welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : السيرة المحمّدية*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

السيرة المحمّدية

(188)

4. عمرة القضاء

(1)

بعد مضي عام و احد على توقيع معاهدة صلح الحديبية، وعلى ضوء المادة التي تسمح للمسلمين بأداء العمرة في العام التالي، فقد قرروا التوجه إلى مكّة، وخاصّة أنَّهم كانوا قد تركوها سبعة أعوام بعدوا فيها عن وطنهم. فاستعد ألفان للانضمام إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أداء العمرة، كان من ضمنهم شخصيات بارزة ملازمة له (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال فترة وجوده في المدينة. وكان ذلك يوم الاِثنين 6 من شهر ذي القعدة. كما أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» تحسباً لاَي طارىَ أعدّ مائتين من الاَفراد مسلّحين وضعهم خارج مكة على مقربة من الحرم للتدخل في أية مشكلة تصدر حيالهم.

وفي مكة خرج الاَهالي منها إلى روَوس الجبال وقالوا: لا ننظر إلى محمد ولا إلى أصحابه، فكانوا يراقبون المشهد من بعيد.

وقد بهرت أصوات المسلمين مكبّرين كلَّ سكان مكة وسحرت قلوبهم وجلبت عطفهم على المسلمين،مثلما أرعب اتّحادهم ونظامهم والتفافهم حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفئدة المشركين.

وطاف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبيت على راحلته،وأمر عبد اللّه بن رواحة أن يردّد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص: «لاإله إلاّ اللّه وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده،وأعزّ جنده، وهزم الاَحزاب وحده» فردّدها المسلمون وراءه. ثمّ أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بلالاً أن يوَذن على ظهر الكعبة لصلاة الظهر، فانزعجوا بسبب الاَذان، وأحرجتهم مضامينه التي كانت ضدّ ما يحملونه من معتقدات باطلة موروثة.


1. سميت عمرة القضاء لاَنّها كانت بدلاً عن العمرة التي منع النبي والمسلمون عنها في العام السابق لها.

(189)

وبعد أداء المناسك، ذهب المهاجرون إلى منازلهم التي تركوها منذ سبعة أعوام فجدّدوا اللقاء بأقربائهم.

إلاّأنّ تأثير أوضاع المسلمين في نفوس أهل مكة، وتخوّفهم من إحداث إنقلاب روحيّ فيهم، إذ أنّ هذه الرحلة الدينية، اعتبرت دعائية وإعلامية، أثّرت في نفوس عدد من أهل مكّة فدخلوا الاِسلام، ممّا دعا إلى أن يطلب زعماء قريش من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مغادرة مكة بعد انقضاء المدّة المحددة و المقررة بينهم: «إنّه قد انقضى أجلك فاخرج عنّا».

وممن تأثر بالوضع، ميمونة أُخت زوجة العباس ـ أُمّ الفضل ـ لما شهدت من مشاعر المسلمين، فطلبت الزواج من النبي ص الذي وافقها، فقوى بذلك علاقاته مع قريش، إلاّ أنّهم لم يسمحوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاحتفال بمناسبة الزواج في مكّة، فطلب (صلى الله عليه وآله وسلم) من أبي رافع أن يُحضِر زوجته بعد ذلك.

وبذا فقد تحقَّقت روَيا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل عام من هذا، في أنّه دخل البيت وحلق رأسه، ونزلت آية الفتح التي تناولت تحقيق هذا الوعد:

(لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُوَيا بِالحَقِّ لَتدخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَمُحَلِّقينَ رءُوسكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُون فَعَلمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) .(1)


1. الفتح:27.

(190)

أحداث السنة الثامنة من الهجرة

1. معركة موَتة

بعد وقوع الاَحداث السابقة، واستقرار الاَمن في الحجاز بين المسلمين وقريش والاَطراف المعادية الاَُخرى، وضعف نفوذ اليهود وسطوتهم، فكّر النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يركز في دعوته على سكان مناطق الحدود عند الشام، فوجه لهذا الغرض «حارث بن عمير الاَزدي» يحمل كتاباً إلى أمير الغساسنة: الحارث بن أبي شمر الغساني، الذي حكم بصرى، فقبض على سفير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في موَتة وقتله مخالفاً بذلك كلّ الاَعراف الدولية التي تقضي باحترام السفراء وحصانتهم، ممّا أغضب الرسولوالمسلمين،فقرر الاقتصاص من قاتل سفيره.

وبالاِضافة إلى ذلك، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد بعث في شهر ربيع الاَوّل من هذه السنة 15 رجلاً إلى منطقة ذات أطلاح من أرض الشام خلف وادي القرى، لدعوة الناس إلى الاِسلام، إلاّ أنّ الاَهالي قتلوهم عن آخرهم موَثرين عز الشهادة على ذل الاَسر، إلاّجريحاً منهم تمكن من الوصول إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخبره بالحادث.

وقد أثر هذان الحادثان على الوضع السياسي بين الجانبين، فأمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج إلى الجهاد في شهر جمادى، ووجه جيشاً قوامه 3 آلاف مقاتل لتأديب هوَلاء المخربين والغدرة، وعين القائد عليهم «جعفر بن أبي طالب» فإن قتل فزيد ابن حارثة، فإن أصيب، فعبد اللّه بن رواحة، فإن اصيب فليرتضي المسلمون بينهم رجلاً عليهم.

وقد خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه مع جماعة من أصحابه


(191)

مشيّعاً لهم وودّعهم قائلاً: «دفع اللّه عنكم وردكم سالمين غانمين صالحين».

ومن الموَكد أنّ القائد الاَوّل لهذا الجيش كان جعفراً ثمّزيداً فعبد اللّه، فلا مجال لتغيير الوضع الذي ذهب إليه بعض الرواة والمحدّثين، الذين اختلقوا ترتيباً آخر، بوضع زيد كقائد ثمّ جعفر كمعاون له ثمّ ابن رواحة، إذ أنّ وضع هذا الترتيب بهذا الشكل أُقرّ لدوافع سياسية وأغراض أُخرى لا مجال لذكرها هنا،وتبعهم في ذلك كتاب السيرة دون تمحيص وتحقيق.(1)

وفي الشام أعدّ الحاكم الحارث 100 ألف فارس لاِيقاف تقدّم المسلمين، كما أعدّ القيصر 100 ألف آخرين في البلقاء كقوّة احتياطيّة تتدخل عند اللزوم.(2)

ومن الواضح أنّه لم يكن هناك أيّتكافوَ بين الجيشين الاِسلامي والروماني، سواء في نوعية المعدات الحربية والاَجهزة القتالية أو وسائل النقل أو عدد الجنود، والاَرض وساحة المعركة الغريبة عن المسلمين، وقيامهم بدور الهجوم لا الدفاع الذي اتّخذه الروم ونفذوه في أرضهم وبلادهم.

وقد تواجه الجيشان في منطقة مشارف، ولكن المسلمين تراجعوا نحو موَتة، فبدأت المبارزات الفردية أوّلاً، فقُتل جعفر بعد مبارزة شجاعة، ثمّ قُتل زيد بن حارثة، وأيضاً ابن رواحة، فاختار الجنود خالد بن الوليد قائداً، فعمد إلى استخدام تكتيك عسكري لم يعرف من قبل، إذ أمر بالعسكر أن يحدث بعض التغييرات في صفوفه بالليل دون صوت، ويذهب عدد منهم إلى مكان بعيد ثمّ يلتحقوا بالمسلمين عند الصباح مكبرين، فيظن العدو بوصول إمدادات عسكرية بشرية جديدة إلى جانب المسلمين. ولذا تمكن المسلمون من مواجهتهم


1. السيرة النبوية:2|380.
2. المغازي:2|760؛السيرة النبوية:2|375.

(192)

وقتالهم، وقتل أعداد كبيرة منهم، فهدأت الاَحوال، فرجع الجيش الاِسلامي مستفيداً من هذا التكتيك ونَجَوا بأنفسهم من خطر فناء ساحق وأكيد.(1)

إلاّ أنّ المسلمين في المدينة رفضوا منطق الانسحاب من المعركة وفضلوا الاستشهاد في ساحة المعارك على الانسحاب، فهم كانوا يعدون الموت والشهادة في سبيل اللّه أفضل من الانسحاب.

وقد تأثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لشهادة جعفر وبكى بشدة، فكان كلّما تذكر جعفراً وزيداً بكى.(2)

2. غزوة ذات السلاسل

إنّ الاطّلاع المبكر على أسرار العدو العسكرية، ومعرفة حجم طاقاته ومبلغ استعداداته واكتشاف خططه، يعد من العوامل الجوهرية الموَثرة في الانتصار عليه. والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من ابتكر في تاريخ الاِسلام جهازاً خاصاً بهذا العمل في صورة منظمة، وتبعه الخلفاء من بعده، حين استعانوا بجواسيس وعيون للعمل في المجالات العسكرية والاِدارية.

واستطاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة ذات السلاسل أن يطفىَ نار فتنة باستخدام معلومات دقيقة علمها عن العدو، قبل أن يخسر الكثير بغير ذلك. فقد علم من عناصر المخابرات الخاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أعداداً كبيرة متحالفة تجمعوا في منطقة وادي اليابس هدفوا إلى التوجّه نحو المدينة للقضاء على قوّة الاِسلام والمسلمين، وقتل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» والاِمام علي (عليه السلام) خاصة. فأمر الرسول بنداء «الصلاة جامعة» أي دعوة الناس إلى الاجتماع به (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «صلى الله عليه وآله


1. السيرة النبوية:2|381.
2. بحار الاَنوار:21|54؛ المغازي:2|766.

(193)

وسلم» : «يا أيّها الناس، إنّهذا هو عدو اللّه وعدوكم قد عمل على أن يبيِّتكم فمن لهم؟».

فخرجت جماعة بقيادة أبي بكر ساروا مسافة حتى واجهوا قبيلة بني سليم الذين قاوموا القوّة الاِسلامية، فقرر أبو بكر الانسحاب والرجوع من حيث أتى. إلاّ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقبل بهذا الوضع، فانزعج لعودة الجيش بهذه الصورة المهينة، فأمر عمر بن الخطاب بتولّي القيادة، ولكنّه لم يحارب أيضاً لقوة العدو فانسحب أيضاً إلى المدينة. وطلب عمرو بن العاص من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يبعثه إلى هوَلاء الاَعداء على أساس أنّه من دهاة العرب، إلاّ أنّ بني سليم قاتلوه فهزموه وقتلوا عدداً من جماعته، فلم ييأس النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ونظم جماعة جديدة واختار الاِمام علياً (عليه السلام) قائدها، فاستعد الاِمام (عليه السلام) وتعصب بعصابة كان يشدها على جبينه في اللحظات الصعبة، ولبس بردين يمانيين، وحمل رمحاً هندياً، ثمّ توجه نحو الهدف سالكاً طريقاً غير معروفة ولا مطروقة حتى يعمّي بذلك على العدو، فتمكن من الانتصار عليهم وذلك للاَسباب التالية:

1. لم يشعر العدو بتحركاته، وذلك لتغييره مسيره، واستخدامه أُسلوب الكتمان في ذلك ، إذ سار ليلاً وكمن نهاراً واستراح خلاله.

2. كما أنّه فاجأ العدو حين صعد بجنوده إلى قمة الجبال ثمّ انحدر بهم بسرعة فائقة إلى الوادي مركز إقامة بني سليم، فأحاطوا بهم وهم نيام، وحاصروهم وأسروا منهم، وفرّ آخرون.

3. ثمّ أنّ شجاعة الاِمام علي (عليه السلام) وبسالته النادرة أرعبت العدو، وأفقدته القدرة على المواجهة والمقاومة، حيث فرّوا من أمامه تاركين الغنائم وراءهم.

وبذا فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استقبله بحفاوة وقال له عندما نزل من فرسه:«إركب فإنّ اللّه ورسوله راضيان عنك».


(194)

وكانت تضحية الاِمام (عليه السلام) وشجاعته من الاَهمية بحيث نزلت فيها سورة العاديات كاملة:(وَالعادِياتِ ضَبْحاً* فَالمُورياتِ قَدحاً* فَالمُغِيراتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً* فَوسَطْنَ بهِِ جَمْعاً) .(1)

وهناك عدد من الموَرّخين كالطبري، نقلوا هذه الواقعة بنحو آخر مختلف عمّا ذكرناه، فلا يبعد أن تكون ذات السلاسل اسماً لغزوتين، وقد نقل كلٌّ من الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ واحدة منها وأعرض عن الاَُخرى لاَسباب خاصّة.(2)

3. فتح مكّة

أخلّت قريش باتفاقية الحديبية ونقضتها، حينما زودت قبيلة بني بكر بالاَسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة المتحالفين مع المسلمين فيغيروا عليهم ليلاً ، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. و أُبلغ النبيبما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم النصرة. ولكن قريشاً ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على خزاعة، واشتراكهم معها في العدوان، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى المدينة لتطييب خاطر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة الصلح، إلاّ أنّه عندما وصل إلى بيت ابنته أُمّ حبيبة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يجد التقدير والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه مشرك نجس، فتوجه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّمه حول إمكانية تجديد العهد، فلم يرد عليه وهو ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون


1. العاديات:1 ـ 5.
2. تاريخ الطبري:2|315؛ السيرة الحلبية:3|190؛ المغازي:2|769.

(195)

جدوى. فذهب إلى منزل الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء«عليها السلام» فرد عليه الاِمام (عليه السلام) : «واللّه لقد عزم رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» على أمر ما نستطيع أن نكلّمه». فالتفت إلى السيدة الزهراء «عليها السلام» وهو يطلب شفاعتها أو شفاعة الحسنين لدى النبي ص: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري و بُنَيّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت(عليها السلام) وهي تعلم بنواياه الشريرة:« ذلك إلى رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وإنّهما صبيان وليس مثلهما يجير».(1) فطلب النصيحة من الاِمام (عليه السلام) فقال له: «ما أجد لك شيئاً أمثل من أن تقوم فتجير بين الناس ـ أي تعطي الاَمان للمسلمين ـ ثمّ إلحق بأرضك». فأدّى ما طلبه منه، ورجع إلى مكّة وأخبر سادة قريش بما صنع، فاجتمعوا للتشاور فيما يطفىَ غضب المسلمين ويثني الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عزمه.(2)

أمّا النبيّ الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أعلن التعبئة العامة بهدف فتح مكة، وتحطيم أقوى قلعة من قلاع الوثنية، وإزالة حكومة قريش الظالمة، التي كانت أقوى الموانع والعقبات في طريق تقدم الدعوة الاِسلامية وانتشار الاِسلام.

وطلب من اللّه سبحانه و تعالى في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة المسلمين وهدفهم: «اللّهم خُذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلاّبغتةً ولا يسمعون بي إلاّ فجأة».(3)

واجتمع في مطلع شهر رمضان الكثيرون، فقد شاركت قبائل وطوائف مختلفة في هذا الفتح العظيم، اشتهر منهم:

ـ المهاجرون: 700+3 ألوية إضافة إلى 300 من الخيل.


1. إمتاع الاَسماع:1|359.
2. المغازي:2|780؛ السيرة النبوية:2|389؛ بحار الاَنوار: 21|102.
3. المغازي:2|796.

(196)

ـ الاَنصار: 4000+ألوية كثيرة إضافة إلى 700 من الخيل.

ـ قبيلة مزينة: ألف مع مائة فرس، ولواءان.

ـ قبيلة جهينة: 800 مع خمسين فرساً و 4 ألوية.

ـ قبيلة بني كعب: 500 مع ثلاثة ألوية.

هذا بالاِضافة إلى اشتراك عدد آخر من قبائل غفار وأشجع وبني سليم.(1)

ويذكر ابن هشام، أنّ جميع من شهد فتح مكّة من المسلمين بلغوا عشرة آلاف، من بني سليم 700، ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار400، ومن أسلم 400، ومن مزينة ألف و300 نفر، وسائرهم من قريش والاَنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد.(2)

إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة الكبيرة وصلت إلى قريش، فقد أخبر جبرائيل (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى مكة، وأنّ امرأة تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال. وقد ساعد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» و المسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى المدينة، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش. ممّا جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلب من الاِمام علي (عليه السلام) والمقداد و الزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ الخليقة ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها الاِمام (عليه السلام) : لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.(3)


1. المغازي:2|800؛ إمتاع الاِسماع:1|364.
2. السيرة النبوية:4|63.
3. بيّن القرآن الكريم ذلك في عدّة آيات من سورة الممتحنة.

(197)

وهكذا أعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم 10 رمضان. وفي الطريق أفطر على الماء وأمر جنده بالاقتداء به: «إنّكم مصبحوا عدوكم،والفطر أقوى لكم». إلاّ أنّ البعض منهم أمسك عن الاِفطار ظناً منهم أنّ الجهاد أفضل في حالة الصوم، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك و قال عنهم: «أُولئك العصاة».(1)

وفي هذا الوقت، خرج العباس بن عبد المطلب من مكة متوجهاً إلى المدينة ليلتحق بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية الفتح العظيم. كما التحق به عدوّان له أحجما عن الاِيمان برسول اللّه والاستجابة لدعوته و هما: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد اللّه بن أبي أُمية بن المغيرة، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» والموَذين له، بالرغم من أنّ أبا سفيان هذا كان ابن عمّ الرسول ص وأخاه من الرضاعة، وعبد اللّه هو أخو أُمّ سلمة ابنةعاتكة عمّة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» . وحاولا مقابلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّما ذكره لهما الاِمام علي (عليه السلام) ، بأن يقولا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( قالُوا تاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنا وَإنْ كُنّا لخاطِئين)(2) فسوف يعفو عنهما كما فعل يوسف (عليه السلام) مع إخوته.وقد حدث ما اقترحه الاِمام (عليه السلام) فقبل إسلامهما.

وحينما وصل الجيش الاِسلامي إلى مشارف مكّة، عمد النبي ص إلى إرعاب أهلها وتخويفهم بإشعال النيران فوق الجبال والتلال، وزيادة في التخويف وإظهار القوة، أمر بأن يشعل كلّفرد منهم ناراً في شريط طويل على الاَرض.

وهنا اتّجه «العباس بن عبد المطلب» ليوَدّي دوره العملي لصالح الطرفين،


1. وسائل الشيعة: 7|124؛ السيرة الحلبية:3|90؛ المغازي:2|802.
2. يوسف:91.

(198)

فيقنع قريشاً بالتسليم وعدم المقاومة، إذ أخبرهم بقوّة المسلمين وعددهم ومحاصرتهم لمكّة المكرمة، واصطحب معه أبا سفيان حتى يطلب له الاَمان و لهم كذلك من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأجاره عند الوصول إلى معسكر المسلمين، خاصة عندما حاول «عمر بن الخطاب» أن يقضى عليه ـ أي يقتل أبا سفيان ـ كما أنّه حاول إعادة قتله أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أساس أنّه عدو للّه فلابدّأن يقتل.

وتحدث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خيمته مع أبي سفيان قائلاً: «ألم يأن لك أن تعلم أنّه لاإله إلاّاللّه؟» فقال أبو سفيان: بأبي أنت و أُمّي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره، لقد أغنى عني شيئاً بعد. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه؟ »فقال: أما واللّه فإنّ في النفس منها حتى الآن شيئاً. فغضب العباس من عناده و قال: أسلم واشهد ألاّ إله إلاّاللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه قبل أن يُضرب عنقك. فشهد شهادة الحقّ وأسلم ودخل في عداد المسلمين. فارتفع بذلك أكبر سد، وانزاح أكبر مانع من طريق الدعوة الاِسلامية. ومع ذلك فقد أمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» العباس بحبسه لاَنّه لم يأمن جانبه بعد، قبل أن يتم فتح مكّة: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ـ أي أنفه ـ حتى تمر به جنود اللّه فيراها». فطلب العباس من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً. فاستجاب له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:

«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن،ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن». وذلك بالرغم من أخلاق أبي سفيان المنحدرة وأعماله السيئة تجاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، طيلة السنوات الماضية».

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عزم على أن يفتح مكة دون إراقة


(199)

دماء وإزهاق أرواح وتسليم العدو دون شروط. وقد تم ذلك نتيجة التخطيط السليم،وتحييد موقف أبي سفيان العدائي وهوقائد قريش،ولما كانت القطع العسكرية الاِسلامية تمر من أمام أبي سفيان، كان العباس يوضح له اسمها وخصوصياتها، فمرت كتيبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال للعباس: ما لاَحد بهوَلاء قبل ولا طاقة يا أبا الفضل، واللّه لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. فرد عليه العباس موبخاً: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملك، إنّها النبوة.

وحينئذٍ أطلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا سفيان ليرجع إلى مكّة فيخبرهم بما رأى من قوّة الجيش الاِسلامي، ويحذرهم من مغبة المواجهة والمقاومة، والتسليم للاَمر الواقع بإلقاء السلاح والاستسلام دون قيد أو شرط. فصاح في أهل مكّة: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، أو قال: هذا محمّد في عشرة آلاف، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن،ومن أغلق بابه فهو آمن.

وأضاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك: و من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. وهو موقع خامس عينه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للتأمين من القتل.

وأدّى كلّ ذلك إلى إضعاف نفوس أهل مكّة، حتى القياديين الاَعداء، ركنوا إلى المطالبة بالتسليم دون مقاومة.

وبالرغم من أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمر جنوده بعدم بدء القتال، فلا يقاتلوا إلاّمن قاتلهم، إلاّ أنّه أمر بقتل عشرة من الاَفراد وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم:

1. عكرمة بن أبي جهل

2. هبار بن الاَسود

3.عبد اللّه بن أبي السرح


(200)

4. قيس بن حبابة الكندي

5. الحويرث بن نقيند

6. صفوان بن أمية

7. وحشي بن حرب، قاتل حمزة

8. عبد اللّه بن الزبعرى

9. حارث بن طلالة

10. عبد اللّه بن خطل

وأربعة نساء.(1)

وكان كلّواحد من هوَلاء إمّا قتل أحداً، أو ارتكب جناية أو شارك في موَامرة أوحرب ضدّ الاِسلام والمسلمين.

وفي دخول مكّة أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحيطة والحذر، ففرّق الجنود، على أن يدخلوها من أسفلها، وآخرون يتخذون طريقاً من أعلاها، وأعداداً أُخرى تدخل من جميع المداخل والطرق الموَدية إلى داخل مكّة، فدخلت الفرق كلّها مكّة دون قتال، إلاّ ما حدث مع جبهة خالد بن الوليد، الذي قابلته مقاومة صغيرة تمكن من السيطرة على الوضع بعد هروب المعتدين.

أمّا النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد دخل مكة من ناحية أذاخر وهي أعلى نقطة في مكّة، فضربت له قبة من أدم بالحجون ـ عند قبر عمّه العظيم أبي طالب ـ ليستريح فيها، فقد أبى أن ينزل في بيت من بيوتها. واغتسل بعد الاستراحة، فركب راحلته القصواء متوجهاً إلى المسجد الحرام لزيارة بيت اللّه المعظم والطواف به على راحلته، حيث لم يترجل،وكبّـر فكبّـر المسلمون، حتى


1. السيرة النبوية:2|410؛ تاريخ الخميس:2|90.

(201)

ارتجت مكة لدويّصوتهم، فسمعه المشركون الذين تفرّقوا في الجبال ينظرون المشهد المثير. وحينما كان يمر على أي صنم من أصنام المشركين، يقول و هو يشير بقضيب في يده: ( جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً)(1) فيقع الصنم لوجهه، ثمّأمر بتحطيم أكبر الاَصنام على مرأى من المشركين.

وبعد أخذ استراحة، طلب من عثمان بن طلحة أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فقد كان هو سادن الكعبة، حيث كانت السدانة تتوارث جيلاً بعد جيل. وفتح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باب الكعبة و دخل البيت، و دخل بعده، أُسامة بن زيد، و بلال وعثمان. ثمّأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بإغلاق الباب، الذي قام خالد بن الوليد بحراسته ومنع الناس عنه.

ولمّا كانت جدران الكعبة من الداخل مغطاة بصور الاَنبياء والملائكة وغيرهم، فإنّ النبيص أمر بمحوها جميعاً وغسلها بماء زمزم.

وقد اشترك الاِمام علي (عليه السلام) في كسر بعض الاَصنام الموضوعة في الكعبة، وحاول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصعد على كتفيه، إلاّأنّ ضعف الاِمام (عليه السلام) لم يساعده في ذلك، فطلب منه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يصعد ـ عليٌ ـ على كتفه قائلاً: «يا عليّاصعد على منكبي»، فصعد على منكبه، فألقى صنم قريش الاَكبر وأصنام أُخرى محطمة إلى الاَرض.(2) ثمّ وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على باب الكعبة وقال: «الحمد للّه الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الاَحزاب وحده». ثمّ اتجه إلى الناس الذين يشاهدون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يكسر الاَصنام ويحمد اللّه، فسألهم:

«ماذا تقولون وماذا تظنون؟» فقالوا: نقول خيراً ونظن خيراً. أخ كريم وابن


1. الاِسراء: 81.
2. مسند أحمد بن حنبل:1|84؛ السيرة الحلبية:3|86؛ تاريخ الخميس:2|86.

(202)

أخ كريم، وقد قدرت. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فإنّي أقول لكم كما قال أخي يوسف: (قالَ لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ اليَومَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمين)(1).

وبهذا أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) العفو العام والشامل عن أهل مكة بقوله: «ألا لبئس جيران النبي كنتم،لقد كذّبتم،وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثمّ ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، اذهبوا فأنتم الطلقاء».(2)

وكان الوقت ظهراً فحان وقت الصلاة ، فصعد بلال سطح الكعبة ورفع نداء التوحيد و الرسالة ـ الاَذان ـ وبعدها ردّمفتاح الكعبة على عثمان بن طلحةو قال له:

«هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء». فالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» هو أوّل من يلتزم بالتعليم الاِلهي في أداء الاَمانة إلى أهلها، فيعيد مثل تلك الاَمانة الكبرى إلى صاحبها. ثمّ ألغى جميع مناصب الكعبة السائدة في الجاهلية، إلاّ ما كان نافعاً للناس، كالسدانة، والحجابة ـ و هي القيام بشوَون أستار الكعبة ـ و سقاية الحجيج.(3)

وفي حديث له (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أقاربه، في اجتماع ضم بني هاشم و بني عبد المطلب، أوضح لهم أنّ صلة القربى التي تربطهم به «صلى الله عليه وآله وسلم» لا تبرر لاَحد منهم أن يتجاهل قوانين الحكومة الاِسلامية، فيتخذ من انتسابه إلى زعيمها ذريعةوغطاء لارتكاب ما لا يحل للآخرين.

وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا قد شجب كلّ تمييز وتفضيل غير صحيح وسليم، داعياً إلى لزوم العدل ومراعاة المساواة بين جميع الطبقات: «يا بني


1. يوسف:92.
2. بحار الاَنوار: 21|106؛ السيرة الحلبية:2|412.
3. بحار الاَنوار: 21|132.

(203)

هاشم، يا بني عبد المطلب، إنّي رسول اللّه إليكم وإنّي شفيق عليكم، لا تقولوا أنّمحمّداً منّا، فواللّه ما أوليائي منكم ولا من غيركم إلاّ المتّقون، فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة. ألا وإنّي قد أعذرت فيما بيني و بينكم وفيما بين اللّه عزّوجلّ وبينكم، وإنّ لي عملي ولكم عملكم».(1)

ثمّ دعا إلى اجتماع تاريخي كبير عند بيت اللّه الحرام، حضره حشد كبير من أهالي مكة، وألقى فيهم خطاباً تاريخياً عالج الاَمراض الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العربي في ذلك العصر وحتى عصرنا الحالي، ومن أهمّما ورد وتناوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الخطاب:

1. التفاخر بالنسب: فقد كان من الاَمراض المستحكمة في البيئة العربية الجاهلية، إذ كان من أكبر أمجاد المرء أن ينتسب إلى قبيلة معروفة، أو يتفرع نسبه عن عشيرة بارزة كقريش مثلاً. فأبطل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطابه هذه العادة السيئة بقوله: «أيّها الناس إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنّكم من آدم و آدم من طين».

وبذا فإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صنّف الشخصية بالتقوى و الورع: «ألا إنّ خير عباد اللّه عبد اتقاه» فأعطى الفضيلة والمنزلة لاَهل التقوى والورع خاصة.

2. التفاضل بالقومية العربية: فقد اعتبروا الانتساب إلى العرق العربي مفخرة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ العربية ليست بأب والد، ولكنّه لسان ناطق، فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه».

3. المساواة بين أفراد البشر: فقد دعا إلى دعم المساواة بين الاَفراد والجماعات: «إنّ الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي


1. بحار الاَنوار: 21|111.

(204)

على العجمي، ولا للاَحمر على الاَسود، إلاّ بالتقوى». وبذلك ألغى التمييز العنصري موَسساً بذلك ميثاق حقوق الاِنسان قبل أيّ جهة عالمية.

4. الاَحقاد والحروب الطويلة : إذ أنّالحروب المتلاحقة بين القبائل العربية أدت إلى نشأة الحقد و الضغينة، فلم يجد طريقاً للقضاء عليها إلاّبالطلب من الناس أن يتنازلوا عمّا لهم من دماء في أعناق الآخرين، سفكت في عهد الجاهلية، فتعتبر ملفات العهد القديم باطلة. وقال في ذلك«ألا إنّ كلّمال ومأثرة ودم في الجاهلية تحت قدمي هاتين».

5. الاَُخوة الاِسلامية: حيث دعا إلى اتّحاد المسلمين ووحدة كلمتهم وحقّالمسلم على أخيه المسلم، فهو من أهمّ مميزات الدين الاِسلامي، وهو بهذا يرغّب غير المسلم في اعتناق الاِسلام إذا سمع ورأى مثل هذه الحقوق والعلاقات المتبادلة بين المسلمين:«المسلم أخو المسلم، و المسلمون إخوة، وهم يد واحدة على من سواهم، تتكافوَ دماوَهم ليسعى بذمّتهم أدناهم».(1)

وبعد ذلك تفرّغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحكم على بعض المجرمين والموَذين،حيث كان هناك عدد من المجرمين المكيّين، كان لابدّ من عقابهم على ما فعلوا من أعمال سيئة، وذلك بالرغم من إصدار العفو العام، وقد طارد الاِمام علي (عليه السلام) اثنين منهم لجآ إلى بيت أُمّ هانىَ أُخت الاِمام (عليه السلام) التي أجارتهما،ولكن الاِمام (عليه السلام) طلب منها أن يعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمانها ليعطي رأيه في جوارها وأمانها كمرأة، فقبل (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك و قال: «قد أجرنا من آجرت، وأمّنا من أمّنت، فلا يقتلهما».(2)


1. روضة الكافي:246؛ السيرة النبوية:2|412؛ مغازي الواقدي:2|836؛ بحار الاَنوار:21|105.
2. الاِرشاد:72.

(205)

وهو بهذا وضع قاعدة تقبل جوار المرأة وأمانها. كما أنّعبد اللّه بن أبي السرح الذي ارتدّعن الاِسلام وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتله،نجا من القتل بشفاعة عثمان بن عفان له. وكذلك عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن، وتشفّعت فيه زوجته، فنجا من القتل. كما أمّن أيضاً كبير المجرمين صفوان بن أُمية حينما طلب «عمير بن وهب»من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعفو عنه، فأمهله أربعة أشهر ليعلن إسلامه بعد التفكير.

وكذلك وضع (صلى الله عليه وآله وسلم) قاعدة مبايعة النساء له (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقد بايعته المرأة للمرّة الاَُولى في بيعة العقبة بهذه الكيفية: [حيث أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحضار قدح ماء، ثمّألقى في الماء شيئاً من الطيب والعطر فأدخل يده فيه،وتلا الآية التي وردت فيها الاَُمور المذكورة، ثمّ نهض من مكانه و قال لهن: من أرادت أن تبايع فلتدخل يدها في القدح، فإنّي لا أصافح النساء].(1) وقد أجرى البيعة بهذا الاَسلوب، لوجود عدد كبير من النساء الفاسدات بينهن، فكان لابدّمن ذلك حتى لا تستأنف إحداهن عملهن القبيح بعد ذلك في السرّ.

هدم بيوت الاَصنام

وللقيام بهذه المهمة الضرورية، أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرقاً عسكرية إلى ضواحي مكة وداخلها وفي بيوتها لهدم الاَصنام المتواجدة فيها، كما أعلن (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من كان في بيته صنم فليكسره». و أرسل خالد بن الوليد إلى تهامة لدعوة قبيلة جذيمة بن عامر وهدم أصنامهم، ونهاه النبيعن القتل أو إراقة الدماء. إلاّأنّه لما كانت هذه القبيلة قد قتلت أيّام الجاهلية عمّ خالد


1. في سورة الممتحنة 12: (ألاّ يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف) .

(206)

ووالد عبد الرحمن بن عوف، فإنّه حقد عليهم، وأمر بقتل عدد منهم، الاَمر الذي أغضب النبيعندما علم بذلك، فأرسل مالاً كثيراً مع الاِمام علي (عليه السلام) ليدفع دية هوَلاء المقتولين وقال: «اللهمّإنّي أبرأ ممّا صنع خالد بن الوليد».(1) وارتاح بعد ذلك لما أقدم عليه الاِمام علي (عليه السلام) من معاملة طيبة لاَهالي المنكوبين و قال: «واللّه ما يسرني يا عليّأنّ لي بما صنعت حمر النعم، أرضيتني رضي اللّه عنك، أنت هادي أُمّتي».(2)

4. معركة حنين

وبعد أن استقر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة مدّة خمسة عشر يوماً، غادرها إلى أرض قبيلة هوازن و ثقيف، بعد أن عيّن معاذ بن جبل ليُعلّم الناس القرآن وأحكام الاِسلام، وعتاب بن أسيد لاِدارة الاَُمور والصلاة بالناس جماعة في مكة المكرمة.

وقد بلغ الجيش الذي سار به إلى هوازن: 12 ألف مسلحاً، إذ شاركه هذه المرة ألفان من شباب قريش الذين أسلموا بعد الفتح بقيادة أبي سفيان.(3) إلاّ أنّ كلّ ذلك العدد الكبير لم يساعد في النجاح والانتصار كما ذكر القرآن الكريم: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاََرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرين) (4) وقد برز من طرف العدو: مالك بن عوف النصري الذي عرف بالفروسية والشجاعة، كما أنّه أدار الاتّصالات المكثفة بين هوازن وثقيف، لاِخراج خدعة عسكرية توجه منها ضربة إلى جيش


1. السيرة النبوية: 2|420؛ الكامل: 1|173؛ إمتاع الاَسماع:1|400.
2. مجالس ابن الشيخ: 318.
3. طبقات ابن سعد:2|139؛مغازي الواقدي:3|889.
4. التوبة:25.

(207)

الاِسلام، فقد اقترح بوضع الاَطفال والنساء والاَموال وراء ظهور الرجال حتى يضطروا إلى أن يقاتلوا عنهم، كما أرسلوا الجواسيس ورجال مخابراتهم للتجسس على المسلمين، مثلما بعث النبيرجاله إلى ديار الاَعداء.

وحسب الوضع والموقع، قرّر مالك بن عوف أن يخفى الجنود خلف الصخور وفوق الجبال ليباغتوا المسلمين في الوادي، الذي دخلته أوّل كتيبة، من بني سليم بقيادة خالد بن الوليد فبادرهم العدو و أخذ يرشقهم بالاحجار والنبال ويضربونهم بالسيوف، فوقعوا فيهم ضرباً وقتلاً، ممّا أدّى إلى إصابة المسلمين بالفوضى وبلبلة الموقف وخلخلة الصفوف فالفرار، الاَمر الذي جعل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» يأمر العباس بن عبد المطلب بأن ينادي على هوَلاء الفارّين والهاربين ويرجعهم، فبلغت صرخاته مسامعهم فثارت حميتهم ونادوا: لبيك لبيك. وبذا فقد تمكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تنظيم صفوف جيشه من جديد، وحملا حملة رجلٍ واحدٍ على العدو لغسل ما لحق بهم من عار الفرار، وتمكّنوا من النيل منهم وإجبارهم على الانسحاب من الموقع والفرار من أمامهم وذلك بتشجيع وحماس من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». ممّا كان الاَثر الفعال في إلقاء الهزيمة المنكرة بقبيلة هوازن، تاركين وراءهم أموالهم ونساءهم وصبيانهم الذين كانوا قد وضعوهم خلف ظهورهم حسب أوامر وخطة قائدهم.

أمّا النتيجة النهائية للمعركة، فكانت شهادة ثمانية أفراد من المسلمين، وأسر ستة آلاف من العدو، وغنائم كثيرة من الحيوان وأربعة آلاف أوقية فضة.(1)

وأعطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوامره بإرسال الغنائم والاَسرى إلى الجعرانة ـ بين مكة والطائف ـ و بلغ من حنق المسلمين على المشركين في


1. 4 آلاف أوقية تساوي 852 كيلو غرام.

(208)

هذه المعركة، أن قتلوا الرجال وذرّيتهم، فلمّا بلغ ذلك النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «ألا لا تُقتَل الذرية». وعندما قيل له: إنّما هم أولاد مشركين. قال «صلى الله عليه وآله وسلم» : «أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كلّ نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، وأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها».(1)

5. غزوة الطائف

سكنت قبيلة ثقيف، واشتركوا مع هوازن في قتال المسلمين، وهربوا بعد المعركة السابقة إلى الطائف متحصنين في قلاعها وحصونها، فأمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بالاِعداد لمطاردتهم وملاحقتهم حتى ديارهم. فأرسل فريقاً عسكرياً بقيادة أبي موسى الاَشعري لملاحقتهم في أوطاس، فأحرز انتصاراً كبيراً على العدو. وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد توجه بجيشه إلى الطائف، حيث هدم حصن مالك بن عوف في طريقه، وسواه بالاَرض، حتى لا يستغله العدو فيما بعد.

واشتهرت حصون الطائف وقلاعها بالمنعة وارتفاع الجدران، فتمكنوا من ردّ المسلمين عن طريق حذفهم ورميهم، الذي أدّى إلى تراجعهم. فاقترح سلمان الفارسي أن يرمى الحصن بالمنجنيق ـ الّذي يأخذ دور الدبابة في الحروب الحديثة ـ فبدأوا برمي الحصون وأبراجها بالحجارة طوال عشرين يوماً، ممّا أصاب عدداً من المسلمين في هذه الاَعمال.(2)

وممّا يذكر أنّ سلمان الفارسي هو الذي صنع جهاز المنجنيق، وعلّم المسلمين كيفية استخدامه، بينما يرى آخرون أنّ المسلمين حصلوا على هذا


1. إمتاع الاسماع:1|409.
2. السيرة النبوية:4|126 ويرى ابن هشام أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أوّل من استخدم المنجنيق في الجزيرة العربية.

(209)

السلاح من يهود خيبر، وأنّ سلمان ربما أدخل عليه تحسينات إضافة أنّه علم المسلمين أسلوب استعماله.

كما أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حصل على بعض الآليات الحربية من خلال ما ترك في حروبه لقبيلة دوس التي استخدمتها في معاركها ضدّالمسلمين، فاستفاد منها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزو الطائف.

إلاّ أنّ نتائج تلك العمليات والآليات لم تأت بنتيجة حاسمة، فاتجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جانب آخر قد يكون أكبر قوّة وأثراً من الجانب العسكري، وهو الناحية النفسية والاقتصادية. إذ أنّ أرض الطائف كانت زراعية، ذات نخل وأعناب، ممّا فكر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لتهديدهم وتخويفهم لاَنّه سيعمد إلى قطع الاَعناب وإفناء المزارع، إذ استمر المعتصمون بالحصون في المقاومة. وعندما لم يرضخوا للتهديد، نفذ المسلمون عملياً أوامر النبي ص بالقطع والحرق والاِتلاف، ممّا أزعج الاَهالي وطلبوا من النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أن يأمر رجاله بالكف عن ذلك، فتركوا العمل بهذا التكتيك. وقام بمحاولة أخيرة للتخلص منهم، فنادى: أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فنزل عدد منهم ملتحقاً بالمسلمين، وعرف منهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بعض الاَخبار المرتبطة بالحصن، وأنّه لا نية لهم للاستسلام، و لديهم الاستعداد للمقاومة حتى لو طال الحصار عاماً واحداً، فلن يقعوا في أزمة أو ضيق بسبب طول الحصار. ولذا فإنّ الجيش الاِسلامي رأى أنّه من الاَصلح الرجوع عن ساحة القتال، وذلك للاَسباب التالية:

1.مقتل عدد من المسلمين، من قريش والاَنصار، كما أنّ شهر شوال كان قد انتهى وبدأ شهر ذي القعدة وهو من الاَشهر الحرم، وللحفاظ على هذه السُّنّة، فقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينهي الحصار في أقرب وقت.


(210)

2. كما أنّ موسم الحجّ كان قد اقترب، وخاصة أنّ إدارة الموسم ومناسكه أصبحت في يد المسلمين الآن، وليس بيد المشركين كما في السابق.

ولكلّ ذلك ترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطائف متوجهاً إلى الجعرانة حيث حفظت الغنائم والاَسرى، فاستقر فيها 13 يوماً وزع فيها الغنائم بأسلوب جدير بالدراسة والتأمل: فقد أخلى سبيل بعض الاَسرى، وخطط لاِخضاع وإسلام مالك بن عوف قائد المعارك ضدّ المسلمين، وكان من بين المشركين مع هوازن، قبيلة بني سعد التي أرضعت إحدى نسائها ـ حليمة السعدية ـ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبر بينهم وعاش معهم خمس سنوات، ولذا فإنّ جماعة مسلمة منهم قدمت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلبون سراح الاَسرى من هذه القبيلة، وذكّروه بكلّ حياته بينهم في تلك السنوات. فردّ عليهم النبيص محسناً إليهم بأكثر ممّا قدموا، وتنازل عن نصيبه في الاَسرى، فتبعه المهاجرون والاَنصار و الآخرون، فارجعوهم إلى ذويهم. كما أنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» دعا أُخته شيماء وبسط لها رداءه ورحب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أُمّه وأبيه من الرضاعة، فأخبرته بموتهما، فقال: إن أحببت فأقيمي عندنا محببة مكرمة، وإن أحببت أن أُمتعك وترجعي إلى قومك فعلت. فاختارت الرجوع إلى أهلها بعد أن أسلمت طوعاً ورغبة، ومنحها ثلاثة عبيد وجارية.(1)

وقد أدّت معاملات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه، وإطلاق الاَسرى إلى رغبة هوازن في الاِسلام، فأسلموا من قلوبهم، ففقدت الطائف آخر حليف لها.

أمّا بالنسبة لمالك بن عوف فقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرصة طيبة للسيطرة عليه، وهو رئيس المتمردين، فقال لوفد بني سعد: أخبروا


1. البداية والنهاية:2|363؛ الاِمتاع:1|413.

(211)

مالكاً إنّه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الاِبل. وعندما بلغه ذلك، وعلم بقوّة الاِسلام وأخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعظمته، قرر الالتحاق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج من الطائف لاِدراك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة أو الجعرانة، حين ردّ عليه ماله وأهله وأعطاه الاِبل، فأسلم وحسن إسلامه، وجعله قائداً على من أسلم من قومه حارب بهم ثقيف.

وأمّا الغنائم، فقد قسمها بين المسلمين، ووزع الخمس الّذي هو حقّه الخاص، بين أشراف قريش حديثي العهد بالاِسلام ليتألّفهم، مثل: أبي سفيان ومعاوية ابنه، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام و سهيل بن عمرو، وحويطب ابن عبد العزى، والعلاء بن جارية، وصفوان بن أمية، وغيرهم ممّن كانوا أعداءه بالاَمس القريب، لكلّ واحد منهم مائة بعير.(1) وهذا الفريق يصطلح عليه في الفقه الاِسلامي: الموَلّفة قلوبهم. وهم يشكّلون إحدى مصارف الزكاة بنص القرآن الكريم.

إلاّ أنّ بعضهم لم يستحسن أسلوب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التوزيع، ورأى أنّه لم يعدل حين وزع خمس الغنيمة على أبناء قبيلته، ومن أشهرهم:

ـ ذو الخويصرة التميمي، الذي رفض أُسلوب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ممّا دعا عمر بن الخطاب أن يستأذن النبي ص لقتله. ولكن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: دعه فإنّه سيكون له شيعة (أي تَبع) يتعمّقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية.(2) وقد أصبح فعلاًً زعيماً لفرقة الخوارج في عهد الاِمام علي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

كما اشتكى عدد من جانب الاَنصار، حول كيفية توزيع الخمس، فخطب


1. المحبّر: 473؛مغازي الواقدي: 3|944؛ السيرة النبوية:3|493.
2. وجاء في السيرة الحلبية أنّه أصل الخوارج.

(212)

فيهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موضحاً موقفه من هذا التوزيع في تأليف القلوب:«أفلا ترضون يا معشر الاَنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم. والذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت إمرىًًَ من الاَنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الاَنصار شعباً، لسلكت شعب الاَنصار».(1)

ثمّ ترحم عليهم قائلاً: «اللّهمّ ارحم الاَنصار وأبناء الاَنصار وأبناء أبناء الاَنصار».

فأثار بهذه الكلمات مشاعرهم فبكوا بشدّة وقالوا: رضينا يا رسول اللّه حظاً وقسماً. ويكشف ذلك عن عمق حكمة النبي ص وحنكته السياسية، وأُسلوب معالجته للمشكلات بروح الصدق واللطف.

وبعد ذلك خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معتمراً من الجعرانة، ثمّ انصرف راجعاً إلى المدينة فوصلها في أواخر ذي القعدة أو أوائل شهر ذي الحجّة، مستخلفاً على مكّة: عتاب بن أسيد، الذي بلغ من العمر عشرين عاماً، و قُدّر له راتبٌ يوميٌّ، درهم واحد، ولما احتجّ بعضهم على هذا التعيين، قال: «لا يحتج منكم في مخالفته بصغر سنه، فليس الاَكبر هو الاَفضل، بل الاَفضل هو الاَكبر، وهو الاَكبر في موالاتنا وموالاة أوليائنا، ومعاداة أعدائنا، فلذلك جعلناه الاَمير عليكم والرئيس عليكم، فمن أطاعه فمرحباً به، ومن خالفه فلا يبعدُُ اللّه غيره».(2)

وأكد بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معيار الاَهلية والجدارة والكفاءة في حيازة المناصب الاجتماعية والاَُمور الاجتماعية الاَُخرى.

ومن أحداث هذه السنة أيضاً:


1. السيرة النبوية:2|498؛ مغازي الواقدي: 3|957.
2. بحار الاَنوار: 21|122؛ إمتاع الاَسماع:1|432.

(213)

وفاة زينب بنت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي التي كان زوجها ابن خالتها أبي العاص الذي بقي على شركه بعد أن آمنت هي بأبيها، ولكنّه آمن في الفترةالاَخيرة وأعاد النبي ص إليه زوجته.

كما أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رزق في أواخر هذا العام ولداً سمّاه إبراهيم من زوجته مارية القبطية، فأهدى المولدة هدية ثمينة، وعق له في اليوم السابع وحلق شعره وتصدق بوزنه فضة في سبيل اللّه.(1)


1. تاريخ الخميس:2|131.

Website Security Test