welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(214)



(215)

الفصل التاسع


1. أحداث السنة التاسعة من الهجرة

ـ عام الوفود ـ هدم الاَصنام

ـ غزوة تبوك ـ مسجد ضرار

ـ وفد ثقيف ـ إعلان البراءة من المشركين


2. أحداث السنة العاشرة من الهجرة

ـ وفد نجران و المباهلة ـ وفود القبائل على المدينة

ـ حجّة الوداع ـ الخلافة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

ـ وضع أساس التعامل مع: المرتدين و الاَخطار الخارجية

ـ مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وفاة ابنه إبراهيم (عليه السلام)

3. أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة

ـ الكتاب الذي لم يكتب ـ اللحظات الاَخيرة


(216)



(217)


أحداث السنة التاسعة من الهجرة

1. عام الوفود

انتهت السنة الثامنة بسقوط أكبر قاعدة من قواعد الوثنية والشرك، في أيدي المسلمين، الذين انتصروا على أعدائهم تماماً، فأخذت القبائل المتمردة تتقرب إليهم تدريجياً، وتوالت وفودُها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقدم ولاءها وتعلن إسلامها وتتقبل الرسالة المحمّدية، ممّا دعت تلك الكثرة من الاَعداد الوافدة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسمى بعام الوفود.(1)

إنّ دراسة الوفود وما دار بينهم و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تفيد بوضوح بأنّ الاِسلام انتشر في الجزيرة العربية عن طريق الدعوة والتبليغ. وتحدث القرآن الكريم في سورة خاصة عن حضور تلك الوفود على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وما حقّقه الاِسلام من فتح وانتصار:(إِذا جاءَ نَصْرُ اللّهِوَالْفَتْح * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً) .(2)

إلاّ أنّه بالرغم من ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعدّ في هذا


1. سجل الموَرخ محمد ابن سعد في الطبقات:1|291 ، أسماء 73 وفداً قدموا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال السنة9هـ.
2. سورة النصر.

(218)

العام عدّة سرايا بعثها إلى جهات معينة، من جملتها سرية الاِمام علي «عليه السلام» إلى أرض طيء، وقد اختصت لهدم مظاهرالوثنيّة.

كما وقعت غزوة واحدة مثل غزوة تبوك، وإن لم يقاتل فيها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أحداً، إلاّ أنّها كانت تمهيداً لفتح المناطق الحدودية.

2. هدم الاَصنام

أدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضوء تعاليم الوحي أنّ الوثنية كجرثومة الكوليرا، تهدم فضائل الاِنسان وشرفه، وتقضي على مكارم الاَخلاق، وتحط من مكانة الاِنسان الرفيعة، وتجعله كائناً حقيراً أمام الطين والحجر. وعلى هذا الاَساس أمره اللّه تعالى أن يجتث جذور الشرك من كيان ذلك المجتمع الموبوء، بإزالة كلّمظاهر الوثنية وأنواعها وأشكالها، مستخدماً القوة تجاه الجماعات المعارضة. وعلم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ في قبيلة طيء صنماً كبيراً يقدَّس حتى ذلك الوقت، فأرسل الاِمام علياً (عليه السلام) مع 150 فارساً ليحطم هذا الصنم ويهدم بيته.

ونجح الاِمام (عليه السلام) في مهمته، وعاد بالغنائم والاَسرى إلى المدينة، وهرب رئيسها «عدي بن حاتم الطائي» إلى الشام ملتحقاً بأهل دينه، لاَنّه كان نصرانياً حسب ما ذكر بنفسه، وترك أُخته في قومه. إلاّ أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أرجعها إلى أخيها بالشام، فأخذت توبخه ممّا صنع من هروبه مع أهله، وتركها وحيدة، ثمّ طلبت منه أن يذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعلن إسلامه، فاحترمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما قدم إليه في المدينة، وقدم له ما يليق به كأمير وسيد على قومه.

ولما شاهد من سيرته وأفعاله ما يدل ويوَكد على أنّه نبي اللّه، أسلم على


(219)

يديه (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

3. غزوة تبوك: وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام.

أعدّ إمبراطور الروم قوّة عسكرية لمهاجمة المسلمين الذين ازدادت قوّتهم وأعدادهم وخطرهم على الدولة الرومانية. وتألفت هذه القوّة من 40 ألف فارس و كانت مجهزة بأحدث الاَسلحة و المعدات، وتقدمت إلى منطقة البلقاء، فأمر النبي ص عندها أصحابه بالتهيّوَ والاستعداد لغزو الروم، في موسمٍ شديد الحرارة، وجدب وعسرة، إلاّ أنّ الدوافع المقدّسة والجهاد في سبيل اللّه غَلَبَ على كلّتلك الاَُمور الدنيوية، فشارك 30 ألف من المسلمين في هذه الغزوة تحددت نفقاتها من الزكاة من أهل الغنى والثروة. وقد اعتبرت هذه الغزوة خيرَ مَحَكٍّ لمعرفة المجاهدين الصادقين من المنافقين والمبدعين، إذ أنّ بعضهم تخلّف بحجّة الخوف من أن يفتتن بالنساء الروميات، وهو عذر صبياني أقبح من الذنب: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمُحيطَةٌ بِالكافِرين) .(2)

وكان منهم أيضاً المنافقون الذين تظاهروا بالاِسلام، فثبَّطوا الناس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخوفوهم من قوّة الرومان، و اعتذروا بالحر الشديد: (وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُون) .(3)

كما أنّ مجموعة من الخونة ألّفت شبكة جاسوسية في المدينة، تمكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القضاء عليها بهدم المكان الذي اجتمعت به وحرقة، وهو بيت سويلم اليهودي.


1. مغازي الواقدي:2|988؛ السيرة النبوية:3|578؛ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الاِمامية:352.
2. التوبة:49.
3. التوبة:81.

(220)

وكذلك تخلّف عنهم المخلّفون الثلاثة، الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، حينما قالوا بأنّهم سيلحقون بركبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما يفرغون من الحصاد، فوبّخهم اللّه تعالى وعاقبهم، ليكونوا عبرةً لغيرهم. كما تخلف عن الغزوة ولكن بنية صادقة البكاوَون، وذلك لعدم تمكّنهم من المشاركة في الجهاد، لفقرهم و عدم حصولهم على دواب تحملهم، ولم يستطع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجهز ذلك لهم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. كما لم يشارك فيها الاِمام عليّ (عليه السلام) فقد أبقاه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في المدينة، خوفاً من إثارة فتنة أو قيام انقلاب خلال غيابه، بمساعدة القوى المضادة للاِسلام. وبالرغم من أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد استخلف على المدينة«محمد بن مسلمة» فإنّه قال للاِمام علي (عليه السلام) : «أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي و قومي» فكأنّه تعيّن كقائد عسكري في المدينة يحفظ الاَمن والاستقرار فيها. ولذا فإنّ المنافقين استغلوا ذلك فرصة لنشر الشائعات والاَقاويل في عدم اصطحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للاِمام علي (عليه السلام) معه في الجيش، ممّا جعل الاِمام (عليه السلام) يسير إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على بعد ثلاثة أميال من المدينة ليسأله عن هذا الاَمر قائلاً: «يا نبي اللّه، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وتخففت عني» فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذٍ كلمته التاريخية الخالدة التي اعتبرت من الاَدلة القاطعة على إمامته وخلافته بعده «صلى الله عليه وآله وسلم» : «كَذِبوا ولكنّي خلّفتُك لما تركتَ ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».(1)

وهكذا فقد استعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعسكر قبل تحرّك الجيش، وألقى فيهم خطاباً هاماً لتقوية معنويات المجاهدين، وشرح فيه هدفه من هذه التعبئة العامة الشاملة.


1. إمتاع الاَسماع:1|450.

(221)

وفي الطريق واجه متاعبَ ومشاق كثيرة، ولذا سمى هذا الجيش بجيش «العسرة»، إلاّأنّ إيمانهم العميق، وحبّهم للهدف المقدس، سهّل عليهم الاَمر. وعندما مروا بأرض ثمود، غطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهَه بثوبه وأمر أصحابه بسرعة السير: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّوأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم مثلما أصابهم». كما نهاهم أن يشربوا من مائها ولا يتوضأوا به للصلاة ولا يطبخ به طعام.(1) ولكنّهم شربوا عندما وصلوا إلى البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح (عليه السلام) فنزلوا عليها بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أظهر في الطريق بعض الاَُمور الغيبية حتى لا يوَثّر شكّ بعضهم في إيمان الآخرين، مثلما جرى لناقته التي ضلت الطريق، وبدأ المنافقون في التقليل من قوّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واتّصاله باللّه سبحانه و تعالى، فأخبرهم بموقعها، بعلم من اللّه تعالى. وتنبأ عن أبي ذر و ما سيجري له عندما تأخّر عنهم فقال: رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده.(2)

على كلّ حال، وصل الجيش في مطلع شهر شعبان إلى أرض تبوك، دون أن يجدوا أثراً لجيش الروم الذي كان قد انسحب إلى داخل بلاده مفضلاً عدم مواجهة المسلمين، وموَكدين حيادهم تجاه الحوادث والوقائع التي تجري في الجزيرة العربية. فجمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القادة و شاوَرَهم في أمر التقدّم في أرض العدو، أو العودة إلى العاصمة. فقرروا العودة ليستعيد الجميعُ نشاطَه بعد المشاق والتعب، إضافة إلى أنّهم حقّقوا هدفهم بتخويف العدو وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن كنت أُمرت بالسير فَسِرْ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو أُمرت به ما استشرتُكم فيه».(3) فاحترم


1. السيرة النبوية:2|521؛ السيرة الحلبية:3|134.
2. السيرة النبوية:2|521؛ السيرة الحلبية:3|134.
3. مغازي الواقدي: 3|1019.

(222)

الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) آراء هوَلاء وقرر العودة إلى المدينة.

ورأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الوقت مناسب للاتّصال ببعض حكّام وروَساء المناطق الحدودية، ليعقد معهم معاهدات أمن وعدم إعتداء، ليأمن جانبهم. فاتصل شخصياً بزعماء أيلة وأذرح والجرباء. وعندما قدم يوحنا بن روَبة زعيم أيلة، إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم له فرساً أبيض وأعلن عن طاعته له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فاحترمه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصالحه وكساه برداً يمانياً، وقبل أن يدفع جزية قدرها 300 دينار سنوياً على أن يبقى على دينه المسيحي، ووقع الطرفان على كتاب أمان، فضمن بذلك أمن المنطقة الاِسلامية شمالاً.

وفي طريق تبوك تقع منطقة دومة الجندل ذات الخضرة والماء، وتبعد عن الشام 50 فرسخاً، وعن المدينة عشرة أميال، حكمها رجلٌ مسيحي هو: أكيدر بن عبد الملك. فأرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوّة بقيادة خالد بن الوليد لاِخضاعه، فتمكن من السيطرة عليهم وإحضار أكيدر إلى الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فأعلن خضوعه وقبل دفع الجزية والبقاء على دينه، وكتب عهداً وصالحه، وأهداه، ثمّ أوصله إلى بلده بحراسة خاصة.(1) فانتهت بذلك الاَعمال العسكرية في تبوك.

ويمكن تقييم نتائج تلك العمليات العسكرية كما يأتي:

1. إبراز مكانة وسمعة الجيش الاِسلامي في المناطق الخارجية، ممّا أثر في القبائل هناك فتسارعوا بالقدوم والوفود على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد عودته من تبوك، لتعلن خضوعها وطاعتها، حتى سمّي ذلك العام بعام الوفود.

2. ضمان أمن الحدود بعد توقيع المعاهدات والاتفاقيات مع حكّام تلك


1. بحار الاَنوار: 21|246؛ طبقات ابن سعد: 2|166.

(223)

المناطق.

3. تمهيد الطريق للمسلمين لفتح الشام بعد ذلك، عندما تعلموا منه «صلى الله عليه وآله وسلم» أساليب تكوين وإعداد الجيوش الكبرى لمحاربة القوى العظمى.

4. تمييز الموَمن عن المنافق.

وبعد أن مكث (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرين يوماً في تبوك، توجه إلى المدينة، إلاّ أنّ اثني عشر منافقاً تآمروا لاغتيال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قبل أن يصل إلى عاصمته، كان ثمانية منهم من قريش والآخرون من أهل المدينة، وذلك بتنفير ناقته في العقبة ـ بين المدينة والشام ـ ليطرحوه في الوادي، غير أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بموَامرتهم فأرعبهم بصياحه فيهم، فتركوا العقبة هاربين، ورفض (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرسل من يقضي عليهم أو اللحاق بهم. ثمّ وصل الجيش إلى المدينة فرحين مسرورين معتزين بما حقّقوه من انتصار على الاَعداء، وإلقاء الرعب في قلب دولة كبيرة، ولما أرادوا التفاخر والتباهي على الذين تخلّفوا بعذر وقلوبهم مع جنود الاِسلام، فإنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» منعهم من ذلك، لاَنّ النيّة الصالحة والفكر الطيّب يقوم مقام العمل الصالح الطيّب.

ثمّ أقدم (صلى الله عليه وآله وسلم) على معاقبة الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجيش بأعذار واهية وهم: هلال بن أُمية، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، فقد أعرض بوجهه الكريم عنهم، ولم يكترث بهم حينما قدّموا التهنئة بعودتهم مظفرين، وقال فيهم: لا تكلّموا أحداً من هوَلاء الثلاثة، ممّا أثر في التعامل معهم تجارياً، فكسدت بضائعهم ، وانقطعت روابطهم مع أقربائهم، فأثر ذلك في نفسياتهم: (حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الاََرضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفسُهُمْْ) .(1)


1. التوبة:118.

(224)

فقاموا بالتوبة إلى اللّه، فأعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عفوه عنهم،ورفع المقاطعة عنهم.(1)

وكانت هذه آخر معركة اشترك فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لم يشارك بعدها في أيّقتال.

4. مسجد ضرار

أصبح أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة، الذي استشهد في أُحد، من المتعاونين مع المنافقين، الذين خططوا دائماً للتخريب و إفساد أعمال الاِسلام،ولذا قرر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتقاله فهرب إلى مكّة و منها إلى الطائف ثمّ إلى الشام، فقاد منها شبكة تجسسية لصالح المنافقين. وكتب في إحدى رسائله إلى جماعته، يطلب منهم أن يبنوا مسجداً في قباء في مقابل مسجد المسلمين ليتخذوه مركزاً لتخطيط وتنفيذ موَامراتهم. وكان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قد رفض من قبل طلبهم هذا قبل مسيره إلى تبوك، فاستغلوا غيابه فأقاموه. و لمّا عاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبوا منه أن يوَدي ركعتين فيه ليسبغوا عليه الصفة الشرعية، إلاّ أنّ جبرائيل (عليه السلام) أوحى إليه «صلى الله عليه وآله وسلم» بحقيقة الاَمر والنية، وسمّاه مسجد ضرار ووصفه بأنّه مركز لاِيجاد الفرقة والتآمر بين المسلمين:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُوَْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْحارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلفُن إِنْ أَردْنا إِلاّالحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّل يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ).(2)


1. السيرة الحلبية: 3|165.
2. التوبة:107.

(225)

ممّا دعا الرسولص أن يأمر فوراً بتدميره وإحراقه وتسويته بالاَرض، فتحول مكانه إلى مزبلة فيما بعد.(1) وكان ذلك ضربة قويّة للمنافقين، إذ انتهى حزبهم الخبيث وهلك حاميهما الوحيد عبد اللّه بن أُبي بعد شهرين من غزوة تبوك.

5. وفد ثقيف

وهي من القبائل العنيدة التي تصلبت في موقفها أمام المسلمين،وخاصة عندما حاصرهم الجيش الاِسلامي، فلم يتنازلوا أو يسلموا، إلاّ أنّ موقفهم تغيّر بعد غزوة تبوك التي أشهرت قوّة المسلمين،وخوفت عدّة جهات، ممّا دفع عروة بن مسعود الثقفي أحد سادتهم إلى أن يقدم إلى المدينة ويعلن إسلامه على يدي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يرجع إلى قومه داعياً لهم إلى الاِسلام، فرشقوه بالنبال والسهام حتى استشهد.

إلاّ أنّ موقفهم المتصلب تغيّر بعد فترة حينما علموا أنّمصالحهم التجارية وغيرها معرضة للخطر إذا لم يحسنوا علاقاتهم بالمسلمين، فقرروا التوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلان إسلامهم، فأوفدوا عنهم عبد ياليل مع خمسة رجال للتفاوض مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،وهناك أمر النبيبإكرامهم،وعين «خالد بن سعيد» قائماً بشوَون صيافتهم.

وفي المفاوضات التي جرت بين الطرفين، اشترط عليهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يهدموا الاَصنام فرفضوا أوّل الاَمر، ولكنّهم أطاعوه بالتالي على أن يقوم أشخاص غرباء ـ ليسوا من قبيلتهم ـ بهدمها. كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا خير في دين لا صلاة فيه». ثمّ وقّع


1. السيرة النبوية:2|530؛ بحار الاَنوار: 20|253.

(226)

الطرفان على شروط المعاهدة التي تمّت بينهما، واختار «صلى الله عليه وآله وسلم» منهم عثمان بن أبي العاص(1) الذي حرص على التفقّه في الدين وتعلّم القرآن، فأمّره عليهم وجعله نائباً دينياً وسياسياً عنه في قبيلة ثقيف، وأن يصلي بالناس جماعة، مراعياً أضعفهم: «يا عثمان تجاوز في الصلاة ـ أي خفف الصلاة وأسرع فيها ـ وأقدر الناس بأضعفهم،فإنّ فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة». ثمّ كلّف (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سفيان و المغيرة بن شعبة، للتوجه معهم لهدم الاَصنام هناك.(2)

6. إعلان البراءة من المشركين في منى

في أواخر هذا العام ـ 9هـ ـ نزل جبرائيل (عليه السلام) على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مع عدّة آيات من سورة البراءة، يطلب أن يتلوها رجل يختاره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في موسم الحج. وقد تضمنت الآيات رفع الاَمان عن المشركين، وإلغاء جميع العهود ـ إلاّما التزم بها أصحابها ولم ينقضوها ـ فيبلغ ذلك إلى روَوس المشركين ليوضحوا موقفهم تجاه الدولة الاِسلامية خلال أربعة أشهر، فإذا لم يتركوا ما هم عليه من شرك ووثنية خلال الاَربعة أشهر، نزعت عنهم الحصانة ورفع عنهم الاَمان. أمّا الدوافع التي كانت وراء صدور هذا العهد: البراءة:

1. كان التقليد السائد عند العرب جاهلياً أن يعطي زائر الكعبة ثوبه الذي يدخل به مكة إلى فقير، ويطوف بثوب آخر، وإذا لم يكن له ثوب آخر، فإنّه يستعيره ليطوف به حول البيت، وإن لم يجد طاف عرياناً بادي السوأة، حتى لو كانت إمرأة، فإنّها تطوف عارية بالبيت على مرأى من الناس، وهو الاَمر الذي


1. كان أحدثهم سناً.
2. السيرة النبويّة:2|537؛ السيرة الحلبية:3|216؛ أُسد الغابة:1|216.

(227)

انطوى على نتائج سيئة.

2. كما أنّه بعد انتشار الاِسلام وإظهار قوّته في خلال عشرين عاماً، رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستخدم القوّة لضرب كلّمظاهر الوثنية، على أنّها نوع من العدوان على الحقوق الاِلهية والاِنسانية، فكان لابدّ من استئصال جذور الفساد باستخدام القوّة العسكرية كآخر وسيلة.

3. ثمّ إنّ الحجّ كان أكبر العبادات والشعائر الاِسلامية، فكان على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم بتعليم المسلمين مناسك الحجّ على الوجه الصحيح بعيداً عن تأثير أيّ نوع من الشوائب والزوائد، فكان لابدّ من اشتراك النبي ص بنفسه في تعليمهم هذه العبادة بصورة عملية، ولكن بشرط أن تخلو منطقة الحرم ونواحيها من المشركين العابدين للاَصنام، ليصبح الحرم الاِلهي خالصاً للموحدين والعباد الواقعيين.

4. والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحارب لفرض العقيدة لاَنّالعقائد لا تخضع لاَيّ قهر أو فرض، بل انحصر نضاله في القضاء على مظاهر الاعتقاد بالاَوثان، بواسطة هدم بيوت الاَصنام.

ولكلّ ذلك فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اختار أبا بكر بعد أن علمه تلك الآيات من سورة البراءة، ووجه صوب مكة يرافقه أربعون رجلاً، ليتلوها على مسامع الناس يوم عيد الاَضحى، إلاّأنّ جبرائيل (عليه السلام) أخبره «صلى الله عليه وآله وسلم» : «إنّه لا يوَدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» ممّا جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطلب من الاِمام علي (عليه السلام) القيام بهذه المهمة: «إلحق أبا بكر فخذ براءة من يده و إمض بها إلى مكّة و انبذ بها عهد المشركين إليهم، أي إقرأ على الناس الوافدين إلى منى من شتى أنحاء الجزيرة العربية براءة، بما فيها النقاط الاَربع التالية:


(228)

1. لا يدخل المسجد مشرك.

2. لا يطوف بالبيت عريان.

3. لا يحج بعد هذا العام مشرك.

4. من كان له عهد عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو له إلى مدّته، أي يحترم ميثاقه وماله و نفسه إلى يوم انقضاء العهد، ومن لم يكن له عهد ومدّة من المشركين فإلى أربعة أشهر، فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، ويسري هذا ابتداء من اليوم العاشر من ذي الحجّة. ويعني هذا أنّهذا الفريق من المشركين، عليه أن يحدد موقفه من الدولة الاِسلامية، فإمّا الانضمام إليها وترك مظاهر الشرك، و إمّا القتال.(1)

وقد أدرك الاِمام (عليه السلام) أبا بكر في الجُحفة وأبلغه أوامر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فأعطاه الآيات، ورجع أبو بكر إلى المدينةمستفسراً عن سبب موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره بما أمره جبرائيل (عليه السلام) .

ولم يمض على قراءتها المدّة المعلومة، حتى اعتنق أكثر المشركين الاِسلام، فتم بذلك استئصال جذور الوثنية في أواسط السنة 10 هـ، ويوَكد هذا الموقف على نيّة النبيبالكشف عملياً عن أهلية الاِمام علي (عليه السلام) وصلاحيته للقيام بأُمور الدولة في المستقبل.


1. فروع الكافي: 1|326.