرم ملبّياً: «لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحَمدَ والنعمة لك والملك لبيك، لا شريك لك لبيك» وهو نداء إبراهيم (عليه السلام) . وكان يكرّر التلبية كلّما شاهد راكباً أو علا مرتفَعاً من الاَرض أو هبط وادياً، وعندما شارف مكة قطع التلبية. فدخل مكّة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجّة متوجّهاً نحو المسجد الحرام رأساً، ودخله من باب بني شيبة وهو يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على إبراهيم (عليه السلام) ، فبدأ من الحَجَر الاَسود فاستلمه أوّلاًً(1) ثمّ طاف سبعة أشواط حول الكعبة المعظمة، ثمّصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ثمّتوجه نحو الصفا والمروة للسعي بينهما، ثمّ التفت إلى حُجّاج بيت اللّه الحرام وقال: «من لم يسق منكم هدياً فليحلّوليجعلها عمرة (أي فليقصّر فيحل له ما حرم عليه الاِحرام) ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».

إلاّ أنّ البعض منهم كره أن يحل إحرامه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مُحرم، فأمرهم بتنفيذ ما قال: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما أمرتكم». أي أنّني لو كنت أعلم بالمستقبل وعرفت موقف الناس المتردد وخلافهم هذا من قبل، لما سقت الهدي، وفعلتُ ما فعلتموه، ولكن ما العمل وقد سُقتُ الهديَ فلا يمكنني الاِحلال من الاِحرام حتى يبلغ الهديُ محلّه. فمن


1. استلمه يعني مسح الحجر الاَسود باليدين قبل الشروع بالطواف، واستلامه نوع من تجديد الميثاق مع الخليل إبراهيم (عليه السلام) والعمل على نصرة عقيدة التوحيد على نحو ما فعل إبراهيم (عليه السلام) . وقد اعتمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المدنية مرّتين، واحدة في عام 7هـ و الاَُخرى عام 8 هـ بعد فتح مكة، فهذه كانت ثالث عمرة له مع الحجّ.

(236)

الواجب عليّأن أبقى في إحرامي، أي أنحر هديي بمنى كما أمر اللّه سبحانه و تعالى، وأما أنتم فمن لم يسق الهدي منكم فإنّ عليه أن يحلّإحرامه، واحسبوها عمرةً ثمّ احرموا للحجّمرّة أُخرى.

وقد كره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال فترة الحجّ أن يمكث في دار أحد، ولذا فإنّه كان يأمر بضرب ـ أي بإعداد ـ خيمة له خارج مكّة. وقصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفات في اليوم الثامن من ذي الحجّة عن طريق منى التي توقّف فيها إلى طلوع الشمس من اليوم التاسع، فركب بعيره نحو عرفات، ونزل في خيمة أُعدَّت له في نمرة، وألقى هناك خطاباً تاريخياً هاماً وهو على ناقته، في جموع بلغت 100 ألف.

وبدأ خطابه قائلاً: «أيّها النّاس اسمعوا قولي واعقلوه، فإنّي لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، أيـّها النّاس، إنّ دماءَكم وأموالكم ـ وأعراضَكم ـ عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا وكحرمة بلدكم هذا، وكحرمة يومكم هذا».

وقد ألغى في هذا الخطاب عادات الثأر الجاهلية المشوَومة بادئاً بأقربائه، مثل الانتقام، والخيانة، أي أداء الاَمانة، والربا، كما استوصى بالنساء خيراً.

«وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً كتاب اللّه وسنّة نبيّه. والمسلمُ أخو المسلم، والمسلمون إخوة، ولا نبي بعدي ولا أُمّة بعدكم. ألا كلّشيء من أمر الجاهلية موضوعٌ تحت قدمي».

ثمّ سار بعد الغروب إلى المزدَلَفة، ووقف فيها من الفجر إلى طلوع الشمس، وتوجه في اليوم العاشر إلى منى وأدّى مناسكها، ثمّتوجه نحو مكّة لاَداء بقية المناسك.

وكان الاِمام علي (عليه السلام) يومذاك في اليمن، فعلم بتوجّه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى مكّة، فخرج مع جنوده للمشاركة في الموسم واصطحب


(237)

معه شيئاً من بز اليمن وحريرها أخذها جزية من أهل نجران. وبعد أن أدّى مناسك العمرة، رجع الاِمام (عليه السلام) إلى جنوده حسب ما أمره الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» فوجد أنّ نائبه الذي عينه أثناء غيابه قد وزّع على كلّ فرد منهم حلّة من البز، كان يريد تسليمها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فطلب منهم ردّها مع الاَشياء الاَُخرى من جزية أهل نجران.

4. الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

هل الخلافة منصبٌ تعييني أو انتخابي؟ يرى الشيعة أنّ القيادة منصب تعييني فيه نصٌّ،فلابدّ أن يتعيّن خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جانب اللّه سبحانه و تعالى، بينما يرى أهلُ السنّة أنّها منصب انتخابي جمهوري، أي تقوم الاَُمّة هي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باختيار فرد منهم يتولّى إدارة البلاد. و لكلّ من الاتّجاهين دلائل ذكرها أصحابها في الكتب العقائدية.

إنّ الظروف السائدة في تلك الفترة حتمت بأن يعيّن النبي ص خليفةً له، وذلك لما كان عليه الوضع من تهديد العدو للدولة الاِسلامية، فأوجب مواجهة الاَخطار الخارجية بتعيين قائدٍ سياسىٍّ يمكنه السيطرة على الوضع، كما أنّ خطر حزب النفاق كان لا يزال له دوره في تقويض دعائم الكيان الاِسلامي داخلياً، وقد بيّن دورهم التخريبي وخطرهم الاَكيد، القرآن الكريم في عدّة سور.

ولذا فإنّه مع وجود تلك الاَخطار الخارجية والداخلية، التي كانت تنتهز الفرص للقضاءعلى الدولة الاِسلامية الحديثة، فإنّه كان لابدّ من تعيين قائد ديني سياسي، يمكنه القضاء على ما يظهر من اختلاف وانشقاق بعده «صلى الله عليه وآله وسلم» في المجتمع الاِسلامي، ويكون بذلك ضماناً لبقائه واستمراريته.

وبالاِضافة إلى تلك الاَحوال الاجتماعية والسياسية للمسلمين، فإنّ هناك


(238)

روايات وأخباراً أكدت صحّة الموقف والرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة، وثبتت في المصادر المعتبرة، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ على خليفته مراراً، إذ لم ينص على خليفته ووصيه في أواخر حياته فحسب، بل بادر إلى ذلك في بدء الدعوة، وخاصة في الفترة التي أمره فيها سبحانه وتعالى بأن ينذر عشيرته الاَقربين ويدعوهم إلى عقيدة التوحيد، حينما وقف خطيباً في أربعين رجلاً من زعماء بني هاشم:«أيُّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم و قام علي (عليه السلام) وأعلن موَازرته له، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».(1)

وعُرف هذا الحديث بحديث يوم الدار، وحديث بدء الدعوة.

كما أنّ حديث الغدير يُعدّ من أهمّ الاَحداث والوقائع التي توَكّد صراحة على خلافته (عليه السلام) إذ أنّه في الطريق إلى المدينة، بلغ موكب الحجّ العظيم رابغ(2) حيث نزل جبرائيل (عليه السلام) على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بمنطقة تدعى غدير خم و بلغه الآية التالية: (يا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْلَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَمِنَ النّاسِ)(3) وكان ذلك الاَمر هو الاِعلان عن خلافة الاِمام علي (عليه السلام) أمام 100 ألف شاهد.

وقال في خطابه: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً، كتابَ اللّه سببٌ، طرفٌ بيد اللّه، وطرفٌ بأيديكم، فتمسّكوا به؛ والآخر عترتي، وإن


1. تاريخ الطبري:2|216؛ الكامل في التاريخ:2|62.
2. تقع الآن على طريق مكة ـ المدينة، وتبعد عن الجحفة ثلاثة أميال، والتي هي من مواقيت الاِحرام، وتتشعب منها طرق أهل المدينة ومصر والعراق.
3. المائدة:67.

(239)

اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا». ثمّ رفع يَدَ الاِمام علي (عليه السلام) قائلاً: «يا أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه مولاي و أنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.(1) اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبّه، و ابغض من أبغضه، وأدر الحقّ معه حيث دار».

وفي الحقيقة إنّنا قلّما نجد حادثةً تاريخية حظيت في العالم في التاريخ الاِسلامي والاَُمّة الاِسلامية بمثل ما حَظِيَت به واقعة الغدير. فقد استقطبت اهتمام فئاتٍ مختلفة من المحدثين والمفسرين والفلاسفة والكتاب والشعراء والاَُدباء والخطباء وأرباب السير والتراجم، واعتنوا بها أشدّ الاعتناء. و من أسباب خلودها واستمراريتها، نزول آيتين حولها في القرآن الكريم.(2) كما أنّ المسلمين سابقاً والشيعة بصورة خاصة ، اتّخذوا هذا اليوم عيداً ومناسبةً مفرحةً، جعله خالداً حتّى الآن. فقد كان يوم 18 من شهر ذي الحجّة معروفاً بيوم عيد الغدير عندهم، حتى أنّ بعض الموَرخين أرّخوا به بعض الاَحداث، كما أنّ أبا ريحان البيروني والثعالبي، اعتبراه من الاَعياد الاِسلامية.(3)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المهاجرين والاَنصار، ونساءه بالدخول على الاِمام علي (عليه السلام) لتقديم التهنئة له بهذه الفضيلة الكبرى، مثلما ذكر زيد بن أرقم، وأنّ أوّل من صافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلياً: أبو بكر وعمر و عثمان وطلحة والزبير، وباقي المهاجرين والاَنصار


1. كرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لاَيّ التباس.
2. المائدة:67و3.
3. وفيات الاَعيان:1|60؛ الآثار الباقية: 395؛ ثمار القلوب: 511.

(240)

والناس.

كما أنّ 110 صحابياً تناولوا هذه الواقعة التاريخية الهامة بالرواية والحديث، كما رواه أيضاً 89 تابعياً، و 360 شخصاً من علماء أهل الشيعة وفضلائهم، وصحّحه جمع كبير من الآخرين. فقد رواه في القرن 3هـ: 92 عالماً، وفي القرن 4هـ: 44 عالماً، إلى القرن 14 هـ حيث رواه عشرون عالماً. وألّف الطبري في ذلك كتاباً أسماه:الولاية في طرق حديث الغدير روى فيه الحديث عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بـ57 سنداً. كما رواه عدد من علماء الحديث أمثال: ابن حجر العسقلاني، وأبو سعيد السجستاني، والنسائي، وأبو العلاء الهمداني. وبلغ عدد من ألّف رسالة خاصة أو كتاباً مستقلاً حول الواقعة و تفاصيلها 26 شخصاً. أمّا علماء الشيعة فقد تناولوا فيها كتباً و موَلفات قيّمة، أشملُها الغدير الذي كتبه العلاّمة القدير آية اللّه الشيخ الاَميني.(1)

وبعد نزول الآية السابقة، والاِجراءات التي أقدم عليها النبي ص نزلت الآية: (اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً).(2)

فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصوت عال وقال: «الحمد للّه على إكمال الدّين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، وولاية علي بن أبي طالب بعدي». ثمّ قام حسّان ابن ثابت الاَنصاري واستأذن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في أن ينشد أشعاراً بهذه المناسبة.


1. يشتمل على 11 مجلد في 6 آلاف صفحة.
2. المائدة: 3.

(241)

5. المرتدّون من المتنبّئين

في نهاية عام 10هـ قدم نفران من اليمامة وسلّما النبيكتاباً من مسيلمة (الكذّاب) يدّعي فيه النبوة ويُشرِك نفسَه مع رسول الاِسلام في أمر الرسالة، يريد بذلك أن يعرّف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنبوته هذه: فإنّي قد أُشركتُ في الاَمر معك، وإنّ لنا نصف الاَرض، ولقريش نصفُ الاَرض، ولكن قريشاً قومٌ يعتدون.(1) فالتفت النبيّإلى رسولي المتنبىَ و قال: «أما واللّه لولا أنّالرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما لاَنّكما أسلمتما من قبل و قبلتما برسالتي فَلِم اتبعتما هذا الاَحمق وتركتما دينكما ؟».

ثمّ كتب (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه كتاباً مقتضباً: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب السّلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّ الاَرض للّه يورثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين».(2)

كما ادّعى النبوة في نفس الوقت، الاَسود بن كعب العنسي، في اليمن، إلاّ أنّ الخلفاء من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تمكّنوا من القضاء على تلك الحركات المرتدة، إذ أنّها كانت أوّل أعمال الخلفاء الراشدين.

6. الاَخطار الخارجية

وكان خطرُ الروم أشدَّ الاَخطار الخارجية، فاعتبره النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أمراً جدّياً لا يمكن التقليل من شأنه، ولذا فإنّه أعدّ جيشاً كبيراً في(سنة


1. لم يبدأ كتابه باسم اللّه أو مثل ما كان يفعله المشركون في العهد الجاهلي.
2. السيرة النبوية:2|600.

(242)

8هـ) لمحاربتهم، كما سار إلى تبوك في (سنة9هـ )لاِظهار قوّة المسلمين أمامهم. ثمّ رأى بعد حجّة الوداع أن يُعدَّ جيشاً من المهاجرين والاَنصار، واشترك فيه أشخاصٌ بارزون في الدولة أمثال: أبي بكر وعمر وأبي عبيدة و سعد بن أبي وقاص، وكلّ من هاجر إلى المدينة خاصّة، وأمر بقيادته: أُسامةَ بن زيد، وقال له: «سِر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيلَ، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحاً وشنّ الغارة على أهل أُنبى».(1)

وقد أرادَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيين قائد صغير السنّ على هذا الجيش الكبير، أن يوَكّد أساس الكفاءة الشخصية في تولّي المناصب والمسوَوليات، فهي لا ترتبط بالسن والعمر، بل بالكفاءة والموَهلات المطلوبة.

ولذا فإنّه لم يكن هناك مبررٌ لاعتراض البعض على تولّي قيادته من حيث السنّ وعمر الشباب.(2)

ذلك أنّ هوَلاء غفلوا عن المصالح و الاَهداف التي توخّاها الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» من هذا الاِجراء، فقدّروا كلَّ عمل بعقولهم المحدودة، و قايسوها بمقاييسهم الشخصية، ممّا أثر ذلك في تأخير تحرك الجيش من معسكر الجرف(3)،

ر الذي استقر به أُسامة منتظراً من سيلحق به من المسلمين.


1. أنبى، من مناطق البلقاء في سوريا قرب موَتة بين عسقلان و الرملة.
2. ذهب بعض إلى أنّه كان في عمر 17 سنة، و آخرون بأنّه كان في 18 سنة، على أنّهم اتّفقوا على أنّه لم يتجاوز العشرين.
3. الجرف: على بعد 3 أميال من المدينة نحو الشام.

(243)

7. مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

وبعد يوم من إعداد الجيش السابق، مَرِض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصداع شديد تركه طريحَ الفراش، وهو المرض الذي قضى فيه «صلى الله عليه وآله وسلم» .وقد علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهناك من تخلّف عن الجيش، ومن يعرقل التوجه إلى موقعه، ومن يطعن في قيادة أُسامة، فغضب لذلك بشدّة وخرج معصّباً جبهته إلى مسجده، يحذرهم من عواقب أعمالهم غير السليمة وخاطبهم بقوله:

«لئن طَعنتم في إمارتي لاَُسامة، فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيمُ اللّه كان للاِمارة خليقاً، وأنّ ابنه من بعده لخليق للاِمارة، وإنَّه كان لمن أحبّ الناس إليّ، واستوصُوا به خيراً فإنّه من خياركم».

ونظراً لاَهمية هذا الجيش، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول و هو في الفراش: «جهّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ اللّهُ من تخلّف عنه».(1)

وفي الوقت الذي استعدّ فيه أُسامة وآخرون من المهاجرين والاَنصار للسير نحو الجرف، انتشر بينهم خبرُ تدهورِ صحّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّاجعلهم يعدلون عن قصدهم حتى يوم الاِثنين، إلاّ أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» حثّه على الخروج قائلاً: «اغدُ على بركة اللّه».(2) فتهيّأ الجيشُ للتحرّك والمغادرة، إلاّ أنّ خبر احتضارالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم يعودون إلى المدينة متجاهلين أوامرَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد ذكر الموَرخون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في الليلة التي توفّي في صبيحتها، مع الاِمام علي (عليه السلام) إلى البقيع مع عدد آخر، فقال


1. الملل و النحل:1|23؛ طبقات ابن سعد:2|190.
2. طبقات ابن سعد:2|190.

(244)

لهم: «إنّي أمرت أن استغفر لاَهل البقيع»، و عندما وصل إلى المكان سلّم على أهل القبور قائلاً:

«السّلامُ عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه، أقبَلَت الفتن كقِطَع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أوّلها». ثمّ التفت إلى الاِمام علي (عليه السلام) و قال:

«يا علي، إنّي خيـّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربّي والجنّة. إنّ جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن كلّسنة مرّة، وقد عرضه عليّ العام مرّتين،ولا أراه إلاّلحضور أجلي».(1)

8. وفاة ابنه إبراهيم

وفي هذه السنة، و بعد 18 شهراً من ولادته، توفّي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فحزن عليه. و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فَقَد خلال السنوات الماضية، ثلاثة من أولاده: القاسم و الطاهر والطيّب. وثلاثة من بناته: زينب ورقية و أُمّ كلثوم. وبقيت له بنت واحدة هي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من خديجة(عليها السلام) .

واعتبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الحزنَ على الميت رحمةً إذ قال: «إنّما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحَم،ولكن نُهيت عن خمش الوجوه، وشقّالجيوب، ورنّة الشيطان».(2)


1. بحار الاَنوار: 22|466؛طبقات ابن سعد:2|204.
2. السيرة الحلبية:3|310.

(245)

أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة


1. الكتاب الذي لم يكتب

قرر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهدف الحيلولة دون انحراف مسألة الخلافة عن محورها الاَصلي، والحيلولة دون ظهور الاختلاف و الافتراق، أن يعزز مكانة علي (عليه السلام) ويدعم إمارته وخلافته، و أهل بيته، بإثبات ذلك في وثيقة خالدة تضمن بقاء الخلافة في خطها الصحيح.

ففي خلال زيارة بعض الصحابة له أثناء مرضه قال: «إئتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده». فبادر عمر قائلاً: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه.(1) فكثر اللغَط والنقاش حول إحضار ما طلبه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أو عدمه، ممّا أغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع»، وقال ابن عباس: الرزية كلّالرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللّه.(2)

وقد نَقل هذه الواقعة فريقٌ كبيرٌ من محدّثي الشيعة والسنة وموَرخيهم، وتُعتَبر من الروايات الصحيحة. وإذا سأل أحد عن عدم إصرار النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» على كتابة ذلك الكتاب، فذلك لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا


1. الملل والنحل:1|22.
2. صحيح البخاري: 1|22؛ صحيح مسلم: 2|14؛ مسند أحمد:1|325.

(246)

أصرّ على موقفه، لاَصرّ هوَلاء في الاِساءة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصة أنّهم قالوا عنه، أنّه غلبه الوَجَع أو هجر، ثمّ قيامهم بعد ذلك بإشاعة الاَمر بين الناس.

وقد روى ابن حجر العسقلاني، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لاَصحابه وقد امتلاَت بهم الحجرة وهو في مرضه: «أيّها الناس يوشك أن أُقبضَ سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القولَ معذرةً إليكم، إلاّ أنّي مخلفٌ فيكم كتابَاللّه ربّي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي».

ثمّ أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال :«هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، خليفتان نصيران لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما».(1)

ومن الواضح أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفت الاَنظار إلى حديث الثقلين مرّة أُخرى، برغم ما ذكره في مواضع متعدّدة، حتّى يوَكد أهمية الثَّقلين، وتدارك ما فات من كتابة الكتاب الذي لم يوفّق لكتابته.

وفي هذه اللحظات، طلب بعضاً من الدنانير كان قد وضعها عند إحدى زوجاته، وأمر علياً (عليه السلام) ليتصدّق بها.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سُقي دواءً خطأً في علاجه،فقد تخيلت «أسماء بنت عميس» أنّ مرضَه ـ ذات الجنب ـ تعلمت علاجه من عقار مركب من نبات وأعشاب من الحبشة، إلاّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عَلِمَ بالدواء، ذكر بأنّ مرضه ليس ذات الجنب.

2. اللحظات الاَخيرة

في هذه الفترة الحرجة، كانت السيدة الزهراء(عليها السلام) تلازم فراش


1. الصواعق المحرقة ، : 57، باب 9؛ كشف الغمّة: 43.

(247)

والدها (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تفارقه لحظة، وفجأة طلب منها أن تقرب رأسها إلى فمه ليحدّثها، فراح يكلّمها بصوت خفيفٍ لم يُعرَف،ولكن الزهراء(عليها السلام) بكت بشدّة، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشار إليها مرّة أُخرى فحدّثها بشيء آخر، فرحت به وتبسمت مستبشرة. ولم تكشف عن ذلك إلاّ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على إصرار عائشة: «أخبرني رسول اللّه ص أنّه قد حضر أجلُه وأنّه يُقبَض في وجعه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به فضحكت».(1)

وفي آخر لحظة من حياته الشريفة طلبَ الاِمام عليّاً (عليه السلام) قائلاً: «أُدعوا لي أخي». فعرف الجميع بأنَّه يريد عليّاً (عليه السلام) فدعَوا له عليّاً، فقال له: «أُدن منّي فدنا منه، فاستند إليه فلم يزل مستنداً إليه يكلّمه».

وسأل رجل ابن عباس: هل توفّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حِجر أحد؟ قال: توفّي وهو مستند إلى صدر علىٍّ،وهو الذي غسَّله وأخي الفضلُ بن عباس.

وقيل إنّ آخر جملة نطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي:«لا، إلى الرفيق الاَعلى». فكأنّ ملك الموت خيّره عند قبض روحه الشريفة في أن يصح من مرضه أو يلبّي دعوة ربّه، فاختار اللحاق بربّه.

وسأل كعب الاَحبار عن آخر كلمة قالها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الاِمام علي (عليه السلام) : أنّه قال: الصلاة الصلاة.

وقد ترك الدنيا (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين 28 صفر، فَسُجّي ببرد يماني، ووُضع في حجرته بعض الوقت، وارتفعت صرخات العيال، وعلا بكاء الاَقارب، وانتشر نبأ وفاته في كلّأنحاء المدينة التي تحولت إلى مأتم كبير.

وقام الاِمام علي (عليه السلام) بغسل جسده الشريف وكفّنه، إذ أنّه كان قد


1. طبقات ابن سعد:2|263؛ الكامل في التاريخ: 2|219.

(248)

ذكر: «يغسّلني أقربُ الناس إليّ». وصلّى عليه مع المسلمين، وتقرر دفنُه في حجرته المباركة. وحفر قبره أبو عبيدة بن الجراح وزيد بن سهل، ودفنه الاِمام علي (عليه السلام) يساعده الفضل بن العباس.

و لمّا فرغ الاِمام (عليه السلام) من غسله (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف الاِزار عن وجهه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال والدموع تنهمر من عينيه: بأبي أنت و أُمّي، طبتَحيّاً وطبتَميّتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوة والاَنباء. ولولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع، لاَنفدنا عليك ماءَ الشوَون، ولكان الداءُ مماطلاً، والكمَدُ محالِفاً وقلاّ لك، ولكنّه ما لا يُملَك ردّه ولا يستطاع دفعه! بأبي أنت و أُمّي أُذكرنا عند ربّك واجعلنا من بالك».(1)

وهكذا غربت شمس أعظم شخصية غيّرت مسار التاريخ البشري بتضحياته الكبرى وجهوده المضنية، وأعظم رسولٍإلهيٍ فتح أمام الاِنسانية صفحات جديدة ومشرقة من الحضارة والمدنية.

ومن هنا فإنّنا نختم حديثنا هذا بالشكر للّه تعالى على هذه النعمة الكبرى، والحمد للّه ربّالعالمين.(2)

جعفر السبحاني

قم المقدّسةالحوزة العلمية

شعبان المعظم 1390هـ




1. نهج البلاغة: خطبة رقم 235.
2. تمّ تدوين هذه المحاضرات وتوثيقهاوتحقيقها في شهر شعبان المعظم عام 1409هـ في مدينة قم. جعفر الهادي.


(249)

الفصل العاشر

حكايات وروايات موَثرة
جاء ذكرها في الكتاب



(250)



(251)

العادات و التقاليد في جزيرة العرب قبل الاِسلام

وأد البنات

متى بدأت عادة وأد البنات؟ وقد تأكّد أنّ بني تميم هي أوّل قبيلة أقدمت على هذه الجريمة النكراء، حينما امتنعوا عن دفع الضرائب لمَلِكِ الحيرة النعمان بن المنذر، فحاربهم واستولى على أموالهم ونسائهم، فكلّموه في إرجاع نسائهم،فقرر أن تختار المرأةُ نفسها العودة أو البقاء، فاختار بعضهن البقاء وعدم العودة إلى أهاليهن،وخاصة بنت قيس بن عاصم الذي نذر أن يدسّ كلَّ بنت تُولد له منذ ذلك الوقت. فسنّبذلك لقومه وأد البنات، وأخذتها بقية القبائل.

وقد سأل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قيساً عن عدد البنات اللائي وأدهن في الجاهلية فقال: اثنتا عشرة بنتاً له، بل قيل أكثر من ذلك!!

وروى عن ابن عباس، أنّ الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرةً فمخضت رأسها فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا كان ولداً حبسته!!

موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخرافات التي سادت الجزيرة العربية


كافَح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الخرافات والاَساطير والاَفكار الفاسدة الباطلة، فلمّا مات إبراهيم ابنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حزن عليه و


(252)

بكى بشدّة، في الوقت الذي حدث كسوف للشمس، فذهب المولعون بالخرافات على عادتهم إلى ربط هذه الظاهرة بموت إبراهيم، على أنّه دليل على عظمة المصاب، فقالوا: انكسَفَت الشمس لموت إبراهيم ابنِ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صعد المنبر فقال: «أيّها النّاس إنّالشمسَ والقمر آيتان من آيات اللّه يَجريان بأمره ومطيعان له لا ينكسفان لموتِ أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلّوا».

ثمّ نزل فصلّى صلاة الكسوف وهي صلاة الآيات.(1)

الحالة الاجتماعية في إيران الساسانية

يذكر الشاعر الفارسي: الفردوسي قصة وقعت في العهد الذهبي للدولة الساسانية، تتناول التعليم، وخاصّة ما يتعلّق بتعليم الفقراء و حرمانهم من اكتساب الثقافة، فقد وصل الحال السيّء للدولة أن رغبت في أموال كثيرة تكفي نفقات الحروب المستمرة، لاِعداد 300 ألف مقاتل، فاستدعى الملك أنوشروان وزيره بزرجمهر يطلب مساعدته في توفير المال اللازم، فاقترح عليه بتحصيلها عن طريق القروض الشعبية، فأرسل مندوبيه إلى المدن الاِيرانية لتحصيل المال اللازم من التجار وأصحاب الثروة، وظهر من بينهم رجل حذّاء أبدى استعداده لتحمّل نفقات الجيش بمفرده، بشرط السماح لولده بتحصيل العلم، إلاّ أنّ الملك غضب على الوزير ونهره قائلاً: دع هذا، ما أسوأ ما تطلبه، إنّ هذا لا يكون، لاَنّ ابن الحذّاء بخروجه من وضعه الطبقي يهدم التقليد الطبقي المتَّبع فينفرط عقد الدولة، ويكون ضررُ هذا المال علينا أكثر من نفعه، وشرّه أكثر من خيره.


1. بحار الاَنوار: 91|155.

(253)

ويستمر الفردوسي في شرحه لهذا الوضع عن لسان أنوشروان: إذا أصبح ابن الحذّاء عالماً وكاتباً، فإنّه عندما يجلس ولدُنا في الحكم واحتاج إلى كاتب فإنّه سيضطر إلى تعيين ذلك الولد، وهو من عامة الشعب ومن أبناء الطبقة الدنيا، في حين جرت العادة أن نستعين بأبناء الاَشراف والنبلاء. وإذا حصل هذا الحذّاء على العلم والمعرفة حصل على عيون بصيرة، وآذان سميعة، فيرى ما يجب ألاّ يراه،ويسمع ما يجب ألاّ يسمعه، فتحدث الحسرة والاَسف لاَبناء الملوك بعدئذ!!

وبذا فإنّ الملك رفَضَ طلبه وأعاد ماله إليه. وهذا الملك هو ما يصفه البعض بالعدل «أنوشروان العادل»مع أنّه لم يحل المشكلة الثقافية في مجتمعه، كما ذكر عنه، أنّه دفن في القبور أحياء ما يقرب من 80 ألفاً ومائة ألف فرد، خلال فتنة مزدك، التي اندلعت بسبب الظلم الاجتماعي والتمايز الطبقي واحتكار الثروات والمناصب، وحرمان أكثرية الشعب من حقوقها الاَوّلية.

ومن هنا يظهر بطلان الحديث المروي عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» :«وُلدتُ في زمن الملك العادل أنو شروان».

وقد ذُكر الكثير عن البذخ والترف في البلاط الساساني، من كثرة المجوهرات والاَشياء الثمينة والرسوم، سَحرت العيون وخلبت الاَلباب. وممّا اشتهر منها، سجادة بيضاء كبيرة فرشت في إحدى الصالات، واسمها: بهارستان كسرى، إذاجلسوا عليها وقت الشراب وتعاطي الخمر، فكأنّهم كانوا جالسين في حدائق ورياض. صنعت أرضيتها من الذهب و وشيها بفصوص وجواهر وحرير، وكانت 60*60 ذراعاً، وقيل 150*70 ذراعاً، ومنسوجة من خيوط الذهب والمجوهرات الغالية!!

وممّا قيل عن كسرى خسرو برويز، أنّه جمع الاَموال مالم يجمع مثله من


(254)

الملوك، إذ كان أرغب الناس في اقتناء الجواهر واللآلىَ و الاَواني.

حفر زمزم

نَزَلت عندها قبيلة جُرهم التي رأست مكّة لسنين طويلة، وتستفيد من مياه العين. إلاّ أنّه بعد تفشي المفاسد والشهوات فقد جفّت العين. وعندما هددت خزاعة جرهم، أمر زعيمهم بإلقاء الغزالين الذهبين والسيوف الغالية المهداة إلى الكعبة، في مقر زمزم و ملئها بالتراب، حتى لا يستولي عليها خصومُه، ومتى عاد إلى مكّة استخرج الكنز واستفاد منه. إلاّ أنّ قتالاً نشب بين الطرفين، فاضطرت جرهم وأبناء إسماعيل مغادرة مكة إلى اليمن دون الرجوع إليها ثانية، فتزعم مكة: خزاعة، ثمّ سيطر عليها قصيّ بن كلاب، حتى عبد المطلب الذي ترأسها وقرر حفر بئر زمزم، التي لم يُعرَف موقعها إلاّ بعد بحث طويل، كما أنّالآخرين رَفَضوا انفراده بالحفر، طالبين الاشتراك معه في ذلك، ليحصلوا على الفَخر مثله فقالوا: إنّها بئر أبينا إسماعيل، وإنّ لنا فيها حقّاً فأشركنا معك، إلاّ أنّ عبد المطلب أصر على أن ينفرد في ذلك، حتى يمكنه بعد ذلك أن يسبّل ماءها فيسقي منها جميع الحجاج دون أن يتاجر بها.

ولما طال النزاع بينهم قرروا التحاكم إلى كاهن من العرب سكن ما بين الحجاز والشام. وفي الطريق أصابهم عطشٌ شديدٌ وأيقنوا بالهلاك، ففكروا في كيفية دفنهم إذا هَلكوا وماتوا، فاقترح عبد المطلب أن يحفر كلّ واحد حفيرته، فإذا مات دفنهُ الآخرون، فلا تبقى أجسادُهم طعمة للوحوش والطيور. فقاموا بذلك وانتظروا الموت. إلاّ أنّ عبد المطلب صاح فجأة يحثهم على البحث عن الماء في الصحراء بصورة جماعية، ممّا كان له الاَثر في ظهور عين عذبة أنقذتهم من الموت المحقق، فعادوا من حيث جاءوا وقالوا لعبد المطلب:


(255)

«واللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبداً، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً».

وخلال الحفر عثر على الغزالين والسيوف المرصَّعة، ممّا سبّب نزاعاً آخر بينه و بين قريش، التي اعتبرت نفسها شريكةً في هذا الكنز. فتقرر اللجوءُ إلى القرعة لحلّالمشكلة، فخرجت القرعةُ باسم عبد المطلب، فأصبَحت الاَشياء إليه، فصنع من السيوف باباً للكعبة، وعلّق الغزالين فيها.

الوفاء بالعهد والنذر

(1)

نذر عبد المطلب إذا رزقه اللّه عشرة أولاد، أن يقدّم أحدهم قرباناً للكعبة دون أن يخبر أحداً بذلك، وقد حصل ما أراد، فكان لابدّ من الوفاء بالنذر، فشاور أبناءَه بالاَمر فوافَقوا على أن يختار أحدَهم للذبح عن طريق القرعة. وتمت القرعة فأصابت عبد اللّه والد الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه إلى مكان الذبح. و حينما علمت قريش بذلك، حَزِنوا وبكوا وخاصة الشباب منهم، فاقترحوا أن يفدى عبداللّه، وأظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز لك. وبعد أن تحيّر في هذا الموقف الصعب، اقترح عليه أحدُهم: لا تفعل وانطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلاً. فوافقوا على ذلك. فتوجهوا نحو يثرب لملاقاة الكاهن الذي سألهم: كم ديةُ المرء عندكم؟ قالوا: عشرة من الاِبل. فقال: ارجعوا إلى بلادكم وقرّبوا عشراً من الاِبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم ـ أي عبد اللّه ـ


1. القصة جديرة بالاهتمام، في أنّها تجسد مدى إيمان عبد المطلب وقوة عزمه وصلابة إرادته وإصراره على الوفاء بعهده والالتزام به.

(256)

القداح، فإن خرجتِ القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الاِبل، فانحروها فقد رضى ربّكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداءً.

فأجروا القرعةَ في مكّة في جماعة من الناس،وزادوا عشراً عشراًحتى إذا بَلَغَ عدد الاِبل مائة خرجت القِداح على الاِبل ونجا عبد اللّه من الذبح، ففرحوا ونحرت الاِبل.(1)

قضايا عجيبة في فترة طفولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أرادت حليمة السعدية أن ترضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حضور أُمّه، ففتحت جيبها وأخرجت ثديها الاَيسر، ووضعت الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في حجرها لترضعه، فترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثديها الاَيسر ومال إلى الثدي الاَيمن الذي كان جهاماً ـ أي خالياً من اللبن و لم يكن يدرّ به ـ فغيّرت الثدي إلى فمه، خوفاً من ألا يجد فيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» شيئاً فلا يأخذ بعده الاَيسر، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصرّ على مصّ الثدي الاَيمن، ولما استلمه امتلاَ وانفتح، فأدهش الجميع.

وتذكر حليمة أيضاً تلك البركة التي لحقتها وقومها بسبب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قائلة: إنّ البوادي أجدبت وحملنا الجهد على دخول البلد، فدخلتُ مكّة مع نساء بني سعد، فأخذتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فعرفنا به البركة والزيادة في معاشنا حتى أثرينا وكثرت مواشينا وأموالنا.

وقد احترمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجلَّها بعد سنوات عندما كبر، وحينما قدمت إليه في سنوات الجدب والقحط تزوره، احترمها وأكرمها


1. نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:« أنا ابن الذبيحين». الاَوّل: إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» ، والثاني: أبوه. بحار الاَنوار: 12|123.

(257)

وفَرَش رداءه تحت قدميها، واصغى لها.

ولما شكت حالها وهلاك مواشيها، طلب (صلى الله عليه وآله وسلم) من السيدة خديجة(عليها السلام) أن تعطيها بعيراً و 40 شاة، فانصرفت مسرورةً.

وقيل، أنّها جاءته مرّة فلما دخلت عليه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :« أُمّي أُمّي».(1)

رأي قريش في القرآن

كان القرآن من أكبر وأقوى أسلحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إخضاع أساتذة الفصاحة والبلاغة أمام حلاوة كلماته وعباراته القوية، فاعترفوا بأنّ حديثه لم يعرفه البشرُ من قبل ولم يعهد له التاريخ الاِنساني نظيراً. وربما أدت جاذبيته وتأثير حديثه إلى انهيار قوّة الاَعداء.ومن تلك النماذج:

الوليد بن المغيرة، الذي كانت العرب ترجع إليه في حلّمشكلاتهم، فطلبوا رأيه في حلّ مشكلة قوّة انتشار الاِسلام، والقرآن، هل هو سحرٌ أم كهانةٌ أم حديث إنسان؟ فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أنشدني شعرك. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما هو بشعرٍ ولكنّه كلام اللّه الذي بعث أنبياءه ورسله». وقرأ عليه سورة «الرحمن» فاستهزأ وقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمان. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا ولكنّي أدعوا إلى اللّه وحده الرحمن الرحيم». ثمّ افتتح سورة حم السجدة وبلغ إلى قوله تعالى: (فَإِنْ أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فاقشعر جلدُه ، وقامت كلّشعرة في رأسه ولحيته، فمضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش.

فقالت قريش: يا أبا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمّد، أما تراه لم


1. وتنسب حليمة إلى سعد بن بكر بن هوازن. وهي ابنة أبي ذوَيب،وزوجها الحارث بن عبد العزى.

(258)

يرجع إلينا و قبل قوله ومضى إلى منزله. فاغتمت قريش وسارإليه أبوجهل قائلاً: يا عمّ نكسّت روَسَنا وفضحتنا، صبوتَ إلى دين محمّد؟ فقال: ما صبوتُ وإنّي على دين قومي وآبائي، ولكنّي سمعت كلاماً صعباً تقشعرّمنه الجلود. فقال أبو جهل: أشعرٌ هو؟

ـ ما هو بشعر.

ـ فخطب هي؟

ـ لا و إن الخُطَب كلام متصل. وهذا الكلام منثورٌ لا يشبه بعضه بعضاً... له حلاوة.

ـ فما هو؟ قال: قولوا، هوسحر فإنّه آخذ بقلوب الناس.

فأنزل اللّه سبحانه و تعالى فيه: (ذَرْني وَمَنْ خَلقت وَحيداً...) .(1)

كما حاول عتبة بن ربيعة وهو من كبراء قريش وأشرافها أن يثني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجهر بدينه، فكلّمه وطمّعه في المال و الجاه والشرف، فأسمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) آياتٍ من سورة فصّلت:(بِسمِ اللّه الرَّحمن الرّحيم: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ* كِتابٌ فُصِّلَت آياتُهُ قُرآناً عَربيّاً لِقَومٍ يَعْلَمُونَ* بَشيراً وَنَذِيراً فَأَعرَضَ أَكْثَرهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون* وَقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إليه) (2)

فسمع وبقي صامتاًحتى انتهى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ،فقام إلى أصحابه وقد تغيّرت ملامحه، فقال بعضهم: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فقالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: سمعتُ قولاً واللّه ما سمعتُ مثله قط. واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها


1. المدثر:11ـ30.
2. فصّلت:1ـ5.

(259)

بي وخلوّا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللّه ليكوننّ لقوله هذا الذي سمعت نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يَظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم وكنتم أسعد الناس به.

فانزعجوا وقالوا: سَحَرَك واللّه بلسانه. فقال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.

لماذا عارضت قريش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعاندته؟


1.حسدهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد تمنّوا أن يكونوا هم أصحاب هذا المنصب والمنزلة، إذ جاء في تفسير قوله تعالى: (وقالُوا لَولا نُزِّلَ هذا القُرآنُ على رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتيْنِِ عَظيِم) (1) أنّه: الوليد بن المغيرة، الذي قال: أينزلُعلى محمّد وأترك وأنا كبير قريش و سيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين.

وكذلك أُمّية بن أبي الصلت قال نفس الشيء وتمنّى أن ينال هذا المقام، فلم يتبع النبيّص إلى آخر حياته.

2. انغماسهم وحبّهم للشهوات، حيث كانوا أصحاب لَعْب ولهوٍ وفسق ومُجون، دون أن يقيّدهم في ذلك أيّ أمر، ممّا جعل دعوة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مخالفة لعاداتهم القديمة.

3. الخوف من عقوبات اليوم الآخر، إذ كانت تحدث ضجةٌ كبرى في أوساطهم، فيهدم مجالسَلهوهم وأنسهم، فحاربوه حتى لا يسمعوا تهديده ووعيده، كالآيات:

(فَإِذا جاءَتِ الصّاخَّةُ* يوم يَفِرُّ المَرءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمّهِ وَأَبيه* وصاحِبَتِهِ وَبَنيه*)


1. الزخرف:31.

(260)

لِكُلِّ امْرِىٍَ مِنْهُمْ يَومَئِذٍ شَأْنٌ يُغنِيه) .(1)

4. الخوف من القبائل المشركة، فقد ذكر «الحارث بن نوفل بن عبد مناف» للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّا لنعلم أنّ قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى ونوَمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا، إن تركنا الوثنية التي تدين بها، ويعتبروننا سدنة لاَوثانها، ولا طاقة لنا بها.

عبس و تولّى

رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ إسلام أحد الزعماء وكبار القوم يحل الكثير من المشاكل، ممّا جعله يصرّ على أن يجر الوليد بن المغيرة والد خالد، إلى الاِسلام، إذ كان أكبر سناً في قريش، وأكثرهم نفوذاً وشخصية، حيث دُعي حكيم العرب. فكلّمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم طامعاً في إسلامه، وفي الاَثناء جاء ابنُ أُمّ مكتوم وهو رجل من المسلمين وكان أعمى يكلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستقرئه القرآن، فشقّ ذلك منه على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أضجره، لاَنّه شغله عمّا كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركه، فنزل قوله تعالى: (عَبَسَوَتَوَلّى* أَنْ جاءَهُ الاََعْمى...) .

إلاّ أنّ علماء الشيعة فنّدوا هذه الرواية التاريخية واستبعدوا صدور مثل هذا السلوك عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي امتدحه اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وأنّه ليس فيه ما يدل أنّ الذي عبس و تولّى هو الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» . وقد روى الاِمام الصادق (عليه السلام) أنّ المراد به رجل من بني أُميّة عبس و تولّى، عندما حضر ابن أُمّ مكتوم الاَعمى، عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1. عبس: 33ـ 37.

(261)

فنزلت الآيات توبيخاً له.

أُسطورة الغرانيق

قيل إنّ الاَسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأُميّة بن خلف، والعاص ابن وائل، قالوا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا محمّد هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن و أنت في الاَمر. فأنزل اللّه تعالى: (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُون* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُد) .(1)

ومع ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رغب في أن يساوم قريشاً ويجاريهم، فقال في نفسه: ليت نزل في ذلك أمرٌ يقرّبنا من قريش. وبينما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلوا القرآن في الكعبة، فبلغ قوله تعالى من سورة النجم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالعُزّى* وَمَناةَ الثّالثَةَ الاَُخرى) (2) أجرى الشيطان على لسانه الجملتين الآتيتين: «تلك الغرانيق العُلى منها الشفاعة تُرتَجى». فقرأهما من دون اختيار، ثمّقرأ بعدها من الآيات. ولما بلغ آية السجدة، سَجَد هو و من حضر من المسلمين و المشركين أمام الاَصنام، إلاّ الوليد الذي عاقه كِبـَرُ سنّه عن السجود، ففرح المشركون وارتفعت صيحاتهم: لقد ذَكَر محمّد آلهتنا بخير. فانتشر الخبر بالتقارب والمصالحة بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، ولكنّهم عرفوا بأنّالاَمر تغيّر ثانية، حيث نزل مَلَكُ الوحي على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأمره بمخالفة الاَصنام ومجاهدة الكفّار، وأنّ الشيطان هو الذي أجرى تلك الكلمات على لسانه، فهي ليس من الوحي في شيء أبداً. فنزلت الآيات في ذلك من سورة الحجّ52ـ 54:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاّ إِذا تَمنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ...) .


1. الكافرون:2 ـ 3.
2. النجم: 19 ـ 20.

(262)

هذه الاَُسطورة نقلها الطبري في تاريخه، وردّدها المستشرقون، وهي باطلة تماماً، فالعقل يحكم بأنّ المرشدين الذين يبعثهم اللّه تعالى إلى البشرية، مصونون من أي خطأ وزلل، حتى لا تزول ثقة الناس بهم وبأفكارهم. والقرآن شهد ببطلانها أيضاً فكيف تمكّن الشيطانُ من الانتصار على النبيّ ص وسرّب إلى القرآن شيئاً باطلاً؟ فيصبح القرآن الذي يعادي الوثنيةويحاربها، داعياً إلى عبادتها. والقرآن يوَكّد: ( إنّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطان)(1) (إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).(2)

ولذا فإنّ الحديث باطل لم ينطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

لمحات من تضحيات وحبّ أبي طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

اجتمع أسيادُ قريش وأشرافها في بيت أبي طالب للتحدّث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان متواجداً معهم، وعن دينه والمشكلات السائدة في مكة، ومحاولة إبعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن دعوته، ولكنّهم يئسوا في الحصول على أيّة نتيجة مرضية، فتركوا بيت أبي طالب غاضبين مهددين، وقال عقبة بن أبي معيط: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمّداً.

فَغَضِبَ أبو طالب دون أن يرد عليهم بشيء لاَنّهم كانوا في بيته. وحدث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من بيته في نفس اليوم ولم يعد، فجمع أبو طالب الفتيان من بني هاشم و بني المطلب، وطلب منهم أن يتبعوه إلى المسجد، ويجلس كلُّ واحد منهم إلى عظيم من عظمائهم. فجاء زيد بن حارثة وسأله أبو


1. الحجر:42.
2. النحل:99.

(263)

طالب: يا زيد أحسستَ ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً. فقال أبو طالب :لا أدخلُبيتي أبداً حتى أراه. فخرج زيد سريعاً إلى بيت عند الصفا فيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مع أصحابه وأخبره، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي طالب، فقال له: أين كنت؟ أكنتَفي خير؟ قال: «نعم». قال: أدخل بيتك.

وفي الغد خرج أبو طالب ومعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أندية قريش و قال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فقال للفتيان من بني هاشم و بني المطلب: إكشفوا عمّا في أيديكم. فكشفوا فإذا كلُّ رجل منهم معه حديدة صارمة. فقال: واللّه لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن و أنتم. فانكسر القوم، و كان أبو جهل أشدّهم انكساراً وخيبة.

تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العسكري يوم بدر


يُعتبر الحصول على المعلومات حول العدو، ومعرفة أسراره العسكرية ومدى استعدادته، ومبلغ قوته، ودرجة معنويات أفراده، على أمر من الاَهمية و القيمة، عسكرياً، منذ القدم وحتى اليوم. ولذا فإنّ الجيش الاِسلامي استقر في منطقة لاءمت مبادىَ التستر ومنع أي عمل من شأنه كشف أسراره، كما أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» كلف فرقاً مختلفة بتحصيل وجمع المعلومات عن قريش وأفراد جيشها، حتى توفر لدى القيادة الاِسلامية من المعلومات، كان أهمها:

ـ معرفة نقطة تواجد قريش ومكان قاعدتهم. فقد سأل النبي ص بنفسه، وأحد قواده، شيخاً من العرب عن قريش و محمّد وأصحابه، فقال: إنّ محمّداً وأصحابه خرجوا يوم كذا، فهم الآن بمكان كذا، وكذلك بالنسبة لقريش.

ـ معلومات عن أعدادهم وعتادهم، فقد أرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) الاِمام عليّاً (عليه السلام) والزبير ابن العوام و سعد بن أبي وقاص إلى ماء بدر


(264)

لالتماس الاَخبار، فقبضوا على غلامين وأحضروهما إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي سألهما عن قريش، فقالا: هم و اللّه وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كم القوم وعدّتهم؟» فقالا: لا ندري، هم كثير. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : كم ينحرون كلّ يوم من الاِبل؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال ص:« القوم فيما بين التسعمائة والاَلف. فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأُميّة بن خلف. فقال «صلى الله عليه وآله وسلم» لاَصحابه: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».

ـ معلومات حول القافلة، حيث كلّف (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصين بالتوجه إلى قرية بدر لتقصّي الحقائق عن قافلة قريش. فسمعا عند الماء جاريتين تقول إحداهما للاَُخرى: إنّما تأتي القافلة غداً أو بعد غد، فأعملُ لهم ثمّ أقضيك الذي لك. فقال لها مجدي بن عمرو الجهني: صدقت. ثمّ خلص بينهما.

فعاد الاثنان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبراه بما سمعا. فعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك وقت ورود القافلة ومكان تواجدهم، ممّا مكّنه من الاِعداد والترتيب لملاقاتهم.

وعندما وصل أبو سفيان إلى بدر وسأل مجدي بن عمرو عن محمد ورجاله، أجابه: ما رأيت أحداً أُنكرُه، إلاّ أنّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثمّاستقيا ثمّ انطلقا. فأخذ أبو سفيان من أبعار بعيريهما ففتّه فإذا فيه النوى، فقال: هذه واللّه علائف يثرب، هذه عيون محمّد وأصحابه، ما أرى القوم إلاّقريباً.

فرجع إلى أصحابه، واتّخذ جهة ساحل البحر الاَحمر، مبتعداً عن بدر.


(265)

من أحداث معركة أُحد

1. نفقات الحرب

تحمّل أسياد قريش نفقات المعركة، من اقتراح قدمه«صفوان بن أُميّة» و «عكرمة بن أبي جهل» إلى أبي سفيان بأن يدفع كلّ واحد منهم مبلغاً من المال قائلين: يا معشر قريش، إنّمحمّداً قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا.

وقد أوضح القرآن الكريم موقفهم هذا بقوله: (إِن الّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقونَها ثُمَّ تَكُون عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُون وَالّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون) .(1)

2. مشاركة النساء في الحرب

فقد شاركت نساء مكّة الوثنيات مع الرجال في هذه المعركة على خلاف عادة العرب، وذلك حتى يحرّضن الرجال على القتال و الصمود، ويمنعن المقاتلين من الفرار و الهروب، لاَنّالفرار يعنى أسرهن، ويشعلن الحماس في النفوس بدق الدفوف، وإنشاد الاَشعار المثيرة الداعية إلى الثار.

3. إثارتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

حاول عدد من أفراد قريش، القيام بنبش قبر أُمّ محمّد «صلى الله عليه وآله وسلم» : آمنة بنت وهب، قائلاً :فإنّ النساء عورة، فإن يصب من نسائكم أحد قلتم هذه رمّة أُمّك، فإن كان براً بأُمّه كما يزعم فلعمري ليفادينكم برّمة أُمّه، وإن لم يظفر


1. الاَنفال:36.

(266)

بأحد من نسائكم فلعمري فليفدين رمة أُمّه بمال كثير إن كان بها براً.

إلاّ أنّ أهل الرأي منهم رفض الاقتراح وقالوا: لو فَعَلنا ذلك، نبشت بنو بكر وخزاعة ـ و هم أعداء قريش ـ موتانا.

4. إطلاق الشعارات

تصبح مسألة بث الدعاية السيئة وزرعها في النفوس واستثمارها، سهلة وموَثرة في الاِنسان عند الهزائم وإصابة النكبات، فتصبح أكثر تقبلاً وأيسر تأثيراً.

ولذا فإنّ أبا سفيان أمر برفع الاَصنام والمناداة بأعلى الاَصوات، بعد معركة أُحد: أُعلُ هبل، أُعل هبل. فأدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمق الخطورة من هذا الاَسلوب الموَثر في النفوس، فأمر المسلمين بالاِجابة على ذلك بشعار مضاد قوي، فقال : «قولوا: اللّه أعلى وأجل، اللّه أعلى وأجل». فاستمر أبو سفيان في إطلاق شعاراته المزيفة: نحن لنا العزى ولا عُزى لكم. فردّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عليهم: «اللّه مولانا ولا مولى لكم». فنادى المشركون: يومٌ بيوم بدر. فأجاب المسلمون: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.

5. عن أُميّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى العلاّمة المجلسي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: كان ممّا منّ اللّه عزّوجلّ على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان لا يقرأ ولا يكتب، إلاّ انّه عندما توجه أبو سفيان إلى أُحد، كتب العباس بن عبد المطلب إلى النبي


(267)

(صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره بذلك، فوصله الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة، فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة فأخبرهم عندئذ.(1)

6. التضحية والفداء في سبيل اللّه

وخير من مثلها في معركة أُحد:

*عمرو بن الجموح: كان شيخاً أعرجاً أصيب في رجله، وله من الاَولاد أربعة يشهدون المشاهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأراد الاشتراك في أُحد، ولكنّهم منعوه، فأتى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إنّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فواللّه إنّي لاَرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمّاأنت فقد عَذَرك اللّه ولا جهاد عليك». ثمّ توجّه إلى أبنائه وقومه: «لا عليكم ألا تمنعوه، لعلّ اللّه يرزقه الشهادة». فخرج وهو يقول: اللّهم ارزقني الشهادة ولا تردّني إلى أهلي. وقد حمل على الاَعداء وهو يقول: أنا واللّه مشتاق إلى الجنّة. فاستشهد في المعركة.

* الشاب حنظلة بن أبي عامر: كان له من العمر 24 عاماً، واشترك أبوه في أُحد إلى جانب قريش، حيث كان عدواً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرّض على قتاله، ومعاداة الاِسلام، فهو السبب لما حدث في مسجد ضرار. فكان على الباطل، إلاّ أنّ ابنه حنظلة اتّخذ جانب الحقّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفي يوم المعركة، كان قد أعدّ للزواج بابنة عبد اللّه بن أبي سلول و يقيم مراسيم الزفاف والعرس في ليلة الخروج إلى أُحد، ولكنّه سمع نداء الجهاد فاستأذن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتوقف في المدينة ليلة واحدة حتى يجري مراسيم العرس و يقيم عند عروسته، ثمّ يلتحق بالمعسكر الاِسلامي في الصباح. وقد نزل في ذلك قوله:(إِنَّما الْمُوَْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى)


1. بحار الاَنوار:20|111.

(268)

أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتأذنُوه إِنَّ الّذينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الّذِينَ يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذا استَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنهِمْ فَأْذَن لمن شِئْت مِنْهُمْ) .(1)

وخلال المعارك، استشهد وهو يطارد أبا سفيان، فقال النبي ص: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والاَرض بماء المزن في صحائف من ذهب. فكان يسمّى غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل، ذلك أنّه خرج إلى الحرب وهو جنب.

وكانت الاَوس تعتبره من مفاخرها فتقول: ومنّا حنظلة غسيل الملائكة.

أمّا أبو سفيان فقال: حنظلة بحنظلة. ويقصد حنظلة الغسيل بحنظلة ابنه الذي قتل يوم بدر.

والاَمر الغريب هنا، إنّ العروسين كانا موَمنين متفانيين في سبيل الحقّ، في مقابل والدين من أعداء الرسولص، فعبد اللّه بن أبي سلول والد العروس كان على رأس المنافقين، وأبو عامر الفاسق والد العريس، سمّي في الجاهلية بالراهب لعدائه الشديد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتحق بالمشركين في مكّة، وحرض هرقل على ضرب الحكومة الاِسلامية، وقتل الكثير من المسلمين في أُحد. إلاّ أنّه عندما التقى المعسكران نادى أبو عامر: يا معشر الاَوس أنا أبو عامر، فقد تخيل أنّهم سيتركون نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا شاهدوه، ولكنّهم ردّوا عليه: فلا أنعم اللّه بك عيناً يا فاسق. فتركهم واعتزل الحرب بعد حين.

* أُمّ عمارة

تحدّثت النساء إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن


1. النور:62.

(269)

اشتراكهن في الجهاد: يا رسول اللّه نحن نقوم بكلّ ما يحتاج إليه الرجال في حياتهم ليجاهدوا ببال فارغ، فلم حُرِمنا نحن من هذه الفضيلة؟ فأجاب «صلى الله عليه وآله وسلم» : إنّحُسْنَ التبعّل يعدل ذلك كلّه.مشيراً إلى الاَسباب الطبيعية والعضوية للمرأة. إلاّ أنّ بعضهن خرجن من المدينة لمساعدة جنود الاِسلام، في السقي وغسل ثيابهم وتضميد الجرحى. واشتهرت منهن في أُحد: أُمّ عمارة نسيبة المازنية: التي قاتلت دفاعاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرحت، وقالت تشرح موقفها: أقبل ابن قميئة وقد ولّى الناس عن الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» يصيح: دلّوني على محمّد لانجوت إن نجا. فاعترض له مصعب بن عمير وآخرون، وكنت فيهم فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك عدّة ضربات، ولكنّه احتمى بدرعين كانا عليه. و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر إليّ، فرأى جرحاً على عاتقي، فصاح بأحد أولادي: «أُمّك أُمّك إعصب جرحها»، فعاونني عليه.

وعندما رأت ابنها وقد جرح أقبلت إليه ومعها عصائب أعدّتها للجراح فربطت جرحه،والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر، فقالت لولدها: انهض يا بني فضارب القوم. ممّا أعجب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) باستقامتها وثباتها وإيمانها فقال: «ومن يطيق ما تطيقين يا أُمّ عمارة».

وفي هذه الاَثناء أقبل الرجل الذي ضرب ولدها فقال النبي ص هذا ضارب ابنك. فحملت عليه كالاَسد وضربت ساقه فبرك. ممّا ازداد من إعجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشجاعتها وبسالتها فتبسم وقال: «استقدت يا أُمّ عمارة، الحمد للّه الذي ظفّرك وأقرّ عينك من عدوك».

وبعد المعركة طلبت الانضمام إلى جيش المسلمين الذي سار إلى حمراء الاَسد، ولكن جراحها منعتها من تأدية الغرض، وبعد رجوع النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» سأل عنها فسرّ لسلامتها.


(270)

من أحداث غزوة تبوك

1. قصّة مالك بن قيس

أبو خيثمة: رجع إلى أهله في يوم حار فوجد أنّ المسلمين قد غادروا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تبوك، فدخل عريشاً له،وجد أنّ زوجتيه قد جهّزتا كلّما يحتاج إليه من طعام وماء، فنظر إليهما وفكّر ما فيه الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» وأصحابه من حال سيّء، في أشدّ الحرارة وهم قاصدون جهاد العدو، فقال: رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الشمس و الحر والريح، و أبو خيثمة في ظلّ بارد وطعام مهيأ وامرأةحسناء في ماله مقيم؟ ما هذا بالنصف. لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق بالرسولوالمجاهدين. فخرج طالباً الرسولص فأدركه حين نزل تبوك.

2. تنبوَات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)


عندما وصل جيش الاِسلام إلى أرض ثمود وهم في الطريق إلى تبوك، غطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهه بثوبه واستحثّ راحلته، ليسرع في المرور على بيوتهم وأطلالهم، وقال لاَصحابه: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّوأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم مثل ما أصابهم». كما أنّه نهى عن شرب مائها أو التوضّوَ به للصلاة أو الطبخ. حتى شربوا من البئر التي شربت منها ناقة صالح النبي (عليه السلام) .

وفي تلك الليلة أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه بأن يعقلوا آبالهم، ولا يخرج منهم أحد لوحده بل يخرج مع صاحبه، وذلك لمعرفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأسرار الجو في تلك البقاع. ولما خرج أحدهم فريداً فاختنق لشدة الرياح، واحتملت رجلاً آخر فضربت به الجبل، انزعج ص وقال: «ألم أنهكم أن لايخرج منكم أحد إلاّو معه صاحبه».


(271)

وأصبح الناس دون ماء فعطشوا حتى كاد أن يقطع رقابهم، لدرجة أنّهم شربوا الماء من كروش إبلهم بعد نحرها. فأرسل اللّه سبحانه وتعالى سحابة أمطرت فارتوى الناس.

وحدث أن ضلّت ناقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعض الطريق، فخرج أصحابه في طلبها، فقال أحد المنافقين: أليس محمّد يزعم أنّه نبيّويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ رجلاً قال: هذا محمّد يخبركم أنّه نبي ويزعم أنّه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإنّي واللّه ما أعلم إلاّما علمني اللّه، وقد دلّني اللّه عليها،وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبَستْها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها». فذهب بعض الصحابةوأحضروها.

كما تنبّأ (صلى الله عليه وآله وسلم) بحياة أبي ذر و كيفية موته فقال: «رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده». وقد تحقّقت نبوءته «صلى الله عليه وآله وسلم» بعد 23 عاماً حينما نفي إلى الربذة في الشام، وتوفي هناك وحيداً إلاّ من أهله.

مأساة الدعاة والمبلّغين

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث بمجموعات من المبلغين والدعاة إلى القبائل داعياً لهم إلى التوحيد وإلى الدين الاِسلامي، وقد تألّف هوَلاء من قرّاء القرآن الكريم والعارفين بالاَحكام الاِسلامية والتعاليم النبوية، أبدوا استعداداً تاماً لاَداء مهامهم الصعبة حتى لو كلّفت حياتهم.

ومن القبائل التي تقدمت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تطلب إرسال


(272)

عدد من هوَلاء الدعاة : قبيلتا عضل والقارة: «إنّ فينا إسلاماً فاشياً، فابعث معنا نفراً من أصحابنا يُقْرِئوننا القرآن ويفقهوننا في الاِسلام»، فتكونت جماعة منهم بقيادة: مرثد بن أبي مرثد الغَنوي، ساروا حتى وصلوا ماء الرجيع التي تقطن عنده قبيلة هذيل، فكشفوا عن نواياهم الشريرة بقتلهم والغدر بهم، إلاّ أنّ المبلغين استعدوا للقتال، فقال العدو: ما نريد قتالكم وما نريد إلاّ أن نصيب منكم من أهل مكة ثمناً، ولكم عهد اللّه وميثاقه لا نقتلكم. فردّعليه أحدهم: إنّي نذرت أن لا أقبل جوار مشرك. أو قالوا: واللّه لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً. ولذا فقد قاتلوا القوم قتال الاَبطال فاستشهدوا إلاّ ثلاثة منهم: زيد بن دثنّة، خبيب بن عدي، و عبد اللّه بن طارق البلوي، إذ أنَّهم استسلموا فأوثقوهم،ولكن عبد اللّه ندم على فعله فقاتلهم ثانية حتى قتل فدفن بمر الظهران. أمّا الآخران فباعوهما في مكّة، حيث اشترى صفوان بن أُميّة، زيد بن دثنّة وقتله ثأراً لاَبيه. فقام أوّل شيء بحبسه في الحديد، وكان يتهجد بالليل و يصوم النهار، ثمّ أخرجه إلى التنعيم ليصلبه على مرأى من الناس، فطلب أن يصلي ركعتين، ثمّحملوه على الخشبة وقالوا له: يا زيد إرجع عن دينك المحدث واتّبع ديننا ونرسلك، فيقول: واللّه لا أفارق ديني أبداً.

فقال له أبو سفيان: أنشدك باللّه يا زيد أيسرّك أنّمحمّداً في أيدينا مكانك وأنت في بيتك؟ فقال زيد بشجاعة: ما يسرني أنّ محمّداً أُشيك بشوكة وإنّي في بيتي وجالس في أهلي. فأثّرت كلماته في نفس«أبي سفيان» فقال: ما رأينا أصحاب رجل قطّ أشدّ حبّاً في أصحاب محمّد بمحمد. فصلبوه شهيداً دفاعاً عن العقيدة وحياض الدين.

أمّا خبيب فقد حبسوه فترة من الوقت ثمّ قرروا قتله صلباً أيضاً. فخرجوا به إلى التنعيم، وخرجت جماعة من النساء والصبيان و العبيد ومن أهل مكّة، فقال


(273)

لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. فسمحوا له، ثمّ قال لهم: أما واللّه لولا أن تظنّوا أنّي إنّما طولت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة. فرفعوه على خشبة و قالوا: إرجع عن الاِسلام نخلّسبيلك. فقال: لا واللّه ما أحبّ إنّي رجعت عن الاِسلام وأنّ لي ما في الاَرض جميعاً. فقالوا له: أما واللات والعزى لئن لم تفعل لنقتلنك. فقال: إنّ قتلي في اللّه لقليل. ثمّ صرفوا وجهه عن القبلة ووجهوه نحو المدينة فقال: أمّا صرفكم وجهي عن القبلة فإنّ اللّه يقول: (فَأيْنما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) (1) اللّهم إنّي لا أرى إلاّوجه عدو، اللّهم إنّه ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك السلام عنّي فبلغه أنت عنّي السلام. ثمّ دعا على القوم: اللّهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً. ثمّ دعوا أبناء من قتل ببدر فكانوا أربعين غلاماً، أعطوا كلّواحد منهم رمحاً، وقالوا لهم: هذا الذي قتل آباءكم. فطعنوه برماحهم،فتحرك على الخشبة وصار وجهه نحو الكعبة فقال: الحمد للّه الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه ولنبيّه وللموَمنين. فغضب أحد المشركين: عقبة بن الحارث لتمسكه بالاِسلام وإخلاصه له، فطعنه طعنة قاتلة وهو يوحّد اللّه ويشهد أنّمحمّداً رسول اللّه. وبقي جثمانه فترة على الخشبة بحراسة الكفّار حتى أنزله اثنان من المسلمين الاَشدّاء ودفناه كماأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد أحزن هذا الحادث الاَليم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع المسلمين، وأنشد فيهم حسّان بن ثابت أبياتاً ذكرها «ابن هشام»في سيرته.

إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى

كان زهير بن أبي سلمى من شعراء العرب البارزين في العهد الجاهلي،


1. البقرة: 115.

(274)

وصاحب إحدى المعلّقات السبع التي نصبت في الكعبة وتفتخر بها العرب. وتوفي قبل عصر الرسالة. وكان له ولدين: بجير و كعب. أمّا بجير فقد آمن بالاِسلام ولازم النبي ص وأحبه، بينما عادى كعب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يهجوه في قصائده وأشعاره ويوَلّب الناس على الاِسلام. أمّا النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فكان قد هدد بالقتل بعض الشعراء الذين كانوا يهجونه «صلى الله عليه وآله وسلم» وأهدر دماءهم. فكتب بجير إلى كعب ينصحه: إن كانت لك في نفسك حاجة فَطِر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه لا يقتل أحداً جاءه تائباً. فاطمأنّ لكلام أخيه وتوجه إلى المدينة وقابل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في المسجد وقت صلاة الصبح، فصلّى معه لاَوّل مرّة و جلس إليه و وضع يده في يده والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرفه، فقال: يا رسول اللّه انّ كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نعم». فقال: أنا يا رسول اللّه كعب ابن زهير. ثمّ أخرج قصيدته اللامية التي مدح فيها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنشدها بين يديه في المسجد ليتلافى بها ما سبق أن بدر منه من هجاء و طعن في سيد المرسلينص

وقيل أنّ أحد الاَنصار وثب عليه: يا رسول اللّه دعني وعدو اللّه أن أضرب عنقه. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «دعه عنك فإنّه قد جاء تائباً نازعاً ـ عماّ كان عليه ـ» .

وهذه القصيدة هي من أفضل قصائد كعب، اعتنى المسلمون بحفظها ونشرها منذ ذلك الوقت، كما شرحها علماء الاِسلام كثيراً، وهي تضم 58 بيتاً تنتهي قوافيها باللام المضمومة، ويبدأ مطلعها:

بانَتْ سعادُ فقَلْبي اليومَ متبولُ متيّمٌ إثرهـا لـم يُفـدَ مَكْبُـولُ

و سعاد هي زوجته وابنة عمّه، بدأ بها كعادة شعراء العهد الجاهلي، إلى أن قال:

إَّنَّ الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف اللّه مسلـول


(275)

فأبدله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّالنبي لنور يستضاء به....

وقيل إنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كساه بردة كانت عليه، طلبها معاوية في زمنه، فقال كعب: ما كنت لاَُوثر بثوب رسول اللّه أحداً. فلمّا مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم. ثمّ تداولها حكّام بني أُميّة والعباس بعد ذلك.

إسلام عدي بن حاتم

بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 150 فارساً على رأسهم الاِمام علي (عليه السلام) إلى أرض طيء ليحطم صنم طيء و يهدم بيته، فنجح في مهمته، وفرّ عدي بن حاتم الطائي رئيس القبيلة إلى الشام، ويقول هو في ذلك: «فكنت إمرءاً شريفاً، وكنت نصرانياً، وأسير في قومي بالمرباع ـ أخذ الربع من الغنائم لاَنّه سيدهم ـ وكنت ملكاً في قومي لما كان يُصنع بي. فلمّا سمعت برسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» كرهته فقلت لغلام راعياً لاِبلي: إذا سمعت بجيش محمد قد وطىَ هذه البلاد فآذنّي. ففعل و قال: فإنّي قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمّد. فاحتملت بأهلي وولدي وقلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام،وتركت أُختي في قومي».

وقد ظفر المسلمون بأُخته في سبايا طيء إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي أبلغوه عن هروبه إلى الشام. فوضعوها في مكان بباب المسجد، فكانت تقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما تراه: يا رسول اللّه هلك الوالد وغاب الوافد، فامنُن عليّ منّ اللّه عليك. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :«ومن وافدك؟» قالت: عدي بن حاتم. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :« الفار من اللّه ورسوله». وكررت عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) قولها ثلاث مرّات، فقال لها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثمّ آذنيني». ولمّا قررت السفر مع جماعة من قومها قالت: فكساني رسول اللّه «صلى الله عليه وآله


(276)

وسلم» وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام. ولما وصلت عند أخيها، أخذت تلومه: القاطع الظالم، احتملت أهلك وولدك، وتركت بقية والدك، عورتك. فقال لها: لا تقولي إلاّخيراً فواللّه مالي من عذر. ثمّ سألها: ماذا ترين عن أمر هذا الرجل ـ أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: أرى واللّه أن تلحق به سريعاً، فإن يكن الرجل نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذلّ في عزّ اليمن وأنت أنت. فقال: واللّه إنّ هذا هو الرأي.

وعندما قدم إلى المدينة، اصطحبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيته، وأجلسه على وسادة طيّبة، وجلس هو على الاَرض. فقلت في نفسي: واللّه ما هذا بأمر ملك. ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً ـ وهو دين بين النصارى و الصابئين ـ؟» قلت: بلى. فقال:« أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟» قلت: بلى. فعرفت أنّه نبيّمرسل يعلم ما يُجهل.

فقد تنبأ أمامه بالرخاء وسعة المال للمسلمين،وازدياد عددهم، ومساحة الاَرض التي يحصلون عليها، وسيطرتهم على الملك، و العيش بالقصور البيض من أرض بابل. فأسلم عدي بن حاتم. ورأى بعينيه بعد فترة، القصور البيض في بابل و قد فتحت، والمرأة تخرج من القادسية على بعيرها لتحجّالبيت الحرام دون خوف.

و كان عدي يقول: قد مضت اثنتان و بقيت الثالثة... وأيم اللّه لتكونن الثالثة، ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.


(277)

المصادر و المراجع

1. ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة.

2. ابن الاَثير، عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزري: الكامل في التاريخ.

3. ابن الاَثير، عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزري: أُسد الغابة.

4. الاَحمدي، المحقّق الشيخ علي: مكاتيب الرسولص.

5. أحمد عادل كمال:الطريق إلى المدائن. بيروت دار النفائس 1977م.

6. الاِصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين: مقاتل الطالبيين.

7. الاِربلي، علي بن عيسى: كشف الغمّة في معرفة الاَئمّة.

8. الاَميني، الشيخ عبد الحسين: الغدير.

9. ابن حبيب، أبو جعفر محمّد: المحبّر.

10. ابن حجر العسقلاني، الحافظ أحمد بن علي بن محمد: الاِصابة في تمييز الصحابة.

11. ابن حجر، أحمد الهيتمي: الصواعق المحرقة.

12. ابن حنبل، أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل الشيباني: مسند أحمد.

13. ابن خلّكان، شمس الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر: وفيات الاَعيان وأنباء أبناء الزمان.

14. ابن سعد، محمد بن سعد : الطبقات الكبرى.

15. ابن طاووس، السيد عبد الكريم: إقبال الاَعمال.


(278)

16. ابن عبد البرّ، الحافظ المالكي الاَندلسي: الاِستيعاب في معرفة الاَصحاب.

17. ابن كثير، الحافظ عماد الدين: البداية و النهاية.

18. ابن هشام، محمد بن عبد الملك: السيرة النبوية.

19. ابن القيم، العلاّمة شمس الدين الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد.

20. ابن معد، السيد شمس الدين فخار: حجّة الذاهب إلى إيمان أبي طالب.

21. ابن واضح، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب: تاريخ اليعقوبي.

22. أبو نعيم، الاصفهاني: حلية الاَولياء.

23. البحراني، السيدهاشم: تفسير البرهان.

24. البخاري، أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل: الصحيح.

25. البرهان فوري، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي: كنز العمال.

26. البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر: فتوح البلدان.

27. البيروني، أبو الريحان محمد أحمد الخوارزمي: الآثار الباقية عن القرون الخالية.

28. الثعالبي، أبو منصور عبد الملك: ثمار القلوب.

29. الحاكم النيسابوري، الحافظ أبي عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه: المستدرك.

30. الحسيني، السيد علي خان المدني: الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الاِمامية.

31. الحرّالعاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة.

32. الحلبي، الشيخ علي بن برهان الدين الشافعي: السيرة الحلبية.

33. الحيدر آبادي، محمد حميد اللّه: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة.

34. الديار بكري، القاضي حسين بن محمد بن الحسن المالكي: تاريخ الخميس.

35. الرازي، فخر الدين: مفاتيح الغيب.


(279)

36. الزمخشري، محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق التنزيل.

37. السبحاني، الشيخ جعفر: مفاهيم القرآن.

38. السبحاني، الشيخ جعفر: معالم التوحيد في القرآن الكريم.

39. السيوطي، الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين: الدرّالمنثور.

40. الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: الملل و النحل.

41. الصدوق، محمد بن علي القمي: الخصال.

42. الصدوق، محمد بن علي القمي: علل الشرائع.

43. الطباطبائي، السيد محمّد حسين: تفسير الميزان.

44. الطبرسي، أحمد بن علي : مجمع البيان في تفسير القرآن.

45.الطبرسي، فضل بن الحسن: إعلام الورى بأعلام الهدى.

46. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير: تاريخ الاَُمم والملوك.

47. الطوسي، محمد بن الحسن: الاَمالي.

48. القمي، الشيخ عباس: سفينة البحار.

49. كحالة، عمر رضا: أعلام النساء.

50. الكراجكي، أبو الفتح محمد بن علي: كنز الفوائد.

51. الكليني، محمد بن يعقوب : فروع الكافي.

52. الكليني، محمد بن يعقوب: روضة الكافي.

53. الكوفي ، أبو القاسم: الاستغاثة.

54. المجلسي، محمد باقر: بحار الاَنوار.

55. الشريف الرضي: نهج البلاغة، شرح محمد عبده.

56. مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى النيسابوري: الصحيح.


(280)

57. المفيد، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان: الاِرشاد.

58. المقريزي، تقي الدين أبو محمّد: إمتاع الاَسماع بما للرسول من الاَبناء والاَحوال والحفدة والمتاع.

59. النسائي، القاضي أحمد بن شعيب بن علي: سنن النسائي.

60. الواقدي، محمد بن عمرو: المغازي.

Website Security Test