welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الشيعه في موكب التاريخ*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشيعه في موكب التاريخ

(1)

أضواء على
عقائد الشيعة الإماميّة
وتاريخهم

تأليف : آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

مقدّمة المؤلّف:

التقريب ضرورة ملحّة

لا شكّ أنّ التقريب بين المذاهب الإسلامية ضرورة ملحّة يشعر بها كلّ من يحمل هموم المسلمين ، وتتفاقم الحاجة إليه كلّما ازدادت حدّة المواجهة بين الإسلام وأعدائه الذين يتربّصون به الدوائر ، لا سيّما ونحن في عصر العولمة الثقافيّة الذي تُشن فيه حملات مسعورة ضدّ ثقافتنا الإسلامية ، ممّا يلحّ علينا باطّراد إلى تقريب الخُطى وتوثيق التعاون المشترك بين كافّة الطوائف الإسلامية .

كما أنّ تعزيز أواصر التقريب المنشود رهن عوامل عديدة أبرزها :

وقوف كلّ طائفة على ما لدى الطائفة الأُخرى من أفكار ومفاهيم ، لتُدرك مدى عظمة المشتركات التي تجمعهما ، وهامشيّة الأسباب التي تباعدهما .

ومع الأسف الشديد أنّ التاريخ أسدل ستار الجهالة على الشيعة ، وهي الطائفة التي رفدت الفكر الإسلامي بالكثير من المفكّرين والعلماء والمثقفين ، ونسج حولها الأوهام والشكوك .

وأنا لا أنسى أبداً حينما زرت مكّة المكرّمة عام 1376هـ ونزلت في بيت أحد مدرّسي الحرم المكّي ، فإذا هو يباغتني بهذا السؤال; هل للشيعة تأليف؟!


(3)

فقد هزّني كلامه هذا ، وقلت في نفسي ، سبحان الله ، في وسط هذا البلد الحرام يجهل مدرسُ الحرم المكّي تاريخَ الشيعة الإمامية ومصنّفاتها ، وكأنّه يسأل عن أُمّة بائدة لا تاريخ لها ولا ثقافة ، فما بال الآخرين الذين هم في منأى عن أُمّ القرى مكّة المكرّمة؟!!

ومنذ ذلك الحين راودتني فكرة تحرير كتاب عن تاريخ الشيعة ، وعقائدها ، وأئمّتها ، وأحكامها .

وقد حرصتُ في هذا الكتاب على بيان المشتركات التي تجمع بين الطائفتين (السنّة والشيعة) على صعيد العقيدة والشريعة والفكر ، إلى جانب بيان الفوارق التي ساقها إليهم الدليل والبرهان ، هذا في الوقت الذي نذعن فيه لما قاله أُستاذنا ورائدنا السيّد شرف الدين العاملي ـ رحمه الله ـ حينما خاطب علماء السنّة بقوله : ما يجمعنا أكثر ممّا يفرّقنا .

وتبعه الشاعر المفلق محمّد حسن عبدالغني المصري شاعر الأهرام لمّا قال :

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّةً * ويضمّنا دينُ الهدى أتباعاً

ويؤلّف الإسلامُ بينَ قلوبنا * مهما ذهبْنا في الهوى أشياعاً

وفي الختام نرجو من الله سبحانه أن يكون هذا الكتاب مساهمة متواضعة في سبيل تقريب الخطى بين المسلمين وتوثيق أواصر الأُخوّة ، وتعزيز التعاون المشترك بينهم كي يكونوا صفّاً واحداً أمام أعدائهم ، إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير .

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _
17 صفر المظفّر من شهور عام 1421هـ


(4)


(5)

الشيعة
في موكب التاريخ


(6)

مبدأ التشيُّع وتاريخ نشأته

زعم غير واحد من الكتّاب القدامى والجدد : أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية ، في حين يذهب البعض الآخر إلى القول بأنّه نتاج الجدال الكلامي والصراع الفكري . فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية ، وكأنّهم يتلقّون التشيّع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي ، ويعتقدون بأنّ القطاع الشيعي وإن كان من جسم الأُمّة الإسلامية إلاّ أنّه تكوّن على مرّ الزمن نتيجة لأحداث وتطوّرات سياسية أو اجتماعية فكرية أدّت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ، ومن ثمّ اتّسع ذلك الجزء بالتدريج .

ولعلّ هذا التصور الخاطئ لمفهوم التشيّع هو ما دفع أصحاب هذه الأُطروحات إلى التخبّط والتعثّر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب ، ومحاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب ، ولو أنّ أُولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأُطروحات العقائدية والفكرية التي ابتني عليها التشيّع لأدركوا بوضوح ودون لبس أنّ هذا المذهب لا يؤلّف في جوهر تكوينه وقواعد أركانه إلاّ الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي والذي قام عليه كيانه .

وإذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأنّ التشيع يظـهر بأوضح صوره من خلال الالتفاف والمشايعة للوصي الذي اختاره رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خليفة له بأمر الله تعالى ليكون قائداً وإماماً للناس ـ كما كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء وتبلور الفكر


(7)

الإسلامي الكبير ، والذي لابدّ له من الاستمرار والتواصل والتكامل حتّى بعد رحيل صاحب الرسالة _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، والذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية وحامل أعباء تركتها .

فإذا اعتبرنا بأنّ التشيّع يرتكز أساساً في استمرار القيادة بالوصي ، فلا نجد له تأريخاً سوى تأريخ الإسلام ، والنصوص الواردة عن رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

قد عرفت في الصفحات السابقة نصوصاً متوفرة في وصاية الإمام أمير المؤمنين ، وإذا كانت تلك النصوص من القوّة والحجّية التي لا يرقى إليها الشكّ ، وتعدّ وبدون تردّد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أُسسها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فهي بلا شك تدلّ وبوضوح على أنّ هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وإذا كان كذلك فإنّ جميع من استجابوا لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وانقادوا له انقياداً حقيقياً ، يعدّون بلا شكّ روّاد التشيع الأوائل وحاملي بذوره ، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ، ولم يغيِّروه ، ولم يتعدوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ الله ورَسُولِهِ واتَّقُوا الله إنَّ الله سَميعٌ عَليمٌ)(1) ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة ، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى مِنَ الذين لم يتعبّدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة ، حيث تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح .


(1) الحجرات : 1 .


(8)

إنّ الآثار المرويّة في حقّ شيعة الإمام عن لسان النبيّ الأكرم ـ والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة ، وإنّ النبيّ الأكرم وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون ، وإن كنت في شكّ من هذا فسأتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام :

1 ـ أخرج ابن مردويه عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟ قال : «يا عائشة أما تقرئين : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَرِيَّة)(1) .

2 ـ أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنّا عند النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأقبل عليّ فقال النبيّ : «والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، ونزلت : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّة) فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليّ قالوا : جاء خير البريّة (2) .

3 ـ أخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً : «عليّ خير البريّة»(3) .

4 ـ وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : «إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة» قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لعليّ : «هو أنت وشيعتك يوم
القيامة راضين مرضيّين» .

5 ـ أخرج ابن مردويه عن عليّ قال : قال لي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ألم تسمع


(1) الدر المنثور للسيوطي 6 : 589 والآية هي السابعة من سورة البيّنة .

(2) الدر المنثور للسيوطي 6 : 589 .

(3) نفس المصدر .


(9)

قول الله : (إنَّ الَّذِين آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولئِك هُمْ خَيرُ البَريَّة) أنت وشيعتك ، موعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين»(1) .

6 ـ روي ابن حجر في صواعقه عن أُمّ سلمة : كانت ليلتي ، وكان النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عندي فأتته فاطمة فتبعها عليّ ـ رضي الله عنهما ـ فقال النبيّ : «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة»(2) .

7 ـ روى ابن الأثير في نهايته : قال النبيّ مخاطباً عليّاً : «يا عليّ ، إنّك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيّين ، ويقدم عليه عدوُّك غضاباً مقمحين» ثمّ جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح . قال ابن الأثير : الإقماح : رفع الرأس وغض البصر(3) .

8 ـ روى الزمخشري في ربيعه : أنّ رسول الله قال : «يا عليّ ، إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى ، وأخذت أنت بحجزتى ، وأخذ ولدك بحجزتك ، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم ، فترى أين يؤمر بنا؟»(4) .

9 ـ روى أحمد في المناقب : أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لعليّ : «أما ترضى أنّك معي في الجنّة ، والحسن والحسين وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّيتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(5) .

10 ـ روى الطبراني : أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لعليّ : «أوّل أربعة يدخلون الجنّة : أنا


(1) نفس المصدر .

(2) الصواعق : 161 ط القاهرة .

(3) النهاية مادة قمح 4 : 106 ورواه ابن حجر في الصواعق : 154 .

(4) ربيع الأبرار 1 : 808 ، منشورات الشريف الرضي ـ قم المقدّسة .

(5) الصواعق : 161 .


(10)

وأنت والحسن والحسين ، وذرّيتنا خلف ظهورنا ، وأزواجنا خلف ذرّياتنا ، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا»(1) .

11 ـ أخرج الديلمي : «يا علي ، إنّ الله قد غفر لك ولذرّيّتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين»(2) .

12 ـ أخرج الديلمي عن النبيّ أنّه قال : «أنت وشيعتك تردون الحوض رواء مرويّين ، مبيضّة وجوهكم ، وإنّ عدوّك يردّون الحوض ظماء مقمحين»(3) .

13 ـ روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : «يدخلون من أُمّتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ـ ثمّ التفت إلى عليّ فقال : ـ هم شيعتك وأنت إمامهم»(4) .

14 ـ روى المغازلي عن كثير بن زيد قال : دخل الأعمش على المنصور ، فلمّـا بصر به قال له : يا سليمان تصدَّر ، قال : أنا صدر حيث جلست ـ إلى أن قال في حديثه : ـ حدّثني رسول الله قال : «أتاني جبرئيل _ عليه السلام _ آنفاً فقال : تختّموا بالعقيق ، فإنّه أوّل حجر شهد لله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة ، ولعليّ بالوصيّة ، ولولده بالإمامة ، ولشيعته بالجنّة»(5) .

15 ـ روى ابن حجر : أنّه مرّ عليّ على جمع فأسرعوا إليه قياماً ، فقال : «من القوم؟» فقالوا : من شيعتك يا أمير المؤمنين ، فقال لهم خيراً ، ثمّ قال : «يا هؤلاء مالي لا أري فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبَّتنا؟» فأمسكوا حياءً ، فقال له


(1) نفس المصدر .

(2) نفس المصدر .

(3) الصواعق : 161 .

(4) مناقب المغازلي : 293 .

(5) مناقب المغازلي : 281 ، ورواه السيد البحراني في غاية المرام عنه ، وأنت إذا تدبّرت في الآيات الدالّة على سريان العلم والشعور في عامّة الموجودات مثل قوله : (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَـهْبِطُ مِنْ خَشْـيَةِ الله) ـ البقرة : 74 ـ تستطيع أن تُصَدّقَ ما جاء في الحديث من شهادة العقيق بوحدانية الله .


(11)

من معه : نسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم ، لما أنبأتنا بصفة شيعتكم فقال : «شيعتنا هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله»(1) .

16 ـ روى الصدوق (306 ـ 381هـ ) : أنّ ابن عباس قال : سمعت رسول الله يقول : «إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعدّ الله تبارك وتعالى لشيعة عليّ من الثواب والزلفى والكرامة . . .»(2) .

17 ـ وروى أيضاً بسنده إلى سلمان الفارسي عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال : «يا علي تختّم باليمين تكن من المقرّبين ، قال : يا رسول الله ومن المقرّبون؟ قال : جبرئيل وميكائيل ، قال : فبما أتختّم يا رسول الله؟ قال : بالعقيق الأحمر; فإنّه جبل أقرّ لله بالوحدانيّة ، ولي بالنبوّة ، ولك يا عليّ بالوصيّة ، ولولدك بالإمامة ، ولمحبّيك بالجنّة ، ولشيعتك وشيعة ولدك بالفردوس»(3) .

وهذه النصوص المتضافرة الغنيّة عن ملاحظة أسنادها ، تعرب عن كون عليّ _ عليه السلام _ متميزاً بين أصحاب النبيّ بأنّ له شيعة وأتباعاً ، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها ، في حياة النبيّ وبعدها ، وكان _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يشيد بهم ويبشّر بفوزهم ، وهم ـ بلا ريب ـ ليسوا بخارجين قيد أُنملة عن الخط النبوي المبارك للفكر الإسلامي العظيم ، والذي يؤكّد على حقيقة التشيّع ومبدئه الذي لا يفترق عن نشوء الدين واستقراره .

فبعد هذه النصوص لا يصحّ لباحث أن يلتجئ إلى فروض ظنّية أو وهمية في تحديد تكوّن الشيعة وظهورها .


(1) الصواعق : 154 .

(2) علل الشرائع : 156 ط النجف .

(3) علل الشرائع : 158 ط النجف .


(12)

الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفرق

قد غلب استعمال لفظ الشيعة بعد عصر الرسول تبعاً له فيمن يوالي عليّاً وأهل بيته ويعتقد بإمامته ووصايته ، ويظهر ذلك من خلال كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات والتي نشير إلى بعضها :

1 ـ روى المسعودي في حوادث وفاة النبي : أنّ الإمام عليّاً أقام ومن معه من شيعته في منزله بعد ان تمّت البيعة لأبي بكر(1) .

2 ـ قال أبو مخنف : اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فذكروا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه فقال : إنّ معاوية قد هلك ، وأنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة وأنتم شيعته وشيعة أبيه(2) .

3 ـ وقال محمّد بن أحمد بن خالد البرقي (ت 274هـ ) : إنّ أصحاب عليّ ينقسمون إلى الأصحاب ، ثمّ الأصفياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ شرطة الخميس . . . ومن الأصفياء سلمان الفارسي ، والمقداد ، وأبو ذر ، وعمّـار ، وأبو ليلى ، وشبير ، وأبو سنان ، وأبو عمرة ، وأبو سعيد الخدري ، وأبو برزة ، وجابر بن عبد الله ، والبراء بن عازب ، وطرفة الأزدي(3) .

4 ـ وقال النوبختي (ت 313هـ ) : إنّ أوّل فرق الشيعة ، وهم فرقة عليّ بن أبي طالب ، المسمّون شيعة عليّ في زمان النبيّ وبعده ، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته(4) .

5 ـ وقال أبو الحسن الأشعري : وإنّما قيل لهم الشيعة; لأنّهم شايعوا


(1) الوصية للمسعودي : 121 ط النجف .

(2) مقتل الإمام الحسين لأبي مخنف : 15 ولاحظ ص 16 تحقيق حسن الغفاري .

(3) الرجال للبرقي:3 (ط طهران)، ولاحظ فهرست ابن النديم: 263 ط القاهرة وعبارته قريبة من عبارة البرقي.

(4) فرق الشيعة : 15 .


(13)

عليّاً ، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله(1) .

6 ـ وقال الشهرستاني : الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً على الخصوص ، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّةً(2) .

7 ـ وقال ابن حزم : ومن وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالإمامة ، وولده من بعده ، فهو شيعيّ ، وإن خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون ، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً(3) .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جاء في كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات ، تعرب عن أنّ لفيفاً من الأُمّة في حياة الرسول وبعده إلى عصر الخلفاء وبعدهم كانوا مشهورين بالتشيّع لعليّ ، و أنّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول وتبعته الأُمّة في ذلك .

وإنّ الإمام علياً وإن تسامح وتساهل في أخذ حقّه ـ تبعاً لمصالح عظيمة مكنونة في مثل هذا التصرّف الحكيم ـ إلاّ أنّ حقيقة استخلاف النبيّ له أمست فكرة عقائدية ثابتة في النفوس والقلوب ، وتضاعف عدد المؤمنين بها و المتشيّعين له على مرور الأيام ، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب ، واحتشدت في
أذهانهم صور عن مواقف النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة ، ويلمّح فيها أُخرى ، فالتفّوا حول عليّ _ عليه السلام _ وأصبحوا من الدعاة
الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها ، وما زال التشيّع ينمو وينتشر بين


(1) مقالات الإسلاميين 1 : 65 ط مصر .

(2) الملل والنحل 1 : 131 .

(3) الفصل في الملل والنحل 2 : 113 ط بغداد .


(14)

المسلمين في الأقطار المختلفة ، يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب ، بل أنّ حقيقته استحكمت من خلال التطبيق العملي لهذا الاستخلاف عبر السنوات القصيرة التي تولّى فيها الإمام عليّ منصب الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفّان ، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه ، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكّد لهم صحّة تلك المرويّات ، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه(1) .

وإذا كان العنصر المقوّم لإطلاق عبارة الشيعة هو مشايعة عليّ بعد النبيّ الأكرم في الزعامة والوصاية أوّلا ، وفي الفعل والترك ثانياً ; فإنّه من غير المنطقي محاولة افتراض علّة اجتماعية أو سياسية أو كلامية لتكوّن هذه الفرقة .

ومن أجل أن ترتسم في الأذهان الصورة واضحة عن مجسّدي هذه التسمية في تلك الحقبة البعيدة في التأريخ والملاصقة لعصر الرسالة الأوّل ، نستعرض جملة من رواد هذا الميدان المقدّس والذين يعدّون بحقّ أوائل حملة هذه التسمية المباركة على وجه الإجمال . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ما كتب حولهم من المؤلّفات ، وسنأتي بأسماء تلك الكتب في آخر البحث :

روّاد التشيّع في عصر النبيّ

_ صلى الله عليه وآله وسلم _

إنّ الإحالة للتعرّف على روّاد التشيّع إلى الكتب المؤلّفة في ذلك المضمار


(1) الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 28 ـ 29 .


(15)

لا تخلو من عسر وغموض ، قد تدفع بالأمر إلى جملة من المناقشات ، إلاّ أنّنا
سنقتصر في حديثنا على إيراد جملة من أُولئك الصحابة الذين اشتهروا بالتشيّع
ونسبوا له :

1 ـ عبد الله بن عبّاس .

2 ـ الفضل بن العبّاس .

3 ـ عبيد الله بن العبّاس .

4 ـ قثم بن العبّاس .

5 ـ عبد الرحمن بن العبّاس .

6 ـ تمام بن العبّاس .

7 ـ عقيل بن أبي طالب .

8 ـ أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب .

9 ـ نوفل بن الحرث .

10 ـ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .

11 ـ عون بن جعفر .

12 ـ محمّد بن جعفر .

13 ـ ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب .

14 ـ الطفيل بن الحرث .

15 ـ المغيرة بن نوفل بن الحارث .

16 ـ عبدالله بن الحرث بن نوفل .

17 ـ عبدالله بن أبي سفيان بن الحرث .


(16)

18 ـ العبّاس بن ربيعة بن الحرث .

19 ـ العبّاس بن عتبة بن أبي لهب .

20 ـ عبدالمطّلب بن ربيعة بن الحرث .

21 ـ جعفر بن أبي سفيان بن الحرث .

هؤلاء من مشاهير بني هاشم ، وأمّا غيرهم فإليك أسماء طائفة منهم :

22 ـ سلمان الفارسي المحمّدي .

23 ـ المقداد بن الأسود الكندي .

24 ـ أبو ذرّ الغفاري .

25 ـ عمّـار بن ياسر .

26 ـ حذيفة بن اليمان .

27 ـ خزيمة بن ثابت .

28 ـ أبو أيوب الأنصاري ، مضيّف النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

29 ـ أبو الهيثم مالك بن التيهان .

30 ـ أُبيّ بن كعب .

31 ـ سعد بن عبادة .

32 ـ قيس بن سعد بن عبادة .

33 ـ عديّ بن حاتم .

34 ـ عبادة بن الصامت .

35 ـ بلال بن رباح الحبشي .

36 ـ أبو رافع مولى رسول الله .

37 ـ هاشم بن عتبة .

38 ـ عثمان بن حنيف .


(17)

39 ـ سهل بن حنيف .

40 ـ حكيم بن جبلة العبدي .

41 ـ خالد بن سعيد بن العاص .

42 ـ ابن الحصيب الأسلمي .

43 ـ هند بن أبي هالة التميمي .

44 ـ جعدة بن هبيرة .

45 ـ حجر بن عديّ الكندي .

46 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي .

47 ـ جابر بن عبد الله الأنصاري .

48 ـ محمّد بن أبي بكر .

49 ـ أبان بن سعيد بن العاص .

50 ـ زيد بن صوحان العبدي .

هؤلاء خمسون صحابياً من الطبقة الأُولى للشيعة ، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم فليرجع إلى الكتب المؤلّفة في الرجال ، ولكن بعين مفتوحة وبصيرة نافذة .

في الختام نورد ما ذكره محمّد كرد عليّ في كتابه «خطط الشام» قال : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة عليّ في عصر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مثل سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له .

ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أُمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة ، ولمّا سئل عن الأربع ، قال : الصلاة ، والزكاة ، وصوم شهر رمضان ، والحجّ .


(18)

قيل : فما الواحدة التي تركوها؟

قال : ولاية عليّ بن أبي طالب .

قيل له : وإنّها لمفروضة معهنّ؟

قال : نعم هي مفروضة معهنّ .

ومثل أبي ذر الغفاري ، وعمّـار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وخالد بن سعيد ، وقيس بن سعد بن عبادة(1) .

الكتب المؤلّفة حول روّاد التشيّع :

إنّ لفيفاً من علماء الإمامية ومفكّريها قاموا بإفراد العديد من المؤلّفات القيّمة والتي تناولت في متونها بالشرح والتفصيل ما يتعلّق بروّاد التشيع الأوائل ودورهم في تثبيت الأركان العقائدية للفكر الإسلامي الناصع ، نذكر في هذا المقام ما وقفنا عليه :

1 ـ صدر الدين السيّد عليّ المدني الحسيني الشيرازي ، صاحب كتاب سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر ، وأنوار الربيع في علم البديع ، وطراز اللغة ، توفّي عام (1120هـ ) أفرد تأليفاً في ذلك المجال أسماه بـ «الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية» خصَّ الطبقة الأُولى بالصحابة الشيعة ، وخصَّص الباب الأوّل لبني هاشم من الصحابة ، والباب الثاني في غيرهم منهم . وقام في الباب الأوّل بترجمة (23) صحابيّاً من بني هاشم لم يفارقوا عليّاً قط ، كما قام في الباب الثاني بترجمة (46) صحابيّاً(2) .


(1) خطط الشام 5 : 251 .

(2) الدرجات الرفيعة : 79 ـ 452 ط النجف .


(19)

2 ـ ذكر الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه «أصل الشيعة وأُصولها» أسماء جماعة من الصحابة الذين كانوا يشايعون عليّاً في حلّه وترحاله وقال ـ معلقاً على قول أحمد أمين الكاتب المصري : «والحقّ أنّ التشيع كان مأوى يرجع إليه كل من أراد هدم الإسلام» ـ :

ونحن لولا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكّر ، ونيران البغضاء أن لا تتسعّر ، وأن تنطبق علينا حكمة القائل : «لا تنه عن خلق وتأتي مثله» لعرّفناه من الذي يريد هدم قواعد الإسلام بمعاول الإلحاد والزندقة ، ومن الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة ، ولكنّا نريد أن نسأل ذلك الكاتب : أيّ طبقة من طبقات الشيعة أرادت هدم الإسلام؟ هل الطبقة الأُولى وهم أعيان صحابة النبيّ وأبرارهم كسلمان المحمّدي أو الفارسي ، وأبي ذر ، والمقداد ، وعمّـار ، وخزيمة ذي الشهادتين ، وابن التيهان ، وحذيفة ابن اليمان ، والزبير ، والفضل بن العبّاس ، وأخيه الحبر عبد الله ، وهاشم بن عتبة المرقال ، وأبي أيّوب الأنصاري ، وأبان وأخيه خالد بن سعيد بن العاص ، وأُبيّ بن كعب سيد القرّاء ، وأنس بن الحرث بن نبيه ، الذي سمع النبيّ يقول : «إنّ ابني الحسين يقتل في أرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس وقتل مع الحسين راجع الإصابة والاستيعاب وهما من أوثق ما ألّف علماءُ السنّة في تراجم الصحابة ، ولو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة وإثبات تشيّعهم من نفس كتب السنّة لأحوجني ذلك إلى إفراد كتاب ضخم(1) .

3 ـ كما أنّ الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين (1290 ـ 1377هـ ) قام بجمع أسماء الشيعة في الصحابة حسب حروف الهجاء ، وقال : وإليك ـ


(1) أصل الشيعة وأُصولها : 53 ـ 54 مطبعة العرفان .


(20)

إكمالا للبحث  ـ بعض ما يحضرني من أسماء الشيعة من أصحاب رسول الله لتعلم أنّ بهم اقتدينا ، وبهديهم اهتدينا ، وسأُفرد لهم ـ إن وفّق الله ـ كتاباً يوضّح للناس تشيّعهم ، ويحتوي على تفاصيل شؤونهم ، ولعلّ بعض أهل النشاط من حملة العلم وسدنة الحقيقة يسبقني إلى تأليف ذلك الكتاب ، فيكون لي الشرف إذ خدمته بذكر أسماء بعضهم في هذا الباب وهي على ترتيب حروف الهجاء .

ثمّ ابتدأ بأبي رافع القبطي مولى رسول الله ، وختمهم بيزيد بن حوثرة الأنصاري ، ولم يشر إلى شيء من حياتهم ، وإنّما ألقى ذلك على الأمل أو على من يسبقه من بعض أهل النشاط .

إلاّ أنّه رحمه الله ذكر ما يربو على المائتين من أسمائهم(1) .

4 ـ قام الخطيب المصقع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي «حفظه الله» بذكر أسماء روّاد التشيّع في عصر الرسول في كتابه «هويّة التشيّع» فجاء بأسماء مائة وثلاثين من خُلَّص أصحاب الإمام من الصحابة الكرام ، وقال بعد ذكره لتنويه النبيّ باستخلاف عليّ في غير واحد من المواقف :

ولا يمكن أن تمرّ هذه المواقف والكثير الكثير من أمثالها من دون أن تشد الناس لعليّ ، ودون أن تدفعهم للتعرف على هذا الإنسان الذي هو وصيّ النبيّ ، ثمّ لابدّ للمسلمين من إطاعة الأوامر التي وردت في النصوص ، والالتفاف حول من وردت فيه . ذلك معنى التشيّع الذي نقول إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو الذي بذر بذرته ، وقد أينعت في حياته ، وعرف جماعة بالتشيّع لعليّ والالتفاف حوله ، وللتدليل على ذلك سأذكر لك أسماء الرعيل الأوّل من


(1) الفصول المهمّة في تأليف الأُمّة : 179 ـ 190 .


(21)

الصحابة الذين عرفوا بتشيّعهم للإمام عليّ(1) .

5 ـ آخرهم وليس أخيرهم كاتب هذه السطور حيث قام مجيباً دعوة السيّد شرف الدين فألّف كتاباً باسم «الشخصيات الإسلامية» في ذلك المجال في عدّة أجزاء ، طُبع منه جزءان ، وانتهينا في الجزء الثاني إلى ترجمة أبي ذر (جندب بن جنادة) ذلك الصحابي العظيم ، والكتاب باللغة الفارسية ، ونقله إلى العربية الشيخ المحقّق البارع جعفر الهادي وطبع ونشر .

وأخيراً فإنّ من أراد أن يقف بشكل جليّ على روّاد التشيّع في كتب الرجال لأهل السنّة فإنّ هذا الأمر ليس بمتعسّر ولا بممتنع ، والتي يمكننا الإشارة إلى البعض منها أمثال :

1 ـ الاستيعاب لابن عبد البرّ (ت 456هـ ) .

2 ـ أُسد الغابة للجزري (ت 606هـ ) .

3 ـ الإصابة لابن حجر (ت852هـ ) .

وغير ذلك من أُمّهات كتب الرجال المعروفة .


(1) هويّة التشيّع : 34 .


(22)

الشيعة في العصرين : الأُمويّ والعباسيّ

لا نأتي بجديد إذا ذهبنا إلى القول بأنّ الهجمة الشرسة التي كانت تستهدف استئصال الشيعة والقضاء عليهم قد أخذت أبعاداً خطيرة ودامية أبان الحكمين الأُموي و العباسي ، فما أن لبّى الإمام دعوة ربّه في ليلة الحادي و العشرين من رمضان على يد أشقي الأوّلين و الآخرين ، شقيق عاقر ناقة ثمود ، وهو يصلّـي في محراب عبادته ، حتّى شرع أعداء الإمام وخصوم التشيّع إلى التعرّض الصريح بالقتل و التشريد لأنصار هذا المذهب و المنتسبين إليه ، وإذا كان استشهاد الإمام علي يؤلّف في حدّ ذاته ضربة قاصمة في هيكلية البناء الإسلامي ، إلاّ أنّ هذا لم يمنع البعض ممّن وقفوا موقفاً باطلا ومنحرفاً من الإمام عليّ في حياته من التعبير عن سرورهم من هذا الأمر الجلل ، كما نقل ذلك ابن الأثير عن عائشة زوجة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيث قالت عندما وصلها النبأ :

فألقت عصاها واستقرّ بها النوى * كما قرّ عيناً بالإيـاب المسافـرُ

ثمّ قالت : من قتله ، فقيل : رجل من مراد ، فقالت :

فإن يك نائياً فلقد نعاهُ * نعيُّ ليس في فيه الترابُ


(23)

فقالت زينب بنت أبي سلمة : أتقولين هذا لعليّ؟ فقالت : إنّي أنسى ، فإذا نسيت فذكّروني . . .!!(1) .

الشيعة في العصر الأُموي

أمّا معاوية فلا مناص من القول بأنّه أكثر المستبشرين بهذا الأمر ، حيث
إنّه قال لمّا بلغه : إنّ الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه .
ثمّ أنشد :

قل للأرانب ترعى أينما سرّحت * وللظباء بلا خوف و لا وجلِ(2)

في الجانب الآخر نرى أنّ الإمام الحسن الابن الأكبر للإمام عليّ ووارثه ينعى أباه بقوله في مسجد الكوفة : «ألا إنّه قد مضي في هذه الليلة ، رجل لم يدركه الأوّلون ، ولن يري مثله الآخرون . من كان يقاتل وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله . والله لقد توفّي في هذه الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران ، ورفع فيها عيسى بن مريم ، وأُنزل القرآن . ألا وإنّه ما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله»(3) .

ثمّ بويع الحسن في نهاية خطبته ، وكان أوّل من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، ثم تتابع الناس على بيعته ، وكان أمير المؤمنين قد بايعه أربعون


(1) الكامل لابن الأثير 3 : 394 ط دار صادر .

(2) ناسخ التواريخ ، القسم المختص بحياة الإمام : 692 .

(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 213 .


(24)

ألفاً من عسكره على الموت . فبينما هو يتجهّز للمسير قُتل _ عليه السلام _ . فبايع هؤلاء ولده الحسن ، فلمّا بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه ، تجهّز هو و الجيش الذين كانوا قد بايعوا عليّاً . وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية(1) .

بيد إنّ الأُمور لم تستقم للإمام الحسن لجملة من الأسباب المعروفة ، أهمّها تخاذل أهل العراق أوّلا ، وكون الشيوخ الذين بايعوا عليّاً و التفّوا حوله كانوا من عبدة الغنائم و المناصب ، ولم يكن لهؤلاء نصيب في خلافة الحسن إلاّ ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانياً . وإنّ عدداً غير قليل ممّن بايع الحسن كانوا من المنافقين ، يراسلون معاوية بالسمع والطاعة ثالثاً . كما أنّ قسماً من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعاً . إلى غير ذلك من الأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاوية تحت شروط خاصّة تضمن لشيعة عليّ الأمن والأمان ، إلاّ أنّ معاوية وبعد أن وقّع على صلحه مع الإمام الحسن لم يتردد من الإعلان عن سريرته بكل صراحة ووضوح على منبر الكوفة : إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ـ وإنّكم لتفعلون ذلك ـ ولكن قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ، ألا وإنّي قد كنت منَّيتُ الحسن أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشىء منها له(2) .

وكان ذلك التصريح الخطير ، والمنافي لأبسط مبادئ الشريعة الإسلامية ،
يمثل الإعلان الرسمي لبدء الحملة الشرسة والمعلنة لاستئصال شيعة علي و أنصاره تحت كلّ حجر ومدر . وتوالت المجازر تترى بعد معاوية إلى آخر


(1) الكامل 3 : 404

(2) الإرشاد للشيخ المفيد : 191 .


(25)

عهد الدولة الأُمويّة ، فلم يكن للشيعة في تلك الأيّام نصيب سوى القتل والنفي والحرمان . وهذا هو الذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الإجمال ، حتّى يقف القارئ على أنّ بقاء التشيّع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز الله سبحانه ، كما يتوضّح له مدى الدور الخطير الذي لعبه الشيعة في الصمود والكفاح والردّ على الظلمة وأعوانهم منذ عصر الإمام إلى يومنا هذا . وإليك بعض الوثائق من جرائم معاوية .

1 ـ رسالة الإمام الحسين إلى معاوية :

«أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنّه انتهت إليك عنّي أُمور لم تكن تظنّني بها رغبة بي عنها ، وأنّ الحسنات لا يهدي لها ولا يسدّد إليها إلاّ الله تعالى ، وأمّا ما ذكرت أنّه رمي إليك عنّي ، فإنّما رقّاه الملاّقون المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ، ما أُريد لك حرباً ولا خلافاً ، وإنّي لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين حزب الظلمة وأعوان الشيطان الرجيم . ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين ـ إلى أن قال  ـ أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك في زياد أنّه على دين عليّ كرّم الله وجهه ، ودين عليّ هو دين ابن عمّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم ، وقلت فيما قلت : لا تردنّ هذه الأُمّة في فتنة وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها ، وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأُمّة محمّد . وإنّي والله ما أعرف فضلا من جهادك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله فأستغفر


(26)

الله لديني . وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى ، وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية ما بدا لك ، فلعمري لقديماً يكاد الصالحون وإنّي لأرجو أن لا تضرّ إلاّ نفسك ولا تمحق إلاّ عملك
فكدني ما بدا لك ، واتّق الله يا معاوية ، واعلم أنّ لله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها ، واعلم أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلاّ قد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعيّة و السلام»(1) .

ولعلّ المتأمل في جوانب هذه الرسالة والمتدبّر لمفرداتها يدرك وبوضوح مدى الدور المنحرف الذي وقفه الأُمويّون وعلى رأسهم معاوية في محاربة أنصار مذهب التشيّع وروّاده ، كما تتوضح له الصورة عن حجم المحنة التي مرّ بها الشيعة إبّان تلك الحقبة الزمنية .

ولكي تتوضّح الصورة في ذهن القارئ الكريم ندعوه إلى قراءة رسالة الإمام محمّد بن عليّ الباقر _ عليه السلام _ لأحد أصحابه ، حيث قال :

«إنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا . ثمّ تداولتها قريش ، واحد بعد واحد ، حتّى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتّى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به وأُسلم


(1) الإمامة والسياسة 1 : 164 ، جمهرة الرسائل 2 : 67 ، ورواه الكشي في رجاله 48 ـ 51 والمجلسي في البحار 44 : 212ـ214 .


(27)

ووثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاخيل أُمّهات أولاده ، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء
أهل بيته ، وهم قليل حقّ قليل . ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً ، ثمّ غدروا به ، وخرجوا عليه ، وبيعته في أعناقهم وقتلوه .

ثمّ لم نزل ـ أهل البيت ـ نستذلّ ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كل بلدة ، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقله ولم نفعله ، ليبغّضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن _ عليه السلام _ ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين _ عليه السلام _ ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة ، وأخذهم بكل ظنّة وتهمة ، حتّى أنّ الرجل ليقال له : زنديق أو كافر ، أحبّ إليه من أن يقال : شيعة عليّ ، وحتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب ولا بقلّة ورع»(1) .

بل وإليك ما أورده ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة :


(1) شرح نهج البلاغة 11 : 43 ـ 44 .


(28)

كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة عليّ بن أبي طالب ، فلمّا قدم زياد الكوفة والياً عليها أخافه فطلبه زياد ، فأتى الحسن بن عليّ ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته ، فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره ، فكتب الحسن إلى زياد : «من الحسن بن عليّ إلى زياد ، أمّا بعد : فإنّك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، فهدمت داره وأخذت ماله وعياله فحبستهم ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، فانّي قد أجرته فشفّعني فيه» .

فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة ، أمّا بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة ، وأنا سلطان وأنت سوقة ، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيّته كتبت إليّ في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي و رضاً منك بذلك ، وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإنّ أحبّ لحم علىَّ أن آكله اللّحم الذي أنت منه ، فسلّمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفّعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلاّ لحبّه أباك الفاسق ، والسلام»(1) .

«كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرّضهم على لعن عليّ أو البراءة منه ، فملأ منهم المسجد والرحبة ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف»(2) .

وعن المنتظم لابن الجوزي : أنّ زياداً لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهمّ أن يخرب دورهم ويحرق نخلهم ، فجمعهم حتّى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من


(1) شرح بن أبي الحديد 16 : 194 .

(2) مروج الذهب 3 : 26 .


(29)

عليّ ، وعلم أنّهم سيمتنعون ، فيحتجّ بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم(1) .

بيان معاوية إلى عماله :

روى أبو الحسن عليّ بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة!! : «أن برأت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته» فقامت الخطباء في كلّ كورة ، وعلى كلّ منبر ، يلعنون عليّاً ويبرأون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة عليّ _ عليه السلام _ فاستعمل عليها زياد بن سميّة ، وضمّ إليه البصرة ، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنّه كان منهم أيّام عليّ _ عليه السلام _ ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .

وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة . وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته .

ففعلوا ذلك ، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء و الحباء و القطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كلّ مصر ، وتنافسوا في المنازل و الدنيا ، فليس


(1) المنتظم 5 : 263 ط بيروت .


(30)

يجيء أحد مردود من الناس عاملا من عمّال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه . فلبثوا بذلك حيناً .

ثمّ كتب إلى عمّاله : إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة; فإنّ هذا أحبّ إلىّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب و شيعته ، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله!!

فقرأت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لاحقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب ، فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ، وحتّى علّموه بناتهم و نساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .

ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه . وشفع ذلك بنسخة أُخرى : من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكّلوا به ، واهدموا داره .

فلم يكن بلد أشدّ بلاءً من العراق ، ولا سيّما الكوفة ، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ _ عليه السلام _ ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه . فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بليّة القرّاء والمراؤون


(31)

والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويتقرّبوا من مجالسهم ، ويصيبوا الأموال والضياع والمنازل ، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنّون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تديّنوا بها .

وقال ابن أبي الحديد : فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ _ عليه السلام _ فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض .

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين _ عليه السلام _ وولّـي عبد الملك بن مروان ، فاشتدّ على الشيعة ، وولّي عليهم الحجّاج بن يوسف ، فتقرّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه ، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ،وأكثروا من الغضّ من عليّ _ عليه السلام _ وعيبه ، والطعن فيه ، والشنآن له ، حتى أنّ إنساناً وقف للحجّاج  ـ ويقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به : أيّها الأمير انّ أهلي عقّوني فسمّوني علياً ، وانّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج . فتضاحك له الحجّاج ، وقال : للطف ما توسّلت به ، قد ولّيتك موضع كذا .

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم ـ في تأريخه ما يناسب هذا الخبر ، قال : إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أُميّة تقرّباً إليهم بما


(32)

يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم(1) .

ضحايا الغدر الأُموي

لعلّ المرء يصاب بالذهول وهو يتأمّل أسماء الصحابة والتابعين ذوي
المنازل الرفيعة والمكانة السامية و الدور الجليل في خدمة الإسلام وأهله ،
كيف سقطوا صرعى بسيف الأُمويّين لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة عليّ _ عليه السلام _ ، ومن هؤلاء :

1 ـ حجر بن عديّ : الذي قبض عليه زياد بعد هلاك المغيرة سنة (51هـ ) وبعثه مع أصحابه إلى الشام بشهادة مزوّرة ، وفرية ظالمة ، كان يراد منها قتله وتوجيه ضربة قوية لشيعة عليّ وتصفيتهم .

يقول المسعودي :

«في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عديّ الكندي ـ وهو أوّل من قتل صبراً في الإسلام ـ وحمله زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها ، فلمّـا صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق أنشأت ابنته تقول ـ ولا عقب له من غيرها ـ :

ترفّع أيّها القمر المنير * لعلّك أن ترى حجراً يسير

يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله ، كذا زعم الأمير

ويصلبه على بابي دمشق * وتأكل من محاسنه النسور

ثمّ قتله مع أصحابه في مرج عذراء(2) بصورة بشعة يندى لها الجبين ، وهي مذكورة في جميع كتب التأريخ ، فراجع .


(1) شرح نهج البلاغة 11 : 46 .

(2) مروج الذهب 3 : 3ـ4 ، سير أعلام النبلاء 3 : 462ـ466 / 95 .


(33)

2 ـ عمرو بن الحمق : ذلك الصحابي العظيم الذي وصفه الإمام الحسين سيّد الشهداء بأنّه : «أبلت وجهه العبادة» . قتله معاوية بعدما أعطاه الأمان(1) .

3 ـ مالك الأشتر : ملك العرب ، وأحد أشرف رجالاتها وأبطالها ، كان شهماً مطاعاً وكان قائد القوات العلوية . قتله معاوية بالسمّ في مسيره إلى مصر بيد أحد عمـّاله(2) .

4 ـ رشيد الهجري : كان من تلاميذ الإمام وخواصّه ، عرض عليه زياد البراءة واللعن فأبى ، فقطع يديه ورجليه ولسانه ، وصلبه خنقاً في عنقه(3) .

5 ـ جويرية بن مسهر العبديّ : أخذه زياد وقطع يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة(4) .

6 ـ قنبر مولى أمير المؤمنين : روي أن الحجّاج قال لبعض جلاوزته : أُحبّ أن أُصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فقالوا : ما نعلم أحداً كان أطول صحبة له من
مولاه قنبر . فبعث في طلبه ، فقال له : أنت قنبر؟ قال : نعم ، قال له : ابرأ من دين عليّ ، فقال له : هل تدلّني على دين أفضل من دينه؟ قال : إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك ، قال : أخبرني أمير المؤمنين : أنّ ميتتي تكون ذبحاً بغير حقّ . فأمر به فذبح كما تذبح الشاة(5) .

7 ـ كميل بن زياد : وهو من خيار الشيعة وخاصّة أمير المؤمنين ، طلبه الحجّاج فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلمّـا رأى كميل ذلك قال : أنا


(1) سير أعلام النبلاء 4 : 34ـ35 / 6 .

(2) شذرات الذهب 1 : 91 .

(3) شرح نهج البلاغة 2 : 294 ـ 295 .

(4) شرح نهج البلاغة 2 : 290 ـ 291 .

(5) رجال الكشي : 68ـ69 / 21 ، الشيعة والحاكمون : 95 .


(34)

شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أكون سبباً في حرمان قومي . فاستسلم للحجّاج ، فلمّـا رآه قال له : كنت أحبُّ أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل :
لا تبرق ولا ترعد ، فوالله ما بقي من عمري إلاّ مثل الغبار ، فاقض فإنّ الموعد الله
عزّ وجلّ ، وبعد القتل الحساب . وقد أخبرني أمير المؤمنين أنّك قاتلي ، فقال الحجّاج : الحجّة عليك إذن ، فقال : ذلك إن كان القضاء لك ، قال : بلى ، اضربوا عنقه(1) .

8 ـ سعيد بن جبير : التابعي المعروف بالعفّة والزهد والعبادة ، وكان يصلّـي خلف الإمام زين العابدين ، فلمّـا رآه الحجّاج قال له : أنت شقي ابن كسير ، فقال : أُمّي أعرف باسمي منك . ثم بعد أخذ وردّ أمر الحجاج بقتله ، فقال سعيد : (وجّهتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السمّواتِ وَالأرضَ حنيفاً ـ مسلماً ـ وما أنا مِنَ المشركين)(2) . فقال الحجّاج : شدّوه إلى غير القبلة ، فقال : (أينما تولّوا فثمَّ وَجهُ الله)(3) ، فقال : كبّوه على وجهه ، قال : (مِنْها خَلَقناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُم وَمِنْها نُخْرِجُكُم تارَة أُخرى) (4) . ثم ضربت عنقه(5) .

وسيوافيك ما جرى على زيد بن عليّ من الصلب أيّام خلافة هشام بن


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 : 149 ، الشيعة والحاكمون : 96 .

(2) الأنعام : 79 .

(3) البقرة : 115

(4) طه : 55

(5) سير أعلام النبلاء 4 : 321ـ328 ، الجرح والتعديل 4 : 9 / 29 .


(35)

عبدالملك عام (122هـ ) عند الكلام عن فرقة الزيدية إن شاء الله تعالى .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا جناه الأُمويّون في حقّ الشيعة طوال فترة حكمهم وتولّيهم لدفّة الأُمور وزمام الحكم ، وتالله إنّ المرء ليصاب بالغثيان وهو يتأمّل هذه الصفحات السوداء التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ وكيف لطّخت بالدماء الطاهرة المقدسة والتي أُريقت ظلماً وعدواناً وتجنّياً على الحقّ وأهله .

الشيعة في العصر العباسي

دار الزمان على بني أُميّة ، وقامت ثورات عنيفة ضدّهم أثناء خلافتهم ، إلى أن قضت على آخر ملوكهم (مروان الحمار) : (فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمْدُ لله رَبّ العالَمِينَ)(1) وامتطى ناصية الخلافة بعدهم العباسيون ، والذين تسربلوا بشعار مظلومية أهل البيت للوصول إلى سدّة الخلافة وإزاحة خصومهم الأُمويين عنها ، بيد أنّهم ما أن استقر بهم المقام وثبتت لهم أركانه حتّى انقلبوا كالوحوش الكاسرة في محاربتهم للشيعة وتشريدهم وتقتيلهم ، فكانوا أسوأ من أسلافهم الأُمويين وأشدّ إجراماً ، ولله درّ الشاعر حين قال :

والله مـا فعلـت أُميّـة فيهـم * معشار ما فعلت بنو العباسِ

1 ـ كان أوّل من تولّى منهم أبو العباس السفّاح ، بويع سنة (132هـ ) ومات سنة (136هـ ) ، قضى وقته في تتبّع الأُمويّين والقضاء عليهم ، وهو وإن لم


(1) الأنعام : 45 .


(36)

يتعرّض
للعلوّيين ، لكنّه تنكّر لهم و لشيعتهم ، بل وأوعز إلى الشعراء أن يتعرّضوا لأولاد عليّ وأهل بيته في محاولة مدروسة للنيل من منزلتهم وتسفيه الدعوة المطالبة بإيكال أمر الخلافة الإسلامية إليهم . هذا محمّد أحمد براق يقول في كتابه «أبو العباس السفاح» : «إنّ أصل الدعوة كان لآل عليّ ; لأنّ أهل خراسان كان هواهم في آل عليّ لا آل العباس ، لذلك كان السفّاح ومن جاء بعده مفتّحة عينوهم لأهل خراسان حتّى لا يتفشّى فيهم التشيّع لآل عليّ . . . وكانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم ، فيقدّمون لهم الجوائز ، وكان الشعراء يعرّضون بأبناء عليّ وينفون عنهم حقّ الخلافة ; لأنّهم ينتسبون إلى النبيّ عن طريق ابنته فاطمة ، أمّا بنو العباس فإنّهم أبناء عمومة»(1) .

2 ـ ثمّ جاء بعده أبو جعفر المنصور ، وبالرغم ممّا أُثير حوله من منزلة ومكانة وذكاء ، إلاّ أنّ في ذلك مجافاة عظيمة للحقّ وابتعاداً كبيراً عن جادّة الصواب ، نعم حقّاً إنّ هذا الرجل قد ثبّت أركان دولته وأقام لها أُسساً قوية صلبة ، إلاّ أنّه أسرف كثيراً في الظلم والقسوة والإجرام بشكل ملفت للأنظار ، ويكفي للإلمام بجرائمه وقسوته ما كتبه ابن عبد ربّه في العقد الفريد عن ذلك حيث قال :

إنّ المنصور كان يجلس ويُجلس إلى جانبه واعظاً ، ثمّ تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس ، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثيابه ، يلتفت إلى الواعظ ويقول : عظني فإذا ذكّره الواعظ بالله ، أطرق المنصور كالمنكسر ثمّ يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق ، فإذا ما أصابت


(1) أبو العباس السفّاح : 48 ، كما في الشيعة والحاكمون : 139 .


(37)

الدماء ثياب المنصور ثانياً قال لواعظه : عظني!!(1) .

فماذا يا ترى يريد المنصور من قوله للواعظ : عظني ، وماذا يعني بإطراقه بعد ذلك وسكوته ، هل يريد الاستهزاء بالدين الذي نهى عن قتل النفس وسفك الدماء ، أو يريد شيئاً آخر؟! وليت شعري أين كان المؤرّخون وأصحاب الكلمات الصادقة المنصفة من هذه المواقف المخزية التي تقشعر لها الأبدان ، وهم يتحدّثون عن هذا الرجل الذي ما آلوا يشيدون بذكره ويمجّدون بأعماله ، وهلاّ تأمّل القرّاء في سيرة هذا الرجل ليدركوا ذلك الخطأ الكبير .

بلى إنّ هذا الرجل أسرف في القتل كثيراً ، وكان للعلويين النصيب الأكبر ، وحصّة الأسد من هذا الظلم الكبير .

يقول المسعودي : جمع المنصور أبناء الحسن ، وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم ، وحملهم في محامل مكشوفة وبغير وطاء ، تماماً كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين . ثمّ أودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وأُشكلت أوقات الصلاة عليهم ، فجزَّأوا القرآن خمسة أجزاء ، فكانوا يصلّون على فراغ كلّ واحد من حزبه ، وكانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم ، فاشتدّت عليهم الرائحة ، وتورّمت أجسادهم ، ولا يزال الورم يصعد من القدم حتّى يبلغ الفؤاد ، فيموت صاحبه مرضاً وعطشاً وجوعاً(2) .

وقال ابن الأثير : دعا المنصور محمّد بن عبد الله العثماني ، وكان أخاً لأبناء الحسن من أُمّهم ، فأمر بشقّ ثيابه حتّى بانت عورته ، ثمّ ضرب مائة وخمسون سوطاً ، فأصاب سوط منها وجهه فقال : ويحك اكفف عن


(1) العقد الفريد 1 : 41 .

(2) مروج الذهب 3 : 310 ط سنة 1948 م .


(38)

وجهي ، فقال المنصور للجلاّد : الرأس الرأس ، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً ، وأصاب إحدى عينيه
فسالت على وجهه ، ثمّ قتله ـ ثمّ ذكر ـ : وأحضر المنصور محمّد بن إبراهيم بن الحسن ، وكان أحس الناس صورة ، فقال له : أنت الديباج الأصفر ، لأقتلنّك قتلة لم أقتلها أحداً ، ثمّ أمر به ، فبني عليه أُسطوانة وهو حيّ ، فمات فيها(1) .

3 ـ ثمّ ولي بعده المهدي ولد المنصور ، وبقي في الحكم من سنة (158هـ ) إلى سنة (169هـ ) وكفى في الإشارة إلى ظلمه للعلويّين ، أنّه أخذ علي بن العبّاس بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب ، فسجنه فدّس إليه السمّ فتفسّخ لحمه وتباينت أعضاؤه .

4 ـ ولمّا هلك المهدي بويع ولده الهادي ، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر ، سار فيها على سيرة من سبقه في ظلم العلويين والتضييق عليهم ، وكفى في الإشارة إلى ذلك ما ذكره أبو الفرج الإصبهاني في مقاتل الطالبيين حيث قال :

إنّ أُمّ الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، قتل المنصور أباها وأُخوتها وعمومتها وزوجها عليّ بن الحسن ، ثمّ قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين ، وكانت تلبس المسوح على جسدها ، لا تجعل بينها وبينه شيئاً حتّى لحقت بالله عزّ وجلّ(2) .

5 ـ ثمّ تولّى بعده الرشيد سنة (170هـ ) ومات (193هـ ) وكان له سجّل


(1) الكامل 4 : 375 .

(2) مقاتل الطالبيين : 285 ط النجف .


(39)

أسود في تعامله مع الشيعة تبلورت أوضح صوره فيما لاقاه منه الإمام موسى بن جعفر الكاظم _ عليه السلام _  ، وهو ما سنذكره لاحقاً إن شاء الله تعالى ، وإليك واحدة من تلك الأفعال الدامية التي سجّلها له التأريخ ورواها الإصبهاني عن إبراهيم بن رباح ، قال : إنّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبد الله بن الحسن ، بنى عليه أُسطوانة وهو حيّ ، وكان هذا العمل الإجرامي موروثاً من جدّه المنصور(1) .

6 ـ ثمّ جاء بعده ابنه الأمين ، فتولّى الحكم أربع سنين وأشهراً ، يقول أبوالفرج : كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدّم لتشاغله بما كان فيه من اللهو ثمّ الحرب بينه وبين المأمون ، حتّى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيّامه حدث .

7 ـ وتولّى الحكم بعده المأمون ، و كان من أقوى الحكّام العباسيّين بعد أبيه الرشيد . فلمّا رأى المأمون إقبال الناس على العلويّين وعلى رأسهم الإمام الرضا ، ألقى عليه القبض بحيلة الدعوة إلى بلاطه ، ثمّ دسّ اليه السمّ فقتله .

8 ـ مات المأمون سنة (210هـ  ) وجاء إلى الحكم ابنه المعتصم فسجن محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلاّ أنّه استطاع الفرار من سجنه .

9 ـ ثمّ تولى الحكم بعده الواثق الذي قام بسجن الإمام محمّد بن عليّ الجواد _ عليه السلام _ ودسّ له السمّ بيد زوجته الأثيمة أُمّ الفضل بنت المأمون .

10 ـ وولي الحكم بعد الواثق المتوكّل ، وإليك نموذجاً من حقده على آل البيت وهو ما ذكره أبو الفرج قال : كان المتوكّل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظاً في جماعتهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظنّ


(1) مقاتل الطالبيين : 320 ، وروي في مقتله أمر آخر .


(40)

والتهمة لهم . واتّفق له أنّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم ، فحسَّن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله ، وكان من ذلك أن كرب(1) قبر الحسين وعفّى آثاره ، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به وقتله أو أنهكه عقوبة .

وقال : بعث برجل من أصحابه (يقال له الديزج وكان يهودياً فأسلم) إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب ما حوله ، فمضي ذلك فخرّب ما حوله ، وهدم البناء وكرب ما حوله مائتي جريب ، فلمّـا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد ، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه ، وأجرى الماء حوله ، ووكل به مسالحَ ، بين كلّ مسلحتين ميل ، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إليه .

وقال أيضاً : حدّثني محمّد بن الحسين الأشناني : بَعُدَ عهدي بالزيارة في تلك الأيّام ، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعدني رجل من العطّارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل ، حتى أتينا نواحي الغاضريّة ، وخرجنا نصف الليل ، فصرنا بين مسلحتين ، وقد ناموا ، حتى أتينا القبر فخفي علينا ، فجعلنا نشمّه (نتسمه خ ل) ونتحرّى جهته حتّى أتيناه ، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه ، وأُحرق وأُجري الماء عليه ، فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق ، فزرناه وأكببنا عليه ـ إلى أن قال : ـ فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع ، فلمّـا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه .


(1) الكرب : إثارة الأرض للزرع .


(41)

وقال أيضاً : واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن الفرج ، فمنع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس ومنع الناس من البرّ بهم ، وكان لا يبلغه أنّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء وإن قلّ إلاّ أنهكه عقوبة ، وأثقله غرماً ، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ، ثمّ يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكّل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم بمال فرّقه بينهم ، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادّة مذهبه(1) .

11 ـ وولّي بعده المنتصر ابنه ، وظهر منه الميل إلى أهل البيت وخالف أباه ـ كما عرفت ـ فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه فيما بلغنا .

وأوّل ما أحدثه انّه لمّا ولّـي الخلافة عزل صالح بن عليّ عن المدينة ، وبعث عليّ بن الحسين مكانه فقال له ـ عند الموادعة ـ : يا عليّ إنّي أُوجّهك إلى لحمي ودمي فانظر كيف تكون للقوم ، وكيف تعاملهم ـ يعني آل أبي طالب ـ فقلت : أرجو أن أمتـثل رأي أمير المؤمنين ـ أيّده الله ـ فيهم ، إن شاء الله . قال : إذاً تسعد بذلك عندي(2) .

12 ـ وقام بعده المستعين بالأمر ، فنقض كلّما غزله المنتصر من البرّ والإحسان ، ومن جرائمه أنّه قتل يحيى بن عمر بن الحسين ، قال أبو الفرج :

وكان ـ رضي الله عنه ـ رجلا فارساً شجاعاً ، شديد البدن ، مجتمع القلب ، بعيداً من رهق الشباب وما يعاب به مثله ، ولمّا أُدخل رأسه إلى بغداد جعل أهلها يصيحون من ذلك إنكاراً له ، ودخل أبو هاشم على محمّد بن


(1) مقاتل الطالبيين : 597 ـ 599 .

(2) مقاتل الطالبيين : 639 .


(42)

عبد الله بن طاهر ، فقال : أيّها الأمير ، قد جئتك مهنّئاً بما لو كان رسول الله حيّاً يُعزّى به .

وأُدخل الأُسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ولم يكن فيما رؤي قبل ذلك من الأُسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال ، وكانوا يساقون وهم حفاة سوقاً عنيفاً ، فمن تأخّر ضربت عنقه .

قال أبوالفرج : وما بلغني أنّ أحداً ممّن قتل في الدولة العباسيّة من آل أبي طالب رثي بأكثر ممّا رثي به يحيى ، ولا قيل فيه الشعر بأكثر ممّا قيل فيه .

أقول : إنّ العباسيين قد أتوا من الجرائم التي يندى لها الجبين وتقشعرّ منها الجلود في حقّ الشيعة بحيث تغصّ بذكرها المجلّدات الكبيرة الواسعة ، بل وفاقوا بأفعالهم المنكرة ما فعله الأُمويّون من قبل ، ولله درّ الشاعر حيث قال :

تالله إن كانت أُميّة قد أتت * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها * هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبّعوه رميما

ومن أراد أن يقف على سجلّ جرائم الدولتين (الأُموية والعباسية) وملفّ مظالمهم فعليه قراءة القصائد الثلاث التي نظمها رجال مؤمنون مخلصون ، عرّضوا أنفسهم للمخاوف والأخطار طلباً لرضى الحقّ :

1 ـ تائية دعبل الخزاعي الشهيد عام (246هـ ) ، فإنّها وثيقة تأريخية خالدة تعرب عن سياسة الدولتين تجاه أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، وقد أنشدها الشاعر للإمام الرضا ، فبكى وبكت معه النسوة .

أخرج الحموي عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال : أنشدت


(43)

قصيدة لمولاي عليّ الرضا ـ رضي الله عنه ـ :

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصاتِ

قال دعبل : ثمّ قرأت باقي القصيدة ، فلمّا انتهيت إلى قولي :

خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم الله والبركاتِ

فبكى الرضا بكاءً شديداً .

ومن هذه القصيدة قوله :

هُمُ نقضوا عهد الكتاب وفرضه * ومحكمه بالزور والشبهاتِ

تراث بلا قربى ، وملك بلا هدى * وحكم بلا شورى ، بغير هداةِ

وفيها أيضاً قوله :

لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمراتِ

ديار عليّ والحسين وجعفر * وحمزة والسجّاد ذي الثفناتِ

ديار عفاها كلّ جون مبادر * ولم تعف للأيّام والسنواتِ

منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسناتِ

منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقاتِ

منازل وحي الله ينزل حولها * على أحمد الروحاتِ والغدواتِ

إلى أن قال :

ديار رسول الله أصبحن بلقعا * ودار زياد أصبحت عمراتِ

وآل رسول الله غُلَّتْ رقابهم * وآل زياد غُلّظُ القصراتِ


(44)

وآل رسول الله تُدْمى نحورهم * وآل زياد زيّنوا الحجلاتِ

وفيها أيضاً :

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا * وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ

إذاً للطمتِ الخدّ فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجناتِ

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلاتِ(1)

2 ـ ميميّة الأمير أبي فراس الحمداني (320 ـ 357هـ ) ، و هذه القصيدة تعرف بالشافية ، وهي من القصائد الخالدة ، وعليها مسحة البلاغة ، ورونق الجزالة ، وجودة السرد ، وقوّة الحجّة ، وفخامة المعنى ، أنشدها ناظمها لمّا وقف على قصيدة ابن سكرة العبّاسي التي مستهلّها :

بني عليّ دعوا مقالتكم * لا يُنقص الدُّرَّ وضع من وضعه

قال الأمير في جوابه ميميّته المعروفة وهي :

الحقّ مهتضمٌ والدين مخترم * وفيء آل رسول الله مقتسمُ

إلى أن قال :

يا للرجال أما لله منتصرٌ * من الطغاة؟ أما لله منتقمُ؟

بنو علي رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدم!(2)

3 ـ جيميّة ابن الرومي التي رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد ،


(1) لاحظ للوقوف على هذه القصيدة : المناقب لابن شهر آشوب 2 : 394 ، وروضة الواعظين للفتّال النيسابوري : 194 ، وكشف الغمّة للإربليّ 3 : 112 ـ 117 ، وقد ذكرها أكثر المؤرّخين .

(2) نقلها في الغدير برمتها وأخرج مصادرها ، لاحظ 3 : 399 ـ 402 .


(45)

ومنها :

أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج * طريقان شتّى مستقيم وأعوج

ألا أي هذا الناس طال ضريركم * بآل رسول الله فاخشوا أو ارتَجُوا

أكلّ أوان للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرّج(1)

وكم من الانصاف فيما كتبه الأصبهاني عن مدى العبء الذي تحمله أهل البيت وشيعتهم من أجل كلمة الحق ، وموقف الصدق ، وما ترتّب على ذلك من تكالب لا يعرف الرحمة من قبل الحكومات الجائرة المتلاحقة للقضاء على هذا الوجود المقدّس واجتثاثه من أصله ، حيث ذكر :

«ولا يعرف التأريخ أُسرة كأُسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة ، وطيب النجار ، ضلّ عنها حقّها ، وجاهدت في سبيل الله حقّ الجهاد من الأعصار ، ثمّ لم تظفر من جهادها المرير إلاّ بالحسرات ، ولم تعقب من جهادها إلاّ العبرات ، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى ، راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم ، وصافحوا الموت في بسالة فائقة ، وتلقّوه في صبر جميل يثير في النفس الإعجاب والإكبار ، ويشيع فيها ألوان التقدير والإعظام .

وقد أسرف خصوم هذه الأُسرة الطاهرة في محاربتها ، وأذاقوها ضروب النكال ، وصبّوا عليها صنوف العذاب ، ولم يرقبوا فيها إلاّ ولا ذمّةً ، ولم يرعوا لها
حقّاً ولا حرمة ، وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال ، والرجال جميعاً ، في عنف لا يشوبه لين ، وقسوة لا تمازجها رحمة ، حتّى غدت


(1) مقاتل الطالبيين : 639 ـ 646 .


(46)

مصائب أهل البيت مضرب الأمثال ، في فـظاعة النكال ، وقد فجّرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودّة في قلوب الناس ، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم ، وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجناً ، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثاً يروى ، وخبراً يتناقل ، وقصصاً تقص ، يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم ، فتطلّبوه وحرصوا عليه»(1) .

نعم ، لقد اقترن تأريخ الشيعة بأنواع الظلم والنكال ، والقتل والتشريد ، بحيث لم تشهده أيّ طائفة أُخرى من طوائف المسلمين . بلى ، لم ير الأُمويّون ولا العباسيّون ولا الملوك الغزانوة ولا السلاجقة ولا من أتى بعدهم أيّ حرمة لنفوسهم وأعراضهم وعلومهم ومكتباتهم ، فحين كان اليهود والنصارى يسرحون ويمرحون في أرض الإسلام والمسلمين ، وقد كفل لهم الحكّام حرّيّاتهم باسم الرحمة الإسلامية ، كان الشيعة يأخذون تحت كلّ حجر ومدر ، ويقتلون بالشبهة والظنّة ، وتشرّد أُسرهم ، وتصادر أموالهم ، ولا يجدون بدّاً من أن يخفوا كثيراً من عقائدهم خوف النكال والقتل ، وبأيدي وقلوب نزعت منها الرحمة .

فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية ، وأن يظهر خلاف ما يعتقده ، بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك ، بعد أن أباح دمه وعرضه وماله .

هذا هو طغرل بيك أوّل ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447هـ ، وشنّ على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم


(1) مقدّمة مقاتل الطالبيين ، بقلم السيد أحمد صقر : الصفحة ي ـ ك ، طبع دار المعرفة .


(47)

المهمّة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلّة بين السورين في الكرخ سنة 381هـ  على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد ، وكانت من الأهمية العلمية بمكان; حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، كما قاله محمد كرد علي ، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين(1) .

قال ياقوت الحموي : وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ، ولم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها ، كانت كلّها بخطوط الأئمّة المعتبرة وأُصولهم المحرّرة(2) .

وكان من جملتها مصاحف بخطّ ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير(3) .

ولمّا كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب ، فقد أخذ العلماء يهدون إليه مصنّفاتهم المختلفة ، فأصبحت مكتبته من أغني دور الكتب ببغداد ، وقد أُحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما أُحرق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بيك ، وتوسّعت الفتنة حتّى اتّجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام .

قال ابن الجوزي في حوادث سنة (448هـ ) : وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ، ثمّ قال في حوادث سنة (449هـ ) : وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة في الكرخ ، وأُخذ ما وجد من دفاتره وكرسي يجلس عليه للكلام ، وأُخرج إلى الكرخ وأُضيف إليه ثلاث مجانيق


(1) خطط الشام 3 : 185 .

(2) معجم البلدان 2 : 342 .

(3) الكامل في التاريخ 10 : 3 .


(48)

بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة ، فأُحرق الجميع(1) .

وأخيراً فلعلّ القارئ الكريم إذا تأمّل بتدبرّ وتأنّ إلى جملة ما كتب وأُلّف من المراجع التاريخية ـ وحتّى تلك التي كتبت في تلك العصور التي شهدت هذه المجازر المتلاحقة ، والتي بلا أدنى شكّ كان أغلبها يجاري أهواء الأُسر الحاكمة آنذاك ـ فإنّه سيجد بوضوح أنّ بقاء الشيعة حتّى هذه الأزمنة من المعاجز والكرامات وخوارق العادات ، كيف وإنّ تاريخهم كان سلسلة من عمليات الذبح ، والقتل ، والقمع ، والاستئصال ، والسحق ، والإبادة ، قد تظافرت قوى الكفر والفسق على إهلاكهم وقطع جذورهم ، ومع ذلك فقد كانت لهم دول و دويلات ، ومعاهد وكلّيّات ، وبلدان وحضارات ، وأعلام ومفاخر ، وعباقرة وفلاسفة ، وفقهاء ، ومحدّثون ، ووزراء وسياسيّون ، ويؤلّفون اليوم خمس المسلمين أو ربعهم .

نعم إنّ ذلك من فضله سبحانه لتعلّق مشيئته على إبقاء الحقّ وإزهاق الباطل في ظلّ قيام الشيعة طيلة القرون بواجبها وهو الصمود أمام الظلم ، والتضحية والتفدية للمبدأ والمذهب وقد قال سبحانه : (إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ وإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَروا بِأِنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)(2) .

ولا يفوتنّك أخي القارئ الكريم أنّ ثوراتهم المتعاقبة على الحكومات الظالمة الفاسدة الخارجة عن حدود الشريعة الإسلامية العظيمة هي التي


(1) المنتظم 8 : 173 ـ 179 ، نقلنا ما يتعلّق بمكتبة أبي نصر سابور والشيخ الطوسي عن مقدّمة شيخنا الطهراني على التبيان وذكرنا المصادر التي أومأ هو إليها في الهامش ، لاحظ الصفحة (هـ ـ و) من المقدّمة .

(2) الأنفال : 65 .


(49)

أدّت إلى تشريدهم وقتلهم والفتك بهم ، ولو أنّهم ساوموا السلطة الأُموية والعباسية ، لكانوا في أعلى المناصب والمدارج ، لكنّ ثوراتهم لم تكن عنصرية أو قوميّة أو طلباً للرئاسة ، بل كانت لإزهاق الباطل ورفع الظلم عن المجتمع ، والدعوة إلى إعلاء كلمة الله وغير ذلك ممّا هو من وظائف العلماء العارفين .


(50)

فرضيّات وهميّة لمبدأ التشيّع



لقد تقدّم الحديث منّا في الصفحات السابقة حول ما يمكن تسميته بنشأة التشيّع، والتي تبّين لنا بوضوح أنّه لا فصل هنا بين النشأتين، نشأة الاِسلام، ونشأة التشيّع، وأنّهما وجهان لعملة واحدة، إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرّخين وكتّاب المقالات ممّن قادهم الوهم وسوء الفهم إلى اعتبار التشيّع أمراً حادثاً وطارىَ على المجتمع الاِسلامي، فأخذوا يفتّشون عن مبدئه ومصدره، وأشدّ تلك الظنون عدوانية فيه ما تلوكه أشداق بعض المتقدّمين والمتأخّرين، هو كونه وليد عبد الله ابن سبأ ذلك الرجل اليهودي، الذي ـ بزعمهم ـ طاف الشرق والغرب، وأفسد الاَُمور على الخلفاء والمسلمين، وألّب الصحابة والتابعين على عثمان فقتل في عقر داره، ثمّ دعا إلى عليّ بالاِمامة والوصاية، وإلى النبيّ بالرجعة، وكوَّن مذهباً باسم الشيعة، فهو كما يتصوّر هؤلاء وصوّروه لغيرهمصنيع ذلكالرجلاليهودي المتظاهر بالاِسلام. وبما أنّ لهذا الموضوع أهمية خاصة لما احتلّه من المساحة الواسعة في أذهان العديد من السذج والسطحيّين، فإنّا لا نكتفي ببيان توهّم واحد بل نأتي على ذكر كلّ تلك الادّعاءات واحدة بعد الاَُخرى، مع رعاية التسلسل الزمني.

الفرضيّة الاَُولى: الشيعة ويوم السقيفة

ليس بخاف على أحد مدى الانعطافة الخطيرة التي حدثت في تأريخ الاِسلام


(51)

عقب انتهاء مؤتمر سقيفة بني ساعدة، وما ترتّب عليه من نتائج وقرارات خطيرة.

والحقّ يقال إنّ هذا المؤتمر الذي ضمّ بين صفوفة ثلّة كبيرة من وجوه الصحابةـ من المهاجرين والاَنصار ـ قد أغفل عند انعقاده الواجب الاَعظم في إكرام رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ صاحب الفضل الاَكبر فيما وصل إليه الجميع ـ عندما تُرك مُسجّى بين يدي أهل بيته وانشغلوا بما كان من غير الاِنصاف أن ينسب إليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من قصور لا عذر فيه في ترك الاَُمّة حائرة به بعد موته.

أقول: ونتيجة لانشغالهم ذاك فقد حرموا من واجب إكرام الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جلّه، ففاتهم أعظمه، وقصروا في تأديته، وكان لاَهل بيته وحدهم ذلك الدور كلّه، فأوفوه، ولم يألوا في ذلك جهداً.

وإذا كان المؤتمرون في السقيفة قد خرجوا إلى الملاَ بقرار كان ثمرة مخاض عسير واعتراك صعب؛ فإنّه أوضح وبلا أدنى ريب تبعثر الآراء واختلافها، بل وظروف خطرة كان من الممكن أن تودي بالجهد العظيم الذي بذله رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومن معه من المؤمنين في إرساء دعائم هذا الدين وتثبيت أركانه، وأوضحت ـ وذاك لا خفاء عليه ـ أنّ من غير المنطقي لرسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يرحل ـ مع أنّه لم يفاجئه الموت ـ دون أن يدرك هذه الحقيقة التي ليس هو ببعيد عنها، ولا يمكن أن يتغاضى عنها، وهو الذي ما خرج في أمر جسيم إلاّ وخلّف عنه من ينوبه في إدارة شؤون الاَُمّة في فترة غيابه التي لا يلبث أن يعود منها بعد أيّام معدودات، فكيف بالرحيل الاَبدي؟!

نعم إنّ هذا الاَمر لابدّ وإن يستوقف كلّ ذي لب وعقل مستنير.

كما أنّ الاستقراء المتأنّي لاَحداث السقيفة قد أوضح وبقوّة في أثناء المؤتمر وبعده وجود تيار قوي ومتماسك تبنّته جملة من وجوه الصحابة ومتقدّميها، وعمدت إلى التذكير بوجوده والاِجهار به، ولو قادهم هذا الاَمر إلى الاِقتتال دون تنفيذه، وذاك الاَمر هو الاِصرار على إيكال أمر الخلافة إلى عليّ بن أبي طالب7


(52)

دون غيره، رغم ابتعاده7 عن ساحة الاعتراك وميدان التنازع في تلك السقيفة.

ولعلّ تمسّك هذه الثلّة من الصحابة بموقفها من بيعة الاِمام دون غيره هو ما دفع بعض المؤرّخين إلى الذهاب بأنّ التشيّع كان وليد هذا المؤتمر ونتاج مخاضه، وأن يليهم آخرون يتعبّدون بهذا الرأي ويرتّبون من خلاله تصوّراتهم وأفكارهم، فيتشعّب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنّيات غير الواقعية والقائمة على أرض واسعة من الاَوهام والاسترسال غير المنطقي.

ولعلّ هذا التصوّرات تعتمد في فهمها أساساً لمبدأ نشأة التشيّع على ما رواه الطبري وغيره عن مجريات هذا المؤتمر وما ترتّب عليه من نتائج، دون أن تمد بصرها إلى أبعد من هذه النقطة اللامعة التي أعمتهم عن التأمّل في أبعادها.

قال الطبري: اجتمع الاَنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منّا الاَُمراء ومنكم الوزراء ـ إلى أن قال: ـ فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الاَنصار ـ أو بعض الاَنصارـ: لانبايع إلاّ عليّاً.

ثمّ قال (أي الطبري): أتى عمر بن الخطّاب منزل عليّ وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لاَحرّقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة:

فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.

وقال أيضاً: وتخلّف عليّ والزبير، واخترط الزبير سيفه وقال: لا أغمده حتى يبايع عليّ. فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقالا: خذوا سيف الزبير(1).

وقال اليعقوبي في تأريخه: ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم: العبّاس بن عبد


(1) تاريخ الطبري 2: 443 ـ 444.


(53)

المطّلب، والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوّام، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء ابن عازب، وأُبيّ بن كعب(1).

وروى الزبير بن بكار في الموفّقيات: انّ عامّة المهاجرين وجلّ الاَنصار كانوا لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الاَمر.

وروى الجوهري في كتاب السقيفة: أنّ سلمان والزبير وبعض الاَنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً.

وروى أيضاً: أنّه لما بويع أبوبكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الاَنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وهتفوا باسم الاِمام عليّ، ولكنّه لم يوافقهم(2).

وروى ابن قتيبة في الاِمامة والسياسة: كان أبو ذر وقت أخذ البيعة غائباً عن هذه الاَحداث، فلمّا جاء قال: أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم الاَمر في أهل بيت نبيّكم لما اختلف عليكم الاثنان.

وقال سلمان: أصبتم ذا السن، وأخطأتم المعدن، أمّا لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان، ولاَكلتموها رغداً.

وهكذا فمن خلال هذه النصوص المتقدّمة وغيرها اعتقد ذاك البعض ـ الذي أشرنا إليه سابقاً ـ أنّ مبتدأ التشيّع ونشأته كان في تلك اللحظات الحرجة في تأريخ الاِسلام، متناسين أنّ ما اعتمدوه في بناء تصوّراتهم هو ما ينقضها ويثبت بطلانها، فإنّ المتأمل في هذه النصوص يظهر له وبوضوح أنّ فكرة التشيّع لعليّ ليست وليدة هذا الظرف المعقّد، وثمرة اعتلاجه، ونقيض تصوّره، بقدر ما تؤكّد على أنّ هذه الفكرة كانت مختمرة في أذهانهم ومركوزة في عقولهم ولسنين طوال، فلمّا رأت هذه


(1) تاريخ اليعقوبي 2: 103 ط النجف.

(2) انظر ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 6: 43 ـ 44.


(54)

الجماعة انصراف الاَمر إلى جهة لم تكن في حساباتهم ولا في حدود تصوّراتهم، وانحساره عمّا كان معهوداً به إليهم، عمدوا إلى التمسّك به بالاجتماع في بيت عليّ والاِعلان صراحة عن موقفهم ومعتقدهم.

نعم إنّ من غير المتوقع والمعهود أن يجتمع رأي هذه الجماعة ـ التي تؤلف خلاصة غنيّة من متقدّمي الصحابة ـ على هذا الاَمر في تلك اللحظات المضطربة والمليئة بالمفاجئات، وأن يترتّب عليه موقف موحّد ثابت، فهذا الاَمر يدلّ بوضوح على أنّه ما كان وليد يومه ونتاج مخاضه.

وممّا يؤكد ذلك ويقوي أركانه ما نقلته جميع مصادر الحديث المختلفة من نداءات رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتوصياته بحقّ عليّ وعترته وشيعته في أكثر من مناسبة ومكان، وما كان يشير إليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من فضل شيعة عليّ ومكانتهم، والتأكيد على وجوب ملازمتهم، وفي هذا دلالة لا تقبل النقض على أنّ التشيّع ما كان وليد السقيفة أو ردّة رافضة آنية لمجريات أحداثها، بل إنّ هذا الوجود يمتد عمقاً مع نشأة الاِسلام واشتداد عوده في زمن النبيّ محمّد_ صلى الله عليه وآله وسلم _ وحياته المباركة المقدّسة.

الفرضيّة الثانية: التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ

لنقرأ ما كتبه الطبري حول هذا الوهم المصطنع:

قال: «إنّ يهودياً باسم عبد الله بن سبأ المكنّى بابن السوداء في صنعاء أظهر الاِسلام في عصر عثمان، واندسّ بين المسلمين، وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مبشّراً بأنّ للنبيّ الاَكرم رجعة كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ عليّاً هو وصي محمّد_ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما كان لكل نبيّ وصي، وأنّ عليّاً خاتم الاَوصياء كما أنّ محمّداً خاتم الاَنبياء، وأنّ عثمان غاصب


(55)

حقّ هذا الوصيّ وظالمه، فيجب مناهضته لاِرجاع الحقّ إلى أهله».

«إنّ عبد الله بن سبأ بثّ في البلاد الاِسلامية دعاته، وأشار عليهم أن يظهروا الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطعن في الاَُمراء، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح من أمثال أبي ذر، وعمّـار بن ياسر، ومحمّد بن حذيفة، وعبد الرحمن بن عديس، ومحمّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الاَشتر، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم، فكانت السبئية تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطّة زعيمها، وتضع كتباً في عيوب الاَُمراء وترسل إلى غير مصرهم من الاَمصار. فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين ـ بتحريض السبئيين ـ وقدومهم إلى المدينة وحصرهم عثمان في داره، حتّى قتل فيها، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين ومباشرتهم».

«إنّ المسلمين بعد ما بايعوا عليّاً، ونكث طلحة والزبير بيعته وخرجا إلى البصرة، رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّه إنّ تمّ ذلك سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرّروا أنّ يندسّوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وأنّهم استطاعوا أنّ ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسّون من السياسيين في جيش عليّ من كان بأزائهم من جيش البصرة، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً، ثمّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم».

روى الطبري عن هذا الوهم في موضع آخر من كتابه:

«فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء أُمّه سوداء، فأسلم


(56)

زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: العجب فيمن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأنّ محمداً يرجع، وقد قال الله عزّ وجلّ: صإنّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْك القُرآنَ لرَادُّك إلى مَعادٍش(1)، فمحمّد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فَقُبِل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصي محمّد. ثمّ قال: محمّد خاتم الاَنبياء وعليّ خاتم الاَوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أظلم ممّن لم يجز وصية رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ووثب على وصيّ رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتناول أمر الاَُمّة. ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حق وهذا وصيّ رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ فانهضوا في هذا الاَمر فحرّكوه، وابدأوا بالطعن على أُمرائكم، وأظهروا الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الاَمر. فبثّ دعاته، وكاتب من كان استفسد في الاَمصار وكاتبوه، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الاَمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أُولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الاَرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرّون غير ما يبدون... إلى آخر ما يذكره الطبري في المقام» حتّى يتوقّف عن إيراد هذه الاَحداث بعد حرب الجمل ولا يأتي بعد ذلك بشيء عن السبئية(2).

وهكذا فقد تبيّن لك ممّا أوردناه عن الطبري إنّ جلّة من فضلاء الصحابة قد


(1) القصص: 85.

(2) الطبري 3: 378.


(57)

عُدّوا من كبار السبئية وقادتها، وهم الذين كانوا يعرفون بالزهد والتقى والصدق والصفاء:

فأمّا عبد الرحمن بن عديس البلوي فهو ممّن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر، وكان رئيساً على من سار إلى عثمان من مصر(1).

وأمّا محمّد بن أبي بكر: فأُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية، تزوّجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب، فولدت له محمّداً في حجّة الوداع بطريق مكّة، ثم نشأ في حجر عليّ بعد أبيه، وشهد معه حرب الجمل، كما شهد صفّين، ثمّ ولي مصر عن عليّ إلى أن قتل فيها بهجوم عمرو بن العاص عليها(2).

وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي: فقد أسلم على عهد رسول الله وكان خطيباً مفوّهاً، شهد صفّين مع علي. ولما استشهد عليّ واستولى معاوية على العراق نفاه إلى البحرين ومات فيها(3).

وأمّا الاَشتر: فهو مالك بن الحرث النخعي، وهو من ثقات التابعين، شهد وقعة اليرموك، وصحب عليّاً في الجمل وصفّين، ولاّه على مصر سنة (38هـ) ولمّا وصل إلى القلزم دسّ إليه معاوية السمّ بواسطة أحد عملائه فتوفّي مسموماً»(4).

هذا هو الذي ذكره الطبري، وقد أخذه من جاء بعده من المؤرّخين وكتّاب


(1) أُسد الغابة 3: 309 قال: وشهد بيعة الرضوان وبايع فيها وكان أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ لمّا قتلوه، روى عنه جماعة من التابعين بمصر....

(2) كان أحد من توثّب على عثمان حتّى قتل ثمّ انضمّ إلى عليّ. أُسد الغابة 4: 324، الاستيعاب 3: 328، الجرح والتعديل 7: 301.

(3) أُسد الغابة 3: 320 قال: تقدّم نسبه في أخيه زيد، وكان صعصعة مسلماً على عهد رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم يره، وصغر عن ذلك وكان سيّداً من سادات قومه عبد القيس وكان فصيحاً بليغاً لسناً ديّناً فاضلاً يعد في أصحاب علي ـ رضي الله عنه ـ وشهد معه حروبه.

(4) ملك العرب، أحد الاَشراف والاَبطال. الطبقات الكبرى 6: 213، الاِصابة 3: 459، سيرأعلام النبلاء 4: 34.


(58)

المقالات حقيقة راهنة، وبنوا عليه ما بنوا من الاَفكار والآراء، فصارت الشيعة وليدة السبئية في زعم هؤلاء عبر القرون والاَجيال.

ومن الذين وقعوا في هذا الخطأ الفاحش دون فحص وتأمل في حقائق الاَُمور:

1 ـ ابن الاَثير (ت 630هـ)، فقد أورد القصّة منبثّة بين حوادث (30 ـ 36هـ) وهو وإن لم يذكر المصدر في المقام، لكنّه يصدر عن تاريخ الطبري في حوادث القرون الثلاثة الاَُول(1).

2 ـ ابن كثير الشامي (ت 774هـ) فقد ذكر القصّة في تأريخه «البداية والنهاية» وأسندها عندما انتهى من سرد واقعة الجمل إلى تاريخ الطبري، وقال: هذا ملخّص ما ذكره أبو جعفر بن جرير(2).

3 ـ ابن خلدون (ت 808هـ)، في تأريخه «المبتدأ والخبر» أورد القصّة في حادثة الدار والجمل وقال: هذا أمر الجمل ملخّصاً من كتاب أبي جعفر الطبرى(3).

وأمّا من جاء بعد أُولئك المؤرّخين وأخذوا ما أورده السابقون مأخذ التسليم


(1) لاحظ مقدّمة تاريخ الكامل يقول فيه: فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الاِمام أبو جعفر الطبري؛ إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه جميع تراجمه، لم أخل بترجمة واحدة منها. لاحظ 1: 3 ط دار صادر.

(2) البداية والنهاية 7: 246 ط دار الفكر ـ بيروت.

(3) تاريخ ابن خلدون يقول: «و بعث (عثمان) إلى الاَمصار من يأتيه بصحيح الخبر: محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأُسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام وعمار بن ياسر إلى مصر وغيرهم إلى سوى هذه، فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامّهم إلاّ عماراً فإنّه استماله قوم من الاَشرار انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء كان يهوديّاً وهاجر أيّام عثمان فلم يحسن إسلامه وأُخرج من البصرة... تاريخ ابن خلدون أو كتاب العبر 2: 139، وقال: 166: هذا أمر الجمل ملخّص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الاَهواء.


(59)

فنذكر منهم:

4 ـ محمّد رشيد رضا، مؤسس مجلة المنار (ت 1354هـ)، ذكره في كتابه «السنّة والشيعة» وقال: وكان مبتدع أُصوله (أي التشيّع) يهودي اسمه عبد الله بن سبأ، أظهر الاِسلام خداعاً، ودعا إلى الغلو في عليّ كرم الله وجهه، لاَجل تفريق هذه الاَُمّة، وإفساد دينها ودنياها عليها، ثمّ سرد القصّة وقال: ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الاَثير مثلاً يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيين دون ما كاد يقع من الصلح(1).

5 ـ أحمد أمين (ت 1372هـ)، وهو الذي استبطل عبد الله بن سبأ في كتابه «فجر الاِسلام» وقال: إنّ ابن السوداء كان يهوديّاً من صنعاء، أظهر الاِسلام في عهد عثمان، وحاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبثّ في البلاد عقائد كثيرة ضارّة، وقد طاف في بلاد كثيرة، في الحجاز، والبصرة، والكوفة، والشام، ومصر. ثمّ ذكر أنّ أبا ذر تلقّى فكرة الاشتراكية من ذلك اليهودي، وهو تلقّى هذه الفكرة من مزدكيّي العراق أو اليمن.

وقد كان لكتاب «فجر الاِسلام» عام انتشاره (1952 م) دويّ واسع النطاق في الاَوساط الاِسلامية؛ فإنّه أوّل من ألقى الحجر في المياه الراكدة بشكل واسع، وقد ردّ عليه أعلام العصر بأنواع الردود، فألّف الشيخ المصلح كاشف الغطاء «أصل الشيعة وأُصولها» ردّاً عليه، كما ردّ عليه العلامة الشيخ عبد الله السبيتي بكتاب أسماه «تحت راية الحق».

6 ـ فريد وجدي مؤلّف دائرة المعارف (ت 1370هـ) فقد أشار إلى ذلك في كتابه عند ذكره لحرب الجمل ضمن ترجمة الاِمام عليّ بن أبي طالب(2).


(1) السنّة والشيعة: 4، 6، 45، 49 و 103.

(2) دائرة المعارف 6: 637.


(60)

7 ـ حسن إبراهيم حسن، وذكره في كتابه «تاريخ الاِسلام السياسي» في أُخريات خلافة عثمان بقوله: «فكان هذا الجوّ ملائماً تمام الملاءمة ومهيّأً لقبول دعوة (عبد الله بن سبأ) ومن لفّ لفّه والتأثّر بها إلى أبعد حدّ ـ وأضاف ـ وقد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى ـ وكان من كبار أئمّة الحديث ـ وهو أبو ذر الغفاري الذي تحدّى سياسة عثمان ومعاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء وهو عبد الله بن سبأ، وكان يهوديّاً فأسلم، ثمّ أخذ ينتقل في البلاد الاِسلامية، فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة فالكوفة والشام ومصر... الخ(1).

هذا حال من كتب عن الشيعة من المسلمين، وأمّا المستشرقون المتطفّلون على موائد المسلمين فحدّث عنهم ولا حرج، فقد ابتغوا تلك الفكرة الخاطئة في كتبهم الاستشراقية التي تؤلّف لغايات خاصّة، فمن أراد الوقوف على كلماتهم فليرجع إلى ما ألّفه الباحث الكبير السيّد مرتضى العسكري في ذلك المجال، فإنّه ـ دام ظلّه ـ حقّق المقال ولم يبق في القوس منزعاً(2).

نظر المحقّقين في الموضوع:

1 ـ إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصّة، على وجه لا يصحّ نسبته إلاّ إلى عفاريت الاَساطير ومردة الجنّ؛ إذ كيف يصحّ لاِنسان أن يصدّق أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء وأسلم في عصر عثمان، واستطاع أن يغري كبار الصحابة والتابعين ويخدعهم، ويطوف بين البلاد ناشراً دعواه، بل واستطاع أن يكوّن خلايا ضدّ عثمان ويستقدمهم على المدينة، ويؤلّبهم على الخلافة الاِسلامية، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم بإحسان، هذا شيء لايحتمله العقل وإن وطّن على قبول العجائب والغرائب.


(1) تاريخ الاِسلام السياسي: 347.

(2) عبد الله بن سبأ 1: 46 ـ 50.


(61)

بل إنّ هذه القصّة تمسّ كرامة المسلمين والصحابة والتابعين وتصوّرهم أُمّة ساذجة يغترّون بفكر يهودي، وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكّرون.

2 ـ إنّ القراءة الموضوعية للسيرة والتاريخ توقفنا على سيرة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان؛ فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهم، وينفون المخالفين ويضربونهم، فهذا أبو ذر الغفاري ـ رحمه الله ـ نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال بين أبناء بيته، كما أنّه ضرب الصحابي الجليل عمّـار بن ياسر حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه(1)، إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم ومعارضيهم التي يقف عليها المتتبّع، ومع ذلك نرى في الاَوهام التي عرضناها مسبقاً أنّ رجال الخلافة وعمالها يغضّون الطرف عمّن يؤلِّب الصحابة والتابعين على إخماد حكمهم، وقتل خليفتهم في عقر داره، ويجرّ الويل والويلات على كيانهم!! وهذا شيء لا يقبله من له أدنى إلمام بتاريخ الخلافة وسيرة معاوية.

يقول العلاّمة الاَميني: لو كان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن، وشقّ عصا المسلمين، وقد علم به وبعبثه أُمراء الاَُمّة وساستها في البلاد، وانتهى أمره إلى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه، والاَخذ بتلكم الجنايات الخطرة والتأديب بالضرب والاِهانة، والزجّ إلى أعماق السجون؟ ولا آل أمره إلى الاِعدام المريح للاَُمّة من شرّه وفساده كما وقع ذلك كلّه على الصلحاء الاَبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟ وهتاف القرآن الكريم يرنُّ في مسامع الملاَ الديني: صإِنَّما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الاَرضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوا مِنَ


(1) الاستيعاب 2: 422.


(62)

الاَرضِ ذَلِك لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌش(1)فهلاّ اجتاح الخليفة جرثومة تلك القلاقل بقتله؟ وهل كان تجهّمه وغلظته قصراً على الاَبرار من أُمّة محمّد_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ففعل بهم ما فعل(2)!!

وهناك لفيف من الكتّاب ممّن حضر أو غبر، بدل أن يفتحوا عيونهم على الواقع المرير، ليقفوا على الاَسباب المؤدّية إلى قتل الخليفة، حاولوا التخلّص من أوزار الحقيقة بالبحث عن فروض وهميّة سبّبت قتل الخليفة وأودت به.

وفي حقّ هؤلاء يقول أحد الكتّاب المعاصرين:

«وفي الشرق كتَّابٌ لا يعنيهم من التاريخ واقعٌ ولا من الحياة حالٌ أو ظرف، فإذا بهم يعلّلون ثورة المظلومين على عثمان، ويحصرون أحداث عصر بل عصور بإرادة فرد يطوف في الاَمصار والاَقطار ويؤلّب الناس على خليفة ودولة!.

إنّ النتيجة العملية لمثل هذا الزعم وهذا الافتراء هي أنّ الدولة في عهد عثمان ووزيره مروان إنَّما كانت دولة مثاليّة، وأنّ الاَمويين والولاة والاَرستقراطيين إنَّما كانوا رُسُل العدالة الاجتماعية والاِخاء البشري في أرض العرب. غير أنّ رجلاً فرداً هو عبد الله بن سبأ أفسد على الاَمويين والولاة والاَرستقراطيين صلاحهم وبرّهم؛ إذ جعل يطوف الاَمصار والاَقطار مؤلّباً على عثمان وأُمرائه وولاته الصالحين المُصلحين، ولولا هذا الرجل الفرد وطوافه في الاَمصار والاَقطار لعاش الناس في نعيم مروان وعدل الوليد وحلم معاوية عيشاً هو الرغادة وهو الرخاء.

في مثل هذا الزعم افتراءٌ على الواقع، واعتداء على الخلق، ومسايرة ضئيلة الشأن لبعض الآراء، يغلّف ذلك جميعاً منطق ساذج وحجّة مصطنعة واهية. وفيه ما هو أخطر من ذلك؛ فيه تضليل عن حقائق أساسية في بناء التاريخ؛ إذ يحاول


(1) المائدة: 33.

(2) الغدير 9: 219 ـ 220.


(63)

صاحب هذا المسعى الفاشل أن يحصر أحداث عصر بكامله، بل عصور كثيرة، بإرادة فردٍ يطوف في الاَمصار ويؤلّب الناس على دولة فيثور هؤلاء الناس على هذه الدولة لا لشىء إلاّ لاَنّ هذا الفرد طاف بهم وأثارهم!.

أمّا طبيعة الحكم، وسياسة الحاكم، وفساد النظام الاقتصادي والمالي والعمراني، وطغيان الاَثرة على ذوي السلطان، واستبداد الولاة بالاَرزاق، وحمل بني أُميّة على الاَعناق، والميل عن السياسة الشعبية الديمقراطية إلى سياسة عائلية أرستقراطية رأسمالية، وإذلال من يضمر لهم الشعبُ التقدير والاحترام الكثيرين أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وغيرهما، أمّا هذه الاَُمور وما إليها جميعاً من ظروف الحياة الاجتماعية، فليست بذات شأن في تحريك الاَمصار وإثارتها على الاَُسرة الاَمويّة الحاكمة ومن هم في ركابها، بل الشأن كلّ الشأن في الثورة على عثمان لعبدالله بن سبأ الذي يلفت الناس عن طاعة الاَئمّة ويلقي بينهم الشرّ.

أليس من الخطر على التفكير أن ينشأ في الشرق من يعلّلون الحوادث العامّة الكبرى المتّصلة اتّصالاً وثيقاً بطبيعة الجماعة وأُسس الاَنظمة الاقتصادية والاجتماعية بإرادة فرد من عامّة الناس يطوف في البلاد باذراً للضلالات والفساد في هذا المجتمع السليم.

أليس من الخطر على التفكير أن نعلّل الثورات الاِصلاحية في التاريخ تعليلاً صبيانياً نستند فيه إلى رغبات أفراد في التاريخ شاءوا أن يحدثوا شغباً فطافوا الاَمصار وأحدثوه»(1).

3 ـ إنّ رواية الطبري نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم:

أ ـ السري: إنّ السري الذي يروي عنه الطبري، إنّما هو أحد رجلين:

1 ـ السري بن إسماعيل الهمداني الذي كذّبه يحيي بن سعيد، وضعّفه غير واحد


(1) الاِمام على صوت العدالة الاِنسانية 4: 894 ـ 896 وللكلام صلة من أراد فليرجع إليه.


(64)

من الحفّاظ(1).

2 ـ السري بن عاصم بن سهل الهمداني نزيل بغداد المتوفّى عام (258هـ) وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، و زاد ابن حبّان: ويرفع الموقوفات، لا يحلّ الاحتجاج به، وقال النقاش في حديث وضعه السري(2).

فالاسم مشترك بين كذّابين لا يهمّنا تعيين أحدهما.

احتمال كونه السري بن يحيى الثقة غير صحيح، لاَنّه توفّي عام (167هـ) مع أنّ الطبري من مواليد عام (234هـ) فالفرق بينهما (57) عاماً، فلا مناص أن يكون السري، أحد الرجلين الكذابين.

ب ـ شعيب: والمراد منه شعيب بن إبراهيم الكوفي المجهول، قال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال الذهبي: راوية، كتب سيف عنه: فيه جهالة(3).

ج ـ سيف بن عمر: قال ابن حبّان: كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الاَثبات، وقال: قالوا: إنّه كان يضع الحديث واتّهم بالزندقة. وقال الحاكم: اتّهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، وعامّتها منكرة لم يتابع عليها. وقال ابن عدي: عامّة حديثه منكر. وقال البرقانيـ عن الدارقطني ـ: متروك. وقال ابن معين: ضعيف الحديث فليس خير منه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف، وقال السيوطي: وضّاع، وذكر حديثاً


(1) قال يحيى القطّان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، وقال النسائي: متروك، وقال غيره: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه.لاحظ ميزان الاعتدال 2: 117.

(2) تاريخ الخطيب: 993، ميزان الاعتدال 2: 117، لسان الميزان 3: 12.

(3) ميزان الاعتدال 2: 275، لسان الميزان 3: 145.


(65)

من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال: موضوع، فيه ضعفاء أشدّهم سيف(1).

د ـ فإذا كان هذا حال السند، فكيف نعتمد في تحليل نشوء طائفة كبيرة من طوائف المسلمين تؤلّف خمسهم أو ربعهم على تلك الرواية، مع أنّ هذا هو حال سندها ومتنها، فالاعتماد عليها خداع وضلال لا يرتضيه العقل.

عبد الله بن سبأ أُسطورة تاريخية:

إنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حقّ الرجل ومولده، وزمن إسلامه، ومحتوى دعوته يشرف المحقّق على القول بأنّ مثل عبد الله بن سبأ مثل مجنون بني عامر وبني هلال، وأمثال هؤلاء الرجال والاَبطال كلّها أحاديث خرافة وضعها القصّاصون وأرباب السمر والمجون؛ فإنّ الترف والنعيم قد بلغ أقصاه في أواسط الدولتين: الاَُمويّة والعباسيّة، وكلّما اتّسع العيش وتوفّرت دواعي اللهو اتّسع المجال للوضع وراج سوق الخيال، وجعلت القصص والاَمثال كي تأنس بها ربّات الحجال، وأبناء الترف والنعمة(2).

هذا هو الذي ذكره المصلح الكبير كاشف الغطاء، ولعلّ ذلك أورث فكرة التحقيق بين أعلام العصر، فذهبوا إلى أنّ عبد الله بن سبأ أقرب ما يكون إلى الاَُسطورة منه إلى الواقع. وفي المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين، يدعم كون الرجل أُسطورة تاريخية عمد أعداء الشيعة إلى تضخيمها وتهويلها لاستغفال الناس نكاية بالشيعة ومحاولة خبيثة لاِلقاء التفرقة والتباغض بين عموم المسلمين، ولا بأس بالوقوف على كلامه حيث قال:


(1) ميزان الاعتدال 1: 438، تهذيب التهذيب 4: 295، اللآلي المصنوعة 1: 157، 199 و 429.

(2) أصل الشيعة وأُصولها: 73.


(66)

وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا ـ إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغلّ الفتنة، ولم يثرها.

إنّ خصوم الشيعة أيّام الاَُمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ليشكّكوا في بعض ما نسب من الاَحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أُخرى، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة.

فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الاِسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء، وكان أبوه يهودياً وكانت أُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثمّ أسلم، لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمّ أُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبله شيعاً وأحزاباً.

هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ ظروف الحياة الاِسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأى، وافتراق الاَهواء، ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون أُموراً تطرأ، ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الاَُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الاَثرة، وفيها الاَمل البعيد، وفيها الهَمّ الذي لا يعرف حدّاً يقف عنده، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها،


(67)

وهذه الاَُمور الجديدة نفسها كانت خليقة أن تدفع الشيوخ والشباب إلى ما دفعوا إليه، فهذه أقطار واسعة من الاَرض تفتح عليهم، وهذه الاَموال لا تحصى تجبى لهم من هذه الاَقطار، فأيّ غرابة في أن يتنافسوا في إدارة هذه الاَقطار المفتوحة، والانتفاع بهذه الاَموال المجموعة؟ وهذه بلاد أُخرى لم تفتح، وكلّ شيء يدعوهم إلى أن يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا يستبقون إلى الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من المجد والغنيمة إن كانوا من طلاّب الدنيا، ومن الاَجر والمثوبة إن كانوا من طلاّب الآخرة؟ ثمّ ما لهم جميعاً لا يختلفون في سياسة هذا المُلك الضخم وهذا الثراء العريض؟ وأيّ غرابة في أن يندفع الطامحون الطامعون من شباب قريش من خلال هذه الاَبواب التي فتحت لهم ليلجوا منها إلى المجد والسلطان والثراء؟ وأيّ غرابة في أن يهمّ بمنافستهم في ذلك شباب الاَنصار وشباب الاَحياء الاَُخرى من العرب؟ وفي أن تمتلىَ قلوبهم موجدة وحفيظة وغيظاً إذا رأوا الخليفة يحول بينهم وبين هذه المنافسة، ويؤثر قريشاً بعظائم الاَُمور، ويؤثر بني أُميّة بأعظم هذه العظائم من الاَُمور خطراً وأجلّها شأناً؟

والشيء الذي ليس فيه شكّ هو أنّ عثمان قد ولّى الوليد و سعيداً على الكوفة بعد أن عزل سعداً، وولّى عبد الله بن عامر على البصرة بعد أن عزل أبا موسى، وجمع الشام كلّها لمعاوية، وبسط سلطانه عليها إلى أبعد حدّ ممكن بعد أن كانت الشام ولايات تشارك في إدارتها قريش وغيرها من أحياء العرب، وولّي عبد الله ابن أبي سرح مصر بعد أن عزل عنها عمرو بن العاص، وكلّ هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم أخوه لاَُمّه، ومنهم أخوه في الرضاعة، ومنهم خاله، ومنهم من يجتمع معه في نسبه الاَدنى إلى أُميّة بن عبد شمس.

كلّ هذه حقائق لا سبيل إلى إنكارها، وما نعلم أنّ ابن سبأ قد أغرى عثمان بتولية من ولّى وعزل من عزل، وقد أنكر الناس في جميع العصور على الملوك


(68)

والقياصرة والولاة والاَُمراء إيثار ذوي قرابتهم بشؤون الحكم، وليس المسلمون الذين كانوا رعية لعثمان بدعاً من الناس، فهم قد أنكروا وعرفوا ما ينكر الناس ويعرفون في جميع العصور(1).

هكذا نرى أنّ الموارد التي يستنتج منها كون ابن سبأ شخصية وهميّة خلقها خصوم الشيعة ترجع إلى الاَُمور التالية:

1 ـ إنّ المؤرّخين الثقات لم يشيروا في مؤلّفاتهم إلى قصّة عبد الله بن سبأ، كابن سعد في طبقاته، والبلاذري في فتوحاته.

2 ـ إنّ المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب، ومقطوع بأنّه وضّاع.

3 ـ إنّ الاَُمور التي نسبت إلى عبد الله بن سبأ، تستلزم معجزات خارقة لاتتأتّى لبشر، كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ، وسخّرهم لمآربه ـ وهم ينفّذون أهدافه بدون اعتراض ـ في منتهى البلاهة والسخف.

4 ـ عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعمّـاله عنه، مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمّد بن أبي حذيفة، ومحمّد بن أبي بكر، وغيرهم.

5 ـ قصّة إحراق عليّ إيّاه وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للاِحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة،ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر.

6 ـ عدم وجود أثر لابن سبأ وجماعته في وقعة صفّين وفي حرب النهروان.

وقد انتهى الدكتور بهذه الاَُمور إلى القول: بأنّه شخص ادّخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج(2).


(1) الفتنة الكبرى: 134، ولاحظ الغدير أيضاً 9: 220 ـ 221.

(2) الفتنة الكبرى: فصل ابن سبأ، وقد لخّص ما ذكرنا من الاَُمور من ذلك الفصل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه هوية التشيّع: 146.


(69)

وقد تبعه غير واحد من المستشرقين، وقد نقل آراءهم الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الاِمامة(1).

إلى أن وصل الدور إلى المحقّق البارع السيّد مرتضى العسكري ـ دام ظلّه ـ فألّف كتابه «عبد الله بن سبأ» ودرس الموضوع دراسة عميقة، وهو الكتاب الذي يحلّل التاريخ على أساس العلم، وقد أدّى المؤلّف كما ذكر الشيخ محمّد جواد مغنية: إلى الدين والعلم وبخاصّة إلى مبدأ التشيّع خدمة لا يعادلها أيّ عمل في هذا العصر الذي كثرت فيه التهجّمات والافتراءات على الشيعة والتشيّع، وأقفل الباب في وجوه السماسرة والدسّاسين الذين يتشبّثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين وإضعاف قوّتهم(2).

ونحن وإن افترضنا أنّ لهذا الرجل وجوداً حقيقياً على أرض الواقع إلاّ أنّ ذلك لا يعني الاقتناع بما نُقل وروي عنه، لاَنّه لا يعدو كونه سوى سراب ووهم وخداع لا ينطلي على أحد. يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الاَحداث التي جرت في عهد عثمان ليحدث فتنة وليزيدها اشتعالاً، وليؤلّب الناس على عثمان، بل أن ينادي بأفكار غريبة، ولكن السابق لاَوانه أن يكون لابن سبأ هذا الاَثر الفكري العميق، فيحدث هذا الانشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين(3).

وهكذا، فإن ما يبدو واضحاً للعيان بطلان ما ذهب إليه بعض المنحرفين والمنخدعين من اعتبار أنّ نشأة التشيع عن هذا الطريق، بل ويزيد الحقّ وضوحاً


(1) نظرية الاِمامة: 37.

(2) عبد الله بن سبأ 1: 11، والكتاب يقع في جزأين وصل فيهما إلى النتيجة التي تقدّمت، وقد استفدنا من هذا الكتاب في هذا الفصل.

(3) نظرية الاِمامة: 37.


(70)

أنّنا إذا راجعنا كتب الشيعة نرى أنّ أئمّتهم وعلماءهم يتبرّأون منه أشدّ التبرّؤ.

1 ـ قال الكشّي، وهو من علماء القرن الرابع: عبد الله بن سبأ كان يدّعي النبوّة وأنّ عليّاً هو الله!! فاستتابه ثلاثة أيّام فلم يرجع، فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلاً(1).

2 ـ قال الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ) في رجاله في باب أصحاب أمير المؤمنين: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ(2).

3 ـ وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ): غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين بالنار، كان يزعم أنّ عليّاً إله وأنّه نبيّ، لعنه الله(3).

4 ـ وقال ابن داود (647 ـ 707هـ): عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلوّ(4).

5 ـ وذكر الشيخ حسن بن زين الدين (ت 1011هـ) في التحرير الطاووسي: غالٍ ملعون حرقه أمير المؤمنين7 بالنار(5).

ومن أراد أن يقف على كلمات أئمّة الشيعة في حقّ الرجل، فعليه أن يرجع إلى رجال الكشّي، فقد روى في حقّه روايات كلّها ترجع إلى غلوّه في حقّ عليّ، وأمّا ما نقله عنه سيف بن عمر فليس منه أثر في تلك الروايات، فأدنى ما يمكن التصديق به أنّ الرجل ظهر غالياً فقتل أو أُحرق، والقول بذلك لا يضرّ بشيء، وأمّا ما ذكره الطبري عن الطريق المتقدّم فلا يليق أن يؤمن ويعتقد به من يملك أدنى إلمام بالتاريخ والسير.


(1) رجال الكشي: 98 | 48.

(2) رجال الطوسي: باب أصحاب علي: 51 | 76.

(3) الخلاصة للعلاّمة: القسم الثاني الباب الثاني: عبد الله: 236.

(4) رجال ابن داود: القسم الثاني: 254 | 278.

(5) التحرير الطاووسي: 173 | 234.


(71)

وأخيراً فقد تبين وبدون شك بطلان وفساد هذه النظرية المختلقة حول نشأة التشيّع، والتي لم تصمد أمام النقد والتمحيص، بل وتحمل بذور سقوطها في ذاتها، وفي ذلك الدليل البيّن على أصالة مذهب التشيع والذي أسلفنا القول بأصالة نشأته، وأنّه وليد العقيدة الاِسلامية الاَصيلة وامتدادها الحقيقي، وأمّا ما قام به ابن سبأـعلىفرضصحّةوقوعهـفإنّه يعبّرعنموقففرديوتصرّف شخصي خارج عن إطار المذهب، ومن تبعه فقد أدخل نفسه دار البوار، وأين هذا الاَفّاك وزمرته من أُولئك الذين لا يخالفون الله ورسوله وأُولي الاَمر ولا يتخلّفون عن أوامرهم قيد أُنملة، كالمقداد وسلمان وحجر بن عدي ورشيد الهجري ومالك الاَشتر وصعصعة وأخيه وعمرو بن الحمق، ممّن يُستدرّ بهم الغمام وتنزل بهم البركات.

إلى هنا تمّ تحليل النظرية الثانية في تكوّن الشيعة فلننـتقل إلى مناقشة النظرية الثالثة.


(72)

الفرضيّة الثالثة: التشيّع فارسيّ المبدأ أو الصبغة

وهناك فرضية ثالثة اخترعها المستشرقون لتكوّن مذهب الشيعة في المجتمع الاِسلامي، وهذه الفرضية كسابقتيها تعتمد اعتبار حداثة هذا المذهب قصداً أم جهلاً، فقادها هذا التصوّر الخاطىَ إلى اعتماد نظرية تقول بفارسيّة المبدأ أو الصبغة لمذهب التشيّع، وهذا الترديد بين الاَمرين مرجعه رأيان لاَصحاب هذه النظرية في المقام:

1 ـ إنّ التشيع من مخترعات الفرس؛ اخترعوه لاَغراض سياسية ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس، ولكنّهم لما أسلموا اخترعوا تلك الفكرة لغاية خاصّة.

2 ـ إنّ التشيّع عربي المبدأ، وإنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الاِسلام، ولمّا أسلموا اعتنقوه وصبغوه بصبغة فارسية لم تكن من قبل.

وهذان الرأيان هما اللّذان عبّرنا عنهما في العنوان بما عرفت، وإليك تفصيل أمرهما:

أمّا النظرية الاَُولى: فقد اخترعها المستشرق دوزي، وملخّصها: أنّ للمذهب الشيعي نزعة فارسية؛ لاَنّ العرب كانت تدين بالحرّيّة، والفرس تدين بالملك والوراثة، ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولمّا انتقل النبيّ إلى دار البقاء ولم يترك ولداً، قالوا: علي أولى بالخلافة من بعده.

وحاصله: أنّ الانسجام الفكري بين الفرس والشيعة ـ أعني: كون الخلافة أمراً وراثياً ـ دليل على أنّ التشيّع وليد الفرس.

وهذا التصوّر مردود لجملة واسعة من البديهيات، منها:

أوّلاً: أنّ التشيّع حسبما عرفت ظهر في عصر النبيّ الاَكرم، وهو الذي سمّى أتباع عليّ بالشيعة، وكانوا موجودين في عصر النبيّ وبعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس ـ سوى سلمان ـ في الاِسلام.

بلى، فإنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي كانوا كلّهم عرباً ولم يكن بينهم أيّ فارسيّ سوى سلمان المحمّدي، وكلّهم كانوا يتبنّون فكرة التشيّع.

وكان لاَبي الحسن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب7 أيام خلافته ثلاثة حروب: حرب الجمل، وصفّين، والنهروان. وكان جيشه كلّه عرباً ينتمون إلى أُصول وقبائل عربية مشهورة بين عدنانية وقحطانية، فقد انضمّ إلى جيشه زرافات من قريش والاَوس والخزرج، ومن قبائل مذحج، وهمدان، و طي، وكندة، وتميم، ومضر، بل كان زعماء جيشه من رؤوس هذه القبائل كعمّار بن ياسر، وهاشم المرقال، ومالك الاَشتر، وصعصعة بن صوحان وأخوه زيد، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن عباس، ومحمّد بن أبي بكر، وحجر بن


(73)

عدي، وعدي بن حاتم، وأضرابهم. وبهذا الجند وبأُولئك الزعماء فتح أمير المؤمنين البصرة، وحارب القاسطين ـ معاوية وجنوده ـ يوم صفّين، وبهم قضى على المارقين.

فأين الفرس في ذلك الجيش وأُولئك القادة كي نحتمل أنّهم كانوا الحجر الاَساس للتشيّع؟ ثمّ إنّ الفرس لم يكونوا الوحيدين ممّن اعتنقوا هذا المذهب دون غيرهم، بل اعتنقه الاَتراك والهنود وغيرهم من غير العرب.

شهادة المستشرقين على أنّ التشيّع عربي المبدأ:

إنّ عدداً من المستشرقين وغيرهم صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس وإليك نصوصهم:

1 ـ قال الدكتور أحمد أمين: الذي أرى ـ كما يدلّنا التاريخ ـ أنّ التشيّع لعليّ بدأ قبل دخول الفرس إلى الاِسلام ولكن بمعنى ساذج، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاَُخرى في الاِسلام، وحيث إنّ أكبر عنصر دخل في الاِسلام الفرس فلهم أكبر الاَثر في التشيّع(1). وسيوافيك الكلام على ما في ذيل كلامه من أنّ التشيّع أخذ صبغة جديدة بعد فترة من حدوثه.

2 ـ وقال المستشرق فلهوزن: كان جميع سكان العراق في عهد معاوية ـ خصوصاً أهل الكوفة ـ شيعة، ولم يقتصر هذا على الاَفراد، بل شمل القبائل ورؤساء العرب(2).

3 ـ وقال المستشرق جولد تسيهر: إنّ من الخطأ القول بأنّ التشيّع في نشأته ومراحل نموه يمثّل الاَثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الاَُمم الاِيرانية في الاِسلام


(1) فجر الاِسلام: 176.

(2) الخوارج والشيعة: 113.


(74)

بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة(1).

4 ـ وأمّا المستشرق آدم متز فإنّه قال: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض ردّ فعل من جانب الروح الاِيرانية يخالف الاِسلام، فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها عدا المدن الكبرى مثل مكّة وتهامة وصنعاء، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عمان، وهجر، وصعدة، أمّا إيران فكانت كلّها سنّة، ما عدا قم، وكان أهل إصفهان يغالون في معاوية حتى اعتقد بعض أهلها أنّه نبيمرسل(2).

ولعلّ المتأمّل في كلمات هؤلاء يجد بوضوح أنّهم يقطعون بفساد الرأي الذاهب إلى فارسيّة التشيّع، وأنّهم لم يجدوا له تبريراً معقولاً، بالرغم من عدم تعاطفهم أصلاً مع التشيّع، فتأمل.

5 ـ يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب وليس التشيّع مخلوقاً لهم، ويضيف: وأمّا فارس وخراسان وما وراءهما من بلدان الاِسلام، فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الاِسلام الذين كانوا يتشيّعون فراراً بعقيدتهم من الاَُمويين أوّلاً، ثمّ العباسيين ثانياً، وأنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الاَُموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها(3).

6 ـ وقال السيّد الاَمين: إنّ الفرس الذين دخلوا الاِسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الاَمر إلاّ القليل، وجلّ علماء السنّة وأجلاّئهم من الفرس، كالبخاري


(1) العقيدة والشريعة: 204.

(2) الحضارة الاِسلامية: 102.

(3) الاِمام جعفر الصادق: 545.


(75)

والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي، وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية(1).

وأما النظرية الثانية فإنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفرس دخلوا في الاِسلام يوم دخلوا بالصبغة السنّية، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه عن ذلك بقوله:

كان ابرويز وجّه إلى الديلم فأتى بأربعة آلاف، وكانوا خدمه وخاصّته، ثمّ كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسية مع رستم، ولمّا قتل وانهزم المجوس اعتزلوا، قالوا: ما نحن كهؤلاء ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل، والرأي لنا أن ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا. فقال سعد: ما لهؤلاء؟ فأتاهم المغيرة بن شعبة فسألهم عن أمرهم، فأخبروا بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد فأخبره فآمنهم، فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثمّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين(2).

لم يكن إسلامهم ـ يوم ذاك ـ إلاّ كإسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال: إنّ إسلامهم يوم ذاك كان إسلاماً شيعياً؟

وأمّا النظرية الثالثة: فإنّ الاِسلام كان ينتشر بين الفرس بالمعنى الذي كان ينتشر به في سائر الشعوب، ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع إلى أن انتقل قسم من الاَشعريين الشيعة إلى قم وكاشان، فبذروا بذرة التشيّع، وكان ذلك في أواخر القرن الاَوّل، مع أنّ الفرس دخلوا في الاِسلام في عهد الخليفة الثاني؛ أي ابتداء من عام (17هـ)، وهذا يعني أنّه قد انقضت أعوام كثيرة قبل أن يدركوا ويعلموا معنى ومفهوم التشيّع، فأين هذا من ذاك. وهذا هو ياقوت الحموي يحدّثنا في معجم البلدان بقوله:


(1) أعيان الشيعة ج 1، القسم الاَول: 50 ـ 51 ط 2 ـ دمشق سنة 1363هـ

(2) البلاذري، فتوح البلدان: 279.


(76)

قم، مدينة تذكر مع قاشان، وهي مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للاَعاجم فيها، وأوّل من مصّـرها طلحة بن الاَحوص الاَشعري، وكان بدو تمصيرها في أيام الحجّاج بن يوسف سنة (83هـ)، وذلك أنّ عبد الرحمن بن محمّد بن الاَشعث بن قيس، كان أمير سجستان من جهة الحجّاج، ثمّ خرج عليه، وكان في عسكره سبعة عشر نفساً من علماء التابعين من العراقيين، فلمّا انهزم ابن الاَشعث ورجع إلى كابل منهزماً كان في جملة إخوة يقال لهم: عبد الله، والاَحوص، وعبد الرحمن، وإسحاق، ونعيم، وهم بنو سعد بن مالك بن عامر الاَشعري، وقعوا في ناحية قم، وكان هناك سبع قرى اسم احداها «كمندان» فنزل هؤلاء الاَُخوة على هذه القرى حتّى افتتحوها واستولوا عليها، وانتقلوا إليها واستوطنوها، واجتمع عليهم بنو عمّهم وصارت السبع قرى سبع محالّ بها، وسمّيت باسم إحداها «كمندان»، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم قماً، وكان متقدّم هؤلاء الاَُخوة عبد الله ابن سعد، وكان له ولد قد ربّي بالكوفة، فانتقل منها إلى قم، وكان إمامياً، وهو الذي نقل التشيّع إلى أهلها، فلا يوجد بها سنّيّ قط(1).

إذن فهذا كلّه راجع إلى تحليل النظـرية من منظار التاريخ، وأمّا دليله فهو أوهن من بيت العنكبوت، فإذا كان الفرس لايعرفون معنى الانتخاب والحرية، فإنّ العرب أيضاً مثلهم، فالعربي الذي كان يعيش بالبادية عيشة فردية كان يحبّ الحرية ويمارسها، وأمّا العربي الذي يعيش عيشة قبلية، فقد كان شيخ القبيلة يملك زمام أُمورهم وشؤونهم وعند موته يقوم أبناؤه وأولاده مكانه واحداً بعد الآخر، فما معنى الحرية بعد هذا؟!


(1) معجم البلدان 4: 396، مادة قم، ويقول في مراصد الاطلاع بأنّ أهل قم، وكاشان كلّهم شيعة إمامية. ولاحظ رجال النجاشي، ترجمة الرواة الاَشعريين فيه.


(77)

تحليل النظرية:

إنّ هذه النظرية وإن كانت تعترف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ، ولكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسية بعد دخول الفرس في الاِسلام، وهذا هو الذي اختاره الدكتور أحمد أمين كما عرفت ولفيف من المستشرقين كـ «فلهوزن» فيما ذهبوا إليه في تفسير نشأة التشيّع.

يقول الثانى: إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الاِيرانيين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الاِيرانيين فليست تلك الملاءمة دليلاً عليه، بل الروايات التاريخية تقول بعكس ذلك؛ إذ تقول إنّ التشيّع الواضح الصريح كان قائماً أوّلاً في الاَوساط العربية، ثمّ انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الاَوساط.

ولكن لمّا ارتبطت الشيعة العربية بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القومية العربية، وكانت حلقة الارتباط هي الاِسلام، ولكنّه لم يكن ذلك الاِسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين(1).

أقول: إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحبّ والولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت عليّ7 وهو الذي يصرّح به الدكتور أحمد أمين في قوله: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الاَمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم.

إلاّ أنّه يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس، بل إنّ مبدأ وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسّان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة، والحكم


(1) الخوارج والشيعة: 169.


(78)

في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت أُموراً وراثية، حتّى أنّ النبيّ الاَكرم لم يغيّرها بل إنّه أمضاها كما في قضيّة دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة وإقرارهم على منصبهم هذا إلى الاَبد.

فإلصاق مسألة الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقرّه العقلاء، فعلى ذلك يجب أن نقول: انّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسّانية وحميرية وأخيراً عربية، وإلاّ فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامّة عالمية؟!

إنّ النبوّة والوصاية من الاَُمور الوراثية في الشرائع السماوية، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّـن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوّة والاِمامة في بيوتات خاصّة، فكان يتوارث نبيّ نبيّاً، ووصيّ وصيّاً، يقول سبحانه:

صوَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإِبرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِـي ذُريَّتِهما النُّبُوَّةَ والكِتابَش(1).

صوإذِ ابْتَلَـى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّي جَاعِلُك لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي قَالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَش(2).

صأمْ يَحْسُدُون النّاسَ عَلَـى مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبراهِيمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وآتَـيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماًش(3).

لماذا لا يكون سبب تشيّع الفرس مفاد هذه الآيات والروايات التي تصرّح بأنّ الوصاية بين الاَنبياء كانت أمراً وراثياً؟ وإنّ هذه سنّة الله في الاَُمم كما هو ظاهر قوله سبحانه: «لا ينال عهدِي الظالمين» فسمّى الاِمامة عهد الله لا عهد الناس.


(1) الحديد: 26.

(2) البقرة: 124.

(3) النساء: 54.


(79)

ثمّ إنّ من زعم أنّ التشيّع من صنع الفرس مبدأ وصبغة فهو جاهل بتاريخ الفرس، وذلك لاَنّ التسنّن كان هو السائد فيهم إلى أوائل القرن العاشر حتّى غلب عليهم التشيّع في عصر الصفويين، نعم كانت مدن ري وقم وكاشان معقل التشيّع ومع ذلك يقول أبو زهرة: إنّ أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة، وإنّ الشيعة الاَوّلين كانوا من فارس(1).

أمّا غلبة التشيّع عليهم في الاَوان الاَخير فلا ينكره أحد، إنّما الكلام في كونهم كذلك في بداية دخولهم إلى الاِسلام، فالذي يظهر أنّ الرجل جاهل بتاريخ بلاد إيران وليس له معرفة حقيقية بتفاصيل التركيبة المذهبية المختلفة التي كانت واضحة في أطراف المجتمع الاِيراني وبيّنة فيه.

وإليك ما ذكره أحد الكتّاب القدامى في كتابه «أحسن التقاسيم» لتقف على أنّ المذهب السائد في ذلك القرن، هل كان هو التشيّع أم التسنّن؟ يقول:

«إقليم خراسان للمعتزلة والشيعة، والغلبة لاَصحاب أبي حنيفة إلاّ في كورة الشاش؛ فأنّهم شوافع وفيهم قوم على مذهب عبد الله السرخسى، وإقليم الرحاب مذاهبهم مستقيمة إلاّ أنّ أهل الحديث حنابلة والغالب بدبيل ـ لعلّه يريد أردبيل ـ مذهب أبي حنيفة وبالجبال، أمّا بالريّ فمذاهبهم مختلفة، والغلبة فيهم للحنفية، وبالري حنابلة كثيرة، وأهل قم شيعة، والدينور غلبه مذهب سفيان الثوري، وإقليم خوزستان مذاهبهم مختلفة، أكثر أهل الاَهواز ورامهرمز والدورق حنابلة، ونصف أهل الاَهواز شيعة، وبه أصحاب أبي حنيفة كثير، وبالاَهواز مالكيّون... إقليم فارس العمل فيه على أصحاب الحديث وأصحاب أبي حنيفة... إقليم كرمان المذاهب الغالبة للشافعي... إقليم السند مذاهبهم أكثرها أصحاب حديث، وأهل الملتان شيعة يهوعلون في الاَذان ـ أي يقولون حيّ على خير العمل ـ ويثنّون


(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية: 35.


(80)

في الاِقامة ـ أي يقولون الله أكبر مرّتين، وأشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين أيضاً وهكذاـ ولا تخلو القصبات من فقهاء على مذهب أبي حنيفة(1).

وأمّا ابن بطوطة في رحلته فيقول: «كان ملك العراق السلطان محمد خدابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الاِمامية يسمّى جمال الدين بن مطهّرـيعني العلاّمة الحلي (648 ـ 726هـ) ـ فلمّا أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه، فزيّن له مذهب الروافض وفضّله على غيره... فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض، وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وآذربايجان وإصفهان وكرمان وخراسان، وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أوّل بلاد وصل إليها الاَمر بغداد وشيراز وإصفهان، فأمّا أهل بغداد فخرج منهم أهل باب الاَزج يقولون: لا سمعاً ولا طاعة، وجاءوا للجامع وهدّدوا الخطيب بالقتل إن غيّـر الخطبة، وهكذا فعل أهل شيراز وأهل إصفهان(2).

وقال القاضي عيّاض في مقدّمة «ترتيب المدارك» وهو يحكي انتشار مذهب مالك: وأمّا خراسان وما وراء العراق من بلاد المشرق فدخلها هذا المذهب أوّلاً بيحيى بن يحيى التميمى، وعبد الله بن المبارك، وقتيبة بن سعيد، فكان له هناك أئمّة على مرّ الاَزمان، وتفشّى بقزوين وما والاها من بلاد الجبل. وكان آخر من درس منه بنيسابور أبوإسحاق بن القطّان، وغلب على تلك البلاد مذهبا أبيحنيفةوالشافعي(3)

قال «بروكلمان»: إنّ شاه إسماعيل الصفوي بعد انتصاره على «الوند» توجّه


(1) شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم: 119 (ألّفه عام 375هـ).

(2) رحلة ابن بطوطة: 219 ـ 220.

(3) ترتيب المدارك 1: 53.


(81)

نحو تبريز فأعلمه علماء الشيعة التبريزيون أنّ ثلثي سكان المدينة ـ الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف ـ من السنّة(1).

إذن فالنصوص المتقدّمة تدلّ دلالة واضحة على أنّ مذهب التسنّن كان هو المذهب السائد إلى القرن العاشر بين الفرس، فكيف يمكن أن يقال: إنّ بلاد فارس كانت هي الموطن الاَصلي للتشيّع؟

وممّا يؤكّد ذلك أيضاً ما رواه ابن الاَثير في تأريخه من أنّ أهل طوس كانوا سنّة إلى عصر محمود بن سبكتكين، قال: إنّ محمود بن سبكتكين جدّد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم ابنه عن ذلك، وكان سبب فعله ذلك أنّه رأى في المنام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وهو يقول: إلى متى هذا؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته(2).

ويؤيّد ذلك ما رواه البيهقي: أنّ المأمون العباسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية، فقال له يحيي بن أكثم: يا أمير المؤمنين، العامّة لا تتحمّل هذا ولا سيما أهل خراسان، ولا تأمن أن يكون لهم نفرة(3).

إلاّ أنّ المتوكل عمد وبصلافة وتهتّك إلى هدم قبر الحسين_عليه السلام_ وفي ذلك قال الشاعر المعروف بالبسّامي:

تالله إن كانت أميّة قد أتت * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما


(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية 1: 140.

(2) الكامل في التاريخ 5: 139.

(3) المحاسن والمساوىَ 1: 108.


(82)

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبّعوه رميما(1)

فقد بان ممّا ذكر أمران:

1 ـ إنّ التشيّع ليس فارسيّ المبدأ، وإنّما هو حجازي المولد والمنشأ، اعتنقه العرب فترة طويلة لم يدخل فيها أحد من الفرس ـ سوى سلمان المحمّدي ـ وإنّ الاِسلام دخل بين الفرس مثل دخوله بين سائر الشعوب، وأنّهم اعتنقوا الاِسلام بمذاهبه المختلفة مثل اعتناق سائر الاَُمم له، وبقوا على ذلك طويلاً إلى أن اشتد عود التشيّع وكثر معتنقوه في عهد بعض ملوك المغول أو عهد الصفوية (905هـ).

2 ـ إنّ كون الاِمامة منحصرة في عليّ وأولاده ليس صبغة عارضة على التشيّع، بل هو جوهر التشيّع وحقيقته، ولولاه فقد التشيّع روحه وجوهره، فجعل الولاء لآل محمّد أو تفضيل عليّ على سائر الخلفاء أصله وجوهره، واعتبار هذا الاَمر ـ كما يعتقده البعض ـ أمراً عرضياً دخيلاً على مذهب التشيع، تصوّر لا دليل له إلاّ التخرص والاختلاق.

قال المفيد ـ رحمه الله ـ: الشيعي من دان بوجوب الاِمامة ووجودها في كل زمان وأوجب النصّ الجليّ والعصمة والكمال لكلّ إمام، ثمّ حصر الاِمامة في ولد الحسين بن عليّ8 وساقها إلى الرضا عليّ بن موسى8.



(1) تاريخ أبي الفداء 2: 68


(83)

الفرضيّة الرابعة: الشيعة ويوم الجمل

وأمّا الافتراض الخاطىَ الرابع فيذهب إلى أنّ الشيعة تكوّنت يوم الجمل، حيث ذكر ابن النديم في الفهرست: أنّ عليّاً قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر الله ـ جلّ اسمه ـ وتسمّى من اتّبعه على ذلك الشيعة، وكان يقول: شيعتي، وسمّـاهم7: الاَصفياء، الاَولياء، شرطة الخميس، الاَصحاب(1).

وعلى ذلك جرى المستشرق «فلهوزن» حيث يقول: بمقتل عثمان انقسم الاِسلام إلى فئتين: حزب عليّ، وحزب معاوية، والحزب يطلق عليه في العربية اسم «الشيعة» فكانت شيعة عليّ في مقابل شيعة معاوية، لكن لمّا تولّى معاوية الملك في دولة الاِسلام كلّها... أصبح استعمال لفظة «شيعة» مقصوراً على أتباع عليّ(2).

الملفت للنظر أن ما ذكره ابن النديم من تقسيمه لشيعة عليّ _عليه السلام_ إلى الاَصفياء والاَولياء و... هو عين التقسيم الذي أورده البرقي(3)لاَصحاب أمير المؤمنين_عليه السلام_ حيث قال:

أصحاب أمير المؤمنين:

من أصحاب رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _: الاَصحاب، ثمّ الاَصفياء، ثمّ الاَولياء، ثمّ شرطة الخميس:

من الاَصفياء من أصحاب أمير المؤمنين7: سلمان الفارسي، المقداد، أبو ذر، عمّار، أبو ليلى، شبير، أبو سنان، أبو عمرة، أبو سعيد الخدري (عربي أنصارى) أبو برزة، جابر بن عبد الله، البراء بن عازب (أنصاري)، عرفة الاَزدي، وكان


(1) ابن النديم، الفهرست: 263، ط القاهرة.

(2) الخوارج والشيعة: 146 (ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط القاهرة).

(3) توفّي البرقي عام (274) أو (280) وألّف ابن النديم كتابه عام (377) وتوفّي عام (378).


(84)

رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم _ دعا له فقال: «اللّهمّ بارك له في صفقته».

وأصحاب أمير المؤمنين، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستّة آلاف رجل، وقال عليّ بن الحكم: (أصحاب) أمير المؤمنين الذين قال لهم: «تشرّطوا إنّما أُشارطكم على الجنّة، ولست أُشارطكم على ذهب أو فضّة، إنّ نبيّنا _عليه السلام_ قال لاَصحابه فيما مضى: تشرّطوا فانّي لست أُشارطكم، إلاّ على الجنّة»(1) وممّا تقدّم يظهر أنّ من عدّه ابن النديم من أصحاب الاِمام رجالاً ماتوا قبل أيام خلافته كسلمان و أبو ذر والمقداد، وكلّهم كانوا شيعة للاِمام، فكيف يكون التشيّع وليد يوم الجمل؟ والظاهر وجود التحريف في عبارة ابن النديم.

على كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص الدالّة على وجود التشيّع في عصر الرسول وظهوره بشكل جليّ بعد وفاته_ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهذا قبل أن تشبّ نار الحرب في البصرة، دليل على وهن هذا الرأي ـ على تسليم دلالة كلام ابن النديم ـ فإنّ الاِمام وشيعته بعد خروج الحقّ عن محوره، واستتباب الاَمر لاَبي بكر، رأوا أنّ مصالح الاِسلام والمسلمين تكمن في السكوت ومماشاة القوم، بينما كان نداء التشيّع يعلو بين آن وآخر من جانب المجاهرين بالحقيقة، كأبي ذر الغفاري وغيره، ولكن كانت القاعدة الغالبة هي المحافظة قدر الاِمكان على بقاء الاِسلام وعدم جرّ المسلمين إلى صدام كبير ونار متأجّجة لا تبقي ولا تذر، والعمل قدر الاِمكان لدعم الواجهة السياسية للخلافة الاِسلامية ورفدها بالجهد المخلص والنصح المتواصل.

إلاّ أنّ الاَمر عندما آل إلى الاِمام عليّ وجدت شيعته متنفساً واسعاً للتعبير عن وجودها والاِفصاح عن حقيقتها، فظهرت بأوضح وأجلى صورها، فمن هنا وقع أصحاب هذه الفرضية وغيرها في هذه الاشتباهات الواضحة البطلان.


(1) البرقي: الرجال 3.


(85)

الفرضيّة الخامسة: الشيعة ويوم صفّين

زعم بعض المستشرقين(1)أنّ الشيعة تكوّنت يوم افترق جيش عليّ في مسألة التحكيم إلى فرقتين، فلمّا دخل عليّ الكوفة وفارقته الحرورية، وثبت إليه الشيعة، فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت.

وهذا الفهم الخاطىَ لهذه الواقعة، وامتطاء هذه العبارة المذكورة لتحديد نشأة التشيّع يعتمد بالاَساس على افتراض أنّ لتكوّن الشيعة تاريخاً مفصولاً عن تاريخ الاِسلام، فأخذ يتمسّك بهذه العبارة، مع أنّ تعبير الطبري ـ أعني قوله: وثبت إليه الشيعة(2) ـ دليل على سبق وجودهم على ذلك.

نعم كان للشيعة بعد تولّي الاِمام الخلافة وجود واضح حيث ارتفع الضغط فالتفّ حوله موالوه من الصحابة والتابعين، إلاّ أنّ الاَمر الثابت هو أنّ ليس جميع من كان في جيشه من شيعته بالمعنى المفروض والواقعي للتشيّع، بل أغلب من انخرط في ذلك الجيش كانوا تابعين له لاَنّه خليفة لهم، وقد بايعوه على ذلك.

الفرضيّة السادسة: الشيعة والبويهيّون

تقلّد آل بويه مقاليد الحكم والسلطة من عام (320) إلى (447هـ)، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان وإصفهان والري، وقد أُقصوا عن الحكم في الاَخير بهجوم الغزاونة عليهم عام(420هـ). وقد ذكر المؤرّخون ـ خصوصاً ابن الاَثير في الكامل وابن الجوزي


(1) تاريخ الاِمامية، للدكتور عبد الله فياض: 37.

(2) تاريخ الطبري 4: 46 ط مصر.


(86)

في المنتظم ـ شيئاً كثيراً من أحوالهم، وخدماتهم، وإفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرقوا بينهم بمختلف طوائفهم، وقد ألّف المستشرق «استانلي لين بول» كتاباً في حياتهم ترجم باسم: طبقات سلاطين الاِسلام.

يقول ابن الاَثير في حوادث عام (372هـ) في حديثه عن أحد الملوك البويهيّين، وهو عضد الدولة: وكان عاقلاً، فاضلاً، حسن السياسة، كثير الاِصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمّة، ثاقب الرأي، محبّاً للفضائل وأهلها، باذلاً في مواضع العطاء... إلى أن قال: وكان محبّاً للعلوم وأهلها، مقرّباً للعلماء، محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كلّ بلد، وصنّفوا له الكتب، ومنها الاِيضاح في النحو، والحجّة في القراءات، والملكي في الطبّ، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك(1). وهذا يدل على أنّهم كانوا محبّين للعلم ومروّجين له ولهم أياد مشكورة في نشر العلم ومساندة العلماء.

وبالرغم من أنّ في عصرهم كان يغلب على أكثر البلاد مذهب التسنّن إلاّ أنّ البويهين لم يقفوا موقف المعادي لهم على الرغم مما وقفه غيرهم من الملوك الآخرين من غير الشيعة من معاداة التشيّع ومحاربته.

ولعلّ التأريخ قد سجّل في صفحاته أحداثاً مؤلمة بعد سقوط البويهيين ودخول طغرل بك مدينة السلام (بغداد) عام (447هـ)، عندما أُحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وكرسيّه الذي كان يجلس عليه للتدريس(2).

نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم واستنشق رجالاته نسيم الحرية بعد أن تحملوا الظلم والاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصاً في عهد المتوكّل ومن بعده، غير أنّ تكوّن مذهب الشيعة في أيّامهم شيءٌ وكونهم مروّجين ومعاضدين له


(1) الكامل في التاريخ 9: 19 ـ 21 ط دار صادر.

(2) المنتظم 16: 108 الطبعة الحديثة بيروت.


(87)

شيء آخر، ومن السذاجة بمكان الخلط بين الحالين وعدم التمييز بينهما.

الفرضيّة السابعة: الشيعة والصفويّون

والكلام عن هذه الاَُسرة هو عين الكلام عن البويهيين.

إنّ الصفويين هم أُسرة الشيخ صفيّ الدين العارف المشهور في أردبيل المتوفّى عام (735هـ). فعندما انقرضت دولة المغول، انقسمت البلاد التي كانت تحت نفوذهم إلى دويلات صغيرة شيعية وغير شيعية، إلى أن قام أحد أحفاد صفيّ الدين، الشاه إسماعيل عام (905هـ) بتسلّم مقاليد الحكم والسيطرة على بلاد فارس وإقامة حكومة خاصّة به استطاع أن يمدّ نفوذها ويبسط سلطتها، واستمرّ في الحكم إلى عام (930هـ)، ثمّ ورثه أولاده إلى أن أُقصوا عن الحكم بسيطرة الاَفاغنة على إيران عام (1135هـ) فكان الصفويون خير الملوك؛ لقلّة شرورهم وكثرة بركاتهم، وقد راج العلم والاَدب والفنون المعمارية أثناء حكمهم، ولهم آثار خالدة إلى الآن في إيران والعراق، ومن وقف على أحوالهم ووقف على تاريخ الشيعة يقف على أنّ عصرهم كان عصر ازدهار التشيّع لا تكوّنه، وهو أمر لا مراء فيه، ولا يقتنع به إلاّ السذّج والجهلاء.

نعم إنّ هذه الآراء الساقطة في تحليل تاريخ الشيعة ومبدأ تكوّنهم، كلّها كانت أُموراً افتراضية بنوها على أساس خاطىَ وهو أنّ الشيعة ظاهرة طارئة على المجتمع الاِسلامي بعد عهد النبيّ، سامح الله الذين لم يتعمّدوا التزييف وغفر الله لنا ولهم.


(88)

زلّة لا تستقال:


إنّ الدكتور عبد الله فياض زعم أنّ التشيّع بمعني الموالاة لعليّ _عليه السلام_ نضج في مراحل ثلاث:

1 ـ التشيّع الروحي، يقول: إنّ التشيّع لعليّ بمعناه الروحي زرعت بذرته في عهد النبيّ وتمّت قبل تولّيه الخلافة. ثمّ ساق الاَدلّة على ذلك وجاء بأحاديث يوم الدار أو بدء الدعوة وأحاديث الغدير وما قال النبيّ في حقّ عليّ من التسليم على عليّ بإمرة المؤمنين.

2 ـ التشيّع السياسي، ويريد من التشيّع السياسي: كون عليّ أحق بالاِمامة لالاَجل النص بل لاَجل مناقبه وفضائله، ويقول: إنّ التشيّع السياسي ظهرت بوادره ـ دون الالتزام بقضية الاعتراف بإمامته الدينية (يريد النصّ) ـ في سقيفة بني ساعدة، حين أسند حقّ عليّ بالخلافة عدد من المسلمين أمثال الزبير والعبّاس وغيرهما، وبلغ التشيّع السياسي أقصى مداه حين بويع عليّ بالخلافة بعد مقتل عثمان.

3 ـ ظهوره بصورة فرقة، فإنّما كان ذلك بعد فاجعة كربلاء سنة (61هـ) ولم يظهر التشيّع قبل ذلك بصورة فرقة دينية تعرف بالشيعة. ثمّ استشهد بكلام المقدسي حيث قال: إنّ أصل مذاهب المسلمين كلّها منشعبة من أربع: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة. وأصل افتراقهم قتل عثمان، ثمّ تشعّبوا(1).

وأيّد نظريته بما ذكره المستشرق «فلهوزن» من قوله: تمكّن الشيعة أوّلاً في العراق ولم يكونوا في الاَصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الاِقليم كلّه، فكان جميع سكان العراق خصوصاً أهل الكوفة شيعة عليّ على


(1) أحسن التقاسيم: 38 ط ليدن 1906م.


(89)

تفاوت بينهم(1).

وهذا التصوّر المذكور يمكن تثبيت جملة من الملاحظات عليه:

أوّلاً: انّ التفكيك بين المرحلتين الاَوليين، وإنّ الاَُولى منهما كانت في عصر النبيّ، وظهرت بوادر المرحلة الثانية بعد رحلة النبيّ، قد نقضه نفس الكاتب في كلامه حيث قال: كان روّاد التشيّع الروحي يلتزمون بآراء عليّ الفقهية إلى جانب الالتزام بإسناده سياسياً(2).

وثانياً: إنّ ما ذكره من النصوص في مجال التشيّع الروحي كما يدلّ على أنّ عليّاً هو القائد الروحي، فإنّه يدلّ بوضوح علىأنّه القائد السياسي، وقد نقلالكاتب جلّ النصوص الواردة في هذا المبنى، فمعنى التفكيك بينهما هوأنّ الصحابة الواعين أخذوا ببعض مضامينها وتركوا بعضها، ولو صحّ إسناد ذلك إلى بعض الصحابة فلا يصح إسناده إلى سلمان، وأبي ذر، وعمّـار، الذين لا يتركون الحق وإن بلغ الاَمر ما بلغ.

وبما أنّ النبيّ كان هو القائد المحنَّك للمسلمين، فإنّه لم تكن هناك حاجة لظهور التشيّع السياسي في حياته، بل كان المجال واسعاً لظهور التشيّع الروحي ورجوع الناس إلى عليّ في القضايا والاَحكام الفقهية، وهذا لا يعني عدم كونه قائداً سياسياً وإنّ وصايا النبيّ لم تكن هادفة إلى ذلك الجانب.

وثالثاً: إنّ التشيّع السياسي ظهر في أيّام السقيفة في ظل الاعتراف بإمامته الروحية؛ فإنّ الطبري وغيره وإن لم يذكروا مصدر رجوع الزبير والعباس إلى عليّ، ولكن هناك نصوص عن طرق الشيعة وردت في احتجاج جماعة من الصحابة على أبي بكر مستندين إلى النصوص الدينية.

فقد روى الصدوق عن زيد بن وهب أنّه قال: كان الذين أنكروا على أبي بكر


(1) تاريخ الاِمامية: 38 ـ 47.

(2) تاريخ الاِمامية: 45.


(90)

تقدّمه على عليّ بن أبي طالب اثني عشر رجلاً من المهاجرين والاَنصار؛ فمن المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الاَسود، وأُبيّ بن كعب، وعمّـار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الاَسلمي.

ومن الاَنصار: زيد بن ثابت، وذو الشهادتين، وابن حنيف، وأبو أيّوب الاَنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان.

وبعدما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد بن سعيد: يا أبا بكر اتقّ الله... ثمّ استدل على تقدم عليّ بما ذكره النبيّ فقال: «معاشر المهاجرين والاَنصار، أُوصيكم بوصيّة فاحفظوها، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه: ألا إنّ علياً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم» ـ إلى آخر ما ذكره ـ ثمّ قام أبو ذر وقال: يا معاشر المهاجرين والاَنصار... طرحتم قول نبيّكم وتناسيتم ما أوعز إليكم. ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالاَحاديث التي سمعوها من النبيّ الاَكرم(1). وهذا يعرب عن أنّ التشيّع السياسي ـ الذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال بعد الرحلة ـ كان مستفاداً من نصوص النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _.

رابعاً: ماذا يريد من الفرقة وأنّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الاِمام الحسين؟ فهل يريد الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الاَُخرى؟ فهذا الاَمر لم يعلم له أيّ وجود يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة، ولم تكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة عليّ بجانب والآخرون بجانب آخر، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد والاَحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول، ولم يكن آنذاك أيّ اختلاف عقائدي إلاّ في مسألة القيادة، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين.

وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية عليّ روحيّاً وسياسياً وأنّه أحقّ بالقيادة على جميع الموازين، فإنّها كانت موجودة في يوم السقيفة وبعدها.

نعم إنّ توسّع الرقعة الجغرافية للدولة الاِسلامية وما رافق ذلك من احتكاك مباشر بكثير من الفرق والجماعات صاحبة الاَفكار العقائدية المختلفة، وتأثّر بعض الفرق الاِسلامية ومفكّريها بجملة من تلك الآراء والتصوّرات، ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعدّدة في كيان المجتمع الاِسلامي، ولمّا كان الشيعة أشد تمسّكاً بحديث الثقلين المشهور، فقد رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الاَفنان، ضاربة جذورها في الكتاب والسنّة والعقل.

وهكذا فلا مرية من القول بخطأ كلّ الافتراضات السابقة وعدم حجّيتها في محاولة تثبيت كون التشيّع ظاهرة طارئة على الاِسلام، وإنّما هو نفس الاِسلام في إطار ثبوت القيادة لعليّ بعد رحلة النبيّ بتنصيصه، وتبنّاه منذ بعثة النبيّ الاَكرم جملة من الصحابة والتابعين وامتدّ ذلك حسب الاَجيال والقرون، بل وظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء مجاهدون، وشعراء مجاهرون، وعباقرة في الحديث، والفقه، والتفسير، والفلسفة، والكلام، واللغة، والاَدب، وشاركوا جميع المسلمين في بناء الحضارة الاِسلامية بجوانبها المختلفة، يتّفقون مع جميع الفرق في أكثر الاَُصول والفروع وإن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها الآخر. وسيوافيك تفصيل عقائدهم في مبحث خاصّ بإذن الله.

كما يظهر لك أيضاً وهن ما ذهب إليه الدكتور عبد العزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبيّ وباعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل عليّ(2).


(1) الخصال : 461 ط مكتبة الصدوق لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لإثبات الخلافة للإمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ .

(2) لاحظ الصلة بين التصوّف والتشيّع : 18 .
Website Security Test