welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(116)

أحداث السنة الثانيةمن الهجرة

تميّزت هذه الفترة بالاستعراضات العسكرية، و المناورات الحربية، واستعراض القوّة، التي أمر بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ الشهر الثامن من الهجرة حتى رمضان من السنة الثانية، وهي أوّل مناورات عسكرية في تاريخ المسلمين.

كما تميزت الفترة بحدثين عظيمين كان لهما الاَثر الكبير في حياة المسلمين وهما: واقعة بدر الكبرى، وتغيير جهة القبلة.

وقد راج في كتابات الموَرّخين وكتاب السيرة، مصطلح الغزوة،والسريّة. فالغزوة هي تلك العمليات العسكرية التي كان يقودها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بنفسه. أمّا السريّة فهي مجموعات عسكرية صغيرة يقودها أحد قوّاده ، دون أن يشترك فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد أعد أوّل لواء عسكري بقيادة «حمزة بن عبد المطلب» حيث سيّره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ثلاثين فرداً إلى سواحل البحر الاَحمر حيث تمر في طرقاته قوافل قريش التجارية. ولم يحدث أيّ قتال بينهم.

وبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسرية أُخرى بقيادة «عبيدة بن


(117)

الحارث بن عبد المطلب» في ستين فرداً بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية. إلاّ أنّ قتالاً لم يجر بين الاَطراف.

كما بعث سرية قادها «سعد بن أبي وقاص» لرصد تحركات قريش. أمّا في شهر صفر من السنة 2 هـ فقد أناب على المدينة «سعد بن عبادة» وقاد بنفسه مجموعة من المهاجرين والاَنصار لملاحقة ركب قريش التجاري واعتراضه، حتى بلغ «الاَبواء»، ولكنّه رجع دون أن يلقى أحداً منهم.(1)

وخرج أيضاً في شهر ربيع الاَوّل من السنة نفسها مع 200 فرد حتى وصل إلى «بواط» قرب ينبع، ـ على بعد 90 كم من المدينة ـ ولكنّه لم يظفر بقافلة قريش بقيادة «أُميّة بن خلف».

كما أنّه خرج في شهر جمادى الاَُولى لاعتراض أكبر قافلة تجارية لقريش خارجة من مكة نحو الشام،بقيادة «أبي سفيان» إلاّ أنّه لم يلتق بهم في «ذات العشيرة».

أمّا «عبد اللّه بن جحش» فقد بعثه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شهر رجب على رأس أفراد، لملاحقة قافلة قريش التجارية، فنزل نخلة ـ بين مكة والطائف ـ و تقابل مع قافلة قرشية بقيادة ـ «عمرو بن الحضرمي» فباغتهم المسلمون و قاتلوهم واستولوا على أموالهم بالاِضافة إلى القبض على أسيرين.

إلاّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انزعج لحدوث القتال في شهر رجب الحرام، وخاصة عندما استغلت أطراف عدّة كاليهود وقريش هذه القضية للتشهير بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّه استخدم الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الاَموال.


1. تاريخ الخميس:1|363.

(118)

وكذلك المسلمون فقد عابوا على عبد اللّه بن جحش فعلَتَه هذه. إلاّ أنّ آية قرآنية نزلت فأبعدت تلك المخاوف والحيرة التي أصبح فيها المسلمون.

وقد غنم المسلمون منها، فكانت أوّل غنيمة حصل عليها المسلمون، وأمّا الاَسيران فلم يقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إطلاق سراحهما إلاّ بعد أن تطلق قريش سراح أسيرين مسلمين، فتم تبادل الاَسرى بين الطرفين.(1)

وبذا فإن الهدف من تلك العمليات العسكرية الصغرى، وإرسال القوات الصغيرة، كان هو تحصيل وجمع المعلومات عن العدو ورصد تحركاته وخططه، وليس كما ادّعى المستشرقون، إنّها لمصادرة أموال قريش والسيطرة عليها لتقوية نفسه. إذ أنّ السرايا لم يتعد عدد أفرادها عن الستين أو الثمانين رجلاً، بينما كان يحرس قوافل قريش أعداد أكبر من ذلك، كما أنّالهدف منها لم يكن لمجرّد القتال وسفك الدماء أو الانتقام، لاَنّ الاَعداد لم تكن كافية لاِجراء قتال أو حرب مع العدو.ويوَكد ذلك انزعاج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حدوث القتال الذي جرى بين «ابن جحش» و بين أفراد من قريش، لاَنّه: «ما أمرهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقتال في الشهر الحرام ولا غير الشهر الحرام، وإنّما أمرهم أن يتحسّسوا أخبار قريش».(2)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستخدم في تلك الغزوات الصغرى أحداً من الاَنصار، وذلك أنّهم بايعوه في «العقبة» على الدفاع عن المسلمين، فالمعاهدة بينهم كانت دفاعية، وقد تعهدوا بموجبها بالدفاع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قصده عدو، وبالرغم من ذلك، فإنّه إذا خرج بنفسه قائداً للعمليات، فإنّه كان يأخذ معه جماعة من الاَنصار، تقوية لروابط الاِخوة والوحدة بين المهاجرين والاَنصار.


1. المغازي:1|13؛ السيرة النبوية:1|603.
2. المغازي:1|16.

(119)

ويوَكد ذلك إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشركهم في عمليات قتالية هجومية ابتداء، إلاّما حدث بعد ذلك في معركة بدر.

و هكذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استهدف من تلك السرايا والعمليات العسكرية التفتيشية، وعقد الاتفاقات و المعاهدات العسكرية مع القبائل المتواجدة على خطوط التجارة المكية، هو إعلام قريش بقوّة المسلمين عسكرياً، وإنّ جميع طرق التجارة المكية أصبحت في متناول يده، بحيث غدا في إمكانه أن يشل إقتصاد مكة و يهدد خطوطهم، خاصة أنّ التجارة كانت عمود الاِقتصاد المكي وأمراً حيوياً لهم،ولذا كان على قريش في هذه الحالة أن تعيد النظر في مواقفها العدائية، وحساباتها في ضوء الاَحوال الجديدة، فتترك للمسلمين حرية الدعوة والعقيدة، وتفتح لهم الطريق لزيارة بيت اللّه الحرام، ونشر التوحيد في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة الحجاز.

1. تغيير اتّجاه القبلة

أمّا الحدث الآخر الهام في هذه الفترة فكان تحويل القبلة إلى الكعبة، فقد تمّ في الشهر 17 من الهجرة، أي في شهر رجب، حين أصبحت قبلة للمسلمين بمعنى انّهم غدوا يتوجهون إلى المسجد الحرام أثناء الصلوات بدل بيت المقدس، فقد صلّى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) 13 عاماً في مكّة نحو بيت المقدس. ولمّا زاد إيذاء اليهود للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الاِسلام، وقولهم: «أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا»(1) فاغتمَّ


1. أو قولهم: مادرى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. مجمع البيان:1|255.

(120)

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك وشق عليه، فانتظر فرجاً و وحياً من جانب اللّه، حتى نزلت الآية: (قَدْنَرْى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها) .(1) فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود و اجتنابهم، كما أنّاتّخاذ الكعبة قبلة، كان من شأنه كسب رضا العرب واستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الاِسلام، تمهيداً لاعتناق دين التوحيد، ونبذ الاَصنام، وخاصة أنّالكعبة كانت موضع احترام العرب وتقديسهم منذ أن رفع النبي إبراهيم (عليه السلام) قواعدها.

وقد تمّ التحويل خلال الركعة الثانية من صلاة الظهر، حين أخذ جبرائيل (عليه السلام) يد النبيص وأداره نحو المسجد الحرام،فتبعه الرجال والنساء في المسجد، فتوجه الرجال مكان النساء واتخذت النساء مكان الرجال.(2)

2. معركة بدر

كان من أساليب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحروب، جمع المعلومات حول استعدادات العدو، ومدى تهيّئه و مكان تواجده و تمركزه، ومعنويات أفراده، وهي مسائل تحظى بالاَهمية في المجال العسكري حتى اليوم. وحيث إنّ المعلومات التي تجمعت لدى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) توَكد أنّ قافلة كبرى لقريش شارك فيها كلّ أهل مكّة بأموالهم، ويحمل بضائعها ألف بعير،وتقيّم بخمسين ألف دينار، ويقودها أبو سفيان بن حرب، في أربعين رجلاً، وحيث إنّ أموال المسلمين كانت قد صودرت في مكة على أيدي قريش، فإنّ الوقت كان مناسباً للمسلمين لاستعادة أموالهم، بالاحتفاظ بأموال قريش إلى أن يعيدوا إليهم أموالهم المصادرة، وإلاّ فإنّهم يتصرفون في هذا المال كغنائم


1. البقرة:144.
2. بحار الاَنوار: 19|201.

(121)

حرب يقسمونها فيما بينهم.

ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في 313 رجلاً، كان منهم 82 من المهاجرين، و170 من الخزرج،و61 من الاَوس، في يوم الاثنين الثامن من شهر رمضان، قاصداً تحقيق ذلك الهدف، وعقد رايتين سلم إحداهما إلى مصعب بن عمير و الاَُخرى وهي العقاب إلى الاِمام علي (عليه السلام) ، فوصل إلى «وادي ذفران».(1)

ونظراً لتخوف أبي سفيان من التعرض لهجوم من جانب المسلمين، فقد أرسل أحد رجاله إلى مكّة يستغيث بهم لنصرته، ممّا دعا أهلها إلى الاستعداد والتجهّز للخروج بقيادة روَسائهم وعظمائهم. وكان ذلك مفاجأة للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي لم يعدّ رجاله للحرب والمواجهة العسكرية، بل لهجوم يحصل منه على الاَموال المصادرة. فعقد مجلساً للشورى استطلع فيه آراء رجاله في الانسحاب من الموقع إلى المدينة، أو مجابهة العدو القائم عسكرياً؟ فاتّفق الجميع على المواجهة بالسير لملاقاة العدو رغم عددهم القليل، فتحركوا نحو بدر.(2)

وبالاَُسلوب العسكري السليم عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكان العدو، وعددهم وزعماءهم كما عرف موعد وصولهم إلى ماء بدر. فقال لاَصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها».(3)

إلاّ أنّ أبا سفيان علم بملاحقة المسلمين له ومطاردتهم لقافلته،فابتعد عن بدر عند رجوعه من الشام واتّخذ جهة ساحل البحر الاَحمر،وبعث أحدهم يخبر قريشاً بإمكانية الاِفلات من يد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه،ولكنّ


1. كانت تمر به قافلة قريش التجارية، ويقع على مرحلتين من بدر.
2. المغازي للواقدي:1|48؛ السيرة النبوية:1|615.
3. السيرة النبوية:1|617.

(122)

«أبا جهل» أصرّ على مواصلة التقدم نحو يثرب وعدم الرجوع إلى مكة قائلاً: واللّه لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجُزُر ـ الاَباعر ـ و نطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان والمغنيات،وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا،فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها. وكان لكلماته أثرها في تشجيعهم على السير نحو المدينة، فنزلوا في بدر.

أمّا في الجانب الاِسلامي فقد تقدّم الحباب بن المنذر باقتراح،على السير إلى أدنى ماء من القوم، ودفن العين والآبار، وبناء حوض يُملاَ بالماء يستخدمونه للشرب، كما اقترح سعد بن معاذ بناء برج عسكري يقود منه النبيالعمليات العسكرية، ويشرف على سيرها،فيكون مأمناً له من كيد الاَعداء.

أمّا قريش فقد تحركت باتجاه بدر صباح يوم 17 من شهر رمضان، فاستطلعوا أخبار المسلمين، فعرفوا عددهم وعدتهم. إلاّ أنّه حدث انقسام في الرأي بينهم، حول الموقع، حين دعا بعض زعمائهم إلى ترك الموقع والعودة إلى مكة دون إجراء أي قتال أو إبداء أي عمل عدائي ضدّ المسلمين، كان من بينهم: عتبة بن ربيعة، الذي طلب منهم العودة إلى مكّة دون حرب، إلاّ أنّ أبا جهل تمكّن من تغيير الموقف لصالح الحرب فحمّسهم للقتال.

وكان التقليد المتَّبع عند العرب في الحروب، أن يُبدأ القتال بالمبارزات الفردية، ثمّتقع بعدها الحملات الجماعية، فدعا ثلاثة من صناديد قريش، المسلمين إلى المبارزة وهم: عتبة ، و شيبة، وهما ابنا ربيعة بن عبد شمس، والوليد بن عتبة بن ربيعة، فخرج إليهم من المسلمين ثلاثة من الاَنصار هم: عوف و معاذ ابنا الحارث، و عبد اللّه بن رواحة. إلاّ أنّ قريشاً رفضت منازلتهم وطلبت أفراداً من مكة، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبيدة بن الحارث وحمزة و علياً


(123)

بالمبارزة. فبارز حمزة شيبة، وبارز عبيدة عتبة، وعليّ بارز الوليد، ثمّ اتّجه حمزة وعلي بعد الفراغ من قتل خصميهما إلى عتبة وقتلاه. وبعد هذه المبارزة بدأ الهجومُ العام وتزاحفوا،فعدّل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الصفوف ورجع إلى العريش ـ برج القيادة ـ فكان ينزل بين الحين والآخر ويحرضهم على القتال والمقاومة، فقد كان لكلماته أثرها العميق في النفس، والشوق إلى الجنّة بالشهادة.

أمّا خسائر الحرب، في الاَرواح والاَموال، فإنّ المسلمين فقدوا 14 رجلاً، بينما قُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، كان من أبرزهم: النضر بن الحارث، عقبة بن أبي معيط، وسهيل بن عمرو، و العباس بن عبد المطلب، وأبو العاص بن الربيع ـ صهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد دفن شهداء بدر في جانب من أرض المعركة،ولا تزال قبورهم موجودة، أمّا قتلى المشركين فأمر الرسولبإلقائهم في البئر، ووقفص عليها فخاطب القتلى قائلاً: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس، ثمّقال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً، فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً».(1)

ثمّ صلّى العصر بالناس وغادر أرض المعركة ـ أرض بدر ـ قبل غروب الشمس،وقسّم الغنائم بينهم أثناء الطريق على قدم المساواة ومنح ذوي الشهداء أسهماً منها، كما وزع خمسها على المشاركين في المعركة، فربما لم تكن آية


1. السيرة النبوّية:1|639؛ السيرة الحلبية:2|180. إنّ مسألة محادثة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» مع روَوس الشرك في البئر من مسلّمات التاريخ والحديث، وقد أشار إليه كثير من الموَرّخين والمحدّثين، أبرزهم:صحيح البخاري ج 5 في معركة بدر ؛ صحيح مسلم:8، كتاب الجنة؛ سنن النسائي:4، باب أرواح الموَمنين؛ مسند الاِمام أحمد:2|131؛ المغازي:1|112؛ بحار الاَنوار:19|346.

(124)

الخمس قد نزلت بعد آنذاك، أو فعل ذلك لمصلحة خاصة.

كما قرر أسهماً لاَشخاص لم يحضروا المعركة، لاَسباب خاصة بهم منعتهم من الاشتراك فيها، أو لمهمات خاصة أُنيطوا بها في المدينة والطرقات. وبعث عبد اللّه ابن رواحة، وزيد بن حارثة، إلى المدينة يبشرون أهلها بالانتصار، إلاّ أنّهما علما هناك بوفاة ابنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زوجة عثمان بن عفان، فامتزجت الاَفراح بالاَحزان، في الوقت الذي تخوف فيه المشركون واليهود والمنافقون من الانتصار الكبير من جانب آخر.

أمّا بالنسبة لاشتراك العباس بن عبدالمطلب في المعركة، فإنّ ذلك كان أمراً خاصاً، لاَنّه كان قد أسلم وكتم إسلامه مخافة قومه وكره خلافهم مثل أخيه أبي طالب، فكان يساعد النبي ص ويخبره بمخططات العدو ونوايا وتحركاته واستعدادته، مثلما عمل في معركة أُحد.

وفي مكة، تحولت بيوتها إلى مأتم كبير وناحت قريش على قتلاها، إلاّ أنّأبا سفيان منعهم من النوح والبكاء على القتلى، وحثّهم على الاستعداد للثأر والانتقام من محمدوأصحابه، فقال: الدهن والنساء عليّ حرام حتى أغزو محمّداً.

وقد ساعدت عوامل كثيرة في انتصارالمسلمين ببدر، كان أهمّها:

1.عدم معرفة المسلمين بما لدى المشركين من إمكانيّات بشرية و قتالية، فواجهوا الاَمر الواقع وتعاملوا من دون أن يثبطهم شيء.

2. تقليل عد المسلمين في أعين المشركين، وعدد المشركين في أعين المسلمين في أوّل القتال، و تكثير عدد المسلمين في أعين الكفّار أثناء الحرب.


(125)

3. الاَُمور الغيبية ، مثل مساعدة المطر ونزوله في هذه الفترة، ومساعدة الملائكة، وتثبيت قلوب الموَمنين بواسطة هوَلاء الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفّار، حيث تشير الآيات القرآنية في سورة الاَنفال وآل عمران إلى كلّ ذلك.

نتائج وآثار معركة بدر

أعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قراراً تاريخياً بعد المعركة خاصاً بأُسلوب المعاملة مع الاَسرى، وذلك بأنّ من علّم منهم عشرة من الصبيان، الكتابة والقراءة، كان ذلك فداوَه ويخلى سبيله دون أن يوَخذ منه مال.(1) وإنّ من دفع فدية قدرها 4000 درهم إلى ألف، خلّى سبيله، و من كان فقيراً لا مال له، أفرج عنه دون فداء. وإن الباب مفتوح أمامهم للدخول في الاِسلام لينعموا في كنفه مع المسلمين.

ولقد أحدث هذا القرار ردّ فعل كبير لدى عائلات مكة، دفعهم إلى تقديم الفداء إلى المسلمين لاِطلاق سراحهم. وكان «أبو العاص بن الربيع» من ضمن الاَسرى، وهو زوج زينب ابنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تزوّجها في الجاهلية، وثبت على دينه بعد إيمان بنات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّهم، فبعثت زينب في فدائه بمال فيه قلادة كانت هدية أُمّها السيدة خديجة«عليها السلام» لها ليلة زفافها، فلمّا رأى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القلادة، تذكّر زوجته الوفية وبكى بشدة، ممّا أثر في المسلمين فأطلقوا سراحه دون أخذ الفدية. وأخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي العاص الميثاق بأن يخلّي سبيل زينب ويبعثها إلى المدينة ففعل، مع إعلانه الاِسلام فيما بعد.

ويعتبر تعليم الاَولاد من قبل الاَُسارى المتعلمين، أوّل عملية تعليمية لمكافحة الاَُمّية، وهي أعظم خطوة حضارية وثقافية.


1. السيرة الحلبية:2|193.

(126)

كما أنّه كان لانتصار المسلمين أثر كبير على المراكز السياسية المتناثرة في شبه الجزيرة العربية، فكما كان له أثره القوي على قريش وأهلها، فإنّه هدد مراكز أُخرى في المدينة وخارجها، كاليهود الذين أبدوا تخوفهم من تطور قوّة المسلمين، وخاصّة يهود بني قينقاع، الذين بدأوا بتدبير الموَامرات،وممارسة الاَعمال العدوانية ضدّ المسلمين، وإعلان الحرب الباردة بنشر الاَكاذيب وبث المعلومات المزيفة، وإطلاق الشعارات القبيحة لتحقيرهم وتخريب سمعتهم وإضعاف معنوياتهم. إلاّ أنّهم بذلك، كانوا قد أعلنوا نقضهم لمعاهدة التعايش السلمي التي عقدها معهم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) إبان قدومه إلى المدينة. وبالرغم من ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حاول النصيحة بأن يتعايشوا معهم دون إظهار أيّ عمل تخريبي أو سيّىَ، وذلك لاَنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يريد أن يرفع السلاح ويحاربهم حتى يحافظ على الاَمن والاستقرار في يثرب، إذ لم يكن من المصلحة تفجير الموقف في هذه الفترة الحرجة، إلاّ أنّهم أصروا على موقفهم العدائي، دون أن يقتنعوا بالتغيير أو التخلّي عن موَامراتهم، ممّا اضطر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى استخدام السلاح والقوة في الفرصة المناسبة، وقد حدثت تلك المناسبة، عندما اعتدى يهوديٌ على امرأة عربية في السوق، بإظهار عورتها والضحك عليها، فقتله رجلٌ مسلمٌ، فاجتمع عليه عددٌ من اليهود فقتلوه، ممّا اعتبر الشرارة الاَُولى في إعلان الحرب عليهم. فسارعوا إلى حصونهم وقلاعهم خوفاً من هجوم المسلمين،فحاصرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة عشرة ليلة،قذف اللّه في قلوبهم الرعب ففقدوا القدرة على المقاومة، ونزلوا عند حكم النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وهو الجلاء عن المدينة، على أن يتركوا أسلحتهم وأموالهم ودروعهم، فخرجوا من المدينة إلى منطقة «أذرعات» في أطراف الشام.(1)


1. المغازي:1|177؛ طبقات ابن سعد:2|28.

(127)

واضطرت قريش في هذه السنة إلى أن تغيّر طريقها التجاري إلى الشام، خوفاً من تعرض المسلمين لهم، فاتفقت على أن تتخذ طريق العراق، إلاّ أنّالمسلمين علموا بذلك، فأرسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد بن حارثة في مائة نفر، تمكّنوا من الاستيلاء على القافلة، وتقسيم الاَموال على المسلمين، بعد فرار القوم.

ولاَهمية معركة بدر التي هي من المعارك الكبرى للاِسلام، اكتسب المشاركون فيها منزلة خاصة بين المسلمين، فقد دعوا بالبدريين.

3. العمليّات العسكريّة الصغيرة

و قد جرت في هذه السنة أيضاً عدّة غزوات، كان أهمها:

غزوة قرقرة الكُدْر : قرقرة الكدر ناحية بين المعدن و المدينة يسكنها قبيلة بني سلم حيث بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ القبيلة المذكورة تتهيّأ للهجوم على يثرب فخرج ص بنفسه لتأديبهم،إلاّ أنّهم تفرقوا.

غزوة السويق: وذلك عندما قتل أبو سفيان رجلاً من الاَنصار وأجيراً له، وحرق بيتاً وزرعاً، على أساس أنّ له نذراً للثأر من المسلمين بعد معركة بدر، بأن لا يقارب زوجته مالم يثأر لقتلى بدر.. فهاجمه المسلمون، إلاّ أنّه فرّ و ترك وراءه أكياس السويق.(1)

غزوة ذي أمّر: و هو واد بطريق المدينة، وقد جرت عندما أعدّت قبيلة غطفان هجوماً على المدينة، فخرج الرسوللمحاربتهم، ولكنّهم فرّوا وهربوا. وأراد أحدهم أن يتخلّص من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مستريح تحت


1. المغازي:1|182؛ طبقات ابن سعد:2|30.

(128)

شجرة في وادي ذي أمّر، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تمكّن من السيطرة عليه بفعل معجزة إلهية، فأسلم الرجل.

4. زواج السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

تقدّم أشراف العرب للزواج من السيّدة فاطمة سيّدة النساء(عليها السلام) إذ تصوّروا أنّ كونهم ذوي ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة توَهلهم لذلك ولا يُرد لهم طلب، ولكنّهم أخطأوا في تصوّرهم، فلم يعلموا أنّزوج فاطمة(عليها السلام) لا يكون إلا كفوَها في التقوى والفضل والاِيمان والاِخلاص، وليس المال والثروة والجاه. و لمّا كان الرسول ص يرد الخطّاب بقوله: «أمرها بيد اللّه» فقد أدركوا أنّ زواجها ليس سهلاً و بسيطاً. إلاّ أنّ الاِمام علي (عليه السلام) حينما تقدّم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطبها وافق على طلبه وقال: «يا عليّ إنّه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رسلك حتى أخرج إليك».

فدخل على السيّدة الزهراء(عليها السلام) قائلاً : «إنّ علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته، وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً، فما ترين؟».

فسكتت السيدة فاطمة(عليها السلام) ولم ير الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في وجهها كراهة، فقال: «اللّه أكبر، سكوتها إقرارها».(1)

ولما لم يكن الاِمام عليّ (عليه السلام) يملك مالاً، أمره النبي ص ببيع درعه لصرفه على نفقات الزواج، وكان مهرها 500 درهم، وسكن أوّل الاَمر في منزل أحد الصحابة بصورة موَقتة، وعمل فرحاً وزفافاً جميلاً، وأطعم فيه كلّالمسلمين.


1. بحار الاَنوار:43|93.

(129)

ونقل ابن بابويه، أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والاَنصار أن يمضين في صحبة فاطمة (عليها السلام) وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضي اللّه. ثمّدعا لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ إجمع شملهما، وألّف بين قلوبهما، واجعلهما وذرّيتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّيةً طاهرةً طيّبةً مباركةً، واجعل في ذرّيتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما يرضيك. اللّهمّ إنّهما أحبّخلقك إليّ فأحبّهما، واجعل عليهما منك حافظاً، وإنّي أُعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرّجيم».(1)

فكانت أفضل زيجة في الاِسلام وأكثرها خير وبركة، إذ أنجبا أفضل الاَولاد والبنات وأطهرهم: الحسن والحسين السبطان، وزينب «عليهم السلام» التي اشتهرت في نصرة أخيها بكربلاء.

أمّا ما دسّه أصحاب الاَقلام المأجورة و ذوو النفوس الضعيفة والقلوب الحاقدة من أباطيل و ترّهات حول وجود خلاف و تنازع بين الزوجين الطاهرين، فتكذّبه الاَحاديث الكثيرة عن رسول الّله (صلى الله عليه وآله وسلم) حول مكانتهما و عُلوّ شأنهما، نقتطف منها ما يلي:

ـ «أحبّ الناس إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من النساء فاطمة ومن الرجال عليّ».

ـ «خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد».(2)


1. بحار الاَنوار:43|96ـ 114.
2. للمزيد من الاِطّلاع، راجع سيدالمرسلين:2|110 ـ 120.

Website Security Test