welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(229)

أحداث السنة العاشرة من الهجرة


1. ورود وفد نجران، و المباهلة

تقع نجران على الحدود بين الحجاز و اليمن، واعتنق أهلها المسيحية، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدكتب إلى أُسقف نجران أبو حارثة يدعوه إلى الاِسلام أو دفع الجزية، أو الحرب بين الطرفين، فتشاور مع رجاله وشخصيات دينية كان من ضمنهم شرحبيل الذي عرف بالعقل والحكمة والتدبير فقال: قد علمتُما وعد اللّه إبراهيم في ذرّية إسماعيل من النبوّة. ثمّ اتّفقوا على إرسال وفد منهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضمّ ستين شخصاً من أهل العلم بقيادة ثلاثة من أساقفتهم:

ـ أبو حارثة بن علقمة: أسقف نجران الاَعظم والممثل الرسمي للكنائس الرومية في الحجاز.

ـ عبد المسيح : رئيس الوفد.

ـ الاَيهم: من الشخصيات المقدّرة عندهم.(1)

وحينما وصلوا المدينة ودخلوا المسجد لمقابلة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في ملابسهم الخاصة من ديباج وحرير وذهب، والصلبان في أعناقهم، انزعج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك فأخبرهم الاِمام علي (عليه السلام)


1. السيرة الحلبية:3|211.

(230)

بأن يضعوا حللهم وخواتيمهم ثمّ يعودوا إليه، فدخلوا من ثمّ على النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي احترمهم وتقبّل هداياهم، ثمّ طلبوا الاِذن بالصلاة ـ أي صلاتهم ـ فأذن لهممدلّلاً بذلك على التسامح الديني الذي تميز به الرسول الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والاِسلام.

ثمّ جرت المفاوضات و المناقشات الدينية بينهم و بين النبي ص وخاصة فيما يرتبط بالسيد المسيح، فأوضح لهم النبي ص ما جاء حوله مفصلاً في القرآن الكريم، و أنّه بشر وليس إلهاً ولكنّهم لم يرضخوا لمنطق النبي ودلائله فدعاهم إلى المباهلة بعدما نزلت عليه الآيات: (فَمَنْ حاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِماجاءَكَ مِنَالعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللّهِ عَلى الكاذِبين) .(1)

واتّفق الطرفان على إجراء المباهلة في الصحراء خارج المدينة، فاختار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهله أربعة أشخاص فقط هم: الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والاِمامان الحسن و الحسين «عليهما السلام» فلم يكن غيرهم أطهر نفساً وأقوى وأعمق إيماناً. وفي الموعد المحدد سار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الموقع بأسلوب مميز، فقد احتضن الاِمام الحسين (عليه السلام) وأخذ بيد الاِمام الحسن (عليه السلام) وسارت السيدة الزهراء(عليها السلام) خلفه ، والاِمام علي (عليه السلام) خلفها، وهو يقول: إذا دعوتُ فأمِّنُوا

وكان زعماء الوفد النجراني قد قرروا أنّه إذا خرج النبيبأهله فقط، لم يباهلوه فإنّ ذلك يدل على صدقه وثقته بحاله، فلما شاهدوا ذلك بأنفسهم اندهشوا له، فكيف خرج النبيبابنته الوحيدة وأفلاذ كبده المعصومين للمباهلة،فأدركوا أنّهواثق من نفسه ومن دعوته، إذ لو لم يكن كذلك لما خاطر بأحبائه ولما عرضهم للبلاء السماوي، ولهذا قال أُسقف نجران: يا معشر


1. آل عمران:61.

(231)

النصارى، إنّي أرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الاَرض نصراني إلى يوم القيامة. فاتّفقوا بذلك على عدم أداء المباهلة، واستعدادهم لدفع الجزية سنوياً للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في مقابل قيام الدولة الاِسلامية بالدفاع عنهم.

وجاء عن السيدة عائشة: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يوم المباهلة وعليه مرط ـ كساء ـ مرجّل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة ثمّ علي، ثمّ قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَعَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً).(1)

ويوَكد الزمخشري، أنّ ذلك دليل قويّ على فضل أصحاب الكساء، وبرهان على صحّة نبوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمّا عن وقت حدوث المباهلة، فقد جاء أنّه لا خلاف بين الموَرخين بأنّ كتاب الصلح كتب عام 10هـ وفي يوم 25 من شهر ذي الحجّة.ويذكر السيد ابن طاووس أنّه كان يوم 24 وهو الاَصح، بينما رأى فريق آخر أنّه كان في يوم 21 أو 27 من الشهر نفسه.(2)

وقد جاء عن السيد ابن طاووس قصة المباهلة في كتاب الاِقبال بصورة مفصّلة لم ترد في أيّ كتاب آخر، مشيراً بأنّ محتوياته اقتبست من كتابين:

1. كتاب المباهلة لاَبي الفضل محمّد بن عبد المطلب الشيباني.(3)

2. كتاب عمل ذي الحجّة تصنيف الحسن بن إسماعيل بن إشناس.(4)


1. الاَحزاب:33.
2. الاِقبال:743.
3. يرى النجاشي أنّ له فترتين من الحياة، كان في إحداها موثوقاً به، وفي الاَُخرى لم يكن موثوقاً به.
4. من مشايخ الطائفة الاِمامية، توفي 460هـ ونقل أحاديث المباهلة.

(232)

أما رأينا حول توقيت المباهلة، فإنّ الدراسة العلمية تثبت أنّ الواقعة لم تحدث في شهر ذي الحجّة عام 10هـ، أنّ الرسول ص كان قد توجه إلى مكّة لتعليم مناسك الحجّ في هذه السنة، وفي اليوم 18 من هذا الشهر ـ و هو يوم الغدير، نصب علياً (عليه السلام) في غدير خم(1) خليفة على المسلمين من بعده، ولم تكن حادثة الغدير بالاَمر الهيّن حتى يتابع النبي ص سفره فوراً إلى المدينة، إذ أنّه نصب خيمة جلس فيها الاِمام علي (عليه السلام) ليدخل عليه المهنّئون،واستمر ذلك حتى ليلة 19 من ذي الحجّة، حيث بدأت أُمّهات الموَمنين في التهنئة عند نهاية المراسيم، فلا يمكن لذلك أن يغادر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» غدير خم في يوم 19، نظراً لوجود الكثير من الحجّاج الذين كانوا يودعون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه البقعة.

والشواهد التاريخية توَكد أنّ النظرية المذكورة في توقيت المباهلة لا تحظى بالاعتبار الكافي، فلابدّ لمعرفة زمن الحادثة التي هي من مسلمات القرآن والتفسير والحديث، تحرّي المزيد من التحقيق والدراسة والتقصّي. وأمّا سبب اختيار العلماء للوقت والزمن، فذلك لاَنّ الشيخ الطوسي اختاره استناداً إلى روايات نَقَلها في كتابه، مع وجود رجال غير ثقات ضمن سنده.

وتعتبر قصة مباهلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع وفد نجران من أحداث التاريخ الاِسلامي الجميلة و المثيرة، وإن قصّر بعض المفسرين والموَرخين في رواية تفاصيلها وتحليلها، إلاّ أنّ عدداً من العلماء كالزمخشري في الكشاف، والاِمام الفخر الرازي في تفسيره، وابن الاَثير في الكامل، تناولوها بدقائقها.(2)


1. تبعد عن الجحفة ميلين، والجحفة على 6 أميال من البحر الاَحمر،وتقرب من رابغ الآن، و4 أميال من مكة. أمّا بحساب المقاييس الحديثة فهي تبعد عن مكّة 220 كم. والميل عبارة عن 3 آلاف ذراع، والفرسخ يساوي 9 آلاف ذراع، و قيل إنّ الميل 4 آلاف ذراع،والفرسخ 12 ألف ذراع. و الميل ثلث الفرسخ،والفرسخ يعادل 3 أميال.
2. الكشاف: 1|382؛ مفاتيح الغيب للرازي:2|471؛ الكامل: 2|112.

(233)

كما أنّها وما نزل فيها من القرآن الكريم تعتبر أكبر فضيلة تدعم موقف الشيعة، في الكشف عن مقام ومكانة من باهل بهم رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» والذين يتخذهم الشيعة أئمّة وقادة لهم، فالآية الكريمة اعتبرت الاِمام الحسن والحسين «عليهما السلام» أبناء للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي المرأة الوحيدة التي ترتبط بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبّر عن علي (عليه السلام) بأنفسنا، فكان بحكم هذه الآية بمنزلة نفس رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أي من حيث الصفات النفسية والموَهلات الروحية.

2. وفود القبائل في المدينة

بعد إعلان البراءة من المشركين والوثنيين في موسم حج 9هـ ارتبكت القبائل فعمدت إلى إيفاد مندوبين عنها إلى عاصمة الاِسلام للحوار والتعرف على الدين الجديد والخضوع للدولة الاِسلامية. وهو ما يكشف عن أنّه في عام 10هـ فَقَد هوَلاء كلَ حصن يمنعهم عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ لم تنته الفترةُ المقررة لاِعلان موقفهم ـ سواء بالرفض أو القبول ـ بعد أربعة أشهر، إلاّوقد دخَلَت كلّمناطق الحجاز تحت راية التوحيد، بالاِضافة إلى سكان اليمن والبحرين واليمامة.

وقد بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن: معاذ بن جبل لينشر دين التوحيد ويشرح لهم التعاليم فأوصاه قائلاً: «يسّر ولا تعسّر، وبشّر ولا تنفّر» إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى أن يرسل الاِمام عليّاً (عليه السلام) إلى تلك الجهات ليزيل المشكلات التي تعرقل تقدّم الاِسلام في تلك الديار. ولكن الاِمام (عليه السلام) تواضَعَ في ذلك وقال: يا رسول اللّه تبعثُني وأنا شابٌّ أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ـ أي ما فعلته قبل هذا ـ فضربَ الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بيده على صدره و قال: «اللّهم اهد قلبه و ثبّت لسانه» ثمّ أوصاه بوصايا أربع هامة قائلاً: «يا علي أُوصيك : بالدعاء فإنّ معه الاِجابة، وبالشكر فإنّ معه المزيد،


(234)

وإيّاك أن تخفر عهداً أو تعين عليه، وأنهاك عن المكر فإنّه لا يحيق المكر السيّءُ إلاّبأهله، وأنهاك عن البغي، فإنّه من بُغي عليه لينصرنّه اللّه».

وفي اليمن دخلت قبيلة همدان كلّها في الاِسلام في يومٍ واحد، حينما قرأ عليهم كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فكتب الاِمام (عليه السلام) بذلك إلى النبيفاستبشر وابتهجَوخَرَّ ساجداً شكراً للّه وقال: «السلام على أهل هَمْدان». وعلى أثر إسلام همدان تتابع أهل اليمن على الاِسلام.(1)

وقد حاولت جماعةٌ من القبائل اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد اتّفق ثلاثة من أفراد قبيلة بني عامر المعروفة بالشر و الطغيان أن يدخلوا المدينة على رأس وفد بني عامر متظاهرين بالتفاوض مع الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» واغتياله غدراً. والثلاثة هم: عامر، أربد، و جبار. وشملت خطتهم أن يتحدث عامر إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الوقت الذي يعد فيه أربد لضربه بالسيف، إلاّ أنّ الوضع لم يجرِ كما خُطِّطَ له، فقد هاب أربد النبيوانصرف عن نيّته، فغضب عامر و هدّد بمحاربة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وغادر المجلس بعد أن دعا عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى صاحبه، فاستجاب اللّه دعاءه سريعاً حيث مات في الطريق بمرض الطاعون، واحترق أربد بصاعقة وهو في الصحراء.

3. حجّة الوداع

في عام 10 هـ أمرَ اللّهُ تعالى نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشارك في مراسم الحجّ، ويعلّم مناسكه للناس، ويوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليّاً، كما يقوم بإزالة كلّما ارتبط بها من زوائد طيلة السنوات


1. الكامل: 2|305؛ بحار الاَنوار: 21|360.

(235)

الماضية، ويعيّن حدود عرفات ومنى و يوم الاِفاضة منها. ولذلك فقد تهيّأ عددٌ كبير من المسلمين لمرافقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الرحلة المباركة، فخرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة يوم 26 من ذي القعدة حتى بلغ ذي الحُليفة ـ قرب مسجد الشجرة ـ فأحرم ودخل الحَرم ملبّياً: «لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحَمدَ والنعمة لك والملك لبيك، لا شريك لك لبيك» وهو نداء إبراهيم (عليه السلام) . وكان يكرّر التلبية كلّما شاهد راكباً أو علا مرتفَعاً من الاَرض أو هبط وادياً، وعندما شارف مكة قطع التلبية. فدخل مكّة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجّة متوجّهاً نحو المسجد الحرام رأساً، ودخله من باب بني شيبة وهو يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على إبراهيم (عليه السلام) ، فبدأ من الحَجَر الاَسود فاستلمه أوّلاًً(1) ثمّ طاف سبعة أشواط حول الكعبة المعظمة، ثمّصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ثمّتوجه نحو الصفا والمروة للسعي بينهما، ثمّ التفت إلى حُجّاج بيت اللّه الحرام وقال: «من لم يسق منكم هدياً فليحلّوليجعلها عمرة (أي فليقصّر فيحل له ما حرم عليه الاِحرام) ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».

إلاّ أنّ البعض منهم كره أن يحل إحرامه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مُحرم، فأمرهم بتنفيذ ما قال: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما أمرتكم». أي أنّني لو كنت أعلم بالمستقبل وعرفت موقف الناس المتردد وخلافهم هذا من قبل، لما سقت الهدي، وفعلتُ ما فعلتموه، ولكن ما العمل وقد سُقتُ الهديَ فلا يمكنني الاِحلال من الاِحرام حتى يبلغ الهديُ محلّه. فمن


1. استلمه يعني مسح الحجر الاَسود باليدين قبل الشروع بالطواف، واستلامه نوع من تجديد الميثاق مع الخليل إبراهيم (عليه السلام) والعمل على نصرة عقيدة التوحيد على نحو ما فعل إبراهيم (عليه السلام) . وقد اعتمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المدنية مرّتين، واحدة في عام 7هـ و الاَُخرى عام 8 هـ بعد فتح مكة، فهذه كانت ثالث عمرة له مع الحجّ.

(236)

الواجب عليّأن أبقى في إحرامي، أي أنحر هديي بمنى كما أمر اللّه سبحانه و تعالى، وأما أنتم فمن لم يسق الهدي منكم فإنّ عليه أن يحلّإحرامه، واحسبوها عمرةً ثمّ احرموا للحجّمرّة أُخرى.

وقد كره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال فترة الحجّ أن يمكث في دار أحد، ولذا فإنّه كان يأمر بضرب ـ أي بإعداد ـ خيمة له خارج مكّة. وقصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفات في اليوم الثامن من ذي الحجّة عن طريق منى التي توقّف فيها إلى طلوع الشمس من اليوم التاسع، فركب بعيره نحو عرفات، ونزل في خيمة أُعدَّت له في نمرة، وألقى هناك خطاباً تاريخياً هاماً وهو على ناقته، في جموع بلغت 100 ألف.

وبدأ خطابه قائلاً: «أيّها النّاس اسمعوا قولي واعقلوه، فإنّي لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، أيـّها النّاس، إنّ دماءَكم وأموالكم ـ وأعراضَكم ـ عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا وكحرمة بلدكم هذا، وكحرمة يومكم هذا».

وقد ألغى في هذا الخطاب عادات الثأر الجاهلية المشوَومة بادئاً بأقربائه، مثل الانتقام، والخيانة، أي أداء الاَمانة، والربا، كما استوصى بالنساء خيراً.

«وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً كتاب اللّه وسنّة نبيّه. والمسلمُ أخو المسلم، والمسلمون إخوة، ولا نبي بعدي ولا أُمّة بعدكم. ألا كلّشيء من أمر الجاهلية موضوعٌ تحت قدمي».

ثمّ سار بعد الغروب إلى المزدَلَفة، ووقف فيها من الفجر إلى طلوع الشمس، وتوجه في اليوم العاشر إلى منى وأدّى مناسكها، ثمّتوجه نحو مكّة لاَداء بقية المناسك.

وكان الاِمام علي (عليه السلام) يومذاك في اليمن، فعلم بتوجّه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى مكّة، فخرج مع جنوده للمشاركة في الموسم واصطحب


(237)

معه شيئاً من بز اليمن وحريرها أخذها جزية من أهل نجران. وبعد أن أدّى مناسك العمرة، رجع الاِمام (عليه السلام) إلى جنوده حسب ما أمره الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» فوجد أنّ نائبه الذي عينه أثناء غيابه قد وزّع على كلّ فرد منهم حلّة من البز، كان يريد تسليمها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فطلب منهم ردّها مع الاَشياء الاَُخرى من جزية أهل نجران.

4. الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

هل الخلافة منصبٌ تعييني أو انتخابي؟ يرى الشيعة أنّ القيادة منصب تعييني فيه نصٌّ،فلابدّ أن يتعيّن خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جانب اللّه سبحانه و تعالى، بينما يرى أهلُ السنّة أنّها منصب انتخابي جمهوري، أي تقوم الاَُمّة هي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باختيار فرد منهم يتولّى إدارة البلاد. و لكلّ من الاتّجاهين دلائل ذكرها أصحابها في الكتب العقائدية.

إنّ الظروف السائدة في تلك الفترة حتمت بأن يعيّن النبي ص خليفةً له، وذلك لما كان عليه الوضع من تهديد العدو للدولة الاِسلامية، فأوجب مواجهة الاَخطار الخارجية بتعيين قائدٍ سياسىٍّ يمكنه السيطرة على الوضع، كما أنّ خطر حزب النفاق كان لا يزال له دوره في تقويض دعائم الكيان الاِسلامي داخلياً، وقد بيّن دورهم التخريبي وخطرهم الاَكيد، القرآن الكريم في عدّة سور.

ولذا فإنّه مع وجود تلك الاَخطار الخارجية والداخلية، التي كانت تنتهز الفرص للقضاءعلى الدولة الاِسلامية الحديثة، فإنّه كان لابدّ من تعيين قائد ديني سياسي، يمكنه القضاء على ما يظهر من اختلاف وانشقاق بعده «صلى الله عليه وآله وسلم» في المجتمع الاِسلامي، ويكون بذلك ضماناً لبقائه واستمراريته.

وبالاِضافة إلى تلك الاَحوال الاجتماعية والسياسية للمسلمين، فإنّ هناك


(238)

روايات وأخباراً أكدت صحّة الموقف والرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة، وثبتت في المصادر المعتبرة، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ على خليفته مراراً، إذ لم ينص على خليفته ووصيه في أواخر حياته فحسب، بل بادر إلى ذلك في بدء الدعوة، وخاصة في الفترة التي أمره فيها سبحانه وتعالى بأن ينذر عشيرته الاَقربين ويدعوهم إلى عقيدة التوحيد، حينما وقف خطيباً في أربعين رجلاً من زعماء بني هاشم:«أيُّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟» فأحجم القوم و قام علي (عليه السلام) وأعلن موَازرته له، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».(1)

وعُرف هذا الحديث بحديث يوم الدار، وحديث بدء الدعوة.

كما أنّ حديث الغدير يُعدّ من أهمّ الاَحداث والوقائع التي توَكّد صراحة على خلافته (عليه السلام) إذ أنّه في الطريق إلى المدينة، بلغ موكب الحجّ العظيم رابغ(2) حيث نزل جبرائيل (عليه السلام) على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بمنطقة تدعى غدير خم و بلغه الآية التالية: (يا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْلَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَمِنَ النّاسِ)(3) وكان ذلك الاَمر هو الاِعلان عن خلافة الاِمام علي (عليه السلام) أمام 100 ألف شاهد.

وقال في خطابه: «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً، كتابَ اللّه سببٌ، طرفٌ بيد اللّه، وطرفٌ بأيديكم، فتمسّكوا به؛ والآخر عترتي، وإن


1. تاريخ الطبري:2|216؛ الكامل في التاريخ:2|62.
2. تقع الآن على طريق مكة ـ المدينة، وتبعد عن الجحفة ثلاثة أميال، والتي هي من مواقيت الاِحرام، وتتشعب منها طرق أهل المدينة ومصر والعراق.
3. المائدة:67.

(239)

اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا». ثمّ رفع يَدَ الاِمام علي (عليه السلام) قائلاً: «يا أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه مولاي و أنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه.(1) اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبّه، و ابغض من أبغضه، وأدر الحقّ معه حيث دار».

وفي الحقيقة إنّنا قلّما نجد حادثةً تاريخية حظيت في العالم في التاريخ الاِسلامي والاَُمّة الاِسلامية بمثل ما حَظِيَت به واقعة الغدير. فقد استقطبت اهتمام فئاتٍ مختلفة من المحدثين والمفسرين والفلاسفة والكتاب والشعراء والاَُدباء والخطباء وأرباب السير والتراجم، واعتنوا بها أشدّ الاعتناء. و من أسباب خلودها واستمراريتها، نزول آيتين حولها في القرآن الكريم.(2) كما أنّ المسلمين سابقاً والشيعة بصورة خاصة ، اتّخذوا هذا اليوم عيداً ومناسبةً مفرحةً، جعله خالداً حتّى الآن. فقد كان يوم 18 من شهر ذي الحجّة معروفاً بيوم عيد الغدير عندهم، حتى أنّ بعض الموَرخين أرّخوا به بعض الاَحداث، كما أنّ أبا ريحان البيروني والثعالبي، اعتبراه من الاَعياد الاِسلامية.(3)

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المهاجرين والاَنصار، ونساءه بالدخول على الاِمام علي (عليه السلام) لتقديم التهنئة له بهذه الفضيلة الكبرى، مثلما ذكر زيد بن أرقم، وأنّ أوّل من صافق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلياً: أبو بكر وعمر و عثمان وطلحة والزبير، وباقي المهاجرين والاَنصار


1. كرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لاَيّ التباس.
2. المائدة:67و3.
3. وفيات الاَعيان:1|60؛ الآثار الباقية: 395؛ ثمار القلوب: 511.

(240)

والناس.

كما أنّ 110 صحابياً تناولوا هذه الواقعة التاريخية الهامة بالرواية والحديث، كما رواه أيضاً 89 تابعياً، و 360 شخصاً من علماء أهل الشيعة وفضلائهم، وصحّحه جمع كبير من الآخرين. فقد رواه في القرن 3هـ: 92 عالماً، وفي القرن 4هـ: 44 عالماً، إلى القرن 14 هـ حيث رواه عشرون عالماً. وألّف الطبري في ذلك كتاباً أسماه:الولاية في طرق حديث الغدير روى فيه الحديث عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بـ57 سنداً. كما رواه عدد من علماء الحديث أمثال: ابن حجر العسقلاني، وأبو سعيد السجستاني، والنسائي، وأبو العلاء الهمداني. وبلغ عدد من ألّف رسالة خاصة أو كتاباً مستقلاً حول الواقعة و تفاصيلها 26 شخصاً. أمّا علماء الشيعة فقد تناولوا فيها كتباً و موَلفات قيّمة، أشملُها الغدير الذي كتبه العلاّمة القدير آية اللّه الشيخ الاَميني.(1)

وبعد نزول الآية السابقة، والاِجراءات التي أقدم عليها النبي ص نزلت الآية: (اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً).(2)

فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصوت عال وقال: «الحمد للّه على إكمال الدّين، وإتمام النعمة، ورضى الربّ برسالتي، وولاية علي بن أبي طالب بعدي». ثمّ قام حسّان ابن ثابت الاَنصاري واستأذن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في أن ينشد أشعاراً بهذه المناسبة.


1. يشتمل على 11 مجلد في 6 آلاف صفحة.
2. المائدة: 3.

(241)

5. المرتدّون من المتنبّئين

في نهاية عام 10هـ قدم نفران من اليمامة وسلّما النبيكتاباً من مسيلمة (الكذّاب) يدّعي فيه النبوة ويُشرِك نفسَه مع رسول الاِسلام في أمر الرسالة، يريد بذلك أن يعرّف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بنبوته هذه: فإنّي قد أُشركتُ في الاَمر معك، وإنّ لنا نصف الاَرض، ولقريش نصفُ الاَرض، ولكن قريشاً قومٌ يعتدون.(1) فالتفت النبيّإلى رسولي المتنبىَ و قال: «أما واللّه لولا أنّالرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما لاَنّكما أسلمتما من قبل و قبلتما برسالتي فَلِم اتبعتما هذا الاَحمق وتركتما دينكما ؟».

ثمّ كتب (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه كتاباً مقتضباً: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من محمّد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذّاب السّلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّ الاَرض للّه يورثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين».(2)

كما ادّعى النبوة في نفس الوقت، الاَسود بن كعب العنسي، في اليمن، إلاّ أنّ الخلفاء من بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تمكّنوا من القضاء على تلك الحركات المرتدة، إذ أنّها كانت أوّل أعمال الخلفاء الراشدين.

6. الاَخطار الخارجية

وكان خطرُ الروم أشدَّ الاَخطار الخارجية، فاعتبره النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أمراً جدّياً لا يمكن التقليل من شأنه، ولذا فإنّه أعدّ جيشاً كبيراً في(سنة


1. لم يبدأ كتابه باسم اللّه أو مثل ما كان يفعله المشركون في العهد الجاهلي.
2. السيرة النبوية:2|600.

(242)

8هـ) لمحاربتهم، كما سار إلى تبوك في (سنة9هـ )لاِظهار قوّة المسلمين أمامهم. ثمّ رأى بعد حجّة الوداع أن يُعدَّ جيشاً من المهاجرين والاَنصار، واشترك فيه أشخاصٌ بارزون في الدولة أمثال: أبي بكر وعمر وأبي عبيدة و سعد بن أبي وقاص، وكلّ من هاجر إلى المدينة خاصّة، وأمر بقيادته: أُسامةَ بن زيد، وقال له: «سِر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيلَ، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحاً وشنّ الغارة على أهل أُنبى».(1)

وقد أرادَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيين قائد صغير السنّ على هذا الجيش الكبير، أن يوَكّد أساس الكفاءة الشخصية في تولّي المناصب والمسوَوليات، فهي لا ترتبط بالسن والعمر، بل بالكفاءة والموَهلات المطلوبة.

ولذا فإنّه لم يكن هناك مبررٌ لاعتراض البعض على تولّي قيادته من حيث السنّ وعمر الشباب.(2)

ذلك أنّ هوَلاء غفلوا عن المصالح و الاَهداف التي توخّاها الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» من هذا الاِجراء، فقدّروا كلَّ عمل بعقولهم المحدودة، و قايسوها بمقاييسهم الشخصية، ممّا أثر ذلك في تأخير تحرك الجيش من معسكر الجرف(3)،

ر الذي استقر به أُسامة منتظراً من سيلحق به من المسلمين.


1. أنبى، من مناطق البلقاء في سوريا قرب موَتة بين عسقلان و الرملة.
2. ذهب بعض إلى أنّه كان في عمر 17 سنة، و آخرون بأنّه كان في 18 سنة، على أنّهم اتّفقوا على أنّه لم يتجاوز العشرين.
3. الجرف: على بعد 3 أميال من المدينة نحو الشام.

(243)

7. مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

وبعد يوم من إعداد الجيش السابق، مَرِض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصداع شديد تركه طريحَ الفراش، وهو المرض الذي قضى فيه «صلى الله عليه وآله وسلم» .وقد علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّهناك من تخلّف عن الجيش، ومن يعرقل التوجه إلى موقعه، ومن يطعن في قيادة أُسامة، فغضب لذلك بشدّة وخرج معصّباً جبهته إلى مسجده، يحذرهم من عواقب أعمالهم غير السليمة وخاطبهم بقوله:

«لئن طَعنتم في إمارتي لاَُسامة، فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيمُ اللّه كان للاِمارة خليقاً، وأنّ ابنه من بعده لخليق للاِمارة، وإنَّه كان لمن أحبّ الناس إليّ، واستوصُوا به خيراً فإنّه من خياركم».

ونظراً لاَهمية هذا الجيش، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول و هو في الفراش: «جهّزوا جيش أُسامة، لَعَنَ اللّهُ من تخلّف عنه».(1)

وفي الوقت الذي استعدّ فيه أُسامة وآخرون من المهاجرين والاَنصار للسير نحو الجرف، انتشر بينهم خبرُ تدهورِ صحّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّاجعلهم يعدلون عن قصدهم حتى يوم الاِثنين، إلاّ أنّه «صلى الله عليه وآله وسلم» حثّه على الخروج قائلاً: «اغدُ على بركة اللّه».(2) فتهيّأ الجيشُ للتحرّك والمغادرة، إلاّ أنّ خبر احتضارالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلهم يعودون إلى المدينة متجاهلين أوامرَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد ذكر الموَرخون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج في الليلة التي توفّي في صبيحتها، مع الاِمام علي (عليه السلام) إلى البقيع مع عدد آخر، فقال


1. الملل و النحل:1|23؛ طبقات ابن سعد:2|190.
2. طبقات ابن سعد:2|190.

(244)

لهم: «إنّي أمرت أن استغفر لاَهل البقيع»، و عندما وصل إلى المكان سلّم على أهل القبور قائلاً:

«السّلامُ عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه، أقبَلَت الفتن كقِطَع اللّيل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أوّلها». ثمّ التفت إلى الاِمام علي (عليه السلام) و قال:

«يا علي، إنّي خيـّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربّي والجنّة. إنّ جبرائيل كان يعرض عليّ القرآن كلّسنة مرّة، وقد عرضه عليّ العام مرّتين،ولا أراه إلاّلحضور أجلي».(1)

8. وفاة ابنه إبراهيم

وفي هذه السنة، و بعد 18 شهراً من ولادته، توفّي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فحزن عليه. و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد فَقَد خلال السنوات الماضية، ثلاثة من أولاده: القاسم و الطاهر والطيّب. وثلاثة من بناته: زينب ورقية و أُمّ كلثوم. وبقيت له بنت واحدة هي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من خديجة(عليها السلام) .

واعتبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الحزنَ على الميت رحمةً إذ قال: «إنّما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحَم،ولكن نُهيت عن خمش الوجوه، وشقّالجيوب، ورنّة الشيطان».(2)


1. بحار الاَنوار: 22|466؛طبقات ابن سعد:2|204.
2. السيرة الحلبية:3|310.

(245)

أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة


1. الكتاب الذي لم يكتب

قرر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهدف الحيلولة دون انحراف مسألة الخلافة عن محورها الاَصلي، والحيلولة دون ظهور الاختلاف و الافتراق، أن يعزز مكانة علي (عليه السلام) ويدعم إمارته وخلافته، و أهل بيته، بإثبات ذلك في وثيقة خالدة تضمن بقاء الخلافة في خطها الصحيح.

ففي خلال زيارة بعض الصحابة له أثناء مرضه قال: «إئتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده». فبادر عمر قائلاً: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه.(1) فكثر اللغَط والنقاش حول إحضار ما طلبه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أو عدمه، ممّا أغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع»، وقال ابن عباس: الرزية كلّالرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللّه.(2)

وقد نَقل هذه الواقعة فريقٌ كبيرٌ من محدّثي الشيعة والسنة وموَرخيهم، وتُعتَبر من الروايات الصحيحة. وإذا سأل أحد عن عدم إصرار النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» على كتابة ذلك الكتاب، فذلك لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا


1. الملل والنحل:1|22.
2. صحيح البخاري: 1|22؛ صحيح مسلم: 2|14؛ مسند أحمد:1|325.

(246)

أصرّ على موقفه، لاَصرّ هوَلاء في الاِساءة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخاصة أنّهم قالوا عنه، أنّه غلبه الوَجَع أو هجر، ثمّ قيامهم بعد ذلك بإشاعة الاَمر بين الناس.

وقد روى ابن حجر العسقلاني، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لاَصحابه وقد امتلاَت بهم الحجرة وهو في مرضه: «أيّها الناس يوشك أن أُقبضَ سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القولَ معذرةً إليكم، إلاّ أنّي مخلفٌ فيكم كتابَاللّه ربّي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي».

ثمّ أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال :«هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، خليفتان نصيران لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما».(1)

ومن الواضح أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفت الاَنظار إلى حديث الثقلين مرّة أُخرى، برغم ما ذكره في مواضع متعدّدة، حتّى يوَكد أهمية الثَّقلين، وتدارك ما فات من كتابة الكتاب الذي لم يوفّق لكتابته.

وفي هذه اللحظات، طلب بعضاً من الدنانير كان قد وضعها عند إحدى زوجاته، وأمر علياً (عليه السلام) ليتصدّق بها.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سُقي دواءً خطأً في علاجه،فقد تخيلت «أسماء بنت عميس» أنّ مرضَه ـ ذات الجنب ـ تعلمت علاجه من عقار مركب من نبات وأعشاب من الحبشة، إلاّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عَلِمَ بالدواء، ذكر بأنّ مرضه ليس ذات الجنب.

2. اللحظات الاَخيرة

في هذه الفترة الحرجة، كانت السيدة الزهراء(عليها السلام) تلازم فراش


1. الصواعق المحرقة ، : 57، باب 9؛ كشف الغمّة: 43.

(247)

والدها (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تفارقه لحظة، وفجأة طلب منها أن تقرب رأسها إلى فمه ليحدّثها، فراح يكلّمها بصوت خفيفٍ لم يُعرَف،ولكن الزهراء(عليها السلام) بكت بشدّة، إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أشار إليها مرّة أُخرى فحدّثها بشيء آخر، فرحت به وتبسمت مستبشرة. ولم تكشف عن ذلك إلاّ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بناء على إصرار عائشة: «أخبرني رسول اللّه ص أنّه قد حضر أجلُه وأنّه يُقبَض في وجعه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به فضحكت».(1)

وفي آخر لحظة من حياته الشريفة طلبَ الاِمام عليّاً (عليه السلام) قائلاً: «أُدعوا لي أخي». فعرف الجميع بأنَّه يريد عليّاً (عليه السلام) فدعَوا له عليّاً، فقال له: «أُدن منّي فدنا منه، فاستند إليه فلم يزل مستنداً إليه يكلّمه».

وسأل رجل ابن عباس: هل توفّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حِجر أحد؟ قال: توفّي وهو مستند إلى صدر علىٍّ،وهو الذي غسَّله وأخي الفضلُ بن عباس.

وقيل إنّ آخر جملة نطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي:«لا، إلى الرفيق الاَعلى». فكأنّ ملك الموت خيّره عند قبض روحه الشريفة في أن يصح من مرضه أو يلبّي دعوة ربّه، فاختار اللحاق بربّه.

وسأل كعب الاَحبار عن آخر كلمة قالها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الاِمام علي (عليه السلام) : أنّه قال: الصلاة الصلاة.

وقد ترك الدنيا (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين 28 صفر، فَسُجّي ببرد يماني، ووُضع في حجرته بعض الوقت، وارتفعت صرخات العيال، وعلا بكاء الاَقارب، وانتشر نبأ وفاته في كلّأنحاء المدينة التي تحولت إلى مأتم كبير.

وقام الاِمام علي (عليه السلام) بغسل جسده الشريف وكفّنه، إذ أنّه كان قد


1. طبقات ابن سعد:2|263؛ الكامل في التاريخ: 2|219.

(248)

ذكر: «يغسّلني أقربُ الناس إليّ». وصلّى عليه مع المسلمين، وتقرر دفنُه في حجرته المباركة. وحفر قبره أبو عبيدة بن الجراح وزيد بن سهل، ودفنه الاِمام علي (عليه السلام) يساعده الفضل بن العباس.

و لمّا فرغ الاِمام (عليه السلام) من غسله (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف الاِزار عن وجهه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال والدموع تنهمر من عينيه: بأبي أنت و أُمّي، طبتَحيّاً وطبتَميّتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوة والاَنباء. ولولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع، لاَنفدنا عليك ماءَ الشوَون، ولكان الداءُ مماطلاً، والكمَدُ محالِفاً وقلاّ لك، ولكنّه ما لا يُملَك ردّه ولا يستطاع دفعه! بأبي أنت و أُمّي أُذكرنا عند ربّك واجعلنا من بالك».(1)

وهكذا غربت شمس أعظم شخصية غيّرت مسار التاريخ البشري بتضحياته الكبرى وجهوده المضنية، وأعظم رسولٍإلهيٍ فتح أمام الاِنسانية صفحات جديدة ومشرقة من الحضارة والمدنية.

ومن هنا فإنّنا نختم حديثنا هذا بالشكر للّه تعالى على هذه النعمة الكبرى، والحمد للّه ربّالعالمين.(2)

جعفر السبحاني

قم المقدّسةالحوزة العلمية

شعبان المعظم 1390هـ




1. نهج البلاغة: خطبة رقم 235.
2. تمّ تدوين هذه المحاضرات وتوثيقهاوتحقيقها في شهر شعبان المعظم عام 1409هـ في مدينة قم. جعفر الهادي.

Website Security Test