welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(23)

3. التعريف بأسلاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان من الواجب التحدّث عن أحوال أجداد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لما كان لهم من نصيب هام في تاريخ العرب والمسلمين . ولما كان نسب النبيُ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتهي إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» فإنّه من المستحب أن نتناول أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعرض والدراسة بدءاً منه (عليه السلام) .

1. النبي إبراهيم (عليه السلام) هو بطل التوحيد، جاهد في سبيل إرساء قواعد التوحيد، واقتلاع جذور الوثنية. ولد في بابل ـ التي تعد إحدى عجائب الدنيا السبع ـ التي حكمها «نمرود بن كنعان» الذي أمر الناس بعبادته إضافة إلى عبادة الاَصنام، ولمّا ذكر له أنّ عرشه سينهار على يد رجل يولد في بيئته، أمر بعزل الرجال عن النساء، في نفس الليلة التي انعقدت فيها نطفة النبي إبراهيم «عليه السلام» ، وهي الليلة التي تكهَّن بها المنجمون والكهنة من أنصار نمرود، ممّا دفع جلاوزته إلى قتل كلّ وليد ذكر. وقد حملت به أُمّه ـ أُمّ إبراهيم ـ مثلما حملت أُمّ موسى (عليه السلام) به، فأمضت فترة حملها في خفاء وتستر، ثمّ وضعته في غار بجبل قريب من المدينة للحفاظ عليه، وقضى في هذا الغار فترة ثلاث عشرة سنة، ثمّ انخرط في المجتمع الذي استغرب وجوده فأنكروه. ورأى في مجتمعه ظواهر التعبد لغير اللّه، من نجوم وكواكب وأصنام وعبادة الاِنسان، ممّا دعاه إلى أن يحارب في هذه الجبهات، التي أوضحها القرآن الكريم في سوره وآياته الشريفة. وقد بدأ عمَلَه بمكافحة ما كان عليه أقرباوَه، وعلى رأسهم عمه آزر، وهو عبادة الاَصنام والاَوثان، ثمّ اتَّجه إلى جبهة أُخرى أكثر ثقافة وعلم، وهي التي عبدت الكواكب والنجوم والاَجرام السماوية.

وقد أعطى النبي إبراهيم (عليه السلام) سلسلة من الحقائق الفلسفية والعلمية، لم يصل إليها الفكر البشري يومذاك، في حواره العقائدي مع عبّاد


(24)

الاَجرام السماوية، مدعمة بأدلّة لا تزال إلى اليوم،موضع إعجاب كبار العلماء وروّاد الفلسفةوالكلام. وقد نقل القرآن الكريم في هذا المجال أدلّة النبي إبراهيم (عليه السلام) باهتمام خاصّ وعناية بالغة.(1) فقد اتّخذ إبراهيم (عليه السلام) هيئة الباحث عن الحقيقة بدون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها. وركّز في عمله على التوحيد في الربوبية، والتدبير وإدارة الكون، وأنّه لا مدبّر ولا مربّي للموجودات الاَرضية إلاّ اللّه سبحانه و تعالى، فأبطل ربوبية الاَجرام السماوية بقوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِي للّذي فَطَرَ السَّمواتِ وَالاََرض حَنيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين) (2)
أمّا بالنسبة إلى عمّه آزر الذي كان ذا مكانة اجتماعية عالية بين قومه، وصانعاً ماهراً ومنجماً، له رأيه وأفكاره في الاَُمور الفلكية في بلاط نمرود، فإنّه ليس أبوه بل عمّه، وذلك أنّ علماء الشيعة قد اتّفقوا على أنّ آباء الاَنبياء كانوا موَمنين باللّه موحّدين به، وأكّد الشيخ المفيد ذلك في كتابه: «أوائل المقالات»(3) بل إنّ كثيراً من علماء السنّة قد وافقهم في ذلك أيضاً،ولعلّ مناداته بالاَب، نظراً لكونه الكافل لاِبراهيم (عليه السلام) ردحاً من الزمن، فنظر إليه بمنزلة الاَب.

وأمّا بخصوص عقابه، وإلقائه في النار، وعدم تأثّره بها وخروجه سالماً منها، فإنّالسلطات الحاكمة قررت نفيه من البلاد فغادرها إلى الشام، ثمّ إلى الحجاز مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل، حينما أسكنهما في مكّة، وظهرت بفضلهما عين زمزم، ووفدت جماعات من القبائل لتسكن في تلك البقعة، وأشهرها قبيلة «جرهم» التي تزوّج منها إسماعيل وصاهرهم، ومنذ ذلك الوقت أصبحت مكة من


1. ترتبط آية 74 من سورة الاَنعام بحواره مع الوثنيّين، بينما ترتبط الآيات اللاحقة لها بعبادة الاَجرام السماوية.
2. الاَنعام:79.
3. اوائل المقالات:12، باب القول في آباء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(25)

المدن العامرة، بعد أن كانت صحراء قاحلة وواد غير ذي زرع.

2. قصيّ بن كلاب: هو الجدّ الرابع للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّه فاطمة التي تزوّجت برجل من بني كلاب ورزقت منه بولدين: زهرة وقصيّ. و قد توفّي أبوه فربّاه زوجُ أُمّه ربيعة، إلاّ أنّ خلافاً وقع بين قصيّ وقوم ربيعة، أدى إلى طرده من قبيلتهم،ولكن أُمّه تمكنت من إرجاعه إلى مكة، فعاش فيها متفوقاً في أعماله ومراكزه، فشغل المناصب الرفيعة، مثل حكومة مكة، وزعامة قريش، وسدانة الكعبة المعظمة، فأصبح رئيس تلك الديار دون منازع. ومن أهمّ أعماله:

أ: تشجيع الناس على البناء حول الكعبة.

ب: تأسيس مجلس شورى يجتمع فيه روَساء القبائل في حلّ مشكلاتهم، وهو دار الندوة.

وأمّا من الاَولاد فقد ترك: عبد الدار وعبد مناف.

3. عبد مناف: هوالجدّالثالث للنبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: «المغيرة»، ولقبه قمر البطحاء. و مع أنّه كان أصغر من أخيه، إلاّ أنّه حظي بمكانة خاصة عند الناس، فقد اتخذ التقوى شعاراً، ودعا إلى حسن السيرة وصلة الرحم، ولكن الزعامة والقيادة كانت لاَخيه عبد الدار، حسب وصية أبيهما. إلاّ أنّ الوضع تبدّل بعد وفاتهما، فقد وقع الخصام والتنازع بين أبنائهما على المناصب، فانتهى الاَمر إلى اقتسامها بينهم، حيث تقرّر أن يتولّى أبناء عبد الدار سدانة الكعبة وزعامة دار الندوة، ويتولّى أبناء عبد مناف سقاية الحجيج وضيافتهم ووفادتهم.

4. هاشم: وهوالجدّ الثاني للرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه: عمرو و لقبه العُلاء، ولد مع عبد شمس توأماً له، وله أخوان آخران هما: المطلب ونوفل.

ومن الاَُمور المميزة لاَبناء عبد مناف، إنّهم تُوفُّوا في مناطق مختلفة، فهاشم تُوفّي في غزّة، وعبد شمس في مكّة، ونَوفَل في العراق،والمطلب في اليمن.


(26)

كان يدعو الناس إلى الترحيب بضيوف اللّه وزوّاره وتكريمهم بالمال والحلال في غرّة كلّ شهر ذي الحجة:«وأسألُكُم بحرمة هذا البيت ألاّيُخرج رجلٌ منكم من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلاّطيباً لم يوَخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحم، ولم يوَخذ غصباً».(1)
ومن أهمّ آثاره: أنّ زعامته لمكّة كانت لمنفعة أهلها وتحسين أوضاعهم، فقد ساهم كرمُه في عدم انتشار القحط والجدب، كما أنّه حسّن من الحالة الاقتصادية في البلاد عندما عقد معاهدة مع أمير الغساسنة، ممّا دفع أخاه عبد شمس إلى أن يعاهد أمير الحبشة، وأخويه نوفل والمطلب أيضاً أن يعقدا معاهدات مع أمير اليمن وملك فارس، وذلك لتجنب الاَخطار وتأمين الطرق و سير القوافل التجارية. وقد عُرِفَ عنه أنّه الموَسس لرِحلتي الشتاء والصيف إلى الشام واليمن.

إلاّ أنّ كلّتلك الاِسهامات من جانب هاشم، كانت دافعاً إلى أن يحسده أُميّة بن عبد شمس ابن أخيه، وذلك لما حظي به من مكانة وعظمة وتقرّب إلى قلوب الناس، الاَمر الذي أجبرهم على الحضور عند كاهن من كهنة العرب، فقضى لهاشم بالغلبة، فأخذ منه الاِبل وأخرج أُمية إلى الشام نافياً لمدّة عشرة سنين، حسب الشروط التي تمت بينهما.وتبيّن هذه القصة جذورَ العداء بين بني هاشم وبني أُميّة من ناحية، وعلاقات الاَمويين بالشام وارتباطهم بها حين اتخذوها عاصمة لدولتهم بعد ذلك من ناحية أُخرى.

ومن أشهر أولاده : شيبة، الذي عُرِفَ بـ«عبد المطلب» لاَنّه تربى وترعرَعَ في حجر عمّه المطلب، حيث كان العرب يسمّون من تَرعرَعَ في حجر أحد، وينشأ


1. السيرة الحلبية :1|6.

(27)

تحت رعايته، عبداً لذلك الشخص.

5. عبد المطلب: وهو الجدّ الاَوّل للنبي العظيمص ورئيس قريش وزعيمها. وأودعت يدُالمشيئة الربانية بين حنايا شخصيته نورَالنبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» ولذا كان إنساناً طاهر السلوك، نقيّ الجيب، منزّهاً عن أيّ نوع من أنواع الانحطاط والفساد، وأحد المعدودين الذين كانوا يوَمنون باللّه واليوم الآخر.

وقد اشتهر موقفه الاِيماني في عام الفيل، حينما أمر جماعته بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ونزل إلى الكعبة يدعو اللّه ويستنصره على أبرهة وجنوده مناجياً: «اللّهمّ أنت أنيسُ المستوحشين، ولا وحشة معك، فالبيت بيتُك والحرمُ حرمُك والدار دارُك، ونحن جيرانُك، تمنع عنه ما تشاء، وربّ الدار أولى بالدار».

وفي الصباح خرجت أسرابٌ من الطيور من جهة البحر يحمل كل واحد منها ثلاثة أحجار، حجر في منقاره،وحجر في كلّ من رجليه وحلّقت فوق روَوس الجند، ورجمتهم بالاَحجار بأمر من اللّه محطمة روَوسهم وممزقة لحومهم، وقد أصاب حجر منها رأس أبرهة القائد، فأمر جنوده بالتراجع والعودة إلى اليمن، إلاّ أنّهم أُهلكوا في الطريق، حتى أبرهة نفسه مات قبل وصوله صنعاء.(1)
وقد نتج من هذه العملية، أن تحطّم جيش أبرهة، وانهزم أعداء قريش، وعظم شأن المكيّين،وشأن الكعبة المشرفة في نظر العرب وغيرهم، فلم يجرأ أحد بعد ذلك على غزو مكة، أو الاِغارة على قريش، أو التطاول على الكعبة. كما أنّها من جانب آخر، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم وعنجهيتهم واعتزازهم بعنصرهم، فقرروا تحديد شوَون الآخرين والتقليل من وزنهم، على أساس أنّهم فقط الطبقة الممتازة من العرب. كما دفعتهم


1. السيرة الحلبية: 1|43؛ الكامل في التاريخ:1|260؛ بحار الاَنوار:5|130.

(28)

إلى التصور بأنّهم موضع عناية الاَصنام (الـ 360 ) إذ أنّهم فقط الذين تحبهم تلك الاَصنام وتحميهم وتدافع عنهم!!

وقد دفعهم كلّ ذلك إلى التمادي في لهوهم ولعبهم، والتوسع في ممارسة الترف واللّذات، وإظهار الولع بشرب الخمر، حتى أنّهم مدّوا موائد الخمر في فناء الكعبة، وأقاموا مجالس أنسهم إلى جانب تلك الاَصنام، متصورين أنّ حياتهم الجميلة هذه هي من بركة تلك الاَصنام والاَوثان!!

كما أنّهذه الحالة جعلت قريش تقوم بإلغاء أيّ احترام وتقدير للغير فقالوا: إنّ جميع العرب محتاجون إلى معبدنا، فقد رأى العرب عامةً كيف اعتنى بنا آلهة الكعبة خاصةً، وكيف حَمَتنا من الاَعداء.

ومن ذلك بدأت قريش تضيّق على كلّ من يدخل مكة للعمرة أو الحجّ، وتعاملهم بخشونة وأسلوب ديكتاتوري، وفرضت عليهم ألا يصطحب أحد منهم طعاماً معه من خارج الحرم ولا يأكل منه، بل عليه أن يقتني من طعام أهل الحرم ويأكل منه، وأن يلبس عند الطواف بالبيت من ثياب أهل مكّة التقليدية القومية، أو يطوف عرياناً بالكعبة إذا لم يكن في مقدوره شراوَها. و من رفض الخضوع للاَمر من روَساء القبائل وزعمائها، كان عليه أن ينزع ثيابه بعد الانتهاء من الطواف ويلقيها جانباً، دون أن يكون لاَحد الحقّ في مسّها حتى صاحبها.(1)

أمّا النساء فكان عليهن إذا أردن الطواف أن يطفُن عراة، ويضعن خرقة على روَوسهن. كما أنّه لم يكن يحق لاَي يهوديّ أو مسيحيّ أن يدخل مكة، إلاّ أن يكون أجيراً لمكيّ، وعليه ألاّ يتحدث في شيء من أمر دينه وكتابه.


1. كانت تسمّى عندهم «اللقى».

(29)

بالاِضافة إلى ذلك، فإنّهم أنفوا منذ ذلك اليوم أن يأتوا بمناسك عرفة، كما يفعل بقية الناس، حيث تركوا الوقوف بها والاِفاضة منها، بالرغم من أنّآباءهم ـ من ولد إسماعيل ـ كانوا يقرّون أنّها من المشاعر والحج.(1)

إنّ كلّذلك الانفلات الاَخلاقي والترف والانحراف، قد هيّأ الاَرضية وأعدها لظهور مصلح عالميّ.

أمّا بالنسبة لابن عبد المطلب، عبد اللّه، فقد سعى إلى أن يزوّجه، فاختار له: «آمنة بنت وهب بن عبد مناف» التي عُرِفت بالعفّة والطهر والنجابة والكمال. كما اختار لنفسه «دلالة» ابنة عم آمنة، فرزق منها حمزة، عمّ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي كان في نفس عمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (2) و قد تمّ حفل الزفاف في منزل السيدة آمنة طبقاً لما كان عليه المتعارف في قريش، ثمّ بقي «عبداللّه» مع زوجته ردحاً من الزمن حتى سافر في تجارة إلى الشام، وتوفّي في أثناء الطريق.

ويرتبط بموضوع أسلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، طهارته «صلى الله عليه وآله وسلم» من دَنَس الآباء وعهر الاَُمّهات، إذ لم يكن في أجداده وجدّاته، سفاح وزنا، وهو ما اتّفق عليه المسلمون، وصرّح به الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في أحاديث رواها السنة والشيعة. فقد جاء عنه «صلى الله عليه وآله وسلم» إنّه قال: «نُقلتُمن الاَصلاب الطاهرة إلى الاَرحام الطاهرة نكاحاً لا سِفاحاً».(3)

وقال الاِمام علي (عليه السلام) :«وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله وسيد عباده كلّما نسخ اللّه الخلق فِرقتين، جعله في خيرهما، لم يسهِم فيه عاهرٌ ولا


1. الكامل في التاريخ:1|266.
2. تاريخ الطبري:2|7 وهو يذكر أنّه «هاله».
3. كنز الفوائد:1|164.

(30)

ضربَ فيه فاجر».(1)

كما ذكر الاِمام الصادق (عليه السلام) ذلك مفسراً الآية: (وتقلّبك في الساجدين) : «أي في أصلاب النبيّين، نبي بعد نبي، حتى أخرجه من صلبِ أبيه عن نكاحٍ غير سفاح من لدن آدم».(2)



1. نهج البلاغة، الخطبة 215، شرح محمد عبده.
2. تفسير مجمع البيان.

(31)

الفصل الثاني


الرسول الاَكرم

محمد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


ـ مولده

ـ فترة طفولته

ـ فترة شبابه

ـ فترة عمله

ـ زواجه

ـ أولاده



(32)



(33)


1. مولده (صلى الله عليه وآله وسلم)


ولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عام الفيل (570م) بإتّفاق كتّاب السيرة، ورحل عن الدنيا في (632م) عن 62 أو 63 عاماً، كما اتّفقوا على أنّه ولد في شهر ربيع الاَوّل، يوم الجمعة السابع عشر منه، عند الشيعة، أمّا السنّة فقد عيّنوا يوم الاِثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.(1)

ولمّا كان الشيعة ينقلون أخبار أهل البيت عنهم، فلابدّ من الاِقرار بأنّ ما ينقله هوَلاء ويكتبونه من تفاصيل تتعلّق بحياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي أقرب من غيرها إلى الحقيقة، لاَنّها مأخوذة عن أقربائه وأبنائه.

وقد حملت به أُمّه «السيدة آمنة بنت وهب» في أيّام التشريق من شهر رجب، فإذا اعتبرنا يوم ولادته، 17 من ربيع الاَوّل، فتكون مدّة حملها به ثمانية أشهر وأيّاماً.

وقد وقعت يوم ولادته أحداث عجيبة، فقد وُلِد مختوناً مقطوع السرة، وهو


1. إمتاع الاَسماع: ص 3، وقد ذكر جميع الاَقوال التي وردت في ميلاد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .

(34)

يقول: «اللّه أكبر والحمد للّه كثيراً، سبحان اللّه بكرةً وأصيلاً» (1) كما تساقطت الاَصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسر إيوان كسرى، وسقطت أربعة عشر شرفة منه، وانخمدت نار فارس التي كانت تعبد،وجفت بحيرة ساوة.

وهدفت هذه الاَحداث الخارقة والعجيبة إلى أمرين موَثرين:

1. فهي تدفع الجبابرة والوثنيين إلى التفكير فيما هم فيه من أحوال،فيتساءلون عن الاَسباب التي دعت إلى كلّذلك لعلهم يعقلون. إذ أنّ تلك الاَحداث كانت في الواقع تبشر بعصر جديد هو عصر انتهاء الوثنيةوزوال مظاهر السلطة الشيطانية واندحارها.

2. ومن جهة أُخرى، تبرهن على الشأن العظيم للوليد الجديد، على أنّه ليس عادياً، بل هو كغيره من الاَنبياء العظام الذين رافقت ولادتُهم أمثالَ تلك الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة.

وفي اليوم السابع لمولده المبارك، عقّ عبد المطلب عنهبكبش شكراً للّه تعالى، واحتفل به مع عامة قريش.

وقال عن تسميته النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن سببه: أردت أن يُحمَد في السماء والاَرض(2)

وكانت أُمّه (عليها السلام) قد سمّته أحمد قبل أن يسمّيه جدّه(3) وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يسم به منهم سوى 16 شخصاً، ولذا فإنّه كان من إحدى العلامات الخاصّة به.


1. تاريخ اليعقوبي: 2|5؛ بحار الاَنوار:15|248؛ السيرة الحلبية:1|67.
2. السيرة الحلبية: 1|78.
3. السيرة الحلبية:1|82.

(35)

أمّا عن رضاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ارتضع من أُمّه ثلاثة أيّام ثمّ أرضعته امرأتان هما:

ـ ثويبة: مولاة أبي لهب، إذ أرضعته لمدّة أربعة أشهر فقط، وقد قدّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجته خديجة(عليها السلام) هذا العمل لها حتى آخر حياتها، فأكرمها وأراد أن يعتقها فأبى أبو لهب، وكان يبعث إليها بالصلة حتّى وفاتها.

كما أنّها أرضعت من قبل حمزة، وأبا سلمة بن عبد اللّه المخزومي، فكانوا إخوة في الرضاعة.

ـ حليمة السعدية، بنت أبي ذوَيب. وكان لها من الاَولاد: عبد اللّه ، أنيسة، شيماء. وقامت «شيماء» بحضانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً.

وقد استلمت حليمة السعديةُ النبيّص في عمر لم يتجاوز أربعة أشهر، في عام قحط وجدب،فأصابها الرخاء وازدهرت حياتها بعد ذلك. ومن المعروف أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل في ذلك الزمان أي ثدي من المرضعات إلاّ ثدي حليمة.(1)

وفي هذه المناسبة، أودُّ القول والتذكير، أنّه ينبغي أن يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقامة المهرجانات الكبرى والاحتفالات، تكريماً له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو أمر مطلوب ومحبّب في الشريعة المقدسة لقوله تعالى: (فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلََ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)(2) وعزّر بمعنى كرّم وبجّل.

فالاحتفال بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والاِشادة بشرفه وفضله، وهي أُمور مدحه بها القرآن الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيم) (3)( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) .(4)


1. البحار:15|342.
2. الاَعراف:157.
3. القلم:4.
4. الاِنشراح:4.

(36)

فالاحتفال بمولده الكريم هو احتفالٌ بالقيم السامية، وشكرٌ للّه على منّه، وإظهار للحبّ الكامن في النفوس له،وتكريم لمن كرمه اللّه تعالى وأمر بتكريمه واحترامه وحبّه ومودّته.وهو ردّعلى من يزعم بأنّذلك محرم لكونه بدعة، لا يخلو من منكرات ومحرمات كالرقص والغناء. فالمسلمون درِجوا في العصور الاِسلامية الاَُولى على الاحتفال بذكرى مولدهبإنشاد القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم أخلاقه وإظهار السرور والفرح،والشكر للّه تعالى بلطفه وتفضّله به ص على البشرية.(1)

ولذا كان لابدّ من أداء هذا الاحتفال في كلّ وقت وزمان،في حياته وبعد مماتهص.

2. فترة طفولته (صلى الله عليه وآله وسلم)

استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبيلة«بني سعد» خمسة أعوام زارته أُمّه خلالها ثلاث مرّات، وقامت حليمة برعاية شوَونه خير قيام،وبالغت في كفالته والعناية به، كما حافظ فيها (صلى الله عليه وآله وسلم) على فصاحته و بلاغته، وعندما رجع إلى أُمّه(عليها السلام) فكّرت بزيارة المدينة وقبر زوجها عبداللّه، ورافقتهم «أُمّ أيمن» حيث أمضوا هناك شهراً، رأى فيه النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» بيت أبيه الذي توفّي فيه ودفن. إلاّ أنّ أُمّه العزيزة توفّيت أيضاً في الطريق إلى مكة بمنطقة الاَبواء(2) ممّا دفع الجميع إلى إظهار المحبة له والعناية به، خاصةًجدّه «عبد المطلب» الذي أحبه أكثر من أولاده.


1. للتوسع في هذا الموضوع، يرجع إلى: معالم التوحيد في القرآن الكريم.
2. السيرة الحلبية: 1|105.

(37)

وربما كان يُتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صالحه، فقد أراد اللّه تعالى منه أن يهيّئه لمواجهة المستقبل بشدائده و مصاعبه ومتاعبه،أو أراد ألا يكون في عنقه طاعة لاَحد، فنشأ حراً من كلّ قيد، يصنع نفسه بنفسه، وليتضح أنّ نبوغه ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً، وأنّه لم يكن لوالديه أيّ دخل فيه وفي مصيره، فتكون بالتالي عظمته الباهرة نابعة من مصدر الوحي وليس من العوامل العادية المتعارفة.

وقد فاجأت الحياةُ نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحزينة بوفاة جدّه العظيم«عبد المطلب» وهو في الثامنةمن عمره، فبكى عليه «صلى الله عليه وآله وسلم» كثيراً وظلّت دموعه تجري حتى وُري في لحده.(1)

كفالة أبي طالب

كان أبو طالب أخاً لوالد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أُمّواحدة، وقد تقبّل كفالة النبيص وتحمّل المسوَولية بفخر واعتزاز.

وفي العاشرة من عمره، شارك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّه في إحدى الحروب التي وقعت في الاَشهر الحرم فسمّيت بحرب الفجار، إلاّ أنّ «اليعقوبي» ينفي في تاريخه اشتراك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي طالب فيها.(2)

ورافق عمّه في سفره إلى الشام وهو في ربيعه الثاني عشر، شاهد فيها «مدين، ووادي القرى، وديار ثمود»، واطّلع على مشاهد الشام وطبيعتها الجميلة.


1. تاريخ اليعقوبي :2|10 حول سيرة عبد المطلب، أنّه كان موحداً لا وثنياً، وإنّ الاِسلام قد أخذ الكثير من سننه.

2 . تاريخ اليعقوبي:2|15.


(38)

إلاّ أنّ أحداث «بصرى» غيّرت برنامج رحلة أبي طالب، ودفعته إلى العودة إلى مكّة، وهي الاَحداث المرتبطة بمقابلة الراهب«بحيرا» بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تنبّأ عنه بقوله: «إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمةً للعالمين. احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنّ قتله».(1)

أمّا ما قيل عن تلك المقابلة من آراء متطرفة، وبأنّالراهب بحيرا علّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُمور دينه التي درسها من كتب الاِنجيل والتوراة، فهو فرية المستشرقين والكارهين للاِسلام، إذ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمكث هناك أكثرمن أربعة أشهر هي فترة رحلة الشام عند العرب، ثمّ إذا كان هذا الراهب يمتلك هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلمية التي عرضها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلماذا لم يقم هو بنشرها، فيأخذ شهرته منها؟ ثمّ لماذا اختار محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيره ليعرض عليه تلك المعلومات بالرغم من توافد القبائل عليه دوماً؟

إنّ الآيات القرآنية تصرح بأنّ الاَخبار الغيبية وصلت إلى النبي ص عن طريق الوحي فقط، فلم يكن على عِلمٍ بها مطلقاً. كما أنّ كُتب التوراة والاِنجيل لا تذكر أُموراً طيّبة عن الاَنبياء، في حين أنّ القرآن الكريم يجلّهم ويعظمهم ويكرمهم،على عكس ما جاء عنهم في كتب هوَلاء.

ولذا لم يعقل أن يقتبس القرآن الكريم من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين. كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرح تلك القصص والقضايا للناس قبل الوحي والرسالة: (قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلوتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أَدراكُمْ بهِ فَقَدْ لَبِثتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلهِِ أَفَلا تَعْقِلُون) .(2)


1. تاريخ الطبري:2|32؛ السيرة الحلبية: 1|180.
2. يونس:16.

(39)

فالآية توَكد على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لبث في قومه فترة طويلة لم يتلو فيها سورة من القرآن ولا آية من آياته، فكلّ ما أخبر به هو ممّا أوحى به اللّه تعالى إليه بعد أن بعثه بالرسالة.(1)

3. فترة شبابه

كانت آثار الشجاعة والقوة باديةً على جبينه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره قيل انّه شارك في حرب الفجّار بين قريش و هوازن، وهي حرب الفجّار الرابعة التي استمرّت أربع سنوات، كان يناول فيها أعمامه النبال. وتكشف مشاركته في تلك العمليات العسكرية وهو في تلك السن، عن شجاعته وقدرته الروحية الكبرى، ولهذا كان المسلمون ـ فيما بعد ـ يحتمون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند اشتداد المعركة.

وفي مقابل هذا روى الموَرخ اليعقوبي (المتوفّى290هـ) في تاريخه:

وقد روي أنّ أبا طالب منع أن يكون فيها أحدٌ من بني هاشم. وقال هذا ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ولا أحضره ولا أحدٌ من أهلي. فأخرج الزبير بن عبد المطلب متكرهاً وقال عبد اللّه بن جدعان التيمي وحرب ابن أُميّة: لا نحضر أمراً تغيب عنه بنوهاشم فخرج الزبير.(2)


1. للتوسع في الموضوع، راجع مفاهيم القرآن للشيخ جعفر السبحاني:3|321.
2. تاريخ اليعقوبي:2|12، طبع النجف.

(40)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أحد المشاركين في حلف الفضول، الذي اعتبر ميثاقاً بين الجرهميين يهدف إلى الدفاع عن حقوق الضعفاء والمظلومين. وقد أسّسه جماعة اشتُقّت أسماوَهم جميعاً من لفظة «الفضل»، مثل: فضل بن فضالة، وفضل بن الحارث، وفضل بن وداعة. وقد نُقلت عبارات كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشاد فيها بالحِلف،واعتز بمشاركته فيه: «لقد شهدتُفي دار عبد اللّه بن جدعان حِلفاً لو دعيت به في الاِسلام لاَجبت».

كما أشاد به الاِمام الحسين (عليه السلام) أيضاً، فضرب به المثل في أخذ الحقّوردّه لصاحبه، مثلما طلب هو حقّه من «الوليد بن عتبة»أمير المدينة.

4. فترة عمله

أمضى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) شطراً من حياته قبل البعثة، في رعي الغنم في الصحارى، لعلّه ليصبح بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيُكلف بقيادتهم وهدايتهم، ويستسهل كلّ صعب في هذا المجال. إذ كان لابدّ أن يتسلّح بسلاح الصبر، ويتجهّز بأداة التحمّل، ويتزوّد بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وذلك حتى يمكنه إدارة البشر في المستقبل. إذ أنّ ذلك لا يكون إلاّبتعويد النفس على هذه الصفات وحملها على مشاق الاِعمال. كما أنّ عمله في الصحراء والجبال، ساعده في التخلّص بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من روَية الاَوضاع المزرية والاَحوال المشينة التي كان عليها أهل مكة وما كانوا فيه من عادات سيئة وظلم وانحراف وطغيان. كما أنّعمله في تلك البقاع، أعطاه فرصة طيبةللنظر في خلق السموات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها، ثمّالاِمعان


(41)

في الآيات الدالة على وجود اللّه سبحانه و تعالى، وقدرته و حكمته وعلمه وإرادته.

فبالرغم من أنّ قلوب الاَنبياء تكون منورة بمصابيح المعرفة، ومضاءة بأنوار الاِيمان والتوحيد، إلاّأنّهم لا يرون أنفسهم في غنى عن النظر في عالم الخلق والتفكّر في الآيات الاِلهية، إذ أنّه من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الاِيمان،ويبلغون أسمى درجات اليقين،وبالتالي يتمكّنون من الوقوف على ملكوت السماوات والاَرضين.

وبعد هذا العمل الصحراويّ الجبلي، تعاطى (صلى الله عليه وآله وسلم) العمل التجاري، باقتراح من عمّه أبي طالب، الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة السيدة «خديجة بنت خويلد» التي كانت تعمل بالتجارة الواسعة، فأصبحت غنيةً ذات مال كثير وذات شرف عظيم، استخدمت الرجال في إدارة أعمالها الكثيرة. فقال أبو طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين،فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لاَسرعتْ إليك،وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك».

إلاّ أنّ إباء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلوّ طبعه منعاه من الاِقدام بنفسه على ذلك فردَّ عليه :«فلعلّها أن ترسل إليّفي ذلك» لاَنّها تعرف أنّه المعروف بالاَمين بين الناس. وقد حدث ماأراده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد بعثت إليه قائلةً:«إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك،وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر».(1)

ولمّا علم عمّه أبو طالب بذلك قال له: «إنّ هذا رزق ساقه اللّه إليك».


1. البحار:16|22؛السيرة الحلبية: 1|132؛ الكامل في التاريخ:2|24.

(42)

وهكذا تمّ الاتفاق على أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمل في أموالها وتجارتها على نحو المضاربة لا الاِجارة، فقد ذكر «اليعقوبي»: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان أجيراً لاَحد قط.(1)

ولذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حصل على أرباح وفيرَة من أوّل تجارته إلى الشام. ولما مرّ في الطريق على ديار عاد وثمود، تذكر سفره الاَوّل مع عمّه إلى تلك المناطق. وعند وصولهم إلى مكّة، قال «ميسرة» غلام السيدة خديجة: يا محمّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة، فاستقبلْ بخديجة وأبشرها بربحنا. فأسرع النبي ص وسبق القافلة متوجهاً نحو بيت خديجة، التي استقبلته بحفاوة كبيرة، وسرّت بحديثه وأخباره عن رحلته ومكاسبه التجارية. ثمّ إنّ «ميسرة» أخبرها بكلّما حدث وحصل لهم في السفر، منذ خروجهم ودخولهم إلى البلاد، وخاصةً ما جرى، بين النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأحد التجّار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزّى، فرد عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ماحلفت بهما قط، وإنّي لاَمرُّ فأعرض عنهما. كما أخبرها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما استراح في ظلّ شجرة عندما كانوا في بصرى، فشاهده راهب فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلاّ نبي.ولما سأل عن اسمه من ميسرة فقال: هو نبيّ وهو آخر الاَنبياء، إنّه هو هو ومنزِّلُ الاِنجيل،وقد قرأتُ عنهُ بشائر كثيرة.(2)

وقد سلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ ما ربحه واستلمه من مال إلى عمّه أبي طالب، ليوسّع به على أهله، ممّا جعله فرِحاً مسروراً بما قام به ابن أخيه تجاهه.


1. تاريخ اليعقوبي:2|21.
2. البحار: 16|18؛ طبقات ابن سعد:1|130.

Website Security Test