welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(249)

الفصل العاشر

حكايات وروايات موَثرة
جاء ذكرها في الكتاب



(250)



(251)

العادات و التقاليد في جزيرة العرب قبل الاِسلام

وأد البنات

متى بدأت عادة وأد البنات؟ وقد تأكّد أنّ بني تميم هي أوّل قبيلة أقدمت على هذه الجريمة النكراء، حينما امتنعوا عن دفع الضرائب لمَلِكِ الحيرة النعمان بن المنذر، فحاربهم واستولى على أموالهم ونسائهم، فكلّموه في إرجاع نسائهم،فقرر أن تختار المرأةُ نفسها العودة أو البقاء، فاختار بعضهن البقاء وعدم العودة إلى أهاليهن،وخاصة بنت قيس بن عاصم الذي نذر أن يدسّ كلَّ بنت تُولد له منذ ذلك الوقت. فسنّبذلك لقومه وأد البنات، وأخذتها بقية القبائل.

وقد سأل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قيساً عن عدد البنات اللائي وأدهن في الجاهلية فقال: اثنتا عشرة بنتاً له، بل قيل أكثر من ذلك!!

وروى عن ابن عباس، أنّ الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرةً فمخضت رأسها فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا كان ولداً حبسته!!

موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخرافات التي سادت الجزيرة العربية


كافَح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الخرافات والاَساطير والاَفكار الفاسدة الباطلة، فلمّا مات إبراهيم ابنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حزن عليه و


(252)

بكى بشدّة، في الوقت الذي حدث كسوف للشمس، فذهب المولعون بالخرافات على عادتهم إلى ربط هذه الظاهرة بموت إبراهيم، على أنّه دليل على عظمة المصاب، فقالوا: انكسَفَت الشمس لموت إبراهيم ابنِ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صعد المنبر فقال: «أيّها النّاس إنّالشمسَ والقمر آيتان من آيات اللّه يَجريان بأمره ومطيعان له لا ينكسفان لموتِ أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلّوا».

ثمّ نزل فصلّى صلاة الكسوف وهي صلاة الآيات.(1)

الحالة الاجتماعية في إيران الساسانية

يذكر الشاعر الفارسي: الفردوسي قصة وقعت في العهد الذهبي للدولة الساسانية، تتناول التعليم، وخاصّة ما يتعلّق بتعليم الفقراء و حرمانهم من اكتساب الثقافة، فقد وصل الحال السيّء للدولة أن رغبت في أموال كثيرة تكفي نفقات الحروب المستمرة، لاِعداد 300 ألف مقاتل، فاستدعى الملك أنوشروان وزيره بزرجمهر يطلب مساعدته في توفير المال اللازم، فاقترح عليه بتحصيلها عن طريق القروض الشعبية، فأرسل مندوبيه إلى المدن الاِيرانية لتحصيل المال اللازم من التجار وأصحاب الثروة، وظهر من بينهم رجل حذّاء أبدى استعداده لتحمّل نفقات الجيش بمفرده، بشرط السماح لولده بتحصيل العلم، إلاّ أنّ الملك غضب على الوزير ونهره قائلاً: دع هذا، ما أسوأ ما تطلبه، إنّ هذا لا يكون، لاَنّ ابن الحذّاء بخروجه من وضعه الطبقي يهدم التقليد الطبقي المتَّبع فينفرط عقد الدولة، ويكون ضررُ هذا المال علينا أكثر من نفعه، وشرّه أكثر من خيره.


1. بحار الاَنوار: 91|155.

(253)

ويستمر الفردوسي في شرحه لهذا الوضع عن لسان أنوشروان: إذا أصبح ابن الحذّاء عالماً وكاتباً، فإنّه عندما يجلس ولدُنا في الحكم واحتاج إلى كاتب فإنّه سيضطر إلى تعيين ذلك الولد، وهو من عامة الشعب ومن أبناء الطبقة الدنيا، في حين جرت العادة أن نستعين بأبناء الاَشراف والنبلاء. وإذا حصل هذا الحذّاء على العلم والمعرفة حصل على عيون بصيرة، وآذان سميعة، فيرى ما يجب ألاّ يراه،ويسمع ما يجب ألاّ يسمعه، فتحدث الحسرة والاَسف لاَبناء الملوك بعدئذ!!

وبذا فإنّ الملك رفَضَ طلبه وأعاد ماله إليه. وهذا الملك هو ما يصفه البعض بالعدل «أنوشروان العادل»مع أنّه لم يحل المشكلة الثقافية في مجتمعه، كما ذكر عنه، أنّه دفن في القبور أحياء ما يقرب من 80 ألفاً ومائة ألف فرد، خلال فتنة مزدك، التي اندلعت بسبب الظلم الاجتماعي والتمايز الطبقي واحتكار الثروات والمناصب، وحرمان أكثرية الشعب من حقوقها الاَوّلية.

ومن هنا يظهر بطلان الحديث المروي عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» :«وُلدتُ في زمن الملك العادل أنو شروان».

وقد ذُكر الكثير عن البذخ والترف في البلاط الساساني، من كثرة المجوهرات والاَشياء الثمينة والرسوم، سَحرت العيون وخلبت الاَلباب. وممّا اشتهر منها، سجادة بيضاء كبيرة فرشت في إحدى الصالات، واسمها: بهارستان كسرى، إذاجلسوا عليها وقت الشراب وتعاطي الخمر، فكأنّهم كانوا جالسين في حدائق ورياض. صنعت أرضيتها من الذهب و وشيها بفصوص وجواهر وحرير، وكانت 60*60 ذراعاً، وقيل 150*70 ذراعاً، ومنسوجة من خيوط الذهب والمجوهرات الغالية!!

وممّا قيل عن كسرى خسرو برويز، أنّه جمع الاَموال مالم يجمع مثله من


(254)

الملوك، إذ كان أرغب الناس في اقتناء الجواهر واللآلىَ و الاَواني.

حفر زمزم

نَزَلت عندها قبيلة جُرهم التي رأست مكّة لسنين طويلة، وتستفيد من مياه العين. إلاّ أنّه بعد تفشي المفاسد والشهوات فقد جفّت العين. وعندما هددت خزاعة جرهم، أمر زعيمهم بإلقاء الغزالين الذهبين والسيوف الغالية المهداة إلى الكعبة، في مقر زمزم و ملئها بالتراب، حتى لا يستولي عليها خصومُه، ومتى عاد إلى مكّة استخرج الكنز واستفاد منه. إلاّ أنّ قتالاً نشب بين الطرفين، فاضطرت جرهم وأبناء إسماعيل مغادرة مكة إلى اليمن دون الرجوع إليها ثانية، فتزعم مكة: خزاعة، ثمّ سيطر عليها قصيّ بن كلاب، حتى عبد المطلب الذي ترأسها وقرر حفر بئر زمزم، التي لم يُعرَف موقعها إلاّ بعد بحث طويل، كما أنّالآخرين رَفَضوا انفراده بالحفر، طالبين الاشتراك معه في ذلك، ليحصلوا على الفَخر مثله فقالوا: إنّها بئر أبينا إسماعيل، وإنّ لنا فيها حقّاً فأشركنا معك، إلاّ أنّ عبد المطلب أصر على أن ينفرد في ذلك، حتى يمكنه بعد ذلك أن يسبّل ماءها فيسقي منها جميع الحجاج دون أن يتاجر بها.

ولما طال النزاع بينهم قرروا التحاكم إلى كاهن من العرب سكن ما بين الحجاز والشام. وفي الطريق أصابهم عطشٌ شديدٌ وأيقنوا بالهلاك، ففكروا في كيفية دفنهم إذا هَلكوا وماتوا، فاقترح عبد المطلب أن يحفر كلّ واحد حفيرته، فإذا مات دفنهُ الآخرون، فلا تبقى أجسادُهم طعمة للوحوش والطيور. فقاموا بذلك وانتظروا الموت. إلاّ أنّ عبد المطلب صاح فجأة يحثهم على البحث عن الماء في الصحراء بصورة جماعية، ممّا كان له الاَثر في ظهور عين عذبة أنقذتهم من الموت المحقق، فعادوا من حيث جاءوا وقالوا لعبد المطلب:


(255)

«واللّه قضى لك علينا يا عبد المطلب، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبداً، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً».

وخلال الحفر عثر على الغزالين والسيوف المرصَّعة، ممّا سبّب نزاعاً آخر بينه و بين قريش، التي اعتبرت نفسها شريكةً في هذا الكنز. فتقرر اللجوءُ إلى القرعة لحلّالمشكلة، فخرجت القرعةُ باسم عبد المطلب، فأصبَحت الاَشياء إليه، فصنع من السيوف باباً للكعبة، وعلّق الغزالين فيها.

الوفاء بالعهد والنذر

(1)

نذر عبد المطلب إذا رزقه اللّه عشرة أولاد، أن يقدّم أحدهم قرباناً للكعبة دون أن يخبر أحداً بذلك، وقد حصل ما أراد، فكان لابدّ من الوفاء بالنذر، فشاور أبناءَه بالاَمر فوافَقوا على أن يختار أحدَهم للذبح عن طريق القرعة. وتمت القرعة فأصابت عبد اللّه والد الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه إلى مكان الذبح. و حينما علمت قريش بذلك، حَزِنوا وبكوا وخاصة الشباب منهم، فاقترحوا أن يفدى عبداللّه، وأظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز لك. وبعد أن تحيّر في هذا الموقف الصعب، اقترح عليه أحدُهم: لا تفعل وانطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلاً. فوافقوا على ذلك. فتوجهوا نحو يثرب لملاقاة الكاهن الذي سألهم: كم ديةُ المرء عندكم؟ قالوا: عشرة من الاِبل. فقال: ارجعوا إلى بلادكم وقرّبوا عشراً من الاِبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم ـ أي عبد اللّه ـ


1. القصة جديرة بالاهتمام، في أنّها تجسد مدى إيمان عبد المطلب وقوة عزمه وصلابة إرادته وإصراره على الوفاء بعهده والالتزام به.

(256)

القداح، فإن خرجتِ القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الاِبل، فانحروها فقد رضى ربّكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداءً.

فأجروا القرعةَ في مكّة في جماعة من الناس،وزادوا عشراً عشراًحتى إذا بَلَغَ عدد الاِبل مائة خرجت القِداح على الاِبل ونجا عبد اللّه من الذبح، ففرحوا ونحرت الاِبل.(1)

قضايا عجيبة في فترة طفولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أرادت حليمة السعدية أن ترضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حضور أُمّه، ففتحت جيبها وأخرجت ثديها الاَيسر، ووضعت الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» في حجرها لترضعه، فترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثديها الاَيسر ومال إلى الثدي الاَيمن الذي كان جهاماً ـ أي خالياً من اللبن و لم يكن يدرّ به ـ فغيّرت الثدي إلى فمه، خوفاً من ألا يجد فيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» شيئاً فلا يأخذ بعده الاَيسر، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصرّ على مصّ الثدي الاَيمن، ولما استلمه امتلاَ وانفتح، فأدهش الجميع.

وتذكر حليمة أيضاً تلك البركة التي لحقتها وقومها بسبب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قائلة: إنّ البوادي أجدبت وحملنا الجهد على دخول البلد، فدخلتُ مكّة مع نساء بني سعد، فأخذتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فعرفنا به البركة والزيادة في معاشنا حتى أثرينا وكثرت مواشينا وأموالنا.

وقد احترمها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأجلَّها بعد سنوات عندما كبر، وحينما قدمت إليه في سنوات الجدب والقحط تزوره، احترمها وأكرمها


1. نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:« أنا ابن الذبيحين». الاَوّل: إسماعيل بن إبراهيم «عليهما السلام» ، والثاني: أبوه. بحار الاَنوار: 12|123.

(257)

وفَرَش رداءه تحت قدميها، واصغى لها.

ولما شكت حالها وهلاك مواشيها، طلب (صلى الله عليه وآله وسلم) من السيدة خديجة(عليها السلام) أن تعطيها بعيراً و 40 شاة، فانصرفت مسرورةً.

وقيل، أنّها جاءته مرّة فلما دخلت عليه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) :« أُمّي أُمّي».(1)

رأي قريش في القرآن

كان القرآن من أكبر وأقوى أسلحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إخضاع أساتذة الفصاحة والبلاغة أمام حلاوة كلماته وعباراته القوية، فاعترفوا بأنّ حديثه لم يعرفه البشرُ من قبل ولم يعهد له التاريخ الاِنساني نظيراً. وربما أدت جاذبيته وتأثير حديثه إلى انهيار قوّة الاَعداء.ومن تلك النماذج:

الوليد بن المغيرة، الذي كانت العرب ترجع إليه في حلّمشكلاتهم، فطلبوا رأيه في حلّ مشكلة قوّة انتشار الاِسلام، والقرآن، هل هو سحرٌ أم كهانةٌ أم حديث إنسان؟ فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أنشدني شعرك. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما هو بشعرٍ ولكنّه كلام اللّه الذي بعث أنبياءه ورسله». وقرأ عليه سورة «الرحمن» فاستهزأ وقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمان. قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا ولكنّي أدعوا إلى اللّه وحده الرحمن الرحيم». ثمّ افتتح سورة حم السجدة وبلغ إلى قوله تعالى: (فَإِنْ أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) فاقشعر جلدُه ، وقامت كلّشعرة في رأسه ولحيته، فمضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش.

فقالت قريش: يا أبا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمّد، أما تراه لم


1. وتنسب حليمة إلى سعد بن بكر بن هوازن. وهي ابنة أبي ذوَيب،وزوجها الحارث بن عبد العزى.

(258)

يرجع إلينا و قبل قوله ومضى إلى منزله. فاغتمت قريش وسارإليه أبوجهل قائلاً: يا عمّ نكسّت روَسَنا وفضحتنا، صبوتَ إلى دين محمّد؟ فقال: ما صبوتُ وإنّي على دين قومي وآبائي، ولكنّي سمعت كلاماً صعباً تقشعرّمنه الجلود. فقال أبو جهل: أشعرٌ هو؟

ـ ما هو بشعر.

ـ فخطب هي؟

ـ لا و إن الخُطَب كلام متصل. وهذا الكلام منثورٌ لا يشبه بعضه بعضاً... له حلاوة.

ـ فما هو؟ قال: قولوا، هوسحر فإنّه آخذ بقلوب الناس.

فأنزل اللّه سبحانه و تعالى فيه: (ذَرْني وَمَنْ خَلقت وَحيداً...) .(1)

كما حاول عتبة بن ربيعة وهو من كبراء قريش وأشرافها أن يثني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجهر بدينه، فكلّمه وطمّعه في المال و الجاه والشرف، فأسمعه (صلى الله عليه وآله وسلم) آياتٍ من سورة فصّلت:(بِسمِ اللّه الرَّحمن الرّحيم: حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ* كِتابٌ فُصِّلَت آياتُهُ قُرآناً عَربيّاً لِقَومٍ يَعْلَمُونَ* بَشيراً وَنَذِيراً فَأَعرَضَ أَكْثَرهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُون* وَقالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إليه) (2)

فسمع وبقي صامتاًحتى انتهى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ،فقام إلى أصحابه وقد تغيّرت ملامحه، فقال بعضهم: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فقالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: سمعتُ قولاً واللّه ما سمعتُ مثله قط. واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها


1. المدثر:11ـ30.
2. فصّلت:1ـ5.

(259)

بي وخلوّا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللّه ليكوننّ لقوله هذا الذي سمعت نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يَظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم وكنتم أسعد الناس به.

فانزعجوا وقالوا: سَحَرَك واللّه بلسانه. فقال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.

لماذا عارضت قريش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعاندته؟


1.حسدهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد تمنّوا أن يكونوا هم أصحاب هذا المنصب والمنزلة، إذ جاء في تفسير قوله تعالى: (وقالُوا لَولا نُزِّلَ هذا القُرآنُ على رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتيْنِِ عَظيِم) (1) أنّه: الوليد بن المغيرة، الذي قال: أينزلُعلى محمّد وأترك وأنا كبير قريش و سيدها، ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين.

وكذلك أُمّية بن أبي الصلت قال نفس الشيء وتمنّى أن ينال هذا المقام، فلم يتبع النبيّص إلى آخر حياته.

2. انغماسهم وحبّهم للشهوات، حيث كانوا أصحاب لَعْب ولهوٍ وفسق ومُجون، دون أن يقيّدهم في ذلك أيّ أمر، ممّا جعل دعوة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مخالفة لعاداتهم القديمة.

3. الخوف من عقوبات اليوم الآخر، إذ كانت تحدث ضجةٌ كبرى في أوساطهم، فيهدم مجالسَلهوهم وأنسهم، فحاربوه حتى لا يسمعوا تهديده ووعيده، كالآيات:

(فَإِذا جاءَتِ الصّاخَّةُ* يوم يَفِرُّ المَرءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمّهِ وَأَبيه* وصاحِبَتِهِ وَبَنيه*)


1. الزخرف:31.

(260)

لِكُلِّ امْرِىٍَ مِنْهُمْ يَومَئِذٍ شَأْنٌ يُغنِيه) .(1)

4. الخوف من القبائل المشركة، فقد ذكر «الحارث بن نوفل بن عبد مناف» للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّا لنعلم أنّ قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى ونوَمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا، إن تركنا الوثنية التي تدين بها، ويعتبروننا سدنة لاَوثانها، ولا طاقة لنا بها.

عبس و تولّى

رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ إسلام أحد الزعماء وكبار القوم يحل الكثير من المشاكل، ممّا جعله يصرّ على أن يجر الوليد بن المغيرة والد خالد، إلى الاِسلام، إذ كان أكبر سناً في قريش، وأكثرهم نفوذاً وشخصية، حيث دُعي حكيم العرب. فكلّمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم طامعاً في إسلامه، وفي الاَثناء جاء ابنُ أُمّ مكتوم وهو رجل من المسلمين وكان أعمى يكلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستقرئه القرآن، فشقّ ذلك منه على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أضجره، لاَنّه شغله عمّا كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من إسلامه، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً وتركه، فنزل قوله تعالى: (عَبَسَوَتَوَلّى* أَنْ جاءَهُ الاََعْمى...) .

إلاّ أنّ علماء الشيعة فنّدوا هذه الرواية التاريخية واستبعدوا صدور مثل هذا السلوك عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي امتدحه اللّه سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، وأنّه ليس فيه ما يدل أنّ الذي عبس و تولّى هو الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» . وقد روى الاِمام الصادق (عليه السلام) أنّ المراد به رجل من بني أُميّة عبس و تولّى، عندما حضر ابن أُمّ مكتوم الاَعمى، عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1. عبس: 33ـ 37.

(261)

فنزلت الآيات توبيخاً له.

أُسطورة الغرانيق

قيل إنّ الاَسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأُميّة بن خلف، والعاص ابن وائل، قالوا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا محمّد هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن و أنت في الاَمر. فأنزل اللّه تعالى: (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُون* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُد) .(1)

ومع ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رغب في أن يساوم قريشاً ويجاريهم، فقال في نفسه: ليت نزل في ذلك أمرٌ يقرّبنا من قريش. وبينما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلوا القرآن في الكعبة، فبلغ قوله تعالى من سورة النجم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالعُزّى* وَمَناةَ الثّالثَةَ الاَُخرى) (2) أجرى الشيطان على لسانه الجملتين الآتيتين: «تلك الغرانيق العُلى منها الشفاعة تُرتَجى». فقرأهما من دون اختيار، ثمّقرأ بعدها من الآيات. ولما بلغ آية السجدة، سَجَد هو و من حضر من المسلمين و المشركين أمام الاَصنام، إلاّ الوليد الذي عاقه كِبـَرُ سنّه عن السجود، ففرح المشركون وارتفعت صيحاتهم: لقد ذَكَر محمّد آلهتنا بخير. فانتشر الخبر بالتقارب والمصالحة بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، ولكنّهم عرفوا بأنّالاَمر تغيّر ثانية، حيث نزل مَلَكُ الوحي على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وأمره بمخالفة الاَصنام ومجاهدة الكفّار، وأنّ الشيطان هو الذي أجرى تلك الكلمات على لسانه، فهي ليس من الوحي في شيء أبداً. فنزلت الآيات في ذلك من سورة الحجّ52ـ 54:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِىٍّ إِلاّ إِذا تَمنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ...) .


1. الكافرون:2 ـ 3.
2. النجم: 19 ـ 20.

(262)

هذه الاَُسطورة نقلها الطبري في تاريخه، وردّدها المستشرقون، وهي باطلة تماماً، فالعقل يحكم بأنّ المرشدين الذين يبعثهم اللّه تعالى إلى البشرية، مصونون من أي خطأ وزلل، حتى لا تزول ثقة الناس بهم وبأفكارهم. والقرآن شهد ببطلانها أيضاً فكيف تمكّن الشيطانُ من الانتصار على النبيّ ص وسرّب إلى القرآن شيئاً باطلاً؟ فيصبح القرآن الذي يعادي الوثنيةويحاربها، داعياً إلى عبادتها. والقرآن يوَكّد: ( إنّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطان)(1) (إِنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).(2)

ولذا فإنّ الحديث باطل لم ينطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

لمحات من تضحيات وحبّ أبي طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

اجتمع أسيادُ قريش وأشرافها في بيت أبي طالب للتحدّث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان متواجداً معهم، وعن دينه والمشكلات السائدة في مكة، ومحاولة إبعاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن دعوته، ولكنّهم يئسوا في الحصول على أيّة نتيجة مرضية، فتركوا بيت أبي طالب غاضبين مهددين، وقال عقبة بن أبي معيط: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمّداً.

فَغَضِبَ أبو طالب دون أن يرد عليهم بشيء لاَنّهم كانوا في بيته. وحدث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من بيته في نفس اليوم ولم يعد، فجمع أبو طالب الفتيان من بني هاشم و بني المطلب، وطلب منهم أن يتبعوه إلى المسجد، ويجلس كلُّ واحد منهم إلى عظيم من عظمائهم. فجاء زيد بن حارثة وسأله أبو


1. الحجر:42.
2. النحل:99.

(263)

طالب: يا زيد أحسستَ ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً. فقال أبو طالب :لا أدخلُبيتي أبداً حتى أراه. فخرج زيد سريعاً إلى بيت عند الصفا فيه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مع أصحابه وأخبره، فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي طالب، فقال له: أين كنت؟ أكنتَفي خير؟ قال: «نعم». قال: أدخل بيتك.

وفي الغد خرج أبو طالب ومعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أندية قريش و قال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممت به؟ قالوا: لا. فقال للفتيان من بني هاشم و بني المطلب: إكشفوا عمّا في أيديكم. فكشفوا فإذا كلُّ رجل منهم معه حديدة صارمة. فقال: واللّه لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحداً حتى نتفانى نحن و أنتم. فانكسر القوم، و كان أبو جهل أشدّهم انكساراً وخيبة.

تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العسكري يوم بدر


يُعتبر الحصول على المعلومات حول العدو، ومعرفة أسراره العسكرية ومدى استعدادته، ومبلغ قوته، ودرجة معنويات أفراده، على أمر من الاَهمية و القيمة، عسكرياً، منذ القدم وحتى اليوم. ولذا فإنّ الجيش الاِسلامي استقر في منطقة لاءمت مبادىَ التستر ومنع أي عمل من شأنه كشف أسراره، كما أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» كلف فرقاً مختلفة بتحصيل وجمع المعلومات عن قريش وأفراد جيشها، حتى توفر لدى القيادة الاِسلامية من المعلومات، كان أهمها:

ـ معرفة نقطة تواجد قريش ومكان قاعدتهم. فقد سأل النبي ص بنفسه، وأحد قواده، شيخاً من العرب عن قريش و محمّد وأصحابه، فقال: إنّ محمّداً وأصحابه خرجوا يوم كذا، فهم الآن بمكان كذا، وكذلك بالنسبة لقريش.

ـ معلومات عن أعدادهم وعتادهم، فقد أرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) الاِمام عليّاً (عليه السلام) والزبير ابن العوام و سعد بن أبي وقاص إلى ماء بدر


(264)

لالتماس الاَخبار، فقبضوا على غلامين وأحضروهما إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي سألهما عن قريش، فقالا: هم و اللّه وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كم القوم وعدّتهم؟» فقالا: لا ندري، هم كثير. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : كم ينحرون كلّ يوم من الاِبل؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال ص:« القوم فيما بين التسعمائة والاَلف. فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأُميّة بن خلف. فقال «صلى الله عليه وآله وسلم» لاَصحابه: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها».

ـ معلومات حول القافلة، حيث كلّف (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصين بالتوجه إلى قرية بدر لتقصّي الحقائق عن قافلة قريش. فسمعا عند الماء جاريتين تقول إحداهما للاَُخرى: إنّما تأتي القافلة غداً أو بعد غد، فأعملُ لهم ثمّ أقضيك الذي لك. فقال لها مجدي بن عمرو الجهني: صدقت. ثمّ خلص بينهما.

فعاد الاثنان إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبراه بما سمعا. فعرف (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك وقت ورود القافلة ومكان تواجدهم، ممّا مكّنه من الاِعداد والترتيب لملاقاتهم.

وعندما وصل أبو سفيان إلى بدر وسأل مجدي بن عمرو عن محمد ورجاله، أجابه: ما رأيت أحداً أُنكرُه، إلاّ أنّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثمّاستقيا ثمّ انطلقا. فأخذ أبو سفيان من أبعار بعيريهما ففتّه فإذا فيه النوى، فقال: هذه واللّه علائف يثرب، هذه عيون محمّد وأصحابه، ما أرى القوم إلاّقريباً.

فرجع إلى أصحابه، واتّخذ جهة ساحل البحر الاَحمر، مبتعداً عن بدر.


(265)

من أحداث معركة أُحد

1. نفقات الحرب

تحمّل أسياد قريش نفقات المعركة، من اقتراح قدمه«صفوان بن أُميّة» و «عكرمة بن أبي جهل» إلى أبي سفيان بأن يدفع كلّ واحد منهم مبلغاً من المال قائلين: يا معشر قريش، إنّمحمّداً قد وَتَرَكم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا.

وقد أوضح القرآن الكريم موقفهم هذا بقوله: (إِن الّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقونَها ثُمَّ تَكُون عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُون وَالّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون) .(1)

2. مشاركة النساء في الحرب

فقد شاركت نساء مكّة الوثنيات مع الرجال في هذه المعركة على خلاف عادة العرب، وذلك حتى يحرّضن الرجال على القتال و الصمود، ويمنعن المقاتلين من الفرار و الهروب، لاَنّالفرار يعنى أسرهن، ويشعلن الحماس في النفوس بدق الدفوف، وإنشاد الاَشعار المثيرة الداعية إلى الثار.

3. إثارتهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

حاول عدد من أفراد قريش، القيام بنبش قبر أُمّ محمّد «صلى الله عليه وآله وسلم» : آمنة بنت وهب، قائلاً :فإنّ النساء عورة، فإن يصب من نسائكم أحد قلتم هذه رمّة أُمّك، فإن كان براً بأُمّه كما يزعم فلعمري ليفادينكم برّمة أُمّه، وإن لم يظفر


1. الاَنفال:36.

(266)

بأحد من نسائكم فلعمري فليفدين رمة أُمّه بمال كثير إن كان بها براً.

إلاّ أنّ أهل الرأي منهم رفض الاقتراح وقالوا: لو فَعَلنا ذلك، نبشت بنو بكر وخزاعة ـ و هم أعداء قريش ـ موتانا.

4. إطلاق الشعارات

تصبح مسألة بث الدعاية السيئة وزرعها في النفوس واستثمارها، سهلة وموَثرة في الاِنسان عند الهزائم وإصابة النكبات، فتصبح أكثر تقبلاً وأيسر تأثيراً.

ولذا فإنّ أبا سفيان أمر برفع الاَصنام والمناداة بأعلى الاَصوات، بعد معركة أُحد: أُعلُ هبل، أُعل هبل. فأدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمق الخطورة من هذا الاَسلوب الموَثر في النفوس، فأمر المسلمين بالاِجابة على ذلك بشعار مضاد قوي، فقال : «قولوا: اللّه أعلى وأجل، اللّه أعلى وأجل». فاستمر أبو سفيان في إطلاق شعاراته المزيفة: نحن لنا العزى ولا عُزى لكم. فردّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عليهم: «اللّه مولانا ولا مولى لكم». فنادى المشركون: يومٌ بيوم بدر. فأجاب المسلمون: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.

5. عن أُميّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى العلاّمة المجلسي عن الاِمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: كان ممّا منّ اللّه عزّوجلّ على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان لا يقرأ ولا يكتب، إلاّ انّه عندما توجه أبو سفيان إلى أُحد، كتب العباس بن عبد المطلب إلى النبي


(267)

(صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره بذلك، فوصله الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة، فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة فأخبرهم عندئذ.(1)

6. التضحية والفداء في سبيل اللّه

وخير من مثلها في معركة أُحد:

*عمرو بن الجموح: كان شيخاً أعرجاً أصيب في رجله، وله من الاَولاد أربعة يشهدون المشاهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأراد الاشتراك في أُحد، ولكنّهم منعوه، فأتى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: إنّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فواللّه إنّي لاَرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أمّاأنت فقد عَذَرك اللّه ولا جهاد عليك». ثمّ توجّه إلى أبنائه وقومه: «لا عليكم ألا تمنعوه، لعلّ اللّه يرزقه الشهادة». فخرج وهو يقول: اللّهم ارزقني الشهادة ولا تردّني إلى أهلي. وقد حمل على الاَعداء وهو يقول: أنا واللّه مشتاق إلى الجنّة. فاستشهد في المعركة.

* الشاب حنظلة بن أبي عامر: كان له من العمر 24 عاماً، واشترك أبوه في أُحد إلى جانب قريش، حيث كان عدواً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحرّض على قتاله، ومعاداة الاِسلام، فهو السبب لما حدث في مسجد ضرار. فكان على الباطل، إلاّ أنّ ابنه حنظلة اتّخذ جانب الحقّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . وفي يوم المعركة، كان قد أعدّ للزواج بابنة عبد اللّه بن أبي سلول و يقيم مراسيم الزفاف والعرس في ليلة الخروج إلى أُحد، ولكنّه سمع نداء الجهاد فاستأذن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتوقف في المدينة ليلة واحدة حتى يجري مراسيم العرس و يقيم عند عروسته، ثمّ يلتحق بالمعسكر الاِسلامي في الصباح. وقد نزل في ذلك قوله:(إِنَّما الْمُوَْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى)


1. بحار الاَنوار:20|111.

(268)

أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتأذنُوه إِنَّ الّذينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الّذِينَ يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذا استَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنهِمْ فَأْذَن لمن شِئْت مِنْهُمْ) .(1)

وخلال المعارك، استشهد وهو يطارد أبا سفيان، فقال النبي ص: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والاَرض بماء المزن في صحائف من ذهب. فكان يسمّى غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل، ذلك أنّه خرج إلى الحرب وهو جنب.

وكانت الاَوس تعتبره من مفاخرها فتقول: ومنّا حنظلة غسيل الملائكة.

أمّا أبو سفيان فقال: حنظلة بحنظلة. ويقصد حنظلة الغسيل بحنظلة ابنه الذي قتل يوم بدر.

والاَمر الغريب هنا، إنّ العروسين كانا موَمنين متفانيين في سبيل الحقّ، في مقابل والدين من أعداء الرسولص، فعبد اللّه بن أبي سلول والد العروس كان على رأس المنافقين، وأبو عامر الفاسق والد العريس، سمّي في الجاهلية بالراهب لعدائه الشديد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتحق بالمشركين في مكّة، وحرض هرقل على ضرب الحكومة الاِسلامية، وقتل الكثير من المسلمين في أُحد. إلاّ أنّه عندما التقى المعسكران نادى أبو عامر: يا معشر الاَوس أنا أبو عامر، فقد تخيل أنّهم سيتركون نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا شاهدوه، ولكنّهم ردّوا عليه: فلا أنعم اللّه بك عيناً يا فاسق. فتركهم واعتزل الحرب بعد حين.

* أُمّ عمارة

تحدّثت النساء إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن


1. النور:62.

(269)

اشتراكهن في الجهاد: يا رسول اللّه نحن نقوم بكلّ ما يحتاج إليه الرجال في حياتهم ليجاهدوا ببال فارغ، فلم حُرِمنا نحن من هذه الفضيلة؟ فأجاب «صلى الله عليه وآله وسلم» : إنّحُسْنَ التبعّل يعدل ذلك كلّه.مشيراً إلى الاَسباب الطبيعية والعضوية للمرأة. إلاّ أنّ بعضهن خرجن من المدينة لمساعدة جنود الاِسلام، في السقي وغسل ثيابهم وتضميد الجرحى. واشتهرت منهن في أُحد: أُمّ عمارة نسيبة المازنية: التي قاتلت دفاعاً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرحت، وقالت تشرح موقفها: أقبل ابن قميئة وقد ولّى الناس عن الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» يصيح: دلّوني على محمّد لانجوت إن نجا. فاعترض له مصعب بن عمير وآخرون، وكنت فيهم فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك عدّة ضربات، ولكنّه احتمى بدرعين كانا عليه. و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر إليّ، فرأى جرحاً على عاتقي، فصاح بأحد أولادي: «أُمّك أُمّك إعصب جرحها»، فعاونني عليه.

وعندما رأت ابنها وقد جرح أقبلت إليه ومعها عصائب أعدّتها للجراح فربطت جرحه،والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر، فقالت لولدها: انهض يا بني فضارب القوم. ممّا أعجب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) باستقامتها وثباتها وإيمانها فقال: «ومن يطيق ما تطيقين يا أُمّ عمارة».

وفي هذه الاَثناء أقبل الرجل الذي ضرب ولدها فقال النبي ص هذا ضارب ابنك. فحملت عليه كالاَسد وضربت ساقه فبرك. ممّا ازداد من إعجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشجاعتها وبسالتها فتبسم وقال: «استقدت يا أُمّ عمارة، الحمد للّه الذي ظفّرك وأقرّ عينك من عدوك».

وبعد المعركة طلبت الانضمام إلى جيش المسلمين الذي سار إلى حمراء الاَسد، ولكن جراحها منعتها من تأدية الغرض، وبعد رجوع النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» سأل عنها فسرّ لسلامتها.

Website Security Test