welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(69)

7. الدعوة العامة وتطوّر ردود أفعال قريش تجاهها

بعد تلك السنوات الثلاث، عمد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى إعلان الدعوة جهراً، حين وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا منادياً بصوت عالٍ: «أرأيتكم إن أخبرتكم إنّالعدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدّقونني؟» قالوا: بلى. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد».(1) فرد عليه أحدهم: تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ فتفرّق الناس على أثر ذلك. إلاّ أنّه بعد فترة من الدعوة العامة، تشكلت جماعة قوية متعاطفة متحابّة، من السابقين واللاحقين، أو القدامى والجدد، كانت بمثابة إنذار لاَوساط الكفر والشرك والوثنية، وهم المخالفون،وقد تألّفت تلك الجماعة من قبائل مختلفة منعوا الكفّار من التعرض لهم، إذ لم يكن اتّخاذ أي قرار حاسم بحقّهم، أمراً سهلاً ومريحاً. ولذا قرر سادة قريش مواجهة قائد تلك الجماعة ومحركهم، بوسائل الترغيب والترهيب، بالاِغراء والتطميع، والاِيذاء والتهديد، واستمرت برامج قريش و موقفها من الدعوة بهذه الاَساليب طيلة عشر سنوات هي عمر الدعوة العامة في مكة، حتى اتّخذوا قرارهم النهائي بالتخلّص منه بقتله،في الوقت الذي تمكن (صلى الله عليه وآله وسلم) من إبطال موَامرتهم وإفشالها بالهجرة إلى المدينة.

وقد بدأوا التحرك في مطالبة كفيله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي طالب بأن يبعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم قائلين له: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلّي بينا و بينه. إلاّ أنّأبا طالب رَدّهم بقولٍجميلٍ حكيمٍ.(2)

ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، والقادمين إلى مكّة خلال الاَشهر الحرم، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداًبدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، فكثّر أنصاره منها، الاَمر الذي دفعهم إلى مقابلة أبي طالب مرةً أُخرى، ليذكّروه إشارة وتصريحاً، بالاَخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ الاِسلام وقوّته : إنّا واللّه لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه


1. السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية:1|194.
2. السيرة النبوية: 1|264.

(70)

عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فسكّن غضبهم وأطفأ ثائرَتهم وهدّأ خواطرهم، ليتم معالجة هذه المشكلة بطريقةٍ أفضل.

فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره بأمرهم، فردّ عليه بالجواب التاريخي الخالد، والذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الاِسلام الاَكبر محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الاَمر حتى يظهِرَه اللّه، أو أهلك فيه، ماتركته». ممّا أثر في عمّه بتلك الكلمات العظيمة، فأظهر استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه قائلاً: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ ،فواللّه لا أُسْلِمَكَ لشيءٍ أَبداً».

وحاولت قريشٌ مساومة أبي طالب مرةً أُخرى، للتخلّص من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ودعوته، إلاّ أنّه رفض أي نوع من المساومة في هذه القضية، محافظاً على محمّدودينه.

فسلكوا طريقاً آخر، ووسيلة أجدى لاِثناء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المضي في دعوته،وهي تطميعه بالمناصب والهدايا والاَموال والفَتَيات الجميلات:فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنتَ إنّما تطلب الشرفَ فينا فنحن نسوِّدُكَ ونشرِّفك علينا،وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجنّ قد غلب عليك،بذلنا أموالنا في طِبّك.

إلاّ أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعمّه: «يا عمّ أريدهم على كلمةٍ واحدة يقولُونها،تدين لهم العرب، وتوَدّي إليهم بها العجم الجزية».


(71)

قالوا: ما هي؟ قال: «لاإله إلاّاللّه». فقاموا فزعين قائلين: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إِنْهذا لشيء عجابٌ) .(1)

8. استخدام الاَساليب المتعدّدة لمنع انتشار الدعوة الجديدة

بعد استخدام أُسلوب الاَخذ والردّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق كفيله، وعدم جدواه، اضطرّت قريش إلى تغيير أُسلوبها ونهجها مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في منع انتشار دينه، مهما كلّف الثمن. فقرّروا اتخاذ سلاح السخرية والاستهزاء، والاِيذاء والتهديد.

وكان أبو طالب من جانب آخر، قد طلب من بني هاشم جميعاً القيام بحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلبّوا نداءه سواء بدافع الاِيمان أو الرحم، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع من إيقاع الاَذى بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما وجدوا الفرصة السانحة، وخاصةً إذا وجدوه وحيداً بعيداً عن أعين حماته.

إنّ التاريخ يشهد بأنّ وجود رجال ذوي بأس شديد وقوة بين صفوف المسلمين، مثل «حمزة» الذي أصبح فيما بعد أحد كبار قادة الاِسلام، كان لهم أثر كبير في حفظ الاِسلام وحماية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعم جماعته.فقد جاء عنه: لما أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قد عزّ وامتنع، فكفّوا عمّا كانوا يتناولون منه.(2)

أمّا أساليب قريش فتعددت في الاِيذاء والاِيقاع بالرسولوجماعته، فقد كمن أبو جهل للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما وقف للصلاة بين الركن اليماني والحجر الاَسود، ليضربه بحجر، إلاّ أنّه رجع عن عزمه دون أن ينفّذ خطته، مجيباً أصحابه في ذلك: قمت إليه لاَفعل به ما قلت لكم البارحة، فلمّا دنوتُ منه


1. السيرة الحلبية:1|303؛ تاريخ الطبري:2|65.
2. الكامل: 2|56.

(72)

عرض لي دونه ما لا رأيت مثله في حياتي، فتركته.(1)

ولا شكّ أنّ قوةً غيبيةً أدركت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك اللحظة وحفظته، كما وعده اللّه تعالى قائلاً: (إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئين) (2) فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يواجهُ في كلّيوم نوعاً خاصاً من الاَذى والمضايقة من هوَلاء الاَشرار، وأشهرهم: عقبة بن أبي معيط الذي شتمه وضربه، فكان أشدّ خصومه بغضاً له (صلى الله عليه وآله وسلم) . وعمّه أبو لهب الذي تعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَذاه مع زوجته أُمّ جميل، فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاورهم فقاموا بإيذائه وإزعاجه، بإلقاء الرماد والتراب على رأسه الشريف، ونشر الشوك على طريقه أو عند باب بيته. والاَسود بن عبد يغوث، أحد المستهزئين، والوليد بن المغيرة، شيخ قريش وحكيمها وأكبر الملاّك فيها، وأُمية وأُبيّ، ابنا خلف، وأبو جهل(أبو الحكم بن هشام)، و العاص بن وائل، والد عمرو بن العاص الذي وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاَبتر.

وعندما فشلت أساليب قريش وأسلحتها الصديئة في القضاء على الدين الجديد وأهله، عمدوا إلى استخدام سلاح جديد لعلّه يكون أقوى من سوابقه، للحيلولة دون انتشار الاِسلام واتساع رقعته، وقطع علاقته بالمجتمع العربي، وهو سلاح الدعاية ضدّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . و من أساليبه:

الاتّهامات الباطلة، وقد أقرّوا استخدامها في دار الندوة، حين طرحوا فكرتها على «الوليد بن المغيرة»(3) الذي كان ذا مكانة مميزة عندهم، فقال: يا معشر قريش، إنّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ويرد


1. السيرة النبوية:1|298.
2. الحجر:95.
3. أبو خالد بن الوليد.

(73)

قولكم بعضه بعضاً، ورأى ألاّ يقولوا عنه كاهن أو مجنون أو ساحر. و هكذا تحيّروا في ما ينسبون إلى رسول اللّهص حتّى اتّفقوا على أن يقولوا: إنّه ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وأخيه وزوجته وعشيرته، والدليل على ذلك ما أوجده من خلاف وانشقاق وتفرّق بين أهل مكّة الّذين عرفوا بالوحدة والاِتفاق.(1)

كما أشاعوا عنه الجنون، وأنّما يقوله ويقرأه ما هو إلاّ من نسج الخيال ومن أثر الجنون الذي لا يتنافى مع الزهد والاَمانة.

وقد ردّالقرآن الكريم على جميع تلك الاتهامات في آيات كثيرة وفنّدها.

وقد استمر أُسلوبهم في الاتهام والتشويش على شخصية النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة المحمدية بكلّالصور والمظاهر، فوصفوه بالكاهن، والساحر، والمجنون، وأنّه معلّم من قبل نصراني، وكذّاب و مفتر و شاعر، وما يقوله أضغاث أحلام.

ولما لم تأت كلّتلك الاتهامات بالنتيجة المرجوّة، ولم تنفع في الاِيقاع به، لمعرفة الناس بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته وأخلاقه منذ سنين بعيدة، اتجهوا إلى أُسلوب آخر، وهو معارضة القرآن الكريم عن طريق «النضر بن الحارث» أحد أعداء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تعلم في العراق شيئاً من أساطير الفرس وحكاياتهم، ليقصّ منها على الناس فيلهيهم عن السماع لرسول اللّهوالاِصغاء للقرآن الكريم. إلاّأنّ ذلك لم يدم طويلاً، فقد سأمت قريش أحاديثه فتفرقت عنه.

فاتجهوا إلى أُسلوب المجادلات الجاهلية والمآخذ السخيفة على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته، وهي تبرز تكبّرهم وعنادهم وجهلهم التي


1. السيرة النبوية:1|270.

(74)

طبعوا عليها. ومن أمثال هذه الوسيلة الاعتراض على النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» للاَُمور التالية :

1.عدم نزول القرآن على أحد أثريائهم.

2.عدم إرسال الملائكة إليهم.

3. تبديل الآلهة بإله واحد.

4.جدّد الحياة يوم القيامة.

5.عدم تملّكه لمعجزات متعدّدة كما كان لموسى (عليه السلام) .

وفي الوقت نفسه قدموا مقترحات لاِصلاح الوضع بينهم وبين النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل:

ـ أن يقوم بعبادة أصنامهم سنة، على أن يعبدوا إلهه سنة أُخرى.

ـ تبديل القرآن على ألاّ يحتوي على شجب عبادة الاَوثان.

ـ مطالب مادية عجيبة مستحيلة ومتناقضة، كأن يفجر لهم ينابيع، أو يأتي باللّه سبحانه وتعالى.

وعندما قدم وفدٌ مسيحيٌ تكوَّن من عشرين رجلاً من قبل أساقفة الحبشة لتقصّي الحقائق في مكة والتعرّف على الاِسلام، وزيارة النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» في مكّة، فجالسوه في المسجد وكلّموه وسألوه بعض المسائل، حتى عرض عليهم دينه وقرأ عليهم آيات من القرآن الكريم، فتأثرت نفوسهم وآمنوا به وصدّقوه.

وكان أبو جهل قد شاهد ما حدث فوبَّخهم على موقفهم وبما عملوا دون أن يوَدّوا عملهم كوفد من بلدهم، إلاّ أنّهم لم يردوا عليه إلاّ بخير. فكان لهذا الموقف أثره السيء في قريش دفعهم إلى تكوين وفد من «النضر بن الحارث وعقبة ابن أبي معيط» للسير إلى أحبار يهود المدينة وسوَالهم عن دين الرسول «صلى الله


(75)

عليه وآله وسلم» فأخبرهم اليهود أن يسألوه عن ثلاث، إذا عرفها فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو متقوّل.

1. عن فتيه ذهبوا في الدهر الاَوّل.

2. عن رجل طوّاف.

3. عن الروح، ماهي؟

فأجابهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآيات القرآنية، عن الروح في الآية 85 من سورة الاِسراء، وأصحاب الكهف وذي القرنين في سورة الكهف.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قابل تلك الآراء الشاذة والمقترحات الموَذية بصبر عظيم وثبات هائل، حرصاً منه على إبلاغ رسالته.

وبعد هذه الخطة الفاشلة، نفذوا خطة أُخرى وهي: منع كلّ من رغب في الاِسلام وقدم إلى مكّة للتعرف على النبيوالاتّصال به، وذلك بنشر الجواسيس في الطرقات للتعرض لهوَلاء ومنعهم من الوصول إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، وممّن تعرضوا له في الطريق: الشاعر الاَعشى، الذي قدم إلى مكّة ليهدي للرسول أبياتاً شعرية ويعلن إسلامه على يديه، فأقنعوه بالعودة إلى بلده بعد أن أخبروه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرم الخمر، وكان الاَعشى يحب الخمر والنساء. وقد مات في نفس العام فلم يفد على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» .(1) كما تعرّضوا للطفيل بن عمرو الدوسي الذي خشيت قريش أن يقوم بالاتصال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو شاعر حكيم، صاحب نفوذ وكلمة مسموعة في قبيلته، فخوّفوه من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسحره. إلاّ أنّه عندما سمع شيئاً من أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دون وعي منه، أحسن القولَ فأسلم وشهد شهادة الحقّ، ورجع إلى بلاده داعياً قومه إلى


1. السيرة النبوية:1|386.

(76)

الاِسلام، إلى أن تمّ اتصاله بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر فبقي معه حتى قبض (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّّ شارك المسلمين بعد ذلك في معارك اليمامة زمن الخلفاء الراشدين، وقتل فيها.(1)

وتطورت وسائل وأساليب قريش في التخلّص من دعوة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وإيقاف زحف تلك الدعوة الاِسلامية واتّساعها في مدّة غير طويلة، إلى فرض حصار اقتصادي قويّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، تُقطع به كلّالشرايين الحيوية لهم، فتحدّ بذلك من سرعة انتشار الدين،وتخنق موَسسه وأنصاره. ولهذا وقَّع زعماء قريش في دار الندوة ميثاقاً كتبه:«منصور بن عكرمة» و علّقوه في جوف الكعبة، وتحالفوا على الالتزام ببنوده حتى الموت، وذلك في السنة السابعة من البعثة. وقد ضم الميثاق البنود التالية:

1. عدم التعامل التجاري مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصاره.

2.عدم التزاوج منهم.

3. عدم التحدّث معهم أو تناول الطعام معهم.

4. وأن يكونوا يداً واحداً على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنصاره.

فما كان من «أبي طالب»إلاّ أن طلب من بني هاشم وبني المطلب، الاستعداد للدفاع عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والحفاظ على حياته وسلامته، على أن يستقرّوا خارج مكّة في شعب بين جبال مكّة عُرِفَ بشعب أبي طالب، والذي شمل بعض البيوت البسيطة، كما عيَّن بعض الرجال في جوانب مختلفة ومتفرقة، لمراقبة الطرق وحراسة المكان تحسباً لاَي طارىَ.(2)


1. السيرة النبوية:1|382.
2. السيرة النبوية:1|350؛ تاريخ الطبري:2|78.

(77)

ويشهد التاريخ أنّ أقوى العوامل في ثبات أقلية وصمودها في وجه الاَكثرية هو: قوة الاِيمان و الاعتقاد، وهذا ما تجلّى في أبي طالب و بني هاشم في هذه المأساة.

فقد استمر الحصار ثلاثة أعوام، جاع فيها الاَطفال والكبار متحمّلين قسوة الحال، فكان يعيشُ الفردُ منهم على تمرة واحدة طوال اليوم، وربما تقاسمها اثنان.

ولمّا كان لايُسمح لهم بالخروج من الشعب إلاّ في الاَشهر الحرم حيث يسود الاَمن في أنحاء الجزيرة العربية، فيخرج بنو هاشم للشراء والبيع ثمّ العودة إلى الملجأ، فإنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستغل هذا الموسم في نشر دينه ودعوته. إلاّ أنّ تجّار قريش كانوا يزيدون في سعر السلعة إذا أرادها مسلمٌ، على أن يقوم أبو لهب والوليد بن المغيرة بتعويض خسارة هوَلاء التجار. كما أنّهم عينوا الجواسيس على الطرق الموَدية للشعب حتى يمنعوا الاتّصال بالمسلمين. إلاّ أنّ بعضاً من أنصار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يوصل الطعام إليهم سراً خلال الليل كما أنّ قريشاً كانوا يصادرون مال كلّمن أراد التعامل مع أصحاب الشعب، في الوقت الذي اشتدّ إيذاوَهم لمن أعلن إسلامه.

ولكنّهم تأكدوا بعد فترة ليست قليلة بأنّ حصارهم هذا لم يأت بنتيجة مرجوة، ولم يتحقّق هدفهم منه و من غيره من الوسائل والاَساليب، ففكروا في نقض الميثاق بأيّ شكل. فقد صرّح «زهير بن أبي أُميّة» في مجلس قريش في المسجد الحرام بعدما اتّفق مع عدد آخر من المعارضين لمقاطعة بني هاشم:

يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يُبتاع منهم؟ واللّه لا أقعد حتى تُشَقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

وقام «المطعم بن عدي» إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد أنّ الاِرضة قد أكلتها إلاّ


(78)

عبارة :«باسمك اللّهم» فأسرع « أبو طالب» إلى الشِّعب يخبر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بما جرى، وانفك الحصار وعاد المحاصرون إلى منازلهم مرّة أُخرى. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عَلِم بأمر تقطيع الصحيفة والاِرضةالتي أكلتها إلاّ اسم اللّه، فأخبر أبا طالب بذلك، الذي قام بإخبار زعماء قريش بذلك، واتّفق معهم على: إن كان حقّاً ما ذكر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» فاتّقوا اللّه وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلاً دفعته إليكم، فإن شئتم قتلتُموه وإن شئتم استحييتموه.وفقالوا: رَضينا ، وتعاقدوا على ذلك. إلاّ أنّهم نقضوا اتّفاقهم و نكثوا عهدهم لما شاهدوا وتأكدوا ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل ازدادوا شراً وعناداً، ورجع بنو هاشم مرّة أُخرى إلى الشِّعب محاصَرين فيه فترة أُخرى، حتى نقضها «هشام بن عمرو» فانتهى الحصار الاقتصادي لبني هاشم في منتصف شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة النبوية الشريفة.

وإلى جانب ذلك، فإنّ أفراداً من المسلمين تعرّضوا لاِيذاء قريش وتحمّلوا أشدّ أنواع العذاب، واشتهر منهم:

1. بلال الحبشي، الذي كان غلاماً لـ«أُميّة بن خلف» و هو أشدّ أعداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعمد إلى تعذيب هذا الغلام انتقاماً و تشفياً من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أنّه تردد ـ أي أُميّة ـ من إلحاق الاَذى به (صلى الله عليه وآله وسلم) خوفاً من عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحامية له.(1)

2. وعمار بن ياسر، الذي كان والده من السابقين إلى الاِسلام، فعمد المشركون إلى إيذائهم وتعذيبهم بعد ما انضموا إلى المسلمين، فكانوا يُخرِجون «عماراً وياسر وسمية» في وقت الظهيرة ويبقونهم طويلاً تحت أشعة الشمس، حتى مات ياسر، كما طعن أبو جهل بالرمح سُميّة في قلبها فماتت، فاعتُبرا أوّل


1. قتله بلال بالاِضافة إلى ابنه بعد أن أُسر في معركة بدر.

(79)

شهيدين في الاِسلام.(1)

أمّا عمّار فقد استخدم التقية للاِبقاء على نفسه، حيث تظاهر بترك الدين الاِسلامي حسب طلبهم، فانصرفوا عنه وتركوه. ولما ندم على فعله، طَمأنَه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالاِيمان. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن عادوا فَعُدْ».

3. «عبد اللّه بن مسعود» الذي أبدى استعداداً للقيام بتلاوة القرآن جهراً على مسامع قريش في المسجد الحرام، فقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمن الرَّحيم* الرَّحْمن* عَلَّم القُرآن) فقام إليه الجميع يضربونه في وجهه وهو يقرأ حتى أُدمي جسمه ووجهه فتركوه، وهو مسرور بما عمله في تمكين قريش من الاستماع إلى كتاب اللّه تعالى وآياته المباركة.(2)

4.وأبو ذر، أيضاً جاهر بالدين حين كان المسلمون يدعون سراً، فقد نادى في المسجد: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله.(3) ويوَكد التاريخ أنّ نداءه هذا كان أوّل نداء تحدّى جبروت قريش وظلمها، أطلقه رجل غريب عن مكّة وأهلها. فهجم عليه جماعة من قريش وضربوه بشدّة حتى أنقذه«العباس بن عبد المطلب» من الموت. بحجّة أنّه من غفار، وتمر تجارة قريش على بلده، فخافوا على تجارتهم فأمسكوا عنه.

ولما لم يحن الوقتُ بعد للدخول في مواجهات ساخنة مع المشركين، فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بأن يلحق بقومه يدعوهم للاِسلام:«إلحق


1. بحار الاَنوار:18|241؛ السيرة الحلبية:1|300.
2. السيرة النبوية:1|314.
3. حلية الاَولياء: 1|158، طبقات ابن سعد:4|225؛ الاستيعاب:4|63.

(80)

بقومك فإذا بلغك ظهوري فأتني».

وقد تمكن من التأثير في قومه، فأسلم أبواه، ونصف رجال قبيلته ـ غفار ـ ثمّ أسلم ا لباقي بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، ثمّ تبعتها قبيلة «أسلم» التي وفدت على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتنقوا الاِسلام.

وقد التحق «أبو ذر» بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وأقام بها (1) و هو أوّل المجاهرين بالاِسلام، ورابع أو خامس من أسلم، فكان من

السابقين والاَوّلين، الذين لهم مكانة عظيمة عند اللّه تعالى ومقاماً لا يضاهى.


1. الدرجات الرفيعة:225ـ 230.

Website Security Test