welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج2

سيد المرسلين

_ صلى الله عليه وآله وسلم _

تأليف

الاستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

الجزء الثاني

نشر
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة _ ايران _


(2)


(3)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مُميّزات النهضة الالهية وخصائصها

خصيصة «الخلود» والعمق في شخصية رسول الاسلام

المصادر الاولى والأصيلة للكتابة عن سيرة النبىّ:

تشبّهُ نهضة «الأنبياء» الالهية الّتي قام بها رسلُ اللّه وسفراؤه لتخليص البشرية من براثن الأوهام، والخرافات، ولا نقاذها من جورالمستكبرين وظلم الظالمين أكثر شيء بأمواج البحر الّتي تبدأ بدوائر صغيرة محدودة، ولكنّها كلما ابتعدت عن مركز الدائرة ازدادت اتساعاً واتساعاً، واشتدت قوتها اكثر فاكثر.

إن الإنقلاب المعنوىّ العريض والتحوّل الروحيَ العظيم الّذي وُضِعت اُسُسُه في أرض مكة على يدي رسول الإسلام العظيم أضاء بشعاعه و نوره الباهر في اليوم الأوّل غار حراء ثم منزل خديجة وبعض البيوت المتواضعة في مكة فقط، ولكنه اتسع نطاقه بمرور الزمان، حتّى عمَّ في مدة ليست بالطويلة شرق الارض وغربها، ودوّى نداءُ التوحيد في منطقة واسعة جداً من العالم (ابتداء من فرنسة وانتهاءً بجدار الصين وما وراءه)(1).

إن مُؤسّسي هذا النوع من النهضات الدينية(2) يتمتعون ـ من حيث الاخلاق

والفضائل الإنسانية ـ بخصيصة الخلود واللانهاية فان الزمن يكشف باستمرار عن أبعاد أوسع و آفاق جديدة من شخصياتهم فهي تتسع كلما تقادم بها العهد تماماً كأمواج البحر، وكأن الانبياء نسخة ثانية من الطبيعة، فكما أننا كلما أمعنا أكثر في الطبيعة ظهرت لنا منها حقائق اكثر، وانكشفت لنا رموز وأسرار جديدة لم نعهدها من قبل فهكذا شخصيات الانبياء والمرسلين، وسفراء اللّه إلى البشرية.

وتتجلى هذه الحقيقة أكثر ـ فأكثر كلما تعاظمت شخصية من تلك الشخصيات ـ .

وخلاصة القول أننا كلما أزددنا تعمقاً وامعاناً فيهم. اكتشفنا أسراراً كثيرة، وحقائق جديدة عن حياتهم.


1- لقد كتبت هذه المقدّمة وما بعده خلال تواجدي في الصين عام 1408 وقد جئت اليها في مهمة استطلاعية وتبليغية إسلامية، وقد زرت في نفس الفترة الّتي كنت فيها مشتغلا بكتابة هذه المقدمة المسجد الجامع في ـ بكين ـ العاصمة، والتقيت بامام ذلك المسجد الّذي رحَب بي وبمن كان معي أشد ترحيب، واتحفني بنسخة من ترجمة القرآن الكريم باللغة الصينية، وزرت خلال وجودي في ذلك المسجد قبر رجلين مسلمين من ايران أحدهما تاجر، والآخر عالم جاءا إلى الصين في القرن السادس الهجري، ونشرا الإسلام في بكين وما حولها، وقد نصبت عند قبرهما لوحتان من المرمر نقش عليهما اسمهما، وخصوصياتهما بالاحرف العربية.
وهناك تذكرت حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «اطلبوا العلم ولو بالصين».
قلت في نفسي: لعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقصد فيما يقصد في هذا الحديث دفع المسلمين إلى نشر مبادىء الإسلام في تلك البلاد العريضة الّتي تضم خمس سكان العالم.
وقد قام المسلمون الغيارى على دينهم، الحريصون على نشره وبثه بهذه المهمة فيما سبق وأدوا ما كان عليهم. فماذا فعلنا نحن؟
وهل ترى يجوز أن يجهل خمس سكان العالم دين اللّه، ولا ينعموا بخيراته؟!
أم هل ترى يجوز في شريعة الانصاف أنّ يعاني ذلك الشعب الكبير من الاباطرة الطغاة في الماضي، ومن الانظمة والا يديولوجيات الجائرة الملحدة في الحاضر، هذا والنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يحرص على هداية فرد واحد، والقرآن يقول: «من احياها فكأنما أحيى الناس جميعاً»؟؟
هل خصصت نهضة الأنبياء الالهية برقعة صغيرة من الارض هي الجزيرة العربية، وما حولها؟ أم أنها رحمة للعالمين جميعاً؟
سؤال نطرحه على ابناء الإسلام دعاةً ورعايا، حكومات و شعوباً لعلهم يتفكرون؟ (جعفر الهادي).
2- المقصود من الدين هو المنهاج الواسع الشامل الّذي يتكفل سعادة البشرية في الحياتين الدنيا والأخرى وليس مجرد سلسلة من الطقوس الفارغة الخاوية كما هو الحال في المسيحية الحاضرة .


(4)

ويدل على كلامنا هذا تلك المؤلفات الكثيرة الوافرة الّتي كتبها علماء التاريخ وأصحاب السير، قديماً وحديثاً، حول رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولكن مع ذلك كله كلما تقادم العهد به، و كلما اتسعت النظرات وازدادت عمقاً


(5)

اكتشف المحققون مزيداً من الآفاق، وجديداً من الابعاد في هذه الشخصية الإلهية.

ولقد كان تعاطي السيرة النبوية والحديث حولها في البداية منحصراً (أو بالاحرى مقتصراً) على مشاهدات أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ و مسموعاتهم.

ومع ظهور جيل جديد يدعى بالتابعين بعد وفاة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اتخذت الاحاديث والسنن الاسلاميّة، وتفاصيل الحياة النبويّة، وقصص غزواته وحروبه رونقاً جديداً، وأحسّ الجيل الجديد برغبة شديدة في أخذ الاحاديث الإسلامية، والتعرف على الحوادث الّتي وقعت في عصر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأيّام حياته من مولده إلى وفاته .

وكلما ازدادت حالات الوفاة، في أوساط الصحابة والتابعين الذين كانوا يشكّلون المنبع الأوّل والمصدر الأصيل لهذا النوع من العلوم الإسلامية، اتسع الاهتمام بالسيرة وما شابهها وتعاظمت الرغبة فيها وتزايد عطش المسلمين إلى اخذ ومعرفة الأحاديث الّتي تتضمن بيان خصوصيات حياة رسول الاسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وجزئيات سيرته الطاهرة. هذا من جانب .

ومن جانب آخر كان تشدّد الخليفة الثاني(1)، ومنعه عن كتابة أحاديث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد أوجب أن يندثر كثير من الأحاديث الإسلامية، الّتي سمعها بعض أصحاب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتدفن تحت التراب بموتهم .

ولقد استمر منع الخليفة عن كتابة الحديث النبوي وبقي ساري المفعول لمدة طويلة بعد وفاته(2)، حتّى أتى إلى الحكم خليفة معتدل السيرة من الأمويين هو: «عمر بن عبدالعزيز» فأمر ـ في رسالة وجّهها إلى أبي بكر بن حزم حاكم المدينة


1- تقييد العلم: ص 48 ـ 53 .
2- لم يترك نهي الخليفة أي أثر على علماء الشيعة الذين كانوا يتبعون علياً ـ عليه السَّلام ـ ، فقد عمدوا في فترة محدودة إلى تدوين وضبط الأحاديث، وحفظوا كنوزاً عظيمة من علوم اهل البيت النبوي، للتوسع في هذا المجال راجع كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» .


(6)

وقاضيها ـ بكتابة أحاديث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خوفاً من اندراس العلم وزواله(1).

أئمة السيرة:

ومن حسن الحظ أن الخليفة الثاني لم يمنع إلاّ من تدوين وكتابة الأحاديث النبويّة، فلم يشمل هذا المنع كتابة الحوادث والوقائع الّتي وقعت في عصر الرسالة.

ولهذا اُلِّفت في تلك الفترة كتبٌ كثيرة عن حياة رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأوّل من كتب حول وقائع عصر الرسالة، وأرخ حوادث الصدر الأوّل من الإسلام هو: «عروة بن الزبير بن العَوّام» الصحابي المعروف الّذي توفي عام 92 أو 96 من الهجرة(2).

ثم عمد بعده جماعة في المدينة وآخرون في البصرة إلى جمع وتدوين تفاصيل السيرة، وحروب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وغزواته، وبيان هذا الأمر على نحو التفصيل خارج عن نطاق هذه الدراسة.

ولقد كانت هذه الكتب والمؤلفات هي المنبع والاساس للكتب الّتي دوّنت فيما بعد في صورة كتب السيرة النبويّة، أو تاريخ الإسلام .

وقد بدأ تدوين سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بشكل جميل وبصورة بديعة منذ أوائل المنتصف الثاني من القرن الثاني الاسلامي، وكان من بين من قام بجهد مشرف ومشكور في هذا المجال العالمُ الشيعىُ الكبير محمد بن اسحاق المتوفى عام 151 هـ فهو أول من استخرج تفاصيل الوقائع الإسلامية من كتب الماضين، ومن


1- ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 1 / 195 و 196.
2- تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص 233.
اختلفت الاقوال في من هو أول من صنف في علم المغازي والسير في الإسلام.
فقال السيوطي في كتاب الاوليات بأنه عروة بن الزبير.
وقال الافندي في كشف الظنون أنه محمد بن اسحاق.
والحق انه لا الاول ولا الثاني بل عبيد اللّه بن أبي رافع فانه تقدمهما في التصنيف في السير والمغازي .


(7)

ثنايا رواياتهم و منقولاتهم وألفها واخرج شيئاً جامعاً حول السيرة النبويّة إلى عالم الكتب والمؤلّفات.

كما أن أوّل من ضبط ودوَّن غزوات رسول الإسلام بشكل مفصّل هو الواقدي صاحب «المغازي» و «فتوح الشام» المتوفى عام 207 هـ(1).

وقد لُخّصت سيرة ابن اسحاق على يد ابن هشام أبي محمد عبدالملك المتوفى عام 218 هـ و عرفت فيما بعد بسيرة ابن هشام (أو السيرة الهشامية) وهو الآن معدود من مصادر التاريخ الاسلامي و سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الموثقة.

ولو أننا تجاوزنا هذه الشخصيات لكان لشخصيتين اُخريين سهمٌ كبيرٌ في تدوين وتسجيل تاريخ حياة رسول الإسلام وهما:

1ـ محمد بن سعد الكاتب الواقدي المتوفى عام 230 هـ مؤلف «الطبقات الكبرى» الّذي أورد فيه سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه على نحو التفصيل .

وقد طبع هذا الكتاب في لندن مؤخراً، كما أعيد طبعه في لبنان في 9 مجلدات .

2ـ محمد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 هـ مؤلف كتاب «تاريخ الامم والملوك» .

على أن تثمين جهود هذه الثلة من الكتّاب والمؤلفين لا يعني بالضرورة أن كل ما أدرجوه في مؤلفاتهم هو الثابت الصحيح، بل تحتاج مؤلفاتهم ـ كغيرها من المؤلفات، والكتب ـ إلى التحقيق الواسع والتمحيص الدقيق .

ثم ان حركة التأليف حول شخصية رسول الاسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- عدّه الشيخ الطوسي في رجاله ابن اسحاق من تلامذة الامام جعفر الصادق ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوجدنسخة خطية من سيرته في مكتبة مدرسة الشهيد المطهري بطهران حسب ما كتب صاحب الذريعة في ج 12، ص 281 فيها .


(8)

وسيرته استمرت بعد ذلك طيلة القرون الإسلامية اللاحقة. ونحن اليوم أمام مكتبة زاخرة من الكتب، والدراسات، المختلفة في أحجامها ومستوياتها، والمتنوعة في طرائقها و أساليبها، الّتي اُلفت حول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهذا إنما يدل على خصيصة العمق واللانهاية الّتي اتسمت بها شخصية النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الخالدة العظيمة .

وقد أراد صاحب هذه الدراسة أن يقدم للجيل الحاضر شرحاً ناطقاً عن حياة رسول الإسلام العظيم، في حدود ما تسمح به إمكاناته المحدودة، ولم يأل جهداً ـ لتحقيق هذا الهدف على وجه أفضل ـ في مراجعة كتب الفريقين المعتبرة، وان اكتفى بذكر عدد قليل من المصادر عند التأليف، وقد بيّنا عذرنا من هذا في الجزء الأوّل من هذه الدراسة.

ولقد تناول الجزءُ الأول من هذا الكتاب حوادث مكة من بدء نشأتها إلى نهاية السنوات الثلاث عشرة الاولى من عصر الرسالة أي ما قبل الهجرة، وها هو الجزء الثاني وهو يتناول حوادث العشر سنوات للهجرة الشريفة، ومن اللّه التوفيق.

جعفر السبحاني

قم المقدّسة ـ الحوزة العلمية

21 شعبان 1392هـ


(9)

حوادث السنةِ الاُولى من الهجرة(1)

26

أوَّل عمل ايجابىّ للنبىّ في المدينة

عقد ميثاق تعايش بين المسلمين وغيرهم:

حملت وجوه فتية الانصار المستبشرة، المبتهجة، بمقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والاستقبال العظيم الّذي قام به أغلبية الأوسيّين والخزرجيين له حملته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، على أن يعمد قبل أي شيء إلى تأسيس مركز عام لتجمّع المسلمين فيه في الأوقات المختلفة، وللقيام بالاعمال التربوية والتثقيفية، والسياسية والعسكرية في رحابه .

كما أن عبادة اللّه الواحد تقع في طليعة البرامج الّتي جاء بها رسول الإسلام ولذا رأى من اللازم أن يعمد قبل أي عمل آخر إلى بناء مسجد للمسلمين حتّى يتسنى لهم أن يعبدوا اللّه ويذكروه فيه في أوقات الصلوات .

أجل كانت الحاجة إلى مثل هذا المركز شديدة فلابد من مكان ليجتمع اعضاء حزب الإسلام (حزب اللّه) كلَ اُسبوع في يوم معين فيه، ويتشاوروا في


1- لابدّ انك أيها القارئ الكريم تتذكر جيداً أننا قصدنا من السنة الاولى للهجرة الاشهر العشرة المتبقية الّتي قضى رسول اللّه شهرين منها في مكة وحط في الباقي من شهرها الثالث (أي ربيع الاول) على أرض يثرب، بناء على هذا تكون السنة الاولى من الهجرة تسعة أشهر فقط، وتبدأ السنة الهجرية الثانية من شهر محرم الحرام (وليس من الثاني عشر من ربيع الاول) .


(10)

شؤون الإسلام والمسلمين ومصالحهم، وليجتمع فيه عامة المسلمين مضافاً إلى هذا اللقاء الاسبوعىّ مرتين كل عام لأداء صلاة العيد، فكان المسجد الّذي بناه كأول عمل قام به بعد قدومه المدينة.

فلم يكن المسجد على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للعبادة فقط بل كانت تلقى فيه كل أنواع العلوم والمعارف الإسلامية الشاملة للاُمور التربوية وغيرها.

لقد كان يعلَّم فيه كل التعاليم والمواد الدينية والعلمية، حتّى الاُمور المرتبطة بالقراءة والكتابة .

وقد بقيت أغلب المساجد على هذا المنوال حتّى مطلع القرن الرابع الهجرىّ الاسلامىّ، فقد كانت في غير أوقات الصلاة تتحول إلى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة(1).

وربما اتخذَ مسجد المدينة صورة المركز الأدبىّ، عندماكان يلقي فيه كبار فصحاء العرب وبلغاؤهم قصائدهم المنسجمة مع التعاليم الاخلاقية والمعايير الإسلامية بين يدي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما فعل «كعب بن زهير» إذ ألقى قصيدته المعروفة بـ «البردة» عند النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسجد، وأعطاه النبىّ الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ صلة جيّدة، وخلع عليه بخلعة عظيمة(2) .

أو كما كان يفعل «حسان بن ثابت» الّذي كان يدافع بشِعره عن حوزة الإسلام والمسلمين إذ كان يلقي بعض قصائده في المسجد عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .


1- راجع صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم، بل حتّى عند فصل المراكز العلمية عن المساجد في ما بعد، بقيت المدارس تبنى وتشيَّد إلى جانب المساجد فكان هذا العمل يجسد الصلة الوثيقة بين العلم بالدين .
2- السيرة النبوية: 2 / 503 قال أنشد كعب بن زهير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسجد: بانت سعاد.


(11)

ولقد كانت مجالس الدرس والتعليم في مسجد المدينة على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تتسم بروعة كبيرة بحيث عندما شاهد وفد ثقيف مشهداً من مشاهدها انبهروا به، وعجبوا بشدة لاهتمام المسلمين بتعلم الاحكام واكتساب المعارف والعلوم(1) .

كما انه كانت تمارَس الامور القضائية والفصل بن الخصومات، واصدار الحكم على المجرمين في المسجد، فكان المسجد يومذاك بمنزلة محكمة (بكل معنى الكلمة) أي أنها تقوم بكل ما تقوم به المحاكم اليوم .

هذا مضافاً إلى أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يلقي خطبه الحماسية والجهادية لتعبئة المسلمين من أجل مجاهدة الكفار والمشركين في المسجد .

ولعل من حكمة الاجتماع في المسجد لاجل تحصيل المعارف وتعلم العلوم هو أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أراد بذلك أن يثبت عملياً أن العلم والدين توأمان لا ينفكان فكلما كان هناك مركز للايمان وجب ان يكون محلا للعلم أيضاً .

وأما ممارسة القضاء والقيام بالخدمات الاجتماعية، واتخاذ القرارات العسكرية في المسجد فقد كان لأجل أن يعلن للجميع بأن دينه ليس مجرد أمر معنوي لا يتصل بالاُمور الدنيوية ولا تهمه قضايا الحياة وشؤون المعيشة المادية، بل هو دينٌ شاملٌ كاملٌ لا يحض الناس على التقوى، ولا يدعوهم إلى الايمان إلاّ ويهتم أيضاً بشؤونهم المعيشية وإصلاح أوضاعهم الاجتماعية. فليس هو بالتالي يهتمُّ بجانب ويُغفِلُ جانباً، بل هو دين شامل جامع يتكفل الاُمور المادية والمعنوية معاً .

ولقد كان هذا التلاقي والانسجام (بين العلم والإيمان) محطَ إهتمام المسلمين ونصب أعينهم دائماً حتّى بعدما اتَخَذَت المراكزُ التعليمية والمؤسساتُ العلمية البحتة شكلا مستقلا وصار لها محلٌ خاص تدرس فيه، فانهم ظلوا يبنون


1- تاريخ الخميس: 2 / 136 .


(12)

الجامعات إلى جانب الجوامع ويشيّدون المعاهد إلى جانب المساجد ليثبتوا للعالم أن هذين الأمرين اللذين يكفلان إسعاد الحياة والإنسان لا يمكن أن ينفصلا، ويبتعد بعضها عن بعض .

مع عمار بن ياسر في بناء المسجد النبوىّ:

لقد ابتاع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الارضَ الّتي بركت فيها ناقته يوم قدومه المدينة، من أصحابها بعشرة دنانير لإقامة مسجد فيها. واشترك كافة المسلمين في تهيئة موادّه الانشائية وبناه، وعمل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسُه في تشييده أيضاً. فكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينقل معهم اللبن، والحجارة، وبينما هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات مرة ينقل حجراً على بطنه استقبله «أُسيدُ بن حضير» فقال: يا رسول اللّه إعطني أحمله عنك .

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا، إذهَب فاحمِل غيرَه(1).

وبهذا الاسلوب العملي كشف رسول الإسلام العظيم عن جانب من برنامجه الرفيع، إذ بيّن بعمله أنه رجل عمل وليس رجل قول، رجل فعل وليس رجل كلام، وكان لهذا أثره الفعّال في نفوس أتباعه.

فقد أنشد أحد المسلمين بهذه المناسبة يقول:

لَئِن قَعَدنا وَالنبىّ يعمَلُ * فذاكَ مِنّا العمل المضَلّل(2)

وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يردّد وهو يبني ويعمل: لا عيش إلاّ عيش الآخرة، اللهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة.

وقد كان «عثمان بن عفان» ممن يهتمّ بنظافة ثيابه، ويحرص على أن يمنع عنها الغبار والتراب، فلم يعمل في بناء المسجد لهذا السبب، فاخذ عمار ينشد أبياتاً تعلّمها من أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ ، وفيها تعريض بمن لا يعمل ويحرص على ثيابه أن لا تتسخ بالغبار:


1- بحارالأنوار: 19 / 112 .
2- السيرة النبوية: 1 / 496 .


(13)

لا يستوي مَن يَعمرُ المساجدا * يَدأبُ فيها قائماً وقاعِدا

ومن يُرى عنِ الغُبارِ حائدا(1)

وقد أغضب مفادُ هذه الابيات عثمان بن عفان، فقال لعمار مهدّداً: قد سمعتُ ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية، واللّه إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك، أي أضربك بها، وفي يده عصا!!

فلما عرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكلام عثمان غضب وقال:

«ما لَهُم وَ لِعَمّار، يَدعوهُم إلى الجنّة، وَيَدعُونَه إلى النار.

إنَّ عماراً جلدةُ ما بين عينىّ وأنفي...»(2) .

وكان «عمار» فتى الإسلام القوي، يحمل قدراً كبيراً من اللبن والاحجار في بناء المسجد ولا يكتفي بحمل شيء قليل منها .

فكان البعض يستغل طيب قلبه واخلاصه فيثقله باللبن والاحجار .

ويروى أن اصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جعل يحمل كل واحد لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ محبة منه لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

وذات مرة رآه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد حمّلوه ثلاث لبنات أو احجار ثقيلة فشكا إليه عملهم وقال: يا رسول اللّه قتلوني يحملون علىّ ما لا يحملون فنفض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفرته(4) وكان رجلا جعداً وهو يقول قولته التاريخية:

«ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، انما تقتلك الفئة الباغية»(5).


1- السيرة النبوية: 1 / 496، وتاريخ الخميس: 1 / 345 والسيرة الحلبية: 2 / 76 ومع ان ابن اسحاق صرّح باسم عثمان بن عفان ولكن ابن هشام الّذي لخصّ سيرة ابن اسحاق امتنع عن تسمية عثمان. وقال صاحب المواهب اللدنية: المراد في هذه الابيات عثمان بن مظعون، راجع هامش سيرة ابن هشام أيضاً .
2- تاريخ الخميس: 1 / 345.
3- السيرة الحلبية: 2 / 71، البداية والنهاية: 2 / 217 .
4- اي شعر راسه .
5- المصدران السابقان .


(14)

وقد كان هذا الخبرُ الغيبي من الدلائل القوية على نبوة الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصدق دعواه، وصحة إخباراته، فقد وقع ما أخبره كما أخبر، فقد قتل «عمّار» وهو في التسعين من عمره في معركة صفين عندما كان يقاتل جيش الشام بين يدي علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتله حزب معاوية، وقد أحدث هذا الخبر الغيبي أثراً عجيباً في حياة المسلمين ققد جعله المسلمون معياراً لمعرفة الحق، أي كانوا يعرفون حقانية أي جهة من الجهات وأي طرف من الأطراف في الصراعات والنزاعات بانضمام عمّار إليه .

وعند ما قُتِلَ عمّار في ساحة القتال بصفين، دبّ في أهل الشام اضطراب عجيب .

فالذين كانوا في شك في حقانية «عليّ» ـ عليه السَّلام ـ وموقفه في هذه الحرب بفعل الدعاية المضادة الّتي كان يقوم بها معاوية ومساعده عمرو بن العاص ضد الامام قد انتبهوا إلى خطائهم وعرفوا بمقتل «عمّار» على أيدي أنصار معاوية بأن علياً على حق وأن معاوية وجماعته هي الفئة الباغية الّتي أخبر عنها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

ومن هؤلاء «خزيمة بن ثابت» الأنصارىّ الّذي خرج مع الإمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ لقتال معاوية، ولكنّه كان متردّداً في مقاتلته، بيد أنه جرد سيفه بعد مقتل «عمّار» على أيدي أهل الشام، وحمل عليهم(1) .

ومنهم «ذوالكلاع» الحميري الّذي خرج على رأس عشرين ألف مقاتل وهم تمام رجال قبيلته، مع معاوية لمحاربة الامام علىّ ـ عليه السَّلام ـ وكان معاوية يعتمد على نصرته إعتماداً كبيراً، حتّى أنه لم يقدم على اتخاذ قرار الحرب إلاّ بعدَ أن اطمأنَّ إلى تأييده له، ومشاركته في قتال علي ـ عليه السَّلام ـ .

فقد صُدِمَ القائد المخدوع بشدة عندما سمع بوجود «عمّار» في معسكر الامام «علي» .


1- المستدرك على الصحيحين: 3 / 385 ووقعة صفين لابن مزاحم .


(15)

فأرادَ رجالُ معاوية أن يموِّهُوا الأمر، ويشوشوه عليه فقالوا: ما لعمار ولصفين؟ فذلك ما يقوله أهل العراق وما يبالون من الكذب .

ولكن ذا الكلاع لم يقتنع بهذا فقال لعمرو بن العاص: يا أبا عبداللّه أما قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إن عماراً تقتله الفئة الباغية»؟

فقال عمرو: أجل، ولكن ليس عمار في رجال علي .

فقال ذوالكلاع: فلابدّ اذن أن أعرف ذلك بنفسي .

ثم أمر رجالا بأن يتحقّقوا من الأمر. وفي هذه اللحظة الحساسة ادرك معاوية وعمرو خطورة الموقف إذ لو تحقق ذوالكلاع من وجود عمّار في معسكر «علي» أو عرف بمقتله بين يديه ـ عليه السَّلام ـ إذن لأحدث ذلك شرخاً كبيراً وتمزقاً فضيعاً في جيش الشام، من هنا تمت تصفية ذوالكلاع فوراً إذ قُتل بصورة غامضة(1) .

إن اشتهار هذا الحديث لدى محدثي السنة والشيعة ليغنينا عن استعراض مصادره، واسناده .

فقد روى الامام احمد بن حنبل أنه لما قُتِلَ عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمّار وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : تقتله الفئة الباغية؟ فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع (أي يقول: إنا للّه وإنا إليه راجعون) حتّى دخل على معاوية، فقال معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتِل عمّار فقال معاوية: قد قُتِل عمّار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: أو نحن قتلناه انما قتله علىٌ وأصحابه جاؤوا به حتّى القوه بين رماحنا (وسيوفنا)(2) .

ولكن لا يخفى أن هذا التأويل الباطل الّذي لجأ إليه ابن أبي سفيان لتهدئة جنود الشام، ليس مقبولا عند اللّه تعالى قط، كما لا يقبل به أىُّ عاقل لبيب .

فإنَّ هذا هو الاجتهاد في مقابلة النص، وهو مما لا قيمة له أبداً، فان هذا


1- وقعة صفين: 377 و 387 .
2- مسند الامام احمد بن حنبل: 4 / 198 .


(16)

النوع من الاجتهاد في مقابل الآيات والروايات الصريحة هو الّذي سبّب في أن يعمد فريقٌ من المجرمين والجناة إلى تبرير جرائمهم وفضائعهم بحجة «الاجتهاد»، وتحت غطائه .

واليك نموذجاً من هذا الأمر:

ضئرٌ أرأف من والدة!!

لا يجد المرءُ عبارةً أفضلَ من هذه تعرّف حقيقةَ مؤرخ القرن الثامن الهجري (ابن كثير الشامي مؤلف البداية والنهاية).

فقد انبرى هذا الرجل إلى الدفاع عن معاوية في كتابه إذ قال: لا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاةً تكفيرهم، لأنهم وان كانوا بغاةً في نفس الأمر فانهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران، والمخطىء له أجر واحد (ثم يقول) وأما قوله: يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار فان عمّاراً وأصحابهُ يدعون أهل الشام إلى الالفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون ان يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وان يكون الناس أوزاعاً على كل قطر امامٌ برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الاُمة فهو لازم مذهبهم وناشىء عن مسلكهم وان كانوا لا يقصدونه!!(1).

ونحن لم نجد اسماً يناسب هذا العمل إلاّ التحريف للحقائق .

فان مؤيدي الفئة الباغية مع كل ما اُوتوا من قدرة على إخفاء الحقائق وطمسها لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة، ولكن مؤرخاً مثل ابن كثير عمد ـ رغم ورود هذا الحكم الغيبي في شأن تلك الفئة ـ إلى تحريف بارد قد غفلت تلك الفئة هي ذاتها عنه!!

يقول أحمد بن حنبل: دخل رجلان على معاوية يختصمان في رأس عمّار يقول


1- البداية والنهاية: 2 / 218 .


(17)

كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبداللّه بن عمرو: ليطيب به أحدكما نفساً لصاحبه فاني سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: تقتله الفئة الباغية، قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: ان أبي شكاني إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: اطع أباك مادام حيا، ولا تعصه، فأنا معكم ولستُ اقاتل(1) .

إن اعتذار «عبداللّه بن عمرو بن العاص» يشبه تأويل ابن كثير الشامي الّذي يقول: إن معاوية قاتل «علياً» في صفين إجتهاداً وايماناً، وإن أخطأ في اجتهاده، وذلك لأن إطاعة الوالد واجبة مالم تجر إلى مخالفة الشرع، فهذا هو القرآن الكريم يقول:

(وَ إنْ جاهَداك لِتُشْركَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا)(2)

كما ان الاجتهاد إنما يصحّ إذا لم يكن في المقام نصٌّ صريح، ورد عن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولهذا كان اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص وامثالهما باطلا مرفوضاً، لكونه في مقابل النصّ النبوي .

ولو أننا فتحنا باب الاجتهاد هكذا بدون أية ضوابط لكان جميع المشركين والمنافقين معذورين في معارضتهم، ومحاربتهم لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، كما لابدّ ـ حينئذ ـ أن نقول: إن يزيد والحجاج وأشباههما كانوا معذورين في سفكهم لدماء الأئمة المعصومين، والصالحين من المسلمين، بل ومأجورين في عملهم هذا .

* * *

انتهى النبىُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمون من بناء المسجد، وظل يوسّع فيه كل عام شيئاً فشيئاً .

وقد بُني إلى جانب المسجد صفة ليسكن فيها الفقراء والمهاجرون المحرومون. وكلّف «عبادة بن الصامت» بأن يعلّمهم الكتابة، وقراءة القرآن .


1- مسند أحمد بن حنبل: 2 / 164 و 165 .
2- العنكبوت: 8 .


(18)

التآخي; أو أعظم معطيات الايمان:

لقد فتح تمركز المسلمين في المدينة فصلا جديداً في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل دخوله المدينة لا يهمّه إلاّ جذب القلوب والدعوة إلى دينه، ولكنه اليومَ عليه أن يعمل ـ كصاحب دولة محنَّك ـ على حفظ كيانه وكيان جماعته، ولا يسمح للأعداء الداخليين والخارجيين بالتسلّل والنفوذ في صفوفهم، ولكنه كان يواجه في هذا السبيل ثلاث مشاكل كبرى:

1- خطر قريش وعامة الوثنيين في شبه الجزيرة العربية .

2- خطر يهود يثرب الذين كانوا يقطنون داخل أو خارج المدينة ويمتلكون ثروة كبيرة .

3- الاختلاف الّذي كان بين أتباعه من المهاجرين وبين الأوس والخزرج .

وحيث إن المهاجرين والانصار قد نشأوا في بيئتين مختلفتين، لهذا كان من الطبيعي أن يختلفوا في طريقة المعاشرة، وآداب السلوك، واسلوب التفكير اختلافاً كبيراً .

هذا مضافاً إلى أن الأوس والخزرج الذين كانوا يشكّلون جماعة الأنصار كانوا هم يعانون من رواسب عداء قديم وبقايا ضغائن نشأت خلال حروب دموية طويلة استغرقت مائة وعشرين سنة بلا انقطاع .

ومع وجود مثل هذه التناقضات والأخطار المحتملة لم تكن مواصلة الحياة الدينية، والسياسية المستقرة أمراً ممكناً قط .

ولكن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تغلّب على كل هذه المشكلات بطريقة حكيمة، غاية في الحنكة والابداع .

فبالنسبة إلى المشكلتين الأوليين فقد عالجهما بالقيام بأعمال سيأتي ذكرها في المستقبل .

وأما بالنسبة إلى مشكلة التناقضات بين فئات وأصناف جماعته فقد عالج


(19)

تلك المشكلة بحذق كبير، وتدبير رائع جداً .

فقد اُمر من جانب اللّه تعالى بأن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار.

فجمعهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم وقال لهم:

«تآخوا في اللّه أخوَينِ أَخَوَينِ» .

وقد ذكرت المصادرُ التاريخية الإسلامية، مثل «السيرة النبوية» لابن هشام(1) اسماء كلِّ متآخيين من المهاجرين والأنصار .

وبهذا الاسلوب كرَّس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الوحدةَ السياسية والمعنوية بين المسلمين وقوّى اُسسَها ودعائمها .

وقد سببت هذه الوحدة، وهذا التآخي الواسع في أن يقرّرَ حلا للمشكلتين الاُوليين بسرعة وسهولة .

منقبتان عظيمتان:

ولقد ذكر أكثر مؤرّخي السنة والشيعة ومحدّثيهم في هذا الموضع منقبتين عظيمتين، نذكرهما نحن هنا أيضاً: لقد آخى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو يقول: يا فلان أنت أخ لفلان .

ولما فرغ من المؤاخاة، قال له علي ـ عليه السَّلام ـ ، وهو يبكي:

«يا رسول اللّه آخيتَ بين أصحابكَ ولم تؤاخِ بيني وبين أحد»؟

فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أخذ بيده:

«أنت أخي في الدنيا والآخرة»(2) .

وقد ذكر القندوزي الحنفي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا إذ قال:

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي:

«والّذي بعثني بالحق نبياً ما أخّرتُكَ إلاّ لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من


1- السيرة النبوية: 1 / 504 ـ 507 .
2- المستدرك على الصحيحين: 13 / 14 .


(20)

موسى إلاّ أنه لا نبىّ بعدي، وأنتَ أخي ووارثي»(1) .

غير ان ابن كثير شكّك في صحة هذا الرواية(2)، وحيث إن هذا التشكيك نابع من نفسيّته الخاصة، ولا يقلّ تفاهةً وبطلاناً من إعتذاره ودفاعه عن معاوية وزمرته الباغية عن قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر لهذا نرجح أن نصرف النظر عن النقاش فيه، ونترك القضاء والحكم عليه للقارىء المنصف، والمتتبع العدل .

منقبةٌ اُخرى لعلىّ ـ عليه السَّلام ـ :

فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من بناء المسجد، وقد بُنِيَت منازلُه ومنازل أصحابه حولَ المسجد، وكلٌ شرع منه باباً إلى المسجد، وخطّ لحمزة خطاً فبنى منزلَه فيه، وشرع بابَه إلى المسجد وخط لعلىّ بن أبي طالب مثل ما خط لهم فبنى منزله فيه وشرع بابه إلى المسجد، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الابواب .

وفجأة نزل جبرئيل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال:

«يا محمّد إنَّ اللّه يأمُركَ أن تأمر كُلَّ من كان له بابٌ إلى المسجدِ أنْ يَسدَّهُ ولا يكون لاَِحَد بابٌ إلى المسجد إلاّ لكَ ولعلىّ  ـ عليه السَّلام ـ ».

يقول ابن الجوزي: فأوجدَ هذا الامرُ ضجة عند البعض، وظنُوا أنّ هذا الاستثناء قدنشأ عن سبب عاطفي، فخطب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الناس وقال فيما قال:

«واللّه ما أنا أمرتُ بذلك، ولكنّ اللّهِ أمَر بسدّ أبوابِكم وَتركِ بابِ علىّ»(3) .

وخلاصة القول أنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قضى عن طريق المؤاخاة


1- ينابيع المودة: 56، ونظيره في السيرة النبوية .
2- البداية والنهاية: 2 / 226 .
3- تذكرة الخواص: 46، بتصرف بسيط .


(21)

الاسلاميّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين على الاختلافات القديمة الّتي كانت رواسبها باقية بين المسلمين إلى ذلك اليوم، وبذلك حل مشكلة من المشاكل الثلاث الّتي مرّ ذكرها .

معاهدة الدفاع المشترك بين المسلمين ويهود يثرب:

كانت المشلكة الثانيةُ الّتي يواجهها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة هي مشكلة يهود يثرب الذين كانوا يقطنون المدينة وخارجها وكانوا يمسكون بأزمّة التجارة والاقتصاد في تلك المنطقة.

لقد كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يدرك جيداً أنه مالم تصلح الأوضاع الداخلية في المدينة ومالم يضمَّ إلى صفوفه يهود يثرب، وبالتالي مالم يقم وحدةً سياسيةً عريضةً في مركز حكومته، لم تتهيأ لشجرة الإسلام أن تنمو، ولن يتهيأ له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يفكر في أمر الوثنيين والوثنية في شبه الجزيرة العربيّة ولا يستطيع معالجة المشلكة الثالثة أعني قريش خاصة .

والمشكلة واحدة مالم يستتبّ الأمن والاستقرار في مقر القيادة لن يمكن الدفاع ضدّ العدوّ الخارجي .

ولقد قام بين يهود المدينة والمسلمين في بداية هجرتهم اليها نوعٌ من التفاهم لأسباب خاصة، لأنّ كلا الجانبين كانا موحّدَين يعبدان اللّه، ويرفضان الأوثان، وكان اليهود يتصوّرون أنهم يستطيعون ـ إذا اشتد ساعد المسلمين، وقويت شوكتهم ـ أن يأمنوا حملات المسيحيين الروم، هذا من جانب، ومن جانب كان بينهم وبين الأوس والخزرج علاقات عريقة ومواثيق قديمة .

من هنا حاولَ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكرّس هذا التفاهم، ويبلوره بعقد معاهدة تعايش، ودفاع مشترك بين الأنصار والمهاجرين وقَّع عليها يهود المدينة أيضاً(1).


1- المقصود منهم يهود الأوس والخزرج، وأما يهود بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة فقد عقد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معهم معاهدةً مستقلةً سنذكرها.


(22)

وقد احترمَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك المعاهدة دين اليهود وثروتهم في اطار شرائط معيّنة .

وقد أدرج كُتّاب السيرة والمؤرّخون النصَّ الكامل لهذه المعاهدة في كتبهم(1).

ونظراً لأهميّتها الخاصَّة، ولأنها تُعتبر مستنداً تاريخيّاً حيّاً، قوىَّ الدلالة، ولكونها تكشف عن مدى التزام رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بمباديء الحرية والنظم والعدالة، ومبلغ مراعاته واحترامه لها في الحياة، ولأنها تكشف لنا كيف أنها أوجدت جبهةً متحدةً قويةً في وجه الحملات الخارجية نذكر هنا نقاطها الحسّاسة ونسجّلها كواحد من أكبر الانتصارات السياسية الّتي أحرزتها الحكومة الإسلامية الناشئة في العالم ذلك اليوم .

أعظم معاهدة تاريخية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا كتابٌ من محمّد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم .

«البند الاوّل»

1- إنّهم اُمّةٌ واحدةٌ من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على الحال الّتي جاء الإسلام وهم عليها) يتعاقلون بينهم (أي يدفعون دية الدم) وهم يفدون عانيهم (أسيرهم) بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

2ـ وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاُولى، كلُّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وهكذا بنو ساعدة وبنو الحارث، وبنو جشم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف وبنو النبيت، وبنو الأوس كلٌّ على ربعتهم


1- مثل السيرة النبوية: 1 / 501 .


(23)

(والحال الّتي جاء الإسلام وهم عليها من حيث التعاون على الديات إلى أولياء المقتول، ودفع الفدية معاً لفكِ الأسير) .

3- وإنَّ المؤمنين لا يتركون مفرحاً (أي مثقلا بالدَين وكثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (أي دفع دية أوفداء أسير) .

4- وإنَّ المؤمنين المتقين (يدٌ واحدة) على من بغى منهم، أوابتغى دسيعة (عظيمة) ظلم أو إثم أو عُدوان أو فساد بين المؤمنين، وأنّ أيديهم عليه جميعاً ولو كان وَلدَ احدهم .

5ـ وأَن لا يحالف مؤمنٌ مولى (أي عبد) مؤمن دونه (أي دون إذنه) .

6ـ وأن لا يقتل مؤمنٌ مؤمناً في كافر (أي قصاصاً لمقتل كافر على يَدَي ذلك المؤمن) ولا ينصر كافراً على مؤمن .

7ـ وانَّ ذمةَ اللّه واحدة (تشمل جميع المسلمين بلا استثناء) يجيرُ عليهم أدناهم (فاذا أجار عبدٌ مسلمٌ كافراً قُبِلَت إجارته واحترِمَ أمانه) .

8ـ وإنّ المؤمنين بعضَهُم موالىَ بعض دون الناس .

9ـ وإنّه مَن تبعنا من يهود فانَّ له النصرَ والاسوةَ غيرَ مظلومِين، ولا متناصرين عليهم .

10- وإنَّ سلمَ المؤمنين واحدةً لا يُسالَمُ مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على سواء وعَدل بينهم (فلا يجوز لأحد أن ينفرد بعقدِ معاهَدةِ صلح مع أحد من غير المسلمين إلاّ بموافقة المسلمين) .

11- و إنَّ كلَّ غازية غزت معنا يعقّب بعضها بعضاً (أي يتناوب المسلمون في المشاركة في الجهاد)، وانّ المؤمنين يبيء بعضهُم على بعض بما نالَ دماءَهم في سبيل اللّه (أي يراقُ منهم الدمُ على السواء لا أن يتعرض للقتل بعضٌ دون بعض) .

12- وإنّ المؤمنين المتقين على أحسنِ هدى وأقومه .

13- وأن لا يجيرَ مشركٌ (من مشركي المدينة) مالا لقريش، ولا نفساً، ولا يحولَ دونه على مؤمن (أي لا يمنعه من مؤمن) .


(24)

14- وإنّه من اعتبط مؤمناً (أي قتل من المؤمنين مؤمناً بلا جناية منه توجب قتله) قتلا عن بيّنة فانّه قِوَدٌ به (أي يُقتَل بقتله قصاصاً) إلاّ أن يرضى ولىُّ المقتول .

وانّ المؤمنين عليه كافّة، ولا يحلُّ لهم إلاّ قيامٌ عليه.

15- وإنه لا يحلُّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمنَ باللّهِ واليومِ الآخر، أن يَنصُرَ مُحدِثاً (صاحب بدعة) ولا يؤويه وأنه من نصرَهُ، وآواه فعليهِ لعنةُ اللّهِ وغضبُه يوم القيامة، ولا يُؤخذُ منه صرفٌ ولا عدلٌ .

16- وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مردَّهُ إلى اللّه عزّوجلّ وَ إلى محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

«البندُ الثاني»

17- وإنّ اليهودَ ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين (ودفاعاً عن المدينة) .

18- وإنّ يهود بني عوف اُمةٌ من المؤمنين (وبنو عوف قبيلة من قبائل الأنصار) لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم ،إلاّ من ظلم واثم، فانه لا يوتغ (لا يهلك) الاّ نفسه وأهل بيته (والسبب في هذا هو أن أهل بيت الرجل يتبعونه ويؤيّدونه في فعله غالباً وعادةً) .

والمراد من هذا الاستثناء هو أن العلاقات والاتحاد يبقى قائماً بين تلك الطائفة من اليهود وبين المسلمين مادام لم يكن ثمة ظالِمٌ ومعتد .

19- وإنّ ليهود بني النجار، وبني الحارث وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس وبني ثعلبة، وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، من الحقوق والامتيازات.

وإن جفنة بطن من ثعلبة (أي تلك القبيلة فرعٌ من هذه)، وانّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف .

20- وإنَّ البرَّ دونَ الإثم (أي أن يغلب حسناتُهم على سيّئاتِهم) .

21- وإنَّ موالي ثعلبة (أي المتحالفين معهم) كأنفسهم .


(25)

22- وإنّ بطانة يهود (أي خاصتهم) كأنفسهم .

23- وأنه لا يخرج منهم أحدٌ (من هذه المعاهدة) إلاّ باذن محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

24- وإنّه لا ينحجر على ثأر جرح (أي لا يضيع دمٌ حتّى الجرح)، وان من فتك (بأحد) فبنفسه فتك، وأهل بيته إلاّ من ظلم (أي إلاّ إذا كان المفتوك به ظالماً) .

25- وإنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وانّ بينهم النصرَ على من حارب أهلَ هذه الصحيفة (أي أن على كل جماعة من المسلمين واليهود أن يقوم بنصيبه من نفقات الحرب) .

26- وإنّ بينهم النصحَ والنصيحة (أي أن تكون العلاقات على هذا الاساس) والبر دون الاثم .

27- وإنّه لم يأثم امروءٌ بحليفه (أي لا يحقُ لأحد أن يظلم حليفَه) وأن النصرَ للمظلوم (لو فعل أحد ذلك) .

28- وإنّ يثرب حرامٌ جوفُها لأهل هذه الصحيفة (أي أنّ داخل المدينة حرمٌ ومأمنٌ لجميع من وقَّعَ على هذه الصحيفة) .

29- وإنَّ الجار (وهو من يدخل في أمانِ أحد)كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، (فلا يجوز إلحاق ضرر به) .

30ـ وإنّه لا تجار حرمة إلاّ باذن أهلها.

31- وإنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجبار يُخاف فسادُه فان مردَّهُ إلى اللّهِ عزّوجلّ وإلى محمّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإنَّ اللّه على اتّقى ما في هذه الصحيفة وأبرهُ (أي أنه تعالى ناصر وولي لمن التزم بهذه المعاهدة) .

32- وإنّه لا تجارُ قريشٌ ولا من نَصَرَها .

«البند الثالث»

33- وإنّ بينهم (أي بين اليهود والمسلمين) النصر على من دهم يثربَ


(26)

(فعليهم معاً أن يدافعوا عن المدينة ضدَّ المعتدين) .

34- وإذا دُعوا (أي دعا المسلمون اليهود) إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه، فانهم يصالحونهُ ويَلبسونه .

وإنّهم إذا دُعوا (أي إذا دعا اليهودُ المسلمين) إلى مثل ذلك (الصلح) فانه لهم على المؤمنين إلاّ من حاربَ في الدين .

فعلى اليهود أن يوافقوا على كل صلح يعقِدُه المسلمون مع الأعداء وهكذا على المسلمين أن يقبَلوا بكلِ صلح يعقده اليهود مع الاعداء إلاّ إذا كان ذلك العدوّ ممن يخالفُ الإسلام ويعاديه ويتآمر عليه .

35- وإنّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة .

«البندُ الرابع»

36- وإنّهُ لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. (فلا يمكن لأحد أن يتسير وراءه ليتخلّص من العقاب إذا ارتكبَ خطيئةً وجنايةً) .

37- وإنّه من خرج (من المدينة) آمنٌ، ومن قعد آمن بالمدينة إلاّ من ظلم أو أثم .

ثم خُتِمَت هذه المعاهدة بالعبارة التالية:

«وإنّ اللّه جار لِمَن بَرَّ واتّقى، ومحمَّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ »(1) .

إنَّ هذه المعاهدة السياسية التاريخية الّتي أدرجنا هنا أهم مقاطعها تعدُّ نموذجاً كاملا لرعاية الإسلام وحرصِه على مبدأ حرّية الفكر والاعتقاد، ومبدأ الرفاه الاجتماعي العام، وضرورة التعاون في الاُمور العامة، بل وتوضّح هذه المعاهدةُ ـ فوق كلّ ذلك ـ حدودَ صلاحيّات واختيارات القائد، ومسؤوليّة كلِّ الموقّعينَ عليها، وعلى أمثالها .

على أنه وإن لم يشترك يهودُ «بني قريظة» و «بني النضير» و «بني قينقاع»


1- السيرة النبوية: 1 / 503 و 504، الاموال: 125 ـ 202 .


(27)

في إبرام هذه المعاهدة والتوقيع عليها، بل شارك فيها يهودُ الأوس والخزرج فقط، إلاّ أنّ تلك الطوائف اليهودية (الثلاث)قد وقعت فيما بعد مع قائد المسلمين وزعيمهم على معاهدات مماثلة أهم بنودها هي:

أن لا يُعينوا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا على أحد من أصحابه بلسان ولايد ولا بسلاح ولا بكراع (أي الخيل وغيرها من المراكب) في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، اللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حلٍّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم، ونسائهم، وأخذ أموالهم .

وقد كتبَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لكلِّ قبيلة منهم كتاباً على حدة على هذا الغرار، ثم وقع عليها «حييُ بن أخطب» عن قبيلة بني النضير، و «كعب بن أسد» عن بني قريظة، و «المخيريق» عن قبيلة بني قينقاع(1) .

وبهذا سادَ الأمنُ يثرب وضواحيها بعد أن اعتبرت المنطقة حرماً آمناً .

والآن جاء دور أن يعالج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المشكلة الاُولى، يعني قريش لأنه مادام هذا العدوُّ يعرقل حركة الدعوة، ويقف سدّاً أمام تبليغ الإسلام فلن يُوَفَّقَ لنشر هذا الدين وتطبيق أحكامه، وتعاليمه المباركة .

ممارسات اليهود الإجهاضية:

لقد تسبّبت تعاليمُ الإسلام الرفيعة وأخلاق الرسول العظيم في أن يتزايد عددُ المنتمين إلى الإسلام يوماً بعد يوم، وتزداد بذلك قوّةُ الإسلام العسكرية والاقتصادية والسياسية .

وقد أحدث هذا التقدمُ المتزايد الباهر قلقاً وضجةً عجيبةً في الأوساط اليهودية الدينية، لأنهم كانوا يتصوَّرون أنهم يستطيعون بدعمهم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتقويته وتأييده جرَّه إلى صفوفهم، ولم يكونوا يتصوّرون قط أنّ


1- بحارالأنوار: 19 / 110 و 111. احتفظ في ذاكرتك أيها القاريء الكريم هذا القسم من المعاهدة الثانية لأن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عاقب اليهود بسبب نقضهم لهذه المعاهدة .


(28)

النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيحصل بذاته على قوة تفوق قوة اليهود والنصارى، من هنا بَدَأوا بممارسة الأعمال الاجهاضية مثل طرح الاسئلة الدينية العويصة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بغية زعزعة إيمان المسلمين بنبيّهم، ولكن جميع هذه المخططات باءت بالفشل ولم تترك أي أثر في صفوف المسلمين المتراصة وايمانهم العميق برسول الإسلام .

وقد جاءت بعض هذه المناظرات والمجادلات في سورة البقرة وسورة النساء.

ويستطيع القارىء العزيزُ ـ من خلال قراءة ـ آياتِ هاتين السورتين والتمعن فيهما أن يقف على مدى العناد واللجاج الّذي كان يُبديه اليهودُ .

فمع أنهم كانوا يتلقون من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أجوبة واضحة لكلِّ واحد من اسئلتهم كانوا يتهرّبون من الانضواء تحت راية الإسلام ويحجمون عن الاعتراف به، وكانوا يقولون في مقام الردّ على دعوة النبىّ إياهم إلى اعتناق الإسلام:

(قلوبُنا غلف) .

أي لانفهم ما تقول!!!(1) .

اسلام عبداللّه بن سلام:

هذه المناظرات والمجادلات وان كانت لا تزيد غاليبة اليهود إلاّ تعنّتاً وعناداً، ولكنها كانت تسبّب أحياناً يقظة البعض وإقبالهم على الإسلام مثل «عبداللّه بن سلام».

فقد أسلم ابن سلام الّذي كان من علماء اليهود وأحبارهم، برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد سلسلة من المناظرات والمجادلات المطولة(2).

ولم يمض وقتٌ كبيرٌ على اسلام ابن سلام إلاّ والتحق به عالمٌ آخر من علماء


1. للوقوف على نص هذه المناظرات راجع السيرة النبوية: 1/ 530 ـ 572، بحارالأنوار: 9 / 303 فما بعد .
2- للوقوف على نص هذه المناظرات راجع السيرة النبوية: 1/ 530 ـ 572، بحارالأنوار: 9 / 303 فما بعد .


(29)

اليهود هو «المخيريق» .

وكان عبداللّه بن سلام يعلم بأنه سيذمُّه قومُه من اليهود إذا عرفوا باسلامه وترك دينهم، من هنا طلب من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكتم عن الناس إسلامه، ريثما يحصل أولا على اعتراف من قومه بعلمه وتقواه، وبمعرفته وصلاحِه قائلا: «يا رسول اللّه إن يهود قومٌ بُهُت، وأني أحبُّ أن تُدخلني في بعضِ بيوتك، وتغيّبني عنهم ثم تسألهم عنّي حتّى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني» .

فأدخله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض بيوته وأخفاه عن الانظار ثم قال لليهود الداخلين عليه:

«أىُّ رجل الحصينُ بنُ سلام فيكم؟»

قالوا: سيدُنا وابنُ سيدنا، وحَبرُنا وعالمُنا، فخرجَ عليهم «عبدُ اللّه بنُ سلام» من مخبأه وقال لهم: يا معشر يهود اتّقوا اللّهَ واقبَلوا ما جاءكم به، فواللّه إنّكم لتعلمون أنه لرسول اللّه تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فاني أشهدُ أنه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، واُؤمن به واُصدّقه وأعرِفُه .

فغضب اليهودُ من مقالته، وقالوا له: كذبتَ ووقعوا فيه، وعابوه، وبهتوه(1) .

خطةٌ اُخرى للقضاءِ على الحكومة الإسلامية :

لم تضعف مجادلاتُ اليهود واسئلتهم العويصة عقيدة المسلمين وايمانَهم برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فحسب، بل تسبَّبَت في أن تتضح مكانته العلمية، وقيمة معارفه الغيبية للجميع أكثر من ذي قبل .

ففي ظلّ هذه المجادلات والمحاورات رغب جماعات كبيرة من الوثنيين واليهود في الإسلام فآمنوا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصدَّقوه .

من هنا دبَّر اليهودُ مؤامرة اُخرى وهي التذرُّع باُسلوبِ «فرِّقْ تسُدْ»، لالقاء


1- السيرة النبوية: 1 / 516 .


(30)

الفرقة في صفوف المسلمين .

فقد رأى دهاة اليهود وساستهم أن يستغلّوا رواسب الاختلافات، ويؤججوا نيران العداء القديم بين الأوس والخرج الّذي زال بفضل الإسلام وبفضل ماارساه من قواعد الاخوة والمساواة والمواساة والمحبة، بعد أن كانت مشتعلةً طوال مائة وعشرين عاماً متوالية، ليستطيعوا بهذه الطريقة تمزيق صفوف المسلمين بإثارة الحروب الداخلية بينهم، والّتي من شأنها ابتلاع الاخضر واليابس والقضاء على الجميع دونما استثناء.

ففيما كان نفرٌ من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه إذ مرّ عليهم «شاس بن قيس» وهو يهوديٌ شديد العداء للإسلام، عظيمُ الكفر، شديدُ الضغن على المسلمين، فغاظه ما رأى من اُلفةِ الأوس والخزرج، واجتماعهم وتوادُدِهم، وصلاح ذاتَ بينهم على الإسلام بعد الّذي كان بينهم من العداوةِ الطويلةِ في الجاهلية، فأمر فتى من يهود كان معهم فقال له: إعْمِدْ إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يومَ بعاث(1) وما كان قبله وأنشدهم بعضَ ما كانوا تقاولوا وتبادلوا فيه من الاشعار!! ايقاعاً بين هاتين الطائفتين من الأنصار، وإثارة لنيران الاحقاد الدفينة، والعداوات الغابرة .

ففعل ذلك الغلامُ اليهوديُ ما أمره به «شاس» فتكلمَ القومُ عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، وتواثبَ رجلان من القبيلتين على الرُكَب وأخذ كل منهما يهدّدُ الآخر، وتفاقم النزاعُ، وغضب الفريقان وتصايحا، وقاما إلى السلاح وكاد أن يقع قتالٌ ودمٌ بعد أن ارتفعت النداءات القبلية بالاستغاثة والاستنجاد على عادة الجاهلية، فبلغ ذلك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعرف بمكيدة اليهود، ومؤامرتهم الخبيثة هذه، فخرج إلى تلك الجماعة المتصايحة من الأوس والخزرج في جمع من أصحابه المهاجرين فقال:


1- قد مرّ ذكر هذه الوقعة وقلنا: هو يوم اقتتلت فيه الأوسُ والخزرج وكان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج .


(31)

«يا معشر المسلمين، اللّهَ اللّهَ اَبِدَعوى الجاهليةِ وأنا بينَ أظهِرُكُم بَعدَ أن هَداكُم لِلإسلام، وأكرَمَكُم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهِليّة، واستنقذكُم به من الكُفر، وألَّف بينَ قُلُوبِكُم؟؟» .

فعرف القومُ أنها مؤامرة مبيَّتة من اليهود اعداءِ الإسلام والمسلمين، وكيدٌ خبيثٌ منهم، فندموا على ما حدث، وبكَوا وعانَق الرجال من الأوس والخزرج بعضهُم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سامعين مطيعين، وأطفأ اللّهُ عنهم كيدَ أعدائهم(1) .

إلاّ أن مؤامرات اليهود لم تتوقف عند هذا الحدّ، ولم تنته بهذا، فقد اتسعت دائرة خيانتهم وجنايتهم، ونقضهم للعهد وأقاموا علاقات سرية وخاصة مع مشركي الأوس والخزرج، ومع المنافقين والمترددين في اسلامهم واعتقادهم، واشتركوا بصورة صريحة في اعتداءات قريش على المسلمين ،وفي الحروب الّتي وقعت بين الطرفين، وكانوا يُقدّمون كل ما أمكنهم من الدعم والمساعدة للوثنيين، ويعملون لصالحهم!!

وقد جَرّت هذه النشاطاتُ السرّية والعلنيةُ المضادَّةُ المعاديةُ للاسلام والمسلمين، وهذا التعاون المشؤوم مع مشركي قريش، جرّت إلى وقوع مصادمات وحروب دامية بين المسلمين والطوائف اليهودية أدت في المآل إلى القضاء على الوجود اليهودي في المدينة .

وسيأتي ذكر هذه الحوادث في وقائع السنة الثالثة والرابعة من الهجرة، وسيتضح هناك كيف أن الجماعة اليهودية ردت على الجميل الّذي تعكسه كلتا المعاهدتين من أولهما إلى آخرهما، بنقض العهد، ومعاداة الإسلام والمسلمين، والتآمر ضدّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّة، وبنصرة أعدائه، ودعم خصومِه، الأمرُ الّذي أجبر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على تجاهل تلك المعاهدات الودية والإنسانية ومن ثم محاربتهم، وإخراجهم من المدينة وما حولها والقضاء على


1- السيرة النبوية: 1 / 555 ـ 557 .


(32)

ما تبقي مِن كياناتهم الشريرة .

لقد أقام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة من ربيع الأول من السنة الاُولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية حتّى بنى المسجد والبيوت والمنازل المحيطة بها، وقد أسلم في هذه الفترة كلُ من تبقّى من الأوس والخزرج، ولم تبق دارٌ من دور الانصار إلاّ أسلم أهلُها، ما عدا بعض العوائل والفروع ممن بقوا على شركهم، ولكنهم أسلموا بعد معركة بدر(1) .


1- السيرة النبوية: 1 / 500 .


(33)

حوادث السنة الثانية من الهجرة

27

مناوراتٌ عسكرية

واستعراضاتٌ حربية

الهدفُ من هذا الفصل هو شرحُ وبيان الأسرار الكامنة وراء سلسلة الاستعراضات الحربية، والمناورات العسكرية، الّتي قام وأمر بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد بدأت هذه المناورات منذ الشهر الثامن من الهجرة واستمرت حتّى شهر رمضان من السنة الثانية، وتعد في الحقيقة أول مناورات عسكرية، وعروض حربيّة قام بها المسلمون .

إن التفسير الصحيح لهذه الوقائع، وبيان رموزها وأسرارها انما يتيسَّر إذا طالعنا نص ما كُتِبَ حول هذه الوقائع في المصادر التاريخية من دون زيادة أو نقصان ثم نعرض على القارىء الكريم رأي المحققين من المؤرخين فيها .

وإليك فيما يأتي خلاصة هذه الحوادث :

1- لم يكن يمضي على إقامة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة أكثر من ثمانية أشهر عندما عقد النبىّ أوّل لواء لقائد عسكرىّ شجاع هو «حمزة بن عبدالمطلب» وقد أمّره على ثلاثين رجلا من المهاجرين بعثهم إلى سواحل البحر الأحمر حيث الطرق التجارية الّتي تمر فيها قافلة قريش التجارية، فالتقوا قافلة قريش في «العيص» فيها أبوجهل في ثلاثمائة رجل من أهل مكة، فاصطفّوا


(34)

للقتال، ولكنهما تفرقا ولم يقع قتال لوساطة قام بها «مجدىّ بن عمرو» الّذي كان حليفاً للفريقين، فانصرف حمزة راجعاً إلى المدينة، وتوجّه أبوجهل في عيره وأصحابه إلى مكة(1) .

تهديد خطوط قريش التجارية

غزوة بدر:

إنقضت السنة الاُولى من الهجرة بكل حوادثها الحلوة والمرة، والمسرّة والمحزنة، ودخل النبىّ وأصحابهُ العامَ الثاني من الهجرة .

والسنة الثانية من الهجرة تتضمن حوادث عظيمة وباهرة، ومن أبرزها حادثتان تحظيان بمزيد من الاهمية احداهما: تغيير القبلة والاُخرى وقعة بدر الكبرى .

ولكي تتضح أسباب وعلل معركة بدر نذكر سلسلةً من الوقائع الّتي وقعت قبلها، إذ بتحليلها ودراستها تتضح أسباب معركة بدر .

لقد كان من بين الحوادث الّتي وقعت في أواخر السنة الاُولى وبدايات السنة الثانية من الهجرة: بعث «الدوريات العسكرية» إلى خطوط قريش التجارية(2) والآن يجب أن نرى ما هو هدف الحكومة الإسلامية من هذه البعوث


1- السيرة النبوية: 2 / 222 فما بعد، بحارالأنوار: 19 / 186 ـ 190، امتاع الاسماع: ص 51، الكامل في التاريخ: 2 / 77 و 78 والمغازي للواقدي: 1 / 9 ـ 19 .
2- لقد بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دوريات عسكرية عديدة إلى ضواحي المدينة وأطرافها لتهديد قوافل قريش التجارية .
وقد كان ينبغي ـ طبقاً للترتيب الموضوعي والتسلسل التاريخي ـ أن نذكر بعض السرايا مثل سرية حمزة وسرية عبيدة بن الحارث في فصل وقائع السنة الاُولى للهجرة، بيد أنه لوجود مناسبة بينها وبين حوادث السنة الثانية ذكرناها في أحداث السنة الثانية .
هذا مضافاً إلى أن ابن هشام ـ تبعاً لابن أسحاق ـ يرى وقوع هذه الحوادث في السنة الثانية من الهجرة وان كان الواقدي يعتبر بعضها من حوادث السنة الاُولى .


(35)

العسكرية .

هناك مصطلحان رائجان في كتابات المؤرخين وكُتّاب السيرة أكثر من أي مصلطح آخر وهما لفظة: «الغزوة» و «السريّة»(1).

والمقصود من «الغزوة» تلك العمليات العسكرية الّتي كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يشارك فيها بنفسه، ويتولى قيادتها بشخصه .

على حين يكون المقصود من «السريّة» إرسال مجموعات عسكرية وفرق وكتائب نظاميّة لا يشترك فيها رسول اللّه بنفسه بل يؤمِّرُ عليها أحدَ قادته العسكريّين ويوجّهها إلى الوجهة الّتي يريدُها .

وقد اُحصيت غزواتُ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فكانت (27) أو (26) غزوة .

ويعود الاختلاف في العدد إلى أن بعض المؤرخين يعتبر غزوة «خيبر» و غزوة «وادي القرى» اللتين حدثتا تباعاً ومن دون فاصلة غزوتين والبعض الآخر عدَّهما غزوةً واحدةً(2) .

وقد وقع نظير هذا الخلاف في تعداد سرايا النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أيضاً فأحصى المؤرخون (35)، (36)، (48)، و حتّى (66) سرية .

ويعود هذا الاختلاف إلى أن بعض السرايا لم يُحسب لها حساب لقلّة أفرادها، ولهذا حدث هذا الاختلاف في العدد .

من هنا كلّما ذكرنا لفظَ السرّية قصدنا منه مالم يشارك فيه النبىّ، وكلما ذكرنا لفظَ الغزوة قصدنا منه ما شارك فيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بنفسه .

وقد أحجمنا عن ذكر السرايا إلاّ سرايا السنوات الاُولى من الهجرة لأن في بيان هذه الطائفة من السرايا أثراً مهماً في تفسير بعض الغزوات مثل غزوة «بدر» .

وإليك بيان هذه السرايا والغزوات وشرح تفاصيلها .


1- راجع المحبَّر: 110 ـ 116 .
2- مروج الذهب: 2 / 287 و 288 .


(36)

2- في نفس الوقت الّذي بعث فيه رسولُ اللّه سريّة حمزة، عقد لواءً آخر لعبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب، وبعثه في ستين راكباً من المهاجرين بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية، فسار حتّى بلغ ماءً بالحجاز بأسفل «ثنية المُرة»(1).

فلقي بها جمعاً عظيماً من قريش يبلغ مائتين بقيادة أبي سفيان، ولكن لم يكن بينهم قتال إلاّ أن «سعد بن أبي وقاص» رُميَ يومئذ بسهم، كما أنه التحق رجلان مسلمان كانا في صفوف أبي سفيان بالمسلمين وقد خرجا مع الكفار وجعلا ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين والالتحاق بهم(2) .

3ـ بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في شهر ذي القعدة في السنة الاُولى من الهجرة سريّة اُخرى بقيادة «سعد بن أبي وقاص» على رأس ثمانية أشخاص آخرين من المهاجرين للتحقيق في تنقلات قريش ورصد تحرّكاتها خارج المدينة، فخرجوا حتّى بلغوا منطقة «الخرّار» ولكنهم لم يجدوا أحداً فعادوا إلى المدينة (3) .

النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يلاحق قريشاً بنفسه:

4ـ في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة استعمل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على المدينة «سعد بن عبادة» وأناط إليه ادارة اُمورها الدينية وخرج بنفسه مع جماعة من المهاجرين والأنصار، لملاحقة ركب قريش التجاري واعتراضه، وعقد معاهدةَ موادعة مع «بني ضمرة» حتّى بلغ الابواء، ولكنه لم يلق أحداً من قريش، فرجع ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو ومن معه إلى المدينة(4) .

5- وفي شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة استعمل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مرة اُخرى على المدينة: «السائب بن عثمان» أو «سعد بن معاذ» وخرج هو على رأس مائتين من الرجال يريد قريشاً حتّى بلغ بَواط (وهو جبلٌ من جبال


1- المحبر: 116 .
2- السيرة النبوية: 1 / 591 .
3- المحبر: 116 .
4- تاريخ الخميس: 1 / 363 نقلا عن ابن اسحاق .


(37)

بقرب ينبع على بُعد 90 كيلومتراً من المدينة تقريباً) ولكنه لم يظفر بقافلة قريش الّتي كان يقودُها «اُميّة بن خلف» وعلى رأس مائة رجل من قريش، فرجع إلى المدينة .

6- وفي منتصف شهر جمادى الاُولى من السنة الثانية للهجرة جاءَ الخبر أن قافلة قريش التجارية تخرج من مكة بقيادة أبي سفيان تريد الشام للتجارة، وقد جمعت قريش كل أموالها في تلك القافلة، فخرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في جمع من أصحابه لاعتراضها حتّى بلغ «ذات العشيرة» وقد استعمل على المدينة هذه المرة «أبا سلمة بن عبدالأسد»، وبقي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في ذات العشيرة إلى أوائل شهر جمادى الآخرة ينتظر قافلة قريش، ولكنه لم يظفر بها، ثم وادَعَ فيها بني مدلج وعقد معاهدةَ عدم اعتداء ذكرتها المصادر التاريخية بالنص(1) .

وقال ابن الأثير: في هذه الغزوة (والمكان) نزل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وجماعته في بواط عند عين فنام علي وعمّار فوجدهما رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نائمين في رقعاء من التراب فايقظهما، وحرّك عليّاً فقال: قم يا أبا تراب ألا اخبرك باشقى الناس: اُحيمر ثمود عاقر الناقة، والّذي يضربك على هذه [يعني قرنه ]فيخضِّب هذه منها [يعني لحيته](2) .

7- بعد أن رجع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة بعد اليأس من قافلة قريش لم يقم بالمدينة ألاّ ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتّى هاجم «كرز بن جابر الفهري» على ابل أهل المدينة ومواشيهم الّتي كانت قد سرحت للرعي بالغداة .

فخرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في طلبه وقد استعمل على المدينة زيد بن حارثة حتّى بلغ واديا من ناحية بدر وفاته كرز بن جابر فلم يدركه ثم رجع ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومن معه إلى المدينة فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجباً


1- السيرة النبوية: 1 / 598، تاريخ الخميس: 1 / 363 .
2- الكامل: 2 / 112 والمستدرك على الصحيحين: 3 / 140 و 141 .


(38)

وشعبان(1) .

8- وفي شهر رجب من السنة الثانية للهجرة بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «عبداللّه بن جحش» على رأس ثمانية رجال من المهاجرين لملاحقة قافلة قريش التجارية، وقد كتب له كتاباً بالمهمة الّتي يجب ان ينفّذها، وأمره أن لا ينظر فيه قائلا له:

«قد استَعمَلتُكَ على هؤلاء النَفَر فامضِ حتّى إذا سرتَ ليلتين فانشُر (إي افتح) كتابي ثم امض (اي نفّذ) لما فيه» .

ثم عيّن له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الوجهة الّتي يجب أن يتوجّه اليها .

فانطلق عبدُاللّه ورفقاؤه وساروا يومين كاملين كما أمرهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ثم فتح عبداللّه كتاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقرأ ما فيه، فاذا فيه:

«إذا نَظَرتَ في كتابي هذا فامض حتّى تنزلَ نَخلَة بينَ مكّة والطائِفَ على اسم اللّه وبركته فترصَّد بها قريشاً، وتعلّم (أي حصّل) لنا من أخبارهم ولاُتكرهنّ أحداً من أصحابكَ(2) وامضَ لأمري فيمن تبعك» .

فلما قرأ الكتاب قال لاصحابه: قد أمرني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن امضيَ إلى نخلة أرصد بها قافلة قريش حتّى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن استكره أحَداً منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فَلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع فأمّا أنا فماض لأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومن أرادَ الرجعة فمن الآن .


1- السيرة النبوية: 1 / 601، الطبقات الكبرى: 2 / 9، وقد عدّ بعض المؤرخين هذه الحادثة ضمن الغزوة الّتي عُرفت في التاريخ باسم غزوة صفوان أو غزوة بدر الأولى .
2- يقال إنه كان الجنود ـ إلى حين الحرب العالمية الثانية ـ إذ انتهوا من خدمتهم العسكرية تُسَلَّم اليهم مع وثيقة الانتهاء من الخدمة العسكرية رسالة مغلقة مختومة يؤمر الجندي فيها بالمحافظة عليها كأمانة عسكرية لا يجوز له فتحها إلاّ عند حالات النفير العام، والعمل بمضمونها وقد سبق النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى هذا التكتيك العسكرىّ في أعماله النظامية.


(39)

فقال أصحابه اجمعون: نحن سامعون مطيعون للّه ولِرسوله ولكَ فسِر على بَرَكة اللّه حيث شئتَ، فسارَ هو ومن معه لم يتخلَّف منهم أحدٌ حتّى جاء نخلة فوجد قافلةً لقريش يرأسها «عمرو بن الحضرمي» وهي عائدة من الطائف إلى مكة، فنزل المسلمون بالقرب منهم، ولكي لا يكتشفهم العدوّ، ولا يعرف بأمرهم ومهمّتهم حلقوا رؤوسهم ليتصوّر العدو أنهم عمّار يعتزمون الذهاب إلى مكة للعمرة فلما رآهم رجالُ قريش على هذه الحال اطمأنوا وأمنوا جانبهم وقالوا: عُمّارٌ لا بأس عليكم منهم .

ثم تشاور المسلمون فيما بينهم في جلسة عسكرية للنظر فيما يجب عمله فتبين لهم: أنهم إذا تركوا القوم (أي قريشاً) في تلك الليلة (وكانت آخر ليلة من شهر رجب) لدخلوا الحَرَم، ولم يمكن قتالهم فيه، وان خرج الشهر الحرام .

فأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، من هنا باغتوا تلك القافلة، ورمى «واقدُ بن عبداللّه» قائدها «عمرو بن الحضرمي» بسهم فقتله، وفرَّ رجالُه إلاّ نفرين هما: «عثمان بن عبداللّه» و «الحكم بن كيسان» حيث أسرهما المسلمون، وعاد عبداللّه بن جحش وأصحابه بالقافلة مع ما فيها من أموال قريش والاسيرين إلى المدينة .

ولما قدموا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة وأخبروه بأنهم قاتلوا القومَ في الشهر الحرام (رجب) انزعج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من تصرف قائد المجموعة وعدم استفساره لما يجب أن يفعله بشدَّة وقال:

«ما أمرتُكُم بِقتال في الشهرِ الحرام» .

وقد استخدَمت قريش هذه القضية كسلاح دعائىّ ضدَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واشاعت بأنَّ «محمَّداً» وأصحابه قد استحلّوا الشهرَ الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا الاموال كما أنه تشاءم اليهود بهذه القضية وأرادوا أن يثيروا فتنةً، وعاب المسلمون على «عبداللّه بن جحش وأصحابه» فعلتهم هذه من جانب ومن جانب آخر وقَف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الاموالَ والأسيرين


(40)

وابى أن يأخذ من كل ذلك شيئاً وبقي ينتظر الوحي:

وفجأة نزلَ جبرئيل بهذه الآية:

(يَسْأْلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتال فيه قُلْ قِتالٌ فيهِ كبير وَصَدٌّ عَنْ سَبيلِ اللّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إخْراجُ أهْلِهِ أكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَ الْفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ).(1)

أي إِن كُنتم قَتلُتم في الشهر الحرام، فقد صَدّوكم عن سبيل اللّه مع الكفر به وصدّكم عن المسجد الحرام، واخراجُكم منه وأنتم اُهله أكبرُ عنداللّهِ مِن قتل من قُتِلَ منهم «وَالفِتنَةُ أكبَرُ مِنَ القَتلِ» أي ما كانوا يرتكبونه من فتنة المسلم في دينِه حتّى يردُّونَه إلى الكفر بعد إيمانه أكبر عنداللّه من القتل .

ولما نزل القرآنُ بهذا الأمر، وفرّج اللّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الخوف والحيرة قبض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الأموالَ،والأسيرين وقسمها بين المسلمين، وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون .

وبعثت قريشٌ إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في فداء أصحابهم فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لَن نفديهما حتّى يَقدمَ صاحبانا» .

يعني رجلين من المسلمين كانا قد اُسِرا من قِبَل قريش، قد اشتركا في هذه العمليّة ولكنهما اضلا طريقهما في الصحراء فأسرتهما رجال من قريش .

وهكذا أبى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يطلق سراح أسيرَي قريش لقاء فدية إلاّ إذا أطلق المشركون أسيرَي المسلمين. قائلا لموفدي قريش:

«إنّي أخافُ على صاحِبَيَّ فَإن قَتَلتُم صاحِبىَّ قَتلتُ صاحِبيَكُم».

فاضطرت قريشٌ إلى الافراج عن المسلمَين الأسيرَين، ومع وُصولهما إلى المدينة أفرجَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن أسيرَي قريش .

ومن حُسن الحَظ أنَّ إِحدى ذينِكَ الأسيرَين أسلمَ ورَجَعَ الآخر إلى مكة(2) .


1- البقرة: 217 .
2- المغازي: 1 / 13 ـ 18، السيرة النبوية: 1 / 603ـ 605 .


(41)

ماذا كان الهدف من المناورات العسكرية؟

لقد كان الهدفُ الاساسي من بعث وتوجيه السرايا، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات العسكرية مع القبائل القاطنة على خطوط التجارة المكية هو ايقاف قريش على قوة المسلمين العسكرية، واشتداد ساعِدِهم، وخاصة عندما كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يشترك بنفسه في العمليات، ويترصّد مع مجموعات كبيرة من أنصاره تحركات قريش الاقتصادية، ويعترض قوافلها التجارية .

لقد كان رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يريد بذلك إفهام حكومة مكة الوثنية بأن جميع طرق التجارة المكية هي في متناول يده، وانه يستطيع ـ متى شاء ـ أن يُشلّ اقتصاد المكيين بتعريض خطوطهم وطرقهم التجارية، للتهديد الجدّي .

ولقد كانت التجارة أمراً حَيَويّاً وحساساً جداً بالنسبة إلى أهل مكة، وكانت البضائع الّتي تنقل منها إلى الطائف والشام تشكّل اساسَ الاقتصاد المكّي، فاذا كانت هذه الخطوط تتعرض للتهديد من قِبَل العدوّ وحلفائه مثل «بني ضمرة» و «بني مدلج» فان ذلك كان يعني انهدام وانهيار حياتهم .

لقد كان الهدف من بعث تلك الدوريات العسكرية هو: أن تعرف قريش بأن طريق تجارتها الرئيسية هي الآن تحت رحمة المسلمين، فاذا استمرُّوا في معاداتهم للاسلام وللمسلمين وحالوا دون انتشار الإسلام والدعوة إليه واستمروا في ايذاء من تبقّى من المسلمين المستضعفين والعجزة في مكة واضطهادهم، قطع المسلمون شريان اقتصادهم .

والخلاصة: أنّ الهدف كان هو أن تعيد قريشٌ النظر في مواقفها في ضوء الحالة الجديدة، والتهديد العسكرىّ الاسلامي الجدّي، وتترك للمسلمين الحرية في الدّعوة إلى عقيدتهم، وتفتح الطريقَ لزيارة بيت اللّه الحرام، ونشر التوحيد ليستطيع الإسلام بمنطقه القوىّ، والمحكم أن ينفذ في القلوب، ويتجلّى نورُ الإسلام ويشعَّ على جميع نقاط شبه الجزيرة العربية، وربوعها، وبخاصة منطقة


(42)

الحجاز مركز الجزيرة، وقلبها النابض .

فان المتكلم مهما كان قوىَّ المنطق، سديد البرهان وأنَّ المربّي والمرشد مهما كان مخلصاً مجداً فانّه لا يستطيع أن يحرز اي نجاح في تنوير العقول، وتهذيب النفوس وبث الفكر الصحيح إذا لم تتوفّر له حرية العمل، ولم تتهيا له البيئةُ المطمئِنّة وأجواءُ الحرّية والديمقراطية .

ولقد كان الاضطهادُ والكبتُ وسلبُ الحريات الّتي كانت تمارسها قريش هي الموانع الكبرى أمام تقدُّم الإسلام وسرعةِ انتشارِ نفوذه، وكان الطريق إلى كسر هذا السدّ، وإزالة هذا المانع ينحصر في تهديد إقتصادها وتعريض خطوطِها التجارية، للخطر، وكانت هذه الخطة تتحقق فقط عن طريق القيام بتلك المناورات العسكرية والاستعراضات الحربية، والعمليات الاعتراضية .

نظرية المستشرقين:

ولقد وقع المستشرقون عند تحليلهم لهذه العمليّات في خطأ كبير، وتفوّهوا نتيجة ذلك بكلام يخالف القرائن والشواهد الموجودة في التاريخ .

فهم يقولون: لقد كان هدف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من مصادرة أموال قريش، والسيطرة عليها هو تقوية نفسه .

في حين أنَّ هذا الرأي لا يلائم نفسيّة أهل يثرب لأنَّ الغارَة، وقطع الطريق، واستلاب الأموال، من شيم الاعراب أهل البوادي، البعيدين عن روح الحضارة، وقيم المدنية وأخلاقها، بينما كان مسلمو يثرب عامة، أهل زرع، وفلاحة، ولم يُعهَد منهم أن قطعوا الطرق على القوافل، أو سلبوا أموال القبائل الّتي كانت تعيش خارج حدودها .

وأما حروب الأوس والخزرج فقد كان لها أسبابٌ وعلل محليّة، وقد كان اليهودُ هم الذين يؤججون نيرانها، بغية إضعاف القوى والصفوف العربية وتقوية نفسها وموقعها.

ومن جانب آخر لم يكن المسلمون المهاجرون الذين كانوا حول الرسول


(43)

ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينوون ملافاة ما خسروه، رغم أنَّ ثرواتِهم وممتلكاتهم كانت قد صودِرت من قِبَل المكيين، ويدل على ذلك أنهم لم يتعرضوا بعد معركة «بدر» لأيّة قافلة تجارية لقريش .

كيف لا وقد كان الهدف وراء أكثر هذه البعوث والارساليات العسكرية هو تحصيل وجمع المعلومات، عن العدوّ وتحركاته وخططه، والمجموعات الّتي لم يكن يتجاوز عدد أفرادها غالباً الثمانية أو الستين أو الثمانين رجلا لا يمكنها قطع الطريق، واستلاب الاموال، ومصادرة القوافل التجارية الكبرى الّتي كان يقوم بحراستها رجال أكثر عدداً وأقوى عُدّة من تلك السرايا، بأضعاف المرّات غالباً .

فاذا كان الهدف هو الحصول على المال والثروة من هذا الطريق فلماذا خُصَّت قريش بذلك، ولم يعترض المسلمون تجارة غيرهم من القبائل المشركة؟

ولماذا لم يمس المسلمون شيئاً من أموال غير قريش .

وإذا كان الهدف هو الغارة، وقطع الطريق واستلاب الأموال، فلماذا كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يبعث المهاجرين فقط، ولا يستعين بأحد من الأنصار في هذا المجال غالباً ؟

وربما قال هؤلاء المستشرقون: ان المقصود من هذه العمليات الاعتراضية كان هو الانتقام من قريش، لأنّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه تعرّضوا على أيدي المكيين لألوان التعذيب والاضطهاد والأذى، فدفعتهم غريزة الانتقام والثأر ـ بعد أن حصلوا على القوة ـ إلى تجريد سيوفهم، للانتقام من الذين طالما اضطهدوهم، وليسفكوا منهم دماً!!

ولكن هذا الرأي لا يقل في الضعف والوَهن والسخافة عن سابقه، لأنّ الشواهد والقرائن التاريخية الحيّة العديدة، تكذّبه وتفنّده، وتوضّح ـ بجلاء ـ أن الهدف من بعث تلك السرايا والدوريات العسكرية لم يكن أبداً القتال والحرب، والانتقام وسفك الدماء .

واليك مايدلُّ على بطلان هذه النظرية :


(44)

أوّلا:

إذا كان هدف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من بعث تلك المجموعات العسكرية هو القتال واستلاب الاموال واخذ المغانم، وجب أن يزيد في عدد أفراد تلك المجموعات، ويبعث كتائب عسكرية مسلَّحة، ومجهزة تجهيزاً قوياً، إلى سيف البحر، وشواطئه على حين نجد أنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعث مع «حمزة بن أبي طالب» ثلاثين شخصاً، ومع «عُبيدة بن الحارث» ستين شخصاً، ومع «سعد بن أبي وقاص» أفراداً معدودين لا يتجاوزون العشرة، بينما كانت قريش قد أناطت حراسة قوافلها إلى أعداد كبيرة جداً من الفرسان، تفوق عدد أفراد المجموعات العسكرية الإسلامية .

فقد واجه «حمزة» ثلاثمائة، وعبيدة مائتين رجلا من قريش، وقد ضاعفت قريش من عدد المحافظين والحرس على قوافلها خاصة بعد أن عرفت بالمعاهدات والتحالفات الّتي عقدها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع القبائل القاطنة على الشريط التجارىّ؟!

هذا مضافاً إلى أنّه لو كان قادة هذه البعوث والدوريات مكلَّفين بمقاتلة العدوّ فلماذا لم يسفك من أحد قطرة دم في أكثر تلك البعوث والعمليات ولماذا انصرف بعضهم لوساطة قامَ بها «مجدي بن عمرو» بين الطرفين؟!

ثانياً:

ان كتاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي كتبه لعبداللّه بن جحش شاهدٌ حىٌّ على أن الهدف لم يكن هو القتال، والحرب .

فقد جاء في ذلك الكتاب: «إنزِل نَخلَة بين مكة والطائف فترصَّد بها قريشاً وتعلم (اي حصّل) لنا من أخبارهم» .

إن هذه الرسالة توضّح بجلاء أنَّ مهمة عبداللّه وجماعته لم تكن القتال قط، بل كانت جمع المعلومات حول العدوّ وتنقلاته وتحركاته، أي مهمة استطلاعية حسب .

واما سبب الصدِام في «نخلة» ومصرع عمرو الحضرمي فقد كان القرار الّذي أخذته الشورى العسكرية الّتي عقدتها نفس المجموعة، وليس بقرار وأمر من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .


(45)

ومن هنا انزعج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بمجرد سماعه بنبأ هذا الصِدام الدموي ولامهم على فعلتهم وقال:

«ما أمَرتُكُم بِقتال».

ويؤيّد هذا ما ورد في مغازي الواقدي عن سليمان بن سحيم أنه قال: ما أمرهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالقتال في الشهر الحرام، ولا غير الشهر الحرام إنما أمرهم أن يتحسّسوا أخبار قريش(1) .

والعلة في أن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يختار لهذه الدوريات والبعوث رجالا من المهاجرين دون الأنصار هي أن الانصار قد بايعوا في العقبة على الدفاع، أي أن معاهدتهم مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كانت معاهدة دفاعية تعهّدوا بموجبها بأن يمنعوه من أعدائه ويدافعوا عنه إِذا قصدَهُ عدوٌّ .

من هنا ما كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يريد أن يفرضَ عليهم مثل هذه المهمات، ويبقى هو في المدينة، ولكنه عند ما خرج ـ فيما بعد ـ بنفسه أخذ معه جماعةً من رجال الانصار تقوية لروابط الاخوة والوحدة بين المهاجرين والأنصار، ولهذا كان رجاله في غزوة «بواط» أو «ذات العشيرة» يتكونون من الأنصار والمهاجرين .

وعلى هذا الاساس يتضح بطلان نظرية المستشرقين حول الهدف من بعث الدوريات العسكرية .

كما أنَّ بالتأمل والامعان في ما قلناه يتضح أيضاً بطلان ما قالوه في هذا المجال في تلك العمليات الّتي شارك فيها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بنفسه، إذ أن الذين خرجوا معه ما كانوا ينحصرون في المهاجرين خاصه بل كانوا خليطاً من المهاجرين والأنصار، والحال أن الأنصار لم يبايعوا النبىّ على القيام بأية عملية هجوميّة ابتدائية، بل كل ما بايعوا عليه النبىّ كما قلنا هو: العمل الدفاعي،


1- المغازي: 1 / 16 .


(46)

فكيف يصح أن يدعوهم النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى عمليات قتالية إبتدائية هجوميّة.

وتشهد بما نقول حادثةُ وقعة بدر الّتي سنشرحها في ما بعد، فما لم يعلن الأنصار عن موافقتهم على قتال قريش لم يقرر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحرب، في تلك الواقعة .

هذا والسبب في تسمية أصحاب السير والتواريخ هذا النوع من العمليات الّتي خرج فيها النبىّ بنفسه (غزوة) وان لم يقع فيها قتالٌ وغزوٌ، هو أنّهم أرادوا أن يجمعوا كل الحوادث تحت عنوان واحد، وإلاّ فلم يكن الهدف الاساسىّ من هذه العمليات هو الحربُ والقتال، أو السيطرة على الأموال وسلبها .


(47)

28

تحويل القبلة

من بيت المقدس إلى الكعبة

لم يكن قد مضى على هجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة عدة أشهر إلاّ وبدأت نغمة معارضة اليهود للنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تظهر شيئاً فشيئاً!!

وفي الشهر السابع عشر من الهجرة بالضبط(1) أمر اللّه تعالى نبيَّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالأمر المؤكَّد القاطع بأن يتحول إلى الكعبة ويتخذها من الآن فصاعداً قبلةً له وللمسلمين كافة، فيتوجهون إلى المسجد الحرام في أوقات الصلوات .

هذا هو مجمل القصة، واليك بيانها على وجه التفصيل .

صلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ثلاثةَ عَشَر عاماً كاملة في مكة نحو بيت المقدس .

وبعد الهجرة إلى المدينة كان الأمر الإلهىّ له هو أن يبقى على الحالة من حيث القبلة، أي أن يصلي إلى بيت المقدس، كما كان يفعل في مكة .

وقد كان هذا الاجراء نوعاً من المحاولة لاقامة التعاون والتقارب بين الدينين


1- الطبقات الكبرى: 1 / 241 و 242، إعلام الورى باعلام الهدى: 71 و 72. ويقول ابن هشام في السيرة النبوية: ان القبلة صُرِفت عن الشام إلى الكعبة في رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة (السيرة النبوية: 1 / 606) ويرى ابن الاثير أن ذلك حدث في منتصف شهر شعبان (الكامل: ج 2 ص 80) .


(48)

القديم والجديد،ولكن تنامي قوة المسلمين واشتداد ساعدهم أحدث رعباً كبيراً، وأوجد قلقاً واسعاً في أوساط اليهود القاطنين في المدينة لأن تقدّم الإسلام والمسلمين المطرّد كان يدلّ على أن الدين الاسلامي سيعمّ في أقرب وقت كل أنحاء شبه الجزيرة العربية، وستتقلّص (بل تزول) في المقابل قوة اليهود وسلطانهم، ومكانتهم، من هنا نصب أحبارُ اليهود العداوة لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وعمدوا إلى ممارسة سلسلة من الأعمال الإجهاضية والإيذائية .

لقد أخذوا يؤذون رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين بمختلف أنحاء الطرق وبشتى الوسائل والسبل، والمعاذير والحجج ومن جملتها التذرع بقضيّة صلاة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين إلى بيت المقدس .

فكانوا يقولون معيّرين إياه: أنتَ تابعٌ لنا تصلي إلى قبلتنا!!

أو كانوا يقولون: تخالفنا يا محمَّد في ديننا وتتبع قبلتنا(1) .

فشقّ هذا الكلام على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واغتم لذلك غماً شديداً فكان يخرج من بيته في منتصف الليل ويتطلع في آفاق السماء ينتظر من اللّه أمراً ووحياً في هذا المجال كما تفيد الآية الآتية:

«قَد نَرى تَقَلُّبَ وَجهِكَ فِي السماء فَلَنُوَلِيْنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها»(2)

ويُستفاد من الآيات القرآنية في هذا المجال أنه كان لتغيير القبلة مضافاً إلى الردّ على دعوى اليهود سببٌ آخر أيضاً .

وهو أن هذه المسألة كانت من المسائل الاختبارية الّتي اراد اللّه تعالى بها ان يمتحن المسلمين، ويميّز المؤمن الواقعي الحقيقي عن أدعياء الايمان، المنتحلين له كذباً ونفاقاً، وأن يعرف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ به من حوله معرفةً جيدةً لأن إتباع النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الأمر الثاني الّذي نزل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في أثناء الصلاة (وهو التوجه إلى المسجد الحرام) كان علامة قوية


1- مجمع البيان: 1 / 255 أو: مادرى محمَّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم .
2- البقرة: 144 .


(49)

من علامات الايمان والتسليم، والاخلاص والوفاء للدين الجديد .

بينما كانت مخالفته علامةً قويةً من علامات النفاق والتردّد كما يصرّح القرآن الكريم بنفسه بذلك إذ يقول:

(وَ ما جَعَلْنا القِبْلة الّتي كُنْتَ عَلَيْها إلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتّبعُ الرَّسولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَ اِنْ كانَتْ لَكَبيرَة إلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ)(1) .

ومن المسلَّم أنه يمكن الوقوف على حِكَم اُخرى لهذا الأمر (أي صرف القبلة من الشام إلى الكعبة) إذا تتبعنا تاريخ الإسلام بشكل أوسع، وطالعنا أوضاع شبه الجزيرة العربية .

ويمكن الاشارة إلى بعض هذه الحِكَم مضافاً إلى ما ذكرناه:

أولا:

أن الكعبة الّتي رفعت قواعدها على يَدَي بطل التوحيد وناشر لوائه النبىّ العظيم «ابراهيم الخليل» ـ عليه السَّلام ـ كانت موضع احترام وتقديس من المجتمع العربي، فقد كان العرب يحبون الكعبة ويعظمونها غاية التعظيم على ماهم عليه من الشرك والفساد، فكان اتخاذها قبلة من شأنه كسب رضا العرب، واستمالة قلوبهم، وترغيبهم في الإسلام تمهيداً لاعتناق دين التوحيد ونبذ الاوثان والاصنام .

وأىّ هدف، وأية غاية ترى أسمى وأجلُّ من أن يؤمن المشركون المعاندون المتخلفون عن ركب الحضارة والمدنية، وينتشر الإسلام بسببهم في كل أنحاء العالم .

ثانياً:

أن الابتعاد عن اليهود الذين لم يكن يؤمَل في إذعانهم للاسلام، وايمانهم برسالة (محمّد) ذلك اليوم كان يبدو أمراً ضرورياً، لأنهم كانوا يقومون بأعمال ايذائية ضد الإسلام والمسلمين ويطلعون على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- البقرة: 143. ويمكن بيان هذه العلة بصورة اُخرى وهي إنما أُمو بالصلاة إلى بيت المقدس لأن مكة وبيت اللّه الحرام كانت العرب آلفة بحجها فأراد اللّه أن يمتحن بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. (راجع مجمع البيان: 1 / 222 و 223) .


(50)

بين الفينة والاُخرى بأسئلة عويصة يشغلونه بها، يظهرون بها ـ حسب تصورهم ـ أنهم يعرفون اُموراً كثيرة وأنهم علماء، وبذلك يضيّعون على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الوقتَ، ويشغلونه عن مهامه الكبرى .

فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود واجتنابهم، تماماً مثل نسخ صوم يوم عاشوراء الّذي تم لنفس هذا الغرض .

فقد كانت اليهود تصوم يوم عاشوراء قبل الإسلام فأمر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المسلمين بأن يصوموا هذا اليوم أيضاً، ثم نسخ الأمر بصوم عاشوراء وفرض مكانه صوم شهر رمضان(1) .

وعلى كل حال فان الإسلام الّذي يتفوق على جميع الأديان، يجب أن تتجلى فيه هذه الحقيقة بحيث يغدو أمرُ تكامله وتفوقه بادياً للعيان، واضحاً للجميع .

وفي هذه الحالة تصوَّر بعض المسلمين أن ما أتوا به من صلاة وعبادة وهم متجهين إلى بيت المقدس كان باطلا إذ قالوا: كيف بأعمالنا الّتي كنا نعمل في قبلتنا الأولى، أو حال من مضى من أمواتنا وهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس؟!

فنزل الوحىُ الإلهيُ يقول:

«وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضيعَ إيمانكم إنَّ اللّهَ بالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»(2).

ومع ملاحظة هذه الاعتبارات وبينما كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد انتهى من الركعة الثانية من صلاة الظهر، نزل عليه جبرئيل، وأمره بأن يتوجه بالمصلِّينِ معه صوب المسجد الحرام.

وجاء في بعض الاخبار أنَّ جبرئيل أخذ بيد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأداره نحو المسجد الحرام، فتبعه الرجال والنساء الذين كانوا يأتمون به في


1- مجمع البيان: 1 / 273 .
2- البقرة: 143. والمراد من الايمان هنا هو العمل وهو من الموارد الّتي استعمل فيها لفظ الايمان واُريد به العمل .


(51)

المسجد(1) .

فتحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فكان أول صلاته إلى بيت المقدس، وآخرها إلى الكعبة .

ومنذ ذلك الحين جعلت الكعبة المعظمة ـ زاد اللّه من شرفها ـ قبلة مستقلة للمسلمين يتوجهون اليها في كثير من واجباتهم وشعائرهم الدينية(2) .

هذا والغريب أن اليهود الذين كانوا قبل نزول الأمر بالتحوّل من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة يفتخرون على المسلمين بأنهم يصلّون على قبلة اليهود، لما حُوّل المسلمون إلى الكعبة المعظمة، واُمروا بالصلاة اليها دون بيت المقدس أخذوا يعيبون على المسلمين التوجه إلى نقطة مّا في الأرض فردّ اللّه عليهم بقوله:

(سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ النّاس ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتهمْ الّتي كانُوا عليها قُلْ للّه الْمشرق والْمغربُ يهدي من يشاءُ إلى صراط مُستقيم)(3) .

أي ان اللّه فوق الزمان والمكان، والتوجه إلى نقطة خاصة في حالة العبادة انما هو لمصالح اجتماعية خاصة فالصلاة إلى الكعبة توجّه إلى اللّه كالصلاة إلى بيت المقدس بسواء .

كرامةٌ علمية لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

وما ينبغي الاشارة إليه هنا هو: أن العرض الجغرافي للمدينة ـ طبقاً لمحاسبات علماء الفلك القدامى ـ هو 25 درجة، وطولها 75 درجة و 20 دقيقة، ولهذا كانت قبلة المدينة لا توافق محراب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الباقي على حالته السابقة إلى الآن في مسجده الشريف، وقد سبّب هذا الاختلاف حيرةً لدى بعض المتخصصين في هذا العلم، وربما دفعهم إلى ارتكاب توجيهات وتبريرات لرفع هذا الاختلاف .


1- بحارالأنوار: 19 / 201 عن من لا يحضره الفقيه .
2- كالصلاة والذبح ودفن الموتى، والدعاء وغير ذلك .
3- البقرة: 142 .


(52)

ولكن القائد المعروف بسردار الكابلي أثبت في الآونة الأخيرة ـ طبقاً للمقاييس المعروفة اليوم ـ أن خط المدينة الجغرافي على عرض 24 درجة و 57 دقيقة وطول 39 درجة و 59 دقيقة(1) .

وتكون نتيجة هذه المحاسبة هي أن قبلة المدينة تكون في نقطة الجنوب تماماً وتنحرف عن نقطة الجنوب بـ 45 دقيقه فقط .

وهذا الاستخراج الفلكي للقبلة ينطبق على محراب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أفضل تطبيق، ويُعَدُّ هذا من كرامات النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حيث توجه في حالة الصلاة(2) من بيت المقدس إلى الكعبة بصورة دقيقة ومن دون أي انحراف ولا جزئي مغتفر وذلك من دون أية محاسبة فلكيّة، وعلميّة .

وقد أخذ جبرئيل بيده وحوّل وجهه نحو الكعبة المعظمة كما أسلفنا(3) .


1- تحفة الأجلّة في معرفة القبلة: 71، طبعة 1359 .
2- من لا يحضره الفقيه للصدوق: 1 / 178 .
3- وقد نقل الحرّ العاملي في وسائل الشيعة: في أبواب القبلة: 3 / 215 و 216 حادثة تحوّل النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام فراجع .


(53)

29

معركة بدر

معركة «بدر» من معارك الإسلام الكبرى ومن حروبة البارزة، وقد اكتسب الذين شاركوا في هذه المعركة منزلة خاصة بين المسلمين فيما بعد.

فالواقعة الّتي كان يشارك فيها فردٌ أو عدةُ أفراد من المجاهدين في «بدر» أو اذاكانوا يشهدون على أمر قال المسلمون: ووافقنا عليه البدريون .

أجل إن الذين شاركوا في معركة بدر من أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يدعون بالبدريين، ولم يكن هذا إلاّ لاهميّة تلكم الوقعة التاريخية .

وتتضح علة هذه الأهميّة إذا نحن استعرضنا تفاصيل هذه الوقعة .

لقد قلنا في ما سبق أنه بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في منتصف جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، أن قافلة قريش التجارية خرجت من مكة إلى الشام بقيادة «أبي سفيان بن حرب» .

فخرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لملاحقتها إلى «ذات العشيرة» وتوقّف هناك إلى مطلع الشهر التالي، ولم يعثر على تلك القافلة، وقد كان وقت عودة القافلة معلوماً تقريباً، فقد كانت قافلة قريش تعود من الشام إلى مكة في أوائل الخريف .

ومن المعلوم أنّ أوّل خطوة على طريق الانتصار في مثل هذه المحالات هو


(54)

تحصيل اكبر قدر من المعلومات حول العدوّ لأنّ قائد الجيش مالم يعرف شيئاً عن استعدادات العدوّ، ونقطة تمركزه وتواجده، ومعنويات أفراده، فانه ربما ينهزم وينكسر في أول مواجهة .

ولقد كان من أساليب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الرائعة في جميع الحروب والمعارك الّتي ستقرأ تفاصيلها هو جمع المعلومات حول مدى استعداد العدوّ، ومبلغ تهيّؤه ومكان تواجده ،وتمركزه، وهذه مسألة تحظى وإلى اليوم بأهميّة خاصّة في الحروب العالمية والمحلية، بل وترصد لها ميزانيّات كبرى، وتستخدم أجهزة عريضة في عالمنا الحاضر، كما هو معلوم للجميع، وكما أشرنا إلى ذلك فيما سبق .

وقد بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عَيناً له على قافلة قريش اسمه «عدي» ـ حسب رواية المجلسي(1) ـ أو «طلحة بن عبيداللّه» و «سعيد بن زيد» حسب ما قال صاحب «حياة محمّد» نقلاً عن المصادر التاريخية(2)، لإخباره عن مسير تلك القافلة، وعدد حرّاسها ورجالها ونوعية البضائع المحمّلة .

فلما عاد العين أخبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

1- بأن قافلة قريش قافلةٌ كبرى شارك فيها كلٌّ أهل مكّة، حتّى أنه ما من قرشىّ أو قرشية بمكة له مثقال فصاعداً إلاّ بعث به في تلك القافلة .

2- إنّ البضائع يحملُها ألفُ بعير وأنّ قيمتها تبلغ خمسين ألف دينار .

3- وأنه يقودها «أبوسفيان بن حرب» في أربعين رجلا .

وحيث إن أموال المسلمين المهاجرين إلى المدينة كانت قد صُودرت في مكة على أيدي قريش من هنا كان الوقت مناسباً جداً لأن يأخذَ المسلمون أموال قريش في تلك القافلة، ويحتفظوا بها ريثما تفرج قريش عن أموال المسلمين المهاجرين المصادرة بمكة، فاذا لجّوا وأصرّوا في مصادرة أموالِ المسلمين قسَّم


1- بحارالأنوار: 18 / 217 .
2- المغازي: 1 / 19 .


(55)

المسلمون في المقابل أموال قريش المأخوذة فيما بينهم وتصرفوا فيها كغنائم حرب من هنا قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لهم:

«هذا عِيرُ قريش (أي قافلتهم) فيها أموالهم، فاخرجوا اليها لعَلّ اللّه ينفلِكُمُوها»(1).

من هنا استخلفَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة «عبداللّه بن اُمّ مكتوم» للصلاة بالناس، والقيام بالشؤون الدينية، و «أبا لبابة» للقيام بالشؤون السياسية .

ثم خرج من المدينة في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا لمصادرة أموال قريش أو بالاحرى توقيفها وحبسها .

النبىّ يتوجه إلى منطقة ذَفران(2)

لقد ترك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة بعد أن أتاه خبر عن تحرك قافلة قريش، قاصداً وادي ذفران حيث طريق القافلة في يوم الاثنين، الثامن من شهر رمضان، وقد عقد رايتين سلّم إحداهما إلى مصعب بن عمير، والاُخرى (وتسمى العقاب) إلى علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

ولقد كانت المجموعة الّتي خرج بها النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تتألّف من إثنين وثمانين من المهاجرين،ومائة وسبعين من الخزرج، وواحد وستين من الأوس، وكان عندهم ثلاثة أفراس فقط .


1- المغازي: 1 / 20 .
2- وادي ذفران الّذي كان يمرّ به قافلة قريش التجارية يقع على مرحلتين من بدر .
وقد ذكر ابن هشام في سيرته جميع المراحل الّتي طواها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من المدينة إلى ذفران ومنه إلى بدر الّذي ارتحل إليه رسول اللّه بعد أن بلغه نبأ تحرك قافلة قريش .
وبدر كان موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم به سوقٌ كلّ عام يتبايعون فيه ويتفاخرون على غرار سوق عكاظ، وكان يقع على طريق مكة والمدينة والشام. (راجع السيرة النبوية: 1 / 613 ـ 618) .


(56)

ولقد بلغ حبُّ الشهادة عند الاشخاص في المجتمع الاسلامي يومئذ مبلغاً عجيباً حتّى أنّ فتياناً دون الحلم اشتركوا في هذه المعركة، وردّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعضهم إلى المدينة لمّا استصغرهم(1) .

إن كلام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يفيد بانه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد وعدهم بالرخاء والانفراج في المعيشة وذلك عن طريق السيطرة على أموال قريش، وأخذِ بضائعها، وكان المسوّغ لهذا العمل هوما سبق أن ذكرناه، وهو أن قريشاً كانت قد صادرت كل أموال المهاجرين المسلمين في مكة، منقولها وغير منقولها، ومنعت من دخولهم مكة، وخروجهم منها .

ومن الواضح أن يسمح العاقل لنفسه ـ أيّاً كان ـ بأن يعامِلَ عدوه بمثل هذه المعاملة الّتي عامَلَهُ بها العدوُّ .

وأساساً يجب أن نعلم أنّ سبب هجوم المسلمين على قافلة قريش هو أنهم قد ظُلِمُوا وقُهِروا، الأمرُ الّذي يذكره القرآن الكريم أيضاً، ولذلك يسمح للمسلمين بأن يقاتلوا عدوَّهم ويعترضوا تجارتهم إذ يقول:

(اُذِنَ لِلَّذِيْنَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ أَنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقديرٌ)(2).

ولقد كان أبوسفيان قد عرف ـ عند توجهه بالقافلة إلى الشام ـ أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يترصد القافلة، ولهذا اتخذ كافة الاحتياطات عند قفوله ورجوعه من الشام، فكان يسأل القوافلَ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكان إذا رأى أحداً منهم سأله: هل أحسستَ أحداً؟!


1- المغازي: 1 / 21 .
وروي أنه كان الرجل يساهم أباه في الخروج مع النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رغبةً في الجهاد في سبيل اللّه والشهادة فكان ممن ساهم «سعد بن خيثمة» وأبوه في الخروج إلى بدر، فقال سعد لأبيه: انه لو كان غير الجنة آثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا .
فقال خيثمة: آثِرني، وقرّمع نسائك! فابى سعد .
فقال خيثمة: إنه لابدَّ لأحدنا من أن يقيم، فاسْتَهما (أي اقترعا) فخرج سهم سعد فقتل ببدر (المصدر) .
2- الحج: 39 .


(57)

وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد خرج مع أصحابه من المدينة، يلاحق قافلة قريش، وقد نزل في وادي ذفران .

ولما أحسّ أبوسفيان بذلك أحجم عن الاقتراب إلى منطقة بدر ولم ير بُدّاً من أن يخبر قريشاً بالخطر الّذي يحدق بتجارتهم، وأموالهم، ويطلب مساعدتهم، فاستأجر رجلا يدعى «ضمضم بن عمرو الغفاري» وأمرهُ بأن يجدع بعيره (يقطع أنفه) ويحوِّل رَحْله، ويشقَّ قميصَه من قُبُله وَ دُبُرِه ويصيح الغوث! الغوث، ويخبر قريشاً أنّ محمّداً تعرّض لتجارتهم!!

فخرج ضمضم سريعاً إلى مكّة، ولمّا قدِمها وقف ببطن الوادي يصيح بأعلى الصَوت: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة(1)، أموالكم مع أبي سفيان قد تعرّض لها محمّد في أصحابه، لا أرى ان تدركوها، الغوث الغوث(2) .

فأثار هذا المنظرُ المثيرُ، واستغاثات ضمضم المتابعة أهل مكة، فتجهزوا سراعاً، وتهيّأوا للخروج، وأعدَّ كلُ صناديد قريش ورجالها المقاتلون أنفسهم للتحرّك نحو المدينة إلاّ أبو لهب الّذي لم يشترك في هذا الخروج، وارسل مكانه «العاصي بن هشام» لقاء أجر قدرُه أربعةَ آلاف درهم .

وأراد «اُميّة بن خلف» هو الآخر أن يتخلّف لاسباب خاصّة، فقد قيل له: أن محمّداً يقول: لأقتلنّ اُميّة بن خلف(3) .

فرأى أشراف قريش وسادات مكة أن تخلف رجل مثله يضرّ بقريش ويوهن من عزيمة الجيش، فقرروا إثارته وتحريكه فأتاه عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وهو جالس في المسجد بين ظهرانىّ قومِه، بمجمرة يحملانه فيها نارٌ وعودٌ يتبخَّر به حتّى وضعاها بين يديه ثم قالا له:

«يا اُميّة استجمر فإنّما أنت من النساء»!


1- اللطيمة: الابل الّتي تحمل الاقمشة والعطور، والنداء يعني: ادركوا اللطيمة ادركوها .
2- الكامل في التاريخ: 2 / 81، المغازي: 1 / 31، بحارالأنوار: 19 / 216 .
3- المغازي: 1 / 35 .


(58)

فغضب اُميّة، وهاجت به الحمية، فتجهز من فوره، وخرج مع الناس(1) .

وخلاصة القول أنه أُرعبت قريش لمّا سمعت بتعرض قافلتها وأموالها للخطر من قبل النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه، فكانوا بين رجلين إما خارج أو باعث مكانه رجلا، وما بقي أحدٌ من عظماء قريش إلاّ أخرج مالا لتجهيز الجيش، وأخرجوا معهم المغنيات يضربن بالدفوف ويهيّجن الرجال للقتال .

المشكلة الّتي كانت تواجهها قريش:

ولما اُعلن عن موعد الرحيل تذكرت قريش بأن بينهم وبين قبيلة «بني بكر» عداءً قديماً، فخافوا أن يوجهوا اليهم ضربةً من الخلف، أو يحملوا على نسائهم وذرايهم في مكة في غياب منهم فكاد ذلك يثنيهم عن الخروج .

وقد كان العداء بين قريش وبني بكر يعود إلى دم سُفك بينهم في قصة ذكرها ابن هشام وغيره من كتّاب السيرة(2) .

ولكن سراقة بن جعشم المدلجلي ـ وكان من أشراف بني كنانة وهم من بني بكر ـ طمأنهم ـ ووعدهم بأن لا تاتيهم بنو بكر من خلفهم بشيء يكرهونه، ولما اطمأنّوا خرجوا صوب المدينة سراعاً .

وكان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابُه قد خرجوا من المدينة لاعتراض قافلةِ قريش التجارية، وهبطوا في وادي ذفران، وبقوا هناك ينتظرون مرورها، ولكنه فجأة بلغه خبرٌ جديدٌ غيّر أفكار قادة الجيش الاسلامي، وفتح ـ في الحقيقة ـ فصلا جديداً في حياتهم .

فقد أتاه الخبر عن مسير قريش باتجاه المدينة لحماية قافلتها التجارية، وأن جيشها قد وَصَل إلى مشارف المنطقة الّتي تواجد فيها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه، وأن طوائف متعددة قدسا همت وشاركت في تكوين هذا الجيش .


1- تاريخ الطبري: 2 / 138، الكامل في التاريخ: 2 / 82، المغازي: 1 / 35 و 36 .
2- السيرة النبوية: 1 / 610 و 611، المغازي: 1 / 38 و 39 .


(59)

فوجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والقائد الاعلى للمسلمين نفسَه أمام خيارين:

إما أن يقاتل، ولكنّه لم يخرج هو أو أصحابه الذين مرّ ذكرهم إلاّ لمصادرة أموال قريش، فلم يكونوا متهيّئين لمقاتلة الجيش المكّي الكبير، لامن حيث العدد، ولا من حيث العُدّة .

وإما أن يرجع إلى المدينة من حيث أتى، وهذا يعني أن ينهار كلُّ ما كسبوه من الهيبة والمهابة، بفضل المناورات العسكرية، والعروض النظامية السابقة .

وبخاصة إذا تقدم العدوّ نحو المدينة في ظل هذا الانسحاب واجتاح مركز الإسلام «المدينة المنورة» .

فرأى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن لا ينسحب، بل يقاتل العدوّ بما عنده من العدة القليلة والعدد القليل ويقاوم حتّى اللحظة الأخيرة والنفس الأخير .

والجدير بالذكر أنّ أكثر الذين كانوا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كانوا من شبّان الأنصار وكان عدد المهاجرين لا يتجاوز 82 شخصاً .

وكانت بيعة العقبة الّتي بايع فيها الأنصار رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بيعةً على الدفاع عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وحمايته لا القتال والحرب .

أي انهم بايعوه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على أن يمنعونه في المدينة فلا يصل إليه أحد من أعدائه وهو بينهم.

أَمّا أن يخرجوا معه إلى خارج المدينة لقتال العدوّ فلم يبايعوا النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على مثل ذلك فماذا يفعل القائدُ الأعلى للمسلمين .

إنه لم يرَ مناصاً من استشارة الناس الذين معه، ومعرفة رأيهم في ما يجب اتخاذه من طريقةِ حل لهذه المشكلة .

النبىّ يعقد شورى عسكرية:

وهنا وقف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك الجماعة وقال: أشيروا


(60)

علىَّ أيُّها الناس .

فقام أبو بكر وقال: يا رسول اللّه إنّها قريش، وخيلاؤُها ما آمَنَت منذ كَفَرَت، ولا ذَلَّت مُنذ عزّت ولم نخرج على أهبة الحرب!!

وهذا يعني أنه رأى من الصالح ان ينسحبوا إلى المدينة، ولا يواجهوا قريشاً .

فقال له رسول اللّه: إجلس .

ثم قام عمر بن الخطاب، وكرّر نفس مقالة أبي بكر، فأمره النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالجلوس أيضاً .

ثم قام «المقدادُ بن عمرو» وقال: يا رسولَ اللّه إمض لِما أراك اللّهُ فنحنُ معك، واللّهِ لا نقولُ لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: إذهَب أنت وربُّك فقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُون .

ولكن إذهَب انتَ وربُّك فقاتِلا، وإنا مَعَكُما مُقاتِلون .

فَوَ الَّذي بعثكَ بالحقِّ لو سِرتَ إلى برك الغماد (وهو موضع بناحية اليمن) لجالَدنا معك مِن دونه، حتّى تبلغَه، ولو أمرتنا أن نخوضَ جَمر الغضا (أي النار المتقدة) وشوكَ الهراس (وهو شجرٌ كبير الشوك) لخضناه معك .

فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خيراً ودعا له به .

إخفاء الحقائق وكتمانها:

إذا كان اخفاء الحقائق، والتعتيم عليها وسترها، والتعصب الباطل أمراً مشيناً مِن كلّ من ألَّفَ وكَتَبَ، فإنّه ولا شك أقبحُ من المؤرّخ، المؤتَمنَ على التاريخ وحقائقه .

فان على المؤرخ أن يكون مرآةً صادقة للأجيال القادمة لا يكدرها غبار التعصب، وغشاوة التحريف والتبديل والكتمان للحقائق .

ولقد ذكر ابن هشام(1) والمقريزي(2) والطبري(3) ما وقع في الشورى


1- السيرة النبوية: 1 / 615 .
2- إمتاع الاسماع: 74 .
3- تاريخ الطبري: 2 / 140 .


(61)

العسكرية الّتي عقدها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأدرج فيها ما قاله المقداد، وقاله سعد بن معاذ في كتبهم على وجه التفصيل، ولكنهم أحجموا عن إدراج ما قاله أبوبكر وعمر وإنما قالوا: وقال فلانٌ وأحسَنََ، وقال فلانٌ واحسنَ!!

وهنا نسأل ذينك المؤرخين إذا كان ما قاله فلان وفلان حسناً أرضى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فلماذا تركوا ذكره على نحو التفصيل كما فعلوا بالنسبة إلى كلام مقداد وسعد.

بلى; إنهما لم يقولا إلاّ ما ذكرناه قبل قليل، ليس غير. وإذا كان اُولئك المؤلفون يكتمون الحقائق، فقد أظهرها الآخرون وسجلوا نصَ ما قاله الرجلان(1)، ولم يكن قولا حسناً ولا كلاماً طيباً، بل كان كلامهما مثبطاً، ينمّ عن خوف، ووحشة، فهما صوّرا قريشاً قوةً لا تُقهر، وجيشاً لا يُدحَر، غير آبهين بما تترك كلماتهم من الأثر السيء في نفوس المسلمين في ذلك الظرف الدقيق، واللحظة الخطيرة!!

وإنك أيها القارىء لتستطيع أن تعرفَ مدى إنزعاج النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من مقالتهما، مما ذكره الطبري نفسُه في الصفحة ذاتها، فان الشيخين كما تلاحظ، كانا أوّل من نطقا في تلك الشورى، ثم تكلّم بعدهما المقداد، وسعد بن معاذ .

فان الطبري يروي عن ابن مسعود أنه قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لئن أكون أنا صاحبه احبُّ إلىَّ مما في الارض من شيء كان رجلا فارساً وكان


1- المغازي: 1 / 48، السيرة الحلبية: 2 / 160، بحارالأنوار: 19 / 217 .


(62)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إذا غضب احمرّت وجنتاه، فاتاه المقداد على تلك الحال(1) فقال: أبشر يا رسول اللّه فواللّه لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى: «إذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن إذهب انت وربُّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون»(2).

ولقد كان ذلك المجلسُ مجلسَ استشارة وتبادل للرأي وكان لكل أحد الحقُّ في أن يُدلي برأيه، ويطرح نظره على القائد الأعلى، ولكنَّ مجريات الاحداث أثبتت أن مقداد كان أقرب إلى الصواب، وأكثر توفيقاً في إصابة الحق من ذينك الرجلين .

وقد أشار القرآن الكريم إلى تخوف بعض المسلمين من مواجهة العدوّ في هذه الموقعة إذ قال سبحانه:

(كما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالحقّ وَ ان فريقاً مِنَ المؤمنين لَكارِهُون)(3).

وقال تعالى:

(يُجادِلُونَكَ في الحقِّ بَعْدَ ما تَبيّنَ كأنَّما يُساقُونَ إلى الموْت وهُمْ ينظُرون)(4).

قرار الشورى الحاسِم أو رأي زعيم الأنصار:

كانت الآراء الّتي طُرِحت آراء شخصيّة وفردية على العموم، والحالَ أن الهدف الاساسىّ من عقد تلك الشورى كان هو الحصول على رأي الأنصار، فلمّا لم يدلِ الأنصارُ برأيهم لم يمكن لتلك الشورى أن تتخذ رأياً حاسماً، وتبتّ في أمر .

من هنا أعاد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قوله: «أشيروا علىّ أيها


1- أي وهو غاضب من مقاله وتثبيط من تقدماه .
2- تاريخ الطبري: 2 / 140 .
3- الانفال: 5 .
4- الانفال: 6 .


(63)

الناس» وهو يريد الأنصار.

فقام سعد بن معاذ الأنصاري وقال: واللّه لكأنك يا رسول اللّه تريدنا؟

فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أجل .

فقال سعد: بأبي أنتَ واُمّي يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إنا قد آمنّا بكَ، وصدقناك وشهدنا أن ما جئتَ به حقٌ مِن عنداللّه، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة فامض يا رسول اللّهِ لما اردتَ فنحنُ معك، فوالّذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر(1) فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدونا غداً .

إنا لصبرٌ في الحرب، صدُق في اللقاء لعلّ اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك فسِر بنا على بركة اللّه، وصِل مَن شئتَ، واقطعْ من شئتَ وخذْ مِن أموالنا ما شئتَ، و ما أخذت من أموالنا أحبُّ إلينا مما تركتَ .

فسرّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بقول سعد ونشّطه ذلك، وأزال سحابة اليأس من النفوس، وأشعل ضياء الأمل في القلوب .

ولهذا لم يفرغ ذلك الأنصارىُ البطل والقائد المؤمن الشجاع من مشورته الشجاعة إلاّ وأصدر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أمره بالرحيل قائلا: «سيروا على بركة اللّه وابشروا فانّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف اللّه وعده.

واللّه لكأنّي الآنَ أنظُر إلى مصارع القوم» .

وتحرك الجيشُ الاسلامىُّ بقيادة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ونَزَل عند آبار «بدر»(2) .

تحصيلُ المعلومات حول العدوّ:

مع أنّ المبادىء العسكريّة والتكتيكات الحربية في الوقت الحاضر تختلف


1- يقصد البحر الأحمر .
2- المغازي للواقدي: 1 / 48، السيرة النبوية: 1 / 615 .


(64)

عما كان عليه في العصور الغابرة اختلافاً كبيراً إلاّ أنّ مسألة تحصيل المعلومات حول العدوّ ومعرفة أسراره العسكرية، ومدى استعداداته ومبلغ قواه الّتي يستخدمها، ودرجة معنويات أفراده لا تزال على أهميتها وقيمتها، لم تتغير من هذه، بل ازدادت أهمية في العصر الحاضر ـ كما أسلفنا ـ .

فهي تشكل الآن أيضاً مفتاحاً في الحروب، ومنطلقاً للانتصارات العسكرية.

على أن هذه المسألة قد اتخذت اليوم صبغة التعليم والتمرين، فقد أصبح لها اليومَ كتبٌ ومعاهدُ تتولى تعليم طرائق التجسس العسكري واساليبه، كما ويعزي قادة المعسكر الغربي والشرقي الكثير من نجاحاتهم إلى نجاحهم في توسعة دوائر التجسس ومنظماته الّتي تستطيع إطلاع أصحابها على معلومات دقيقة ومفصّلة عن خطط العدو وقواه، واماكن تمركزه وتواجده، وخطوط إمداده، وتموينه تمهيداً لإفشالِ تحركاته أو إجهاضها فوراً .

من هنا استقر الجيشُ الاسلامىّ في منطقة تلائم مباديء التستر بشكل كامل، ومنع عن أي عمل من شأنه انكشاف أسراره، كما أن فرقاً مختلفةً و متعددة كُلّفت بتحصيل وجمع المعلومات عن قريش وقافلتها وجيشها .

فكانت المعلومات الّتي توفرت لدى القيادة الإسلامية هي كالتالي :

الف / انّ النبىّ نفسه ركب هو ورجل من قادة جيشه حتّى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمّد وأصحابه وما بلغه عنهم فأخبرهم بأن محمّد وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، وانه إن كان صدق الّذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الّذي كان به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وان قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، وانه إن كان الّذي أخبره صدقه فهم اليوم بمكان كذاوكذا للمكان الّذي فيه قريش .

وهكذا عرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نقطة تواجد قريش، واستقرار قواتهم .

باء / بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جماعة «الزبير بين العوام» و «سعد


(65)

بن أبي وقاص» بقيادة علي ـ عليه السَّلام ـ إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا إبلا يستقي عليها الماء لقريش فيها غلامان أحدهما لبني الحجاج والآخر لبني العاص فأتوا بهما إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فسألهما النبىّ عن قريش فقالا: هم واللّه وراء هذا الكثيب الّذي ترى بالعدوة القصوى .

فقال لهما رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : كم القوم وما عدّتهم فقالا: لا ندري، كثير. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : كم ينحرون (من الابل) كل يوم؟ قالا: يوماًتسعاً ويوماً عشراً .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : القوم فيما بين التسعمائة والألف .

ثم سألهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟

قالا: عتبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام وشيبة بن ربيعة وابو جهل بن هشام وأمية بن خلف و... و...

فأقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على أصحابه وقال:

«هذه مكّة قد ألقَت إليكم أفلاذ كبدها»(1) .

جيم / كُلِّف شخصان بالدخول إلى قرية بدر وتقصّي الحقائق حول قافلة قريش فيها فمضيا حتّى نزلا بدراً فأناخا ابلهما إلى تلّ قريب من الماء، ثم تظاهرا بأنّهما يريدان أن يستسقيا، وكان على الماء جاريتين تستسقيان وتقول إحداهما للاُخرى: إنما تأتي القافلة غداً أو بعد غد فأعملُ لهم ثم أقضيك الّذي لك

فقال لها «مجدي بن عمرو الجهني»، وكان على مقربة منهما: صدقت ثم خلص بينهما .

فسرّ صاحبا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لما سمعا فعادا في سرّية كاملة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخبراه بما سمعا(2).

والآن وبعد أن أصبح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عارفاً بوقتِ ورود القافلة، ومكان تواجد قريش، معرفةً دقيقةً عمد إلى ترتيب المقدمات اللازمة .


1ـ السيرة النبوية: 1 / 617 .
2- السيرة النبوية: 1 / 617 .


(66)

كيف هربَ أبوسفيان؟

لقد تعرّض أبوسفيان قائد قافلة قريش لدى توجّهه بها إلى الشام للملاحقة من قبل مجموعة من المسلمين، ولهذا فانه كان يعلم جيداً بأنهم سوف يتعرضون له عند قفوله من الشام أيضاً .

ولهذا عندما وصل بقافلة قريش إلى المنطقة الخاضعة للمراقبة الإسلامية أراحَها في منطقة بعيدة عن متناول أيدي المسلمين ودخل هو قرية «بدر» يتجسس، ويسأل عن أخبار رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فالتقى «مجدي بن عمرو» على ماء بدر فسأله: هل أحسستَ أحداً؟ (ويقصد هل رأيتَ أحداً من عيون محمَّد ورجاله؟) .

فأجابه مجدي قائلا: ما رايتُ أحداً أنكرُهُ، إلاّ أني قد رأيتُ راكبين قد أناخا إلى هذا التلّ ثم استقيا في شنٍّ لهم، ثم انطلقا .

فأتى أبو سفيان مُناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتّه، فاذا فيه النوى فقال: هذه ـ واللّه ـ علائف يثرب .هذه عيون محمّد وأصحابه، ما أرى القوم إلاّ قريباً .

فرجع إلى أصحابه سريعاً وحرّك القافلة من فوره، وابتعد عن بدر وأخذ بها جهة ساحل البحر الأحمر كما أنه كلّف أحداً بإخبار قريش فوراً، بأنّ قافلتهم أفلتت من يد محمّد وأصحابه، وأن أموالهم نجت فليرجعوا وليتركوا محمّداً تكفيه العرب .


(67)


(68)

علم المسلمين بإفلات قافلة قريش:

عرف المسلمون بإفلات قافلة قريش، وانتشر هذا النبأ بينهم بسرعة، فاغتمّ من خرجَ مع المسلمين يريد الحصولَ على شيء من تلك الأموال، فقال اللّه تعالى تثبيتاً لهم وتسكيناً لقلوبهم:

(وَ اِذْ يَعدُكُم اللّه إحْدى الطائفَتَين أنّها لَكُمْ وَ توُدون أن غيرَ ذات الشَّوْكَة تَكُونُ لكُم وَ يُريدُ اللّهُ أن يُحقَّ الحقَّ بِكَلماتِه وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرينَ. ليحق الحقَّ ويبطِلَ الباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)(1) .

إختلاف قريش في القتال:

عندما وافى رسول أبي سفيان قريشاً وهم بالجحفة، وابلغهم رسالة أبي سفيان وطلب منهم الرجوعَ إلى مكة حدث بين رجال قريش اختلاف عجيب .

وقال بنو زهرة والأخنس بن شريق وكانوا حلفاء على الرجوع قائلين: قد خلصت أموال سيد بني زهرة «محزمة بن نوفل» وانما نفرنا لنمنعه وماله، فلا حاجة بأن نخرج في غير منفعة .

ورجع طالب (ابن أبي طالب) إلى مكة وكان قد استُكرِهَ على الخروج من مكة، وذلك بعد مشاجرة بينه وبين رجل من قريش قال له:

«واللّه لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمّد»(2) .

وأما أبوجهل فقد اصرّ على مواصلة التقدّم نحو المدينة، وعدم الرجوع إلى مكّة خلافاً لطلب أبي سفيان، قائلا :

واللّه لا نرجع حتّى نرد بدراً فنقيمَ عليه ثلاثاً فننحر الجزر (الأباعر) ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان والمغنيات، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، وجمعنا فلايزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا!!


1- الانفال: 7 و 8 .
2- السيرة النبوية: 1 / 619 .


(69)

فحملت كلماتُ أبي جهل المغرية قريشاً على مواصلة التقدم نحو المدينة، ونزلت في مكان مرتفع(1) خلف كثيب .

وأمطرت السماء مطراً غزيراً فأصاب قريشاً منه ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، ومنعهم من مزيد التقدم .

بينما لم يُحدِث المطرُ أي مشكلة في العدوة الدنيا للمسلمين ولم يمنع من تحركهم بل كان بحيث لبدّ الأرض حتّى ثبتت أقدامهم(2) .

و «بدر» منطقة واسعة يتكون جنوبها من مكان مرتفع (العدوة القصوى) وشمالها من مكان منخفض منحدر (العدوة الدنيا) وكانت في هذا الوادي الواسع بضع آبار وعيون ماء، فكان منزلا للقوافل ينزلون فيه ويستقون، ويستريحون ردحاً من الزمن .

وهنا تقدم «الحباب بن منذر» وكان فارساً مجرباً وعسكرياً محنكاً باقتراح إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إذ قال: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكهُ اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «بَل هو الرأىُ والحربُ والمكيدة» .

فقال: يا رسول اللّه فانَ هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتّى أدنى ماء من القوم، فننزله فنغوّر (اي ندفن العين) ماوراء القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشربَ ولا يشربون .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لقد أشرتَ بالرأي .

فنهض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومَن مَعه فسار حتّى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب (الآبار) فغوّرت، وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملى ماءً ثم قذفوا فيه الآنية .

إن هذه الحادثة تكشف جيّداً على إهتمام رسول الإسلام بالمشاورة،


1- وهو ما يسمي بالعدوة القصوى .
2- ويقال كان المطر ينزل على قريش كأفواه القرب وعلى أصحاب رسول اللّه رذاذاً بقدر ما لبد الأرض .


(70)

واحترامه لآراء الآخرين واتساع صدره لاقتراحاتهم، والأخذ بما يفيد منها دون تكبّر أو انزعاج(1) .

«العريش» أو غرفة القيادة:

وقيل إن سعد بن معاذ تقدم هو الآخر بمقترح عسكري رائع وهو بناء واقامة برج لرسول اللّه يقود منه العمليات ويشرف على سيرها ويكون مأمناً له من كيد الاعداء فقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ألا نبني لك عريشاً تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا فان أعزَنا اللّه وأظهرَنا على عدوّنا، كان ذلك ما أحببنا، وان كانت الاُخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلّف عنك أقوام يا نبىّ اللّه ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك اللّه بهم، يناصحونك ويجاهدون معك .

فأثنى عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ودعا له بخير، ثم بني له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عريش فوق مكان مرتفع مشرف على ساحة القتال والحرب، وكان سعد و جماعة من فتيان الأنصار يحرسونه في بعض حالات القتال!!(2) .

نظرة إلى مسألة «العريش» :

ان مسألة بناء العريش لرسول اللّه، وحراسة سعد بن معاذ وجماعة من فتيان الأنصار له هومما ذكره ورواه الطبري في تاريخه نقلا عن ابن اسحاق وتبعه الآخمرون في ذلك، ولكن هذه القصة لا يمكن القبول بها لاسباب هي:

أوّلا:

أن هذا العمل يفتُّ في عَضُد الجنود، ويضعف من معنوياتهم القتالية لأن معناه أن القائد يفكر في وسيلة لنجاة نفسه دون أن يفكر في نجاة جنوده، ومثل هذه القيادة لا يمكنها أن تستحوذ على قلوب جنودها، وتجعلها مطيعة لأوامرها .


1- السيرة النبوية: 1 / 620، تاريخ الطبري: 2 / 144 .
2- تاريخ الطبري: 2 / 145، السيرة النبوية: 1 / 620 .


(71)

ثانياً:

أنّ هذه القصة تتنافى مع الاخبار القطعية الّتي بشر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بها المسلمين في ضوء ما نزل عليه من آيات .

فهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل أن يواجه المسلمون قريشاً قال لأصحابه الذين خرجوا معه من المدينة وعدهم إحدى الطائفتين، أي إما الظفر بقافلة قريش التجارية قطعاً، أو الانتصار على الجيش المكي حتماً ويقيناً إذ قال اللّه تعالى:

(وَ إذْ يَعِدكُمُ اللّهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ وَ تُوَدُّونَ أن غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُريدُ اللّه أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِه وَ يَقْطَع دابِرَ الْكافِرين)(1).

وإنما اُقدم على بناء العريش لرسول اللّه ـ بناءً على رواية الطبري ـ في الوقتِ الّذي كانت قافلة قريش قد أفلتت وهربت من أيدى المسلمين، ولم يبق الاّ الجماعة المسلحة الّتي خرجت لحماية القافلة، وكان المسلمون يعلمون ـ طبقا لذلك الوَعد الإلهي ـ القاطع ـ أنهم سينتصرون على تلك الجماعة الكافرة: (ويقطعَ دابرَ الكافرين) فلم يكن المجال مجال تردد وشك .

وبهذا يكون حديث هزيمة المسلمين في هذه المواجهة ولزوم بناء عريش لحماية النبىّ واعداد ابل سريعة السير عند العريش لينجو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عليها بنفسه حديثاً باطلا لا مبرّر له، ولا مسوّغ .

يقول ابن سعد نقلا عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت (سيُهزَم الجمعُ ويُولّون الدُبُر) قلت: وأيُّ جمع يُهزَم ومن يُغلَب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يثب في الدرع وثباً وهو يقول: «سيهزَم الجمعُ ويولوّون الدُبُر» فعلمتُ ان اللّه تبارك وتعالى سيُهزمهم(2) .

ومع هذا هل يحتمل أن يدور في خلد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ و أصحابه شيء حول الهزيمة أو يحدثوا أنفسهم بالفرار؟

ثالثاً:

ان النبىّ الّذي يصف الامام علي ـ عليه السَّلام ـ موقفه وحالته عند اشتداد ضراوة القتال لا تنسجم أبداً ولا تلائم هذا التكتيك الّذي لا يتسم


1- الأنفال: 7 .
2- الطبقات الكبرى: 2 / 25 .


(72)

بالشجاعة والثبات .

يقول علىّ ـ عليه السَّلام ـ :

«كُنّا إذا احمرَّ البَأسُ اتّقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فلم يكن أحدٌ منّا أقربَ إلى العدوّ منه»(1).

فهل يفكر مثل هذه الشخصية الّتي يصفها أول تلامذة مدرسته، وأقرب صحابته إليه بمثل هذا الوصف، في الفرار، أو اتخاذ الاحتياطات اللازمة لذلك .

نحن نعتقد أن بناء العريش لم يكن إلاّ من باب إعداد غرفة للعمليّات ولمراقبة سير القتال من مكان مشرف على ساحة القتال، لأن القيادة ما لم تكن مشرفة على ساحة القتال لا يمكنها أن تتصرف بواقعية واتقان، ولا يمكنها أن تقود الجنود والحشود من منطلق الواقع القتالي والعسكري .

من هنا لم يكن الهدف من العريش إن صحّ أصل القصة هو الإعداد والتحسب للفرار وما شاكل ذلك .

تحرك قريش باتجاه بدر:

في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، ارتحلت قريش من وراء الكثيب وانحدرت إلى وادي بدر، فلما رآها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«اللّهم هذهِ قريشٌ قد أقبَلت بُخيَلائِها، وفَخرِها تحادُّك وَ تكذّبُ رسُولَك .

اللّهمَّ فَنَصرُكَ الّذي وَعَدتني بِهِ، اللّهمَّ أحِنهم(2) الغداة» .

قريش تتشاور في القتال:

استقرت قوى قريش في منطقة من أرض بدر استعداداً للمواجهة، وحيث


1- نهج البلاغة لعبده: الكلمات القصار الكلمة 214، ويقول السيد الرضي (رضي الله عنه) عنه: معنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدوّ، واشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بنفسه فينزل اللّه عليهم النصر به ويؤمنون ممّا كانوا يخافونه بمكانه.
2- أي اهلكهم .


(73)

أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن عدد أفراد المسلمين ومبلغ إستعداداتهم، لذلك كلفوا «عمير بن وهب الجمحىّ» وكان فارساً ماهراً في الاحصاء والتخمين - بأن يحرز (ويقدر بالحدس) عدد أصحاب محمّد .

فاستجال بفرسه حول عسكر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ثم رجع إلى قريش وقال: ثلاثمائة رجل يزيدون أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتّى انظرَ ألِلْقومِ كمينٌ، أو مددٌ.

فضرب في الوادي حتّى أبعد ولكنه لم يرَ شيئاً .

فرجع إلى قريش ثانيةً وهو يحمل لهم خبراً مرعباً إذ قال: ما وجدت شيئاً (أي كميناً أو مدداً وراء المسلمين) ولكني قد رأيتُ يا معشر قريش البلايا(1) تحمل المنايا، نواضح(2) يثرب تحمل الموتَ الناقعَ(3)، قومٌ ليسَ مَعَهُم مَنعةٌ ولا مَلجأ إلاّ سيوفهم .

واللّه ما أرى أن يُقتلَ رَجلٌ منهم حتّى يَقتلَ رجلا منكم، فاذا اصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فَرَوا رأيكم!!!

وروى الواقدي عبارات عمير بنحو آخر إذ قال: قال عمير: واللّه ما رأيت جلداً ولا عدداً ولا حلقة ولا كراعاً، ولكني رأيت قوماً لا يريدون أن يؤبوا إلى أهليهم، قوماً مستميتين ليست لهم مَنَعَة ولا ملجأ إلاّ سيوفهم، زرق العيون كأنهم الحصى تحت الحجَفَ(4)(5) .

وروى المجلسي ما قاله عمير بنحو ثالث إذ قال: قال عمير: ما لهم كمينٌ ولا مددٌ، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقَع أما ترونهم خُرساً لا يتكلمون يتلمظون تلمّظ الافاعي ما لهم ملجأ إلاّ سيوفهم ما أراهم يولون حتّى يقتلوا، ولا يُقتلون حتّى يقتُلوا بعددهم فارتاؤا رأيكم(6) .


1- وهي جمع بلية وهي الناقة أو الدابة .
2- الابل يستقى عليها الماء .
3- الموت الثابت البالغ في الافناء .
4- الحجف جمع الحجفة وهي التُرس .
5- المغازي: 1 / 62 .
6- بحارالأنوار: 19 / 224 .


(74)

اختلاف قادة قريش في امر القتال:

أوجدت كلمات عمير الفارس الشجاع ضجة كبرى بين رجال قريش وسادتها وزعمائها، وانتاب الجميعَ خوفٌ بالغ ورعبٌ شديدٌ من المسلمين .

فمشى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة ليقنعه بالعدول عن مقاتلة المسلمين، فقال له: يا أبا الوليد إنّك كبير قريش وسيّدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزل تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر، ترجع بالناس وتحمل أمرَ (دم) حليف عمرو بن الحضرمي، وما أصاب محمّد من ماله ببطن نخلة(1) إنكم لا تطلبون من محمّد شيئاً غير هذا الدم والمال؟!

فاقتنع عتبة برأي حكيم، فجلس من فوره على جمله، ووقف يخطب في المشركين من قريش بنطق جميل وبليغ يقول: يا قوم أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل واصحابه (يعني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ )، يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، إن محمَّداً له آل (أي قرابة) وذمة وهو ابن عمكم فخلّوه والعرب، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمّداً وأصحابه شيئاً، واللّه لئن اصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل إبن عمه أو خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمّد وسائر العرب، فان أصابوه فذاك الّذي أردتم وان كان غير ذلك الفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون(2) .

وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل وأخبره برأي عتبة ومقالته، هذا وأبو جهل يهيىءُ درعه، فانزعج أبوجهل من مقالة عتبة وموقفه إنزعاجاً شديداً وثارت ثائرته حسداً على عتبة، وتعنتاً عن الحق(3)، وبعث من فوره رجلا إلى عامر بن الحضرمي أخي عمرو الّذي قُتل في غزوة عبداللّه بن جحش بنخلة


1- إشارة إلى ما جرى في سرة عبداللّه بن جحش .
2- المغازي: 1 / 63، السيرة النبوية: 1 / 623، بحارالأنوار: 19 / 224 .
3- قال صاحب المغازي: فحسده أبو جهل حين سمع خطبته وقال: ان يرجع الناس من خطبة عتبة يكن سيد الجماعة، وعتبة انطق الناس!!!


(75)

وقال له: هذا حليفك (عتبة) يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثارك بعينك، فقم وانشد خفرتك(1) ومقتل (أو دم) أخيك .

فقام عامر وكشف عن رأسه، وأخذ يحثو التراب على رأسه، وصاح مستغيثاً واعَمراه واعمراه، تحريكاً للناس وإثارةً لمشاعرهم .

فهاج الناس لمنظر عامر وثارت مشاعرهم لندبته، وأجمعوا على الحرب، وتناسَوا اقتراح عتبة، ونصيحته البليغة الحكيمة لهم .

ولكن عتبة هذا الّذي كان يميل إلى اعتزال الجيش وترك الحرب، هاجت مشاعره هو الآخر فقام من فوره ولبس لامة حربه واستعد لقتال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه(2) .

وهكذا نجد كيف يتضاءل نور العقل عند هبوب رياح العاطفة الملتهبة، والمشاعر الثائرة الباطلة وتنطفىء شعلة الفكر، ولا يعود يضيء لصاحبه درب المستقبل حتّى أن الرجل الّذي كان قبل قليل داعية السلام، والتعايش الاخوي يتحول تحت تاثير ذلك الهياج العاطفي، العابر، الاحمق إلى أول مبادر إلى القتال وسفك الدماء وازهاق الارواح!!!

ما الّذي حتّم القتال؟

لما أبصر الاسود بن عبدالأسد المخزومي وكان رجلا شرساً سيء الخلق الحوض الّذي بناه المسلمون عند البئر لشربهم قال: اعاهد اللّه لاشربن من حوضهم أو لاهدمنّه أو لأموتنّ دونه!!

ثم خرج من بين صفوف المشركين وشد حتّى دنا من الحوض فاستقبله حمزة، ولما التقيا ضربه بسيفه حمزة فاطار قدمه، وهو دون الحوض فوقع على الأرض تشخب رجله دماً ثم حبا إلى الحوض حتّى اقتحم فيه يريد ان يشرب منه أو ان


1- أي اطلب من قريش الوفاء بخفرتهم وعهدهم لك لأنه كان حليفاً لهم .
2- السيرة النبوية: 1 / 623. بحارالأنوار: 19 / 224 .


(76)

يبر يمينه، فاتبعه حمزة فضربه حتّى قتله في الحوض .

فتسببت هذه الحادثة في أن يصبح القتال امراً مسلّماً وحتمياً، لانه ليس ثمة شيء يقدر على تحريك المشاعر، واثارة العواطف ودفع الناس للقتال كسفك الدم .

فالذين كان الغيط والحنق على المسلمين يكاد يقتلهم، وكانوا يبحثون عن ذريعة يشعلون بها نيران الحرب ويفجّرون فتيلها قد حصلوا الآن على ما يريدون(1) .

المبارزات الفردية أولا:

كان التقليد المتبَّع عند العرب في الحروب أن يبدأ القتال بالمبارزات الفرديّة ثم تقع بعدها الحملاتُ الجماعية .

فلما قُتِلَ الاسودُ المخزومي خرج ثلاثة فرسان من صناديد قريش المعروفين من صفوف الجيش المكي ودعوا إلى المبارزة .

وهؤلاء الصناديد الثلاثة هم:

1- عبتة(2) .

2- شيبة .

وهما ابنا ربيعة بن عبد شمس .

3- الوليد بن عتبة بن ربيعة .

فأخذوا يجولون في ميدان القتال ويدعون إلى المبارزة، فخرج اليهم من المسلمين فتية من الأنصار ثلاثة وهم «عوف» و «معوذ» ابنا الحارث و «عبداللّه بن رواحة» .


1- تاريخ الطبري: 2 / 147 و 178 .
2- وعتبة هذا هو الّذي اقترح الانسحاب وعدم القتال كما عرفت. ويروى انه لما خرج قال له حكيم بن حزام: أبا الوليد مهلا، مهلا تنهى عن شيء وتكون أوّله!! (المغازي: 1 / 67) .


(77)

ولما عرف عتبة أنهم من رجال المدينة قال: مالنا بكم من حاجة .

ثم نادى مناديهم: يا محمَّد، أخرج الينا أكفاءنا من قومنا .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«قم يا عبيدَةَ بن الحارث وقم يا حمزة، وقم يا علىّ» .

فقاموا، وخرجوا للمبارزة، ولما دَنَوا منهم، سألهم عتبة عن أسمائهم فعرّفَ أبطال الإسلام أنفسهم وذكروا أسماءهم .

فقال رجال المشركين الثلاثة: نعم أكفاء كرام .

ويرى البعض أنه بارز كلٌّ من هؤلاء الثلاثة من كان على سنّه من الكفار فبارز علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ الوليدَ (خال معاوية بن أبي سفيان) و بارز حمزة (وهو أوسطهم) عتبة (جدّ معاوية لاُمّه) وبارز عبيدة (وهو أسنّ الثلاثة) شيبة وهو أسنّ الكفار الثلاثة .

غير أن ابن هشام يقول: بارز «حمزة» شيبة، وبارز «عبيدة» عتبة، وبارز «علىٌّ» الوليد بن عتبة(1) .

وهذا يعني أن حمزة (الاوسط في السن) قاتل الاسنّ من الكفار .

فأىّ القولين هو الأصحّ

إن ملاحظة أمرين توضح الحقيقة في هذا المجال:

الأوّل: إن المؤرخين كتبوا: أن علياً وحمزة قتلا خصميهما في الحال، ثمّ ساعدا عبيدة على قتل خصمه(2) .

الثاني: إن الامام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كتب في كتاب له إلى معاوية:

«وَ عِندي السَيفُ الّذي أعضَضتُه بِجَدِّكَ وَ خالِكَ وَ أخِيكَ في مَقام


1- راجع لمعرفة كلا الرأيين سنن البيهقي: 3 / 276 .
2- تاريخ الطبري: 2 / 148، السيرة النبوية: 1 / 625 قال: وكرّ حمزة وعلىٌّ بأسيافهما على عتبة .


(78)

واحِد»(1) .

فمن هذا الكتاب يتضح بجلاء أن الامام ـ عليه السَّلام ـ شارك في قتل جدّ معاوية (أي عتبة) هذا من جانب .

كما أننا نعلم من جانب آخر أن كلا من حمزة وعلياً قد قتل خصمه في اللحظة الاُولى من المبارزة. فاذا كان خصم حمزة هو عتبة (جدّ معاوية) لم يكن ـ حينئذ ـ أي معنى لقول الامام ـ عليه السَّلام ـ «أنا قتلت جدَك» .

فلا مناص من أن نقول: إن الّذي بارز حمزة هو شيبة، وأن الّذي بارز عبيدة هو عتبة ليصح حينئذ أن يقال أن علياً وحمزة، ذهبا ـ بعد الفراغ من قتل خصميهما ـ إلى عتبة وكرّا بأسيافهما عليه وقتلاه، ثم احتملا صاحبَهما «عبيدة» وأتيا به إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (2) .

وبهذا تترجح النظرية الثانية، والقاضية بعدم التكافؤ بين أسنان كلٍّ من المتبارزين .

الهجومُ العامُّ:

إثر مقتل صناديد قريش الثلاثة في المبارزة الفردية بدأ الهجومُ العامُ.

فتزاحفَ الناسُ ودنا بعضهم من بعض، وقد أمرَ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أصحابَه أن لا يحملوا حتّى يأمرّهم، وأن يكتفوا برمي القوم بالنبال إذا اقتربوا منهم ليمنعوا من تقدّم العدوّ.

ثم نزل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من برج القيادة (العريش) وعدل صفوف أصحابه وفي يده سهمٌ يعدّل القوم. فمر بسوّاد بن غزية، وهو متقدم من الصف، فطعن في بطنه بالسهم الّذي معه وقال له: استو يا سَوّاد .


1- نهج البلاغة قسم الكتب الرقم 64 واعضضته به جعلته يعضه .
2- ثم إن المقصود من أخ معاوية الّذي أشار الامام علي في كلمته إلى قتله هو حنظلة بن أبي سفيان بن حرب راجع السيرة النبوية: 1 / 708 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18 / 19 .


(79)

فقال: يا رسول اللّه أوجَعتني وقد بَعَثَكَ اللّه بالحق والعدل فأقِدني (أي اقتصَّ) لي من نفسك. فكشف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن بطنه وقال: استقد (أي أنت اقتصَّ) فاعتنقه سوّاد وقبَّل بطنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : ما حملك على هذا؟

قال: يا رسولَ اللّه حضر ماترى (من القتال) فأردتُ أن يكون آخرَ العهد بك أن يمس جلدي جلدَك .

فدعا له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بخير(1) .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد أن عدّل الصفوف رجع إلى غرفة العمليّات (العريش) فدخله وتوجّه إلى ربه بقلب مفعم بالإيمان يناشده ما وعده من النصر وقال في مناجاته لربه في تلك اللحظات:

«اللّهمَّ إنْ تَهْلَك هذه العِصابة فَلنْ تعبدَ في الأرضِ أبداً» (2).

«وَالَّذي نَفْسُ محمّد بِيَدهِ لا يُقاتِلُهُم اليُومَ رَجُلٌ فَيُقتَلُ صابراً مُحتسباً مُقبلا غيرَ مُدْبِر، إلاّ أدْخَلَهُ اللّهُ الجنَّةَ» .

ولقد كانت كلمات القائد الاعلى هذه تفعل فعلتها في النفوس، فتثير الهمم، وتوجد شوقا عجيباً إلى الشهادة في المقاتلين المسلمين، حتّى أن أحدهم ويدعى «عُمَير بن الحمام» أخو بني سلمة قال للنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفي يده تَمرات ياكلُهُنَّ يا رسول اللّه: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخلَ الجنَّةَ إلاّ أن يقتلني هؤلاء .


1- السيرة النبوية: 1 / 626 .
2- السيرة النبوية: 1 / 267، تاريخ الطبري: 2 / 149 .


(80)

ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتّى قُتِلَ(1) .

ثم إن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذَ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشاً ثم قال:

«شاهَتِ الوُجُوه» .

ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه، فقال: شدُّوا(2).

ولم يمض وقتٌ طويل حتّى ظهرت بوادر انتصار المسلمين على أعدائهم المشركين فقد انتابَ المشركين خوفٌ ورعبٌ شديدان، وأخذوا ينهزمون أمام زحف المسلمين .

فقد كان المسلمون يقاتلون عن ايمان، واخلاص ويعلمون بأنهم ينالون السعادة قَتَلُوا أو قُتِلُوا، فلم يرهَبُوا شيئاً، وما كان يمنعهم شيء عن التقدم والإقبال .

رعاية الحقوق:

لقد كان لابدّ من رعاية الحقوق بالنسبة إلى طائفتين في معسكر المشركين:

الاُولى: اولئك الذين احسنوا إلى المسلمين في مكة، ودافعوا عنهم كأبي البختري الذي كان ممن قام في نقض الصحيفة الظالمة الّتي سبق الحديث عنها .

الثانية: اُولئك الذين اُكرهوا على الخروج من المشركين إلى بدر، وكانوا يرغبون في قرارة أنفسهم في الإسلام مثل معظم رجال بني هاشم كالعباس بن عبدالمطلب عم النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

مصرع اُميّة بن خلف:

ولقد اُسِّر «اُميّة بن خلف» وابنه على يد عبدالرحمان بن عوف وإذ كان بينه


1- السيرة النبوية: 1 / 627 .
2- المصدر السابق: 628. البداية والنهاية: 2 / 284 .


(81)

وبين اُمية صداقة بمكة طلب اُميّة من عبدالرحمان أن يخرجه من أرض المعركة لكي لا يُقتَلَ هو وولدُه، أو ليُعدّا من الأسرى .

فرضى عبدالرحمان بذلك، وبينما هو يقودهما إذ أبصر بلال بهم وكان اُميّة هو الّذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصرخة العظيمة فتوضعُ على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا حتّى تفارقَ دين محمَّد فيقولُ بلال: أحد، أحد .

فلما رآه بلال في الأسر وقد أقدم عبدالرحمان على حمايته والذب عنه وهو يريد نجاته وولده، صاح مستصرخاً المسلمين: يا أنصار اللّه رأسُ الكفر اُميّة بن خلف لا نجوتُ إن نجا .

فأحاط المسلمون باُميّة وولده من كل جانب وقطّعوهما بسيوفهم حتّى فرغوا منهما(1).

وقد نَهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن قتل أبي البختري الّذي كان له دورٌ مشرفٌ في نقض الحصار الاقتصادي الّذي ضربَتهُ قريش على المسلمين في مكة، وكان لا يؤذي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فلقيه رجلٌ من المسلمين يُدعى «المجذر» فأراد أسره واستبقاءه ريثما يأخذه إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليرى فيه رأيه، ولكنّه نازل المجذّر، وأبي إلاّ القتال، فاقتتلا فقتله المجذّر .

ثم ان المجذّر أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: والّذي بعثك بالحق لقد جهدتُ عليه أن يُستأسَر فآتيك به فأبى إلاّ أن يقاتلني فقاتلته فقتلته(2) .

خسائر بدر في الأرواح والاموال:

لقد قُتِلَ في معركة «بدر» من المسلمين أربعة عشر رجلا، وقُتِلَ من المشركين سبعون واُسِرَ سَبعُون من أبرزهم: النضر بن الحارث، وعقبة ابن أبي معيط، وأبو


1- السية ر النبوية: 1 / 632 .
2- السيرة النبوية: 1 / 629 و 630 وراجع الطبقات الكبرى: 2 / 23 .


(82)

غرة، وسهيل بن عمرو والعباس، وأبو العاص بن الربيع (صهر النبىّ)(1) .

ثم دُفِنَ شهداء بدر في جانب من أرض المعركة، وقبورهم باقية إلى الآن .

ثم أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يُلقى بقتلى المشركين في البئر .

وبينما كان يسحب عتبة بن ربيعة إلى البئر نظر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في وجه «أبي حذيفة» ابن عتبة فاذا هو كئيب، قد تغيّر لونه فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟!

فقال: لا واللّه يا رسول اللّه، ما شككت في ابي ولا في مصرعه، ولكنني كنتُ أعرف من أبي رأياً وحِلماً وفَضلا فكنتُ أرجو أن يهديَه ذلك إلى الإسلام فلمّا رايتُ ما أصابَه وذكرتُ ماماتَ عليه مِنَ الكفر بعدَ الّذي كُنتُ أرجو له، أحزنني ذلك!!.

فدعا له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بخير(2) .

إن هذه القصة لتكشف عن مدى حبّ المسلمين لدينهم، ورغبتهم الصادقة في أن يهتدي إليه الناس كما تكشفُ أيضاً عن أنهم كانوا يقدّمون المعيار الديني على المعيار العائلي إذا تَعارضا .

ماأنتم باسمع منهم:

لقد انتهت معركة بدر بانتصار عظيم في جانب المسلمين وهزيمة نكراء في جانب المشركين .

فقد غادر المشركون ساحة القتال هاربين صوب مكة مخلّفين وراءَهم سبعين قتيلا من صناديدهم وساداتهم وفتيانهم الشجعان وسبعين أسيراً .

ولما أمر النبىّ بألقاء قتلى المشركين في القليب(3) وقف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عند القليب وأخذ يخاطب القتلى واحداً واحداً ويقول:


1- السيرة النبوية: 1 / 706 و 708. المغازي: 1 / 138 ـ 173 .
2- السيرة النبوية: 1 / 640 و 641 .
3- القليب: البئر .


(83)

«يا أهل القليب، يا عُتبة بنَ ربيعة، ويا شيبةَ بنَ ربيعة، ويا اُميّة بنَ خلف، ويا أبا جهل (وهكذا عدّد من كان منهم في القليب) هَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقاً، فَاِنّي قَدْ وجَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً» .

فقال له بعض أصحابه: يا رسول اللّه أتنادي قوماً موتى؟

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ما أنْتُمْ بَأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنْهُمْ وَلكِنهمْ لا يَسْتَطيعُونَ أنْ يُجيْبُوني» .

وكتب ابن هشام يقول: إنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال يوم هذه المقالة:

«يا أَهْلَ القليب بِئسَ عشيرة النبىّ كُنْتُم لِنَبيّكُمْ كَذَّبْتُموني وؤ صَدَّقنيَ الناسُ، وَأخْرجْتُموني وآوانيَ الناسُ، وقاتلتموني ونصرنيَ الناسُ، (ثم قال:) هَلْ وَجَدتُمْ ما وَعَدَكُمْ ربّي حَقّاً؟»(1).

الشعر يخلّد هذه القصة:

يُعتبر هذا الموضوع من القضايا الثابتة والمسلَّمة في التاريخ الاسلامىّ، فقد ذكرهُ جميعُ المحدّثين والمؤرخين من الشيعة والسنة، وقد ذكرنا طائفة من مصادره في الهامش .

وقد كان من دأب حسان بن ثابت شاعر عصر الرسالة ان ينشد أبياتاً في كل واقعة من وقائع الإسلام البارزة وبذلك يقوي من عزيمة المسلمين ويشد من أزرهم لأن الشعر يجلي البطولات ويكرم المواقف ويخلد الامجاد ويحافظ على المفاخر ويكسبها طابعاً أبدياً ولهذا يعد وسيلة جيدة لتقوية المعنويات، وإبطال مفعول الحرب الباردة والنفسية الّتي يقوم بها العدوّ .

وقد طبع ديوان «حسان» لحسن الحظ، ويمكن لنا أن نقف على الكثير من ايام الإسلام وامجاده من خلال قصائده، وابياته المدرجة فيه .


1- السيرة النبوية: 1 / 639، السيرة الحلبية: 2 / 179 و 180 و غيرهما .


(84)

وقد أنشد حسان قصيدة بائية رائعة حول وقعة بدر الكبرى يشير في بعض ابياتها إلى هذه الحقيقة اعني قصة القليب إذ يقول:

يُناديهُمْ رسولُ اللّه لمّا * قَذَفْناهُمْ كباكبَ في القليبِ

ألَمْ تَجِدُوا كلامي كانَ حَقّاً * وَأمْر اللّهِ يَأخُذُ بالقُلُوبِ؟

فما نَطَقُوا وَلَو نَطقُوا لقالُوا * صَدقتَ وكنتَ ذارأي مصيب!

على أنه لا توجد عبارة اشد صراحة من ما قاله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المقام حيث قال: «ما أنتم بأسمع منهم» .

وليس ثمة بيانٌ اكثر أيضاحاً وأشدّ تقريراً لهذه الحقيقة من مخاطبة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لواحد واحد من أهل القليب، ومناداتهم بأسمائهم وتكليمهم كما لو كانوا على قيد الحياة .

فلا يحقّ لأىّ مسلم مؤمن بالرسالة والرسول أن يسارع إلى إنكار هذه القضية التاريخية الإسلامية المسلّمة، ويبادر قبل التحقيق ويقول: إن هذه القضية غير صحيحة لانها لا تنطبق على موازين عقلي المادي المحدود .

وقد نقلنا هنا نص هذا الحوار، لكي يرى المسلمون الناطقون باللغة العربية كيف أنّ حديث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يصرح بهذه الحقيقة بحيث لا توجد فوقه عبارةٌ في الصراحة، والدلالة على هذه الحقيقة .

ومن أراد الوقوف على مصادر هذه القصة فعليه أن يراجع ما ذكرناه في الهامش ادناه(1) .


1- إن تكلم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع رؤوس الشرك الموتى الذين القيت اجسادهم في البئر من مسلمات التاريخ والحديث، وقد اشار إلى هذا من بين المحدثين والمؤرخين:
صحيح البخاري: ج 5، في معركة بدر، ص 76 و 77 ـ 86 و 87 ، صحيح مسلم: ج 8 ، كتاب الجنة: باب مقعد الميت ص 136، سنن النسائي: ج 4 باب أرواح المؤمنين: ص 89 و 90، مسند الامام أحمد: 2 / 131، السيرة النبوية: 1 / 639، المغازي: ج 1 غزوة بدر: ص 112، بحارالأنوار: 19 / 346 .


(85)

بعد معركة بدر:

يعتقد كثير من المؤرخين المسلمين أن المبارزات الفردية ومن بعدها القتال الجمعي في غزوة بدر استمر حتّى زالت الشمس وانتهت المعركة بفرار المشركين وأسر جماعة منهم. ثم بعد أن فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه من دفن شهداء المسلمين صلى بالناس العصر في بدر ثم غادر أرض بدر قبل غروب الشمس من ذلك اليوم، هذا وقد كلّفَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اشخاصاً بجمع الغنائم من أيدي الناس.

وهنا واجه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اول اختلاف بين أصحابه في كيفية تقسيم الغنائم، فقد كان كلُّ فريق يرى نفسه أولى من غيره بها، نظراً لدوره في تلكم المعركة .

فالذين كانوا يحرسون عريش رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مخافة أن يكرّ عليه العدو كانوا يرون أن عملهم لا يدانيه في الاهمية أي عمل آخر، لأنهم كانوا يحرسون القائد، ويحافظون على مقرّ القيادة .

وبينما كان الذين جمعوا الغنائم يرون أنهم الأحق لأنهم جمعوها، فيما كان الذين قد قاتلوا العدو ولاحقوه وطاردوه يقولون: واللّه لولا نحن ما أصبتموه، إنا لنحن الذين شغلنا عنكم القومَ حتّى أصبتم ما أصبتم(1) .

ولا ريب أن أسوأ ما يصيب أي جيش هو أن يدبّ الخلافُ بين قطعاته وأفراده، فينفرط عقده وتتلاشى وحدته .

من هنا بادر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للقضاء على هذه الآمال والمطامع المادية وبغية اسكات كل تلك الاصوات إلى إيكال جمع الغنائم وحملها، والمحافظة عليها إلى «عبداللّه بن كعب المازني» وأمر جماعة من أصحابه أن يعينوه ريثما يفكّر في طريقة تقسيمها. لقد كان قانون العدل والإنصاف يقضي بأن


1- المغازي: 1 / 98 و 99 .


(86)

يشترك جميع أفراد ذلك الجيش في تلك الغنائم، لأنهم ساهموا بأجمعهم في تلك المعركة، وكان لكل منهم دورٌ ومسؤولية فيها، فما كان لفريق أن يحرز نجاحاً من دون أن يقوم الآخرون بأدوارهم .

من هنا قسّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الغنائم بينهم - في أثناء الطريق ـ على قدم المساواة، وفرز لذوي الشهداء أسهماً منها .

ولقد أثارت طريقة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تقسيم الغنائم (وذلك بقسمتها على جميع المشاركين معه في معركة بدر بالتساوي) سخط «سعد بن أبي وقاص» فقال: يا رسول اللّه أيعطى فارسُ القوم الّذي يحميهم مثل ما يعطى الضعيف؟ فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ثكلتك اُمُّك، وهل تُنْصَرونَ إلاّ بضعفائكم»(1) .

وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقصد أن هذه الحرب لم تكن إلاّ لأجل الدفاع عن الضعفاء، ورفع الحيف عنهم، وانه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يُبعَث إلاّ لإزالة هذه الفوارق والامتيازات الظالمة، وإلاّ لاجل اقرار المساواة في الحقوق بين الناس .

هذا ورغم أن خمس الغنيمة هي بنص آية الخمس(2) للّه ولرسوله ولذي القربى واليتامى وابن السبيل من أهل بيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يخمِّس غنائم «بدر» بل وزّع الخمس على المشاركين في بدر أيضاً .

على أنه يمكن أن تكون آية الخمس لم تنزل آنذاك بعد، أو أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يتمتع باختيارات خاصة، فصرف النظر عن أخذ الخمس لنفسه وقرباه، تكثيراً لأسهم المجاهدين، وذلك ولا ريب خطوة حكيمة جداً وخاصة في أول مواجهة عسكرية مع العدوّ(3) .


1- المغازي: 1 / 99 .
2- الانفال: 1 .
3- وجاء في بعض المصادر التاريخية ان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ضرب من الغنائم أسهما لاشخاص لم يحضروا بدر ولم يشتركوا في القتال مع رغبتهم في ذلك وذلك إما لامور أصابتهم عند الخروج إلى بدر أولقيامهم بمهمات، تتعلق باُمور مراقبة العدو في الطرق أو للقيام بمهمات ادارية داخل المدينة .


(87)

قتل أسيرين في اثناء الطريق:

ولما كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في «الصفراء»(1) وهي أحد المنازل على طريق بدر ـ المدينة عرض عليه الاسرى فأمر بقتل النضر بن الحارث وكان من أعداء المسلمين الالداء .

وأمر بأن يضرب عنق عقبة بن أبي معيط إذ كان بعرق الظبية .

وهنا ينطرح سؤال وهو: إن حكم الإسلام في أسرى الحرب هو أنّهم عبيدٌ للمسلمين والمجاهدين، يُباعون ويشترون باثمان مناسبة فلماذا حكم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في شأن هذين الأسيرين بحكم آخر؟ .

ثم إنَّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي خاطب المسلمين في «بدر» في الأسرى الذين بايديهم وأوصاهم بهم خيراً قائلا:

«إسْتَوْصوا بالاسارى خيراً» .

كيف اتخذ مثل هذا القرار في حق بعضهم؟

يقول أبو عزيز، وكان صاحب لواء في جيش قريش: كنت أسيراً في أيدي رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التمر والخبز عندهم قليل والتمر زادهم، وذلك لوصية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلاّ نفحني بها فأستحي فاردُّها على أحدهم فيردُّهاه علىّ، وكانوا يحملوننا ويمشون(2)!!

مع ملاحظة هذه الاُمور لابدّ من الاذعان بأن قتل هذين الأسيرين كان مما تقتضيه المصالحُ الإسلامية العامة، لا أنه كان بدافع الانتقام، فقد كان ذانك الأسيران من رؤوس الكفر، ومن مخطّطي الخطط الجهنَّمِية ضد الاسلام


1- المغازي: 1 / 6 .
2- السيرة النبوية: 1 / 645، المغازي: 1 / 119 .


(88)

والمسلمين، وضدّ الرسالة والرسول، وكانا ممن يؤلبون القبائل ضدّ رسول الإسلام فلعله لو كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يفرج عنهم ويطلق سراحهم عادوا إلى تدبير المؤمرات ضدّ الإسلام ، والمسلمين، وعملا على تخطيط الخطط، وتأليب القبائل، فلم يكن بدٌ من تصفيتهم والقضاء عليهم .

بشائر النبىّ إلى المدينة:

كلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «عبداللّه بن رواحة»، و «زيد بن حارثة» بأن يسبقاه إلى المدينة، ليبشّرا المسلمين بما حققه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه في بدر من الانتصار الكاسح والفتح المبين، ويخبرا أهلها بمصرع رؤوس الكفر والشرك كعتبة وشيبة وأبي جهل وأبي البختري واُميّة، ونبيه ومنبه و... و...

فما قدم المبعوثان إلى المدينة الا والمسلمون عائدون من دفن ابنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زوجة عثمان بن عفان فامتزجت الافراح بالاحزان، واختلط السرور بانتصار النبىّ وأصحابه بالحزن على موت ابنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

وقد اُرعب المشركون واليهودُ والمنافقون بخبر انتصار المسلمين الساحق على قريش، وراحوا يحاولون تكذيبه، وتفنيده حتّى إذا دخل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة ودخل بعده أسرى قريش أصبح الخبر قطعياً مسلّماً، فباءت محاولات المنافقين بالفشل .

المكيّون يعرفون بمقتل أسيادهم :

كان «الحيسمان الخزاعي» أول من قدم مكة واخبر الناس باحداث «بدر» الدامية وبمصرع طائفة كبيرة من سادة قريش على أيدي المسلمين .

يقول أبو رافع الّذي كان غلاماً للعباس بن عبدالمطلب أنذاك ثم أصبح من أصحاب النبيّ وعلي فيما بعد: كنت غلاماً للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا


(89)

أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلَمَت اُمُّ الفضل و أسلمتُ، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قَد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته اللّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوةً وعزةً .

وقد كنت رجلا ضعيفاً وكنتُ أصنعُ السهام والنبال أنحتها في حجرة زمزم فواللّه بينما أنا جالسٌ فيها أنحت سهامي وعندي اُم الفضل جالسة وقد سرَّنا ما جاءَنا من الخبر عن هزيمة قريش، إذ أقبل أبولهب يجرّ رجليه بشرٍّ حتّى جلس عند طنب(1)الحجرة فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناسُ: هذا أبوسفيان فقال أبولهب: هلمَّ إلىَّ فعندكَ لعمري الخبر .

فجلس إليه والناس قيامٌ عليه فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمرُ الناس؟

قال أبوسفيان: واللّه ما هو إلاّ أن لقينا القومَ فمنحناهم أكتافنا يقودُننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيمُ اللّه مع ذلك مالمتُ الناسَ، لقينا رجالا بيضاً على خيل بُلق بين السماء والأرض، واللّه ما تُبقي شيئاً ولا يقومُ لها شيء .

يقول أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة، ثم قلتُ: تلك واللّهِ الملائكة.

فرفعَ أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربةً شديدة(2) .

اشتراك العباس عمّ النبىّ في بدر:

يبقى أن نعرف أن مسألة اشتراك العباس عمّ النبىّ في غزوة بدر من مشكلات التاريخ وغوامضه، فهو من الذين اَسَرَهُمُ المسلمون في بدر فهو من جانب يشارك في الحرب، ومن جانب آخر يحضر في بيعة العقبة، ويدعو أهل المدينة إلى حماية النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ونصرته .


1- الطنب: الطرف .
2- السيرة النبوية: 1 / 646 و 647 .


(90)

فكيف يكون هذا؟

إن الحل يكمن في ما قاله أبو رافع غلام العباس نفسه: كان العباس قد أسلم ولكنه كان يهاب قومه ويكره خلافهم ويكتم اسلامه، مثل أخيه أبي طالب لاقتضاء المصالح الإسلامية ذلك، ومن هذا الطريق كان يساعد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويخبره بمخططات العدو ونواياه وتحركاته واستعداداته كما فعل ذلك في معركة «أحد» أيضاً(1). فقد كان أول من أخبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بتحرك قريش وخططهم واستعداداتهم .

المنع من النَوح والبكاء في مكة:

وقد أفجع مقتل سبعين رجلا من رجال مكة وفتيان قريش أكثر البيوت والعوائل في مكة، وسلبهم البهجة والفرح، والنشاط والحركة، وتحولت مكة برمتها إلى مأتم كبير، وناحت قريش على قتلاها(2) .

غير أنّ أبا سفيان عمد ـ لابقاء أهل مكة على حالة الحنق والغضب ـ إلى منع النوح والبكاء على القتلى وحث الناس باستمرار على الاستعداد للثأر والانتقام من محمَّد وأصحابه فقال: يامعشر قريش لا تبكوا على قتلاكم، ولاتنح عليهم نائحة ولا يبكهم شاعر، واظهروا الجلد والعزاء فانكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم، فأكلّكم ذلك عن عداوة محمّد وأصحابه. ولعلكم تدركون ثأركم .

ولكي يلهب أبوسفيان مشاعر الناس أكثر فأكثر أو يبقي على سخونتها على الأقل، قال: والدهن والنساء علىّ حرامٌ حتّى أغزو محمّداً .

وكان «الأسود بن المطلب» اُصيب له ثلاثة من ولدة: زمعة وعقيل والحارث بن زمعة، فكان يحب أن يبكي على قتلاه، ولكنه ما كان ليستطيع


1- السيرة الحلبية: 2 / 217 .
2- المغازي: 1 / 122. قال: لم تبق دار بمكة إلاّ فيها نوح .


(91)

ذلك لمنع أبي سفيان من النواح والبكاء على القتلى .

فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلامه ـ وقد ذهب بصرُه وعمي: هل بكت قريشُ على قتلاها لعلىّ أبكي على زمعة، فإن جوفي قد احترق .

فذهب الغلام ورجع إليه فقال: إنما هي امرأة تبكي على بعيرها قد أضلّته، فأنشد الأسود بن المطلب حينها يقول:

أتبكي أن يضلَ لها بعيرُ * ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر(1) ولكن * على بدر تقاصرت الجدودُ

على بدر سراةِ بني هصيص * ومخزوم ورهطِ أبي الوليدِ

وبكّي ان بكيتِ على عقيل * وبكىّ حارثا اسد الاسود(2)

القرار الأخير حول مصير الاسارى:

في هذه المعركة بالذات أعلن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن قرار تاريخي عظيم ورائع هو: أن من علّم من الاسرى عشرة من الغلمان والصبيان من أولاد الأنصار الكتابة والقراءة كان ذلك فداؤه وخلّي عن سبيله من غير أن يؤخذ منه مال(3) .

وان من دفع فدية قدرها أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم خلي سبيله وان من كان فقيرا لامال له اُفرِجَ عنه دون فداء .

فأحدث هذا النبأ في مكة لدى عوائل الاسرى حركة عجيبة ودفعهم إلى التفكير في تقديم الفداء إلى المسلمين، واطلاق اسراهم .

فهيّأ كلُ واحد منهم ما استطاع وقدم المدينة يفدي اسيره .

وعندما اُفرج عن سهيل بن عمرو لقاء فدية قال عمر بن الخطاب لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسول اللّه دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو (أي أسنانه


1- البكر: الفتى من الابل .
2- السيرة النبوية: 1 / 648 .
3- السيرة الحلبية: 2 / 193 .


(92)

الامامية) ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبداً .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا اُمثّل به فيمثل اللّه بي وان كنتُ نبيا»(1) .

وتلك لفتة انسانية اُخرى من لفتات النبىّ العظيم الكثيرة في المعارك .

وقد كان في الاسارى أبوالعاص بن الربيع زوج ابنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : زينب .

وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وقد تزوّج بزينب ابنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الجاهلية .

ولما جاء الإسلام آمنت خديجة برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وآمنت بناته، (ومنهن زينب) كذلك وشهدن أن ما جاء به الحق، ودِنّ بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لا يقدر على أن يفرّق بينهما .

وقد اشترك أبو العاص هذا في معركة بدر مع قريش، واُسر بأيدي المسلمين .

فلمّا بَعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة قد أهدتها اليها ليلة دخول أبي العاص بها (ليلة زفافها) .

فلما رأى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تلك القلادة تذكّر زوجته الوفية خديجة(عليها السلام) وما اسدته إلى الإسلام من خدمات وقدمته من تضحيات، وبكى بكاء شديداً .

فالتفت إلى المسلمين وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها


1- السيرة النبوية: 1 / 649، والمغازي: 1 / 107 يقول صاحب المغازي في صفحة 105 من نفس الجزء: كان عمر (رض) يحض على قتل الاسرى لا يرى أحداً في يديه أسير إلا امر بقتله!!


(93)

مالها فافعلوا.

فقالوا: نعم يا رسول اللّه، نفديك بأنفسنا وأموالنا .

فأطلقوه، وردوا عليها الّذي لها وبذلك احترم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حقوق المسلمين وما يرجع إليهم من أموال بل أنها واللّه أعظم مظهر من مظاهرالديمقراطية، (ان صحّ التعبير) فالنبىّ مع أن له ماله من الولاية على المسلمين يقترح عليهم الافراج عن زوج زينب ويترك الامر لاختيارهم .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ على أبي العاص الميثاق بأن يخلي سبيل زينب، ويبعثها إلى المدينة .

ففعل أبو العاص ما تعهّد به، وبعث زينب إلى المدينة .

ثم إن أبا العاص نفسه أسلم ايضاً وقدم المدينة، وردّ عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زينب بالنكاح الاول أو بنكاح جديد(1) .

رسول الإسلام ومكافحة الاُمية:

كما أنه يتبين من قصة الاسرى الذين اطلق سراحهم لقاء تعليم أولاد المسلمين الكتابة والقراءة مدى اهتمام الإسلام بالثقافة والتثقيف، والوعي والتوعية، فان معرفة القراءة والكتابة بداية التثقيف والتوعية .

ولابدّ أن نقول هنا أيضاً إن اطلاق الاسارى العارفين بالقراءة والكتابة لقاء تعليم صبيان المسلمين تعد أول عملية لمكافحة الامية الّتي اهتم بها العالم الحاضر .

ففي الوقت الّذي كانت الكثير من الدول في عصرالإسلام الاول تمانع من تثقيف أبنائها ورعاياها ـ كما مرّ عليك في دراسة أوضاع الامبراطوريتين الفارسية والرومية ـ أعلن رسول الإسلام ان من لم يكن معه فداء وهو يحسن الكتابة دفع إليه عشرة من غلمان المدينة (أي صبيانها) يعلمهم الكتابة فاذا تعلموا كان ذلك فداءه... وما أعظمها من خطوة ثقافية وحضارية .


1- السيرة النبوية: 1 / 651 ـ 659، بحارالأنوار: 19 / 348 و 349 .


(94)

كلام لابن أبي الحديد في المقام:

يقول العلاّمة ابن أبي الحديد: قرأت على (استاذي) النقيب أبي جعفر البصري العلوي هذا الخبر، فصدّقه وقال: أترى أبابكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد؟ أما كان يقتضي التكريمُ والاحسانُ أن يُطيِّبا قلبَ فاطمة(عليها السلام)، ويستوهب لها من المسلمين (أي يستوهب فدكاً من المسلمين ويردّه عليها) ؟

أتقصُر منزلتُها عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من منزلة زينب اُختِها وهي سيدةُ نساء العالمين؟!

هذا إذا لم يثبت لها حقٌ بالنحلة ولا بالارث؟

فقلت له: فدك بموجب الخبر الّذي رواه أبوبكر قد صار حقاً من حقوق المسلمين، فلم يجز له أن يأخذه منهم .

فقال: وفداء أبي العاص قد صار حقاً من حقوق المسلمين، وقد أخذه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ منهم .

فقلت: رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ صاحب الشريعة، والحكمُ حكمُهُ، وليس أبوبكر كذلك .

فقال: ما قلتُ هلاّ أخذه أبوبكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة(عليها السلام) وإنما قلت: هلاّ استنزلَ المسلمين عنه، واستوهبه منهم لها، كما استوهب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فداءَ أبي العاص؟ أتراه لوقال: هذه بنت نبيكم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد حضرت لطلب هذه النخلات افتطيبون عنها نفساً؟ كانوا منعُوها ذلك؟!

فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبوالحسن عبدالجبّار بن أحمد نحو ذلك .

قال: إنهما لم يأتيا بحَسَن في شرع التكريم، وان كان ما أتياه حسناً في الدين!!

أي ان ما فعلاه وان كان يوافق موازين الدين ـ حسب تصور القاضي ـ ولكنه لا يناسب شأن فاطمة وتكريمها لمقامها ولمكانتها من أبيها رسول اللّه


(95)

ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

هذا وقد أمر اللّه نبيّه الكريم بأن يعلن للاسرى بأن الباب مفتوح أمامهم لينضموا إلى صفوف المسلمين، فينعموا بالاسلام فيعيد اللّه عليهم أفضل مما أخذ منهم ويغفر لهم ذنوبهم، إذ يقول تعالى:

(يا أيّها النبىُّ قُلْ لِمَنْ في أيْدِيكُمْ مِنَ الاُسْرى إنْ يَعْلَمِ اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤتِكُمْ خَيراً ممّا اُخِذَ مِنْكُمْ ويَغْفِرَ لَكُمْ واللّهُ َغَفُورٌ رَحيمٌ)(2) .

وبذلك فتح الإسلام باب الأمل أمام الاسارى، وكشف عن نزعته الإنسانية وأيضاً عن رغبته الصادقة في هداية البشرية، ونجاتها.

كما ضرب بذلك مثلا في الحكمة وحسن السياسة لم يسبق له مثيل .

على انه هدّد الاسرى من ناحية اُخرى إذا أساؤا، وعادوا بعد الخلاص من الاسر إلى التآمر ضد الإسلام .

إذ قال:

(وَإنْ يُريدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللّهَ مِنْ قَبْل فَأمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللّهُ عَليمٌ حَكيمٌ)(3).

وبذلك جمع بين الحزم والحكمة، واللين الحكيم والشدّة المعقولة .

القرآن يتحدث عن بدر:

ولقد ذكَّرَ القرآن الكريم المسلمين، ولا يزال يذكِّرهم بالانتصار الكبير الّذي تحقق للمؤمنين في بدر بفضل ثبات المقاتلين ونصر اللّه وتأييده الغيبي إذ قال:

(إذْ أنْتُمْ بالعُدوَة الدُنيا وَهُمْ بِالعُدوَة الْقُصوى والرَكبُ أسفلَ مِنْكُمْ وَلَو تواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في الْميعادِ وَلكِنْ لِيَقْضيَ اللّهُ أمراً كانَ مَفْعُولا لِيَهْلَكَ مَنْ)


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 334 ـ 352 ولابن أبي الحديد كلام آخر يشبه هذا في اهدار من أسقط جنين زينب فراجع .
2 الانفال: 70 و 71 .
3- الانفال: 70 و 71 .


(96)

هَلَكَ عَنْ بَيّنة وَ يَحيي من حىَّ عَنْ بَيّنة وَإنَّ اللّهَ لَسميعٌ عَليم* إذ يريكَهُمُ اللّهُ في مَنامِكَ قَليلا وَ لَوْ أراكَهُمْ كَثيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الأمْر وَلكنَّ اللّه سلّم إنّهُ عَليمٌ بذاتِ الصُدور* وَ إذْ يُريكمُوهمْ إذ الْتَقَيْتُمْ في أعْيُنِكُمْ قَليلا وَ يُقَللِّكُمْ في أعْيُنِهِمْ ليَقْضِىَ اللّهُ أمْراً كانَ مَفْعُولا وَإلى اللّهِ تُرْجَعُ الاُْمور)(1).

وقال تعالى:

«قَدْ كانَ لَكُمْ آيَة في فِئتين التَقَتا فِئة تُقاتِل في سَبيلِ اللّه وَاُخْرى كافِرة يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأىَ الْعَينَ وَاللّه يُؤيّد بِنَصْرِهِ مَن يَشاء إنَّ في ذلكَ لَعِبْرَة لاُِولي الأبْصار»(2).

وقال تعالى أيضاً:

«إذ تَسْتَغيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ إنّي مُمدكُمْ بألْف مِنَ الْمَلائِكَة مُرْدفين»(3).

وقوله تعالى:

(إذْ يُغَشِّيكُمْ النُعاسُ أمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّل عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماء ماءً لِيُطَهِّركُمْ بِهِ وَ يذهْبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطان وَ لِيَرْبط عَلى قُلُوبكُمْ وَ يُثَبِّتْ بِهِ الأقْدام* إذ يُوحي رَبُّكَ إلى المَلائِكَة أنّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنُوا سَأُلقي في قُلُوبِ الّذينَ كَفَرُوا لرُّعْب فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنان)(4).

وقال سبحانه أيضاً:

(وَ لَقَدْ نَصَرَكُم اللّه بِبَدر وأنْتُم أذِلَّة فاتّقوا اللّه لَعَلّكُم تَشْكُرون* إذْ تَقُولُ للْمؤمِنين ألَنْ يَكْفيكُم أنْ يمدّكُم ربّكُم بثَلاثة آلاف مِنْ الْمَلائِكَةَ مُنْزِلين* بَلى أن تَصْبِروا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُمْ مِنْ فَوْرهم هذا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِنَ المَلائِكَة مُسَوِّمين* وَ ما جَعَلَهُ اللّه إلاّ بُشْرى لَكُمْ وَ لِتَطْمَئنَّ قُلُوبكُمْ بِهِ وَ ما النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِاللّهِ العَزيزُ الحَكيم* لِيَقْطَعَ طَرفاً مِنَ الذين)


1- الانفال: 42 و 44 .
2- آل عمران: 13 .
3- الانفال: 9 .
4- الانفال: 11 ـ 12 .


(97)

كَفَرُوا أَوْ يَكْبتهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائبين)(1) .

وفي هذه الآيات تصريحات واضحة بما كان عليه المسلمون في معركة بدر من حيث قلة العدة والعدد، وبأبرز الامدادات الغيبية الإلهية الّتي ساعدت المسلمين على الانتصار على أعدائهم المشركين، الذين كانوا يفوقونهم في العدة والعدد والسلاح والرجال مع التأكيد على أن ذلك الانتصار العظيم جاء نتيجة ثبات المسلمين واستقامتهم، وصبرهم وإخلاصهم .

وأبرز تلك الامدادات الغيبية هي:

1- مع أن الاعداء كانوا متمركزين في العدوة العليا وهي أعلى الوادي والمسلمين في أسفل الوادي، وكان ذلك من شأنه أن يعزز موقع الكفار لإمكان مراقبة المسلمين من مكان مرتفع كما كان من شأنه أن يجعل هجوم المسلمين على الكفار أمراً صعباً، ولكن كفة الحرب رجحت مع ذلك لصالح المسلمين .

2- إنّهمْ لو كانوا على ميعاد مع العدو، ومع العلم التفصيلي بحجم امكانيته البشرية والقتالية لامتنع عامة المسلمين عن مقابلة المشركين، ولكن شاء اللّه أن لا يعرف المسلمون شيئاً مفصلا عن المشركين، مسبقاً، بل يواجه المسلمون الأمر الواقع، فيتحقق ما أراد اللّه من الانتصار على قريش. وإلى هذا اشار سبحانه بقوله:

(ولو تَواعَدتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في الْميعاد).

3- تقليل عدد المسلمين في أعين المشركين وتقليل عدد المشركين في أعين المسلمين في أول القتال لكي يستقل الاعداء قوة المسلمين، ولكي لا يهاب المسلمون الاعداء ويستعظموا عددهم، وإليه يشير تعالى بقوله:

(إذْ يريكُموهُمْ إذ التَقَيْتُمْ في أعْينكُمْ قَليلا وَ يُقَلِّلكُمْ في أعْيُنِهِمْ)

4- تكبير عدد المسلمين في أعين الكفار في أثناء القتال وإليه يشير تعالى بقوله:


1- آل عمران: 123 ـ 127 .


(98)

(يرونهم مثليهم رأي العين) .

5ـ الإمداد بالملائكة المردفين المسوّمين .

6 ـ النعاس الّذي ألقاه الله على المسلمين فجدد نشاطهم، وضاعف من قوتهم.

7- نزول المطر عليهم والّذي طهّرهم من الاقذار ومكّنهم من الاغتسال عما أصاب بعضهم من حدث، وثبّت الأرض الرمليّة تحت أقدامهم، وقد أشار سبحانه إلى كل ذلك في الآية 11 من سورة الانفال .

8- تثبيت قلوب المؤمنين بواسطة الملائكة .

9ـ القاء الرعب في قلوب الكفار وإلى هذين النوعين من الإمداد الغيبي اشار بقوله: (فثبِّتُوا الّذين آمَنُوا سَأُلقي في قُلُوبِ الّذين كَفَرُوا الرُّعْبَ) .

كما ويشير القرآن الكريم في هذا السياق إلى دور الشيطان في هزيمة الكفار فهو الّذي يغري وهو الّذي يخذل عند اللقاء يقول سبحانه:

(وَ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ وقال لا غالِبَ لكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَ إنّي جارٌ لَكُمْ فَلمّا تراءَتْ الفِئتانُ نَكَصَ على عَقِبَيْه وَ قال إنّي بريء مِنْكُمْ إنّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنّي أخافُ اللّه وَ اللّهُ شَديدُ الْعِقاب)(1).

كما أن القرآن يتحدث أيضاً عن حالة المشركين عندما أتوا إلى بدر لمواجهة المسلمين وما كانت تنطوي عليه نفوسهم فيقول:

(وَ لا تَكُونُوا كَالَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النّاسِ وَ يُصدُّونَ عَنْ سْبيل اللّه وَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحيط)(2) .

كما ويعزي هزيمتهم إلى سبب رئيسي وحقيقي وهو مشاققة اللّه ورسوله إذ يقول:

(ذلِكَ بِأنَّهُمْ شاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقاب)(3).


1- الانفال: 48 .
2- الانفال: 47 .
3- الانفال: 13 .


(99)

وينبغي الاشارة في ختام هذا العرض التفصيلي ـ نوعاً مّا ـ لوقعة بدر إلى تكتيكات النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحربية، وإلى أساليبه الحكيمة في تقوية معنويات المسلمين وإلى جانب تنظيم صفوفهم، ممّا لا يسع المجال لذكره على وجه التفصيل الكامل.


(100)

30

زواج سيدة النساء

فاطمة بنت رسول اللّه(1)

إن الرغبة الجنسيّة حالة تظهر عند البلوغ لدى كل انسان، وربما تنحرف بالشاب وتهوي به في أحضان الفساد والسقوط الاخلاقي إذا لم تتوفر له أجواء التربية الصحيحة ولم تتح له الفرصة المناسبة، والمسير الصحيح لتنفيذ تلك الرغبة، والاستجابة لها بصورة صحيحة.

وان خير وسيلة للحفاظ على العفة الفردية والحياء العام، وتجنيب الفرد والمجتمع مفاسد وأخطار الإنحراف الجنسىّ هو الزواج .

فان الإسلام يحتمّ على الرجل والمرأة ـ تأكيداً لحكم الفطرة وتمشّياً مع ناموس الطبيعة البشرية ـ أن يتزوجا طبقاً لضوابط خاصّة تضمن سلامة الزيجة ودوامها .

وقد جاء هذا التأكيد، والحديث في الكتاب العزيز، والسنة الشريفة بمختلف الصور، وتحت مختلف العناوين:

فقد جاء في الكتاب العزيز:

«وَأَنْكَحُوا الاَْيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إمائِكُمْ انْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهُمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّهُ واسِعٌ عَليمٌ»(2) .


1- كان زواج فاطمة بعد وقعة بدر، راجع بحار الأنوار: 43 / 79 و 111 .
2- النور: 32 .


(101)

وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا الصدد:

«تزوّجوا فانّي مكاثرٌ بكمُ الاُممَ غداً في القيامة»(1) .

وقال أيضاً:

«من أحب أن يلقى اللّه طاهراً مطهَّراً فلْيلقه بزوجة»(2).

مشاكل الزواج في العصر الحاضر:

على أن مشاكل الزواج في عصرنا الحاضر لا تنحصر ـ وللاسف ـ في مشكلة واحدة أو مشكلتين .

فالرجال والنساء اليوم يقدمون على الزواج ـ غالباً ـ في ظروف صعبة، وأوضاع رديئة، وتنتهي أكثر الزيجات بسبب تلك الظروف والاوضاع وبسبب، ما يلابسها من مستلزمات قاسية وثقيلة بالطلاق والافتراق بعد سلسلة من الخلافات والمنازعات .

فتلك هي صحف البلاد تحمل في أبوابها الاجتماعية كلَّ يوم عشرات الانباء والأخبار عن الجرائم الزوجية وتعالج عشرات المشاكل في مجال العائلة .

ولكن أكثر هذه المشاكل والمصائب تدور حول قضية واحدة، وهي أن الفتيان والفتيات في مجتمعاتنا الحاضرة ليسوا بصدد تشكيل عائلة تضمن سعادتهم الواقعية .

فالبعض يهمّه من الزواج أن يصل عن طريقه إلى المناصب الراقية الحساسة .

والبعض الآخر يهمّه من الزواج الحصول على الثروة والمال .

وقلّما يفكر المقدمون على الزواج، وتأسيس العائلة في اُمور هامة وجوهرية كالعفة والطهر، وإذا لوحظ هذا الجانب فإنما يلاحظ بصورة هامشية، لا أساسية.

ويدل على ذلك أن الشباب يتنافس غالباً على التزوج بفتيات من العوائل المعروفة ذات المكانة والشهرة الاجتماعية والمالية، والحال أنه يمكن أن تكون


1 ـ وسائل الشيعة: 14 / 3 و 6 .
2- وسائل الشيعة: 14 / 3 و 6 .


(102)

تلك الفتيات غير متصفات بالاخلاق النبيلة، ولا يكنَّ من حيث الجانب المعنوي بالنوع الجيد، الجدير بالاهتمام، الصالح للاقتران به .

فما أكثر الفتيات الفاضلات، الطيبات هنا وهناك في زوايا المجتمع اللائي لايهتم بهن الشباب، لفقرهنّ، وقلة ذات ايديهن. أو لعدم شهرة عوائلهن .

على أن الأسو من ذلك كلّه ما اصبح يكلِّفُهُ الزواج في عصرنا الحاضر من نفقات باهضة نتيجة تزايد التقاليد المبتدعة في مجال إقامة الاعراس وحفلات القران والزواج، الأمر الّذي أصبح يرهق كاهل الزوجين، ويتعب عائلتيهما، مثل مشكلة المهور الباهضة، وما شابه ذلك مما هو في تصاعد مستمر في بلادنا، الأمر الّذي دفع بالبعض إلى ترك الزواج، واشباع غرائزهم الجنسيّة بالوسائل غير المشروعة، ومن ثم شيوع اللاابالية، والاباحية في المجتمعات .

رسول الإسلام يكافح هذه المشاكل عمليّاً:

تلك طائفة من المشاكل الاجتماعية الّتي كانت ولا تزال موجودة في كل مجتمع بنسب خاصة .

ولم تكن الفترة الّتي عاصَرَها رسولُ الإسلام بمستثناة من هذا الأمر فقد كانت هناك في المجتمع في عصر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مشاكل مماثلة في الزواج .

فقد كان أشراف العرب لا يزوّجون بناتهم إلاّ لمن كان من قبيلة ذات مال وشوكة، ومكانة وقوة، ويردّون كل خاطب لبناتهم يكون على غير هذه الصفة .

وقد كان الأشراف، يصرّون ـ تبعاً لتلك العادة ـ على أن يتزوّجوا بابنة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ السيدة فاطمة لانهم كانوا يتصوّرون أن النبىّ لن يتشدد في هذا الأمر، بل يكفيه أنهم ذو ثروة ومكانة اجتماعية مرموقة .

وكانوا يتصوّرون أنهم يمتلكون كلّ ما يهمّ الفتاة وأباها من الامكانيات المادية، كيف لا والنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتشدد في زواج ابنتيه الاوليين:


(103)

زينب ورقية .

ولكنهم غفلوا عن أن هذه الفتاة (أي فاطمة الزهراء(عليها السلام)) تختلف عن اُختيها السابقتين .

إنها ـ كما تدل عليه آية المباهلة(1) ـ ذات مقام رفيع، وشأن كبير .

لقد أخطأ خُطّاب فاطمة(عليها السلام) في هذا التصور، وما كانوا يعلمون أن زوج فاطمة وقرينها لا يمكن أنّ يكون إلاّ كفؤها في التقوى والفضل، والايمان والاخلاص، فاذا كانت فاطمة ـ بحكم آية التطهير ـ معصومة من الذنب وَجَبَ أن يكون زوجُها هوالآخر معصوماً والا لم يكن كفوْها المناسب .

وليس المال وليست الثروة ملاك هذا التكافؤ .

لقد قال الإسلام: «إذا خطبَ إليكُم كفو فزوّجوه» .

ويفسر هذا التكافؤ بالمماثلة والتكافؤ في الايمان والتقوى، والطهارة والعفاف، لا في المال والثروة(2) .

ولقد كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مأموراً من جانب اللّه تعالى أن يقول لكل من خطبَ إليه «فاطمة» من اولئك الرجال: «أمرها بيد اللّه» وهو بهذه الاجابة يكشف القناع عن الحقيقة إلى درجة مّا .

ولقد أدرك أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن زواج «فاطمة» ليس أمراً سهلا وبسيطاً، وأنه ليس لمن كان من الرجال وان بلغ من الثراء، والمكانة الاجتماعيّة أن يحظى بالزواج منها، فان زوج «فاطمة» ليس إلاّ من يشابهها من حيث الأخلاق والفضائل، والصدق والايمان، والطهر، والاخلاص، بل ويلي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في السجايا الكريمة والصفات الرفيعة،


1- آل عمران: 61 .
في قضية المباهلة اصطحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ علياً والحسن والحسين وفاطمة دون غيرها من النساء وسيأتي مفصل هذه القصة .
2- راجع الوسائل: 14 / 50 ـ 52 .


(104)

والخلق العظيم .

ولا تجتمع هذه الصفات والمواصفات إلاّ في «علي» ـ عليه السَّلام ـ لا سواه .

وللتأكد من هذه الحقيقة اقترح بعض الصحابة على (علىّ) ـ عليه السَّلام ـ أن يخطب إلى النبىّ فاطمة صلوات اللّه عليهما(1) .

وكان علي ـ عليه السَّلام ـ يريد ذلك في نفسه، ويرغب إليه من كل قلبه إلاّ أنه كان ينتظر الفرصة المناسبة ليقدم على هذا الأمر .

فاتى علي ـ عليه السَّلام ـ بنفسه إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولما رآه رسول اللّه قال: ما جاء بك يا أبا الحسن، حاجتك .

فمنع الخجل علياً من البوح بمطلبه وسكت، وأطرق براسه إلى الارض، حياء من النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فأجاب عليٌ ـ عليه السَّلام ـ بكلمات ضمّنها رغبته في الزواج من فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد كان هذا النمط من الخطبة علامة واضحة لما كان بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبين علي ـ عليه السَّلام ـ ، من الاخوة والصفاء، ولما تحلّى به الجانبان من اخلاص وودّ. وما أروعها من ظاهرة. حقاً أنّ المبادىء والانظمة التربوية لم تستطع أن تعلّم الشباب الذين يقدمون على الخطبة إلى أحد مثل هذه الحرية، المقرونة بالتقوى، والايمان والاخلاص .

لقد وافق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على طلب علي ـ عليه السَّلام ـ وقال:

«يا علىّ أنه لقد ذكرها قبلك رجال فذكرتُ ذلك لها فرأيتُ الكراهة في وجهها، ولكن على رسلك حتّى أخرجَ اليك» .

ثم دخل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على فاطمة، فذكر لها الأمر، وأن علياً ـ عليه السَّلام ـ خطبها إليه قائلا:


1- بحارالأنوار: 43 / 93 .


(105)

«إن علي بن أبي طالب من قد عرفتِ قرابته، وفضله واسلامه، واني قد سالت ربي أن يزوّجك خير خلقه، وأحبهم إليه وقد ذكر من أمرك شيئاً فماترين؟» .

فسكتت فاطمة سلام اللّه عليها، ولم ير رسول الّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في وجهها كراهة فقام وهو يقول:

«اللّهُ أكبر، سكوتُها إقرارها»(1) .

ولكن عليّاً ـ عليه السَّلام ـ لم يكن يملك آنذاك إلا سيفاً، ودرعاً فقط .

فأمره رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يبيع درعه، ويهيء بثمنه عدة الزواج وجهاز العروس، فباع علي ـ عليه السَّلام ـ درعه، وأتى بثمنه إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسكب المال بين يديه(2) .

فقبض ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبضة الدراهم، ودعا بلالا فأعطاه فقال:

«ابتع لفاطمة طيباً» .

ثم أعطى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بقية تلك الدراهم إلى ابي بكر وعمّار بن ياسر وأمرهما أن يبتاعا لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، وما شاكل ذلك من احتياجات العروسين .

ففعلا ذلك واشتريا ما أمرهما به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فكان جهاز فاطمة كالتالي:

جهاز فاطمة:

1- قميص بسبعة دراهم .

2- خِمار(3) بأربعة دراهم .


1- نفس المصدر السابق .
2- وفي رواية عن علىّ ـ عليه السَّلام ـ : فسكبت الدراهم في حجره فلم يسألني كم هي ولا أنا أخبرته .
3- الخمار: مقنعة .


(106)

3- قطيفة سوداء لاتكفي لتغطية كلّ البدن .

4ـ سرير مزمل بشريط (أي مصنوع من جريد النخل واليافه) .

5ـ فراشان من خيش(1) مصر، حشو أحدهما ليف، وحشو الآخر من صوف الغنم .

6ـ اربع مرافق(2) اثنان من الصوف واثنان من الليف .

7ـ ستر .

8ـ حصير هجري .

9ـ رحى لليد .

10- مخضب(3) من نحاس.

11- سقاء من ادم .

12- قعب للّبن .

13- شنّ(4) للماء .

14- مطهرة مزفّته(5) .

15- جرّة خضراء.

16- كيزان خزف .

فلما عرض المتاع على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جعل يقلّبه بيده ويقول: «اللهمّ بارك لقوم جُلُّ آنيتهم الخزف»(6) .

إن في مهر فاطمة اموراً تدعو إلى التأمل حقاً، أبرزها مقدار ذلك المهر .

فمهرها هو مهر السنّة وهو خمسمائة درهم(7) .

إن هذه الزيجة ـ في الحقيقة ـ خير درس للآخرين، للفتيان والفتيات الذين يئنون من ثقل المهر وبهاضته وربما يئنون من قيود الزواج وشروطه .


1- الخيش: نسيج خشن من الكتان .
2- المرفقة: الوسادة .
3- المخضب: اناء للمسك والطيب .
4- الشنّ: القربة .
5- مطلية بالزفت .
6- بحارالأنوار: 43 / 94، كشف الغمة: 1 / 359 .
7- وسائل الشيعة: 5 / 18 .


(107)

ان البيئة الزوجية يجب أن تكون ـ أساساً ـ بيئة دفء وحنان، بيئة اخلاص ومودة. بيئة سلام ووفاق فهذا هو ما يسعد الحياة الزوجية ويوفر للزوجين عيشا هانئاً محبباً .

أما المهور الثقيلة، والنفقات الباهضة والجهاز المُكلِف فلا تؤدي إلاّ إلى تعكير صفو الحياة الزوجية، والتقليل من بريق الرابطة العائلية، وبالتالي لا تضمن مستقبل الزواج ودوامه، والمحافظة عليه من الهزات .

إن أولياء الفتيات ـ في عصرنا الحاضر ـ يعمدون بغية دعم مكانة فتياتهم وتقوية مركزهن وضمان مستقبلهن إلى فرض سلسلة طويلة وثقيلة من الشروط والقيود ومنها المهر الباهض على العريس حتّى لا يستطيع أن يقوم بطلاق زوجته تحت دوافع الهوى والشهوة، أو كلما سولت له نفسه ذلك، على حين أن هذا الاجراء لا يضمن بقاء الرابطة الزوجية، ودوامها بل العلاج الحقيقي والناجح هو اصلاح الوضع الاخلاقي للشباب، ورفع مستواهم المعنوي .

يجب أن تكون بيئتنا الثقافية والاجتماعية من الطهر والنقاوة بحيث لا يوجد في رحابها امثال هذه النوازع الشريرة عند شبابنا، والا لبلغ الأمر إلى نقطة تستعد فيه الفتاة إلى بذل مهرها للنجاة بنفسها من البيت الزوجي .

مراسم الزواج تقام ببساطة:

ثم بعد أن عقد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ على فاطمة(عليها السلام)في رحاب مسجده على مرأى ومسمع من المسلمين وفي جو يسوده الفرح والابتهاج والسرور قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ هيّئ منزلا حتّى تحوَّل فاطمة إليه فأخذوا منزل أحد الصحابة بصورة مؤقتة، وحوّلت فاطمة إلى علي ـ عليه السَّلام ـ في منزل ذلك الصحابي الجليل، في زفاف جميل مبارك وقد صنع علىٌّ طعاماً من لحم وتمر وسمن واطعم المسلمين جميعاً تقريباً، وساد الناس فرح عظيم لم يشهد له نظير .

عن ابن بابويه: أمر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بنات عبدالمطلب ونساء


(108)

المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة(عليها السلام) وان يفرحن، ويرجزن ويكبرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضى اللّه .

قال جابر: فأركبها على ناقته ـ وفي رواية على بغلته الشهباء ـ وأخذ سلمان زمامها والنبىّ وحمزة وعقيل وجعفر وأهل البيت يمشون خلفها مشهرين سيوفهم ونساء النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قدامها يرجزن، فانشأت اُم سلمة تقول:

سرن بعون اللّه جاراتي * واشكرنه في كل حالات

واذكرنَ ما أنعم رب العُلى * من كشف مكروه وآفات

فقد هدانا بعد كفر وقد * انعشنا رب السماوات

وسرن مع خير نساء الورى * تفدى بعمات وخالات

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لما دخلوا الدار أنفد إلى علي ـ عليه السَّلام ـ ثم دعا فاطمة(عليها السلام) فأخذ يدها وقد علاها الاستحياء وتصبب منها العرق خجلا، بل وقد تعثرت من شدة خجلها فقال لها رسول اللّه: «اقالك اللّه العثرة»(1) .

ووضعها في يده وقال:

«باركَ اللّهُ في ابنة رسول اللّه، يا علي نعم الزوجة فاطمة، ويا فاطمة نعم الزوج علي».

ثم أخذ بيده اناء فيه ماء وصب منه على رأس فاطمة وبدنها ودعا لهما قائلا:

«اللّهم اجمع شملهما، والّف بين قلوبهما، واجعلهما وذريتهما من ورثةِ جنةِ النعيمِ وارزقهما ذريةً طاهرةً طيبةً مباركةً، واجعل في ذريتهما البركة، واجعلهم أئمةً يهدون بأمرك إلى طاعتِك، ويأمرون بما يرضيك .

اللّهم انّهما أحبّ خلقك إلىّ، فاحبهما واجعل عليهما منك حافظاً، وانّي أعيذهُما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم»(2) .


1- بحارالأنوار: 43 / 96 .
2- بحارالأنوار: 43 / 114 ـ 118 .


(109)

وبذلك أبدى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من نفسه في تلك الليلة صفاء واخلاصاً لم يعرف له نظير حتّى في مجتمعاتنا الحاضرة رغم ما حققته من تكامل ورشد .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عدد لفاطمة فضائل علي كما ذكر لعلي فضائل فاطمة وانها «لولم يخلق علي لما كان لها كفؤ»(1). ثم ذكر لهما وظائفهما وواجباتهما العائلية فأوكل إلى فاطمة ما هو في داخل البيت من شؤون وأوكل إلى علي ما هو من شؤون الخارج .

ولابدّ أن نذكر هنا قصة هامة أداء لحق فاطمة، وبياناً لمقامها .

يقول أنس بن مالك: إن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر فيقول:

«الصلاة يا أهل البيت، انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً»(2).

هذا وقد كانت هذه الزيجة أفضل زيجة في الإسلام وأكثرها بركة وخيراً، فقد عاش هذان القرينان الطاهران جنبا إلى جنب في وئام ووداد، في حياة زوجية طاهرة يسودها الاحترام المتقابل، والاخلاص الكامل من بدايتها إلى نهايتها .

وقد أنجبا أفضل الاولاد والبنات أبرزهم: الامام الحسن والامام الحسين(عليهما السلام)سبطا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الاثيران لديه، والمقربان إليه وزينب بنت علي الّتي رافقت أخاها في وقعة كربلاء الدامية وكان لها مواقف عظيمة ومشرفة في الرعاية للحق والعدل، ونصرة الإسلام ، وغيرهم من الاولاد ذكوراً واناثاً .

وقد بقي كلا الزوجين (علي وفاطمة) حتّى آخر اللحظات عارفين بمكانة


1- مسند احمد بن حنبل: 2 / 259 .
2- الدر المنثور: 5 / 199 .


(110)

الآخر، فكلاهما من أهل البيت الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وكلاهما من القربى الذين أمر بمودتهم ولهذا لم يتزوّج علي ـ عليه السَّلام ـ على الزهراء امرأة اُخرى الا بعد وفاتها، كما فعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالنسبة إلى خديجة، وفاء لحقها، واحتراماً لمقامها .

لكن بعض الايادي دسّت ـ مع الأسف ـ في التاريخ أباطيل للتقليل من شأن هذين الزوجين الطاهرين، والحط من مكانتهما، فنسبت إليهما التنازع، والتشاجر، أو نسبت إلى فاطمة شكاية علىّ ـ عليه السَّلام ـ إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأوردت في هذا المجال روايات مختلقة، لا أساس لها من الصحة، تفندها أخلاق علي وفاطمة وتقواهما وزهدهما، وتكذّبُها ما جاء في شأنهما وجلالة قدرهما من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية .

وقد استند أعداء الإسلام التقليديون إلى امثال هذه الروايات لمسخ صورة الإسلام الحنيف وتشويه سمعة رجاله العظماء ونسائه الخالدات الطيبات .

فهذا هو المستشرق النصراني الحاقد الاستاذ اميل درمنغم في كتابه المليء بالاباطيل: «حياة محمّد» ترجمة الاستاذ محمّد عادل زعيتر بعد ان يلصق برسول السلام تهماً عجيبة ويصفه بالبدوىّ الحمس، يقع في علي وفاطمة(عليها السلام)!!

فتارة يقول: إن فاطمة كانت عابسة دون رقية جمالا، ودون زينب ذكاءً، وإنها لم تكن ترغب في علىّ لانها كانت تعدّ علياً دميماً محدوداً مع عظيم شجاعته!! وان علياً كان غير بهىّ الوجه.. و... و.. مع أنه كان تقياً شجاعاً صادقاً وفياً مخلصاً صالحاً مع توان وتردد!!

وكان إذا عاد إلى منزله من العمل بشيء من القوت قال لزوجته فاطمة عابساً: كلي واطعمي الاولاد!! وأن علياً كان يحرد بعد كل منافرة ويذهب لينام في المسجد وكان حموه يربّته على كتفه ويعظه ويوفّق بينه وبين فاطمة إلى حين، وممّا حدث أن رأى النبىّ ابنته في بيته ذات مرة وهي تبكي من لكم عليّ لها!!


(111)

ثم يقول: إن محمّداً ـ مع امتداحه قدمَ علي في الإسلام ارضاءً لابنته ـ كان قليل الالتفات إليه وكان صهراً النبىّ الامويان: عثمان الكريم وأبو العاص أكثر مداراةً للنبىّ من علىّ، وكان علىٌ يألم من عدم عمل النبىّ على سعادة ابنته ومن عدّ النبىّ له غير قوّام بجليل الأعمال فالنبىّ وان كان يفوّض إليه ضرب الرقاب كان يتجنب تسليم قيادة إليه!!(1)

إلى غير ذلك من الترهات والسخافات الّتي الصقها تارة برسول اللّه الاكرم محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، واُخرى بحبيبه وابن عمه ووصيه الامام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

إن أفضل اجابة عن هذه الافتعالات هو ما كتبه العلامة الاميني حيث يقول:

كلّ ما في الكتاب من تلكم الاقوال المختلقة، والنسب المفتعلة إن هي إلاّ كلم الطائش، تخالف التاريخ الصحيح، وتضادّ ما أصفقت عليه الاُمَّة الإسلاميَّة، وما أخبر به نبيّها الأقدس .

هل تناسب تقولاته في فاطمة مع قول أبيها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فاطمة حوراء إنسيّة كلّما اشتقتُ إلى الجنَّة قبَّلتها؟!(2) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ابنتي فاطمة حوراء آدميَّة؟!»(3) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «فاطمة هي الزهرة؟»(4).

أو قول اُمّ أنس بن مالك: كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر أو الشمس كفر غماماً، إذ خرج من السحاب بيضاء مشربة حمرة، لها شعر أسود، من أشدِّ الناس برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ شبهاً، واللّه كما قال الشاعر:

بيضاء تسحب من قيام شعرها * وتغيب فيه وهو جثلٌ أسحمٌ(5)


1- هذه المقتطفات اخذت من كتاب حياة محمّد: ص 197 ـ 199 .
2- تاريخ الخطيب البغدادي: 5 / 86 .
3- الصواعق: ص 96، اسعاف الراغبين: ص 172 نقلا عن النسائي .
4- نزهة المجالس: 2 / 222 .
5- جثل الشعر: كثر والتف واسود فهو جثل، سحم فهو اسحم: اسود .


(112)

فكأنَّها فيه نهارٌ مشرقٌ * وكأنَّه ليلٌ عليها مظلم(1)

ولقبها الزهراء المتسالم عليه يكشف عن جليَّة الحال .

وهل يساعد تلك التحكمات في ذكاء فاطمة وخلقها قول اُمّ المؤمنين خديجة رضي اللّه عنها: كانت فاطمة تحدِّث في بطن اُمِّها، ولمّا ولدت فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدةً رافعةً اصبعها؟!(2) .

أو يلائمها قول عائشة: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلا وهدياً وحديثاً برسول اللّه في قيامه وقعوده من فاطمة، وكانت إذا دخلت على رسول اللّه قام إليها فقبّلها ورحَّب بها، وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه؟!(3) .

وفي لفظ البيهقي في السنن ج 7، ص 101: ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحديث .

وهل توافق مخاريقه في الامام عليّ صلوات اللّه عليه، وعدم بهاء وجهه، وعدّ فاطمة له دميماً وكونه عابساً مع ماجاء في جماله البهىِّ: انَّه كان حسن الوجه كأنَّه قمر ليلة البدر، وكأنَّ عنقه إبريق فضَّة(4) ضحوك السنِّ(5) فإن تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم؟!(6)

وأين هي من قول أبي الأسود الدؤلي من أبيات له؟!:

إذا استقبلتَ وجه أبي تراب * رأيتَ البدر حار الناظرينا(7)


1- مستدرك الحاكم: 3 / 161 .
2- سيرة الملا، ذخائر العقبى: ص 45، نزهة المجالس: 2 / 227 .
3- اخرجه الحافظ ابن حبان كما في ذخائر العقبى 40 م، والحافظ الترمذي وحسنه، والحافظ العراقي في التقريب كما في شرحه له ولابنه: 1 / 150، وابن عبد ربه في العقد الفريد: 2 / 3، وابن طلحة في مطالب السؤول: ص 7، اسعاف الراغبين: ص 171 . 4- كتاب صفّين: ص 262، الاستيعاب: 2 / 469، الرياض النضرة: 2 / 155، نزهة المجالس: 2 / 204 .
5- تهذيب الاسماء واللغات للامام النووي .
6- حلية الأولياء: 1 / 84، تاريخ ابن عساكر: 7 / 35، المحاسن والمساوئ: 1 / 32 .
7- تذكرة السبط: ص 104 .


(113)

نعم:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله * فالناس أعداءٌ له وخصومُ

كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسداً وبغضاً: إنّه لدميمُ

أو يَخبرك ضميرك الحرّ في علي ما سلقه الرجل به من (التواني والتردُّد)؟!

وعلىُّ ذلك المتقحم في الأهوال، والضارب في الأوساط والأعراض في المغازي والحروب; وهو الّذي كشف الكرب عن وجه رسول اللّه في كلِّ نازلة وكارثة منذ صدع بالدين الحنيف، إلى أن بات على فراشه وفداه بنفسه، إلى أن سكن مقرَّه الأخير .

أليس عليٌّ هو ذلك المجاهد الوحيد الّذي نزل فيه قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللّه). وقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاةِ اللّه).(1)

فمتى خلى علىُّ عن مقارعة الرجال والذبِّ عن قدس صاحب الرّسالة حتّى يصحّ أن يُعزى إليه توان أو تردّد في أمر من الامور؟! غير ان القول الباطل لا حدَّله ولا أمد.

وهل يتصوَّر في أميرالمؤمنين تلك العشرة السيّئة مع حليلته الطاهرة؟! والنبىُّ يقول له: أشبهت خَلقي وخُلقي وأنت من شجرتي الّتي أنا منها(2) .

وكيف يراه النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أفضل اُمَّته أعظمهم حلماً، وأحسنهم خلقاً، ويقول: علىٌّ خير اُمَّتي أعلمهم علماً وأفضلهم حلماً؟!(3) .

ويقول لفاطمة: إنّي زوَّجتكِ أقدم اُمَّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً؟!(4).


1- راجع الجزء الثالث من «الغدير»: ص 47، 53 ط ثاني.
2- تاريخ البغداد للخطيب: 11 / 171 .
3- الطبري، الخطيب، الدولابي. كما في كنزل العمال: 6 / 153 و 392 و 398 .
4- مسند أحمد: 5 / 26، الرياض النضرة: 2 / 194، ذخائر العقبى: ص 78، مجمع الزوائد: 9 / 101، 114، وصححه ووثق رجاله .


(114)

ويقول لها: زوَجتكِ أقدمهم سلماً، وأحسنهم خُلقاً؟!(1).

يقول هذه كلّها وعشرته تلك كانت بمرأى منه ومسمع، أفك الدجّالون، كان علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ كما أخبر به النبىُّ الصادق الأمين .

وهل يقبل شعورك ما قذف به الرجل (فضَّ اللّه فاه) عليّاً بلكم فاطمة بضعة المصطفى؟! وعليٌّ هو ذاك المقتص أثر الرسول وملأ مسامعه قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لفاطمة: إنّ اللّه يغضب لغضبكِ، ويرضى لرضاكِ(2) .

وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو آخذ بيدها: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي بضعةٌ منّي، هي قلبي وروحي الّتي بين جنبىَّ، فمن آذاها فقد آذاني (3).

وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فاطمة بضعةٌ منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها (4).

وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فاطمة بضعةٌ مني، فمن أغضبها فقد أغضبني(5) .

وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فاطمة بضعةٌ منّي، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها(6).


1- أخرجه أبو الخير الحاكمي كما في الرياض النضرة: 2 / 182 .
2- مستدرك الحاكم: 3 / 154 و صحيحه، ذخائر العقبى: 39، تذكرة السبط: 175، مقتل الخوارزمي: 1 / 52، كفاية الطالب: 219، شرح المواهب للزرقاني: 3 / 202، كنوز الدقائق للمناوي: 30، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل: 1 / 185، كنز العمال: 7 / 111 عن الحاكم وابن النجار، تهذيب التهذيب: 12 / 443، الاصابة: 4 / 378، الصواعق: 105، الاسعاف: 171 عن الطبراني، ينابيع المودة: 173 .
3- الفصول المهمة: 150، نزهة المجالس: 2 / 228، نور الابصار: 45 .
4- صحاح البخاري ومسلم الترمذي، مسند أحمد: 4 / 328، الخصائص للنسائي: 35، الاصابة: 4 / 378 .
5- صحيح البخاري: خصائص النسائي: 35 .
6- مسند أحمد: 4 / 323 و 332، الصواعق: 112 .


(115)

وهل يقصر امتداح النبىّ عليّاً بقدم إسلامه؟! حتّى يتفلسف في سرِّه ويكون ذلك إرضاءً لإبنته، على أنّ إمتداحه بذلك لوكان لتلك المزعمة لكان يقتصر ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على قوله لفاطمة في ذلك وكان يتأتّى الغرض به، فلماذا كان يأخذ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بيد علىٍّ في الملأ الصحابي تارةً ويقول: إنَّ هذا أوَّل من آمن بي، وهذا أوّل من يصافحني يوم القيامة؟ ولماذا كان يخاطب أصحابه اُخرى بقوله: أوّلكم وارداً علىَّ الحوض أوّلكم اسلاماً علىّ بن أبي طالب؟!

وكيف خفي هذا السرّ المختلق على الصحابة الحضور والتابعين لهم باحسان فطفقوا يمدحونه ـ عليه السَّلام ـ بهذه الاثارة كما يروى عن: سلمان الفارسي، أنس بن مالك، زيد بن ارقم، عبداللّه بن عبّاس، عبداللّه بن حجل، هاشم بن عتبة، مالك الاشتر، عبداللّه بن هاشم، محمد بن أبي بكر، عمرو بن الحمق، أبوعمرة عدّي بن حاتم، أبي رافع، بريدة، جندب بن زهير، اُمّ الخيربنت الحريش .

وهل القول بقلّة إلتفات النبىّ إلى علىّ يساعده القرآن الناطق بأنَّه نفس النبيِّ الطاهر؟! أو جعل مودَّته أجر رسالته؟!

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث الطير المشويِّ الصحيح المروىّ في الصحاح والمسانيد: اللّهم أئتني با حبِّ خلقك إليك لياكل معي؟!

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعائشة: «إنّ عليّاً أحبّ الرجال إلىَّ، وأكرمهم علىّ، فاعرفي له حقّه واكرمي مثواه؟!»(1) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أحبّ الناس إلىّ من الرجال علىُّ؟!»(2) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «علىٌّ خير من أتركه بعدي؟!»(3) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «خير رجالكم علىُّ بن أبي طالب، وخير


1- أخرجه الحافظ الخجندي كما في الرياض: 2 / 161، وذخائر العقبي: 62 .
2- وفي لفظ: أحب أهلي، من حديث اسامة .
3- مواقف الايجي: 3 / 276، مجمع الزوائد: 9 / 113 .


(116)

نسائكم فاطمة بنت محمّد؟!(1) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «علىٌّ خير البشر فمن أبى فقد كفر»(2) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من لم يقل علىٌّ خير الناس فقد كفر؟!»(3) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : في حديث الراية المتّفق عليه: لاُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله ؟

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «عليٌّ منّي بمنزلة الرأس (رأسي) من بدني أو جسدي؟(4) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «علىٌّ منّي بمنزلتي من ربّي؟»(5) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «علىٌّ أحبّهم إلىَّ وأحبّهم إلى اللّه»(6) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلىّ: «أنا منك وأنت مني. أو: أنت منّي وأنا منك؟(7) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «عليٌّ منّي وأنا منه، وهو ولىُّ كلِّ مؤمن بعدي؟(8) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث البعث بسورة البراءة المجمع على


1- تاريخ بغداد للخطيب: 4 / 392 .
2- تاريخ الخطيب عن جابر، كنوز الحقائق هامش الجامع الصغير: 2 / 16. كنز العمال: 6 / 159 .
3- تاريخ الخطيب البغدادي: 3 / 192، عن ابن مسعود. كنزالعمال: 6 / 159 .
4- تاريخ الخطيب: 7 / 12، الرياض النضرة: 2 / 162، الصواعق: ص 75 م ـ الجامع الصغير للسيوطي، شرح العزيزي: 2 / 417، فيض القدير: 4 / 357، نورالأبصار: ص 80، مصباح الظلام: 2 / 56 .
5- الرياض النضرة: 2 / 163، السيرة الحلبية: 3 / 391 .
6- تاريخ الخطيب: 1 / 160 .
7- مسند أحمد: 5 / 204، خصائص النسائي: ص 36 و 51 .
8- مسند أحمد: 5 / 356 وأخرجه جمع من الحفاظ باسناد صحيح .


(117)

صحته: لا يذهب بها إلاّ رجلٌ منّي وأنا منه(1) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لحمك لحمي ودمك دمي والحقُّ معك؟(2) .

أو قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : ما من نبىّ إلاّ وله نظير في اُمَّته وعليٌّ نظيري؟(3) .

أو ما صحَّحه الحاكم وأخرجه الطبراني عن اُمّ سلمة قالت: كان رسول اللّه إذا أغضب لم يجترىء أحدٌ أن يكلّمه غير علىّ؟(4) .

أو قول عائشة: واللّه ما رأيت أحداً أحبَّ إلى رسول اللّه من علىّ ولا في الأرض امرأة كانت أحبُّ إليه من امرأته؟(5) .

أو قول بريدة واُبىّ: أحبُّ الناس إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من النساء فاطمة ومن الرجال عليٌّ؟!(6) .

أو حديث جُميع بن عمير قال: دخلت مع عمَّتي على عائشة فسألت أىَّ الناس أحبّ إلى رسول اللّه؟! قالت: فاطمة. فقيل: من الرجال؟ قالت: زوجها، إن كان ما علمت صوّاماً قوّاماً(7) .

وكيف كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يُقدِّم الغير على علىّ في الإلتفات إليه؟! وهو أوَّل رجل إختاره اللّه بعده من أهل الأرض لمّا اطّلع


1- خصائص النسائي: ص 8 .
2- المحاسن والمساوى: 1 / 31، كفاية الطالب: ص 135، مناقب الخوارزمي: ص 76 و 83 و 87 ، فرائد السمطين: في الباب 2 و 27 .
3- الرياض النضرة: 2 / 164 .
4- مستدرك الحاكم: 3 / 130، الصواعق: 73، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 116 .
5- مستدرك الحاكم: 3 / 154 وصححه، العقد الفريد: 2 / 275، خصائص النسائي: 29، الرياض النضرة: 2 / 161 .
6- خصائص النسائي: ص 29، مستدرك الحاكم: 3 / 155، صححه هو والذهبي، جامع الترمذي : 2 / 227 .
7- جامع الترمذي: 2 / 227، ط الهند، مستدرك الحاكم: 3 / 157، وجمع آخر .


(118)

عليهم كما أخبر به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فاطمة بقوله: إنّ اللّه اطِّلع على أهل الأرض فاختار منه أباك فبعثه نبيّاً، ثمّ اطَّلع الثانية فاختار بعلكِ فأوحى إلىَّ فأنكحته واتّخذته وصيّاً(1).

وبقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إن اللّه اختار من أهل الأرض رجلين أحدهما أبوكِ والآخر زوجكِ(2) .

وإنّي لا يسعني المجال لتحليل كلمة الرجل: وكان صهرا النبىّ الامويّان... إلخ: وحسبك في مداراة عثمان الكريم حديث أنس عن رسول اللّه لمّا شهد دفن رقيّة إبنته العزيزة وقعد على قبرها ودمعت عيناه فقال: أيّكم لما يُقارف الليلة أهله؟! فقال أبو طلحة: أنا فأمره أن ينزل في قبرها .

قال إبن بطّال: أراد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يحرم عثمان النزول في قبرها وقد كان أحقّ الناس بذلك لأنّه كان بعلها وفقد منها علقاً لا عوض منه لأنّه حين قال ـ عليه السَّلام ـ أيّكم لم يُقارف الليلة أهله؟! سكت عثمان ولم يقل: أنا. لأنَّه قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه، ولم يشغله الهمُّ بالمصيبة وانقطاع صهره من النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن المقارفة فحرم بذلك ما كان حقّاً له وكان أولى به من أبي طلحة وغيره. وهذا بيّنٌ في معنى الحديث ولعلّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان علم ذلك بالوحي فلم يقل له شيئاً لأنّه فعل فعلا حلالا غير أنَّ المصيبة لم تبلغ منه مبلغاً يشغله حتّى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير صريح(3) .

وما عساني أن أقول في أبي العاص الّذي كان على شركه إلى عام الحديبيّة، واُسر مع المشركين مرّتين، وفرّق الإسلام بينه وبين زوجته زينب بنت النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ستَّ سنين، وهاجرت مسلمة وتركته لشركه، ولم ترد


1- اخرجه الطبراني عن أبي ايوب الأنصاري كما في اكمال كنز العمال: 6 / 153، واخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: 9 / 165 عن علي الهلالي .
2- المواقف: للايجي: ص 8 .
3- الروض الانف: 2 / 107 .


(119)

قطّ بعد إسلامه كلمة تُعرب عن صلته مع النبىّ ومداراته له فضلا عن مقايسته بعليٍّ أبي ذُرِّيَّته وسيّد عترته .

وقد اتّهم الرجل نبىّ الإسلام بعد العمل على سعادة إبنته الطاهرة المطهّرة بنصَّ الكتاب العزيز، ويقذف عليّاً بالتألّم من ذلك، وكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إذا أصبح أتى باب علىٍّ وفاطمة وهو يقول: يرحمكم اللّه إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً. وكان لم يزل يقول: فاطمة أحبّ الناس إليّ.

ويقول: أحبّ الناس إلىَّ من النساء فاطمة .

ويقول: أحبُّ أهلي إلىَّ فاطمة .

وكان عمر يقول لفاطمة: واللّه ما رأيت أحداً أحبَّ إلى رسول اللّه منكِ(1) .

وما أقبح الرجل في تقوّله على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعدّه لعلىٍّ غير قوّام بجليل الأعمال. وقد وازره وناصره وعاضده بتمام معنى الكلمة بكلِّ حول وطول من بدء دعوته إلى آخر نفس لفظه، فصار بذلك له نفساً وأخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفةً ووارثاً ووليّاً بعده، وكان قائده الوحيد في حروبه ومغازيه، وهو ذلك الملقَّب بقائد الغُرّ المحجّلين وحياً من اللّه العزيز في ليلة أسرى بنبيّه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى(2) .

وممّا يعجّب بل ويؤسف أن نجد العقاد كاتب النيل الكبير يذهب هذا المذهب، وينحو هذا المنحى ذاته من سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واُمّ الامامين الهمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)، فيسطر في كتابه «فاطمة الزهراء والفاطميّون»(3) شيئاً من هذه العبارات والمقالات التافهة الّتي لا يليق بكاتب مثله عرف بالتحقيق والفهم، ان يدرجها في مؤلفه .


1- مستدرك الحاكم: 3 / 150 وصححه .
2- مستدرك الحاكم: 3 / 138 وصححه، الرياض النضرة: 2 / 177، شمس الاخبار: 39، اُسد الغابة: 1 / 69، مجمع الزوائد: 9 / 121.
3- راجع ص 32 و 33 .


(120)

ولا يجاب على ما كتبه العقاد ومن حذا حذوه إلا بما مرّ في كلام العلاّمة والمحقق الخبير الاميني(رحمه الله). ففيه كفاية لمن تحرّى الحقيقة عن أهل البيت(عليهم السلام) .

هذا وينبغي ان نذكّر القارئ الكريم بنفس ما كتبه العقاد في كتابه ومما يعتبر شهادة دامغة تفند ما بدر منه من قول غير لائق في شأن علي والزهراء، فهو يقول: في كل دين صورة للانوثة الكاملة المقدسة يتخشع بتقديسها المؤمنون كأنّما هي آية اللّه فيما خلق من ذكر وانثى .

فاذا تقدست في المسيحية مريم العذراء ففي الإسلام لاجرم تتقدس صورة فاطمة البتول .

ثم يقول: من الواضح البين ان الزهراء اخذت مكانها الرفيع بين اعلام النساء في التاريخ لانها بنت نبي وزوجة امام واُم شهداء(1) .

فاذا كانت هذه هي صورة الزهراء البتول، فكيف يصدّق العقل ما حاكته أيدي الدسّ في تاريخ هاتين القمتين الطاهرتين من قمم الإسلام الشامخة؟!


1- راجع: ص 51 و 52 .


(121)

31

جرائم «بني قينقاع»

كانت معركة «بدر» بمثابة طوفان شديد ضدّ الوثنية في قلب شبه الجزيرة العربية .

طوفان اقتلع بعض جذور الوثنية العريقة، فقد قُتِلَ طائفة من صناديد قريش، واُسرت اُخرى وهرب الباقون بمنتهى الذل والصغار، وانتشر خبر هزيمة جيش قريش المتغطرس في جميع أنحاء وربوع الجزيرة العربية .

ولكن ساد بعد هذا الطوفان المرعب، شيء من الهدوء والمقرون بالاضطراب والقلق. هدوء كان منشأوه التفكير في مستقبل شبه الجزيرة العام وما تخبئه الايام القادمة لسكانها على أثر التحول الجديد .

وكانت مخاوف القبائل الوثنية، ويهود يثرب الاثرياء ويهود خيبر ووادي القرى تزداد يوماً بعد يوم من تقدم الإسلام المطرّد، وتعاظم شوكته، واشتداد أمر حكومته الفتية، وكان جميع هؤلاء يجدون مستقبلهم مهدداً بخطر جدىّ، بعد أن كانوا لا يتصورون أن يكسب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المهاجر من مكة كلّ هذه النجاحات الباهرة، وأن يبلغ من القوة ذلك المبلغ، بحيث يقهر بقواه المحدودة قوة قريش الكبرى ويكسر شوكتها العريقة!!

وكان يهود بني قينقاع الذين يقطنون داخل المدينة، ويمسكون بخيوط اقتصادها، أشدَّ خوفاً من غيرهم، واكثر قلقاً على مستقبل أمرهم، لأنهم كانوا يخالطون المسلمين مخالطة كاملة وكان وضعهم يختلف عن وضع يهود خيبر ووادي القرى الذين كانوا يعيشون خارج المدينة بعيداً عن مركز قوة المسلمين ومنطقة حاكميتهم!!


(122)

من هنا بدأ يهود بني قينقاع قبل غيرهم من طوائف اليهود العائشة في تلك الديار بتدبير المؤامرات، وممارسة الأعمال الإيذائية ضدّ المسلمين والقيام بالحرب الباردة (الإعلامية) ضدّهم، وذلك بنشر الأكاذيب وبثّ المعلومات الكاذبة، واطلاق الشعارات القبيحة، وانشاد القصائد الّتي من شأنها الاساءة إلى المسلمين وتحقيرهم، وتخريب معنوياتهم .

وبهذا يكون اليهود قد بدأوا عمليّاً بنقض معاهدة التعايش السلمي الّتي ذكرناها سلفاً، والّتي عقدها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معهم في أبان قدومه المدينة .

ولم تكن هذه الحرب الباردة الشريرة لتبرر تصدي القوى الإسلامية لها بالحرب الساخنة، واستعمال السلاح، لأن ما يمكن حله بسلاحِ المنطق لا يحبذ أن يعالَج بمنطق السلاح، وخاصة أن الرد الساخن والمسلح يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المدينة، والحال أن المحافظة على الوحدة السياسية، واستتباب الأمن والاستقرار في المدينة كان مما يهمّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جداً وهو يواجه أعداءً أشداء من الخارج .

فلم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين تفجير الموقف في عاصمة الإسلام يومئذ .

ولهذا ـ وبغية اتمام الحجة على يهود بني قينقاع ـ وقف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم في سوقهم بعد أن جمعهم فيه ثم قال لهم:

«يا معشر يهود احذروا من اللّه مِثل ما نزلَ بقريش من النقمة، وأسلموا، فانكم قد عرفتُم انّي رسول اللّه (أو أني نبىٌ مرسَلٌ) تجدون ذلكَ في كتابكم وعهد اللّه اليكم» .

وهنا نزل قول اللّه تعالى:

(قُلْ للّذينَ كَفَروا ستُغلبونَ وتُحشرون إلى جهنّم وبئس المِهاد* قد كانَ لكُمْ آية في فئتينِ التَقَتا فِئةٌ تقاتلُ في سبيلِ اللّه واُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العينِ واللّه )


(123)

يؤيَدُ بنصرهِ من يشاءُ إن في ذلك لعبرة لاُولي الأبصار)(1) .

ولكن اليهود المغرورين المتكبرين لم يشكروا نصيحة النبي هذه أو يسكتوا حسب، بل ردوا عليه بعناد ولجاج وصلافة قائلين: يا محمّد انك ترى انا قومك لا يغرنّك أنك لقيتَ قوماً لا عِلمَ لهم بالحرب، فاصبتَ منهم فرصة، إِنا واللّه ولئن حاربناك لتعلمنَّ أنّا نحن الناس (أو أنّا واللّه أصحاب الحرب، ولئِن قاتلتنا لتعلمنَّ أنك لم تقاتل مثلنا)!!(2).

فلم تترك كلمات يهود «بني قينقاع» الجوفاء، وتشدقهم الفارغ بقوتهم وقدرتهم على القتال والمواجهه أدنى اثر في نفوس المسلمين .

ولكن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد أتم عليهم الحجة، فلم يعودوا معذورين حسب السياسة الإسلامية وقد أصبح ساعتئذ من اللازم الاحتكام إلى منطق السلاح بعد أن لم ينجع سلاح المنطق، ولم يقنع اليهود بضرورة تغيير مواقفهم، والتخلي عن مؤامراتهم وخططهم الايذائية ضد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين .

أجل لابد من استخدام القوة مع هؤلاء اليهود الصلفين المتعنتين والاّ ازدادوا صلافة، وكثرت اعتداءاتهم .

ولهذا أخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينتظر الفرصة المناسبة لتأديب تلك الجماعة المتعنتة الوقحة .

لهيب الحرب يبدأ من شرارة :

قد تجر بعض الحوادث الصغيرة إلى سلسلة من التحولات والاحداث في الاجتماعات الكبرى. يعني أن تتسبب حادثة جزئية في انفجار الحوادث الكبرى، فيصفي كلٌ من طرفي النزاع حسابه مع الطرف الآخر، انطلاقا من علل واسباب اُخرى، وليست من تلك الحادثة الجزئية ؟


1- آل عمران: 12 و 13 .
2- المغازي: 1 / 175 و 176 .


(124)

فللمثال نشأت الحرب العالمية الاولى وهي أحدى اكبر الحوادث التاريخية في حياة البشر من حادثة صغيرة تذرعت بها الدول الكبرى، وتلك الحادثة الصغيرة الّتي اشعلت فتيل الحرب العالمية الاولى هي اغتيال «الارشيدوق فرانسيز فريديناند» ولي عهد النسما في سراييفو .

فقد وقعت هذه الحادثة في 28 من شهريونيو عام 1914 وبعد شهر وعدة أيام بدأت الحرب العالمية الاُولى بهجوم الالمان على بلجيكا، وافرزت هذه الحرب المدمرة الشاملة عن مقتل عشرة ملايين وجرح عشرين مليونا من البشر(1) .

ولقد انزعج المسلمون من صلافة يهود بني قينقاع، وردهم الوقح على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يخاطبهم بأدب ينصحهم، وكانوا يتوقعون أن يقوم اليهود بعمل عدائي ليثوروا ضدهم، ويؤدبوهم .

وبيناهم على هذه الحال إذ تعرضت امرأة من العرب لاعتداء من اليهود فاشعل هذا الحادث الموقف .

واليك مفصل تلك الحادثة :

جاءت امرأة من العرب إلى سوق بني قينقاع فجلست عند صائغ تبيع حليّاً لها أو تشتري، وكانت تبالغ في ستر وجهها عن اليهود، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت فعمد رجلٌ من يهود بني قينقاع اليها وجلس من ورائها، وهي لا تشعر فعقد أسفل ثوبها إلى ظهرها، فلما قامت المرأء بدت عورتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين إلى ذلك الرجل اليهودي فقتله، فاجتمعت بنو قينقاع، وشدّوا على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المسلم القتيل المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون غضباً شديداً .

ولقد كان من الطبيعي أن يثب الرجل المسلم على ذلك اليهودي الوقح الشرير الّذي فعل بالمراة العربية ذلك الصنع، فان قضية «الأعراض» قضية حياتية وحساسة في اي مجتمع، فهي قضية شرف، وقد كان هذا الأمر يحظى في المجتمع


1- الموسوعة العربية الميسرة: ص 700 .


(125)

العربىّ خاصة بأهمية كبرى، وخاصة عند البدو الرحل منهم، فكم من دماء جرت لعدوان على عرض ديس أو تعرض للتحرش .

من هنا أزعج وضع تلك المرأة الغريبة وحالها المؤلم واضطرابها الرجل المسلم، وأشعل غيرته فوثب على اليهودي المعتدي وقتله.

وكان من الطبيعي أيضاً أن لا يمرّ هذا العمل دون رد من اليهود فيثب اليهود بأجمعهم على ذلك المسلم الغيور ويقتلوه، ويريقوا دمه بأجمعهم .

نحن هنا لا يهمّنا أن نعرف أن قتل ذلك الرجل اليهودي لا زدرائه بامرأة كان أمراً صحيحاً منطقياً يتفق مع الموازين أم لا ينطبق .

ولكنّه ما من شك في ان وثوب مئات من الرجال واجتماعهم على قتل رجل مسلم واحد، وإراقة دمه، عملٌ بالغ الشناعة والقبح .

من هنا تسبّب انتشارُ هذا الخبر (اي مقتل رجل مسلم واحد على أيدي مجموعة كبيرة من الرجال بصورة مفجعة) في إثارة المسلمين ونفاد صبرهم، ودفعهم إلى العزم على حسم الموقف حسماً كاملا وبالتالي هدم قلعة الفساد على رؤوس أصحابها القتلة.

فاحس «بنو قينقاع» بخطر الموقف، وأدركوا انه لم يعد من الصالح أن يبقوا في أسواقهم، ويواصلوا البيع والشراء، وقد تلبّد الجوّ بالغيوم الداكنة على أثر العمل الفضيع والجناية الكبرى الّتي ارتكبوها .

من هنا تركوا أسواقهم بسرعة، وعادوا إلى قلاعهم المحصّنة، وتحصّنوا فيها، وكان ذلك منهم انسحاباً خانعاً بعد ذلك التشدّق الصلف!!

ولقد أخطاؤا هذه المرة أيضاً إذ ظنوا انهم مانعتهم حصونهم، من انتقام اللّه .

ولو أنهم اعتذروا لخطئهم، وأظهروا الندامة لكانوا يجلبون رضا المسلمين، ويحصلون على عفو النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهم يعرفون خلقه العظيم; وصفحه الكريم .

إلاّ أن تحصنّهم كان آية عنادهم، واعلانهم الحرب، ونصبهم العداء الصريح للاسلام والنبىّ والمسلمين .


(126)

فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بمحاصرتهم، ومنع من دخول أىّ امداد إليهم، كما منع من اتصالهم بأي أحد خارج حصونهم .

فحصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة أشدّ الحصار، حتّى قذف اللّه في قلوبهم الرعب، وفقدوا القدرة على المقاومة، ورضوا بأن ينزلوا عند حكم النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيهم !!

وأراد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يؤدب تلك الجماعة الّتي كانت أول من نقض العهد ونبذ الميثاق تأديباً قاسياً، يكون عقابا لهم وعبرة لغيرهم .

ولكن «عبداللّه بن أبي بن سلول» الّذي كان من منافقي المدينة ويتظاهر بالاسلام، أصرّ على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يحسن معاملتهم، ولا يأخذهم بما فعلوا لحلف ومودة كانت بينه وبين يهود من السابق، فانصرف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ما كان يريد من تأديبهم الشديد، وعقوبتهم على كره منه(1) ولكن أمر بأن يُجلوا من المدينة، ولا يبقوا فيها شريطة أن يتركوا أسلحتهم، وأموالهم، ودروعهم .

فنزلوا على حكم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أحد المسلمين بقبض أموالهم وأسلحتهم، وكلّف «عبادة بن الصامت» باجلائهم من حصونهم فعجّل عبادة في ترحيلهم وإجلائهم .

فخرجوا من المدينة ولحقوا بمنطقة تدعى «أذرعات» وهي بلد في اطراف الشام .


1- هذا مع العلم ان القرآن الكريم ندّد بمثل هذه الوساطة التي قام بها ذلك الرجل المنافق رغم تخفيف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معاقبة اليهود ورسم للمسلمين منهجاً في التعامل مع اليهود والنصارى إذ قال:
(يا أيّها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهودَ والنصارى أولياءَ بعضهُم أولياءُ بعض، ومن يتولّهمْ منكم فانه منهم انّ اللّهَ لا يهدي القومَ الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرةٌ، فعسى اللّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسرّوا في أنفسهم نادمين* ويقول الذين آمنوا أهولاء الذين أقسموا باللّهِ جهدَ أيمانِهِم أنهم لمعكم حبطت اعمالُهم فاصبَحوا خاسرين) (المائدة: 51 ـ 53) .


(127)

وباجلاء «بني قينقاع» عادت الوحدة السياسية إلى المجتمع في المدينة .

وكانت الوحدة السياسية هذه المرة مقرونة بالوحدة الدينية إذ كان المسلمون يشكلون الاغلبية الساحقة في المدينة فلم يكن لغيرهم فيها شأن يذكر(1) .

تقارير جديدة تصل إلى المدينة:

من المعلوم أن الاخبار تنتشر بين الناس بسرعة في المناطق الصغيرة، على العادة .

من هنا فان انباء أكثر المؤامرات والتحركات المعادية للاسلام الّتي كانت تقع في المناطق المختلفة من شبه الجزيرة كانت تصل بسرعة ـ وعبر المسافرين المحايدين أو الاصدقاء المترصدين ـ إلى مركز القيادة الإسلامية في المدينة .

هذا مضافاً إلى أن هذا النوع من المعلومات كان يحظى لدى رسول الإسلام باهمية كبرى، فيرصد لها من يأتي بها أولاً بأول، ولهذا كانت اكثر التحركات والمؤامرات يقضى عليها في مهدها بفضل الردّ السريع والمناسب الّذي كانت القيادة الإسلامية تقوم به في ضوء المعلومات الواردة اليها، أو الّتي حصلت عليها .

فبمجرّد أن تتضمن هذه المعلومات، إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خبراً مفاده أن إحدى القبائل تعد قوة، وتستعدّ للهجوم على المدينة كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يبادر إلى بعث سرية أو يقود هو بنفسه مجموعة مناسبة لمحاصرة تلك القبيلة، وافشال مؤامرتها، وابطال تدبيرها قبل أن تستطيع فعل شيء، وكان هذا هو اسلوب المباغتة الّذي استطاع به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقضي على كثير من التحركات المعادية في مهدها .

واليك مختصراً عن بعض تلك الغزوات الّتي وقعت في السنة الثانية من الهجرة:


1- المغازي: 1 / 177، الطبقات الكبرى: 2 / 28 و 29 .


(128)

1- غزوة قرقرة الكُدْر(1):

كانت المنطقة الّتي تتمركز فيها قبيلة «بني سلم» تدعى «الكُدْر» .

وقد بلغ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن القبيلة المذكورة تهىّء، وتعدّ العدة للهجوم على مركز الإسلام وعاصمته (المدينة). فخرج رسول اللّه بنفسه من المدينة بعد أن استخلف عليها أحد أصحابه وأوكل إليه إدارة المدينة في غيابه، وكان الّذي استخلفه هذه المرّة «ابن اُمّ مكتوم»، وخرج على رأس قوة عسكرية إلى مركز تلك القبيلة فلما سمعوا بمسير القوى الإسلامية إليهم تفرقوا، وعاد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة من غير قتال .

ثم بعث سرية بقيادة فارس من فرسانه يدعى «غالب بن عبداللّه» إلى نفس تلك المنطقة، فوقع بينه وبينهم قتال محدود وعاد «غالب» إلى المدينة ظافراً بعد أن استشهد ثلاثة من رجاله .

2- غزوة السويق:

كان عرب الجاهلية إذا نذروا ينذرون نذوراً غريبة .

فقد نذر أبوسفيان بعد معركة بدر أن لا يقارب زوجته ما لم يثأر(2) من المسلمين لقتلى بدر فكان عليه أن يقوم بهجوم على المدينة، ويقاتل النبىّ وأصحابه ليفي بنذره!!

فخرج من مكة في مائتي راكب فجاء بني النضير ليلا، يطلب مشورة من أحبار اليهود.

فلما كان فيوقت السحر خرج فمر بالعريض فوجد رجلا من الانصار مع أجيرِ له فقتل الأنصارىّ، وقتل أجيره، وحرّق بيتاً وحرثاً لهم بإرشاد من كبير اليهود «سلام بن مشكم» ورأى أن يمينه قد حلّت، ثم ذهب هارباً، وخاف


1- قرقرة الكدر: ناحية بين المعدن وبين المدينة، (الطبقات) .
2- المغازي: 1 / 182، الطبقات: 2 / 30 .


(129)

ملاحقة المسلمين له .

فعرف به النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فندب أصحابه فخرجوا في اثره، وجعل أبوسفيان وأصحابه يتخففون فيلقون أكياس السويق (وهو القمح المقلّى المطحون الملتوت بالسمن أو العسل)، وهي عامة زادهم، فجعل المسلمون يمرّون بها فيأخذونها .

فسميت تلك الغزوة بغزوة السويق لهذا الشأن .

3- غزوة ذي أمرّ:

بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن قبيلة غطفان تجمع أفرادها، وتتأهب للعدوان على المدينة المنورة، فخرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على رأس أربعمائة وخمسين رجلا .

فلما سمع العدو بمسير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خافوا خوفاً شديداً فهربوا إلى رؤوس الجبال، فراراً من النبىّ والمسلمين .

فخرج النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اليهم يبحث عنهم فلم يلاق أحداً منهم، وقد غيّبوا سرحهم وذراريهم في ذرى الجبال خوفاً وفرقاً .

فنزل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وآله «ذا أمرّ»(1) و عسكر معسكره هناك، فاصابهم مطرٌ كثير، فذهب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ناحية ليقضي حاجة، فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه، وقد جعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وادي «ذي أمرّ» بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف، وألقاها على شجرة، ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كلّ ما يفعل.

فقالت الأعراب لدعثور وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنك محمّد، وقد انفرد من أصحابه، حيث إن غَوَّث بأصحابه لم يُغَث حتّى تقتله.

فاختار سيفاً من سيوفهم صارماً ثم أقبل مشتملا على السيف حتّى قام على


1- واد بطريق فيد إلى المدينة. وفاءالوفاء: 2 / 249 .


(130)

رأس النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالسيف مشهوراً، ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مستلق على قفاه .

فقال بنبرة خشنة مهددة: ما يمنعك منيّ اليوم؟ قال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : اللّه .

فكان لهذه الكلمة أثر عجيب في نفس دعثور بحيث ارعب، ووقع السيف من يده، فأخذه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقام به على رأسه، فقال: ومن يمنعُك منّي اليوم .

فقال: لا أحد .

ثم قال: فأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، واللّه لا أكثر عليك جمعاً أبداً .

فأعطاه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيفه ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: أما واللّه لانتَ خيرٌ منّي.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أنا أحق بذلك منك .

فأتى قومه، وقصَّ عليهم ما جرى له مع النبىّ، وأنّه أسلم، ودعا قومه إلى الإسلام .

أجل يكتب المؤرخون في هذا المقام أن الرجل أسلم من فوره، ويجب أن نعلم أنه لم يسلم خوفاً وفرقاً وتحت بارقة السيف لأنه بقي ثابتاً ومستمراً في اسلامه بعد ذلك وأخذ يدعو قومه كما أسلفنا وهذا يدل على أنه أسلم عن طواعية ورغبة، وان اسلامه كان لتنبّه فطرته، ويقظة وجدانه، فانّ فشله غير المتوقع، ونجاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّتي تمت بطريقة خارقة للعادة جعلته ينتبه إلى عالم آخر، وعرف بأن لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إرتباطاً بعالم آخر، وأنه مؤيّد بالتالي بقوة عليا، وراء هذا العالم المادي .

ولهذا السبب ـ وليس لسواه ـ أسلم، وقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اسلامه، وبعد أن مشى خطوات ردّ إلى النبىّ سيفه الّذي أعاده إليه النبىّ قبل ذلك واعتذر إليه .


(131)

وقال: أنت أولى بهذا السيف لأنّك قائد هذه السرية المصلحة(1) .

قريش تغيّر مسير تجارتها:

تعرضت سواحل البحر الاحمر للخطر من قبل عناصر الجيش الاسلامي وحلفائهم، ولم يعد من الممكن مواصلة التجارة وارسال القوافل التجارية عبرها .

من هنا تشاورت قريش فيما بينها، ودرست أوضاعها في ظل هذه المستجدات، واتفقت على أنه لو تركت التجارة لهلكت رؤوس أموالها وفنيت، وكان عليها أن تسلّم للمسلمين .

وان واصلت التجارة لم تحرز في هذا المجال نجاحاً مادامت الطريق غير آمنة، ومادام يمكن أن تتعرض أموالها للمصادرة على أيدي المسلمين كلما عثروا عليها.

فاقترح أحدهم التجارة إلى الشام عن طريق العراق فاستحسنوا رأيه جميعاً، وتهيّأت القافلة للحركة في الخط الجديد وتولّى أبو سفيان وصفوان بنفسيهما مهمة الاشراف على تلك القافلة وادارتها، واستخدما رجلا من بني بكر يدعى «فرات بن حيان» ليدلّهما على الطريق .

قال المقريزي في امتاع الاسماع: سمع رجل من المدينة (وهو سليط بن النعمان) بخبر خروج صفوان بن أمية في عيره وما معهم من الاموال فخرج من ساعته وأخبر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب فاصابوا العير، وافلت أعيان القوم، فقدموا بالعير فخمّسها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فبلغ الخمس عشرين ألف درهم، وقسّم مابقي على أهل السريّة، وكان فيمن اُسِرَ فرات بن حيّان فأسلم(2) .


1- المناقب: 1 / 164، المغازي: 1 / 194 ـ 196 .
2- إمتاع الاسماع: 1 / 112 .


(132)

حوادث السنة الثالثة من الهجرة

32

الدفاع عن الحريّة

غزوة أحد أو الدفاع عن الحريّة عند جبل اُحُد:

لم تكن السنة الهجرية الثالثة بأقل من السنة الثانية من حيث وقوع الحوادث والوقائع الملفتة للنظر فيها .

فاذا وقعت في السنة الثانية من الهجرة غزوة «بدر» فقد وقعت في السنة الثالثة منها غزوة «اُحد» وهما من أعظم معارك الإسلام وغزواته .

على أن غزوة «اُحد» لم تكن الغزوة الوحيدة الّتي وقعت في السنة الثالثة، بل وقعت أيضاً غزواتٌ اُخرى(1) إلى جنب طائفة من السرايا، الّتي اخترنا منها سرية واحدة وغزوتين فقط .

1- سرية محمّد بن مسلمة:

لقد وَصَل نبأ انتصار المسلمين في معركة «بدر» عن طريق رجلين من المسلمين .

ولم يكن الجيش الاسلامىُ الظافر قد وصل إلى المدينة بعد، عندما انزعج «كعب بن الاشرف» الّذي كانت اُمه من يهود «بني النضير» وكان شاعراً قوياً، وخطيباً بارعاً ـ من الفتح الّذي أصابه النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمون في «بدر» ـ فقال: واللّه لئِن كان محمّدٌ أصاب أشراف العرب وملوك الناس (ويعني سادة قريش وصناديدهم الذين قتلوا في بدر على أيدي المسلمين لبطنُ


1- مثل غزوة بحران وغزوة حمراء الأسد .


(133)

الأرض خيرٌ من ظهرها!! وبدأ يبث الأكاذيب والشائعات في المدينة ومضى يشكك في انتصارات المسلمين في بدر .

وقد كان يسيء إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في قصائده حتّى قبل معركة «بدر» ويحرّض الناس على المسلمين .

ثم إنه لما تيقن الخبر خرج حتّى قدم مكة وجعل يحرّض قريشا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقد أنشد في هذا المجال أشعاراً يبكي فيها أصحاب القليب من قريش وقد ذكرتها المصادر التاريخية(1) .

ثم رجع كعب هذا إلى المدينة فشبّب(2) بنساء المسلمين حتّى آذاهم!!

ولا شك أنه بهذه المواقف المعادية كان من أظهر مصاديق المفسد في الارض، الأمر الّذي آل إلى أن يقرّر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ التخلص منه، وكفاية المسلمين شره، وقد أوكل هذه المهمة الصعبة إلى «محمد بن مسلمة» .

وقد خطّط «ابن مسلمة» للتخلص من «كعب» خطةً رائعةً، وألّف لتنفيذها فريقاً كان من بينهم «أبو نائلة» الأخ الرضاعي لكعب بن الأشرف، ليمكن من هذا الطريق التموية على كعب وتنفيذ الخطة المذكورة .

فخرج أبو نائلة إلى كعب وجلسا يتحادثان، ويتبادلان الشعر .

ثم إن أبا نائلة قال لكعب ـ بعد ان طلب منه أن يُخرج كل من كان هناك من ذويه وأهله ـ : إني قد جئتك في حاجة إليك اُريد ذكرها لك فاكتم عني، وإني كرهت ان يسمع القوم كلامنا، فيظنون! لقد كان قدوم هذا الرجل (يعني رسول اللّه) علينا من البلاء، وحاربتْنا العرب، ورمتْنا عن قوس واحدة، وقطّعت السبل عنا حتّى جهدت الانفس، وضاع العيال، أخذنا بالصدقة ولا نجد ما نأكل .

فقال كعب: قد واللّه كنتُ اُحدّثك بهذا يا ابن سلامة إن الامر سيصير إلى ما أقول .


1- المغازي: 2 / 121 ـ 122 .
2- راجع السيرة النبويّة: 2 / 52 .


(134)

فقال أبو نائلة: إنّ معي رجالا من أصحابي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاماً، أو تمراً وتحسن في ذلك إلينا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة .

فقال كعب: وماذا ترهنونني يا أبا نائلة، أبناءكم ونساءكم؟؟!

فقال أبو نائلة: لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا، ولكنا نرهنك من الحلقة (أي السلاح) ما ترضى به .

فرضي كعب بن الاشرف بذلك .

وإنما قال أبو نائلة هذا القول لابن الاشرف حتّى لا يستغرب إذا رأى السلاح بيد الرجال الذين سيأتون معه .

ثم خرج أبو نائلة من عند ابن الاشرف على ميعاد، فاتى أصحابه، فأخبرهم بما دار بينه وبين كعب، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، ثم أتوا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عشاءً وأخبروه، فمشى معهم حتّى اتى البقيع، ثم وجّههم، ثم قال:

«إمضوا على بركة اللّه وعَونه أللّهم أعِنهم» .

فَمضوا حتّى أتوا ابنَ الاشرف، فلمّا انتهوا إلى حصنِه هتف به أبو نائلة، وكان ابنُ الاشرف حديث عهد بُعرس، فوثب من فراشه، فأخذت امرأته بناحية ملحفته وقالت: أين تذهب، إنك رجلٌ محارب، ولا ينزل مثلك في هذه الساعة؟؟

فقال ابن الاشرف: ميعادٌ، إنما هو أخي أبو نائلة .

ثم نزل إليهم فحيّاهم، ثم جَلَسوا فتحدثوا ساعة حتّى اطمأن إليهم .

ثم قالوا له: يابن الاشرف: هل لك أن تتمشّى إلى شعب العجوز (وهو موضع قرب المدينة) فنتحدث فيه بقيّة ليلتنا .

فخرجوا يتماشون حتّى أبتعدوا عن حصنه، وبينما هم كذلك إذ أدخلَ أبو نائله يده في رأس كعب ثم شم يده فقال: ويحك ما أطيبَ عطرك هذا يابن الاشرف، ثم مشى ساعة، ثم كرّر هذا العمل ثانية حتّى اطمأن ثم مشى ساعة


(135)

ثم عاد لمثلها فأخذ بفود رأسه وقال: إضربوا عدوّ اللّه، فضربوه بسيوفهم، وطعنه أبو نائلة بخنجر في بطنه، وصاح صيحة ثم وقع على الارض ولم تنفعه استغاثاته.

ثم عاد هذا الفريق الفدائي إلى المدينة من فورهم ولما بلغوا «بقيع الغَرقد» كبّروا، وقد قام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تلك الليلة يصلّي، فلما سمع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تكبيرهم بالبقيع كبّر، وعرف أنهم قد قتلوه .

وبهذا أعلنوا عن نجاح عمليّتهم الفدائية الجريئة الّتي أراحت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه من شرّ ذلك المفسد الخطير الّذي لم يفتأ عن إيذاء النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتناول أعراض المسلمين في أشعاره..(1) .

إغتيال مفسد آخر:

وكان أبو رافع سلام بن ابي الحقيق اليهودي يظاهر كعب بن الاشرف على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقوم بنفس الدور الخبيث الّذي كان يقوم به ابن الاشرف من الايذاء والازعاج للنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين. فقام فريق فدائي آخر من المسلمين باغتياله على غرار اغتيال صاحبه في عملية فدائية جسورة على نحو ما رواه ابن الأثير في كتابه: الكامل في التاريخ بصورة مفصلة(2) .

وقد كانت هاتان العمليتان واُمور اُخرى من أسباب اندلاع معركة «اُحد».

وقد حان الأوان الآن أن نستعرض تفاصيل هذه الواقعة الكبرى!

قريش تتكفل نفقات الحرب:

كانت بذور الرغبة في الانتقام والثأر من المسلمين قد بُذِرَت في مكة من زمان وَقد ساعدت خطة المنع من البكاء والنياحة على القتلى على اذكاء روح الانتقام هذه لدى قريش .


1- السيرة النبوية: 2 / 51 ـ 56، المغازي: 1 / 184 ـ 190 .
2- الكامل في التاريخ: 2 / 101 .


(136)

كما أن تعذّر مرور قافلتها التجارية عبر طريق مكة ـ المدينة ـ الشام، واضطرارها إلى سلوك طريق العراق للسفر إلى الشام زاد هو الآخر من سخطها وانزعاجها .

ولقد أجج مقتل «كعب بن الاشرف» من أوار هذا الحقد، وأوقد لهيبه في النفوس .

من هنا اقترح «صفوان بن اُمية» و «عكرمة بن أبي جهل» على أبي سفيان ومن كانت له في قافلة قريش التجارية مشاركة، أن يدفع كلُ واحد منهم مبلغاً من المال لتسديد نفقات الحرب قائلين: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلّنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا .

ولقد لقي هذا الاقتراح قبولا من أبي سفيان وتقرّر الإعداد للحرب فاجتمعت قريش لحرب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى فعل أبوسفيان ذلك .

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الموضوع كما ذكر كيف أن قريشاً لم تحصد من هذا الإنفاق الا الخيبة والخسران إذ قال تعالى:

(إنَّ الَّذينَ كَفَروا يُنْفِقُونَ اَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبيل اللّه فَسَيُنْفِقُونَها ثمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثمَّ يُغْلبون وَ الَّذينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون)(1).

وحيث أن زعماء قريش كانوا يعرفون بقوة المسلمين وقد رأوا من كثب استقامتهم وثباتهم في معركة «بدر» لهذا قرروا أن يتألف جيشهم هذه المرة من صناديد أكثر القبائل العربية وشجعانها البارزين وأبطالها المعروفين .

فكلّف «عمرو بن العاص» وعدة أشخاص آخرين بأن يؤلّبوا العرب على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويجمعوا أبطالها وصناديدها، للمشاركة في الجيش الكثيف والمنظم الّذي اعتزمت قريش على تسييره لقتال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين، وغزوهم وبأن يخبروهم بأن قريشاً قد تكفّلت نفقات هذه المعركة .

وقد أثمرت نشاطات «عمرو» ورفاقه في هذا السبيل .


1- الانفال: 36، وراجع السيرة النبوية: 2 / 60، مجمع البيان: 2 / 541، السيرة الحلبية: 2 / 217 .


(137)

فقد استطاعوا بعد محاولات واسعة أن يضمّوا إلى جيش قريش أبطالا وصناديد من بني كنانة وتهامة، فخرجت قريش وهم أربعة آلاف بمن انضم إلى صفوفهم من تلك القبائل(1) .

وقد كان هذا هو عدد الرجال الذين شاركوا في هذه المعركة، ولو أضفنا اليهم عدد النساء اللواتي شاركن فيها لتجاوز العدد ما ذكرناه .

على أنه لم يكن من عادة العرب أن يشركوا نساءهم في الغزو ويخرجوهن معهم إلى القتال، ولكن نساء مكة الوثنيات شاركن مع رجالهن في هذه المعركة على خلاف عادة العرب، وكان الهدف من أخذهن هو أن يحرّضن الرجال على القتال والصمود، ويمنعن المقاتلين من الفرار، ويذكّرن بقتلى بدر، ويشعلن الحماس في النفوس بدق الدفوف، وإنشاد الأشعار المثيرة للهمم والداعية إلى الثأر ولأن فرار الرجال كان يعني أن تقع النسوة في الأسر، وهو ما كان يأباه العربي آنذاك. فتكون الغيرة والحمية على العرض سبباً للمقاومة والصمود .

كما أنه اشترك في هذه المعركة طائفة من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الّذي وعدوا به إن نصروا أسيادهم وقاتلوا بين أيديهم، وذلك مثل «وحشي» وكان غلاماً حبشياً لمطعم بن جبير يقذف بحربة له قذف الحبشة قلّما يخطئ بها فقال له سيده: أخرج مع الناس فإن نلتَ محمداً أو عليّاً أو حمزة فأنت عتيق(2) .

وعلى أية حال استطاعت قريشٌ أن تجهّز بعد جهد كبير جيشاً كبيراً قوياً يتألف من سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف فارس، ومشاة كثيرين، وقد خرجوا بعدة وسلاح كثير .

الاستخبارات ترفع تقريراً إلى النبىّ:

فلما اجمعت قريش على المسير كتب العباس بن عبدالمطلب(3) كتاباً يضم


1- اختلف علماء التفسير والتاريخ كعلي بن ابراهيم والشيخ الطبرسي في إعلام الورى، وابن هشام والواقدي في عدد المشركين والكفار في هذه المعركة، وما ذكرناه هو الاقرب إلى الحقيقة .
2- بحارالأنوار: 20 / 96 .
3- وكان العباس كما أسلفنا ممن أسلم وآمن برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في مكة ولكنه ظلّ يكتم ايمانه ليتمكن من البقاء بين قريش ورصد تحركاتهم واخبار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بنواياهم. راجع السيرة الحلبية: 10 / 198 .


(138)

تقريراً مفصلا عن نوايا واستعدادات قريش، وختمه واستأجر رجلا من بني غفار واشترط عليه أن يقطع الطريق إلى المدينة في ثلاثة أيام ويوصل تلك الرسالة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقدم الغفاري المدينة فلم يجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وانما وجده في بستان خارجها فدفع إليه كتاب العباس المختوم، فقرأه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واطلع على ما فيه، ولكنه كتم محتواها عن أصحابه(1) .

روى العلامة المجلسي عن الامام ابي عبداللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنه قال: كان مما منّ اللّه عزّوجلّ على رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنه كان لا يقرأ ولا يكتب، فلما توجّه أبوسفيان إلى «اُحد» كتب العباس إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة فلما دخلوا المدينة أخبرهم(2) .

جيش قريش يتحرك باتجاه المدينة:

تحرَّك جيش قريش باتجاه المدينة، وبعد قطع مسافة معينة وصلت طلائعه إلى الابواء، وهي المنطقة الّتي دفنت فيها والدة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ السيدة «آمنة بنت وهب» فقال فتية من قريش: تعالوا ننبش قبر اُم محمّد، فانّ النساء عورة، فان يصب من نسائكم أحد قلتم هذه رمة اُمّك، فان كان برّاً باُمّه كما يزعم فلعمري ليفادينكم برمة اُمّة، وان لم يظفر بأحد من نسائكم فعلمري ليفدين رمة اُمّه بمال كثير إن كان بها برّاً .


1- المغازي: 1 / 203، ويرى بعض المؤرخين أن مبعوث العباس قدم بالرسالة المدينة وكان النبي ساعتها في المسجد فاعطى النبىّ الرسالة إلى أبي بن كعب فقرأها عليه،وقد روى الواقدي هذا الوجه أيضاً (ج 1 ص 204) ومع أن النبىّ لم يعهد منه أن قرأ رسالة فيكون الوجه الأول أقرب إلى الحقيقة .
2- بحارالأنوار: 20 / 111 .


(139)

واستشار أبوسفيان أهل الرأي من قريش في ذلك فاستقبحوه وشجبوه بشدة وقالوا:

لو فعلنا ذلك نبشت بنوبكر وخزاعة (وهم أعداء قريش) موتانا(1) .

وبعث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليلة الخميس الخامس من شهر شوال، السنة الثالثة من الهجرة، «أنساً» و «مونساً» ابني «فضالة» للتجسس على قريش خارج المدينة، واخباره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بتحركاتهم، فأخبرا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ باقتراب جيش المشركين إلى المدينة، وانهم قد سرحوا إبلهم وخيولهم ترعى في مراعي المدينة .

كما أخبر «الحُباب بن المنذر» هو الآخر باقتراب جيش المشركين إلى المدينة، وان طلائع ذلك الجيش قد استقر على مقربة من جبل اُحد، وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد بعث الحباب سراً وقال له: لا تخبرني بين أحد من المسلمين إلاّ أن ترى قلة .

وبخبر الحباب تأكّد ما أخبر به ابنا فضالة .

وحيث إن المسلمين كانوا يخافون على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من العدو، أن يهاجموه ليلا، لذلك باتت وجوه الأوس والخزرج (الانصار) ليلة الجمعة وعليهم السلاح في المسجد بباب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يحرسونه، وحرست المدينة تلك الليلة حتّى أصبحوا .

منطقة «اُحد»:

كان الوادي الطويل الكبير الّذي يصل طريق الشام التجارية باليمن يسمى آنذاك بـ «وادي القرى»، وكانت القبائل العربية من اليهود وغير اليهود تقطن في كل منطقة تتوفر فيها ظروف المعيشة ومستلزمات الحياة، ولهذا نشأت على طول هذا الخط «قرى» بسبب وجود مناطق خصبة فيه وقد سُوِّرَت بأسوار من الحجارة،


1- المغازي: 1 / 206 .


(140)

وكانت يثرب مركز هذه القرى واُمها وهي الّتي سميت في ما بعد بمدينة الرسول، ومن ثم «المدينة» تخفيفاً واختصاراً .

وكان على كل قادم من مكة إلى المدينة، أن يدخل من جنوب يثرب وحيث إن أرض هذه المنطقة ذات طبيعة صخرية لذلك يكون عبور الجيش من خلالها أمراً عسيراً وفي غاية الصعوبة .

من هنا عمدت قريش ـ عندما وصل جيشها إلى مشارف المدينة ـ تحاشت هذه المنطقة، ودخلت من شمال المدينة، واستقرت في وادي العقيق في سفوح جبل «اُحد»، وقد كانت هذ المنطقة لعدم وجود نخيل فيها، ولسهولة أرضها، افضل مكان للعمليات العسكرية، وخير ميدان للقتال والحرب .

وقد كانت المدينة عرضة للخطر من هذه الناحية لأنه قلمّا كان المرءُ يرى فيها موانع طبيعية .

نزلت قوى المشركين عصر يوم الخميس في الخامس من شوال من السنة الثالثة من الهجرة عند جبل «اُحد» .

وبقي النبي ذلك اليوم وليلته في المدينة، وفي يوم الجمعة أقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على عقد شورى عسكرية، واستشار قادة جيشه وأهل الخبرة والرأي من أصحابه في كيفية مواجهة العدو، والتكتيك الّذي يجب أن يتبعه المسلمون(1) .

المشاورة في كيفية الدفاع:

كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد اُمرَِ من جانب اللّه تعالى أن يشاور أصحابه في الأُمور العسكرية وما يشابهها ويشركهم في قراراته وخططه الّتي يتخذها في المجالات المذكورة، ليعطي بذلك درساً كبيراً للمسلمين، ويوجد بين أصحابه وأتباعه روح الديمقراطية (الصحيحة) وتحري الحق، والموضوعية .


1- لم تكن هذه هي المرة الأولى والأخيرة الّتي شاور النبىّ فيها أصحابه وقد ذكرنا عدة موارد من هذا النوع من التشاور والهدف منه في كتابنا: معالم الحكومة الإسلامية .


(141)

ولكن هل كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه يستفيد من هذه المشاورة؟

وينتفع بآرائهم ونظرياتهم، ومقترحاتهم، أم لا؟.

لقد أجاب علماء العقيدة ورواد علم الكلام الاسلامي من مختلف الطوائف على هذا السؤال في مؤلفاتهم ودراساتهم، وللقارئ الكريم إذا أراد الوقوف على الجواب ان يراجع تلكم المصنفات .

لكن الّذي لا يمكن انكاره في المقام هو: أن هذه المشاورات سيرة حية تركها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من بعده، ولقد كانت هذه السيرة مؤثرة جداً بحيث استخدم الخلفاء والاُمراء من بعده اُسلوب التشاور والشورى، وكانوا يستفيدون على هذا الاساس من آراء الامام علي ـ عليه السَّلام ـ ونظرياته السامية في الاُمور العسكرية، والمشكلات الاجتماعية الّتي كانت تطرأ على حياة المسلمين .(1)

المشاورات العكسرية:

لما سمع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ باقتراب قريش إلى المدينة وقف في تلك الشورى الّتي كانت جمعاً كبيراً من صناديد أصحابه، وقادة جيشه وجنوده وقال بصوت عال: «أشيروا علىّ» .

وهو يطلب بذلك من اولئك الجنود والقادة أن يدلوا بآرائهم في كيفية مواجهة العدو، وطريقة الدفاع عن حوزة الإسلام وصرح التوحيد المهددة من قبل قريش والمتحالفين معهم من أحزاب الشرك، وأتباع الوثنية .

فقام «عبداللّه بن أبي سلول» وكان من منافقي المدينة، وطرح فكرة التحصّن في داخل المدينة، والقتال فيها على غرار حرب الشوارع. وذلك بأن لايخرج المسلمون من المدينة بل يبقوا داخلها، ويستخدموا أبراجها وسطوحها لمقاتلة العدوّ ودفعه فترمي النساء العدوَّ بالأحجار من السطوح، ويقاتل الرجال أفراده في الشوارع والأزقة قائلا: يا رسول اللّه كنا نقاتل في الجاهلية فيها، ونجعل النساء


1- راجع الخطبة 134 من نهج البلاغة .


(142)

والذراري في هذه الصياصي ونجعل معهم الحجارة، ونشبك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كلّ ناحية وترمي المرأة والصبي من فوق الصياصي والآطام، ونقاتل بأسيافنا في السكك (أي الطرقات) .

يا رسول اللّه إن مدينتنا عذراء ما فُضّت علينا قط، وما خرجنا إلى عدوّ قط إلاّ أصاب منّا. فانهم ان أقاموا أقاموا بشر محبس، وان رجعوا رجعوا خائبين مغلوبين.

وكان هذا رأي الأكابر من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من المهاجرين والأنصار، إلاّ أن الفتيان من المسلمين وبخاصة من لم يشهد منهم بدراً وكانوا يشكلون الاغلبية شجبوا هذا الرأي بشدة، ورفضوه بقوة وطلبوا من رسول اللّه الخروج إلى العدو، ورغبوا في الشهادة، وأحبّوا لقاء العدو .

وقالوا: إنّا نخشى يا رسول اللّه أن يظن عدوُّنا أنا كرهنا الخروج اليهم جبناً عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنتَ يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفّرك اللّه عليهم، ونحن اليوم بشرٌ كثيرٌ، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو اللّه به فقد ساقه اللّه إلينا في ساحتنا .

وقال «حمزة» بطل الإسلام العظيم: لا أطعم اليوم طعاماً حتّى اُجالدهم بسيفي خارجاً من المدينة(1) .

الاقتراع من أجل الشهادة!!:

وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة ـ وهو شيخ يقظ البصيرة ـ وقال: إن قريشاً مكثت حولا تجمع الجموع، وتستجلب العرب في بواديها، ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل وامتطوا الابل، حتّى نزلوا بساحتنا فيحصرونا في بيوتنا، وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يُكلموا، فيجرّئهم ذلك علينا حتّى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطرافنا، ويضعوا العيون والارصاد علينا، مع ما قد صنعوا بحروثنا،


1- المغازي: 1 / 211 و بحارالأنوار: ج 125 من المعلوم أن نظرية عبداللّه بن أبي لم تخلو من الخطر، إذ لم يكن من البعيد ان يستفيد العدوّ بعد دخوله في المدينة من بيوت المنافقين. وأن يتعاون معهم يهود المدينة أيضاً فتكون حينئذ الضربة القاضية للاسلام والمسلمين .


(143)

ويجترى علينا العرب حولنا، حتّى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج اليهم، فنذبهم عن جوارنا، وعسى اللّه أن يظفّرنا بهم، فتلك عادة اللّه عندنا، أو تكون الاخرى:

الشهادة .

لقد أخطأتني وقعة بدر، وقد كنتُ عليها حريصاً، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت(1) ابني على الخروج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد كنتُ حريصاً على الشهادة وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدتُ ما وعدني ربي حقا .

وقد واللّه يا رسول اللّه أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني ورقّ عظمي، وأحببتُ لقاء ربّي فادْعُ اللّه يا رسول اللّه أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة!!!(2) .

إن هذا الّذي ذكرناه ليس سوى نموذج واحد من مواقف كثيرة تجدها أيّها القارىء الكريم في صفحات التاريخ الاسلامي المشرقة فهناك الكثير من هؤلاء الفدائيين المخلصين الذين آلوا على أنفسهم أن يدافعوا عن حياض العقيدة وشرف الدين، ورُزقوا الشهادة في نهاية المطاف .

إن الايديولوجية الّتي لا تعتمد على اُسس الايمان باللّه واليوم الآخر قلما تنتج جندياً فدائياً مخلصاً مثل خيثمة، ومن شاكله .

إن روح الفداء والتفاني والايثار بالنفس والتضحية بالغالي والرخيص، الّتي تدفع بالجندي إلى أن يطلب الشهادة في سبيل إعلاء كلمة الحق، وإعزاز التوحيد باصرار وشوق لا توجد إلاّ في مدرسة الأنبياء والمرسلين، ولاتحصل الاّ في ضوء تربيتهم .

واما في المجتمعات المادية كالمجتمعات الحاضرة الّتي تهتم أكبر اهتمام بتحسين أحوال العسكريين حيث إن الهدف من الحروب والمعارك لم يكن قط إلاّ الحصول على وضع معيشىّ أفضل، فانّه لايهم الجنود فيها إلاّ الحفاظ على أرواحهم وحياتهم


1- اي اجريت القرعة بيني وبين ولدي .
2- المغازي: 1 / 212 و 213 .


(144)

فذلك هو أكبر هدف لديهم، ومن هنا تندر عندهم روح التفاني والتضحية .

وأما في مدرسة الأنبياء فان المعارك والحروب لا يهدف منها إلاّ ابتغاء رضا اللّه سبحانه، فلو انحصر ذلك في الشهادة أقدم عليها الجندي المسلم من دون خوف أووجل، وعرّض نفسه لجميع الاخطار من دون تلكؤ أو ابطاء .

حصيلة الشورى:

لقد أخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ برأي الاكثرية الّتي كانت ترجح الخروج من المدينة لمقاتلة العدوّ، ورجح هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ البقاء في المدينة وقتال العدو داخلها، إذ لم يكن من الصالح ـ بعد ما اقترحه قادة جيشه البارزين مثل حمزة وسعد بن عباده ونظرائهم، وأصروا عليه ـ أن يأخذ برأي عبداللّه بن أبي بن سلول المنافق .

هذا مضافاً إلى أن حرب الشوارع والمدن غير المنظم في داخل سكك المدينة وأزقتها الضيقة، وإشتراك النسوة في الاُمور الدفاعية، والجلوس في البيت، والسماح للعدو بأن يفعل ما يريد آية العجز، والوهن، وهو أمر لا يليق بالمسلمين، ولا يتلاءم مع الانتصار العظيم الّذي كسبوه في معركة «بدر»، وهزموا به عدوهم الغاشم القوىّ .

إن محاصرة المدينة وسيطرة العدوّ على مداخلها وطرقاتها، وسكوت جنود الإسلام على ذلك من شأنه أن يقتل الروح القتالية، والفروسية في أبناء الإسلام المجاهدين .

ويمكن أن يكون «عبداللّه بن اُبيّ بن سلول» قد أضمر في نفسه نية سيئة ضد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّه بهذا الاقتراح (أي البقاء في المدينة وعدم الخروج لمجابهة العدوّ، ومواجهته بشجاعة) كان يريد ـ في الحقيقة ـ أن يوجّه ضربة إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ !!

النبىُّ يلبس لامة الحرب:

بعد أن تعيّنت كيفية مواجهة العدو والدفاع، دخل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


(145)

بيته ولبس لامته، وقد لبس الدرع فأظهرها وحزم وسطه بمنطقة من حمائل سيف من اُدم واعتم وتقلّد السيف، وخرج من بيته .

فأثار هذا المشهدُ المسلمين وهزهم بشدة وتصور بعضهم بأن إصرارهم على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالخروج من المدينة لم يكن فيه للنبىّ رضا، وخشوا أنهم قد استكرهوه على هذا الأمر، فندموا على ذلك، وقالوا معتذرين: يا رسول اللّه ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك (أو: ما كان لنا أن نستكرهك والأمر إلى اللّه ثم اليك) .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ما يَنْبَغي لِنَبىّ إذا لَبِسَ لامَتَهُ أن يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ»(1) .

النبىّ يخرجُ مِنَ المَدينة:

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ صلى بالناس الجمعة وخرج على رأس ما يزيد على ألف مقاتل قاصداً اُحُد، وذلك بعد أن قال لهم:

«اُنْظُرُوا إلى ما أمَرْتُكُمْ بِهِ فاتّبعُوهُ إمضُوا عَلى بركة اللّه فلكُم النصرُ ما صَبَرتُمْ»(2) .

وقد أجاز رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يومئذ لمن لم يبلغوا الحلم بأن يخرجوا معه كسمرة ورافع وكان رامياً جيداً، ورد أُسامة بن زيد وعبداللّه بن عمر بن الخطّاب(3) .

ثم إن جماعة من اليهود كانوا متحالفين مع عبداللّه بن ابي بن سلول قرّروا أن يشتركوا في هذه المعركة ويخرجوا مع المسلمين، ولكن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يسمح بذلك لأسباب خاصة .


1- السيرة النبوية: 2 / 23، المغازى: 1 / 214، الطبقات الكبرى: 2 / 38 .
2- المغازي: 1 / 214 .
3- السيرة النبوية: 2 / 66 .


(146)

وسار النبىّ وأصحابُه حتّى إذا كانوا بمنطقة بين المدينة واُحُد تسمى «الشوط» انعزل عنه «عبداللّه بن اُبي بن سلول» وعاد بثلث الناس كلهم من الأوس المتحالفين معه إلى المدينة بحجة أنَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ برأي الفتية والشباب، ورفض اقتراحه وهو البقاء في المدينة .

ومن هنا لم يشترك في هذا المعركة لا اليهودُ ولا حزب النفاق .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه كانوا يرغبون في أن يسلكوا أقرب الطرق إلى معسكرهم من هنا اضطروا إلى أن يمروا عبر بستان لمنافق من منافقي المدينة يدعى «مربع بن قيظي» وكان ضريراً، فامتنع من ذلك، واساء بالقول إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فابتدره أصحاب النبىّ ليقتلوه فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لا تَقْتُلُوهُ، فَهذا الأعْمى أعمى القلب، أعمى البصر»(1) .

جنديان فدائيان:

استعرض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جيشه في منطقة تدعى بالشيخين(2)، وكانت الوجوه المشتاقة إلى الجهاد تلمع كما تلمع أشعة السيوف، وتعكس إصراراً كبيراً على قتال الكفار ومجاهدة المشركين .

ولقد كان جيش رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي خرج بهم لمجابهة قريش عند جبل اُحد يتألف من مقاتلين يتفاوتون في الأعمار تفاوتاً كبيراً .

ففيهم الشيخ الكبير الطاعن في السن وفيهم الشاب الفدائىّ الّذي لم يتجاوز الخامسة عشرة .

ولقد كان الدافع الّذي يحرك الجميع إلى ذلك هو تعشق الكمال الّذي


1- السيرة النبوية: 2 / 65، المغازي: 2 / 218 .
2- ولقد كان من عادة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واسلوبه في جميع المعارك استعراض جيشه على الدوام، وعدّهم، وتسريح بعض العناصر الضعيفة احياناً .


(147)

ما كان ليتوفر إلاّ في ظلّ الدفاع عن صرح التوحيد المقدس، ليس إلاّ.

ولإثبات هذه الحقيقة نشير هنا إلى قصة شيخ كبير السن، وشاب لم يمض من عرسه إلاّ ليلة واحدة!!

1- كان «عمرو بن الجموح» رجلا شيخاً أعرج شديد العرج وقد اُصيب في رجله في حادثة. وكان له بنونٌ أربعةٌ مثل الاُسود، يشهدون مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المشاهد، فلما كان يوم «اُحُد» أراد ان يخرج مع النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أبت نفسه أن تفوته الشهادة، وأن يجلس في بيته ولا يشترك مع رسول اللّه في تلك المعركة، وإن اشترك بنوه الأربعة فيها .

فأراد أهله وبنوه حبسَهُ وقالوا له: إنَّ اللّه عزّوجل قد عذَرَك، ولم يقتنع بمقالتهم، وأتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: إنّ بنىّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فواللّه إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«أمّا أنتَ فَقَدْ عَذَرَك اللّهُ ولا جهادَ عَلَيْكَ»(1) .

ثم قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لبنيه وقومه:

«لا عَلَيْكُمْ أن لا تَمْنَعُوه، لعلَّ اللّه يَرْزقَهُ الشهادَة» .

فخلّوا عنه، وخرج وهو يقول: اللهمّ ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي .

وقد كان موقف هذا المجاهد الأعرج من مشاهد معركة «اُحد» العظيمة، ومن قصصها الرائعة، فقد كان يحمل ـ وهو على ما هو عليه من العرج ـ على الاعداء ويقول: «أنا واللّه مشتاقٌ إلى الجنّة» وابنه يعدو في أثره حتّى قُتِلا جميعاً(2) .


1- لقول اللّه تعالى: (لَيْسَ عَلَى الاَْعْمى حَرَجٌ وَ لا عَلى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَ لا عَلى الْمَريض حَرَجٌ) (الفتح: 17) .
2- السيرة النبوية: 2 / 90 و 91، المغازي: 1 / 265 .


(148)

2- «حنظلة» وهو شاب لم يكن قد جاوز الرابعة والعشرين من عمره آنذاك. وهو ابن «أبي عامر» عدوّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والّذي كان مصداقاً لقول اللّه تعالى (يخرجُ الحيَّ من الميّت) .

فقد اشترك والده أبو عامر الفاسق في معركة «اُحد» إلى جانب قريش ضد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكان ممن يكيدون للاسلام وممن حرّض قريشاً ضدّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واستمرّ في معاداة الإسلام حتّى النفس الأخير، ولم يألُ جهداً في هذا السبيل .

وقد كان أبو عامر هذا هو السبب الرئيسىّ وراء حادثة مسجد «ضرار» الّتي سيأتي تفصيلها في حوادث السنة التاسعة من الهجرة .

غير أن علاقة الابوة والبنوة وما يتبعها من احاسيس لم تصرف حنظلة عن الاشتراك في حرب ضد أبيه، مادام أبوه على باطل وهو (أي حنظلة) على الحق فيوم خرج النبىّ مع أصحابه إلى «اُحد» لمواجهة قريش كان حنظلة يريد البناء بزوجته ليلته، فقد تزوج بابنة «عبداللّه بن اُبىّ بن سلول» وكان عليه أن يقيم مراسيم الزفاف والعرس في الليلة الّتي خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى «اُحد» في صبيحتها المنصرمة .

ولكنه عندما سمع مؤذن الجهاد، ودوّى نداؤه في اُذنه تحيّر في ما يجب أن يفعله، فلم يجد مناصاً من أن يستأذن من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بان يتوقف في المدينة ليلة واحدة لاجراء مراسيم العرس ويقيم عند عروسته ثم يلتحق بالمعسكر الاسلامي صبيحة الغد من تلك الليلة .

وقد نزل في هذا الشأن ـ على رواية العلاّمة المجلسي ـ قوله تعالى:

(إنّما الْمُؤمِنُونَ الّذينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِذا كَانُوا مَعَهُ عَلى أمْر جامِع لَمْ يَذْهَبُوا حتّى يَسْتأْذِنُوهِ إنَّ الّذينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ اُولئِكَ الّذينَ يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ فَإذا اسْتأْذِنُوكَ لِبَعْض شَأنِهمْ فَأذَنْ لِمَنْ شِئتَ مِنْهُمْ)(1) .


1- النور: 62 .


(149)

فأذن له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

فبات حنظلة عند عروسته تلك الليلة ودخل بها، ولما اصبح خرج من فوره وتوجه إلى «اُحد» وهو جنب .

ولكنه حينما اراد أن يخرج من منزله بعثت امرأته إلى أربعة نفر من الأنصار، واشهدت عليه أنه قد واقعها .

فقيل لها: لم فعلتِ ذلك ؟

قالت: رايت هذه الليلة في نومي كأنّ السماء قد انفرجت فوفع فيها حنظلة، ثم انضمت فعلمت أنها الشهادة، فكرهت أن لا اُشهدَ عليه.

ولما حضر حنظلة القتال نظر إلى أبي سفيان على فرس يجول بين العسكر، فحمل عليه، فضرب عرقوب فرسه، فاكتسعت الفرس وسقط أبوسفيان إلى الأرض، وصاح: يا معشر قريش أنا أبوسفيان، وهذا حنظلة يريد قتلي، وعدا أبو سفيان، وجرى حنظلة في طلبه، فعرض له رجلٌ من المشركين فطعنه، فمشى إلى ذلك المشرك فطعنه فضربه وقتله، وسقط حنظلة إلى الأرض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبداللّه بن حزام وجماعة من الأنصار، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«رَأيتُ المَلائكَة تغسِّل حنظلةَ بينَ السَماءِ والاَرْض بماء المزن في صحائفَ من ذهَب»(2).

فكان يسمى غسيل الملائكة أو حنظلة الغسيل .

وكانت الأوس تعدّ حنظلة من مفاخرها فكانت تقول: «ومنا حنظلة غسيل الملائكة» .

وكان أبوسفيان يقول: حنظلة بحنظلة ويقصد بالأوّل حنظلة غسيل الملائكة وبالثاني ابنه حنظلة الّذي قتل يوم بدر(3) .


1- بحارالأنوار: 20 / 57 .
2 ـ اُسد الغابة: 2 / 59 و 60 ، بحارالأنوار: 20 / 57 و غيرهما .
3- اُسد الغابة: 2 / 59 و 60 ، بحارالأنوار: 20 / 57 و غيرهما .


(150)

انه حقاً عجيب أمر هذين العروسين (الزوجين) فبينما كانا هما في أعلى درجات التفاني في سبيل الحق كان والداهما، من اعداء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وخصومه الالداء .

فعبداللّه بن أُبىّ بن سلول (والد العروس) كان رأس المنافقين في المدينة، وكان أبو عامر الفاسق والد العرّيس الّذي كان يسمى في الجاهلية بالراهب معادياً أشد العداء لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد التحق بالمشركين في مكة، كما حرّض «هرقل» لضرب الحكومة الإسلامية الفتية في المدينة، ثم اشترك في معركة اُحد ضدّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقاتل المسلمين قتالا شديداً(1) .

العسكران يصطفّان:

في صبيحة اليوم السابع من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة اصطفّت قوى الإسلام أمام قوى الشرك المعتدية، وكان جيش التوحيد قد جعل ظهره إلى أُحد كمانِع طبيعىّ يحفظ الجيش من الخلف. وقد كان في جبل اُحد ثغرة كان من الممكن أن يتسلل منها العدوّ ويباغت المسلمين من الخلف، ويوجّه إليهم ضربة قاضية .

ولهذا عمل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى وضع جماعة من الرماة عند تلك الثغرة، وأمّر عليهم «عبداللّه بن جبير» وقال:

«إنضَح الخيْلَ عنّا بالنبل، واحموا لنا ظُهورَنا، لا يأتونا من خلفِنا، والْزموا مكانكم لا تبرحوا منه، إن كانت لنا أو علينا، فلا تفارقوا مكانكم» .

ولقد أثبتت حوادث «اُحد» الّتي وقعت في ما بعد أهمية هذه الثغرة عسكرياً، فقد كانت هزيمة المسلمين بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل الرماة لأمر النبىّ واخلاء ذلك الموقع الاستراتيجي، الأمر الّذي سمح للعدوّ بأن يباغت المسلمين في حركة التفافية سريعة، ويحمل عليهم، ويوجه اليهم ضربة قوية!!


1- اُسد الغابة: 2 / 59 و 60، بحارالأنوار: 20 / 57 وغيرهما .


(151)

إنّ أمر النبىّ المؤكد والمشدّد للرماة بأن لا يخلوا أماكنهم في الجبل حيث الثغرة المذكورة يكشف عن معرفته الكاملة بقواعد القتال وقوانين الحرب، وبما يصطلح عليه اليوم بالتكتيك العسكري .

بيد أن نبوغ القائد العسكري لا يكفي وحده لإحراز الانتصار إذا كان الجنود يعانون من عدم الانضباطية، وعدم التقيد بأوامر القائد .

ولقد أشار القرآن الكريم إلى الترتيبات الميدانية، الّتي قام بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عند استقرار جنود الإسلام في أرض المعركة بأحد، وتعيينه لمكان كل قطعة من قطعات الجيش الإسلامي إذ قال:

«و إذ غَدوتَ من أهلِكَ تُبَوىءُ المؤمنينَ مَقاعِدَ لِلقِتالِ واللّهُ سَمِيعٌ عَليمٌ»(1).

رفع معنويات الجنود وتقوية عزائمهم:

لم يكن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليغفل في المعارك والحروب عن تقوية العنصر الروحي لدى الجنود، وما يصطلَح عليه الآن بالروح المعنوية، أو المعنويات العسكرية .

ففي هذه المرة أيضاً لما اصطفّ سبعمائة مقاتل مسلم أمام ثلاثة آلاف من المقاتلين المشركين المدججين بالسلاح، خطب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسلمين خطبة رفع بها من معنويات المسلمين، وذلك بعد ان نظم صفوفهم وسوّاها .

فلقد كتب «الواقدي» المؤرخ الاسلامي الكبير في هذا الصدد ما يلي:

جعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الرماة خمسين رجلا على «عَينين» عليهم «عبداللّه بن جبير»، وجعل «اُحُداً» خلف ظهره، واستقبل المدينة، ثم جعل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يمشي على رجليه يسوّي تلك الصفوف، ويبوّىء أصحابه مقاعد


1- مجمع البيان: 4 / 495. الكشاف: 1 / 346 ـ 347 .


(152)

للقتال يقول تقدّم يا فلان، وتأخر يا فلان، حتّى أنه ليرى منكب الرجل خارجاً فيؤخره، فهو يقوّمهم كأنما يقوم بهم القداح .

ثم قام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فخطب الناس فقال:

«يا أيّها الناسُ، أوصيكم بما أوصانىَ اللّهُ في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارِمه، ثم إنكم اليومَ بمنزل أجر وذُخر. لمن ذكر الّذي عليه، ثم وطن نفسَهُ له عَلى الصبر واليقين والجدّ والنشاطِ فانّ جهادَ العدوّ شديدٌ، شديدٌ كَريهٌ، قليلٌ من يصبر عليه، إلاّ من عَزَم اللّهُ رشدَه، فانَ اللّه مَعَ من أطاعهُ، وإنَّ الشيطانَ مع من عصاهُ، فافْتحُوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسُوا بذلكَ ما وَعَدَكُم اللّه، وعليكمْ بالذي أمركم بهِ، فَانّي حَريصٌ عَلى رشدِكُمْ فإنَ الاخْتِلافَ والتنازعَ والتثبيطَ مِنْ أمرِ العَجز والضعف مِمّا لا يحبُّ اللّهُ، ولا يعطي عليه النصرَ ولا الظفرَ.

وإِنَّهُ قدْ نفث في رُوعي الروحُ الأمينُ إِنّه لن تَموتَ نفسٌ حتّى تَسْتوفي أقصى رزقها، ولا ينْقص منه شيء وَ أن ابطأ عنها... المؤمن مِن المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى عليه سائر الجسد والسلام عليكم»(1) .

العدوّ ينظّم صفوفه:

نظم أبوسفيان قائدُ المشركين صفوف جنوده وقسّمهم إلى ثلاثة أقسام: الرماة، وجعلهم في الوسط، والميمنة واستعمل عليهم خالد بن الوليد، والميسرة، واستعمل عليهم عكرمة بن أبي جهل. وقدّم جماعة فيهم حملة الألوية والرايات .

ثم قال لأصحاب الرايات وكانوا جميعاً من بني عبدالدار: إنا إنما اُتينا يوم بدر من اللواء، وإنما يؤتى القوم من قِبَل لوائهم، فالزموا لواءكم وحافظوا عليه، أو خلوا بيننا وبينه فانا قوم مستميتون موتورون، نطلب ثاراً حديث العهد .


1- المغازي: 1 / 221 ـ 223 .


(153)

فشقَّ هذا الكلام على «طلحة بن أبي طلحة» وكان شجاعاً، وهو أولُّ من حمل راية لقريش، فاندفع من فوره إلى ساحة القتال، وطلب المبارزة، متحدياً بذلك أبا سفيان .

الإثارة النفسيّة وإلهاب الحماس:

قبل أن يبدأ القتال أخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيفاً بيده وقال: ـ وهو يثير بذلك همم جنوده ـ .

«من يأخذ هذا السيفَ بحقّه»؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم حتّى قام إليه أبو دجانة الأنصاري، فقال: وما حقّه يا رسول اللّه؟

قال: «أن تشرب به العدوّ حتّى ينحني».

قال: أنا آخذه يا رسول اللّه بحقّه .

فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعاً، يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم، أعلم بعصابة له حمراء فاعتصب بها عُلِمَ أنه سيقاتل، فلما أخذ السيفَ من يد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أخرج عصابته تلك فعصّب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفّين. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «انها لمشية يبغضها اللّه إلاّ في هذا الموطن»(1) .

حقا إن مثل هذه الاثارة النفسية، وهذا التحريك القوىّ للهمم أمرٌ ضروريٌ لجيش يقاتل دفاعاً عن الحق والقيم، ولا يدفعه إلى ذلك سوى العقيدة، وحب الكمال .

إنّ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يهدف بعمله إثارة أبي دجانة وحده، بل كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يهدف بذلك إثارة الآخرين، وإفهامهم بأن عليهم أن يبلغوا في الشجاعة والبطولة، والجرأة والإقدام هذا المبلغ.

يقول «الزبير بن العوّام» وهو كذلك رجلٌ شجاع: وَجدت في نفسي حين


1- السيرة النبوية: 2 / 66 و 67 .


(154)

سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة وقلت: أنا ابن صفيّة عمته، ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه، فاعطاه إياه وتركني!

واللّه لا نظرنّ ما يصنع. فأتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصّب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصّبَ بها.

فخرج وهو يقول:

أنا الّذي عاهَدَني خليلي * ونحن بالسفحِ لدى النخيل

ألاّ أقوم الدهر في الكيّول(1) * أضْرِب بسيف اللّه والرَّسول

فجعل لا يلقى أحداً إلاّ قتله، وكان من المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً الاذفّف عليه، فجعل كلُّ واحد منهما يدنوا من صاحبه، فدعوتُ اللّه أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب الشمرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة، فقتله، ثم رايته قد حمل السيف على مفرق «هند بنت عتبه» ثم عدل السيف عنها، فقلت: اللّه ورسوله أعلم .

ثم إن أبا دجانة أوضح عمله هذا فقال: رأيت انساناً يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف وَلول فاذا امرأة، فأكرمت سيف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن أضرب به أمرأة(2) .

القتال يبدَأ:

بدأ القتال بما فَعَله أبو عامر الفاسق الّذي كان قد هرب من المدينة مباعداً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أسلفنا، وكان من الأوس، وقد فرّ معه خمسة عشر رجلا من الأوس بسبب معارضته للاسلام .

وقد تصوّر أبو عامر هذا أن الأوس إذا رأوا يوم اُحُد تركوا نصرة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلما التقى العسكران يومئذ نادى أبو عامر: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر.


1- الكيّول: آخر الصفوف في الحرب .
2- السيرة النبوية: 2 / 68 و 69 .


(155)

قالوا: فلا أنعم اللّه بك عيناً يا فاسق. فلما سمع ردّ الأوس تركهم، واعتزل الحرب بعد قليل(1) .

ثم إن هناك مواقف وتضحيات عظيمة قام بها رجال معدودون في معركة اُحُد معروفة بين المؤرخين، أبرزها، وأجدرها بالاجلال تضحيات علي ـ عليه السَّلام ـ ومواقفه الكبرى في ذلك اليوم .

فهو صاحب اللواء والراية في هذه الموقعة الكبرى .

قال الشيخ المفيد في الارشاد: تلت بدراً غزاةُ اُحد وكانت راية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بيد أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فيها ومما يدل على ذلك ما رواه يحيى بن عمارة قال: حدثني الحسن بن موسى بن رباح مولى الانصار قال حدثني أبو البختري القرشي، قال: كانت راية قريش ولواؤها جميعاً بيد قصي ثم لم تزل الراية في يد ولد عبدالمطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتّى بعث اللّه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فصارت راية قريش وغيرها إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فاقرها في بني هاشم فأعطاها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ في غزاة ودان وهي أول غزاة حمل فيها راية في الإسلام مع النبىّ ثم لم تزل معه في المشاهد ببدر وهي البطشة الكبرى في يوم اُحد وكان اللواء يومئذ في بني عبدالدار فاعطاه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مصعب بن عمير فاستشهد ووقع اللواء من يده فتشوفته القبائل فأخذه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فدفعه إلى علي بن أبي طالب ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجمع له يومئذ الراية واللواء(2) .

وقد ورد عن ابن عباس ما يؤيد ذلك فقد روى أنه قال: لعلي أربع خصال ليس لأحد من العرب غيره (هو) أول عربي وعجمي صلّى مع النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الّذي كان لواؤه معه في كل زحف...(3) .


1- السيرة النبوية: 2 / 67 .
2- الارشاد: 43، بحارالأنوار: 20 / 80 .
3- ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق المعروف بتاريخ ابن عساكر: 1 / 142 .


(156)

كما عن قتادة: ان علي بن ابي طالب كان صاحب لواء رسول اللّه يوم بدر وفي كل مشهد(1) .

ثم إنه كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدري (وكان يدعى كبش الكتيبة) فبرز ونادى: يا محمّد تزعمون أنكم تجهزونا بأسيافكم إلى النار، ونجهزكم بأسيافنا إلى الجنّة، فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إلىّ فبرز إليه علي ـ عليه السَّلام ـ وهو يقول:

يا طلح إن كنتم كما تقول * لكم خيول ولنا نصول

فاثبت لننظر أيّنا المقتول * وأيّنا أولى بما تقول

فقد أتاك الأسد المسؤول

بصارم ليس به الفلول * ينصره القاهر والرسول

ثم تصاولا بعض الوقت قُتل بعده طلحة بضربة علي ـ عليه السَّلام ـ القاضية.

فأخذ الراية اخوان آخران لطلحة فخرجا لقتال علي ـ عليه السَّلام ـ على التناوب فقتلا جميعا على يديه ـ عليه السَّلام ـ .

هذا ويستفاد من كلام لعلي ـ عليه السَّلام ـ قاله في ايام الشورى الّتي انعقدت بعد موت الخليفة الثاني .

فقد قال الامام ـ عليه السَّلام ـ في مجلس ضم كبار الصحابة في تلك المناسبة:

«نشدتكم باللّه هل فيكم أحدٌ قتل من بني عبد الدار تسعة مبارزة كلُّهم يأخذ اللواء، ثم جاء صوأب الحبشي مولاهم وهو يقول لا أقتل بسادتي إلاّ محمداً، قد ازبد شدقاه، واحمّرت عيناه، فاْتّقيتموه، وحُدتم عنه، وخرجت إليه، فلما أقبل كأنه قبة مبنيّة فاختلفت أنا وهو ضربتين، فقطعته بنصفين وبقيت عجزه وفخذاه قائمة على الأرض ينظر إليه المسلمون ويضحكون منه» .

قالوا: اللهم لا(2) .


1- ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق المعروف بتاريخ ابن عساكر: 9 / 142 .
2- الخصال: ص 560 .


(157)

أجل ان قريشاً كانت قد ادخرت لحمل الراية تسعة رجال من شجعان بني عبدالدار وقد قتلوا جميعاً على يد الامام علي ـ عليه السَّلام ـ على التوالي فبرز غلامهم وقتل هو أيضاً(1) .

المقاتلون بدافع الشهوة!!

من الأبيات الّتي كانت تتغنّى بها «هند بنت عتبة» زوجة أبي سفيان ومن كان معها من النساء في تحريض رجال قريش وحثهم على القتال واراقة الدماء والمقاومة، ويضربن معها الدفوف والطبول يتبين ان تلك الفئة لم تكن تقاتل من أجل القيم الرفيعة كالطهر والحرية، والخلق الانساني بل كانت تقاتل بدافع الشهوة الجنسية ومن أجل الوصول إلى المآرب الرخيصة .

فقد كانت الأغاني والأبيات الّتي ترددها تلك النساء اللائي كنَّ يضربن بالدفوف خلف الرجال على نحو خاص هي:

نحن بناتُ طارقْ * نمشي على النمارق

إن تقبلوا نُعانِقْ * أو تدبروا نفارقْ

ولا شك أن الفئة الّتي تقاتل من أجل الشهوات، ويكون دافعها إلى الحرب والقتال هو الجنس واللذة، وبالتالي لا تهدف سوى الوصول إلى المآرب الرخيصة فان حالها تختلف إختلافاً بيِّناً وكبيراً عن حال الفئة الّتي تقاتل من أجل هدف مقدس كاقرار الحرية، ورفع مستوى الفكر، وتحرير البشرية من براثن الجهل وأسر الخضوع للاوثان .

ولا شك أن لكل واحدة من تلك الدوافع آثارها المناسبة في روح المقاتل وسلوكه.

ولهذا لم يمض زمان طويل إلاّ ووضعت قريش أَسلحتها على الارض وولَت هاربة من أرض المعركة بعد أن اصيبت باصابات قوية بفضل صمود وتضحيات رجال مؤمنين شجعان كعلىّ وحمزة وأبي دجانة والزبير و... مخلِّفة وراءها غنائم


1- وقد ذكر المجلسي قصة مصرع هؤلاء في البحار: 20 / 81 ـ 82 .


(158)

وأموالا كثيرة، وأحرز المسلمون بذلك انتصاراً عظيماً على عدوهم القوي في تجهيزاته، الكثير في افراده(1) .

الهزيمة بعد الانتصار:

قد يتساءل سائل: لماذاانتصر المسلمون أولاً ؟

لقد انتصروا لأنهم كانوا يقاتلون، ولا يحدوهم في ذلك شيء حتّى لحظة الانتصار إلاّ الرغبة في مرضات الله، ونشر عقيدة التوحيد، وإزالة الموانع عن طريقها، فلم يكن لهم أي دافع ماديّ يشدّهم إلى نفسه .

وقد يتساءل سائل: لماذا انهزموا أخيراً؟

لقد انهزموا لأنّ أهداف أكثر المسلمين ونواياهم قد تغيّرت بعد تحقيق الانتصار، فقد توجهت أنظارهم إلى الغنائم الّتي تركتها قريش في أرض المعركة، وفروا منهزمين. لقد خولط اخلاص عدد كبير من المسلمين، ونسوا على أثره أوامر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتعاليمه، فغفلوا عن ظروف الحرب .

واليك فيما يأتي تفصيل الحادث :

لقد ذكرنا عند بيان الأوضاع الجغرافية لمنطقة اُحد أنه كان في «جبل اُحد» شِعب «ثغرة» وقد كلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خمسين رجلا من الرماة بمراقبة ذلك الشِعب، وحماية ظهر الجيش الاسلامي، وأمّر عليهم «عبداللّه بن جبير»، وكان قد أمر قائدهم بأن ينضحوا الخيل ويدفعوها عن المسلمين بالنبل ويمنعوا عناصر العدوّ من التسلّل من خلالها ولا يغادروا ذلك المكان انتصر المسلمون أو انهزموا، غَلَبوا أو غُلِبُوا .

وفعل الرماة ذلك فقد كانوا في أثناء المعركة يحمون ظهور المسلمين، ويرشقون خيل المشركين بالنبل فتولّي هاربة، حتّى إذا ظفر النبىّ وأصحابُه، وانكشف المشركون منهزمين، لا يلوون على شيء وقد تركوا على أرض المعركة


1- السيرة النبوية: 2 / 68، تاريخ الطبري: 2 / 194 .


(159)

غنائم وأموالا كثيرة، وقد تبعهم بعض رجال المسلمين ممن بايع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على بذل النفس في سبيل اللّه ومضوا يضعون السلاح فيهم حتّى أجهضوهم عن العسكر أما أكثر المسلمين فقد وقعوا ينتهبون العسكر ويجمعون الغنائم تاركين ملاحقة العدوّ وقد اغمدوا السيوف، ونزلوا عن الخيول ظناً بأن الأمر قد انتهى .

فلما رأى الرماة المسؤولون عن مراقبة الشِعب ذلك قالوا لأنفسهم: وَ لِمَ نقيمُ هنا من غير شيء وقد هزَم اللّه العدوّ فلْنذهَبْ ونغنم مع إخواننا.

فقال لهم أميرهم (عبداللّه بن جبير): ألم تعلموا أنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال لكم: إحموا ظهورَنا فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رايتمونا غنِمنا فلا تشركونا إحموا ظهورنا؟

ولكن أكثر الرماة خالفوا أمر قائدهم هذا وقالوا: لم يرد رسول اللّه هذا، وقد أذلّ اللّه المشركين وهزَمهم .

ولهذا نزل أربعون رجلا من الرماة من الجبل ودخلوا في عسكر المشركين ينتهبون مع غيرهم من المسلمين الاموال وقد تركوا موضعهم الاستراتيجي في الجبل، ولم يبق مع عبداللّه بن جبير إلاّ عشرة رجال!!

وهنا استغل «خالد بن الوليد» الّذي كان مقاتلا شجاعاً، قلّة الرماة في ثغرة الجبل، وكان قد حاول مراراً أن يتسلل منها ولكنه كان يقابلُ في كل مرة نبال الرماة، فحمل بمن معه من الرجال على الرماة في حملة التفافيّة وبعد أن قاتل من بقي عند الثغرة وقتلهم بأجمعهم انحدر من الجبل وهاجم المسلمين الذين كانوا منشغلين بجمع الغنائم، وغافلين عما جرى فوق الجبل، ووقعوا في المسلمين ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، ورمياً بالنبال، ورضخاً بالحجار، وهم يصيحون تقويةً لجنود المشركين .

فتفرقت جموع المسلمين، وعادت فلولُ قريش تساعد خالداً وجماعته، وأحاطوا جميعاً بالمسلمين من الأمام والخلف، وجعل المسلمون يقاتلون حتّى قُتِل منهم سبعون رجلا .

إن هذه النكسة تعود إلى مخالفة الرماة لأوامر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تحت تأثير المطامع المادية وتركهم ذلك المكان الاستراتيجي عسكرياً والّذي اهتم به القائد الاعلى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأكد بشدة على المحافظة عليه، ودفع أىّ


(160)

هجوم من قِبَلِ العدوّ عليه. وبذلك فتحوا الطريق ـ من حيث لا يشعرون ـ للعدوّ بحيث هاجمتهم الخيل بقيادة خالد بن الوليد، فدخل إلى أرض المعركة من ظهر الجيش الاسلامي، ووجه إلى المسلمين تلك الضربة النكراء!!

ولقد ساعد خالداً في هذا «عكرمةُ بن ابي جهل» الّذي حمل هو الآخر بمن كان معه من الرجال على المسلمين، وساد على صفوف المسلمين في هذا الحال الهرج والمرج، وعمت فوضى لا نظير لها ساحة المعركة، ولم ير المسلمون مناصاً من أن يدافعوا عن أنفسهم متفرّقين ولكن عِقد القيادة لما قد انفرط بسبب هذه المباغتة العسكرية لم يستطع المسلمون إحراز أي نجاح في الدفاع، بل تحمّلوا ـ كما أسلفنا ـ خسائر كبرى في الأرواح، وقُتِلَ عدد من المسلمين على أيدي اخوانهم من المسلمين خطأ ومن دون قصد .

ولقد صعّدت حملات خالد وعكرمة من معنويات المشركين، ونفخت فيهم روحاً جديدة فعادت قواتهم الهاربة المنهزمة قبل قليل، ودخلت ساحة المعركة ثانية، وساعدت جماعة منهم خالداً وعكرمة وحاصروا المسلمين من كل ناحية وقُتِلَ جمع كبير من المسلمين بسبب ذلك!!

شائعة مقتل النبىّ:

وفي هذا الأثناء حمل «الليثي»(1) وكان من صناديد قريش وأبطالها على مصعب بن عمير حامل لواء الإسلام في تلك المعركة وهو يظن أنه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتبودلت بينهما طعنات وضربات حتّى قتل «مصعب» بضربة قاضية من الليثي، وكان المسلمون يومئذ ملثَّمون، ثم صاح: قتلت محمّداً، أو قال ألا قد قُتِلَ محمد، ألا قد قُتِلَ محمد .

فانتشر هذا الخبر في جموع المسلمين كالنار في الهشيم وعلمت قريش بذلك فسروا بذلك سروراً عظيماً، وارتفعت الاصوات في ساحة القتال تنادي: ألا قد


1- هو عبداللّه بن قمئة الليثي .


(161)

قُتِلَ محمّد، ألا قد قُتِلَ محمّد .

ولقد زاد هذا الخبر الكاذب من جرأة العدوّ فتحركت جحافله وافراده نحو المسلمين يسعى كل واحد منهم أن يقتطع من جسم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عضواً، وبذلك ينال فخراً في أوساط المشركين!!

وبقدر ما ترك هذا الخبر الكاذب من أثر ايجابي في نفوس المشركين، تركَ أثراً سيئاً جداً في نفوس المسلمين، وأضعف معنوياتهم بشدة بحيث تخلّى عددٌ كبير من المسلمين عن القتال، ولجأوا إلى الجبل فراراً بأنفسهم، ولم يثبت الاّ عددٌ قليل لا يتجاوز أصابع اليد من الرجال .

هل يمكن أن ينكر أحدٌ فرار البعض؟

لا يمكن أبداً أن ينكر أحدٌ فرار أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ من يعدّون بالاصابع في تلك المعركة، ولا يمنع كونهم صحابة، أو كونهم أصبحوا في ما بعد ذوي مكانَة أو مناصب في المجتمع الإسلامي في ما بعد، من القبول بهذه الحقيقة التاريخية المرّة .

فهذا هو ابن هشام المؤرخ الاسلامي الكبير يكتب في هذا الصدد قائلا: إنتهى أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيداللّه في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بايديهم(1) فقال: ما يجلسكم؟ (اي ما يقعدكم عن القتال والمقاومة) .

قالوا: قُتِلَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ فموتوا على مامات عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

ثم عاد إلى المشركين فقاتلهم حتّى قُتِلَ .

أو قال: حسب رواية كثير من المؤرخين: ـ ان كان محمد قد قُتِلَ فان ربَ محمَّد لم يُقتَل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقاتِلُوا على


1- اي استسلموا .


(162)

ما قاتل عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومُوتوا على مامات عليه ثم قال: اللّهم إنّي اعتذر اليك مما يقوله هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه على الكفار فقاتل حتّى قُتِلَ .

ويروي ابن هشام عن أنَس بن مالك (ابن أخ انس بن النضر) لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين جراحة فما عرفه إلاّ اُختُه عرفته ببنانه(1) .

وكتب الواقدي في مغازيه يقول:

حدثني ابن ابي سبرة عن أبي بكر بن عبداللّه بن أبي جهم واسم أبي جهم عبيد قال: كان خالد بن الوليد يحدث وهو بالشام يقول: الحمدللّه الّذي هداني للاسلام، لقد رأيتني ورأيت عمر بن الخطاب حين جالوا وانهزموا يوم اُحد وما معه أحد وأنيّ لفي كتيبة خشناء فما عرفه منهم أحد غيري فنكبتُ عنه وخشيت إن أغريت به من معي أن يصمدوا له فنظرتُ إليه موجِّهاً إلى الشعب(2) .

وقد بلغ الانهزام والضعف النفسي ببعض الصحابة في هذه المعركة بحيث أخذ يفكر في التبري من الإسلام لينجو بنفسه فقال: ليت لنا رسولا إلى عبداللّه بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان!!(3) .

القرآن يكشف عن بعض الحقائق:

إن الآيات القرآنية تمزق كل حجب الجهل والتعصب الّتي اُسدلت على هذه المسألة، وتفيد بوضوح أن طائفة من أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اعتقدوا بأن ما أخبر به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من الظفر، والنصر لا أساس له من الصحة، فان اللّه تعالى يقول في هذا الصدد:

(وَ طائِفَةٌ قَد أهَمَّتْهُمْ أنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِليَّةِ يَقُولون هَلّ لَنا مِنَ الاَْمْرِ من شيء)(4) .

وفي امكانك ايها القارىء الكريم أن تحصل على الحقائق المكتومة في هذا


1- السيرة النبوية: 2 / 83 راجع تفسير المنار: 4 / 102 .
2- المغازي: 1 / 237 .
3- بحارالأنوار: 20 / 27 .
4- آل عمران: 154 .


(163)

المجال بالتمعن في آيات من سورة آل عمران(1) .

فهذه الآيات تكشف بصورة كاملة عن عقيدة الشيعة حول أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فان الشيعة تعتقد بأنه لم يكن جميع صحابة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أوفياء، لعقيدة التوحيد، متفانين في سبيله، بل كان منهم الضعيف في ايمانهم والمنافق، والمتردد، ومع ذلك لم يكن المؤمنون الأتقياء والصالحون الأبرار قلة أيضاً .

ومن العجيب والمؤسف أن يسعى بعض الكُتاب من أهل السنة اليوم إلى التغطية على كثير من المواقف والاعمال المشينة الّتي بدرت من بعض الصحابة كالذي مرّ عليك في معركة اُحد، ويحاول تجاوزها بنوع من التبرير البعيد عن روح الحقيقة كمحاولة للمحافظة على شأن جميع الصحابة، و مكانتهم على حين أن هذه التبريرات الفجة، وهذا التعصب اللامنطقي لا يمكنها أن تمنع من رؤية الحقيقة كما هي .

فاي كاتب يستطيع إنكار مفاد هذه الآية الّتي تصرح قائلة:

«إذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى اَحَد وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ في اُخْراكُمْ»(2).

إن هذه الآية تقصدُ اولئِكَ الّذينَ رآهم أنس بن النضر، ومن شابَهَهُم من الذين تركوا ساحة المعركة، ولجأوا إلى الجبل، وجلسوا يفكّرون في نجاة أنفسهم!!

والأوضح من الآية السابقة قولُ اللّه تعالى:

«إنَّ الّذينَ تَوَلَّوا مِنْكُم يَوْمَ التْقى الْجَمْعانِ إِنَّما اسْتَزلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللّه غَفُورٌ حَليمٌ»(3).

إن اللّه تعالى يعاتب ويوبّخ الّذين تذرّعوا ـ لفرارهم من المعركة ـ بنبأ مقتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على يد العدوّ، وراحوا يفكرون في الحصول على أمان من أبي سفيان بواسطة عبداللّه بن اُبي إذ يقول:

«وَ ما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَاِنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّه الشاكرينَ»(4).


1- الآيات: 121 ـ 180 .
2- آل عمران: 153 .
3 ـ آل عمران: 155 و 144 .
4- آل عمران: 155 و 144 .


(164)

التجارب المرة:

إن في أحداثِ معركة «اُحد» ووقائعها تجارب مرة واُخرى حلوة فهذه الحوادث والوقائع تثبت بجلاء صمود واستقامة جماعة، وضعف وهزيمة آخرين.

كما أنه يستفاد من ملاحظة الحوادث التاريخية أنه لا يمكن اعتبار جميع المسلمين الذين عاصروا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أتقياء عدولا بحجّة أنهم صحبوا النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، لأن الذين أخلّوا مراكزهم على الجبل، يوم اُحد وعَصَوا أمر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك اللحظات الخطيرة، وجَرُّوا بفعلهم على المسلمين تلك المحنة الكبرى، كانوا أيضاً ممّن صحبوا النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

يقول المؤرخ الاسلامىّ الكبير الواقدي في هذا الصدد: «بايع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم اُحد ثمانية على الموت: ثلاثة من المهاجرين علي وطلحة والزبير، وخمسة من الأنصار» فثبتوا وهرب الآخرون(1) .

وكتب العلامة أبن أبي الحديد المعتزلي أيضاً: حضرت عند محمد بن معد العلوي الموسوي الفقيه على رأي الشيعة الإمامية رحمه اللّه في داره بدرب الدواب ببغداد في سنة 608 هجرية، وقارئ يقرأ عنده مغازي الواقدي، فقرأ: حدثنا الواقدي عن ابن أبي سبرة عن خالد بن رياح عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد عن محمد بن مسلمة قال: سمعت اُذناي، وأبصرت عيناي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول يوم اُحد، وقد انكشف الناس إلى الجبل وهو يدعوهم وهم لا يلوون عليه، سمعته يقول:

«إلىَّ يا فلان، إلىّ يا فلان أنا رسول اللّه» .

فما عرّج عليه واحد منهما، ومضيا!! فأشار ابن معد إلىّ أي إسمع .

فقلت: وما في هذا؟ قال: هذه كناية عنهما. (أي اللذين تسنّما مسند الخلافة


1- المغازي: 2 / 240 .


(165)

بعد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ).

فقلت: ويجوز أن لا يكون عنهما لعله عن غيرهما .

قال: ليس في الصحابة من يُحتشَم من ذكره بالفرار، وما شابهه من العيب، فيضطرّ القائلُ إلى الكناية إلاّ هما .

قلت له: هذا ممنوع .

فقال: دعنا من جَدَلك ومَنعكَ، ثم حَلَفَ أنه ما عنى الواقدىُ غيرهما، وأنه لوكان غيرُهما لذكرهما صريحاً(1) .

كما أنّ العلاّمة ابن أبي الحديد ذكر في شرحه لنهج البلاغة أيضاً اتفاقَ الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت في تلك اللحظات الحساسة يوم اُحُد(2) .

وستقرأ في الصفحات القادمة ما قاله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن امرأة مجاهدة متفانية في سبيل الرسالة الإسلامية تدعى «نسيبة المازنية» دافعت عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم اُحُد .

فقد لمّح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في كلامه عنها وعن موقفها العظيم يومذاك، إلى ما يقلّل من شأن الذين فرّوا من المعركة .

نحن لا نريد هنا الاساءة إلى أىّ واحد من صحابة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، بل غاية ما نتوخّاه هو الكشف عن الحقيقة، وإماطة اللثام عن الواقع، فبقدر ما نستنكر، ونقبّح فرار من فرّ، نكبر صمود من صمد وثبات من ثبت ممن سنأتي على ذكرهم في الصفحات القادمة، وهذا هو ما تمليه علينا روح التحليل الصادق أو تقتضية أمانة النقل، وما يسمى بالامانة التاريخية على الأقل .

خمسة يتحالفون على قتل النبىّ:

في تلك اللحظات الّتي تشتت فيها جيش المسلمين، وانفرط عقده، وفي الوقت الّذي تركزت فيه حملات المشركين من كل ناحية على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: 15 / 23 و 24 .
2- المغازي: 1 / 278 و 279 .


(166)

تعاهد خمسة أنفار من صناديد قريش المعروفين أن يضعوا نهايةً لحياة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقضوا عليها مهما كلّفهم من الثمن(1) .

وهؤلاء هم:

1- عبداللّه بن شهاب الّذي جرح جبهة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

2- عتبة بن أبي وقاص الّذي رمى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأربعة أحجار فكسر رُباعيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وجرح باطنها، من الجهة اليمنى.

3- ابن قميئة الليثي الّذي رمى وجنتي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وجرحهما بحيث غاب حلق المغفر في وجنته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأخرجها أبو عبيدة الجراح بأسنانه فكسرت ثنيتاه العليا والسفلى .

4- عبداللّه بن حميد الّذي قُتِلَ على يد بطل الإسلام أبي دجانة وهو يحمل على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

5- اُبىّ بن خلف وكان من الذين قُتلوا بيد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه .

فهو واجه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عندما وصل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الشِعب، وقد عرفه بعض أصحابه وأحاطوا به، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا محمّد لا نجوتُ ان نجوتَ، وحمل على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولما دنا تناولَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحربة من «الحارث بن الصمّة»، ثم انتفض انتفاضةً شديدةً وطعن «اُبيّاً» بالحربة في عنقه، وهو على فرسه، فجعل اُبىُّ يخور كما يخور الثور!

ومع أن ما أصاب اُبيّاً من جراحة كان يبدو بسيطاً، إلاّ أنه تملّكه رعبٌ وخوفٌ شديدان إذ لم ينفعه معهما تطمينات رفاقه، ولم يذهب عنه الروع بكلامهم، وكان يقول: واللات والعزى لو كان الّذي بي بأهل ذي المجاز(2) لماتوا أجمعون .


1- المغازي: 1 / 243 .
2- كان ذوالمجاز سوقاً من أسواق العرب وهو عن يمين الموقف بعرفة قريباً من كبكب (معجم ما استعجم على ما في حواشي المغازي: 508) .


(167)

اليس قال: (أي النبىّ يومَ كان بمكة) أنا أقتلُكَ إن شاء اللّه، قتلني واللّه محمّدٌ!!

وقد فعلت الطعنة، وكذا خوفه فعلتهما فمات في منطقة تدعى سرف (وهو موضع على ستة أميال من مكة) فيما كانت قريش قافلةً من اُحد إلى مكة(1) .

حقاً إن هذا ينمُّ عن منتهى الدناءة والخسة في خُلُق قريش وموقفها، فمع أنها كانت تعرف صدق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتعترف به، وتنكرُ أن يكون قد صَدَرَ منه كِذبٌ في قول، أو خُلف في وعد، كانت تعاديه أشدّ العِداء، وتمدّ نحوه يَدَ العدوان، وتبغي مصرعه، وتسعى إلى اراقة دمه!!

كما أنه من جهة اُخرى يدل على شجاعة رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبطولته ومقدرته الروحية الكبرى، من ناحية اُخرى، وثباته في عمله من ناحية ثالثة .

أجل لقد كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يدافع عن رسالته السماوية، وعن حياض عقيدته التوحيدية العظمى، ويصمد لاعدائه صمودَ الجبال الرواسخ مع أنه ربما دنا من الموت وكان منه قاب قوسين أو أدنى .

ومع أنه كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يرى أن كل همّ المشركين وكل حملاتهم موجهة نحوه بشخصه، إلاّ أنه لم يشهد أحد منه أي قول أو فعل يشعر بتوجسه واضطرابه، ولقد صرح المؤرخون بهذا الأمر فقد كتب المقريزي: ونادى المشركون بشعارهم [يا للعزى، يالهُبَل] فاوقعوا في المسلمين قتلا ذريعاً، ونالوا من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما نالوا. ولم يزل ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ شبراً واحداً بل وقف في وجه العدوّ، وأصحابه تثوب إليه مرة طائفة وتتفرق عنه مرة، وهو يرمي عن قوسه أو بحجر حتّى تحاجزوا(2) .

نعم غاية ما سمع منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو ما قاله عندما كان يمسح الدم


1- السيرة النبوية: 2 / 84، المغازي: 1 / 251 .
2- امتاع الاسماع: 1 / 131، المغازي: 2 / 240 .


(168)

عن وجهه المبارك إذ قال:

«كيفَ يفلحُ قومٌ خَضَّبوا وَجه نبيّهم بالدَّم وهو يدعوهم إلى اللّه؟!»(1) .

إن هذه العبارة الخالدة تكشف عن عمق رحمة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعاطفته حتّى بالنسبة إلى اعدائه الألدّاء .

بينما تكشف كلمة قالها علي ـ عليه السَّلام ـ عن شجاعته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الفائقة إذ قال:

«كُنّا إذا احمر البأس اتقينا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فلم يكن احدٌ أقربَ منّا إلى العدوّ منه»(2) .

من هنا فان سلامة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الحروب تعود في أكثر أسبابها إلى حسن دفاعه عن دينه، وعن نفسه، وإلى شجاعته في المعارك .

ولقد كانت ثمة علل واسباب صانت هي الاُخرى حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من أن يلحقها خطر أو ضرر، الا وهو تضحية وتفاني تلك القلة القليلة من أصحابه الأوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياة رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبذلك أبقوا على هذا المشعل الوقّاد، وهذا السراج المنير .

لقد قاتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم اُحُد قتالا شديداً، فرمى بالنبل حتّى فني نبله وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره(3) .

على أن الّذين دافعوا عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد(4)، وحتّى هذه القلة القليلة المدافعة ثباتهم معه جميعاً غير مقطوع به من منظار علم التاريخ، ومن زاوية التحقيق التاريخي .

نعم ما هو متفق عليه بين المؤرخين، وأرباب السير هو ثبات أفراد قلائل نعمد هنا إلى ذكر أسمائهم ومواقفهم بشيء من التفصيل .


1- بحارالأنوار: 20 / 102 .
2- نهج البلاغة: فصل في غريب كلامه رقم 9 .
3- الكامل في التاريخ: 2 / 107 .
4- شرح نهج البلاغة: 15 / 20 و 21 .


(169)

الدفاع الموفق أو النصر المجدّد:

لو أننا أسمينا هذه المرحلة من تاريخ الإسلام بمرحلة النصر المجدّد لما قلنا جزافاً، فان المقصود من هذا الانتصار هو أن المسلمين استطاعوا ـ وخلافاً لتوقعات العدو الحاقد ـ أن يصونوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من خطر الموت الّذي كاد أن يكون محققاً، وهذا هو انتصار مجدّد أصابه جند الإسلام .

أما إذا عزونا هذا الانتصار إلى جيش الإسلام برمّته فان ذلك انما هو لأجل تعظيم مقام المجاهدين المسلمين، وإلاّ فان ثقل هذا الانتصار العظيم وقع على عاتقِ عدد محدود جداً من رجال الإسلام الذين صانوا حياة الرسول الاكرم عن طريق المخاطرة بحياتهم، وتعريضها للخطر الجدي .

وفي الحقيقة فإنّ بقاء الدولة الإسلامية وبقاء جذوة هذا الدين المبارك مشتعلةً إنما هو نتيجة تضحيات تلكم القلة القليلة المتفانية في سبيل اللّه ورسوله.

واليك فيمايلي استعراضاً إجمالياً لتضحيات اولئك الرجال المتفانين في سبيل العقيدة والدين:

1ـ إن أول وأبرز الرجال الصامدين الثابتين على طريق الجهاد والتضحية في هذه الواقعة هو شاب بطل لم يتجاوز ربيعه السادس والعشرين من عمره...، هو الّذي رافق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من سني صغره وبدايات حياته وحتّى لحظة وفاة الرسول الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

إن بطل الإسلام الاكبر وان ذلك الفدائي الواقعي هو الامام «علىّ بن أبي طالب» ـ عليه السَّلام ـ الّذي تحفظ ذاكرة التاريخ الاسلامي عنه الكثير الكثير من مواقف التضيحة والفداء في سبيل نشر الإسلام والدفاع عن حوزة التوحيد، وارساء دعائمه .

وفي الاساس ان هذا الانتصار المجدَّد ـ على غرار الانتصار الأول ـ إنما جاء نتيجةً لبسالة وبطولة هذا المجاهد المتفاني في سبيل الإسلام ذلك لأن السبب الجوهري في هزيمة قريش وفرارها في بداية المعركة كان هو سقوط لوائها بعد


(170)

مقتل كل حَمَلَة اللواء على يد الامام علي ـ عليه السَّلام ـ ، وبالتالي نتيجة للرعب الّذي اُلقي في قلوبهم لما رأوا من تساقط صناديدهم الواحد تلو الآخر، الأمر الّذي سلبهم القدرة على المقاومة .

إن الكُتّاب المصريين المعاصرين الذين تناولوا حوادث التاريخ الاسلامي بالتحليل والدراسة، لم يعطوا علياً ـ عليه السَّلام ـ ـ وللأسف ـ حقه في هذه الموقعة، أو على الأقلّ لم يذكروا ما اتفق عليه المؤرخون، وتطابقت في اثباته التواريخ، بل جعلوا تضحيات الأمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ ومواقفه الشجاعة والعملاقة في عداد مواقف الآخرين، وفي مستواها .

من هنا ينبغي أن نسلّط بعض الضوء على تضحيات ذلك الفدائىّ الواقعىّ، وذلك البطل الشجاع الّذي شهدت له ساحات الوغى مواقف لا نظير لها في العظمة، والسمو .

1- يقول ابنُ الاثير في تاريخه(1): كان الّذي قتل أصحاب اللواء علياً ـ قاله ابو رافع ـ ، (قال) فلما قتلهم أبصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جماعةً من المشركين فقال لعلىّ: إحمل عليهم، فحمل عليهم ففرّقهم، وقتل منهم، ثم أبصر جماعة اُخرى فقال له: احمل عليهم، فحمل عليهم وفرّقهم وقتل منهم، فقال جبرئيل: يا رسول اللّه هذه المواساة، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إنه مني وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنا منكما قال: فسمعوا صوتاً:

«لا سَيْفَ إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ علي»(2) .

وقد شرح ابن أبي الحديد هذه القضية بتفصيل أكثر إذ كتب في شرحه لنهج البلاغة يقول: لما فرّ معظم أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يومَ اُحُد كثرت عليه كتائبُ المشركين وقصدته كتيبة من بني كنانة، ثم من بني عبد مناة بن


1- الكامل: 2 / 107 .
2- ومثله في تاريخ الطبري: 2 / 197، ميزان الاعتدال: 3 / 324، لسان الميزان: 4 / 406 .


(171)

كنانة فيها بنو سفيان بن عويف، وهم خالد بن ثعلب وأبو الشعثاء بن سفيان وأبو الحمراء بن سفيان وغراب بن سفيان، وانها لتقارب خمسين فارساً وهو (أي علي ـ عليه السَّلام ـ ) راجلٌ، فما زال يضربها بالسيف تتفرق عنه، ثم تجتمع عليه هكذامراراًحتّى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة وتمام العشرة منها ممن لا يعرف اسماؤهم .

ثم نقل ما قاله جبرئيل، ثم كتب يقول: قلت وقد روى هذا الخبر جماعةٌ من المحدثين وهو من الاخبار المشهورة وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن اسحاق ورايت بعضها خالياً عنها، وسألت شيخي عبدالوهاب بن سكينة عن هذا الخبر، فقال: خبرٌ صحيحٌ .

فقلت: له فما بال الصحاح (أي مثل صحيح البخاري ومسلم وما شاكلهما) لم تشتمل عليه؟

قال: أوَ كلُّ ما كان صحيحاً تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعو الصحاح من الأخبار الصحيحة؟!(1) .

2ـ ولقد اشار الامام علي ـ عليه السَّلام ـ نفسُه في كلام مفصل له مع رأس اليهود إلى هذا الموقف إذ قال:

«ذَهَب النبىّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعسكرَ بأصحابه في سد اُحد واقبل المشركون الينا فحملوا علينا حملة رجل واحد واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممّن بقي بعد الهزيمة، وبقيت مع رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومضى المهاجرون والانصار إلى منازلهم من المدينة كلٌّ يقول قتل النبىّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقتل أصحابه، ثم ضرب اللّه عزّوجلّ وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول اللّه  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نيفاً وسبعين جراحة، منها هذه، وهذه».

ثم انه ـ عليه السَّلام ـ ألقى رداءه، وأمرَّ يده على جراحاته، وقال:

«وكان منّي في ذلك ما على اللّه عزّوجلّ ثوابُه إن شاء اللّه»(2) .


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14 / 250 و 251 .
2- الخصال: ص 368 .


(172)

وقد بلغ علىٌ ـ عليه السَّلام ـ ـ حسب رواية علل الشرائع ـ من كثرة ضربه لطوائف المشركين الذين كانوا يحملون على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم اُحد، ان انكسر سيفهُ، فجاء إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: يا رسول اللّه إنّ الرجل يقاتِل بسلاحه وقد انكسر سيفي، فأعطاه ـ عليه السَّلام ـ سيفَه ذا الفقار فما زال يدفع به عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقال جبرئيل في حقه وفي سيفه ما مرّ(1) .

وقد اشار ابن هشام في سيرته إلى العبارة الّتي نادى بها جبرئيل إذ قال: وحدثني بعض أهل العلم إن إبن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم اُحد: لا سيفَ إلاّ ذوالفقار ولا فتى إلاّ علىٌّ(2) .

كما عد ابن هشام في سيرته(3) القتلى من المشركين في اُحد (22) رجلا، وقد ذكر أسماءهم واحداً واحداً وذكر قبائلهم، وغير ذلك من خصوصياتهم، وقد قُتلَ منهم (12) رجلا بيد علي ـ عليه السَّلام ـ ، وقتل البقية بايدي المسلمين، ونحن نعرض هنا عن ذكر اسماء اُولئك المقتولين رعاية للاختصار .

هذا ونحن نعترف بأننا لم نستطع بيان كل ما قام به علي ـ عليه السَّلام ـ من خدمات كبرى في هذه الصفحات القلائل على نحو ما جاء في كتب الفريقين السنة والشيعةوبخاصة في موسوعة بحارالأنوار .

إن ما نستفيده من مطالعة الروايات والأخبار الثابتة والمتعددة في هذا المجال هو انه لم يثبت أحد في معركة «اُحد» كما ثبت علي ـ عليه السَّلام ـ (4) .

2ـ أبو دُجانة، وهو البطلُ المسلم الثاني بعد الامام علي ـ عليه السَّلام ـ في الصمود، والتضحية، والبسالة والفداء دفاعاً عن حياة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد بلغ من حرصه على حياة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ودفاعه عنه أن


1- علل الشرائع: 7، بحارالأنوار: 20 / 71 .
2- السيرة النبوية: 2 / 100 .
3- السيرة النبوية: 2 / 127 و 128 .
4- بحارالأنوار: 20 / 84 .


(173)

جعل من نفسه ترساً يقي النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من سيوف الكفار ورماحهم، وسهامهم وأحجارهم، وقد وقعت سهام كثيرة في ظهره ولكنه ظل مترساً بجسمه دون النبىّ، وبذلك حافظ على حياته الشريفة(1) .

وقد جاء أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال له يوم «اُحُد» بعد ان فرّ وانهزم أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وحاصره الكفار من كل جانب يا ابادجانة أماترى قومك، قال: بلى، قال:

«إلحق بقومك وأنتَ في حل من بيعتي، أمّا علىٌّ فهو أنا وأنا هو».

فبكى أبو دجانة بكاءً مرّاً وقال:

لا واللّه، لاجعلت نفسي في حل من بيعتي إني بايعتك، فالى من أنصرفُ يا رسول اللّه إلى زوجة تموتُ، أو ولد يموتُ، أو دار تخربُ، أو مال يفنى، أو أجل قد اقتربَ؟

فرّق له النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فلم يزل يقاتلُ حتّى اثخنتهُ الجراحة وهو في وجه و «علىٌّ» في وجه، فلما سقط احتمله علىُّ ـ عليه السَّلام ـ فجاء به إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فوضعه عنده فقال: يا رسول اللّه أوفيت ببيعتي؟ قال: نعم(2) .

وقد ذُكر في كتب التاريخ أشخاصٌ آخرون كعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، وطلحة بن عبيداللّه، وغيرهم ممن يبلغ ـ حسب بعض الكتب ـ 36 شخصاً ادُعي أنهم ثبتوا ولم يفروا، إلاّ أنّ ما هو مسلم به تاريخيا هو ثبات علي ـ عليه السَّلام ـ وأبي دجانة، وحمزة وامرأة تدعى اُم عامر، وأما ثبات غير هؤلاء الأربعة فامرٌ مظنونٌ بل ومشكوكٌ في بعضهم .

3ـ حمزةُ بن عبدالمطلب، عمُّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكان من شجعان العرب ومن المعروفين ببطولاته في الإسلام وهو الّذي أصرّ على أن


1- السيرة النبوية: 2 / 82 .
2- بحارالأنوار: 20 / 107 و 108 عن روضة الكافي: 318 ـ 322 .


(174)

يخرج المسلمون من المدينة ويقاتلوا قريشاً خارجها .

ولقد دأب حمزة على حماية رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من أذى المشركين والوثنيين في اللحظات الخطيرة، والظروف القاسية من بدء الدعوة المحمدية بمكة .

وقد ردّ على أبي جهل الّذي كان قد آذى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بشدة، وضربه ضربة شج بها رأسه في جمع من قادة قريش ولم يجرأ احد على مقابلته .

لقد كان حمزة مسلماً مجاهداً وبطلا فدائياً متفانياً في سبيل الإسلام فهو الّذي قتل «شيبة» وشيبة من كبار صناديد قريش وابطالها، في بدر كما قتل آخرين، ولم يهدف إلاّ نصرة الحق، والفضيلة، وإقرار الحرية في حياة الشعوب والاُمم .

ولقد كانت هندُ بنتُ عتبة زوجة أبي سفيان تحقد عليه أشدّ الحِقد، وقد عزمت على أن تنتقم من المسلمين لأبيها مهما كلّف الثمن .

فأمرت «وحشياً» وهو غلامٌ حبشي لجبير بن مطعم الّذي قتل هو الآخر عمَّه في بدر بأن يحقق غرضها، وأملها كيفما استطاع، وقالت له: لئن قتلتَ محمداً أو علياً أو حمزة لاُعطينّك رضاك .

فقال وحشي لها: أمّا محمد فلا أقدرُ عليه، وأما علىٌ فوجدته رجلا حذراً كثير الالتفات فلا أطمع فيه، وأما حمزة فاني أطمعُ فيه لأنه إذا غضب لم يبصر بين يديه.

يقول وحشي: ولما كان يوم اُحد كمنت لحمزة في أصل شجرة ليدنوا مني، وكان حمزة يومئذ قد أعلمَ بريشة نعامة في صدره، فواللّه إني لأنظرُ إليه يهدّ الناس بسيفه هداً ما يقوم له شيء، فهززتُ حربتي ـ وكان ماهراً في رمي الحراب ـ حتّى إذا رضيتُ منها دفعتها عليه، فوقعتْ في ثنته (وهي أسفل البطن) حتّى خرجَت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي، فغُلِبَ، وتركُته واياها حتّى مات، ثم أتيتُه فأخذت حربتي ثم رجعتُ إلى العسكر فقعدتُ فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وانما قتلتُه لاُعتقَ .


(175)

فلما قدمتُ إلى مكة اُعتقت ثم اقمُت حتّى إذا افتتح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مكة هربت إلى الطائف فمكثتُ بها. فلما خرج وفدُ الطائف إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليُسلِمُوا تعيّت علىّ المذاهب، فقلتُ: ألحق بالشام أو اليمن، أو ببعض البلاد، فواللّه إني لفي ذلك من همّي إذ قال لي رجُلٌ: ويحَكَ إنه واللّه ما يقتل أحداً من الناس دَخَلَ في دينه، وتشهَّد شهادته.

فلما قال لي ذلك، خرجتُ حتّى قدمتُ على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينةَ، فلم يَرُعْهُ إلاّ بي قائماً على رأسه أتشهّد بشهادة الحق، فلمّا رآني قال: أوحشي؟! قلت: نعم يا رسول اللّه .

قال: اُقعد فحدثّني كيفَ قتلت حمزةَ، فحدثُته بما جرى لي معه، فلما فرغتُ من حديثي قال: ويحك! غَيّب عني وجهَكَ فلا أرَيَنَّكَ .

أجل هذه هي الروحُ النبويّة الكبرى، وتلك هي سعة الصدر الّتي وهبها اللّه تعالى لنبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قائد الإسلام الأعلى، ومعلم البشرية الاكبر، تراه عفا عن قاتل عمه، مع أنّه كان في مقدوره أن يعدمه بمائة حجة وحجة!!

يقول وحشي: فكنتُ أتنكَّبُ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حيث كان لئلاّ يراني، حتّى قبضه اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلما خرج المسلمون إلى قتال مسيلمة الكذاب خرجتُ معهم، وأخذتُ حربتي الّتي قتلتُ بها حمزةَ، فلمّا التقى الناسُ رايتُ مسيلمةَ الكذاب قائماً في يده السيفُ، وما أعرفُه، فتهيأتُ له، وتهيّأ له رجل من الأنصار من الناحيةِ الاُخرى، كلانا يريدُه فَهزرتُ حربتي حتّى إذا رضيتُ منها دفعتها إليه، فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاريُ فضربَهُ بالسيف .

هذا هو ما ادّعاه وحشي، بيد أنَّ هشاماً قال في سيرته، بلغني أن وحشياً لم يزل يُحدّ في الخمر حتّى خُلِعَ من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمتُ أنَّ اللّه تعالى لم يكن ليدعَ قاتل حمزة(1) .


1- السيرة النبوية: 2 / 72 و 73 .


(176)

ـ اُمُّ عمارة:

لا ريب أن الجهاد الابتدائي مرفوع عن المرأة ساقط عنها في نظر الإسلام ولهذا عندما أوفدت نساءُ المدينة امرأة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لتتحدّث معه حولَ الحِرمان من هذه العبادة الكبرى، فجاءت إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقالت: يا رسول اللّه نحن نقوم بكل ما يحتاج إليه الرجال في حياتهم، ليجاهدوا ببال فارغ، فلِمَ حُرِمنا نحن من هذه الفضيلة؟!

فأجابها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قائلا: «إنَّ حُسْنَ التبعّل يعدلُ ذلك كله»، وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يشير إلى أن لهذا المنع أسبابه الطبيعية والوظيفية في طبيعة المرأة وخلقتها، وليس هو بالتالي يعني حرمانها من شيء فان قيامها على الوجه الصحيح بخدمة زوجها وتربية أولادها تعدل الجهاد في سبيل اللّه(1) .

بيد أن بعض النسوة المجرّبات ربما كن يخرجن من المدينة لمساعدة جنود الإسلام كسقي العطاشى، وغسل ثياب المقاتلين، وتضميد الجرحى. وبذلك كنَّ يقدّمن خدمة مؤثرة في نصرة المسلمين ودعمهم .

تقولُ اُم عمارة (نسيبة المازنية): خرجت أول النهار إلى «اُحد» وأنا أنظرُ ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو في الصحابة، والدولة والريح للمسلمين .

فلما انهزم المسلمون انحزتُ إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجعلت أباشرُ القتال وأذبّ عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالسيف، وأرمي بالقوس حتّى خلصت الىّ الجراح .

(تقول راوية هذا الكلام) فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت: يا اُم عمارة من أصابك بهذا؟.

قالت: أقبل ابن قميئة وقد ولّى الناس عن رسول اللّه، يصيح: دلّوني على


1- اسد الغابة: 5 / 398 .


(177)

محمد، لا نجوتُ إن نجا. فاعترض له مصعبٌ بن عمير وناس معه، فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربتُه على ذاك ضربات، ولكنَّ عدوَّ اللّه كان عليه درعان. هذا والنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينظر الىّ، فنظر إلى جرح على عاتقي فصاح بأحد اولادي وقال: «اُمَّكَ اُمّكَ إعصبْ جُرْحها». فعاونني عليه.

ثم إنها رأت أن ابنها جرح فاقبلت إليه ومعها عصائب في حقويها قد أعدّتها للجراح فربطت جرحه والنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينظر، ثم قالت لولدها: إنهضْ يا بني فضارِب القومَ.

فأعجب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ باستقامتها وثباتها وايمانها وقال:

«وَمَنْ يُطيقُ ما تُطيقينَ يا اُمّ عمارة»؟!

وفي الأثناء اقبل الرجل الّذي ضرب ولدَها فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هذا ضارب ابنك فاعترضت له، وحملت عليه كالأسد المغضب وضربت ساقه فبرك .

فازداد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إعجاباً بشجاعتها وتبسم حتّى بدت نواجذه وقال:

«استقدتِ يا اُمَّ عمارة الحمدللّه الّذي ظفّرك وأقرّ عينكِ من عدوِّك» .

وعندما نادى منادي النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى حمراء الأسد، بعد معركة اُحُد، وطلب من الجرحى أن يخرجوا لملاحقة جيش المشركين، شدّت عليها ثيابها وقد كان بها جراح عديدة أعظمها الجرح الّذي على عاتقها فما استطاعت بسبب نزف الدم، فأرادت أن تخرج مع العسكر منعتها جراحها الباهضة من ذلك، فلما رجع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من غزوة حمراء الاسد ما وصل إلى بيته حتّى أرسل اليها عبدَاللّه بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها، فسُرّ النبىّ بذلك .

ولقد أثار موقف هذه المرأة البطلة الثابتة على درب الايمان سرور النبىّ واعجابه فقال في حقها مشيداً بموقفها البطولي ومعرضاً بفرار من فرّ وهروب من هرب في معركة اُحد :


(178)

«لمقامُ نسيبَة بنتِ كعب اليومَ خيرٌ من مقام فلان وفلان» .

وكانت نسيبة قد طلبت من النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يوم اُحُد بعد أن أشاد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بصلابتها ومواقفها أن يدعو لها بمرافقته في الجنة فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ داعياً لها ولأهل بيتها:

«بارَكَ اللّهُ عَليكُم مِنْ أهلِ بيت رحمكم اللّهُ. اللّهم اجعَلْهُم رفقائي في الجنّة».

وقال ابنُ أبي الحديد معلقاً على عبارة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لمقام نسبية اليومَ خيرٌ من مقام فلان وفلان» قلت: ليت الراوي لم يُكَنِّ هذا الكناية، وكان يذكر من هما بأسمائهما حتّى لا يترامى الظنون إلى اُمور مشتبهة، ومن أمانة الحديث أن يذكر الحديث على وجهه ولا يكتم منه شيئاً فما باله كتم إسمَ هذين الرجلين(1).

ولكننا نعتقد أن الرجلين هما من الشخصيات الّتي تسنمت مراكز القيادة العليا بعد وفاة رسول اللّه ـ عليه السَّلام ـ وقد أحجم الرواي عن التصريح بأسمائهما إما احتراماً أو تقيةً وخوفاً .

بقية واقعة «اُحُد»:

لقد آلت تضحيات ثلة قليلة ومعدودة من رجال الإسلام المتفانين وبسالتهم إلى الابقاء على حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وحفظها من الخطر القطعي الحتمي .

ومن حسن الحظ أن أكثر أفراد العدوّ قد تصوروا يومئذ أن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد قُتِل، ومضوا يفتشون عن جسده بين القتلى، ودفعت الحملات الّتي كان يقوم بها أقليةٌ من المشركين على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد رُدّت على


1- شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: 14 / 265 ـ 267، المغازي: 1 / 269 و 270، بحارالأنوار: 20 / 134 .


(179)

اعقابها بفضل ثبات علي ـ عليه السَّلام ـ وأبي دجانة وأنفار آخرين (احتمالا) وقد رأى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن من الصالح في تلك اللحظات أن لا ينتشر تكذيبُ شائعة مقتل النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لكي لا يصرّ العدوُ على البقاء في أرض المعركة مع ما كان عليه المسلمون من التشتت والتفرق، والمحنة، ومن هنا صعد هو وبعض أصحابه إلى الشعب في جبل اُحُد .

وفي خلال ذلك سقط رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حفيرة في الجبل حفرها أبو عمار الفاسق للمسلمين، فأخذ علي ـ عليه السَّلام ـ بيد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخرجه منها، وكان أوّل من عرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من المسلمين، «كعب بن مالك» وقد رأى عينيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تزهران من تحت المغفر فنادى بأعلى صوته، يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فاشار إليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن أنصت .

وذلك لأن انتشار خبر سلامة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان من شأنه أن يدفع المشركين ـ كما قلنا ـ إلى مواصلة حملاتهم على المسلمين، بهدف استئصال شأفتهم ولهذا أمر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كعباً بالسكوت، فسكت كعب(1) .

وأخيراً وصل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى فم الشِعب، ولما عرف المسلمون بحياته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سروا بذلك وأخذوا يتجمّعون عنده، وهم يُظهرون الندامة من تركه بين الاعداء والفرار بأنفسهم إلى الجبل، وأخرج أبو عبيدة الجرّاح حلقتي المغفر من وجه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وجاء علي ـ عليه السَّلام ـ بماء في درقته فغسل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ به الدمَ عن وجهه وصبّ منه على رأسه وقال:

«اشْتدَّ غضَبُ اللّه على مَنْ دَمّى وجهَ نَبيّهِ»(2) .

العدوُّ يحاول استغلال الفرصة:

في الوقت الّذي واجه المسلمون فيه هزيمة كبرى انهارت بها الكثير من


1- السيرة النبوية: 2 / 83 .
2- السيرة النبوية: 2 / 83 .


(180)

المعنويات اغتنم العدوّ الفرصة للترويج عن معتقداته، فأطلق شعارات متعددة ضد عقيدة التوحيد، كان من شأنها أن تغري البسطاء، والضعفاء في الايمان وتؤثر فيهم، وتزلزلَ إيمانهم. فليست هناك حالة لبثّ العقائد وتسريبها إلى النفوس أفضل من حالة الانهزام والنكسة، والبلاء والمصيبة، ففي حالة كهذه يبلغ الضعفُ النفسيُ لدى المصاب والمنكوب حدّاً يفقد معه العقلُ سيطرته على الإنسان بحيث يفقد على أثر ذلك قدرة التمييز بين الحق والباطل وفي هذه الصورة تصبح مسألة بثّ الدعايات السيئة وزرعها في النفوس واستثمارها مسألة بسيطة، إذ يكون الإنسان في هذه الحالة أكثر تقبلا وأيسر قبولا .

من هنا عمد أبو سفيان وعكرمة فرفعا أصناماً كبيرة على الايدي بعد الحاق الهزيمة بالمسلمين، وأظهروا الفرح والسرور وأخذوا ينادون بأعلى أصواتهم ـ مستغلين هذه الفرصة ـ : «اُعلُ هُبَل، اُعلُ هُبَل»!!

ويعنون بذلك الشعار أن الانتصار الّذي أحرزه المشركون إنما هو بفضل الصنم: هبل، وبالتالي بفضل الوثنية الّتي تدين بها أهلُ مكة. ولو كان ثمة إله سواه، وكانت عقيدة التوحيد على حق لانتصر المسلمون، ولما خلص إليهم من المحنة ما خلص فادرك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عمقَ الخطر الّذي يكمن في الاُسلوب الّذي أخذ العدوّ يمارسه في مثل هذه اللحظة الحساسة، وما سيتركه ذلك من أثر سيء في النفوس، وبخاصة الضعيفة منها، ولهذا تناسى كلَ أوجاعه ومصاعبه وأمر عليّاً والمسلمين فوراً بأن يجيبوا منادي الشرك بشعار مضاد قوي، فقال: قولوا:

«اللّه أعْلى و اَجَلّ، اللّهُ اَعْلى و اَجلّ».

أي إنَّ هذه الهزيمة ليست نابعة من عقيدة التوحيد، بل هي ناشئة من إنحراف بعض الجنود عن أوامر القائد وتعليماته العسكرية الحكيمة .

بيد أن أبا سفيان لم يكف عن اطلاق شعاراته، والمضىّ في الدعاية لمعتقده الباطل فقال: نحن لنا العزّى ولا عُزى لكم!!


(181)

فأمر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن ينادي المسلمون بشعار مضاد لشعار أبي سفيان، مشابه له في الوزن والسجع فقال: قولوا:

«اللّه مولانا ولا مولى لكم» .

أي إذا كنتم تعتمدون على صنم مصنوع من الحجر والخشب، فاننا نعتمد على اللّه الخالق، القادر والعلي الاعلى .

فنادى منادي الشرك ثالثاً: يَومٌ بيومِ بدر. فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بان يجيبه المسلمون.

«لا سَواء قتلانا في الجنة، وقتلاكُم في النار» .

فكان لشعارات المسلمين القوية الرادعة الّتي كان يرددها المئات، أثرها العجيب في نفس رأس الشرك أبي سفيان الّذي بدأ هذه الحملة النفسية والحرب الباردة بغية تحطيم ايمان المسلمين، ورأى كيف ارتد كيده إلى نحره ولهذا انزعج بشدة وقال: ألا إن موعدَكم بدر للعام القابل .

ثم انصرف إلى أصحابه، وغادروا جميعاً أرض المعركة راجعين إلى مكة(1) .

وكان على المسلمين الآن ـ وفيهم مئات الجرحى والمصابين وسبعون قتيلا ـ أن يُصَلّوا الظهرَ والعصر فصلى بهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جلوساً، وصلّوا معه جلوساً، لما أصابهم من الضعف، ثم أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بدفن الشهداء، ومواراتهم الثرى عند جبل اُحد .

نهاية المعركة:

وَضَعت الحرب أوزارها، وتباعد الجانبان، وقد تحمّل المسلمون من الخسائر في الارواح ثلاثة أضعاف ماتحمّله المشركون. وكان عليهم أن يبادروا إلى دفن الشهداء على النحو الّذي أمرهم به الدين .

ولكنهم فُوجئوا بأمر فضيع، فقد اغتنمت نسوة من قريش وفي طليعتن هند


1- السيرة النبوية: 2 / 94 .


(182)

زوجة ابي سفيان فرصة انشغال المقاتلين المسلمين وارتكبن بحق الشهداء الابرار، جناية فظيعة لم يعرف لها تاريخ البشرية مثيلا، فهن لم يكتفين بالانتصار الظاهري بل عمدن إلى التمثيل بشهداء المسلمين، تمثيلا مروعاً فخمشن وجوههم، وقطّعن الاُنوف، وجدعنَ الاذان، وسملنَ العيون، وقطعنَ أصابع الأيدي والأرجل، والمذاكير، وصنعن منها القلائد والاساور، نكايةً بالمسلمين، واطفاءً للحقد الدفين، وبذلك الحقنَ بهنّ وبأوليائهنّ عاراً لا ينسى .

فان جميع الاُمم والشعوب ـ متفقة على أن الميت الّذي لا يستطيع دفاعاً عن نفسه، ولا يتوقع منه ضررٌ يجب احترامه، ويحرم اهانته وان كان عدواً. ولكن هنداً زوجة أبي سفيان ومَن كان برفقتها من نساء المشركين مثّلن بأجساد القتلى شر تمثيل، وصنعن مما قطّعن منها الاساور والقلائد، وبقرت «هند» بالذات صدر حمزة بطل الإسلام الفدائىّ، وأخرجت كبده، ولاكته بين أسنانها ولكنها لفظته ولم تستطع أكله .

وقد بلغ هذا العمل من القبح، والسوء أن تبرّأ منه أبو سفيان وقال: «في قتلاكم مُثلة لم آمر بها»(1) .

وقد عرفت هندٌ بسبب فعلتها الشنيعة هذه بآكلة الاكباد، ودعي أبناؤها في ما بعد ببني آكلة الاكباد .

ولما أبصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حمزة بن عبدالمطلب، ببطن الوادي وقد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، حزن حزنا شديداً وغاضه تمثيلهم به فقال:

«ما وَقَفتُ موقفاً قطّ أغيظ إلىّ مِن هذا!» .

ثم إنّ المؤرّخين يتفقون على أنّ المسلمين تعاهدوا في ذلك الموقف (وربما نَسِبَ هذا إلى النبىّ نفسه) لئِن أظفرهمُ اللّه بالمشركين يوماً أن يمثّلوا بهم مُثلة لم يمثّلها أحدٌ من العرب أو يمثلوا بدلَ الواحد ثلاثين .


1- السيرة الحلبية: 2 / 244 .


(183)

ولم يمض زمان حتّى نزل جبرئيل بقوله تعالى:

(وَ إنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمثلِ ماعُوقِبْتُمْ به ولئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ للصّابرين)(1).

ولقد كشف الإسلام مرة اُخرى ومن خلال هذه الآية ـ الّتي تتضمن أصلا اسلامياً في مجال القضاء مسلماً به ـ عن وجهه الانسانىّ العاطفىّ، وأظهر للجميع بأن الدين الاسلامي ليس شريعة انتقام، وثأر، فهو يعلّم أتباعه بأن لا يغفلوا في أشدّ اللحظات والحالات النفسية هياجاً وغضباً عن قانون العدالة، والحق، وبهذا يكون الإسلام قد راعى مبادىء العدالة والانصاف على الدوام، وصانها من الانهيار، والسقوط .

ولقد أصرّت صفية اُخت حمزة أنّ ترى جثمان أخيها، إلاّ أن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرَ ابنها الزبير أن يحبسها ويصرفها عن ذلك لكي لاترى ما بأخيها فلا تحتمل الصدمة .

فقالت صفية: قد بلغني أن قد مثّل بأخي وذلك في اللّه، فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء اللّه .

فأخبر الزبيرُ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بمقالتها فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : خلّ سبيلَها، فأتته، فنظرت إليه فصلّت عليه، واسترجَعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فدفن(2) .

حقاً أن قوّة الإيمان أعظم القوى، فهي تحبس الانسانَ وتحفظه في أصعب الحالات، وتفيض على صاحبه حالة من السكينة والوقار .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ صل على شهداء اُحد الأبرار، وأمر بدفنهم واحداً واحداً أو إثنين إثنين، وأمر بأن يُدفن «عمرو بن الجموح» و «عبداللّه بن عمرو» في قبر واحد .


1- النحل: 126 .
2- السيرة النبوية: 2 / 97 .


(184)

قائلا:

«إدفنُوا هذين المتحابّين في قَبر واحد»(1) .

آخر ما نطق به سعدُ بن الربيع:

كان سعد بن الربيع من صحابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الأوفياء، وكان رجلا مؤمناً مخلصاً، عظيم الوفاء والحبّ لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد اُصيب في «اُحُد» اثنتا عشرة اصابة قاضية فسقط على الأرض .

فمرّ عليه رجلٌ يدعى مالك بن الدخشم فقال له: أما علمتَ أن محمداً قد قُتِلَ؟ فقال سعد: اشهد أن محمّداً قد بلّغ رسالة ربه، فقاتل أنت عن دينك فان اللّه حىّ لا يموت(2).

ثم أنه قد مرّ عليه رجل من الانصار وهو في هذه الحال وبعد أن وَضعَت الحرب أوزارها فقال لسعد: إنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أمرني أن أنظر أفي الإحياءِ أنتَ أم في الأموات؟ فقال سعد: أنا في الأموات فابلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عنّي السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك اللّه عنا خيراً ما جزى نبياً عن اُمته، وابلغ قومك عنّي السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عنداللّه، إن خلص إلى نبيكم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومنكم عين تطرف .

ثم لم يبرح ذلك الانصارىُ حتّى قضى سعدُ بن الربيع نحبه، فجاء الأنصاري إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخبره بما قال. فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«رَحِمَ اللّهُ سَعداً نَصَرنا حيّاً واَوصى بنا ميتاً». (3)

إنَّ حبَّ الإنسان لنفسه، أو ما يصطلح عليه العلماء بحبّ الذات من الغرائز


1- السيرة النبوية: 2 / 98، بحارالأنوار: 20 / 131 .
2 ـ السيرة النبوية: 2 / 95، بحارالأنوار: 20 / 136 .
3- السيرة النبوية: 2 / 95، بحارالأنوار: 20 / 136 .


(185)

القوية المتأصلة في كيان الإنسان بحيث لا يمكن لأي أحد أن يغفل عنها مهما كانت الظروف وهي بالتالي من القوة والهيمنة على وجود الإنسان بحيث يضحّي في سبيلها بكل شيء .

ولكن قوة الايمان وحبّ الإنسان للعقيدة، وتعشقه للمعنويات أقوى وأشدّ تأثيراً من ذلك، فهذا الجندىّ الشجاع لم يكن بينه ـ حسب ما تفيده النصوص التاريخية ـ وبين الموت في ذلك الوقت سوى لحظات، ومع ذلك نجده ينسى نفسه، ويفكر في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي كان يعتبره أقوى سبب لبقاء الدين، ودوام الشريعة، وهذا هو الهدف المقدّس الّذي قاتل من أجله سعد البطل، ولهذا لا يحمل ذلك الرجل الأنصاري سوى رسالة واحدة إلى أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يحثهم فيها على السهر على حياة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والعمل معه على تحقيق أهدافه، في ارساء دعائم التوحيد .

النبىّ يعود إلى المدينة:

كانت الشمس تميل نحو المغرب وكانت تستعد للملمة أشعتها الذهبية من صفحة الكون، وكان السكون والصمت يخيم على كل مكان من الأرض .

في مثل هذه اللحظات كان على المسلمين المقاتلين أن يعودوا بجرحاهم إلى منازلهم في المدينة ليستعيدوا قواهم، ويجدّدوا نشاطهم، ويضمدوا جرحاهم.

ولهذا صدرت أوامر من جانب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالتوجه نحو المدينة .

فلما كانوا بأصل الحرة قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : اصطفوا فنثني على اللّه، فاصطف الرجال صفين خلفهم النساء ثم دعا فقال:

اللّهم لكَ الحمدُ كلُه، اللّهم لا قابضَ لما بَسطتَ، ولا باسطَ لما قبضتَ، ولا مانِعَ لما أعطيتَ ولا معطي لما منعتَ ولا هادي لمن اضللتَ ولا مضلّ لمن هديتَ، ولا مقرّبَ لما باعدتَ ولا مباعِدَ لما قرّبتَ .

اللّهم انّي أسألك من بركتك، ورحمتك وفضلك وعافيتك .

اللّهم انّي أسألك النعيمَ المقيمَ الّذي لا يحولُ ولا يزول .


(186)

اللّهم انّي أسألكَ الأمنَ يوم الخوف والغنى يوم الفاقة عائذاً بك .

اللّهم من شرّ ما أنطيتنا وشرّ ما منعتَ منّا .

اللّهم توفَّنا مسلمين .

اللّهم حبّب إلينا الايمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين .

اللّهم عذّب كَفَرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسولك ويصدّون عن سبيلك .

اللّهم أنزل عليهم رجسَكَ وعذابك إله الحق. آمين(1) .

وقد كان هذا العمل خطوةً مهمةً جداً من الناحية النفسية فقد أمدّ هذا الدعاء نفوسَ المسلمين المصابين بطاقة روحية ضخمة مما كان من شأنه تخفيف وطأة الهزيمة وتقوية عزائم المسلمين، كما علّمهم أن يلجأوا إلى اللّه تعالى في كلّ حال.

فدخل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومعه أصحابه من الانصار والمهاجرين الذين شاركوا في تلك المعركة المدينة .

وكانت أكثر بيوت المدينة قد تحوّلت إلى مناحات ومآتم،يرتفع منها أصوات بكاء الاُمهات والازواج والبنات اللائي أصبن في رجالهنّ وأوليائهنّ، وآبائهنّ .

ولما مرّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على منازل بني عبدالاشهل وسمع ندبة النساء، وبكاءهنّ حزن وانحدرت دموعه على خديه وقال:

«لكنَّ حمزةَ لابَواكىَ لهُ»(2) .

فلما عرف سعد بن معاذ واُسيد بن حضير بذلك أمرا جماعة من نسائهم بأن يذهبن فيبكين على عمّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلما سمع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكاءَهنّ على حمزة خرج عليهن وهنّ على باب مسجده يبكين عليه فقال:


1- امتاع الاسماع: 1 / 162 و 163 و 175 .
2- السيرة النبوية: 2 / 99 .


(187)

«ارجعن يرحمكنّ اللّه فقد آسيتنّ بأنفسكنّ» .

وقيل لما سمع ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكاءهنّ قال:

«رَحِمَ اللّه الأنصارَ، فانَّ المواساةَ منهم ما علمت لقديمة.. مُروهُنَّ فَلينصرِفنَ»(1) .

ذكريات مثيرة عن امرأة مؤمنة:

إن للنسوة المؤمنات صفحات مشرقة، وعجيبة في تاريخ الإسلام، لأننا قلما نجد لها نظيراً في عالم المرأة اليوم .

ومن تلك النسوة المؤمنات ذوات المواقف الرائعة والعجيبة في صدر الإسلام المرأة الدينارية، الّتي اُصيب زوجُها وأخوها وأبوها مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ باُحد .

فانّها لما نعوا لها مصرعَ رجالها قالت: فما فعلَ رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟

قالوا: خيراً يا اُمّ فلان، هو بحمداللّهِ كما تحبّين .

قالت: أرونيه حتّى أنظر إليه؟

فاشير لها إليه حتّى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (اي صغيرة)(2) .

ما أعظم تلك الاستقامة، وما أعظم ذلك الايمان الّذي يجعل من الإنسان طوداً راسخاً ثابتاً في وجه العواصف والاعاصير .

نموذج آخرٌ من السنوة المجاهدات:

لقد أشرنا في الصفحات الماضية بصورة إجمالية إلى قضية «عمرو بن الجموح» الّذي آلى على نفسه أن يشارك في الجهاد مع ما كان به من العرج


1- السيرة النبوية: 2 / 99، امتاع الاسماع: 1 / 163 و 164 .
2- السيرة النبوية: 2 / 99.


(188)

الموجب لسقوط الجهاد كما عرفت .

فقد شارك هذا المسلم الصادقُ والمؤمن المجاهدُ في معركة اُحد، ومضى يقاتل في الصف الاول من المجاهدين، وشارك ابنه «خلاّد بن عمرو بن الجموح» و أخو زوجته «عبداللّه بن عمرو»(1) في هذا الجهاد المقدس، واستشهدوا جمعيا في تلك المعركة أيضاً .

فخرجت «هند» زوجته وهي بنت عمرو بن حزام، عمة جابر بن عبداللّه الأنصاري إلى «اُحُد» وحملت أجسادهم على بعير وتوجهت بها نحو المدينة، بمنتهى الجلادة، ورباطة الجأش .

وعندما فشى في المدينة أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قُتِل باُحد خرجت النسوة، يتأكّدن من هذا النبأ، فالتقت هندٌ ببعض نساء النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ وهي عائدة من اُحد ـ فسألنها عن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت: خيراً، أمّا رسول اللّه فصالحٌ، وكلُّ مصيبة بعده جلل، واتخذ اللّهُ من المؤمنين شهداء، وقَرَأت قولَ اللّه تعالى:

(وَرَدَّ اللّهُ الّذينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً...)!!

فسألوا: مَن هؤلاء؟

قالت: أخي، وابني خلاّد، وزوجي عمرو بن الجموح!!

فقلنَ لها: فأين تذهبين بهم؟

قالت: إلى المدينة اقبرهُم بها... ثم زجرت بعيرها تحثه على السير قائلة: حَل.. حَل في نبرة صامدة .

ومرةً اُخرى يظهر في هذه الصفحة الناصعة من تاريخ الإسلام نموذجٌ حىٌّ آخر من مشاهد الثبات والصمود، والاستقامة، وتجاوز المصائب، وتحمّل الآلام والشدائد في سبيل الهدف المقدّس، وكلُّ ذلك من فِعل الايمان، ونتائجه .

إن المذاهب المادية لاولن تستطيع تربية أمثال هذه النسوة والرجال المتفانين في سبيل العقيدة، بمثل هذا التفاني العظيم .


1- وهو عبداللّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاري .


(189)

على أن هؤلاء لم يقاتلوا من أجل المآرب المادية، وانما قاتلوا من أجل الهدف، وهو إعلاء كلمةِ الدين واقامة صرح التوحيد، ومحو الوثنية والشرك .

هذا وفي بقية هذه القصة ما هو أعجب من اولها، وهو أمر، لا يمكن إن يدرَك بالمقاييس المادية، والاُسس الّتي ينطلق منها أصحاب الاتجاه المادي في تحليل القضايا التاريخية، وانما يهضمها ـ فقط ـ من يؤمن بعالم آخر وراءَ العالم المادىّ الصِرف، ويصدّق بتأثيره في هذا العالم، وبالتالي لا يقبل بها إلاّ من يصدّق بقضية الإعجاز والمعجزة، ويذعن لها ويعترف بصحتها من غير تلكّوء وابطاء .

واليك هذه البقية:

لمّا زجرت هند بعيرها لتدخل به المدينة بَرَكَ البعير في مكانه .

فقالت النسوة الّتي كنَّ هناك: لعلّه بَرَكَ لما عليه .

فقالت هند: ما ذاكَ به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكنّي أراه لغير ذلك .

فزجرته ثانية، فقام، فلما وجّهت به إلى المدينة بَركَ، فوجهته راجعة إلى اُحد فاسرع .

فرجعت إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأخبرته بذلك، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فانَّ الجَمَلَ مأمور. هل قال (يعني: عمرو بن الجموح) شيئاً ؟

قالت: إنَّ عمراً لمّا وجّه إلى اُحُد استقبل القبلةَ، وقال: اللّهم لا تردّني إلى أهلي خزياً، وارزُقني الشهادة!!

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «فلذلك الجملُ لا يمضي. إنَّ منكم يا معشر الأنصار من لوأقسم على اللّه لأبرَّهُ، منهم عمرو بن الجموح، يا هند ما زالتِ الملائكة مظلةً على أخيكِ مِن لدن قُتِلَ إلى الساعة ينظرون أين يُدفَن»، ثم مكث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى قبرهم، ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة جميعاً، عمرُو ابن الجموح، وابنُك خلاّد وأخوك عبداللّه» .

قالت هند: يا رسول اللّه فادعُ لي عسى أن يجعلَني معهم(1) .


1- امتاع الاسماع: 1 / 146 ـ 148 .


(190)

ثمّ إنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دخل بيته فلما أبصرت به بنتُه العزيزةُ «فاطمةُ» ورأت ما أصابه من الجراح ذرفت عيناها بالدموع، فأعطى رسول اللّه سيفه لابنته (الزهراء) حتّى تغسله .

وقال الاربلي المؤرخ الشيعي المعروف الّذي كان يعيش في القرن السابع الهجري: كان علي يجيء بالماء في ترسه، وفاطمة تغسل الدم وأخذ حصيراً فاحرقه وحشى به جرحه(1) .

وفي الامتاع لما رأت فاطمة الدمَ لا يرقأ ـ وهي تغسله وعلي يصب الماء عليها بالمجنَّ ـ أخذت قطعة حصير فأحرقته حتّى صار رماداً ثم الصقته بالجرح فاستمسك الدم ويقال: داوته بصوفة محترقة(2) .

لابدّ من ملاحقة العدو:

لقد كانت الليلة الّتي استقرّ فيها المسلمون في منازلهم بالمدينة بعد يوم اُحد ليلة جدّاً خطيرةً وحساسةً .

فالمنافقون واليهودُ وأتباع عبداللّه بن اُبي قد سُرّوا لما أصاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه سروراً كبيراً، وأظهروا القول السيء وقالوا: ما اُصيب نبىٌ هكذا قط .

وكان أنين الجرحى والمكلومين وبكاء الموتورين في رجالهم ونياحهم يُسمع من أكثر بيوت المدينة .

والأخطر من كلّ هذا هو التخوف من أن يقوم المنافقون واليهود بعملية خيانية ضد الإسلام والمسلمين في تلك الظروف .

أو أن يعرّضوا وضعَ العاصمة الإسلامية الثابت، والوحدة السياسية القائمة في المدينة للخطر بايجاد الاختلاف والتشتت على الاقل .

إن ضرر الاختلافات الداخليّة أشدُ بكثير من حملات العدوّ الخارجي، وان


1- كشف الغمة: 1 / 189 .
2- امتاع الاسماع: 1 / 137 و 138 .


(191)

إنهيار الوحدة والانسجام في الجبهة الداخلية أخطر بكثير من تعرّض البلاد لهجوم من الخارج .

من هنا كان يتعيّن على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يُرهب العدو الداخلي، ويفهمه بأنّ قوى التوحيد لم تفقد انسجامها وتماسكها وانّ أيّة خطوة أونشاط مُعاد يهدّد أساس الإسلام للخطر سيُسحَق بشدة في اللحظة الأولى .

ولهذا أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يخرج في نفس الليلة لملاحقة العدوّ (أي مشركي مكة) .

فكلّف النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رجلا بأن ينادي في كل مناطق المدينة:

«الا عِصابَةٌ تشدّدُ لأمر اللّه تَطْلُبُ عدوّها، فانّها أنكأ للعدوّ وأبعد للسمع. ألا لا يخرجن معنا الاّ من حضر يومنا بالامس» .

أو قال: «يا معشر المهاجرين والأنصار من كانت به جِراحة فليخرج، ومن لم يكن به جراحة فليقم».

وانما خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أسلفنا لِيُرهب العدوّ وليبلغهم أنه خارج في طلبهم فيظنوا به قوّة، وأن الّذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم(1) .

على أن لهذا التقييد، ولهذا النهي عن خروج غير الجرحى، أو مَن لم يشترك في اُحدُ، عللا أو حكماً لا تخفى على العارفين بالسياسة، والرموز العسكرية .

ويمكن الاشارة إلى بعضها:

أولا:

انّ هذا التحديد، وبالتالي الاقتصار على من شارك في معركة اُحُد هو نوع من التعريض بمن امتنع من المشاركة في تلك المعركة، وفي الحقيقة هو نوعٌ من تجريدهم من صلاحية المشاركة في الدفاع المقدّس .

ثانياً:

إنّ هذا التحديد هو نوع من عقاب المشاركين في معركة اُحُد، لأنّهم بتجاهلهم لتعاليم القيادة، وانصرافهم بسرعة إلى المطامع المادية، والغفلة عن ملاحقة العَدوّ في حينه تسببوا في توجيه تلكم الضربة النكراء إلى الإسلام،


1- مجمع البيان للطبرسي: 2 / 535 ـ 541 .


(192)

ولذلك يجب عليهم انفسهم ملافاة تلك الخسارة، وترميم ذلك العطب، لكيلا يعودوا إلى مثل ذلك، ولا يتجاهلوا أوامر القيادة، ونحن نعلم أن الانضباطية والتقيد الكامل بالاوامر هو أهم عنصر في نجاح الامور العسكرية(1) .

بلغ نداء مؤذن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مسامع شاب من بني الاشهل كان قد شهد اُحُداً مع رسول اللّه، فخرج هو وأخوه وهما جريحان مع رسول اللّه لطلب العدوّ، وقد قال أحدهما للآخر: أتفوتنا غزوة مع رسول اللّه .

وقد خرجا دون أن تكون لهما دابةٌ يركبانها وكلاهما مصابان بجروح ثقيلة، فكان الأيسر منهما يحمل الآخر مسافة، فاذا تعب مشيا مسافةً، ثم عاد إلى حمله حتّى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون(2) .

حمراءُ الأسد(3):

خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأصحابه إلى حمراء الاسد (وهي تبعد عن المدينة بثمانية أميال) وقد استخلف على المدينة «ابن اُم مكتوم» .

وهناك مرّ به «معبد بن أبي معبد الخزاعي» رئيس بني خزاعة، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم يومذاك ذات علاقات طيبة جداً مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين وكانوا لا يخفون عن النبىّ شيئاً .

فتقدم معبد رئيسهم وعزّى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بما أصابه، وهو يومئذ مشرك قائلا: يا محمّد أما واللّه لقد عزّ علينا ما أصابك، ولوددنا أنّ اللّه عافاك فيهم .

ثم خرج معبد حتّى لقي أبا سفيان ومن معه بمنطقة تدعى بالروحاء وقد


1- كلا هذين الوجهين يستقيمان إذا قلنا بان النبىّ خرج بكل من شارك في اُحُد لا أنه اقتصر على الجرحى، كما تصرح به بعض النصوص التاريخية .
2- امتاع الاسماع: 1 / 168، السيرة النبوية: 2 / 101 .
3- لقد عدّ البعض خروج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى حمراء الاسد لملاحقة العدوّ غزوة مستقلة، وذكرها البعض الآخر في ذيل معركة اُحد .


(193)

عزموا على الرجوع إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه للكرة عليهم، واستئصالهم، والقضاء عليهم بالمرة .

فلما رأى أبوسفيان معبداً (وكان معبد قد استهدف من خروجه إلى أبي سفيان وجماعة المشركين القيام بخدمة لصالح النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه) قال: ما وراءك يا معبد، وماذا عندك من الاخبار؟

فقال معبد: ـ وهو يريد إرعاب قريش وصرفهم عن الرجوع إلى المدينة ـ محمّدٌ قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم ارَ مثله قط، يتحرّقون عليكم تحرقاً قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَقِ وشدة الغيظ عليكم شيء لم ارَ مثله قط!!

فقال أبو سفيان: ـ وقد اُرعب بشدة من هذا النبأ ـ ويحك ماذا تقول؟

قال معبد: واللّه ما أرى ان ترتحل حتّى أرى نواصيَ الخيل .

قال أبو سفيان: فواللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيّتهم!

قال معبد: فاني أَنهاك عن ذلك .

وقد تركت كلمات معبد، ووصفُه لقوة المسلمين وعزمهم الشديد على توجيه ضربة إلى الكفار أثرها في نفس أبي سفيان الّذي تملّكهُ خوفٌ شديدٌ، دعاهُ إلى الإنصراف عن الرجوع إلى المدينة ثانيةً، و العزم على القفول إلى مكة(1) .

ومضى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأصحابه حتّى عسكروا ليلا بحمراء الاسد، فامر بأن يوقد المسلمون النيران فأوقدوا خمسائة نار حتّى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، وتصور العدو أن النبىّ جاءهم في جيش عظيم، فتشاوروا حول الرجوع إلى المدينة فنهاهم صفوان عن ذلك، فانصرفوا(2).


1- السيرة النبوية: 2 / 102، امتاع الاسماع: 1 / 169 و 170 .
2- الطبقات الكبرى: 2 / 49 .


(194)

لا يُخدَعُ مؤمن مرّتين:

هذاهو معنى قول النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«المؤمن لا يلدغ من جُحر مَرّتين».

ولقد قاله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عند ما أسّر المسلمون أبو عزّة الجمحي في طريق عودتهم من حمراء الاسد على نحو الصدفة، وأراد النبىّ ضرب عنقه فاستقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وطلب منه العفو وكان قد أسِر ببدر قبل ذلك، ثم مَنّ عليه النبىُّ وأطلق سراحه مشترطاً عليه أن يكفّ عن المؤامرة ضد النبىّ والمشاركة في قتاله، ولكنه عاد إلى مكة، وشارك في قتال النبي مرة اُخرى في اُحُد .

فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، لما طلب العفو ثانيةً:

«واللّهِ لا تمسح عارضَيكَ بمكة بعدها وتقول: خَدَعتُ محمّداً مرتين، إِنّ المؤمن لا يُلدغ من جحر مرّتين» .

ثم أمر بضرب عنقه، وضرب عنقه(1) .

وأخيراً انتهت معركة اُحُد وقد قدم المسلمون فيها سبعين، أو اربعة وسبعين، أو واحداً وثمانين شهيداً على روايات مختلفة، بينما لم يتجاوز عدد قتلى قريش اثنين وعشرين .

وقد نشأت هذه النكسة المرّة بسبب تجاهل الرماة لتعليمات الرسول القائد على النحو الّذي قرأت .


1- السيرة النبوية: 2 / 104، نلفت نظر القارىء الكريم إلى أننا قد ذكرنا في الهوامش مصادر أهم الحوادث في معركة اُحُد وفي إمكان القارىء الكريم لو أراد التوسع ان يراجع المصادر التالية الّتي اعتمد عليها المؤلف: وهي: الطبقات الكبرى لابن سعد: 2 / 36 ـ 49، المغازي: 1 / 199 ـ 340، شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد: 14 / 14 ـ 218 و ج 5، ص 60، وبحارالأنوار: 20 / 14 ـ 146، وامتاع الاسماع: 1 / 113 ـ 166، السيرة النبوية: 2 / 60 ـ 168 .


(195)

وقد وقعت معركة اُحد يومَ السبت السابع من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة، هذا مضافاً إلى غزوة حمراء الاسد الّتي استمرت إلى يوم الجمعة من ذلك الاسبوع نفسه، فتكون قضايا ووقائع هذه الغزوة في الرابع عشر من شهر شوال من نفس تلك السنة .

ميلاد الامام الحسن السبط:

هذا وقد ولد في هذه السنة (اي السنة الثالثة من الهجرة) سبط رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الاكبر الإمام الحسن بن علي ـ عليه السَّلام ـ في منتصف شهر رمضان من تلك السنة، واجرى له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مراسيمَ ولادة خاصة ذكرها أصحاب الحديث وتجد تفصيلها في سيرة الائمة من أهل البيت النبوي الطاهرين .


(196)

حوادث السنة الرابعة من الهجرة

33

فاجعة فريق المبلّغين(1)

لقد ظهرت الآثار السياسية لنكسة المسلمين في معركة «اُحُد» بصورة واضحة بعد الحرب .

فمع أن المسلمين أظهروا مقاومة رائعة أمام العدوّالمنتصر ومنعوا من رجعته إلى المدينة وتحقيق أهدافه الخطيرة في استئصال المسلمين إلاّ أن التحريكات الداخليّة والخارجية ضدّ الإسلام بهدف القضاء على هذا الدين، ورجاله قد تصاعد مدّها في أعقاب حادثة «اُحُد» .

وقد تجرّأ منافقو المدينة، ويهودها والمشركون المتواجدون في شتى النقاط البعيدة خارج المدينة على اثر ذلك، وبدأوا يحيكون المؤامرات ضدّ الإسلام والمسلمين ويجمعون الاسلحة والرجال لشن الحروب والغارات على المدينة .

وقد استطاع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبمهارة كبيرة إطفاء كلّ تلك التحريكات، كما واستطاع قمع تحرّكات القبائل القاطنة خارج المدينة الّتي كانت تنوي الهجوم على المدينة وذلك بارسال السرايا والمجموعات القوية من المجاهدين .

وفي هذا الاثناء بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نبأ مفاده أن قبيلة بني أسد تنوي الهجومَ على المدينة وتسخيرها، وقتل المسلمين، ونهب أموالهم، فبعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من فوره جماعة من المقاتلين يبلغ عددهم (150)


1ـ وقعت حادثة قتل المبلّغين في الشهر السادس .


(197)

رجلا بقيادة «أبي سلمة» إلى منطقة تجمع المتآمرين .

ثم إنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أوصاهم بأن يخفوا مقصدهم الأصلي، ويسلكوا طريقاً آخر غير الطريق المتعارف، ويقيموا نهاراً ويسيروا ليلا، ليعمّوا على القوم .

وقد فعل «أبو سلمة» وجماعته ما أوصاهم به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فكانوا يسيرون الليل، ويكتمون النهار، حتّى وردوا المنطقة فاحاطوا ببني أسد في عماية الصبح، وقضوا على المؤامرة في مهدها، وعادوا غانمين موفورين إلى المدينة، وقد وقعت هذه الحادثة في شهر المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة(1).

خطة ما كرة للفتك بالمبلّغين:

كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقوم بارسال السرايا والمجموعات العسكرية لإفشال جميع مؤامرات المتآمرين ضد الإسلام كما أنه كان يقوم إلى جانب ذلك ببعث المجموعات التبليغية إلى القبائل، والجماعات وبذلك يجلب قلوب المحايدين منهم نحو العقائد الإسلامية .

وكان المبلّغون والدعاة الذين كانوا من قراء القرآن الكريم، ومن الملمِّين بالاحكام الإسلامية والتعاليم النبوية يبدون استعداداً عجيباً للقيام بهذه المهمّة الصعبة ولو كلَّفت حياتهم فكانوا ينقلون تعاليم الإسلام إلى الناس في المناطق النائية، والاماكن البعيدة بأوضح بيان وأوضح اسلوب .

ولقد كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ببعثه للمجموعات العسكرية من جانب، وارساله للفرق التبليغية من جانب آخر يقوم ـ في الحقيقة ـ بوظيفتين هامتين من وظائف المنصب النبوي .


1- المغازي: 1 / 340، وامتاع الاسماع: 1 / 170، ولابدّ أنك أيها القارىء الكريم تتذكر أن السنة الثالثة للهجرة تنتهي عند انتهاء الشهر الرابع والثلاثين، وتكون حوادث الشهر الخامس والثلاثين متعلقة بالسنة الرابعة من الهجرة .


(198)

فهو ببعثه للسرايا والمجموعات العسكرية كان يقصد في الحقيقة القضاء على محاولات التمرّد، والتآمر الّتي كانت في مرحلة التحقق والتكوّن لكي يتسنى للمجموعات التبليغية في ظل الأمن والحرية الدعوة إلى الإسلام، والقيام بوظيفتها الاساسية ألا وهي ارساء دعائم الحكومة الإسلامية في القلوب، وتنوير الافكار، وايقاظ العقول .

ولكن بعض القبائل المتوحّشة، والمنحطّة أخلاقياً وفكريّاً كانت تتحايل على المجموعات التبليغية الّتي كانت تمثل القوى المعنوية للاسلام، والّتي لم يكن لها هدفٌ سوى نشر التوحيد، واقتلاع جذور الكفر والوثنية، وكانوا يقتلونهم بصورة فضيعة ومفجعة .

وفيمايلي نلفت نظر القارىء الكريم إلى قصة مجموعة من الدعاة والمبلّغين الذين لقوا هذا المصير وكان عددهم يبلغ ستة أشخاص حسب رواية ابن هشام(1)، أو عشرة أشخاص حسب رواية ابن سعد(2) .

الغدر بالدعاة إلى الإسلام وقتلهم:

لقد مشت جماعة من قبيلتي «عضل» و «القارة» إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا ـ وهم يضمرون المكر ـ يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إن فينا إسلاماً فاشياً فابعث مَعَنا نفراً من أصحابنا يقرِّئوننا القرآن، ويفقهوننا في الإسلام .

فرأى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن من واجبه الاستجابة لمطلب تلك الجماعة الّتي كانت تمثل قبائل كبرى، وكما رأى المسلمون أيضاً أن من واجبهم أن يستفيدوا من هذه الفرصة مهما كلّف الثمن .

من هنا بعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جماعة بقيادة «مرثد بن أبي مرثد


1- السيرة النبوية: 2 / 169، وقال في امتاع الاسماع: 1 / 174 انهم سبعة اشخاص .
2- الطبقات الكبرى: 2 / 55 .


(199)

الغَنَوىّ» مع تلك الجماعة إلى القبائل المذكورة .

فخرج هؤلاء المبلغون ووفد القبيلتين من المدينة متوجّهين إلى حيث تتواجد «عضل» و «القارة»، ولمّا كانوا بماء يسمى الرجيع تقطن عنده قبيلة تدعى «هذيل» كشف مندوبو القبيلتين عن نواياهم الشرّيرة، واستصرخوا هذيلا وكميناً من رجالهم، وكانوا مائة رام وبأيديهم السيوف فاحاطوا بالدعاة يريدون أسرهم ثم قتلهم وابادتهم!!

فلم ير المبلّغون بدّاً ـ وهم محاطون بتلك الجماعات المسلحة ـ من اللجوء إلى سيوفهم والدفاع عن أنفسهم .

ولكن العدوّ قال: ما نريد قتالكم، وما نريد إلاّ ان نصيب منكم من أهل مكة ثمناً، ولكم عهداللّه وميثاقه لانقتلكم!!

فنظر الدعاة بعضهم إلى بعض، وقرر أكثرهم المقاومة وعدم الرضوخ لهذا العرض الغادر، والخطة الماكرة، وقال أحدهم: إني نذرت أن لا أقبل جوارَ مشرك(1) ثم جعلوا يقاتلون القوم قتال الرجال الابطال، حتّى قتلوا إلاّ ثلاث هم: «زيد بن دثنّة»، و «خبيب بن عدىّ»، و «عبداللّه بن طارق البلوىّ» فقد أغمد هؤلاء سيوفهم وسلّموا، فاُخِذوا ووثّقوا بأوتار قسيّهم، ولكن «عبداللّه» ندم على فعله، فنزع يده من رباطه ثم أخذ سيفه، وراح يقاتلهم حتى قتلوه رميا بالحجارة، وقد انحازوا عنه وهو يشدّ فيهم وينفرجون عنه، ودفن في مر الظهران .

ثم أخذوا الأسيرين الآخرين «خبيب» و «زيد» وقدموا بهما مكة فباعوهما لأهل مكة!!

فأمّا زيد بن الدثنَّة فقد اشتراه «صفوان بن اُمية» وقتله ثأراً لابيه، ولقتله قصة عجيبة سطرّ فيها أروع آيات المقاومة والوفاء والاخلاص .

فقد اشتراه «صفوان بن امية» كما أسلفنا ليقتله بأبيه، وقد حبسه صفوان في الحديد، وكان يتهجّد بالليل ويصوم بالنهار، ولا يأكل شيئاً مما اُتى به من


1- أو قالوا: واللّه لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً (السيرة النبوية: 2 / 170) .


(200)

الذبائح، وهو في الاسر والحبس .

ثم إنه اُخرِجَ إلى «التنعيم»(1) ليُصلَب على مرأى حشد كبير من الناس .

فرفعوا له جذعاً، فقال: دعوني اُصلّي ركعتين، فصلّى ركعتين، ثم حملوه على الخشبة ثم جعلوا يقولون له: يا زيد إرجع عن دينك المُحدَث، واتّبع ديننا، ونرسلك فيقول: واللّه لا اُفارق ديني أبداً .

فقال له أبو سفيان فرعون مكة وأشدّ المتآمرين على الإسلام ومدبر أغلب الحروب ضد رسول اللّه، والمسلمين: أنشدك باللّه يا زيد أيسرّك أن محمّداً في أيدينا مكانَكَ وانت في بيتك؟. فقال زيد بشجاعة ووفاء عظيمين: ما يسرّني أنّ محمّداً اُشِيك بشوكة واني في بيتي، وجالس في أهلي!!!

وقد كان لهذه الكلمة أثر الصاعقة في نفس طاغية مكة أبي سفيان فقال: ما رأينا أصحاب رجل قطّ أشدّ حبّاً من أصحاب محمّد بمحمّد!!

ولم تمض لحظات إلاّ وصار «زيد» على خشبة الاعدام ورفرفت روحه إلى خالقها، ومضى ذلك المسلم الوفىّ، والمؤمن الشجاع شهيدَ الثبات في طريق العقيدة، والدفاع عن حياض الدين(2) .

واما «خُبيب» فقد حبس مدةً من الزمان حتّى قرّر رجال ندوة مكة قتله، فخرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة، فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتّى أركع ركعتين فافعلوا، فقالوا دونك فاركع .

فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم وقال: أما واللّه لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلتُ جَزَعاً من القتل لاستكثرتُ من الصلاة!!

ثم رفعوه على خشبة ثم وجّهوه إلى المدينة، وأوثقوه رباطاً، ثم قالوا له: إرجع عن الإسلام نخلّ سبيلك .


1- التنعيم ابتداء الحرم ومنها يحرم المعتمرون للعمرة المفردة .
2- السيرة النبوية: 2 / 172، المغازي: 2 / 362، امتاع الاسماع: 1 / 174 و 175 .


(201)

قال: لا واللّه ما أحَبُّ أنّي رجعتُ عن الإسلام وأنّ لي ما في الأرض جميعاً .

فقالوا: أما واللات والعزّى لئن لم تفعل لَنقتلنّك!

فقال: إن قتلي في اللّه لقليل، فلمّا أبى عليهم وقد جعلوا وجهه من حيث جاء (أي نحو المدينة)، قال: أما صرفكم وجهي عن القبلة، فان اللّه يقول: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ» ثم قال: اللهم إني لا أرى إلاّ وجه عدوّ، اللهم أنه ليس هاهنا أحدٌ يبلّغ رسولَك السلامَ عنىّ فبلّغه أنتَ عنّي السلام .

ثم دعا على القوم وقال: اللّهم أحصهِم عَدَداً واقتُلهُم بَدَداً، ولا تغادر منهم أحداً .

ثم دعوا أبناءِ مَنْ أبناء قُتِلَ ببدر فوجدوهم أربعين غلاماً، فأعطوا كل غلام رمحاً، ثمّ قالوا هذا الّذي قتل آباءكم، فطعنوه برماحهم طعناً خفيفاً فاضطرب على الخشبة فانقلب، فصار وجهه إلى الكعبة، فقال: الحمدللّه الّذي جعل وجهي نحو قبلته الّتي رضي لنفسه ولنبيه وللمؤمنين!!

فاثارت روحانيته الكبرى، وطمأنينته العظيمة غيض أحد المشركين الحاضرين، وهو «عقبة بن الحارث» وتملكه غضب شديدٌ من إخلاصه للاسلام فأخذ حربته وطعن بها خبيباً طعنة قاضية، قتلته، وهو يوحّد اللّه ويشهد أن محمّداً رسول اللّه .

ويروي ابن هشام أن خبيباً أنشد قبل مقتله أبياتاً عظيمة نذكر هنا بعضها:

إلى اللّهِ أشْكُو غُرْبَتي ثمّ كُربَتي * وما أرصدَ الأحزابُ لي عند مَصْرعي

فذا العرش صبّرني عَلى ما يُرادُبي * فقد بضّعوا لحمي وقد ياسَ مَطْمَعي

وذلكَ في ذات الاله وأن يشأ * يبارك على أوصالِ شلو مُمزَّع

وقَد خيّروني الكفر والموتَ دونَه * وقَد هَمَلَتْ عيناي من غير مجزع

وما بي حِذارُ الموت أني لميّت * ولكن حِذاري جحم نار ملفَّع

فواللّه ما أرجو إذا متّ مسلماً * على أي جنب كان في اللّه مَصْرَعي

فلستُ بمُبد للعدوّ تخشعاً * ولا جزعاً إنّي إلى اللّهِ مرجعي


(202)

وقد أحزَنت هذه الحادثة الاليمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكذا جميع المسلمين .

وأنشد فيهم «حسانُ بن ثابت» أبياتاً ذكرها ابن هشام في سيرته، كما أنه هجا هذيلا في أبيات اُخرى لارتكابهم هذه الجريمة النكراء(1) .

ولقد خشي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن تتكرر مثل هذه الجريمة النكراء، وبذلك يواجه رجال التبليغ والدعوة الذين كان يعدهم بصعوبة بالغة مصاعب في سبيلهم، ويتعرضوا لخسائر لا تجبر، وعمليات غدر واغتيال اُخرى .

وقد بقي جثمان هذا المسلم المجاهد على الخشبة مدة من الزمن، يحرسه جماعة من المشركين حتّى قام رجلان قويّان شجاعان من المسلمين بانزاله من فوق الصليب ليلا، ومن ثم دفنه بأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (2) .

جريمة بئر معونة:

وفي شهر صفر من السنة الرابعة وقبل أن يصل نبأ مصرع الدعاة المذكورين واستشهادهم على ايدي المشركين في منطقة الرجيع إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، قدم أبو براء العامري المدينة فدعاه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الإسلام فلم يسلم ولكنّه قال للنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يا محمّد إني ارى أمرك حسنا، فلو بعثتَ رجالا من أصحابك إلى أهل «نجد» فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك فان هم اتبعوك فما أعز أمرك .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّي اخشى عليهم أهل نجد .

قال أبو براء: لا تخف، أنا لهم جارٌ، فابْعَثْهُمْ فليَدعو الناس إلى أمرك .

فبَعث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أربعين رجلا من خيار المسلمين من أصحابه ممن حفظوا القرآن وعرفوا احكام الإسلام وأمّر عليهم «المنذر بن


1- المغازي: 1 / 354 ـ 362، السيرة النبوية: 2 / 169 .
2- سفينة البحار: 1 / 372 .


(203)

عمرو»، فساروا حتّى نزلوا ببئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم وهم يحملون من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كتاباً إلى عامر بن الطفيل أحد زعماء «نجد»، وكلّف أحد المسلمين بايصال ذلك الكتاب إلى عامر، فلما أتاه الكتاب لم ينظر فيه حتّى عدا على الرجل (حامل الكتاب) فقتله، ثم استصرخ بني عامر على المبلّغين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن ننقض عهدَ أبي براء، وقد عقد لهم عقداً وجوراً .

فاستصرخ عليهم قبائل بني سُليم فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتّى نزلوا حيث نزل جماعة الدعاة، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتّى قتلوا عن آخرهم بعد أن أبدوا مقاومة كبرى، وبسالة عظيمة، ولم يكن يتوقع منهم غير ذلك .

فانّ مبعوثي النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكونوا مجرد رجال فكر وعلم فقط، بل كانوا رجال حروب، وابطال معارك ولذا رفضوا الاستسلام للمعتدين، واعتبروا ذلك عاراً لا يليق بالمسلم الحرّ الأبىّ، فقاتلوهم حتّى استشهدوا جميعاً، إلاّ كعب بن زيد، فانه جرح فعاد بجراحه إلى المدينة، وأخبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بما جرى لأصحابه على أيدي قبائل بني سليم المشركة الغَدَرة .

فحزن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمون جميعاً لهاتين الحادثتين، المفجعتين اشد الحزن بل ولم يجد على قتلى مثل ما وجد عليهم، وبقي رسول اللّه يذكر شهداء بئر معونة ردحاً من الزمان(1) .

هذا ولقد كانت هاتان الحادثتان المؤسفتان المؤلمتان جميعاً من نتائج النكسة الّتي أصابت المسلمين في «اُحد» والّتي جرّأت القبائل خارج المدينة على قتل رجال المسلمين ودعاتهم غدراً ومكراً .

كيدُ المستشرقين وجفاؤهم:

إن المستشرقين الذين دأبوا على نقد أبسط سوء يتعرض له مشرك على أيدي


1- السيرة النبوية: 2 / 183 ـ 187، امتاع الاسماع: 1 / 170 ـ 173 .


(204)

المسلمين فينالون من الإسلام والمسلمين أشدّ نيل، ويصرّون على أن يؤكّدوا على أن الإسلام لم ينتشر إلاّ بالسيف والقهر، التزموا صمتاً عجيباً تجاه هاتين الحادثتين المؤلمتين المفجعتين، ولم ينبسُوا في هذا المقام ببنت شفة أبداً، وكأن شيئاً من هذا لم يقع، وكأن ما وقع لا يستحق إهتماماً وحديثاً .

ترى أىّ نظام من أنظمة العالم القديم والجديد يجيز أن يُقتَل الدعاة والمبشرون ورجالُ العلم والفكر، والتعليم والتثقيف .

إذا كان الإسلام قد تقدّم بالسيف ـ كما يدّعي رجالُ الاستشراق ـ فلماذا تخاطر جماعات التبليغ والدعوة هذه بأنفسها وتزهق أرواحها في سبيل نشر الإسلام والدعوة السلمية الفكرية إليه .

إنَّ هاتين الحادثتين تنطويان على نقاط حيوية، وعبر مفيدة جداً، فان قوة الايمان لدى تلك الجماعات، وعمق تفانيها، وتضحيتها، وبسالتها تستحق إعجاب المسلمين، واكبارهم. كما وتعتبر من أفضل الدروس وابلغها لهم .

المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين:

لقد أثارت حادثتا «الرجيع» و «بئر معونة» المفجعتان اللتان جرتا إلى مصرع مجموعة كبيرة من خيرة الدعاة والمبلّغين موجة من الحزن والأسى في المسلمين وتركت أثراً مؤلماً في أوساطهم .

وهنا يتسائل القارئ: لماذا أقدم النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على إرسال المجموعة الثانية من المبلّغين إلى «نجد» مع أنه حصل على تجربة مرة؟! ألم يقل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لا يُلدغ المؤمن من جحر مرّتين» .

إن الإجابة على هذا السؤال تتضح من خلال مراجعة النصوص التاريخية لأن المجموعة الثانية قد بُعثت في جوارِ من أبي براء (عامر بن مالك بن جعفر) والّذي كان رئيساً لقبيلة بني عامر، ولم تفعل قبيلته ما خالف جوار رئيسهم ولم يشتركوا في تلك الجريمة وقد بقي أبو براء نفسه في المدينة تأكيداً لجواره، ريثما


(205)

يرجع فريق التبليغ إلى المدينة .

لقد كانت خطة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خطة مدروسة وصحيحة لأن جماعة المبلّغين الثانية لم تقتل على يد قبيلة أبي براء، ومع أن ابن أخيه عامر بن الطفيل قد استصرخ قبيلة أبي براء الّتي كانت قبيلته أيضاً، ضدّ جماعة المبلّغين إلاّ أن قبيلة أبي براء أبت أن تنفر معه، ولم يستجب لندائه أحدٌ منهم بل قالوا: لن يُخفَرَ جوار أبي براء. ولما أيس منهم استصرخ قبيلةً اُخرى لا تمتُّ إلى قبيلة أبي براء بصلة، فاقدمت تلك القبائل على محاصرة الدعاة الأربعين ومقاتلتهم .

ثم إن جماعة المبلّغين المذكورة كانت قد بعثت عند مغادرتها المدينة وتوجهها إلى منطقة أبي براء رجلين من رجالها هما: عمرو بن اُميّة و «حارث بن الصمة»(1) ليرعيا إبل الجماعة ويحافظا عليها، وبينما كان الرجلان يقومان بواجبهما إذ أغار عليهما «عامر بن الطفيل». فقتل حارث بن الصمة، واطلق سراح عمرو بن اُميّة .

فعاد عمرو إلى المدينة، في اثناء الطريق التقى رجلين من العامريين فرافقهما وأمهلهما حتّى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، وهو يرى بأنه انتقم لزملائه من المسلمين من بني عامر، وقد أخطأ في تصوره هذا لأن بني عامر لم تخفر جوار سيدها أبي براء ولم تنقض أمانه كما أسلفنا، ولم يشترك في جريمة قتل الدعاة الأربعين .

فلما قدم على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخبره الخبر، حزن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لذلك وقال لعمرو:

«بئس ما صنعت، قتلت رجلين كان لهما مني أمان وجوار، لا دفعن ديتهما» .

ولكن الاجابة الاكثر وضوحاً على هذا الاعتراض (أو السؤال) هو ما يذكره ابن سعد صاحب الطبقات إذ يقول: وجاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خبر أهل بئر معونة، وجاءه تلك الليلة أيضاً مصاب خبيب بن عدىّ ومرثد بن أبي مرثد(2) .


1- السيرة النبوية: 2 / 186 و صاحب السيرة يرى انه المنذر بن محمد .
2- الطبقات الكبرى: 2 / 52 و 53 .


(206)

34

غزوة «بني النضير»

لقد فرح منافقوا المدينة ويهودها بانتكاسة المسلمين في معركة «اُحد» كما فرحوا أيضاً بمصرع رجال التبليغ والدعوة، فرحاً بالغاً وباتوا يتحيّنون الفرصة لإثارة القلاقل والفتن في المدينة لإفهام القبائل خارجها بأنه لا توجد أية وحدة سياسيّة وانسجام اجتماعىّ في مركز الإسلام وعاصمة الحكومة الإسلامية وأن في مقدور الأعداء الخارجيين أن يُجهزوا على حكومة الإسلام الفتية، ويقضوا عليها بسهولة!!

ولكي يقفَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على نوايا ودخائل يهود بني النضير مشى في جماعة من أصحابه إلى حصنهم .

على أن الهدف الظاهري المعلَن عنه كان هو الاستعانة بهم في دية العامريّين اللذين قتلا خطأ على يد «عمرو بن اُميّة» كما أسلفنا، وذلك بموجب الاتفاقيّة المعقودة بين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبين اليهود وكذا بني عامر وغيرهم والقاضية بالتعاون معاً في تسديد الدية في مثل هذه الموارد .

فلما وصل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى حيث يسكن بنو النضير، وكلّمهم في أن يعينوه في تلك الدية، رحبوا به ظاهراً، ووعدوا بأن يلبّوا مطلبه، ثم إنهم خاطبوه قائلين: يا أبا القاسم نعينك على ما احببتَ. ثم دعوه إلى أن يدخل في بيوتهم، ويقضي يومه فيها، قائلين: قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتيَنا، إجلس حتّى نطعمك، فلم يقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بتلبية مطلبهم، بل


(207)

جلس مستنداً إلى جدار بيت من بيوتهم واخذ يكلمهم(1) .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ احسَّ بشرٍّ من ذلك الترحيب الحارّ الّذي قابلته به رجال بني النضير، والّذي رافق حركات مشبوهة منهم!!

هذا مضافاً إلى أنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ شاهدهم وقد خلا بعضهم إلى بعض يتناجون ويتهامسون الأمر الّذي يدعو إلى الشك، ويورث سوء الظن!!

وقد كان سوء الظن هذا في محله، فقد قرر سادة يهود ـ لمّا أتاهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في رهط قليل من أصحابه ـ أن يتخلصوا منه باغتياله والغدر به على حين غفلة منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فانتدبوا أحدهم وهو «عمرو بن جحاش» لتنفيذ هذه الجريمة، وذلك بأن يعلو على البيت الّذي استند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى جداره فيلقى عليه صخرة تقتله .

إلاّ أنّ هذه المؤامرة انكشفت ـ ولحسن الحظ ـ قبل تنفيذها، إما من خلال حركات اُولئك اليهود الخبثاء، المشبوهة، أو بخبر أتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من السماء، كما يروي ابنُ هشام والواقدي في مؤلفيهما .

فنهض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سريعاً، كأنه يريد حاجة، وتوجه من توّه إلى المدينة دون أن يخبر أصحابه الذين أتوا معه، بقصده .

وبقي أصحابه هناك ينتظرون عودته من حاجته دون جدوى .

وندمت يهود على ما صنعت، واضطربت لذلك إضطراباً شديداً، واصابتها حيرة شديدة فيما يجب أن تقوم به .

فمن جهة خشيت أن يكون رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد عَلِمَ بمؤامرتهم وتواطئهم، فيقدم على تأديبهم لنقضهم ميثاق التعايش السلمىّ، ولتواطئهم القبيح، ومكرهم السيء .

ومن ناحية اُخرى أخذت تفكّر في أن تنتقم من أصحابه الموجودين هنا إن هو فاتهم، ولكنها خشيت أن يؤدي ذلك إلى مزيد من تأزّم الموقف، وان ينتقم


1- يقول صاحب المغازي: 1 / 364 إن النبىّ جاء بني النضير في ناديهم.


(208)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حينئذ منهم قطعاً ويقيناً .

وفيما هم في هذه الحالة من الاضطراب والتحيّر قرر أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ العودة إلى المدينة بعد أن يئسوا من رجعته إليهم من حاجته، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: رأيته داخلا المدينة، فاقبلوا حتّى انتهوا إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعرفوا بمؤامرة اليهود إذ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لهم لما قالوا: يا رسول اللّه قمت ولم نشعر:

«همّت اليهودُ بالغدر بي، فأخبرني اللّهُ بذلك فقمتُ»(1) .

بماذا يجب أن تقابل هذه الجريمة؟

والآن ماذا يجب أن يقوم به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تجاه هذه الزمرة الخائنة المتآمرة؟ تلك الزمرة الّتي تنعم بما وفّرتها لهم الحكومة الإسلامية من أمن وحرية، ويحافظ جنودُ الإسلام على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كما يفعلون الفعل ذاته بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم وأعراضهم على حد سواء .

تلك الزمرة الّتي كانت ترى كل آثار النبوة ودلائلها في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأعماله، وأقواله تماماً على نحو ما قرأت عنه في كتبها وأسفارها، ولكنها بدل أن تردّ الجميل بالجميل وتقابل الاحسانَ بالاحسان، وبدل أن تحسن ضيافته وقد نَزَل عليهم ضيفاً تتآمر لقتله غيلة وغدراً دونما خجل ولا حياء!!

ما هو تُرى ما تقتضيه العدالة في هذا الصعيد وفي هذه الحال ؟

وماذا يجب أن يفعل المرء حتّى يمنع من تكرار مثل هذه الحوادث، ويستأصل جذور مثل هذه الجرائم؟

إن الطريق المنطقي هو ما أختاره رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفعله .

فقد أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المسلمين بالتهيّؤ لحربهم، والسير اليهم،


1- الطبقات الكبرى: 2 / 57. امتاع الاسماع: 1 / 178 .


(209)

ثم دعا محمد بن مسلمة وأمره بأن يذهب إلى بني النضير، ويبلغ سادتهم، من قِبَلهِ رسالة .

فخرج محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي(1) إلى بني النضير وقال لسادتهم: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أرسلني اليكم يقول:

«قد نَقَضتُم العهدَ الّذي جَعلتُ لكم بما هَمَمتُمْ به من الغدر بي .

اُخرجُوا مِن بلادي فقد أجلّتكُم عشراً فمن رُئي بعدَ ذلك ضربتُ عنقه» .

فأحدثت هذه الرسالة الشديدة اللهجة والساخنة المضمون انكساراً عجيباً في يهود بني النضير، وأخذوا يتلاومون، وأخذ يحمّل كل واحد منهم الآخر مسؤولية هذه القضية .

فاقترح عليهم أحد سادتهم أن يعتنقوا الإسلام ويؤمنوا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولكن عنادهم منعهم من القبول بهذا الاقتراح. وعمتهم حالة يرثى لها من الحيرة، والانقطاع، فقالوا لمبعوث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا محمّد ما كنّا نرى أن يأتي بهذا رجلٌ من الاوس .

ويقصدون أنّه كان بيننا وبين الأوس حلفٌ فما بالك تريد حربنا الآن.

فقال محمد بن مسلمة: تغيّرت القلوب.

وقد كان هذا الاجراء متطابقاً مع ما جاء في ميثاق التعايش الّذي عقده رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع يهود يثرب ابان دخوله المدينة، وقد وقّع عليه عن يهود بني النضير حيي بن أخطب، وقد نقلنا في ما سبق النصَّ الكامل لهذا الميثاق وها نحن ندرج هنا قسماً منه ليتضح ما ذكرناه .

جاء في أحد بنود الميثاق (العهد):

«ألاّ يعينوا (أي بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع) على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا على أحد من أصحابه بلسان و لايد ولا بسلاح ولا بكراع في السرّ والعلانية لا بليل ولا بنهار واللّه بذلك عليهم شهيدٌ، فان فعلوا فرسول اللّه في حل


1- المغازي: 1 / 366.


(210)

من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم، ونسائهم، وأخذِ أموالهم»(1) .

المستشرقون و دموع التماسيح:

لقد أبدى المستشرقون حزنهم وأسفهم لما جرى في هذه القضية، وذرفوا دموع التماسيح، وأبدوا رقّة وشفقةً أكثر مما تبديه والدة تجاه وليدها، على اليهود الخونة الناقضين العهد، الناكثين للايمان، واعتبروا الإجراء الّذي اتخذه النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بحقهم بعيداً عن روح الانصاف وسنن العدل!!

والحق أن هذه الاعتراضات والانتقادات لا تنبع من منطق السعي لمعرفة الحقيقة، لأننا عند مراجعتنا لنص الميثاق الّذي أدرجناه للقارىء الكريم نرى الحقيقة على غير ما يتصورون ويصورون فاننا نعرف أن الجزاء الّذي جازى به رسول اللّه يهود بني النضير هو في الحقيقة أقلّ من الجزاء المنصوص عليه في ذلك الميثاق بدرجات .

إن هناك اليوم مئات الجرائم والمظالم الّتي يرتكبها أسياد هؤلاء المستشرقين في الشرق والغرب دون أن يعترض عليها أي واحد من هؤلاء المستشرقين الرحماء، أدعياء الدفاع عن حقوق الإنسان!!!

أما عندما يقوم رسول الإسلام بتنفيذ عقوبة ـ هي في الحقيقة ـ اقل بكثير من ما هو منصوص عليه في الميثاق بحق زمرة خائنة متآمرة ناقضة للعهد تتعالى أصواتُ حفنة من الكتاب المدفوعين بأغراض معينة ودوافع خاصة بالاعتراض، والانتقاد .

دور حزب النفاق أيضاً:

كان خطر المنافقين ـ وكما أسلفنا ـ أكبر من خطر اليهود لأن المنافق يطعن من الخلف وتحت غطاء من الصداقة، ويتستر وراء قناع الصحبة والزمالة .


1- بحارالأنوار: 19 / 111 .


(211)

وقد كان رأس هذا الحزب هو «عبداللّه بن اُبي» و «مالك بن اُبي» و.. و..

ولمّا سمع هؤلاء المنافقون بما يلقاه بنو النضير من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أرسلوا اليهم من يقول لهم: لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم، فان معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب، يدخلون معكم حصنكم فيموتون من آخرهم قبل أن يوصل إليكم وتمدكم قريظة فانه لن يخذلونكم، ويمدّكم حلفاؤكم من غطفان؟!

ولقد جرّأت هذه الوعود بني النضير، فانصرفوا عن فكرة الرضوخ لمطلب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأغلقوا أبواب حصونهم، وأعدُّوا عدة الحرب، وعزموا على أن يقاوموا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مهما كلّف الثمن، ولا يسمحوا للمسلمين بأن يسيطروا على بساتينهم وممتلكاتهم دون عوض .

فَنَصَحَهم أحدُ كبرائهم وهو «سلام بن مشكم» وشكك في وعود عبداللّه بن أبي، واعتبرها وعوداً جوفاء، وقال: ليس رأي ابن اُبىّ بشيء، فهو واللّه جلاؤُنا من أرضنا، وذهاب أموالنا، أو سباء ذرارينا مع قتل مقاتلينا .

إلاّ أن «حيي بن أخطب» أبى إلاّ محاربة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وحث الناس على المقاومة والصمود، وأرسل إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنا لا نبرح من دارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع!!

فعرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ برسالة «عبداللّه بن أبي» إلى بني النضير، ووعوده لهم، فاستخلف ابن اُمّ مكتوم على المدينة، وسار ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في أصحابه مكبّراً لمحاصرة بني النضير فصلّى صلاة العصر بفضائهم واستقر في الطريق بين «بني النضير» وبين «بني قريظة» ليقطع بذلك سبيل الاتصال بين هذين الفريقين، وحاصر بني النضير ست ليال ـ حسب رواية ابن هشام ـ (1) أو خمسة عشر يوماً حسب روايات آخرين، ولكن اليهود تحصنوا منه في الحصون، وأظهروا المقاومة، والإصرار على الامتناع، فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- السيرة النبوية: 2 / 191، وهذا من التكتيكات العسكرية الّتي كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يستعملها ليقطع خطوط الارتباط بين الجماعات المتعاونة .


(212)

بقطع النخيل المحيطة بتلك الحصون، وإلقاء النار لييأس اليهود من البقاء في تلك المنطقة مادامت بساتينهم اُعدمت، واُفنيت .

فتعالت نداءاتُ اليهود تقول: يا محمّد، قد كنتَ تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعَهُ، فما بالُ قطعِ النخل وتحريقها؟!

فردّ اللّه تعالى عليهم بقوله:

«ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِّيْنة أوْ تَرَكْتُمُوها قائمَةً عَلى اُصولها فَبِإذنِ اللّهِ وَ لِيُخْزِىَ الْفاسِقينَ»(1) .

هذا من جهة ومن جهة اُخرى خذلهم عبداللّه بن اُبىّ، فلم يأتوهم، كما اعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال .

وقد ذكر القرآن الكريم هذا الخذلان إذ قال تعالى:

«أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمْ الّذينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ اُخْرِجْتُمْ لنخْرجنَّ مَعكُمْ ولا نُطيع فيكمْ اَحَداً أبَداً وَ إِن قُوتلْتُمْ لننصُرَنَّكُمْ واللّه يَشهَدُ إنّهم لكاذبُون* لئِن اُخرِجُوا لا يخرجُونَ مَعَهُمْ ولئِن قُوتِلُوا لا ينصرونهُمْ ولئنْ نصروهُمْ لَيُولّنَّ الأدْبار ثمّ لا يُنصَرون* لأنتم أشَدُّ رَهْبةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللّهِ ذلِكَ بأنّهمْ قومٌ لا يَفْقهُونَ* لا يقاتلونكم جميعاً إلاّ في قرىً محصَّنة أو من وراء جُدُر بأسُهُمْ بينهم شديدٌ تحسبهُمْ جميعاً وقُلُوبُهمْ شَتّى ذلك بأنهم قومٌ لا يعقلون»(2) .

وقد كشفت الآيات الحاضرة ـ إلى جانب ما ذكر ـ عن نفسية اليهود الجبانة، والّتي انهارت أيضاً بسبب معنويات المسلمين القوية حتّى أنهم رغم اجتماعهم وعددهم الكبير يخافون من مواجهة المسلمين فلا يقاتلونهم إلاّ من وراء أسوار الحصون، وجدران القلاع القوية خائفين مذعورين، ومرعوبين،وهم إلى جانب كل ذلك يعانون من اضطراب وقلق وتفرق كلمة في الواقع .

وأخيراً رضخ اليهودُ لمطلب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسألوه أن يجليهم، ويكفَّ عن دمائهم على أن يكون لهم ما حملت الابل من أموالهم إلاّ السلاح


1- الحشر: 5 .
2- الحشر: 11 ـ 14 .


(213)

والدروع، فرضي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك .

فاحتملوا من أموالهم أكبر قدر ممكن، حتّى أن الرجل منهم يقلع باب بيته فيضعه على ظهر بعيره، ثم يخرب بيته بيديه!!

فخرج جماعة منهم إلى خيبر، وسارت جماعة اُخرى منهم إلى الشام .

وقد خرجت تلك الزمرة الذليلة المسكينة وهم يضربون بالدفوف، ويزمّرون بالمزامير، وقد البسوا نساءهم الثياب الراقية، وحلىّ الذهب، مظهرين بذلك تجلّداً ليغطوا على هزيمتهم، ويروا المسلمين أنهم غير منزعجين من مغادرتهم تلك الديار!!

مزارع بني النضير تقسَّم بين المهاجرين فقط:

إن ما يغنمه جنود الإسلام دون قتال وهو ما يسمى بالفيء يعود أمره إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خاصة يضعه حيث يشاء ويصرفه فيما يرى من مصالح الإسلام لقوله تعالى:

(ما أفاء اللّهُ عَلى رسُولِهِ من أهل القُرى فلِلّهِ وَ لِلرّسولِ ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)(1) .

وقد رأى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن من الصالح أن يقسم المزارع والممتلكات الّتي غنمها من بني النضير على المهاجرين دون الأنصار، لحرمانهم من ممتلكاتهم وثروتهم في مكة بسبب الهجرة منها إلى المدينة، وكانوا في الحقيقة ضيوفاً على الأنصار طوال هذه المدة، وقد أيّد «سعد بن معاذ» و «سعد بن عبادة» هذا الرأي، ومن هنا قسَّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جميع تلك المزارع والممتلكات على المهاجرين خاصّة، ولم يحصل أحد من الأنصار منها على شيء الا رجلين كانا محتاجين هما: «سهل بن حنيف»، و «أبو دجانة»، الانصاريان وحصل بذلك انفراج في أحوال المسلمين عامة، وأعطى «سعد بن معاذ» سيف


1- الحشر: 7 .


(214)

رجل من زعماء بني النضير وكان سيفاً معروفاً .

يقول المقريزي:

فلما غنم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من بني النضير بعث ثابت بن قيس بن شماس فدعا الانصار كلّها ـ الاوس والخزرج ـ فحمداللّه وأثنى عليه، وذكر الانصار وما صنعوا بالمهاجرين وانزالهم اياهم في منازلهم، واثرتهم على أنفسهم ثم قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ان أحببتم قسمتُ بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللّه علىّ من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وان أحببتكم أعطيتهم وخرجوا من دوركم»؟

فقال سعد بن عبادة وسعد بن مُعاذ: رضينا وسلّمنا يا رسول اللّه .

فقسّم رسول اللّه ما أفاء اللّه عليه، على المهاجرين دون الانصار إلاّ رجلين كانا محتاجين.. الخ»(1) .

وقد وقعت هذه الحادثة في شهر ربيع الأول في السنة الرابعة من الهجرة ونزلت سورة الحشر في هذا الشأن، والّتي جاء في مطلعها قوله تعالى:

(هُو الّذي أخرجَ الّذينَ كَفرُوا مِن أهل الكِتاب مِن دِيارهم لأوّل الحشر ما ظَننتُمْ أن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أنَّهُمْ مانِعَتَهُمْ حُصُونهُم مِنَ اللّه فأتاهُم اللّه مِن حَيث لَم يحتسبوا وَ قَذَفَ في قلوبهمُ الرّعبَ يُخرِبُونَ بيُوتَهُمْ بأيديهمْ وأيدي المؤمنين فَاعتبروا يا اُولي الأبصار)(2) .

هذا ويعتقد أكثر المؤرخين المسلمين أنه لم يُسفَك في هذه الحادثة، أي دم، ولكن المرحوم الشيخ المفيد يكتب في ارشاده: انه وقع ليلة فتح حصون بني النضير قتالٌ محدودٌ قتل فيه عشرة من اليهود وكان ذلك هو السبب في فتح تلكم الحصون(3) .


1- امتاع الاسماع: 1 / 182 و 183 .
2- الحشر: 2 .
3- الارشاد: ص 47 و 48 .


(215)

وقال المقريزي: وفُقِدَ علىٌ رضي اللّه عنه في بعض الليالي فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : انه في بعض شأنكم، فعن قليل جاء برأس «عزوك» وقد كمن له حتّى خرج في نفر من اليهود يطلب غرّة من المسلمين وكان شجاعاً رامياً فشدّ عليه علي رضي اللّه عنه، فقتله وفرّ اليهود(1) .


1- امتاع الاسماع: 1 / 180 .


(216)

35

تحريم الخمر

ذات الرقاع، بدر الصغرى

1- تحريم الخمر:

كانت الخمور، وعلى العموم جميع المسكرات ولا تزال من أشد الاوبئة الاجتماعية الّتي تهدد أمن وسلامة المجتمعات البشرية وتجر اليها أكبر الأخطار ويكفي في خطورة هذا السمّ القاتل أنه يعادي أكبر ما يميّز البشر عن ما سواه من الاحياء، ذلكم هو العقل، فان الخمرة هي العدوّ الأول لهذه الموهبة الالهية الّتي في سلامتها ضمان لسعادة الإنسان .

إن الفارق بين الإنسان وبين سائر الاحياء هو القوة العاقلة الّتي يمتلكها الإنسان دون غيره، وتكون المسكرات من أعدى أعداء هذه القوة، من هنا كان المنع من تعاطي الخمور والمسكرات من أبرز البرامج الّتي جاء بها الأنبياء، وكانت الخمور محرمة في جميع الشرائع السماوية(1) .


1- عام 1339 هجري زار الدكتور آرشه تونك رئيس منظمة مكافحة الخمور ايران، وقد سرّ لما سمع أن الإسلام يحرم تعاطي المسكرات .
وقد كان يحبّ أن يلتقي بزعيم المذهب الشيعي يومئذ: (آية اللّه السيد البروجردي) ليتعرف على رأي الإسلام في الخمور والمسكرات، فأصطحبه أحد الدكاترة المعروفين في طهران إلى منزل السيد البروجردي في مدينة «قم»، وبعد الاستئذان تشرف بلقاء السيد، وقد حضر العلامة الطباطبائي في ذلك المجلس وكنت أنا ووالدي حاضرين هناك كذلك .
فكان أول سؤال طرحه الدكتور هو: لماذا حرم الإسلام المسكرات؟
فقال الامام البروجردي: يكفي أن اُشير لك من بين العلل الكثيرة إلى علة واحدة وهي أن الخمرة تحطّم العقل الّذي به يمتاز الإنسان عن سائر الاحياء، ويتميز عليهم. كما اوضحناه اعلاه .


(217)

ولقد كانت معاقرة الخمور من الآفات الّتي كانت متفشية ومتجذرة في المجتمع العربي في شبه الجزيرة العربيّة بحيث كانت معالجتها تحتاج إلى وقت طويل، واسلوب مدروس، ولم تكن الظروف والاحوال في ذلك العهد لتسمح بأن يعلن رسولُ الإسلام عن تحريم الخمر دفعةً واحدةً ومن دون اية مقدمات، وممهّدات لذلك، بل كان يتحتم عليه أن يعالج هذا الوباء الاجتماعىّ من خلال إعداد الناس لمرحلة التحريم النهائي والقطعي تماماً كما يفعل الطبيب بالنسبة إلى المرضى الذين طال بهم المرض، وتجذر .

من هنا حرّمت الخمر في أربع مراحل تدريجية ضمن آيات أربع أظهرت الاستياء من الخمر لكن لا على نمط واحد، بل بدأت من مرحلة مخفّفة حتّى انتهت إلى مرحلة الاعلان عن التحريم القطعي .

إنّ التمعن في هذه الآيات يكشف لنا عن كيفيّة الاُسلوب النبوىّ في التبليغ والإرشاد، والدعوة والهداية، وينبغي للخطباء، والكتاب أن يتبعوا هذا الاسلوب المؤثر والمفيد في معالجة الأدواء الاجتماعية المزمنة، ويكافحوها بهذا الشكل حتّى يحصلوا على أفضل النتائج .

إن الشرط الاساسي لمكافحة ناجحة لأىّ خلق وسلوك فاسد هو إيقاظ المجتمع وإيقافه أوّلا على أضرار ذلك السلوك، ومفاسده، وتذكيره بآثاره السيئة ليحصل لدى المجتمع ـ بذلك ـ الاستعداد الروحي بل والدافع الباطني إلى خوض معركة أساسية وجذرية ضدّ ذلك السلوك الفاسد، والخلق الذميم، ويكون الناس هم الضمانة لانجاح هذه المهمة. وذلك لأن ردّ المعتاد عن عادته كالمعجز كما في الحديث الشريف(1) .

كيف والعرب كانوا يعشقون الخمرة حتّى أن الرجل منهم ربما كان يوصي بأن يدفن إلى جنب كرمة لتسقى عظامه بالخمر .

يقول أحدهم:


1- مفاتيح الغيب: 2 / 263 .


(218)

إذا مِت فادفني إلى جنب كرمة تروّي عظامي بعد موتي عروقُها(1)

من هنا اعتبر القرآن الكريم اتخاذ الخمر من التمور والاعناب ـ في مجتمع كان تعاطي الخمر جزءاً أساسياً من حياته ـ مخالفاً للرزق الحسن، وبذلك ايقظ العقول الغافية، إذ قال:

(وَ مِنْ ثمراتِ النخيلِ وَ الأَعناب تَتخِذونَ مِنهُ سَكراً ورزقاً حَسَناً)(2).

إنّ القرآن أعلن ـ في المرحلة الاُولى من مراحل النهي عن تعاطي الخمر ـ أن اتخاذ المسكر من التمر والعنب لا يعد من الارتزاق الحسن بل الارتزاق الحسن هو تناول التمر والعنب على حالتهما الطبيعية .

إن هذه الآية: أعطت هزةً ذكيّةً للعقول وهيّأت الطبائع المنحرفة لمرحلة أقوى في مسيرة تحريم الخمر حتّى يتسنى لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يشدد من نبرته، ويعلن عن طريق آية اُخرى أنّ النفع المادي القليل، الّذي تعود به الخمر ويأتي به القمار، ليس بشيء بالقياس إلى اضرارهما الكبرى وأخطارهما العظيمة، وقد تم الكشف عن هذه الحقيقة في قوله تعالى:

(يسألونك عن الخمر والميسر قلْ فيهما اثمٌ كبيرٌ ومنافع للنّاس وإثمُهُما أكبرُ من نفعِهِما)(3) .

ولا ريب أن مجرد المقارنة بين النفع والضرر، وكذا الوقوف على زيادة الضرر على النفع كاف لا يجاد النفور والاشمئزار لدى العقلاء، والواعين، من الخمر وما شاكلها، وشابهها .

إلاّ أن جماهير الناس وعامتهم لن يقلعوا عن هذه العادة الشريرة المتجذرة مالم يسمعوا نهياً صريحاً وقاطعاً عنها .

فها هو عبدالرحمان بن عوف رغم نزول هذه الآية قد استضاف جماعة من الصحابة وأحضر على المائدة خمراً، فأكلوا، وشربوا الخمر، ثم قاموا إلى الصلاة، فأخطأ أحدهم في القراءة وهو سكران خطأ غيَّر من مراد اللّه تعالى في ما قرأ من


1- أي ما يسكر .
2- النحل: 67 .
3- البقرة: 219 .


(219)

الآية، فقد تلا سورة «الكافرون»، وبدل أن يقول: «لا أعبُدُ ما تعبدون» قرأ: «أعْبُدُ ما تعبدون». فاضطربت تلك الجماعة لهذا الأمر، وخشيت أن تكون ارتكبت بذلك أمراً عظيماً!!

وقد هيّأ هذا الحادث الناس ليحرّم تعاطي الخمر في ظروف وحالات خاصة على الاقل .

من هنا جاء الاعلان عن حرمة تعاطي الخمر قبل الصلاة، وأعلن القرآن الكريم بصراحة أنه لا يجوز لمسلم أن يصلّي في حالة السكر، وقد أعلن عن هذا التشريع الالهىّ في قول اللّه تعالى:

(يا أيّها الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصلاة وَ أنْتُمْ سُكارى حتّى تعلَمُوا ما تَقولُون)(1) .

ولقد بلغ من تأثير هذه الآية، وفاعليتها أن هجر جماعة من المسلمين تعاطي الخمر بالمرّة بحجة أن ما يضرّ بالصلاة يجب ان يُطرَد من حياة المسلم نهائياً .

ولكن البعض بقي يتعاطاها حتّى أنّ رجلا من الأنصار دعا جماعة إلى مائدة أحضر فيها الخمر ـ رغم نزول الآية الحاضرة ـ فلما شربوا وأسكروا حمل بعضهم على بعض، وجرح بعضهم بعضاً فشكوا أمرهم إلى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكان الخليفة الثاني لم يزل يشرب الخمر إلى ذلك معتقداً عدم كفاية الآية الحاضرة في التحريم القطعىّ لها ولهذا رفع يديه إلى السماء وقال: اللّهم بيّن لنا بياناً شافياً في الخمر .

ولا يخفى أن هذه الحوادث والوقائع المؤسفة قد هيّأت الارضية بشكل رائع لتقبّل مسألة تحريم الخمر تحريماً كاملا وقاطعاً، من هنا نزل قولُه تعالى يعلن عن هذه الحرمة القطعية:

(يا أيّها الذِينَ آمَنُوا انّما الْخَمرُ وَ الْمَيْسرُ والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)(2).


1- النساء: 43 .
2- المائدة: 90 .


(220)

وقد دفع هذا البيان البليغ القاطعُ أن يقلع عن الخمر نهائياً من كان يشربها حتّى تلك الساعة بحجة عدم وجود نهي صريح وقاطع عنها .

وقد جاء في كتب السنة والشيعة أن الخليفة الثاني قال بعد سماع هذه الآية: إنتهَينا يا ربّ(1)!!

وقفة عند «البيان الشافي» :

قلنا إن الخليفة الثاني لم يقتنع بعد سماع الآيات الثلاث بحرمة الخمر، بل بقي ينتظر بياناً شافياً يكشف عن التحريم القطعي، حتّى اقنعته الآية الرابعة بحرمة الخمور والمسكرات، وقد كان حكم اللّه تعالى في هذه الآية هو: أنّ الخمر «رجسٌ من عَمَلِ الشيطان فاجتَنبوهُ لعلّكم تُفلِحون» ولكن المتغربين، وهواة المادية الغربية في عصرنا لم تقنعهم كل هذه الآيات بحرمة الخمر، حتّى الآية الرابعة الصريحة في هذا الأمر، فيقولون لابدّ أن يُعلَنَ عن هذا التحريم بلفظة:

حرام أو حرّمت، والاّ لم يمكن القطع بحرمة الخمر!!

إن هذه الزمرة التابعة لأهوائها، الأسيرة لشهواتها الحرام، لا تريد في الحقيقة إلاّ أن تظل عاكفة على الخمر أبداً، ومن هنا تطرح مثل هذه المعاذير وتتوسل بمثل هذه التحجج الجوفاء .

على أن القرآن الكريم قد استعمل لفظ الحرام بشكل مّا في شأن الخمر إذ قال:

(وإثمهما أكبر من نفعهما)(2).

وقد حرّم تعالى جميع أنواع الإثم في آية اُخرى إذ قال:

(قُلْ إنّما حَرَّمَ ربّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَر منها وَ ما بَطَنَ والإثمَ)(3).

وبعبارة اُخرى: لقد بين اللّه تعالى في آية اُخرى الموضوع، وهو أن الخمر (الّتي تسمّى إثماً أيضاً) قد حُرّمت.


1- مستدرك الوسائل: 4 / 143، روح المعاني: 7 / 15 .
2- البقرة: 219 .
3- الاعراف: 33 .


(221)

فهل ينتظر هواة الغرب بعد هذا البيان الواضح والتحريم الصريح بياناً كافياً شافياً؟!

وفي الحقيقة نحن لا نحتاج إلى مثل هذا الاستدلال أبداً فالآيات الأربع المتقدمة الّتي وصفت الخمر بأنها «رجس» وأنها نظير «الميسر»، وأنها «عمل شيطاني»، مناقض للفلاح، وسببٌ «للعداوة» و «البغضاء»، قد أعلنت عن حرمتها بصورة واضحة لا إبهام فيها، ولا غموض، وهي بالتالي أقوى بيان لمن تدبّر وأنصف، وتجرّد عن الاهواء والأغراض المريضة .

وهنا لابدّ أن نذكّر بنقطة هامة وهي أن النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إستطاع ان يطهّر في هدى هذه الآيات الأربع، بيئته ومجتمعهُ من أدران هذه العادة الشريرة، ويقوم المؤمنون أنفسهم بتنفيذ هذا الحكم من دون قهر أو إجبار، بينما لم يستطع العالمُ الغربي رغم كل ما يملك من الإمكانات الماديّة العريضة، وأجهزة الدعاية الواسعة أن يخطو خطوةً ناجحةً في هذا الطريق، فقد اخفقت كل خططه، أمامَ هذا السمّ القاتل، والفشل الّذي أصاب الولايات المتحدة في مكافحة المشروبات الروحية في أعوام 1933 ـ 1935 أمر معروف للجميع، وله قصة عجيبة يمكن أن يقف عليها القارىء الكريم في مصادرها(1) .

رواية مختلَقَة:

ومن عجيب الأمر أن يروي بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: «ولا تقربوا الصلوة وانتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون» رواية جاء فيها أن امام المتقين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ كان ضمن جماعة شربوا الخمر ثم قاموا إلى الصلاة فقرأ إمامهم غلطاً: «اعبد ما تعبدون» فانزل اللّه تعالى هذه الآية: «لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون» .

نقول إن من العجيب أن تنسب إلى الامام علي ـ عليه السَّلام ـ مثل هذه


1- راجع ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: ص 80 وغيره .


(222)

النسبة وهو الطاهر المطهّر بحكم آية التطهّر(1) وهو الّذي نشأ وترعرع في احضان سيد المرسلين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي كان يتجنب الخمر، حتّى قبل نزول النهي الصريح عنها، هذا وعلي ـ عليه السَّلام ـ المعروف بحكمته وفهمه وعلمه عارف بما للمسكر من تبعات خطيرة .

نعم من العجيب أن نصدق بأن علياً ـ عليه السَّلام ـ شرب الخمر، وهناك في الجاهلية (وقبل الإسلام ) من حرّم الخمر على نفسه لكونها تذهب بالعقل، وتؤول بالمرء إلى ما لا يُحمَد.

ففي السيرة الحلبية كان عبداللّه بن جدعان من جملة من حرّمَ الخمر على نفسه في الجاهلية أي بعد ما كان مغرماً بها وسبب ذلك أنه سكر ليلة فصار يمدّ يده على ضوء القمر ليمسكه فضحك منه جلساؤه ثم اخبروه بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبداً .

وكان عثمان بن مظعون ممّن حرّمَ الخمرَ على نفسه في الجاهلية أيضاً وقال: لا أشرب شيئاً يذهِبُ عقلي، ويضحَكُ بي من هو أدنى مني، ويحملُني على أن اُنكِحَ كريمتي مَن لا أريد(2) .

وورد عن الامام محمد الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: أوحى اللّه تعالى إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اني أشكر لجعفر بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أربع خصال .

فدعاه النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأخبره فقال: لولا أن اللّه تبارك وتعالى أخبرك ما أخبرتك:

ما شربتُ خمراً قط لاني لوشربتها زال عقلي .

وما كذبتُ قط لان الكذب ينقص المروة .

وما زنيت قط لأني خفت إذا عملتُ عُمِلَ بي .


1- الاحزاب: 33، راجع تفاسير الفريقين ومجاميعهم الحديثية .
2- السيرة الحلبية: 1 / 130 .


(223)

وما عبدت صنماً قط لأني علمت أنه لا يضر ولا ينفع .

فضرب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على عاتقه وقال: «حق للّه تعالى أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنّة»(1) .

نعم هذا هو موقف من هو أقل مرتبة ومنزلة من الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ من الخمر، ولو في العهد الجاهلي، وقبل تحريمها في الإسلام .

لكن يد الوضع والدس أبت إلاّ أن تختلق رواية في المقام، فقد جاءت في جامع البيان للطبري روايتان نذكرهما سنداً ومتناً ليقف القارئ على ما تعانيان من مآخذ:

1- حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبدالرحمان قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمان عن علي أنه كان هو وعبدالرحمان ورجل آخر شربوا الخمر فصلى بهم عبدالرحمان فقرأ: يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت: لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى .

2ـ حدثني المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن عبداللّه بن حبيب أن عبدالرحمان بن عوف صنع طعاماً وشراباً فدعا نفراً من أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأكلوا وشربوا حتّى ثملوا فقدّموا علياً يصلّي بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكفارون اعبُد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد وأنا عابد ما عبدتم. لكم دينكم ولي دين. فأنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون»(2) .

والروايتان ـ مضافا إلى ما يرد عليهما من الاشكال ـ تعانيان من مؤاخذات متعددة أبرزها الاشكال في سندهما، فكلتا الروايتين تنتهي إلى عطاء بن السائب، وهو مطعون في وثاقته وديانته، وفي حفظه وحديثه، واليك ما قال عنه أئمة علم الرجال:


1- الدرجات الرفيعة: ص 70، نقلا عن الامالي لابن بابويه .
2- جامع البيان في تفسير القرآن للطبري: 5 / 61 .


(224)

قال عنه الذهبي: عطاء بن السائب أحد علماء التابعين، تغيّر باخره وساء حفظه.

قال عنه أحمد: من سمع منه قديماً فهو صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء.

وقال عنه يحيى بن معين: لا يحتج به .

وقال أحمد بن خيثمة عن يحيى: حديثه ضعيف .

وقال عنه أبو حاتم: محلّه الصدق قبل أن يخلّط .

وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم لكنه تغيّر .

وقال ابن عليّة: قدم علينا عطاء بن السائب البصرة، فكنا نسأله، فكان يتوهّم، فنقول له: مَن؟ فيقول: اشياخنا ميسرة، وزاذان، وفلان .

وقال الحميدي، حدثنا سفيان، قال: كنتُ سمعتُ من عطاء بن السائب قديماً، ثم قدم علينا قِدمةً فسمعته يحدثُ ببعض ما كنتُ سمعتُ، فخلّط فيه، فاتقيته واعتزلته .

واضاف الذهبي: «ومن منا كير عطاء...»(1) .

أجل هذا هو عطاء في منظار علماء الرجال، انه سيء الحفظ، ضعيف مخلّط له مناكير، يتوهّم، تغيّر باخره، وقد ظهرت آثار الوهم وسوء الحفظ والتخليط هذا في روايتيه هاتين. فهو تارة يقول أن علياً ـ عليه السَّلام ـ كان مأموماً في هذه القصة (كما في الرواية الاُولى) وتارة يقول كان ـ عليه السَّلام ـ إماماً للجماعة .

وهذه الرواية من مناكيره، وأوهامه بلا ريب، إذ كيف يصحّ أن يُنسب إلى رجل لازم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الطيّبَ الطاهر منذ نعومة أظفاره، شرب الخمر، والائتمام برجل دونه في الفضل، أو إمامته للجماعة وتخليطه في قراءة سورة عظيمة من سور القرآن الكريم؟!

ولنستمع معاً إلى ما يقوله إمام المتقين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ عن


1- ميزان الاعتدال: 3 / 70 ـ 73 .


(225)

فترة صباه في كنف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فانه أفضل ردّ على هذه الرواية ونظائرها: قال ـ عليه السَّلام ـ :

«قَد علمتُم موضعي من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وَضَعني في حِجره وأنا وَلدٌ يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسّني جسَدَه ويُشِمُّني عرفه، وكان يمضغ الشيء فيلقمنيه وما وَجَدَ لي كذبةً في قول، ولا خطلة في فعِل، ولقد قرن اللّه به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من لدن كان فطيماً أعظمَ مَلَك من ملائكته يسلُك به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالَم، ليلَه ونهارَه، ولقد كنتُ اتبعُه إتباع الفصيل أثر اُمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَماً. ويأمرني بالاقتداء به»(1) .

هذا وأغلب الظن ان الذين اختلقوا هذه الرواية لما وجدوا أمثال هذه القبائح في حياة بعض الصحابة أرادوا ان يساووا بين الامام علي ـ عليه السَّلام ـ وغيره، فاختلقوا هذه الفرية الوقحة .

ومما يثير الاستغراب أن يقع بعض الكتّاب والمفكّرين المعاصرين في نفس ما وقع القدامى من الخطأ في هذا المجال، ويذكر هاتين الروايتين في تفسيره للقرآن الكريم، مع كل هذه المؤاخذات عليهما حتّى في صورة النقل، كما فعل سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن»(2)، إذ ليس كل ما هو مذكور في كتب الاقدمين يصحّ نقله، ويجوز تكراره. وبخاصة من دون تعليق وتكذيب .

غزوةُ ذات الرقاع:

قيل إنما سُمّيت هذه الغزوة، وهذا الجهاد المقدس بالرقاع، لأنّ المسلمين مرّوا بأرض بقع سود، وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة .

وربما قيل لأن الحجارة أوهنَت أقدام المجاهدين فكانوا يلفّون على أرجلهم


1- نهج البلاغة: الخطبة رقم 192 .
2- عند تفسير قوله تعالى: «ولاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى» .


(226)

الخرق، والرقاع فسُمِّيت هذه الغزوة بذات الرقاع(1) .

وعلى كل حال فان هذه الغزوة لم تكن ابتدائية تماماً مثل بقية الغزوات، بل كانت لإطفاء شرارة كانت على شرف الإشتعال، والانفجار، وبالضبط جاءَت لتقضي على تحركات واستعدادات عدائية كان يقوم بها بنو محارب وبنو ثعلبة وكلاهما من قبائل غطفان .

وقد كان مَن دأب النبىّ وسياسته أن يَبُثَّ أشخاصاً أذكياء إلى المناطق المختلفة ليأتوا له بالأخبار عن كل ما يستجدّ على ساحة الجزيرة العربية، وفي أوساط القبائل .

فأتاه الخبر ذات مرة أن القبيلتين المذكورتين تنويان جمع الاسلحة والرجال لاجتياح المدينة وغزوها، فسار اليهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على رأس مجموعة من رجاله وأصحابه حتّى نزل نخلا بنجد قريبة من مكان العدو(2) .

فدفعت سوابق المسلمين الجهادية، وما سطروه في المعارك والمواقف من قصص المقاومة والصمود والبسالة والاستقامة، وما حققوه من انتصارات ساحقة حيّرت سكّان الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها .

لقد دفع كل هذا العدوّ إلى الانسحاب، واللجوء إلى رؤوس الجبال، وقد خافوا إلاّيبرح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى يستأصلهم .

وقد صلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالمسلمين في هذه الغزوة صلاة الخوف، الّتي بيّن اللّه تعالى كيفيتها في سورة النساء الآية 102 .

وأغلب الظن أن العدوّ كان في هذه الغزوة قوياً في تجهيزاته وقواه، وان الاوضاع العسكرية قد وصلت إلى مرحلة خطيرة مما سبّب الخوف، ولكن الانتصار كان في المآل من نصيب المسلمين .


1- السيرة النبوية، الهوامش: 2 / 204 .
2- امتاع الاسماع: 1 / 188 .


(227)

مواقف خالدة في هذه الغزوة:

يروي المؤرخون والمفسرون المسلمون كابن هشام(1) وأمين الإسلام الطبرسي(2) قصصاً عجيبة، وحوادث مثيرة للاعجاب وقعت في هذه الغزوة تكشف عن عمق مروءة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع أعدائه، وقد نقلنا نظير هذا في غزوة ذي أمر، من هنا نحجم عن ذكر ذلك في هذه الدراسة رعاية للاختصار، ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى القصة التالية الّتي تكشف عن صمود المسلمين واخلاصهم لدينهم .

الحُرّاس الصامدون:

مع أن جيش الإسلام قد عاد إلى المدينة من هذه الغزوة من دون قِتال ولكنّه أصاب مع ذلك بعض الغنائم، واستراح في شِعب في أثناء الطريق، وبات ليلته هناك ثم كلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رجلين بحراسة الجيش ليلا يدعيان: «عباد» و «عمار»، فقسم الرجلان الليل بينهما، فنام أحدهما وسهر الآخر يحرس الجيش، وكان الّذي سهر أول الليل هو «عباد» .

ثم إن رجلا من العدوّ خرج في أثر المسلمين، وكان يقصد أن يريق دماً أو يصيب شيئاً ويعود إلى محله .

وقام «عباد» يصلّي، وأقبل ذلك الرجل يطلب غِرّةً فلما رأى «عباد» سوادَه من قريب قال ذلك الرجل في نفسه: يعلم اللّه أنّ هذا لطليعة القوم، وحرسهم ففوّق له سهماً ورماه به فأصاب عباداً ولكن عبّاداً نزع السهمَ ووضعه، وثبت قائماً يصلّي فرماه العدوّ بسهم آخر، فاصابه فانتزعه وثبت قائماً فرماه بثالث فنزعه، فلما غلب عليه الدم ركع وسجد، ثم قالَ لصاحبه: اجلِس فقد اُصبتُ، فجلسَ عمّار، فلمّا رأى الاعرابيُ أن عماراً قد قام علم أنهما قد علما


1- السيرة النبوية: 2 / 205 ـ 209 .
2- مجمع البيان: 3 / 103 .


(228)

به،: فقالَ عمّار: أي أخي ما منعك أن توقظَني به في أولِ سهم رمى به؟!

قال: كنتُ في سورة أقرأُها وهي سورة الكهف، فكرهتُ أن أقطعَها حتّى أفرغ منها، ولولا أني خشيتُ أن اضيّعَ ثغراً أمرني به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما انصرفت ولو أتى على نفسي(1) .

وهكذا صمد هذا المسلم واستمر في صلاته غير مبال بما اصابته من السهام .

بدرٌ الثانية:

لما أراد أبوسفيان أن ينصرف يوم «اُحُد» نادى: موعدنا وموعدُكم بدرُ الصفراء العام القابل نلتقي فيه فنقتتل .

ولهذا أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المسلمين بأن يتهيّأوا للدفاع عن أنفسهم وقد مر على وقعة «اُحد» عامٌ واحدٌ .

وكان أبو سفيان الّذي كان يرأس قريش آنذاك يواجه في ذلك الوقت مشاكل داخلية مختلفة فكره الخروج إلى رسول اللّه في الموعد الّذي ضربه لمقاتلة المسلمين، واتفق أن قدم مكة في تلك الايام «نعيم بن مسعود» الّذي كانت بينه وبين أبي سفيان علاقات صداقة خاصة، فجاءه أبوسفيان وقال له: إِنّي وعدتُ محمّداً وأصحابه يومَ «اُحُد» أن نلتقي نحن وهو ببدر الصفراء على رأس الحَول، وقد جاء ذلك، ولا يصلح أن نخرجَ إليه العامَ .

فقال نعيم: ما أقدمني إلاّ ما رأيتُ محمّداً وأصحابَه يصنعون من إعداد السلاح والكراع، وقد تجلّب إليه حلفاءُ الأوس، فتركتُ المدينة أمس وهي كالرمّانة .

فزاد ذلك من مخاوف أبي سفيان، وضاعف من كراهته للخروج إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ . وتقرر بالتالي أن يعود نعيم إلى المدينة ويحذر المسلمين من الخروج للموعد، ويخذّلهم .

وعاد «نعيم» إلى المدينة، وراح يرعّب أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- السيرة النبوية: 2 / 208، المغازي: 1 / 397 .


(229)

ويخوّفهم من الخروج إلى أبي سفيان إلاّ أن كلامَه لم يترك أي أثر في نفس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فخرج ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في ألف وخمسمائة مقاتل من أصحابه، وقد خرجوا ببضائع لهم، وتجارات حتّى انتهوا إلى «بدر» وقام السوق السنوي هناك فباعوا واشتروا في موسم بدر وربحوا كثيرا ثم تفرّق الناس، ولكن النبىّ وأصحابه بقوا هناك ثمانية أيام ينتظرون أبا سفيان وجيشه .

وقد كان هذا الاجراء اجراء عسكريا حكيماً ورائعاً إذ أظهر قوة النبىّ وعزيمته وقوة أصحابه وعزيمتهم، ولهذا كان له أثرٌ قوي في نفوس الاعداء .

فلما بلغت أنباء خروج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه إلى بدر، لم ير حكّام مكة المشركون بدّاً من الخروج إلى بدر حفاظاً على ماء الوجه، فخرج أبوسفيان والمشركون بتجهيزات كافية إلى مرّ الظهران، ولكنهم عادوا من منتصف الطريق إلى مكة بحجة الغلاء والقحط، فاعترض صفوان بن اُميّة على أبي سفيان وقال: قدواللّه نهيتُك يومئذ أن تعد القومَ، وقد اجترأوا علينا، ورأوا انا قد أخلفناهم، وانما خلفنا الضعف عنهم(1) .

ولادةُ السِبط الأصغر لرسول اللّه:

وفي الثالث من شهر شعبان من هذه السنة (الرابعة من الهجرة) وُلِدَ السبط الثاني لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الامام الحسين بن عليّ(2)، كما توفيت «فاطمة بن أسد» والدة الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ (3) .

وفي هذا العام بالذات أمرَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زيد بن حارثة أن يتعلم السريانية من اليهود(4) .


1- المغازي: 1 / 384 ـ 390، وقد وقعت هذه الحادثة في الشهر الخامس والاربعين بعد الهجرة. وتسمى هذه الغزوة «بدر الموعد» .
2 ـ تاريخ الخميس: 1 / 467 .
3- تاريخ الخميس: 1 / 467 .
4- إمتاع الاسماع: 1 / 187، تاريخ الخميس: 1 / 464 .


(230)

حوادث السنة الخامسة من الهجرة(1)

36

من أجل تحطيم التقاليد الخاطئة

تعتبر معركة «الاحزاب»، وقصة بني قريظة، وزواج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بزينب بنت جحش من أروع الحوادث التاريخية الّتي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة .

وأوّل هذه الحوادث ـ كما عليه المؤرخون المسلمون ـ هو زواج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالمرأة المذكورة .

وقد ذكر القرآن الكريم تفاصيل هذه القضية ضمن الآيات (4، 6، 36 إلى 40) من سورة «الاحزاب»، ولا يبقى ـ حينئذ ـ مجال لأكاذيب المستشرقين ودسائسهم ومختلقاتهم الواهية .

ونحن هنا ندرُسُ هذه القضية على ضوء أصحّ المصادر والينابيع التاريخية الإسلامية الّتي لم تطلها أيدي العبث والتحريف، والمسخ، والتشويه، ألا وهو القرآن الكريم، ثم بعد ذلك نتحدث حول ما قاله المستشرقون ومن لف لفهم ،


1- يرى مؤلف كتاب تاريخ الخميس أن هذه الحادثة وقعت في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة ولكن هذا الرأي يبدو غير صحيح من وجهة نظرالمحاسبة الاجتماعية، لأن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، كان منشغلا بغزوة «الاحزاب»، و «بني قريظة» من 24 شهر شوال من السنة الخامسة إلى 19 من شهر ذي الحجة من نفس السنة فيكون تحقق مثل هذا الزواج في مثل هذه الظروف أمراً مستبعداً جداً، وإذا كان الزواج من زينب يُعدّ من حوادث السنة الخامسة لزم ان يكون قد تحقق قبل الحادثتين المذكورتين، ولهذا عمدنا إلى ذكر هذه الحادثة قبل تينيك الواقعتين .


(231)

ونحا منحاهم في التعامل مع تاريخ السيرة النبوية .

من هو زيد بن حارثة؟

كان زيد شاباً سرقه قُطّاع الطرق من الأعراب وهو صغير من قافلة، وباعوه عبداً في سوق عكاظ، وقد اشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بنت خويلد، وقد أهدته خديجة لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد زواجها منه .

ولقد دفعت سيرةُ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحسنة، وأخلاقه الفاضلة وسجاياه النبيلة زيداً هذا في أن يحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حباً شديداً، حتّى أنه عندما جاء أبوه إلى مكة يبحث عنه، وعلم بوجوده عند النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مشى إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وطلب منه أن يعتقه، ويعيده إليه ليعيده بدوره إلى اُمه ويُلحقه بأقربائه، فابى زيد إلاّ البقاء عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفضَّل ذلك على المضي مع أبيه، والعودة إلى وطنه، وعشيرته، وقد خيّره رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المكث عنده أو الرحيل مع أبيه إلى وطنه .

على أن ذلك الانجذاب والحب كان متبادلا بين زيد ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فكما أن زيداً كان يحب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويحب أخلاقه وخصاله، كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يحب زيداً كذلك لنباهته وأدبه حتّى أنه أعتقه وتبنّاه، فكان الناس يدعونه زيد بن محمد بدل زيد بن حارثة، ولكي يتأكد ذلك وقف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم وقال لقريش: «يا من حَضَر إشهَدُوا أن زيداً هذا إبني»(1) .

وقد بقي هذا الحبُ المتبادل بين زيد، وبين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى أن استشهد هذا المسلم الصادق والمؤمن المجاهد في معركة مؤتة، فحزن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لمصرعه كما حزن لولد من أولاده .


1- اسد الغابة: 2 / 235 وكذا الاستيعاب والاصابة مادة: زيد .


(232)

زيدٌ يتزوجُ بابنة عمة النبىّ:

لقد كان من أهداف رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو أن يخفف من الفواصل بين طبقات المجتمع وفئاته، ويقارب بينها قدر الامكان، ليعيش البشر جميعا تحت لواء الإنسانية والتقوى إخوةً متحابّين لاتبعد بعضهم عن بعض مقاييس الثروة والنسب، بل يكون الملاك في التفاضل هو الأخلاق الفاضلة والسجايا الإنسانية .

من هنا كان يجب التعجيل في ازالة التقاليد العربية البالية الّتي كانت تقضي بأن لا يتزوج بنات السادة والاشراف بابناء الطبقات الضعيفة والفقيرة .

وأي وسيلة لضرب هذا التقليد القبيح الظالم وتحقيق المساواة الكاملة أفضل من أن يبدأ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تحطيم هذا التقليد باقربائه وذويه ليقدّم بذلك درساً عملياً للاُمة في هذا المجال، فقام بتزويج عتيقه «زيد بن حارثة» من شريفة من بني هاشم وهي ابنة عمته زينب بنت جحش حفيدة عبدالمطلب ليعلم الناس أنه يجب عليهم الاقلاع عن تلك التقاليد الجاهلية الظالمة بسرعة، ويعرفوا أن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو أوّل من نفّذَ في حق ذويه ما كان يردّده من قوله: «لافضل لأحد عليأحد إلاّ بالتقوى» و «إنّ المؤمن كفؤ المؤمن» .

ولأجل تحطيم ذلك التقليد الجاهلىّ الخاطئ ذهب رسول اللّه بنفسه إلى منزل زينب، وخطبها لزيد، فلم تبد زينب وأخوها رغبةً في هذا الأمر في الوهلة الاُولى لأنّ الأفكار الجاهلية كانت لا تزال مترسبة في قلوبهم، ومن ناحية اُخرى كان الرد على النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أمراً صعباً ولهذا تذّرعا بعبودية «زيد» السابقة وحاولا بذلك التخلّص من مطلب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلم يلبثا أن نزل قوله تعالى يشجب رد زينب وأخيها لطلب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

(وَ ما كانَ لِمُؤمِن وَ لا مُؤمِنَة إذا قضى اللّهُ وَ رَسُولُه أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)


(233)

مِنْ أمْرِهِمْ، وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبيناً)(1) .

فتلاها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عليهم فوراً فدفع إيمان زينب وأخيها الصادق برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأهدافه المقدسة إلى أن تبادر زينب إلى الاعلان عن رضاها ورضا أخيها بهذا الزواج، فتزوّجت ابنة شريف قوم «زينب» بعتيق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زيد وبذلك طبّق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واحداً من أعظم مناهج الإسلام الحيّة، وآدابه الإنسانية الرفيعة، وحطّم عملياً واحدة من أقبح السنن الجاهلية، وأكثرها تخلفاً واجحافاً .

زيد يطلق زوجته:

إلاّ أن هذا الزواج لم يدم طويلا، فقد آل إلى الطلاق، والافتراق ويعزي البعضُ ذلك إلى نفسيّة «زينب» وسلوكها الحاد حيث كانت ربما تذكر لزيد دنوّ حسبه، وعلوّ حسبها،وبذلك كانت تمرّ في ذائقته طعمَ الحياة وتسبَب انزعاجه .

ولكن يحتمل أن السبب وراء هذا الطلاق كان هو زيد نفسه، فان تاريخ حياته يشهد بأنه كان يعاني من روح العزلة، وعدم الالفة، فقد اتخذ أزواجاً متعددة وطلقهنّ (إلاّ الاخيرة منهن حيث استشهد عنها وهي في حبالته) فتكون هذه الطلقات المتعددة دليلا على عدم القدرة على الانسجام مع زوجاته، لحالة نفسيّة كان يعاني منها .

ويشهد بذلك أيضاً خطاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحادّ، فان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لمّا عرف بأن زيداً يبغي طلاق زوجته زينب غضب وقال:

(إمسك عليكَ زوجَكَ واتّق اللّه)(2).

ولو كان الذنب كلّه ذنب زوجته زينب لما كان يُعَدُّ تطليقها عملا مخالفاً للتقوى .


1- الاحزاب: 36 .
2- الاحزاب: 37 .


(234)

ومهما يكن فقد طلق زيد زينباً وافترقا، ثم تزوج بها النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ذلك .

زواج النبىّ بمطلقة متبناه لابطال سنة جاهلية اُخرى:

ولكن قبل أن ندرس العلة الاساسية لهذا الزواج لابد أن نلقي نظرة فاحصة إلى مسألة النسب الّذي يعدّ مقوماً مهماً من مقومات المجتمع الصحيح .

وبعبارة اُخرى وأكثر تحديداً لابد أن ندرس الفرق الجوهري بين الوالد الحقيقي، وبين المتبنى .

وتوضيحاً لهذا الأمر نقول:

كان يوجد في المجتمع العربي الجاهلي أبناءٌ لا يعرفُ لهم آباء أولهم آباء معروفون، وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه ويدعوه ابنه، ويُلحقُه بنسبه وتصير له حقوق البنوة وملحقاتها .

ولما كان هذا شذوذاً عن الاساس الطبيعي للاسرة أبطله الإسلام وذلك لأن الوَلَد الحقيقي ينتمي إلى أبيه بجذور تكوينية، فالوالد هو ـ في الحقيقة ـ المنشأ المادي لوجود ابنه، ويرث الولد من والده ووالدته الكثير من صفاتهما الجسمية والروحية، وبذلك يكون امتداداً طبيعياً لوالديه .

وعلى أساس هذه الوحدة الطبيعية، ووحدة الدّم يتوارث الآباء والأبناء، وتترتب أحكامٌ خاصة في مجال الزواج والطلاق، والتحليل والتحريم .

وبناءً على هذا فان مثل هذا الموضوع الّذي ينشأ من جذور تكوينية واقعية، لا يُوجد أبداً باللفظ واللسان .

ولهذا قال اللّه سبحانه في الكتاب العزيز في معرض الردّ على من يتصور المتبنّى ولداً حقيقياً لمجرد ادعاء البنوة:

(وَ ما جَعَلَ اَدْعياءَكُمْ أبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَولكُمْ بأفْواهِكُمْ وَ اللّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَ هُوَ يَهْدي السبيلَ* اُدْعوهُمْ لآبائهمْ هُوْ أقْسَطُ عندَ اللّه فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَاخوانُكُمْ فِي الديْن ومَوالِيكمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فيما أخْطَأتُمْ بِهِ وَلكِنْ)


(235)

ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبكُم وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحيماً)(1) .

فلا يكون الابن المتبنى والولد الحقيقي على صعيد الموضوع سيان أبداً، فكيف على صعيد الاحكام كالتوراث، والزواج والطلاق وما شابه ذلك ؟

فاذا ورث الولد الحقيقي من ابيه أو بالعكس أو حرمت زوجة الولد الحقيقي على أبيه بعد طلاقها من زوجها لا يمكن أن نقول أن الابن المتبنى يشبهه ويشترك معه في هذه الاحكام أبداً .

ومن المسلم به أنَّ مثل هذا التشريك في الحقوق والشؤون مضافا إلى كونه لا يستند إلى أساس معقول وصحيح هو نوع من العبث بعامل النسب، وهو العنصر المهم في المجتمع السليم الصحيح .

وعلى هذا الاساس إذا كان التبني بدافع العاطفة أمراً مستحسناً ومقبولا، إلاّ أنّه إذا كان بهدف إشراكه في سلسلة من الأحكام الاجتماعية الّتي هي من شؤون الولد الحقيقي وحقوقه يعد أمراً بعيداً وغريباً جداً عن المحاسبات العلمية، والاسس الموضوعية .

ولقد كان المجتمع العربي ـ كما اسلفنا ـ يعدّ الابن بالتبني كالولد الحقيقي دون فرق، وقد كُلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من جانب اللّه تعالى بأن يقضي على هذا التقليد الجاهلي والسنة الخاطئة باجراء عملي صارخ وذلك بالتزوج بزينب مطلَّقة متبناه «زيد»، ويمحي من حياة المجتمع العربي هذا التقليد القبيح بالعمل الّذي يفوق القول، ووضع القانون، في التأثير، والفاعلية. ولم يكن لهذه الزيجة غير هذا السبب.

لقد كان هذا التقليد أمراً مقدّساً في المجتمع العربي بشكل كبير جدّاً بحيث لم يكن أحدٌ ليجرأ على نقضه ومخالفته والتزوج بمطلّقة دعيّه(2) لقبحه في نظر العرب لذلك دعا اللّه سبحانه نبيّه إلى القيام بهذا العمل الخطير، إذ قال:


1- الأحزاب: 4 و 5، راجع تفسير الميزان: 16 / 290 و 291 .
2- الدعىّ هو الابن المتبنى وجمعه أدعياء .


(236)

(وَ إذْ تَقُول للذي أنْعَمَ اللّهُ عَليه وَانعمتَ عليه أمْسِكْ عليكَ زوجكَ واتّقِ اللّهَ وتُخفي في نَفسِكَ ما اللّهُ مُبْديَه وتخشى الناسَ واللّهُ أحقُ أنْ تخشاه فلمّا فضى زيدٌ منها وَطراً زوّجنا كَها لكي لا يكونَ على المؤمنينَ حَرَجٌ في أزواجِ أدعيائهم إذا قَضوا منهنّ وَطَراً وكانَ أمَرُ اللّهِ مَفْعولا)(1).

إن هذا الزواج مضافاً إلى كونه استهدِف منه تحطيم سنّة جاهليّة مقيتة (سنة عدم الزواج بمطلقة المتبنى) واعادة العلاقات العائلية إلى وضعها الصحيح يعتبر من أقوى مظاهر المساواة في الإسلام، لأن النبىّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تزوّج بمطلّقة عتيقه وقد كان مثل هذا العمل مخالفاً لشؤون المجتمع يومذاك .

ولقد أثار هذا الاقدام الشجاع موجةً من الاعتراض والنقد من جانب المنافقين، وأصحاب العقول الضيّقة، فقد طرِحَت هذه المسألة في الاوساط والنوادي وأخذوا يشنعون بها على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقولون: لقد تزوّج محمّد بمطلّقة دعيّه .

فأنزل اللّه تعالى في الرد على تلكم الافكار والاقوال الباطلة قوله:

(ما كانَ مُحَمّدٌ أبا اَحَد مِن رِجالِكُم وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبيّين وَ كانَ اللّهُ بِكلِّ شيء عَليماً)(2) .

على أن القرآنَ لم يكتف بهذا البيان بل امتدحَ نبيَّه الّذي نفّذ حكم اللّه بشجاعة كاملة بقوله:

(ما كانَ عَلى النبىّ مِنْ حَرَج فيما فَرَضَ اللّهُ لَهُ سُنَّةَ اللّهِ فِي الّذينَ خَلَوا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أمْرُ اللّهِ قَدَراً مقدُوراً* الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ اَحَداً إلاّ اللّهَ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً)(3).

وخلاصة المفاد لهاتين الآيتين هي أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كغيره من الأنبياء يُبلّغ رسالات اللّه ولا يخالف لومَ اللائِمين، وكيد المنافقين، وإرجاف المرجفين .


1- الأحزاب: 37 .
2- الأحزاب: 40 .
3- الأحزاب: 38 و 39 .


(237)

هذه هي فلسفة تزوّج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بزينب بنت جحش مطلّقة دعيّه ومتبناه وعتيقه زيد بن حارثة في ضوء القرآن الكريم .

المستشرقون وقضية تزوّج النبىّ بزينب:

إن زواج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بزينب مطلّقة زيد بن حارثة ـ كما لاحظت ـ قضيةٌ بسيطةٌ خالية عن أي إبهام أو غموض .

ولكنَّ جماعةً من المستشرقين تذرّعوا بها لإغراء البسطاء ومن شاكلهم غير الملمّين بالتاريخ الاسلامي وأرادوا بذلك إضعاف إيمان الذين لا يعرفون السيرة النبويّة حقَّ المعرفة، فانّنا يجب أن ندرس ما قالوه في هذا المجال، ونكشف للقارئ الكريم عن مواطن الدسّ والتحريف فيه .

ولا يخفى أن الاستعمار البغيض لم يكتف للسيطرة على بلادنا باستخدام القوة العسكرية، والسلاح الاقتصادي بل ربما دخلها متستراً بقناع العلم والتحقيق، فقد سعى ـ ولم يزل ـ لفرض أسوأ هيمنة فكرية شاملة وتبعيّة ثقافيّة مقيتة على شعوبنا وفق تخطيط دقيق ومدروس وهذا هو ما يسمّى بالاستعمار الفكري، والثقافي .

وفي الحقيقة فان المستشرق هو طليعة ذلك الاستعمار، بل و جيشه المتقنع بقناع العلم والمعرفة الّذي ينفذ إلى أعماق المجتمع، ويتسلسل إلى أوساط المفكرين والمثقفين وينفث سمومه القاتلة، ويحذر العقول، ويمهّد النفوس للاستعمار السافر، والمكشوف .

ويمكن أن لا يرتضي كثير من الكتّاب وعشّاق القلم والثقافة في الغرب منطقنا هذا فيعمدوا إلى رمينا بالتحجر، والعصبيّة والتخلف ويتصوروا باننا نقول مانقوله بدافع العصبيّة القومية أو الدينية، ولكنَّ كتاباتِ المستشرقين وإخفاءَهم المتعمَّد والكثير للحقائق، وتحريفهم ودسّهم المكشوف في تاريخ الإسلام حيناً والخفىّ حيناً آخر يشهد بوضوح أنّ دافعهم في كثير ممّا كتبوا ليس حبَّ العلم وتحرّي المعرفة، فان أكثر ما كتبوه ممزوجٌ بطائفة من أفكارهم المعادية للاسلام، ولرسول


(238)

اللّه والمسلمين .(1)

ويشهد على هذه النزعة ـ بجلاء ووضوح ـ موقِفُهُم من زواج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بزينب بنت جحش وما نسجوه من قضايا خياليّة حول هذه القضية، الّتي وقعت بهدف إبطال سنة باطلة، فأعطوها صبغة قصص الحب وأساطير الغرام على طريقة القصّاصين والروائيين وديدنهم، وعمدوا إلى حكاية تاريخية مختلقة وضخّموها ونفخوا فيها ونسبوها إلى أطهر إنسان عرفه العالم البشري .

وعلى كل حال فان أساس هذه الاُسطورة عباراتٌ نَقَلَها ابنُ الأثير(2) ومن قبله الطبري(3) وبعضُ المفسِّرين، وهي أنه: خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يريد زيداً وعلى الباب سترٌ من شعر فرفعته الريح فرآها وهي حاسرة فأعجبته!!!

ولكن المستشرقين بدل أن يتحققوا من سند هذه الأقوال، لم يكتفوا بنص ما ذكره اُولئك المؤرّخون والمفسرون، بل الصقوا به الكثير الكثير حتّى تحوّلت تلك الجُمَل العابرة إلى قصة تشبَهُ أقاصيص ألف ليلة وليلة .

إنّ من المؤكّد أنّ الذين يعرفون سيرة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الطاهرة يدركون أنّ هذا التاريخ إنّما هو في اصله وفرعه من نسج الخيال، وصنع الأوهام، وانها تخالف ما في صفحات التاريخ النبوىّ الوضّاءة النقيّة مخالفةً كاملةً، إلى درجة أن علماء معروفين كالفخر الرازي والآلوسي كذّبوا هذه القصة بشكلها الّذي ذكرها ابن الاثير والطبري بصراحة كاملة وقالوا: إن هذه الرواية رواية باطلة زوّرها واختلقها أعداء الإسلام وراجت في كتب المؤلفين المسلمين(4) .

فكيف يمكن القول بأنّ هذه القصة وبهذه الكيفية كانت مما يعتقد بصحته


1- للتاكّد الأكثر مِنْ هذا الأمر (راجع كتاب المستشرقون) .
2 ـ الكامل في التاريخ: 2 / 121، جامع البيان في تفسير القرآن: 22 / 10 .
3- الكامل في التاريخ: 2 / 121، جامع البيان في تفسير القرآن: 22 / 10 .
4- مفاتيح الغيب: 25 / 212، روح المعانى: 22 / 23 و 24 .


(239)

ابن الأثير، والطبرىّ في حين أن هناك العشرات ممن نقلوا خلافها وبرّأوا ساحة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من هذه المساوئ .

وعلى أية حال فإننا نشير في الصفحات التالية إلى دلائل اختلاقِ هذا القسم من التاريخ، ونعتقد أن القضية في واقعها وحقيقتها واضحة جداً، واغنى من ان ندافع عنها .

واليك أدِلّتنا:

أولا ـ ان التاريخ المذكور يخالف المصدر الاسلامي الاصيل وهو (القرآن الكريم) لأنّ القرآن بشهادة الآية (37) من سورة الأحزاب تصرّح بأنّ زواج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من زينب كان لأجل إبطال سنة جاهلية باطلة وهي السنَّة القاضية بأنه لا يحق لأحد أن يتزوج مطلقة دعيّه، خاصة وأنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فعل ذلك بأمر اللّه سبحانه وليس بدافع من الرغبة الشخصية، والحب الشخصي، ولم يكذّب ذلك أحدٌ في صدر الإسلام.

فاذا كان ما قاله القرآن الكريم مخالفاً للحقيقة لسارع اليهود والنصارى والمنافقون إلى نقده وتفنيده، ولأحدثوا ضجة بسبب ذلك، في حين أنّ مثل هذا لم يُؤثَر من أعداء الإسلام الّذين كانوا يتحيّنون الفرص للايقاع برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتلويث سمعته .

ثانياً ـ أن «زينب بنت جحش» هي تلك المرأة الّتي اقترحت على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الزواج بها قبلَ أن يتزوج بها «زيد» ولكن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أصرّ على ان تتزوج غلامَه المعتق زيداً رغم رغبتها في الزواج من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلو كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يحبّ الزواج بها ـ وهو يعرفها طبعا ـ لما وجد مانعاً من ذلك عندما طلبت منه الزواج بها، فلماذا لم يتزوج بها؟ ولما رفض طلبها؟.

أجل، انه لم يتزوج بها ولم يجب مطلبها بل الحّ عليها أن تتزوج بشخص آخر رغم أنه أحسَّ برغبة شديدة لدى زينب في الزواج منه لا من غيره .


(240)

وبعد تكذيب هذا القِسم المحرّف من التاريخ الاسلامي لا يبقى مجال لتعليقات وأوهام جنود الاستعمار وطلائعه المغرضين .

إننا نبرّئ ساحة رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من أمثال هذه الترّهات والنسَب الرخيصة ونرى أن ساحته المقدسة أجلّ من أن ننقل كلمات هذا الفريق من الكتّاب المغرضين الحاقدين في حقّ نبىّ بقي مكتفياً بزوجة تكبره بثمانية عشر عاماً، إلى أن بلغ سن الخمسين .

من هنا نعرض عن ذكر أقوالهم .

ولا بأس بأن نذكر هنا ما كتبه جماعة من المحققين المصريين الذين أشرفوا على طباعة «التاريخ الكامل» لابن الأثير تعليقاً على ما أدرجه في هذا المجال:

هذه رواية باطلة زوّرها الملاحدة، واختلقها أذهان أعداء الدين الإسلامي ليطعنوا في نبي الإسلام عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وهل يُعقل: انه لا يعرف ابنة عمته الّتي كان ولي زواجها إلى مولاه زيد؟ وانما دسائس الزنادقة، ومبشّري المسيحية قد تغلغلت في نفوس العلماء من حيث لا يعلمون، فافتكروا في رواية الخبر، فاتخذوه أساساً، وأعرضوا عن كتاب اللّه وعن قول اللّه تعالى من أنّ اللّه أعلمه بأنها صارت زوجه قبل أن استشاره زيدٌ في طلاقها .

والعجيب أن ابن الأثير مع جلالة قدره ينقل هذه الرواية المزيَّفة الّتي هي طعن صريح في رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقد قلّد في روايته هذه ابن جرير قبلَهُ، وكلاهما وقع في هوّة الضلالة من حيث لا يشعر، ولو عُرضت كلُ رواية على كتاب اللّه تعالى لما أقدم أحدٌ على مثل هذا الافك العظيم!!

إن زينب هي وهبت نفسها لرسول اللّه فزوجها من مولاه، ثم تزوجها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «كي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً»، فاذن كان الزواجُ لأجل التشريع، وكان عمليّاً، لشدة نفرة أهل الجاهلية من هذا الزواج من النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، لانهم يعدّون المتبنى ولداً صريحاً أو في مرتبته .


(241)

قال الفخر الرازي: وفيه إشارة إلى أنّ التزويج من النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن لقضاء شهوة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بل لبيان الشريعة بفعله، انتهى .

ونحن نعتب عليه أيضاً إذ جعله اشارة ولم يجعله صريحاً وبما أن روح التقليد الأعمى قد اشتدّ بين المسلمين منذ زمن بعيد فالحكاية الّتي أوردها المؤلف نقلها كثير من المفسرين غير مفكرين بما فيها من طعن في الدين لإفادتها أن الشريعة الإسلامية عبارة عن إتباع أهواء أو تنفيذ شهوات تنزهت عن ذلك كله، ويرحم اللّه السيّد الآلوسي حيث قال في تفسيره: وحاصل العتاب: لِمَ قلتَ «اَمسِكْ عليك زوجَكَ»، وقد أعلمتك أنها ستكونُ من أزواجك وهو مطابق للتلاوة، لأن اللّه أعلم أنه مبدئ ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: «زوّجناكها» فلو كان الضمير محبتها وارادة طلاقها، ونحو ذلك لأظهره جلّ وعلا، وللقصّاص في هذه القصّة كلامٌ لا ينبغي أن يُجعل في حيّز القبول، انتهى .

ثم أورد الروايات المزيفة الّتي تشبه ما أورده المؤلف (أي ابن الأثير) محذراً الناس منها ومن أمثالها الّتي لا تروج إلاّ على الحمقى والمغفلين انتهى. راجع هامش الكامل في التاريخ ج 2 ص 121. طبعة القاهرة ادارة الطباعة المنيرية عام 1349 هـ .

توضيح عبارتين:

هذا واستكمالا للبحث، واتماماً للفائدة ندرج نص الآية الّتي نزلت في هذا المجال، والّتي تسبّبت جملتان منها في إثارة الشكوك لدى بعض الجاهلين بحقائق السيرة النبويّة الزكية، ونعطي بعض التوضيحات اللازمة حولهما: واليك نص الآية أولا:

(وَ إِذْ تَقُولُ لِلّذي أنْعَمَ اللّهُ عَليْه وَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللّه).


(242)

وفيما يلي الجملتان اللتان تحتاجان إلى التوضيح:

(وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللّهُ مُبْدِيهِ) .

فماذا كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يُخْفي في نَفْسِهِ وقد أظهرهُ اللّهُ وأبداه بعد كل تلك النصيحة الّتي نصحَ بها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ زيداً؟

ربما يتصوَّر أحدٌ أنّ الأمرَ الّذي كان يخفيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو رغبة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تطليق زيد زوجته زينب أي أنه وان كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينهى زيداً في الظاهر عن تطليق زينب، إلا أنه كان في سرّه يرضى بذلك بل يرغب فيه ليتسنّى له بعد ذلك أن يتزوجها هو .

ولا شك أنّ هذا الاحتمال غير صحيح مطلقاً لأن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إذا كان يبطن مثلَ هذا الأمر، فلماذا لم يبد اللّه سبحانَه نيّته هذه بآيات اُخرى، في حين أنه سبحانه وَعَد في هذه الجملة بأن يظهرَ ما كان يخفيه رسولُ اللّه في نفسه إذ قال تعالى: (واللّه مُبْدِيه)؟!

ولهذا قال المفسرون: إن المقصود مما كانَ يخفيه هو الوحىُ الالهىُ الّذي أنزلهُ اللّهُ عليه، وتوضيح ذلك هو: أنّ اللّه تعالى أوحى إليه بأن زيداً سيطلّق زوجته رغم نصيحة النبىّ، وأنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيتزوج بها من بعده لإبطال سنّة جاهلية مقيتة (وهي حرمة الزواج بمطلّقة الدعىّ) .

ومن هنا كانَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حين نصيحته لزيد ونهيه عن تطليق زينب زوجته مُلتفتاً ومنتبهاً إلى هذا الوحي الالهىّ أيضاً، ولكنه أخفى هذا الوحيَ عن زيد وغيره، ولكن اللّه تعالى أخبر النبىَّ في نفس تلك الجملة بأنه تعالى سيبدي للناس ما يخفيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في قلبه، وأن الامر لن يبقى خافياً على أحد بإخفائه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ له.

ويشهد بهذا المعنى أنّ القرآن الكريم اظهر الامر في ذيل نفس هذه الآية إذ قال:

(فلما قَضى زيدٌ مِنْها وطراً زَوَّجْنا كَها لِكي لا يكون عَلى المؤمنين حَرجٌ)


(243)

في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنَّ وطراً وكان امر اللّه مفعولا)(1) .

فمن هذا التعقيب يستفاد أن ما كان يخفيه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو الوحيُ الالهيُ، بأنه عليه أن يتزوج بزوجة دعيّه بعد طلاقها لإبطال سنة جاهليّة خاطئة .

واما الجملة الثانية الّتي هي بحاجة إلى التوضيح فهي قوله تعالى: «وَ تَخْشى النّاسَ وَ اللّه أَحقُّ أَنْ تخشاهُ». غير أن هذا القسم من الآية هي الجملة الثانية الأقلّ إيهاماً وغموضاً من الجملة السابقه بدرجات، لأن تجاهل سنّة عريقة متجذرة في بيئة منحرفة (وهي الزواج بمطلّقة الدعىّ) يقترن ـ بطبيعة الحال وحتماً ـ بحرج نفسىِّ يزول ويرتفع لدى الأنبياء بتوجههم إلى الأمر الالهي...

وإذا كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يعاني من حرج نفسيٍّ شديد من هذه القضيّة فانما هو لأجل أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يتصوّر أن جماعة العرب الذين لم يكن عهدهم بالإسلام طويلا، لم يمر على انقطاعهم عن عاداتهم وتقاليدهم الجاهلية سوى زمن قصير سيقولون: إن النبي ارتكب عملا سيئاً، والحال أن الامر ليس كما يعتقدون .

قال العلامة الطباطبائي في هذا الصدد: قوله: «لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ازواج أدعيائهم لمّا قضوا منهنَّ وطراً» تعليل للتزويج وبيان مصلحة للحكم. وقوله: «وكان أمر اللّه مفعولا» مشيرٌ إلى تحقق الوقوع وتأكيد للحكم .

ومن ذلك يظهر أن الّذي كان النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يخفيه في نفسه هو ما فرض اللّه له أن يتزوجها لا هواها، وحبه الشديد لها وهي بعدُ مزوَّجة كما ذكره جمع من المفسرين، واعتذروا بأنها حالة جبليّة لا يكاد يسلم منها البشر فإن فيه أولا: منع أن يكون بحيث يقوى عليه التربية الإلهية. وثانياً: أنه لا معنى حينئذ للعتاب على كتمانه وإخفائه في نفسه فلا مجوّز في الإسلام لذكر حلائل الناس


1- الاحزاب: 37 .


(244)

والتشبّب بهن(1) .

ولما كانت المسألة مسألة وضع قانون جديد لهذا مضى القرآن الكريم يؤكدها ويزيل عنصر الغرابة عنها فقال تعالى:

(ما كانَ على النبىِّ مِن حَرَج فيما فَرَضَ اللّهُ لَه سُنّة اللّهِ في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قبل و كانَ امرُ اللّه قَدْراً مقدوراً * الَّذين يُبَلِّغون رسالاتِ اللّه ويخشونَهُ ولا يخشونَ أحداً إلاّ اللّه وكفى باللّه حسيباً * ما كان محمَّدٌ أبا أحد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُول اللّه وخاتمَ النبيّين وَ كانَ اللّه بِكل شَيء عَليماً* يا أيها الَّذينَ آمنُوا اذْكُروا اللّه ذكراً كثيراً * وسبحوه بُكرة وأصيلا* هو الّذي يُصلّي عليكمْ وَ ملائكتُه لِيُخرجَكُمْ مِنْ الظلماتِ إلى الْنور وَ كانَ بِالمُؤمنين رحيماً* تحيتهمْ يومَ يلقونهُ سلامٌ وأعدَّ لهمْ أجراً كريماً* يا أيُّها النبىُّ إنّا أرسناك شاهداً وَ مُبشِّراً ونذيراً* وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً* وبَشِّر المؤمنينَ بأنّ لَهُمْ مِنَ اللّه فَضْلا كبيراً * وَلا تُطِع الكافرين والمنافِقينَ ودَعْ أذاهُمْ وَتوكّلْ عَلى اللّه وكَفى باللّه وكيلا)(2).

ففي هذه الآيات اشارة إلى:

1ـ أن ما قام به النبي من التزوج بزينب كان بأمر اللّه، وكان على سبيل سنّ قانون وتشريع سنة ولكن بصورة عملية، وإن ذلك القانون علم اللّه ضرورته وقدره وزمانه ومكانه .

2- أن زيداً ليس ابن محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ انما هو متبنّاه ودعيّه بل هو ابن والده حارثة واقعاً وحقيقة وليس ذلك إلاّ تقريراً وتأكيداً للحقيقة الّتي سبقت الاشارة إليها في قوله تعالى: «وما جعَل أدعياءكم أبناءكم» .

3- أن ما قام به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من التزوج بمطلّقة متبنّاه هو جزء من تشريعه الّذي يشرّعه بأمر اللّه وإذنه تعالى لتسير عليه البشرية، وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض، لا أنه أمر واقع بدافع شخصي .


1- تفسير الميزان: 16 / 343 .
2- الاحزاب: 38 ـ 48.


(245)

4- إن اللّه هو الّذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية وما يصلحها وهو الّذي فرض على النبىّ ما فرض ليحلّ للناس ازواج أدعيائهم إذا ما قضوا منهن وطراً وانتهت حاجتهم منهن واطلقوا سراحهن. قضى اللّه هذا وفق علمه بكل شيء، ومعرفته بالاصلح والاوفق من النظم والشرائع .

5- إن ما سنّه اللّه للمسلمين وما اختارهُ تعالى للامة الإسلامية في مجال العلاقات العائلية يريد بها الخير والخروج من الظلمات إلى النور، فعليهم ان يذكروه ويشكروه أبداً ودائماً، فانه سيكون لهم لو أطاعوه وسبّحوه وذكروه شأن في الملأ الاعلى فهو يصلي عليهم وملائكته، ويذكرهم هناك، بالخير، وانما يفعل كل هذا من منطلق الرحمة والعناية بهم .

6- أن وظيفة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسلمين هي (الشهادة) عليهم، فليحسنوا العمل، وهي (التبشير) لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران، و (الانذار) للغافلين المسيئين بما ينتظرهم من عذاب ونكال، و (الدعوة إلى اللّه) لا إلى دنيا أو مجد أو عزة قومية أو عصبيّة جاهلية، وذلك باذن اللّه فما هو بمبتدع، ولا بقائل من عنده شيئاً .

7ـ ان على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبشّر المؤمنين المطيعين لاوامر اللّه بأن لهم فضلا كبيراً، ولا يطيع الكافرين، والمنافقين، وألاّ يحفل بأذاهم له وللمؤمنين، وان يتوكل على اللّه وحده وهو بنصره كفيل، وهو يوحي بأن المنافقين أرجفوا بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه القضية، ارجافاً عظيماً .

وكل هذه الامور توحي بأن تغيير تلك السنة الجاهلية (عدم الزواج بمطلّقة المتبنّى) كانت عملية صعبة فاحتاجت إلى كل هذا التعقيب، وبالتالي تثبيت اللّه للنفوس فيه، كي تتلقى ذلك الأمر بالرضى والقبول والتسليم، وهذا هو الحال عند سنّ القوانين المهمّة والخطيرة .


(246)

37

غزوة الاحزاب(1)

لقد قاد رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة الخامسة مجموعة من الغزوات، كما وبعث سلسلة من السرايا لافشال المؤامرات الّتي كانت في طور الانعقاد أو التكوين أو الّتي كانت محتملة من جانب العدو.

واليك فيما يأتي بعض غزوات السنة الخامسة:

1ـ غَزوة دُومة الجندل(2)

بلغ رسولَ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من مرّبهم من المسافرين والتجار، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فخرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار أخذاً بعنصر الاستتار والسرية على عادته .

ولما دنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من دومة الجندل وعرفت به تلك الجماعة تفرقوا من فورهم فلم يجد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بها أحداً، فأقام بها أيّاماً وبثّ السرايا والدورّيات وفرّقها حتّى غابوا عنه يوماً ثم رجعوا إليه ولم يصادفوا من


1- ذكر ابن هشام في سيرته أن هذه الغزوة وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة، وحيث أن غزوة الأحزاب انتهت في الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة، وطالت محاصرة المدينة شهراً واحداً لذلك يجب أن نقول إن هذه المعركة بدأت منذ الرابع والعشرين من شهر شوال تقريباً .
2- المغازي: 1 / 402، السيرة النبوية: 3 / 213 ودومة الجندل منطقة بين دمشق والمدينة (الطبقات الكبرى: 2 / 44) .


(247)

تلك الجماعة أحداً .

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عاد إلى المدينة في العشرين من شهر ربيع الثاني، من دون ان يقاتل(1) .

* * *

2- غزوة الخندق (الأحزاب):

أجلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يهود بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة كما قلنا بسبب نقضهم للميثاق، وسيطر على قسم من أموالهم وممتلكاتهم، واضطرّت بنو النضير إلى أن تذهب إلى «خيبر» وتسكن هناك، أو تسير إلى الشام .

وقد كان إجراء النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هذا متطابقاً مع ما جاء في الميثاق المعقود بينه وبين يهود يثرب .

وقد دفع هذا الإجراء بسادة بني النضير وزعمائهم إلى التآمر ضدّ الإسلام، فقدموا مكة، وحرّضوا قريشاً على حرب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واليك مفصل هذه الغزوة:

عَبّأ المشركون العربُ، واليهودُ قواهم في هذه المعركة ضدّ الإسلام .

فقد شكّلوا إتحاداً نظامياً قوياً وحاصروا المدينة مدة شهر واحد، وبما أن أحزاباً مختلفة اشتركت في هذه المعركة سميت هذه المعركة بمعركة الأحزاب، وربما سمّيت بمعركة «الخندق» لأن المسلمين احتفروا حول المدينة خندقاً عظيماً، دفاعاً عنها، ومنعاً للكفار عن اجتياحها .

ولقد كان زعماء بني النضير وبني وائل ـ كما أسلفنا ـ هم المحرّكون الأصليّون لهذه الحرب، والمشعلون الرئيسيون لفتيلها .


1- امتاع الاسماع: 1 / 193 و 194 .


(248)

فانّ الضربة القوية الّتي تلقاها يهود بني النضير من المسلمين، والّتي اضطرّوا على أثرها إلى مغادرة المدينة، فسكن بعضهم خيبر، دفعهم إلى ان يخطّطوا بصورة جهنمية ودقيقة لاستئصال شأفة الإسلام والقضاء عليه. وانها لخُطّة عجيبة حقاً، فقد جعلوا المسلمين يواجهون طوائف متعددة وأحزاب مختلفة لم يعرف لها تاريخ العرب مثيلا!!

كما أن في هذه الخطة كان اليهود هم أنفسهم المموّلون الاساسيون لطوائف العرب العديدة، فقد أمدّوهم بأموال كبيرة، وهيّأوا كل ما يحتاجون إليه من حاجات ومعدات!!

وكانت الخطة كالتالي: قدم جماعة من سادة بني النضير مثل «سلام بن أبي الحقيق» و «حيي بن أخطب» في نفر من بني النضير على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا: إنا سنكونُ معكم عليه حتّى نستأصله، فلقد جئنا لخالفكم على عداوة محمَّد وقتاله .

وقال حيي بن أخطب: إن محمَّداً قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا، وأجلى بني عمّنا بني قينقاع فسيروا في الأرض، واجمعوا حلفاءكم وغيرهم حتّى نسير اليهم، فقد بقي من قومي بيثرب سبعمائة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمّد عهد وميثاق وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمّد ويكونون معَنا عليهم، فتأتونه انتم من فوق وهم من أسفل .

فأثّرت كلماتُ اليهود وماقاله «حيىُ بن اخطب» في نفوس المشركين الحانقين على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، واصحابه، واستحسنوا خطتهم، وابدوا استعدادهم للخروج إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقتاله. ولكنهم قبل أن يوافقوا اليهود على ذلك الرأي سألوهم قائلين: يا معشر اليهود انكم أهلُ الكتاب الأوّل، والعلم، أخبرونا عما اصبحنا نحن فيه ومحمّد، افديننا خير ام دين محمَّد؟

ويجب أن نرى الآن بما أجابت هذه الطائفة (الّتي كانت ولا تزال تعد نفسها حامل لواء التوحيد، الوحيد في العالم) اُولئك المشركين الجهلة الذين


(249)

وصفوا اليهود بالعلم والمعرفة، وطلبوا منهم حل مشكلتهم؟! «أجل لقد قال اليهود بوقاحة كبيرة: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحق، إنكم لتعظّمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البُدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فانتم اُولى بالحق منه!!!(1) .

ولقد أضافت اليهود بهذه الاجابة الوقحة وصمة عار اُخرى إلى سجلّهم الاسود، وزادوا تاريخهم المشؤوم سواداً، وسوءً.

ولقد كانت هذه الغلطة فضيعة، وقبيحة إلى درجة أنّ الكتّاب اليهود تأسّفوا لوقوعها، في ما بعد .

فهذا هو الدكتور اسرائيل يكتب في كتابه: (تاريخ اليهود في بلاد العرب) حول هذا الموقف المشين جداً قائلا: «كان من واجب هؤلاء ألا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، والايصرّحوا امام زعماء قريش بأن عبادة الاصنام أفضل من التوحيد الاسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم اجابة مطالبهم كان من واجبهم أن يضّحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل ان يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الاصنام انما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة»(2).

وفي الحقيقة أن هذا المنطق هو الّذي يتوسَّل به الساسة الماديون اليوم لإنجاح مقاصدهم، وتحقيق مآربهم. فهم يعتقدون ـ بكل جدّ ـ أن عليهم ـ لتحقيق أهدافهم ـ التوسل بكل وسيلة ممكنة مشروعة كانت أو غير مشروعة، وهذا هو مقولة «الغاية تبرر الوسيلة» الّتي طرحها ميكافيلي، وبالتالي فان «الاخلاق» في منظور هذه الجماعة هو ما يخدم مصالحهم ويحقق أغراضهم ليس إلاّ .

إن القرآن الكريم يتحدث عن هذه الواقعة المرة فيقول:

(ألم تَر إلى الَّذينَ اُوْتوا نَصِيباً مِنَ الكِتاب يؤمنون بالجبْتِ وَالطّاغُوت وَ)


1- بحارالأنوار: 20 / 217.
2- حياة محمّد: ص 329.


(250)

يَقُولونَ للَّذينَ كَفرُوا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سَبيلا * أولئك الَّذينَ لَعنَهُمُ اللّه، وَ مَنْ يَلْعَنِ اللّه فلنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)(1) .

ولقد ترك كلام أدعياء العلم والدين هؤلاء، أثراً عجيباً في نفوس المشركين وعبدة الاوثان، فأظهروا موافقتهم على خطّة اليهود الجهنمية وهو تأليف جيش من قبائل متعددة لمقاتلة المسلمين وحدّدوا معهم موعداً للتوجه إلى المدينة، لتحقيق ذلك الغرض المشؤوم .

فخرج مثيرو الفتنة ومشعلو الحرب (اليهود) من مكة بقلوب مملوءة سروراً، وغبطة، وساروا إلى نجد، ليتصلوا بقبيلة غطفان ـ وكانت من اعدى اعداء الإسلام ـ فاستجلبوا موافقة قبائل غطفان: بني فزار، وبني مرّة، وبني اشجع، شريطة أن يعطونهم تمر خيبر، لمدة سنة، بعد الانتصار على المسلمين، ولكن تحركات قريش في مجال ضمّ القبائل إلى ذلك الجيش لم تنته إلى هذا الحد فقد راسلت قريشٌ حُلفاءها من بني سليم وراسلت غطفان حلفاءها من بني اسد، ودعوهم إلى المشاركة في هذه الحرب، فاستجابت لهم تلك القبائل، وتحركت جميع هذه الفئات والاحزاب في جيش كبير هائل قدمت عناصره من مختلف نقاط الجزيرة، نحو المدينة في يوم معين وهي تبغي اجتياح مركز الإسلام واستئصال شأفته!!(2) .

استخبارات المسلمين ترفع تقريراً للقيادة:

منذ أن سكن رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة كان يبعث بجواسيسه وعيونه النشطين الاذكياء إلى مختلف مناطق الجزيرة، لتقصّي الأخبار ومراقبة الأوضاع، وإخبار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكلّ ما يحصلون عليه في هذا المجال أولا بأول .

فقدم أحدهم على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخبره بخروج تلك القوة


1- النساء: 51 و 52 .
2- المغازي: 2 / 443 .


(251)

الكبيرة ومسيرها إلى المدينة، وبهدفها، وتاريخ خروجها، ووصولها إلى مشارف يثرب .

فدعا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أصحابه فوراً وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في الامر، ليستفيدوا من تجارب «اُحُد»، فاقترح جماعة منهم اسلوب التحصن، والقيام بالدّفاع من داخل القلاع والحصون، ولكن هذا العمل لم يكن كافياً لأن جيش العدوّ كان كثيفاً وكبيراً جداً وكان من المحتمل بقوَّة أن تقوم عناصره الكثيرة، الكبيرة في عددها بهدم الحصون والقلاع، والقضاء على المسلمين، فلابد اذن من اتخاذ وسيلة تمنع العدوّ من الاقتراب إلى المدينة أصلا .

فقال سلمان الفارسي الّذي كان عارفاً بفنون القتال عند الفرس معرفة كاملة: يا رسول اللّه إنّا إذا كُنّا بأرض فارس، وتخوّفْنا الخيل، خَنْدَقْنا حولنا، فهَلْ لك يا رسول اللّه أَنْ تخندقَ؟(1)

وفي رواية اُخرى أنه قال: يا رسول اللّه نَحفر خندقا يكون بيننا وبينهم حجاباً، فلا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه، فانا كنّا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة(2)، (أي محدودة) .

فاعجب رأي سلمان المسلمين جميعاً، وكان لهذا التكتيك أثرٌ جوهري وبارز جداً في حفظ الإسلام وصيانة المسلمين .

ومن الجدير بالذكر أن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خرج بنفسه يدرس المنطقة ميدانياً ولكي يحدّد المنطقة الّتي يمكن ان ينفذ من خلالها العدو فقرر ان يحفروا الخندق من ناحية «اُحد» إلى «راتج» وكان سائر المدينة مشبك بالبنيان والنخيل لا يتمكن العدو منها، وعلّم الموضع الّذي يجب ان يحفر بخط خطّه على


1- المغازي: 2 / 445، تاريخ الطبري: 2 / 234.
2- بحارالأنوار: 20 / 218 .


(252)

الأَرض .

ولكي يتم هذا الامر بنظام وسرعة جعل على كلّ عشرين خطوة، وثلاثين خطوة جماعة من المهاجرين والانصار يحفرونه، فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وعلي ـ عليه السَّلام ـ ينقل التراب من الحفرة حتّى عرق رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعيي(1) وهو يقول:

«لا عَيشَ إلاّ عيش الآخرة، اللَّهم اغفر للأنصار والمهاجرة».

وقد كشف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعمله هذا عن جانب من نهج الإسلام واسلوبه، وفي ذلك تنشيط الامة وتقوية لعزائمهم في مجال القيادة واخلاق القائد، وأفهم المجتمع الاسلامي أنّ على القائد الاسلامىّ، وعلى إمام الاُمة أن يشارك الناس في آلامهم كما يشاركهم في آمالهم ويسعى أبداً إلى التخفيف عن كاهلهم بمشاركته العملية في الأعمال، ولهذا لما نظر الناس إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يحفر نشطوا واجتهدوا في الحفر، ونقلوا التراب، ولما كان اليوم الثاني بكّروا في العمل، وكان ذلك النشاط العظيم عاملا في أن يندفع يهود بني قريظة أيضاً إلى مساعدتهم فأعاروهم المساحي والفؤوس والأوعية الكبيرة لنقل التراب(2) .

وكان المسلمون يومئذ يعانون من نقص وضيق شديدين في المواد الغذائية، ومع ذلك كان أصحاب المكنة والثراء من المسلمين يمدُّونهم بالطعام وغيره(3) .

وربما عرضت للمسلمين وهم يحفرون في الخندق صخرة عظيمة عجزوا عن كسرها وإزالتها، فأخبروا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك فأخذ معولا فكسرها وأزالها .


1- وجاء في تاريخ الخميس: 1 / 489 انه (ص) كان ينقل التراب حتّى اغبرَّ بطنه .
2- السيرة الحلبية: 1 / 311 .
3- السيرة الحلبية: 1 / 312 .


(253)

أما طول الخندق فكان بالنظر إلى عدد العاملين في حفرها ـ وقد كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف حسب المشهور، وكان كل عشرة يحفرون (40) ذراعاً ـ هو (12000) ذراعاً اي ما يقارب خمس كيلومترات ونصف الكيلومتر، وأما العرض فكان بحيث لا يقدر الفرسان الماهرون من عبوره بالقفز بأفراسهم، فيكون عرضه بطبيعة الحال ما يقارب خمسة أمتار وعمقه خمسة أمتار أيضاً .

القولة النبوية الخالدة في شأن سلمان:

عندما قسَّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المهاجرين والانصار جماعات جماعات، وأوكل إلى كل جماعة حفر موضع من الخندق، تنافس الناس يومئذ في سلمان الفارسي وأراد كلٌ أن يضمّه إلى صفّه، فقال المهاجرون: سلمان منا وقالت الأنصار: سلمان منا ونحن أحق به!!

فبلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قولهم فقال قولته الخالدة في شأن سلمان يومذاك:

«سلمانُ منّا أهل البيت»(1) .

ثم إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بقى إلى جانب الخندق ستة ليال بأيّامها حتّى فرغ المسلمون من عمل الخندق غير أن المنافقين تخاذلوا في هذه القضيّة وكانوا يتذرعون بأعذار مختلفة ليتملّصوا من العمل في الخندق، وربما كانوا يَذهبون إلى منازلهم من دون أن يستأذنوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

أما المؤمنون الصادقون فكانوا يعملون باستمرار، وإذا ما احتاجوا إلى الذهاب إلى منازلهم أحياناً، أو جدَّ لهم عذرٌ استأذنوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأذن لهم ثم عادوا إلى الخندق فوَر أن يرتفع عذرهم، وقد ذكر القرآن الكريم هذه القضية في سورة النور في الآيات 62 و 63 إذ يقول تعالى:


1- المغازي: 2 / 446، الكامل في التاريخ: 2 / 122 .


(254)

(إنَّما المؤمنون الَّذيْنَ آمَنُوا باللّه وَ رَسُوله وَ إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمر جامِع لَمْ يَذْهَبُوا حتّى يَسْتأَذِنُوهُ إنَّ الَّذيْنَ يَسْتأذنُونَكَ اُوْلئكَ الَّذين يُؤمنُونَ باللّه وَ رَسُوله فاِذا استأذَنُوكَ لِبَعْض شَأنِهِمْ فَاْذنْ لِمَنْ شِئتَ مِنْهُمْ وَ اْستَغْفِرْ لَهُمُ اللّه اِنَ اللّه غَفُورٌ رَحيم * لا تجعَلُواْ دُعاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً قد يَعْلمُ اللّه الَّذينَ يَتسلَّلُون مِنْكُمْ لِواذاً فَليَحْذَر الَّذيْنَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْره أنْ تُصيبَْهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيْبَهُمْ عَذابٌ أليمٌ) .

مقاتلوا العرب واليهود يحاصرون المدينة:

وتتابعت أرتال الجيش العربىّ على منطقة «اُحد» وعلى مقربة من الخندق الّذي كان قد تمّ انجازه قبل ستة أيام وقد كان الكفّار ومن لف لفَّهم يتوقعون أن يلتقوا جنود الإسلام عند جبل «اُحد»، ولكنهم لم يلقوا أحداً منهم هناك فتقدموا نحو المدينة حتّى وصلوا إلى الخندق، فلما نظروا إلى الخندق الّذي كان أشبه بحصن منيع يحفظ المدينة من الخطر، فوجئوا به وقالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك ان هذا من تدبير الفارسي الّذي معه.

العدد الدقيق لقوات الطرفين:

كان جيش العرب لا يتجاوز في عدده عشرة آلاف، وقد استقروا خلف الخندق وسيوفهم تلمع وهي تخطف بلمعانها الابصار!

وكان عدد المشاركين في هذا الجيش من قريش وحدها ـ على رواية المقريزي في الامتاع ـ (4 آلاف) مقاتل، معهم (300) فرس و (1500) بعير.

وقد التحق بهم بنوسليم ـ وهم من حلفاء قريش ـ في (700) رجل في مر الظهران وكان من قبيلة بني فزارة (1000) مقاتل ومن قبائل اُخرى. مثل اشجع وبني مرة كل واحد منهما (400) مقاتل، والباقي وهم ما يقارب (3500) مقاتل من بقية القبائل، وعلى هذا الاساس لم يكن المجموع ليتجاوز عشرة


(255)

آلاف، وقد استقروا جميعاً في مكان آخر .

وأمّا عدد المسلمين فكان لا يتجاوز ثلاثة آلاف، وقد نزلوا في سفح جبل سلع وهو موضع مرتفع، مشرف على الخندق وخارجه، إشرافاً كاملا بحيث يمكن معه مراقبة جميع تحركات العدوّ ونشاطاته منه .

وقد وكل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جماعة من أصحابه بحفظ الممرّات ونقاط العبور على الخندق ومراقبة تحركات العدوّ، ورصد عناصره. وبذلك كان المسلمون يملكون متراساً قوياً طبيعياً، وغير طبيعي، إذ أن سائر المدينة كان مشبكا بالبنيان، والنخيل كما أسلفنا .

لقد حاصر الكفار «المدينة» ما يقرب من شهر واحد، ومكثوا خلف الخندق متحيّرين، ولم يستطع أن يعبر منهم الخندق الاّ أفراد معدودون، فمن كان يفكر في العبور رماه المسلمون بالحجارة، فولّى هارباً!!

وللمسلمين في هذه الفترة قصص جميلة ومواقف رائعة مع عناصر الجيش العربي المعتدي ذكرتها صحائف التاريخ الاسلامي في مواضعها(1) .

خطر البرد، وتناقص الغذاء والعلف:

صادفت غزوة الخندق فصل الشتاء وكانت المدينة قد اُصيبت في تلك السنة بقلة الغيث، ولذلك كانت تعاني من نقص في الطعام .

كما أن طعام المشركين لم يكن هو الآخر يكفي لمدة طويلة، ولم يكن أحد منهم يتصور أن عليه أن يمكث خلفَ الخندق مدة شهر واحد، بل كان المشركون ـ جميعاً ـ يرون ـ بادئ الاُمر ـ أنهم سيقضون بهجوم واحد واسع، على جنود الإسلام ويجتاحون المدينة، ويستأصلون المسلمين!!

ولقد أدرك مثيرو هذه الحرب العدوانية (اليهود) هذه المشلكة بعد أيام،


1- السيرة النبوية: 2 / 225 ـ 228.


(256)

فقد عرفوا بأن مضيّ الزمان سيقلّل من مقدرة سادة الجيش العربي وقادته على مقاومة القر، وقلة العلف وتناقص الطعام، ومن هنا فكروا في الاستعانة بيهود بني قريظة داخل المدينة، ليشعلوا فتيل الحرب من داخل المدينة، وبذلك يمهِّدوا السبيل لجيش العرب لِغزو المدينة، واجتياحها من الخارج!!

حيي بن أخطب يدخل حصن بني قريظة:

كان بنو قريظة الطائفة اليهودية الوحيدة الّتي بقيت في المدينة تعايش المسلمين في سلام وأمن، وكانوا يحترمون الميثاق الّذي عقدوه مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، احتراماً كاملا .

فرأى «حُيىُّ بن أخطب» أن طريق الانتصار يتوقف على الاستعانة بمن في داخل المدينة لصالح المعتدين العرب وذلك بأن يدعو يهود بني قريظة إلى نقض العهد الّذي عاهدوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ به. ليشعل بذلك حرباً بين المسلمين ويهود بني قريظة ويشغل المسلمين بفتنة داخلية، وبذلك يمهّد لانتصار المشركين الذين يحاصرون المسلمين خلف الخندق .

وانطلاقاً من هذه الفكرة أتى «حيىُّ» إلى حصن بني قريظة ودق عليهم الباب وعرّف نفسه، فأمر رئيس بني قريظة «كعب بن الاسد» بان لا يفتحوا له الباب ولكنه أصر، وقال: ما يمنعك من فتح الباب إلا جشيشتك (أي خبزك) الّذي في التنور تخاف أن اُشاركك فيها فافتح فانَّك آمِنٌ من ذلك. فأثارت تلك الكلمات الجارحة حمية كعب فأمر بأن يفتحوا له باب الحصن، ففتحوا له، فدخل مثير الحرب المشؤوم «حيىّ» وقال لكعب: يا كعب لقد جئتك بعزّ الدهر، هذه قريش في قادتها وسادتها مع حلفائهم من كنانة، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها، وهذه سليم وغيرهم، ولا يفلت محمَّد وأصحابُه من هذا الجمع أبداً وقد تعاقدوا وتعاهدوا الاّ يرجعوا حتّى يستأصلوا محمَّداً ومن معه، فانقض العهد بينك وبين محمَّد، ولا تردَّ رأيي .


(257)

فأجابه كعب قائلا: لقد جئتني ـ واللّه ـ بذلّ الدهر، وبسحاب يبرق ويرعد وليس فيه شيء، وأنا في بحر لجي لا أقدر على أن أريم داري ومالي معي، والصبيان والنساء، اني لم أرَمِن محمَّد إلاّ صدقاً ووفاء فارجع عنّي، فانه لا حاجة لي فيما جئتني به .

ولكن حيّي بن أخطب لم يزل يراوض كعباً ويخاتله ويلحّ عليه كما يفعل صاحب الجمل الجامح الّذي يستصعب عليه، حتّى اقنعه بنقض عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهيّاه لذلك، فقال: أنا أخشى أن لا يقتل محمَّد وتنصرفَ قريشٌ إلى بلادها، فماذا نفعلُ حينذاك؟ فوعده حيي أن يدخل معه حصنهُ ليصيبه ما أصابه ان لم يُقتل محمَّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقال كعب: دَعني اُشاور رؤساء اليهود فدعا رؤساء اليهود وشيوخهم، وخبرهم الخبر، وحيي حاضرٌ، وقال لهم كعبٌ: ما ترون؟ فقالوا: أنت سيدنا، والمطاع فينا، وصاحب عهدنا وعقدنا فان نقضت نقضنا معك وإن أقمت أقمنا معك، وإن خرجت خرجنا معك .

فقال «الزبير بن باطا» وكان شيخاً كبيراً مجرّباً قد ذهب بصره: قد قرأت في التوراة الّتي أنزلها اللّه في سفرنا يبعث نبيّاً في آخر الزمان، يكون مخرجُه بمكة، ومهاجرُه في هذه البحيرة... يبلغ سلطانه منقطع الخفِّ والحافر فان كان هذا (أي محمَّد) هو فلا يهولنّه هؤلاء ولا جمعهم، ولوناوى على هذه الجبال الرواسي لغلبها.

فقال أخطب من فوره: ليس هذا ذاك، ذلك النبىُ من بني إسرائيل، وهذا من العرب من ولد اسماعيل، ولايكونوا بنو اسرائيل أتباعاً لولد اسماعيل أبداً، لأنّ اللّه فضّلهم على الناس جميعاً وجعل فيهم النبوة والملك، وليس مع محمَّد آية، وإنما جمعهم جمعاً وسحرهم!!

ولم يزل يقنّع بهم، ويقلِّبهم عن رأيهم، ويلحُّ عليهم حتّى أجابوه، ورضوا بأن ينقضوا العهد الّذي بينهم وبين رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقال: أخرجوا الكتاب الّذي بينكم وبين محمَّد، فأخرجوه، فأخذه و مزقه،


(258)

وقال: قد وقع الأمر، فتجهَّزوا وتهيّأوا للقتال، وبذلك جعلهم أمام الامر الواقع الّذي ظنوا أنه لا مفرَّ منه!!(1)

النبي يعرف بنقض بني قريظة للعهد:

بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق جواسيسه الاذكياء نقضُ بني قريظة للعهد، في مثل ذلك الظرف الحساس، فغمه غماً شديداً. فأمر مِن فوره «سعد بن معاذ» و «سعد بن عبادة» ـ وكانا من خيرة رجاله الشجعان ومن قادة جيشه الممتازين، كما أنهما كانا رئيسي الأوس والخزرج ـ بأن يحصلا له على معلومات دقيقة عن هذا الحادث، وأسبابه وملابساته، وأنه إذا كان هناك خيانة ونقض للعهد فعلا أن يخبّراه وحده فقط ولا يخبرا أحداً به ويقولا: عضل والقارة لكيلا لا يفتَّ ذلك أعضادَ المسلمين ولا يضعف من معنوياتهم، وأما إذا لم تكن هناك خيانة، فيكذّبا الأمر بصراحة .

فذهب الرجلان، واقتربا إلى حِصن بني قريظة، فأشرف عليهما كعبٌ من داخل الحصن، فشتم سعداً وشتم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبذلك أظهر نقضه للعهد والميثاق فأجابه سعد ـ بالهام غيبي ـ: إنّما أنت ثعلب في جحر، لتولَّيَنَّ قريشٌ، وليحاصرنَّك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولَيُنزلنك على الصغار والذلّ وليضربنَّ عنقك .

ثم رجعا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقالا له: عضل والقارة. فكبّر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قائلا برفيع صوته: «اللّه أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بالفتح»(2) .

وهذه العبارات تكشف عن مبلغ شجاعة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- المغازي: 2 / 456، بحارالأنوار: 20 / 222 و 223 .
2- المغازي: 2 / 459 .


(259)

وعمق سياسته، فقد قالها لكي لا تضعف معنوية المسلمين، ولا يتملكهم الخوف إذا سمعوا بنقض بني قريظة للعهد، وهم في تلك الظروف الحرجة الشديدة أحوج ما يكونون إلى المعنويات العالية، والاحساس بروح النصر .

تجاوزات بني قريظة الاولية:

كانت الخطة المبدأية لبني قريظة تقضي بأن يبدأوا عملهم الخياني بالاغارة على المدينة، وإرعاب النساء و الاطفال الموجودين في البيوت و المنازل، وقد نفذت مراحل من هذه الخطة تدريجاً!!

فقد أخذ بعض صناديد بني قريظة يحومون حول بيوت المسلمين الّتي فيها اطفالهم ونساؤهم بصورة مشبوهة!!

تقول «صفية بنت عبدالمطلب» عمة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : كنت في فارع، حصن حسان بن ثابت وكان حسان بن ثابت معنا فيه، مع النساء والصبيان، فمرّبنا رجل من يهود. فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنا، ورسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمون في نحور عدوّهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، فقلت لحسان: إن هذا اليهودىّ كماترى يُطيف بالحصن، وإنّي واللّه ما آمنه أن يدل علينا مَن وراءه مِن يهود، وقد شُغل عنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأصحابه، فانزل إليه فاقتله، قال: يغفراللّه لك يا أبْنة عبدالمطلب واللّه لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، فلما قال لي ذلك احتجزت(1) (أي شددت وسطي) ثم أخذت عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتّى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فانه لم يمنعني من سلبه، إلاّ أنه رجلٌ فقال حسان: مالي بسلبه


1- وفي رواية: اعتجرت .


(260)

حاجة يا ابنة عبدالمطلب!!(1) .

ولما بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق عيونه على اليهود أنهم نقضوا ما بينه وبينهم من العهد وانهم طلبوا من قريش الف رجل ومن غطفان ألف رجل ليغيروا على المدينة عبر حصن اليهود، وكان ذلك في ما كان المسلمون منشغلين بحراسة الخندق، فعظم بهذا الخبر البلاء وصار الخوف على الذراري أشد من الخوف على أهل الخندق، بعث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مسلمة بن أسلم وزيد بن حارثة في خمسمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير تحفظاً على الجواري من بني قريظة(2) .

الإيمانُ في مواجهة الكفر:

لقد خاض المشركون حروباً عديدة ضدّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل معركة الأحزاب، ولكن العدوّ في جميع تلك المعارك والحروب كان من طائفة أو قبيلة واحدة، ولم يكن من عموم الجزيرة العربية، ومن عموم القبائل، أي الإسلام لم يواجه في تلك الحروب والوقائع عدواناً شاملا من سكان الجزيرة .

وحيث أن أعداء الإسلام رغم الجهود الكبيرة لم ينجحوا في القضاء على الحكومة الإسلامية الفتيّة، قرروا هذه المرة أن يستأصلوا الإسلام عن طريق إتحاد عسكري عريض، يضم كل قبائل الجزيرة العربية المشركة، ويرموا المسلمين بآخر سهم في جعبتهم، من هنا عمدوا إلى تعبئة أكبر قدر من المقاتلين، واستصرخوا أكبر قدر من القبائل وتحركوا في جمع لم يعرف له تاريخ العرب والجزيرة من نظير نحو المدينة لتحقيق ذلك الهدف المشؤوم. ولولا تدبير المسلمين للدفاع عن المدينة لحقق العدوّ الحاقد أهدافه .

ولهذا جلب أعداء الإسلام معهم أكبر صنديد من صناديد العرب، وأشهر


1- السيرة النبوية: 2 / 228 .
2- السيرة الحلبية: 1 / 315 .


(261)

بطل من أبطالهم ورأسوه عليهم، وهو عمرو بن عبدود العامري ليشدُّوا به أزرهم، ويحققوا بسببه ما كانوا يأملونه من الظفر .

وعلى هذا الاساس كانت معركةُ الأحزاب مواجهة كاملة بين كل الكفر وكلِّ الايمان، وخاصة عندما تبارز بطل الإسلام وبطل الكفر وتواجها في ساحة القتال .

ولقد كان الخندق الّذي احتفره المسلمون سلفاً من عوامل إخفاق المشركين، وكان العدوُّ يحاول أن يعبر هذا الخندق فتطيف فرسانهم به ليل نهار ولكن دون جدوى، لانهم كانوا يواجهون في كل مرة سهام الحرس الّذي وكلهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بحراسة الخندق، ورصد محاولات العدو لاجتيازه وافشالها فوراً، وأيضاً بفضل تدابير النبي القائد نفسه .

كان الشتاء وبرده القارص في تلك السنة وتناقص الطعام، والعلف يهدد جيش المشركين، وأنعامهم، وخيولهم فاستقرض حيي بن أخطب من بني قريظة عشرين بعيراً محملة شعيراً وتمراً وتبناً تقوية لقريش، ولكن دورية من المسلمين صادفتها في أثناء الطريق فصادرتها وأتوا بها إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فتوسع بها أهل الخندق(1) .

وذات يوم من أيام الانتظار وراء الخندق كتب أبوسفيان إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كتاباً يقول فيه: إني احلف باللات والعزى لقد سرت اليك في جمعنا وإنّا نريد ألاّ نعود إليك أبداً حتّى نستأصلكم فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق، فليت شعري من علمك هذا؟ فان نرجع عنكم فلكم مِنّا يومٌ كيوم اُحد تُبقَر فيه النساء(2) .

فكتب إليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «مَن محمَّد رسول اللّه إلى أبي سفيان بن حرب... أمّا بعد فقديماً غرّك باللّه الغرور، أما ما ذكرت أنك سرت


1- السيرة الحلبية: 2 / 323 .
2- المغازي: 2 / 492 .


(262)

إلينا في جمعكم، وانك لا تريد أن تعود حتّى تستأصلَنا فذلك أمرُ اللّه يحولُ بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة وليأتينَّ عليك يومٌ تدافعني بالراح، ولياتينّ عليك يوم أكسرُ فيه اللات والعزى واساف، ونائلة، وهبل حتّى اُذكّرك ذلك»(1) .

ولقد وقعت إجابة الرسول الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الّتي كانت تنبئ عن قوة إرادته وشدة عزيمته، وتصميمه القاطع موقع السهم في قلب زعيم المشركين، وحيث أن قريش كانت تعتقد بصدق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فانّها اُصيبت بهذا الرد الحاسم في عزيمتها ونفسيتها، ولكنها مع ذلك لم تكفَّ عن مواصلة عدوانها .

وذات ليلة عزم «خالد بن الوليد» على أن يعبر بجماعته الخندق ولكنه اضطرّ إلى التراجع عندما واجه مقاومة شجاعة من مائتين من المسلمين بامرة «اسيد بن حضير» وقد كلّفهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالقيام على شفير الخندق، ودفع المشركين ومنعهم من العبور!!

ثم ان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن ليغفل عن تقوية عزائم المقاتلين المسلمين ورفع معنوياتهم، ولهذا كان يهيّئهم بخطبه الحماسية، وكلماته المشجعة، الحاثة على الجهاد والاستقامة والدفاع عن حياض العقيدة والايمان، والذود عن صرح الحرية، والعدل.

فقد وقف ذات يوم خطيباً في اجتماع كبير من المسلمين وقال ـ بعد أن حَمِد اللّه وأثنى عليه ـ .

«أيّها النّاسُ إذا لَقْيتُمُ الْعدُوَّ فاْصبِرُوا وَاْعَلمُوا أَنَّ الجَنَّة تَحْتَ ظِلالَ السيوف»(2) .

أبطالٌ من العرب يَعبُرونَ الخندق:

لبس خمسةٌ من شجعان المشركين هم: «عمرو بن عبدود العامري»، «عكرمة


1- امتاع الاسماع: 1 / 239 و 240 .
2- السيرة الحلبية: 2 / 323 .


(263)

ابن أبي جهل»، «هبيرة بن وهب»، «نوفل بن عبداللّه»، و «ضرار بن الخطاب» لامة الحرب، ووقفوا أمام بني كنانة في غرور عجيب، وقالوا: تهيّأوا يا بني كنانة للحرب، فستعلمون مَن الفرسان اليوم؟

ثم ضربوا خيولهم فعبرت بهم الخندق من مكان ضيق قد أغفله المسلمون، ولكنهم بادروا إلى محاصرة تلك الثغرة ومنع غيرهم من العبور .

وكان الموضع الّذي وقف فيه اُولئك الشجعان الخمسة الّذي عبروا الخندق للمبارزة يقع بين الخندق وجبل سلع حيث تمركز جنود الاسلام(1) .

ثم أخذوا يدعون المسلمين إلى البراز، في كبرياء وغرور كبيرين، وهم يقطعون ذلك الموضع جيئة وذهاباً بخيولهم!!

بيد أنّ أشجع اُولئك الخمسة وأجرأهم وأعرفهم بفنون القتال وهو: «عمرو بن عبدود العامري» تقدم، وأخذ يرتجز داعياً المسلمين إلى النزال والبراز قائلا:

ولَقَدْ بُحِحْتُ من النداء * بجمعكم هَلْ مِنْ مُبارزْ

وَوَقفْتُ إذ جَبنَ المُشَجَّعُ * مَوقفَ البَطَل المناجِزْ

إنّي كذلك لم أزلْ * متسرّعاً نحو الهزاهز

إن السماحة والشجا * عة في الفتى خيْرُ الغرائز

فأحدثت نداءات عمرو الرهيبة حالة من الرعب، والوجل الشديدين في معسكر المسلمين، وسكت الجميع، ولم ينبسوا ببنت شفة رهبة وخوفاً منه .

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«أيكمْ يبرز إلى عمرو أضمنُ له الجنة»؟

وقد قالها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ثلاث مرات، وفي كلّ مرة يقوم علىّ ـ عليه السَّلام ـ ويقول: انا له يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، والقوم ناكسوا رؤوسهم(2) أو كأنَّ المسلمين يومئذ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو و شجاعته، كما يقول الواقدي(3).


1- تاريخ الطبري: 2 / 239، الطبقات الكبرى: 2 / 28 .
2- تاريخ الخميس: 1 / 486 .
3- المغازي: 2 / 470 .


(264)

ولابدّ أن تحلَّ هذه المشلكة بيد علي ـ عليه السَّلام ـ فارس ميادين الحرب المقدام، وكان كذلك، فلما أبدى علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ استعداده الكامل لمقاتلة عمرو أعطاه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيفه وعممه بيده، ووجّهه صوب عمرو وقد دعا له قائلا: اللّهم أعِنهُ عَليه. وقال أيضاً:

«اللَّهم إنَّكَ أخذتَ مِنِّي عُبيدة بنَ الحارث يَومَ بَدر، وَ حَمزة بن عبدالمطلب يومَ اُحُد، وهذا أخي عليُ بن أبي طالب ربِّ لا تَذَرني فرداً وأنت خيرُ الوارثين»(1) .

فبرز علىُّ ـ عليه السَّلام ـ إلى عمرو يهرول في مشيته، مبادراً إليه دون ابطاء وهنا قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كلمته الخالدة في تلك المواجهة:

«بَرزَ الإيمان كلُه إلى الشرك كلِّه»(2) وارتجز ـ عليه السَّلام ـ قائلا:

لا تعجلنَّ فقد أتاك * مجيبُ صوتكَ غير عاجزْ

ذُونيّة وَبصيرة * والصدقُ مُنجي كل فائز

إني لأرجو أن اُقيمَ * عليكَ نائحة الجنائزْ

مِنْ ضَرْبَة نَجلاء يَبقى * ذكرُها عِندَ الهَزاهِزْ

وقد كان علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ مسربلا بالحديد لا يرى منه إلاّ عيناه من تحت المغفر، فأراد عمرو أن يعرف مَن برز إليه فقال: من انت؟

قال: أنا علىُّ بن أبي طالب .

فقال عمرو: إنّي أكره أن اُريق دمك، واللّه إن أباك كان لي صديقاً ونديماً، ما أمِنَ ابن عمك حين بعثك إلىَّ أن اختِطفَكَ برمحي هذا فأتركك شائلا بين السماء والأَرض لاحىُّ ولا ميت .

فقال علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ : لكنني ما أكرهُ واللّه أن أهريق دمَك، وقدعلم ابنُ


1- كنز الفوائد: ص 137 .
2- تاريخ الخميس: 1 / 486 و 478، بحارالأنوار: 20 / 215 .


(265)

عمي أنّك إن قتلتني دخلتُ الجنة، وأنت في النّار، وإن قتلتك فانتَ في النّار وأنا في الجنة .

فضحك عمرو وقال مستهزئاً: كلتاهما لك يا علىّ، تلك إذاً قسمةٌ ضِيزى. (أىْ ناقصةٌ جائرة) .

يقول ابن أبي الحديد: كان شيخنا أبو الخير يقول إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع: واللّه ما أمر عمرو بن عبدودّ علياً ( ـ عليه السَّلام ـ ) بالرجوع إبقاءً عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر واُحُد، وعلم أنه إن ناهضهُ قتله، فاستحيا أن يُظهرَ الفشل فأظهر الإبقاء، وإنه لكاذب فيه(1) .

ثم إن علياً ـ عليه السَّلام ـ ذكّر عمراً بعهد قطعه على نفسه فقال له:

يا عمرو إنّك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحدٌ إلى واحدة من ثلاث خصال إلا أجبتُه إلى واحدة منها وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة .

قال عمرو: أجل، فهاتها يا علىّ.

قال: تشهد أن لا اله الاّ اللّه، وانَّ محمَّداً رسول اللّه، وتسلّم لرب العالمين .

فقال عمرو: نحِّ عني هذا .

قال علي ـ عليه السَّلام ـ : فالثانية أن ترجع إلى بلادك، فان يك محمَّدٌ صادقاً فأنتم أعلى به عيناً وان يك غير ذلك كفتكم ذؤبان العرب أمره .

فقال عمرو في غرور عجيب: اذاً تتحدّث نساء قريش بذلك، وينشد الشعراء فىَّ أشعارها اني جبنت، ورجعت على عقبي في الحرب، وخذلتُ قوماً رأسوني عليهم .

فقال له علي ـ عليه السَّلام ـ : فالثالثة أن تنزل الىّ فانك راكبٌ وأنا راجلٌ، حتّى اُنابذَك .


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 19 / 20 .


(266)

فقال عمرو: هذه خصلة ما ظننت أن أحداً من العرب يسومني عليها، ثم وثب عن فرسه، ولكي يرعب عليّاً ـ عليه السَّلام ـ عرقب قوائم فرسه على عادة العرب في الجاهلية(1) .

تصاول البطلين:

وهنا بدأ تصاولٌ شديدٌ بين البطلين، وارتفعت بينهما عجاجة حجبت الرؤية، وانما كان الناس يسمعون فقط صوت إصطكاك السيوف والدروع الحديدية وغيرها، وبعد فترة من التصاول بين ذينك البطلين العملاقين ضرب «عمرو» «أميرالمؤمنين علياً» ـ عليه السَّلام ـ بالسيف على رأسه، فاتقاه علي ـ عليه السَّلام ـ بالدرقة فقطعها، وشجّت الضربة رأسه ففاجأه علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ بضربة قوية على ساقيه فقطعهما، جميعاً، ثم انكشفت العجاجة فنظر المسلمون فاذا علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ على صدر عدوّ اللّه يريد أن يذبحه. وارتفع صوت علي بالتكبير من بين العجاجة يعلن عن انتصاره، ومقتل عمرو .

فألقى هلاك فارس العرب الاكبر «عمرو بن عبدود» رعباً عجيباً في نفوس بقية الابطال والشجعان الذين عبروا معه الخندق، فهربوا راجعين إلى معسكرهم، إلاّ «نوفل» الّذي سقط فرسه في الخندق، وهوى هو إلى الارض بشدة، فرماه حرس الخندق بالحجارة فقال: قتلةً أجمل من هذا، ينزلُ الىّ بعضكم فأقاتله، فنزل إليه علىٌّ ـ عليه السَّلام ـ فضربه حتّى قتله في الخندق(2).

فهيمن الخوفُ والرعب على كل أرجاء المعسكر العربي المشرك، وبهت أبوسفيان أكثر من غيره.

ثم إنه كان يتصور أن المسلمين سيمثّلون بجسد «نوفل» انتقاماً لحمزة الذي


1- المغازي: 2 / 470 و 471 .
2- بحارالأنوار: 20 / 256، تاريخ الطبري: 2 / 240 .


(267)

مُثِل به في اُحد، فبعث إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من يشتري جثته بعشرة آلاف فقال النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«هو لكم، لا ناكلُ ثمن الموتى»(1) .

قيمة هذه الضربة:

لقد قتل علىُّ ـ عليه السَّلام ـ ـ حسب الظاهر ـ رجلا شجاعاً لا أكثر، بيد أنه بضربته لعمرو وبقتله أياه أحيا ـ في الحقيقة ـ كل من أرعبته نداءات عمرو المهدّدة، من المسلمين، والقى رعباً كبيراً في نفوس جيش قوامه (000/10) رجل تعاهدوا وتعاقدوا على محو الإسلام واستئصال الحكومة الإسلامية الفتية. ولو أن الانتصار كان يحالف عمراً لعرفنا حينئذ قيمة هذه التضحية الكبرى الّتي قام بها علىُّ ـ عليه السَّلام ـ .

وعندما عاد علىُّ ـ عليه السَّلام ـ ظافراً منتصراً قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ضربةُ علي يومَ الخندق أفضلُ مِن عبادة الثقلين» .

وقيل أنه قال:

«لو وُزنَ اليومَ عملُك بعمل جميع اُمة محمّد لرجح عملك على عملهم وذاك أنّه لم يبق بيت مِن المشركين إلا وقد دخله ذلٌ بقتل عمرو، ولم يبق بيتٌ من المسلمين إلاّ وقد دخله عز بقتل عمرو»(2) .

وبذلك كشف عن أهمية الضربة الّتي أوقعها علي ـ عليه السَّلام ـ بعمرو في تلك الواقعة.

لماذا التنكر لهذا الموقف؟

ويحق لنا هنا أن نستغرب تنكر بعض المؤرخين أو تجاهلهم لهذا الموقف


1- بحارالأنوار: 20 / 205 .
2- بحارالأنوار: 20 / 216، مستدرك الحاكم: 3 / 32 .


(268)

العظيم الّذي أدى إلى هزيمة المشركين، والاحزاب في معركة الخندق هزيمة نكراء، كل واحد بشكل من الاشكال وصورة من الصور:

فهذا ابن هشام رغم اسهابه في بعض الامور التاريخية ممّا لا قيمة له بعد أن يذكر مقتل «عمرو» على يد بطل الإسلام الخالد علىّ ـ عليه السَّلام ـ من دون أن يذكر ما قاله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عند مطالبة عمرو بالمُنازل والمبارز، ذكر أبياتاً قالها علىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عليه في المقام ثم يشكك في نسبتها إليه ـ عليه السَّلام ـ (1) .

وهكذا ابن الاثير رغم اهتمامه بالدقائق التاريخية ووصفه لكتابه بالكامل نجده يحاول التقليل من أهمية هذا الموقف بصورة اُخرى وهو أن عليّاً خرج ضمن مجموعة لمقاتلة عمرو وليس وحده .

ولكن المعلِّقين على الطبعة المنيرية للكامل والّتي أشرف عليها فضيلة الاستاذ عبدالوهاب النجار لم يرق لهم هذا الصنيع، وأبت عليهم ضمائرهم الحرّة أن يتركوا الرواية على حالها فقالوا في الهامش: وروى السهيلي عن ابن اسحاق أن عمراً دعا المسلمين للمبارزة وعرض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الأمر ثلاث مرات ولا يقوم إلاّ علىٌّ كرم اللّه وجهه، وفي الثالثة قال له: انه عمرو قال: وان كان عمراً، فنزل إليه وقتله وكبّر فكبّر المسلمون فرحاً بقتله(2) .

وهذا ابن تيمية يحاول التنقيص من هذه الفضيلة ولكن بالضرب على وتر آخر حيث قال ان قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في شأن علىّ ـ عليه السَّلام ـ لما قتل عمراً: «قتل علي لعمرو بن عبد ودد أفضل من عبادة الثقلين» من الاحاديث الموضوعة الّتي لم ترد في شيء من الكتب الّتي يعتمد عليها بسند ضعيف، وكيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين... ثم قال: بل ان عمرو بن عبد ود لم يعرف له ذكرٌ إلاّ في هذه الغزوة .

فهو يحاول التقليل من شأن عمرو، والايحاء بأنه لم يكن شيئاً، فلا يكون


1- السيرة النبوية: 2 / 225 .
2- الكامل في التاريخ: 2 / 124 .


(269)

لقتله أهمية .

ولكن صاحب السيرة الحلبية الّذي ينقل كل هذه العبارات عن ابن تيمية يرد عليه قائلا: ويرد قوله: «ان عمرو بن عبد ود هذا لم يعرف له ذكرٌ إلاّ في هذه الغزوة» قول الأصل: وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتّى اثبتته الجراحة فلم يشهد يوم اُحُد فلما كان يوم الخندق خرج مُعلِماً (أي جعل له علامة) ليعرف مكانه ويُرى .

ويرده أيضاً ما تقدم من أنه نذر أن لا يُمسَّ رأسه دهناً حتّى يقتل محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

واستدلاله: وكيف يكون إلى آخره، فيه نظر لان قتل هذا كان فيه نصرة للدين وخذلان الكافرين(1) .

وما قاله صاحب السيرة الحلبية عن مشاركة عمرو في معركة بدر يوافق ما جاء في الكامل لابن الاثير الجزء 2 الصفحة 124 ويوافق أيضاً ما جاء في السيرة النبوّية الجزء 2 الصفحة 225 .

مروءة علىّ ـ عليه السَّلام ـ وشهامته:

ولقد أحجم علىّ ـ عليه السَّلام ـ عن سلب «عمرو بن عبدود» درعه، وكان درعاً غالية الثمن ليس للعرب، درعٌ خيرٌ منها، وقد فعل ذلك مروءة، وترفعاً، فاعترض عليه بعضٌ، حتّى أن عمر بن الخطاب قال له: هلا استلبته درعه فانه ليس في العرب درع مثلها؟(2).

ولما عرفت اُختُ عمرو بمقتله سألت عمن قتله، فاخبروها بأن علياً ـ عليه السَّلام ـ هو الّذي قتله فقالت لم يَعْدُ موته إلاّ على يد كفؤ كريم، لارقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتلَ الابطال، وبارز الاقران، وكانت منيتُه على يد كفؤ


1- السيرة الحلبية: 2 / 320 .
2- السيرة الحلبية: 2 / 320 .


(270)

كريم من قومه ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر .

ثم انشأت تقول:

لو كانَ قاتِلُ عمرو غير قاتِلِه * لكنتُ أبكي عليه آخرَ الأَبدِ

لكنَّ قاتلَ عمرو لا يُعابُ بِه * مَن كانَ يُدعى قديماً بيضة البلد(1)

وقد ذكر علي ـ عليه السَّلام ـ صنيعه هذا في أبيات أنشأها يوم الخندق إذ قال:

أَعَلىَّ تقتحمُ الفوارسُ هكذا؟ * عَنّي وَ عنها خبّروا أصحابي

أَردَيْتُ عمراً إذ طغى بمهنَّد * صافي الحديد مجرَّب قضاب

فصددتُ حين تركتُه متجدّلا * كالجذع بين دكادك وروابي

وعففتُ عن أثوابه وَ لَوانَّني * كنتُ المقطَّر بَزّني أثوابي(2)

والآن حان أن نرى إلى أىّ مصير آل أمر معسكر المشركين بعد مقتل فارس العرب وشجاعها البارز .

جيش العرب يتفرق في موقفه:

لم يكن دافع جيش العرب ومن عاوَنهم ومالأهم من اليهود إلى محاربة الإسلام واحداً، فاليهود كانوا يخشون من اتساع رقعة الحكومة الإسلامية الفتيّة، المتزايد، واما دافع قريش فكان هو العداء القديم للاسلام والمسلمين. وأما قبائل «غطفان» و «فزارة» وغيرها من القبائل فلم يحرّكها إلاّ الطمع في محاصيل «خيبر» الّتي وعدهم بها اليهود .

فعلى هذا الاساس لم يكن محرّك «الأحزاب» المشاركة في جيش الشرك أمراً واحداً، فقد كان محرّك الطوائف الأخيرة أمراً مادياً، ولو أنّ هذا الهدف تحقّق عن طريق المسلمين لعادت هذه القبائل إلى أوطانها مسرورة راضية، وخاصّة أن البرد، وقلّة الطعام، والعلف، طوال مدّة المحاصرة قد أوجدت في


1- مستدرك الحاكم: 3 / 33 .
2- المستدرك على الصحيحين: 3 / 32 .


(271)

نفوسهم كللا ومللا، من جهة، وعرَّضت أنعامهم لخطر الهلاك والفناء من ناحية اُخرى .

من هنا كلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جماعة بأن يتصلوا بهذه القبائل (الأخيرة) ويذكروا لهم بأنَّ المسلمين مستعدّون لإعطائهم ثلث تمر المدينة إن هم تركوا قريشاً وعادوا إلى ديارهم، فأعدّوا عهداً وجاؤوا به إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليمضيه، ولكنه شاور فيه سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة قبل أن يمضيه، فقالا: يا رسول اللّه إن كان أمراً من السماء فامض له، وان كان أمراً لم تؤمر فيه فان الرأي عندنا هو السيف، فإنهم ما طمعوا بهذا منّا قطّ في الجاهلية أن يأخذوا تمرة، الا بشرىً أو قرىً، فحين أتانا اللّه تعالى بك، وأكرمنا بك، وهدانا بك نعطي الدنيّة؟ لا نعطيهم أبداً إلا السيف؟

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مبيِّناً علة إقدامه على مثل هذا الصلح: «اني رأيت العربَ رمتكم عن قوس واحدة، فقلت اُرضيهم ولا اُقاتلهم، الآن قد عرفت ما عندكم فكونوا على ما أنتم عليه، فان اللّه تعالى لن يخذل نبيّه، ولن يسلمه حتّى ينجز له ما وعده»(1).

فمحى سعد بن معاذ ما في الصحيفة باذن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: ليجهدوا علينا(2) .

وبهذا كشف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن صفحة اُخرى من سياسته الحكيمة، فقد كان إقدامه على ثني القبائل المتحالفة مع قريش في جيش الاحزاب باعطاء بعض التنازلات المادية (لا المعنوية) وتحييدها خطوة سياسية وعسكرية صحيحة، ورائعة، وكانت مشورته مع أصحابه من الانصار (خاصة) عملا حكيماً أيضاً لانه استثار بذلك هممهم، وشدّ على عزائمهم، فوعدوا


1- السيرة النبوية: 2 / 223، بحارالأنوار: 20 / 252 .
2- امتاع الاسماع: 1 / 236 وجاء فيه انه (ص) استشار سعد بن معاذ و سعد بن عبادة خفية .


(272)

بالصمود والمقاومة في ذلك الظرف العصيب وعدم تقديم اية تنازلات ولهذا انصرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ما اراد أولا، فكان مجموع هذه الخطوات عملا حكيماً جداً، يكشف عن حنكة سياسية عظيمة، ودراية عسكرية عميقة .

العوامل الّتي فرقت كلمة «الاحزاب»:

هناك عوامل عديدة تسببت في تفرق الجيش العربي الّذي زحف إلى المدينة لاجتياحها، وانقسام الاحزاب على أنفسهم، واليك أبرزها:

1- إن أول عامل من تلك العوامل هو تكلم مبعوثي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع سادة غطفان وفزارة، لأن هذه المعاهدة وإن لم توقع إلاّ أنها لم تُنقضْ، فتسبَّب ذلك في أن يختلفوا مع قريش في الرأي، أي اجتياج المدينة وبشكل من الاشكال وان لا يقدموا على أي إجراء عسكرىّ مع غيرهم إنتظاراً للتوقيع على تلك المعاهدة، ولهذا كلّما طلبت القيادة القرشية منهم الهجوم الشامل اعتذروا ببعض الاعذار تملّصاً من ذلك الطلب .

2- مصرع «عمرو بن عبدود» فارس العرب الأكبر الّذي كان الأغلبية في ذلك الجيش يعلقون عليه آمالهم في الانتصار على المسلمين. فلما قتل تملّك الجميع رعبٌ غريبٌ وانهارت آمالهم، وبخاصة عندما هرب زملاؤه الشجعان من وجه علىّ ـ عليه السَّلام ـ خوفاً، ورهبة .

3ـ مالعبه «نُعيم بن مسعود» الّذي أسلم حديثاً، من دور في إلقاء روح الشك والفرقة بين يهود بين قريظة وجيش «الاحزاب»، فقد قام بهذا الدور بشكل رائع، تماماً كما يفعله الجواسيس المنظّمون في عصرنا الحاضر، بل كان ما فعله أفضل وأكبر تأثيراً وعطاء .

فقد أتى «نُعيم» هذا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال يا رسول اللّه; قد أسلمتُ، وإن قومي لم يعلموا باسلامي، فمرني بما شئت .


(273)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «إنما أنت فينا رجلٌ واحدٌ، فخذّل عنّا ما استطعت (أي اُدخُل بنى القوم حتّى يخذّل بعضهم بعضاً). فان الحرب خدعة» .

فخرج نعيم حتّى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهليّة، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم وُدّي، وخاصّة ما بيني وبينكم .

قالوا: صدقتَ، لست عندنا بمتَّهم .

فقال: إنّ قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البَلدُ بلدُكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وان قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمَّد واصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدُهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فان رأوا نُهزَة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلُّوا بينكم وبين محمَّد، ولا طاقة لكم به، إن خلابكم فلا تقاتلوا مع القوم حتّى تأخذوا منهم رهناً من أشرافِهم يكونون بأيديكم ثقة لكم، على أن تقاتلوا معهم محمَّداً حتّى تناجزوه .

فقالوا: لقد أشرت بالرأي .

ثم خرج حتّى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودّي لكم، وفراقي لمحمَّد، وانه قد بلغني أمرٌ قد رأيت علىَّ حقاً أن أبلغكموه، نصحاً لكم فاكتموا عني. فقالوا: نفعل .

قال: إعلموا أنَّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمَّد، وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من يبقى منهم حتّى نستأصلَهم؟ فأرسلَ إليهم: أن نعم، فإن بعثت إليكم يهودُ يلتمسون منكم رهناً من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحداً .

ثم خرج حتّى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحبُ الناس الىّ، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال


(274)

فاكتموا عني، قالوا: نفعل فما أمرك، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم .

وهكذا أدّى «نعيم» وظيفته بأحسن صورة ثم دخل سراً في جيش المسلمين، واشاع بين المسلمين أنَّ بني قريظة تنوي أخذ رجال من المشركين لتسليمهم إلى النبي والمسلمين .

وقد كان يقصدُ من اشاعة هذا النبأ أن يبلغ مسامع رؤساء العرب وقادتهم .

مبعوثو قريش يمشون إلى بني قريظة:

ولما كانت ليلة السبت قرّر أبوسفيان أن يحسم الموقف بشكل من الأشكال فأرسل إلى بني قريظة جماعة من سادة قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخفُ والحافر، فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمَّداً، ونفرغ ممّا بيننا وبينه .

فأرسل بنو قريظة اليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يومٌ لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضُنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم محمَّداً حتّى تعطونا رُهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتّى نناجز محمَّداً، فاننا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتدّ عليكم القتالُ أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه .

فلما رجعت الرسلُ بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: واللّه إن الَّذي حدَّثكم نعيم بن مسعود لحق .

فارسلوا إلى بني قريظة من يقول لهم: إنا واللّه لا ندفع إليكم رجلا واحداً، فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا .

فقالت بنو قريظة ـ حين انتهت الرسُلُ إليهم بهذا ـ : إن الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا فان رأوا فرصة انتهزوها، وان كان


(275)

غير ذلك أسرعوا إلى بلادهم وخلّوا بيننا وبين محمَّد. في بلدنا(1) .

وهكذا انسحبت بنو قريظة من الأحزاب وأوقع اللّه التخاذل بينهم وتفرّقوا، وتمزق شملهم، وكان ذلك من عوامل فشل الاحزاب، وتقهقرهم ورجوعهم خائبين .

آخر العوامل لهزيمة الكفار:

لقد انضمت العوامل المذكورة إلى عامل آخر يمكن تسميته ـ في الحقيقة ـ بالامداد الغيبىّ ففرقت جماعة الاحزاب، وشتّت جماعتهم وذلك العامل هو أن اللّه بعث عليهم فجأة الريح والعاصفة، واشتد البرد، وكان اشتداد الريح كبيراً بحيث أكفأ قدورَهُم، واقتلع خيامهم ومضاربهم، وأطفأ أضواءهم، وأوجد حريقاً في الصحراء .

وهنا أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حذيفة أن يعبر الخندق، ويأتيه بخبر عن أحوال المشركين ومن مالأهم من الاحزاب .

يقول حذيفة: فذهبتُ فدخلتُ في القوم والريح وجنود اللّه تفعل ما تفعل بهم لا تقرُّ لهم قدراً، ولا ناراً ولا بناءً، فسمعت أبا سفيان يقول: وقد قام في جماعة من قريش: يا معشر قريش إنكم واللّه ما أصبَحتم بدار مقام، لقد هلك الكُراعُ والخفُّ، وأخلفَتنا بنوقريظة ولقينا من شدّة الريح ما ترون ما تطمئنُّ لنا قدر، ولا تقوم لنا نارٌ، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا إني مرتحل .

ثم قام إلى جمله ـ وهو معقول ـ فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فواللّه ما أطلق مقاله إلاّ وهو قائم من شدّة الدهش والخوف!!

ولم يسفر الصبح إلاّ وأسرعت قريشٌ وغطفانٌ عائدين إلى بلادهم يجرّون أذيال الخيبة،ولم يبق منهم أحدٌ هناك .


1- السيرة النبوية: 2 / 329 ـ 231، تاريخ الطبري: 2 / 242 و 243 .


(276)

وهكذا انتهت معركة الاحزاب في الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة(1) .

القرآن الكريم و معركة الاحزاب

ولقد أشار القرآن الكريم إلى أبرز النقاط في معركة الأحزاب (الخندق) ضمن سبع عشرة آية وها نحن ندرجها برمتها ونشير باختصار إلى ما تضمنته من حقائق:

(يا أيُّها الَّذينَ امَنُوا اذْكُروا نِعْمَةَ اللّه عَليْكُمْ إذ جاءتْكُمْ جُنُودٌ فأَرسَلْنا عَلَيْهمْ ريحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَروْها وَ كانَ اللّه بِما تَعْمَلُونَ بَصيراً * إذ جاءوكُمْ مِنْ فَوقكُمْ وَ مِنْ أسفَلَ مِنْكُمْ وَ إذ زاغَت الأَبصَرُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ باللّه الظُّنونا * هنالكَ ابْتُليَ الْمُؤمنُونَ وَ زُلزلُوا زلْزالا شديداً * وإذْ يقولُ المُنفِقُونَ وَ الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنا اللّه وَ رَسُولُه إلا غُروراً * وَ إذ قالَت طائفَةُ مِنْهُمْ يا أَهل يَثرب لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجعُوا وَ يَسْتَئذنُ فَريقٌ مِنْهمْ النَّبي يقولون إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِىَ بِعَوْرَة إن يُريدُونَ إلاّ فِراراً * وَلَوْ دُخِلْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارها ثُمَّ سُئلُوا الفِتْنَةَ لأَتَوْها وَ ما تَلبَّثُوا بها إلاّ يَسيراً * وَ لَقَدْ كانُوا عَهَدوا اللّه مِن قَبْلُ لا يُولُّونَ الأَدبرَ وَ كانَ عَهْدُ اللّه مَسئُولا * قُل لَن يَنفَعَكُمُ الْفِرارُ إن فَررْتُم مِن الْمَوت أو القَتْلِ وَ إذاً لا تُمتَّعُونَ إلاّ قَليلا * قُلْ مَن الَّذي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّه إنْ أرادَ بِكُمْ سُوءاً أو أراد بِكُمْ رَحْمة وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُون اللّه وَليّاً وَ لا نَصيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللّه الْمُعَوّقينَ مِنْكُمْ وَ القائلينَ لإخَونِهِمْ هَلُمَّ إلينا وَ لا يأتون البأسَ إلاّ قَليلا * أَشِحَّة عَلَيْكُم فَإذا جاء الْخَوفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُروُنَ إليكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذي يُغْشَى عَليْهِ مِنَ الْمَوْت فَاِذا ذَهَبَ الْخَوفُ سَلَقُوكُمْ بِألسِنَة حِداد أَشِحَّة عَلى الْخَيْر أُولئك لَمْ يُؤمِنوا فَأَحبَطَ اللّه أَعْمَلَهُمْ وَ كانَ ذلِكَ عَلى اللّه يَسيراً * يحْسَبُونَ)


1- تاريخ الطبري: 2 / 244. امتاع الاسماع: 1 / 239 .


(277)

الاَْحزابَ لَمْ يَذهَبُوا وَ إن يَأتِ الاَْحزابُ يَوَدُّوا لو أَنَّهُمْ بَادُونَ في الأعْراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنبائكُمْ ولَوْ كانُوا فيكُمْ مّا قَتَلوا إلاّ قَليلا * لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّه أُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرجُوا اللّه والْيَوْمَ الآخِرَ وَ ذَكَرَ اللّه كَثِيراً * وَ لَمَّا رَءا الْمُؤمنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هَذا ما وَعَدَنا اللّه وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ مازادهُمْ إلاّ إيمَاناً وَ تَسْليماً * مِنْ الْمُؤمِنينَ رجالٌ صَدَقُوا مَا عَهَدُوا اللّه عَليْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَ ما بَدَّلپوا تَبديلا * لِيَجْزىَ اللّه الصَّادقينَ بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنافِقينَ إن شاء أَو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إن اللّه كانَ غَفُوراً رَحيماً وَردَّ اللّه الَّذينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفى اللّهُ الْمُؤمنينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللّه قَويّاً عَزيزاً) .(1)

ويمكن تقسيم هذه الآيات إلى ثلاثة أقسام:

القسم الاول وهي الآيات الّتي ترسم الوضع العام للمسلمين عندما أتتهم عساكر الاحزاب.

القسم الثاني وهي الآيات الّتي تتعرض لذكر موقف المنافقين وضعاف الايمان .

القسم الثالث وهي الآيات الّتي تتعرض لذكر موقف المؤمنين الصادقين .

واليك بياناً لمفاد هذه الآيات على وجه الاختصار .

1- تبدأ هذه المجموعة من الآيات بتذكير المؤمنين ـ في الآية الاولى ـ بنعمة اللّه عليهم أن ردّ عنهم الجيش الّذي قصد استئصالهم لولا عناية اللّه ومدده العظيم، وفي هذا إشعار قوي بأن اللّه هو الّذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه من عدوان الكافرين والمتآمرين .

2- ثم تشرح الآية الثانية الحالة العسكرية الخطيرة الّتي كان يواجهها المسلمون، فهم محصارون من قبل الاعداء والمتواطئين معهم من كل جهة محاصرة


1- الأحزاب: 9 ـ 25 .


(278)

ألقت الرعب في قلوب الكثيرين من أهل المدينة فزاغت الابصار هولا، وبلغ القلوب الحناجر خوفاً، وظنّ البعض أن ما أعطاهم اللّه ورسوله من الوعد بالتأييد والنصرة لم يكن صحيحاً .

3- ثم تحدثت الآية الثالثة عن الابتلاء والاختبار الّذي أفرزه هذا الوضع الخطير، فقد ابتلي المسلمون في هذه الواقعة، وتملكهم خوفٌ شديدٌ .

4ـ ولكن المنافقين، والذين في قلوبهم مرض كانوا أشد هولا وخوفاً حتّى أن ذلك الكرب والهول أخرج خبيئة نفوسهم، فشككوا في وعود اللّه الصادقة، وقالوا: ما وعدنا اللّه إلاّ غروراً، فهو خدعنا إذ وعدنا بالغلبة على أعدائنا .

5- ولم يكتف المنافقون باشاعة هذه التشكيكات بين المسلمين بل دعوا أهل المدينة إلى الانسحاب من الميدان إلى داخل المدينة، وبالتالي حرّضوهم على ترك الصفوف. واحتجوا لذلك بالخوف على النساء والصبيان من كيد الاعداء قائلين: «بيوتنا عورة» وهم لا يريدون إلاّ الفرار جبناً وخوفاً .

6- ثم تكشف الآية السادسة والسابعة عن حقيقة ما في نفوس اُولئك المنافقين، فهم لا يريدون الانسحاب إلى داخل المدينة للمحافظة على الذراري والصبيان، انما هو نقض العهد، وخلف الوعد وفقدان الايمان القلبي فهم إذا دخل عليهم العدوّ المدينة وطلبوا منهم الرجوع عن الإسلام لرجعوا إلى الكفر دون تأخير. ولكن اللّه سيسألهم عن العهد الّذي أعطوه من قبل بأن يثبتوا امام العدو، «كان عهد اللّه مسؤولا» .

7- ثم إن اللّه تعالى يوبخهم ـ في الآيات اللاحقة ـ على موقفهم المتخاذل هذا، ويقول لهم: بأن الفرار والانسحاب لن ينجيهم من الموت ان كان مقدّراً عليهم، وحتّى لو عاشوا أياماً فلن يعيشوها في خير وأمان .

كما ويقول لهم: بأن اللّه لا يخفى عليه ما يقومون به من تخذيل وعرقلة لمسيرة الإسلام الصاعدة، ولا تخفى عليه سبحانه مواقفهم في أوقات المحنة، من كف الايدي عن مساعدة المؤمنين، أو سلقهم بألسنتهم وتحميلهم عوامل المحنة والشدة.


(279)

حتّى بعد الانتصار .

وهنا يبدو و يبرز دور المنافقين، وتظهر حالاتهم العجيبة في الحرب والسلم.

فهم يخافون خوفاً شديداً، وهم يظنون باللّه ظن السوء وهم يشيعون الخوف وروح الهزيمة في الناس وهم ينسحبون ويدعون إلى الانسحاب من الصفوف وهم مستعدون في كل وقت للارتداد والرجوع عن الإسلام إلى الكفر، وهم بالتالي اشحة بخلاء، في نفوسهم كزازة على المسلمين كزازة بالجهد وكزازة بالمال وكزازة بالعواطف والمشاعر على السواء .

8- إنهم لكونهم لم تخالط قلوبهم بشاشة الايمان ولم يهتدوا بنوره يفقدون الشجاعة والقوة حتّى بعد ذهاب عوامل الخوف والهول .

فهم ما يزالون يرتعشون، ويتخاذلون، ويأبون أن يصدقوا أن الاحزاب قد ذهبت وولّت مهزومة. ويودون لو أن الاحزاب دخلت المدينة أن لا يكونوا فيها مبالغة في النجاة من الأهوال!!

9- ولكن في مقابلة هذا الفريق المتخاذل الجبان يرسم القرآن الكريم في الآيات 21 إلى 25 صورة المؤمنين الصادقين وفي مقدمتهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ القدوة الحسنة لجميع المسلمين في جميع الحالات والظروف .

فان هذه الجماعة المؤمنة الصادقة لما رأت الاحزاب قالت: هذا ما وعدنا اللّه ورسوله، هذا الهول لابد أن يجيء فيه النصر فهو وعد اللّه الصادق المحقق .

فصمدوا وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، فجزاهم اللّه بصدقهم إذ ردّ الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيراً وكفى اللّه المؤمنين القتال، وكان اللّه قوياً عزيزاً خلافاً لماظنه المنافقون، وتوهموه .

وقد كانت هذه الواقعة في منظور القرآن الكريم امتحاناً عظيماً، واختباراً دقيقاً للنفوس والقلوب وهو امتحان لابد منه حتّى يتميز الصادق عن المنافق، والموفون بعهدهم والناقضون له .

كما أن هذه الواقعة و ما جاء حولها من الآيات كشفت عن أن وعود اللّه


(280)

صادقة ومحققة إذا توفرت شرائطها، ومقدماتها، ومنها استخدام الوسائل الطبيعية المناسبة، والاتكال على اللّه واستمداد العون منه .

وفي هذه الآيات إشارة إلى دور ما يسمى الآن بالطابور الخامس وإلى خطورة الشائعات السيئة في المجتمع، وبخاصة في ظروف الحرب .

كما أن فيها اشارة إلى كيفية مواجهة هذه الشائعات والتعامل مع فعاليات هذا الفريق الخطر .

ولقد لاحظنا خلال ما مضى من السيرة كيف أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يبطل بتكتيكاته العسكرية مفعول تلك النشاطات التخريبية والمضرة .

فقد كان يعتمد اسلوب الدعاء، والذكر، والتشجيع، والتكبير، وارسال الدوريات العسكرية والعمل المباشر والمشاركة الفعلية في عمليات الدفاع والحراسة وما شاكل ذلك مما ذكرناه ومما لم تسع هذه الدراسة لذكره .


(281)

حوادث السنة الخامسة من الهجرة

38

سقوط آخر أَوكار الفساد والمؤامرة

أقدم رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة الاُولى من هجرته إلى المدينة، على تنظيم وعقد ميثاق تعايش بين سكان المدينة وما حولها، بغية إنهاء جميع أشكال الإختلاف، والتنازع، والصراع الداخلىّ.

وقد تعهَّد الأوسيّون والخزرجيُّون، عامة واليهود من تينك القبيلتين أن يدافعوا عن المدينة وما حولها، وقد مرّ النصُ الكامل لهذا الميثاق على القارئ الكريم فيما سبق(1) .

هذا من ناحية .

ومن ناحية اُخرى عقد رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بينه وبين يهود المدينة ميثاقاً آخر ينصُّ على أنّ مختلف الطوائف اليهودية تتعهد بأن لا تلحق أىَّ ضرر وأذى برسول اللّه واصحابه، ولا تمدَّ أعداءهم بالخيل والسلاح، وأنها لو فعلت شيئاً من ذلك يكون لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الحقُ في أن يقتلهم، ويسبي نساءهم وأبناءهم .

إلاّ أنَّ جميع الطوائف اليهودية الثلاث نقضت الميثاق المذكور بشتى العناوين والصور، وتجاهلت بنوده، ومواده!

فقد قتل «بنو قينقاع» مُسلماً، وخطّطت «بنوالنضير» لاغتيال رسول اللّه


1- راجع صفحة 21 من هذا الجزء .


(282)

ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأجبرهم على الجلاء من المدينة وأخرجهم من البيئة الإسلامية .

وتعاونت «بنو قريظة» مع جيش المشركين لضرب المسلمين، وطعنهم من الخلف، والأن يجب أن نرى كيف يوبخ رسولُ اللّه بني قريظة على نقضهم للميثاق .

قوات الإسلام تحاصر بني قريظة:

لم يكن الصبح قد أسفر بعد عندما غادرت آخر مجموعة من جنود «الأحزاب» أرض المدينة قافلة إلى بلادها مرعوبة فزعة للغاية .

كما أن آثار التعب والارهاق لم تكن قد فارقت بعد ملامح المسلمين، ومع ذلك فقد أمر اللّه نبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يعالج قضيّة «بني قريظة» بصورة نهائية، فَأذَّن مؤذَّن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصلّى النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالمسلمين صلاة الظهر، ثم نادى منادي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الناس:

من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلينّ العصر إلاّ ببني قريظة!

ثم إن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قدّم «علىَ بن أبي طالب» برايته(1)، وخرج معه جنودُ الإسلام الشجعان، فحاصروا حصون «بني قريظة»، فأخبرهم ديرانيهم بنشاط المسلمين، فبادروا إلى اغلاق أبواب الحصون، والتحصّن في داخلها، ونشبت الحرب بين بني قريظة والمسلمين من اللحظات الاُولى فقد أخذ اليهود يشتمون رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا فيه مقالة قبيحة فرجع علي ـ عليه السَّلام ـ بالمسلمين فالتقى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الطريق وقد كره أن يسمع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أذاهم وشتمهم وحاول أن يثني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من الاقتراب إلى حصن بني قريظة قائلا: لا عليك أن تدنو


1- زاد المعاد: 2 / 73 وامتاع الاسماع: 1 / 243 .


(283)

من هؤلاء الاخابث .

فلما عرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سبب ذلك قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً فلما دنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من حصونهم قال لهم:

«هل أخزاكم اللّهُ وأنزل عليكم نقمته»؟

وقد كانت ردةُ فعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الشديدة غير متوقعة لليهود، ومن هنا قالوا: يا أبا القاسم ما كنتَ جهولا... وهم يريدون بذلك إطفاء مشاعرة الملتهبة ضدّهم(1) .

فأثارت كلمتهم هذه عاطفة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بحيث رجع من غير اختيار، وسقط رداؤه من كتفه .

اليهودُ يتشاورون حول الموقف:

تشاور يهود بنو قريظة وهم معتصمون بحصونهم في الموقف، وقد شارك فيه «حُيي بن أخطب» مثير معركة الأحزاب، فانه لم يذهب إلى خيبر بعد أن وضعت الحرب ـ في معركة الاحزاب ـ أوزارها وولى العرب المشركون بل دخل في حصون بني قريظة .

هذا وقد طرح زعيمُ بني قريظة ثلاثة اقتراحات وطلب من الجميع أن يتفقوا على واحدة منها لمعالجة الموقف:

1- أن يؤمنوا برسول اللّه، ويصدّقونه لأنه قد تبيّن لهم أنه نبي مرسل، وأنه الّذي يجدونه في كتابهم، وبذلك يأمنون على دمائهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم .

2- أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ثم يخرجوا إلى محمَّد واصحابه يقاتلونهم، فإذا هلكوا، هلكوا ولم يتركوا وراءهم نسلا يُخشى عليه، وإن انتصروا تزوجوا


1- السيرة النبوية: 2 / 234، تاريخ الطبري: 2 / 245 و 246 .


(284)

من جديد، ووجدوا أبناء .

3- ان الليلة هي ليلة السبت، وانه عسى أن يكون محمَّد وأصحابه قد منوهم فيها، لعلمهم بأن اليهود لا يقاتلون في السبت، فلينزلوا من الحصون لعلهم يصيبون من محمَّد وأصحابه على حين غفلة .

ولكن المشاورين رفضوا جميع هذه الطروحات وقالوا: لا نفارق حكم التوراة ابداً، ولا نستبدل به غيره، وقالوا: ان نقتل أبناءنا ونساءنا فما خير العيش بعدهم، وقالوا: لا نقاتلُ ليلة السبت، محمَّداً وأصحابه نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يُحدث من كان قبلنا إلاّ من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ(1).

إن هذا الحوار يساعدنا على فهم نفسية تلك الجماعة (نعني اليهود)، وخصالهم وأخلاقهم الفاسدة .

فإن رفض الاقتراح يكشف عن أنهم كانوا جماعة معاندة، لجوجة، لأنهم إذا كانوا حقاً يعرفون صدق نبوة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كما قال زعيمهم ـ لم يكن لوقوفهم سبب الا العناد والعتوّ، واللجاج .

واما الاقتراح الثاني وما دار حوله من كلام فيشهد ـ بجلاء ـ على أن تلك الطائفة كانت جماعة قاسية، لا تعرف للرحمة والحنان معنى، لان قتل الاطفال والنساء الابرياء لا يمكن من دون قسوة شديدة .

هذا مضافاً إلى أن المشاورين آنذاك رفضوا هذا المقترح لا بدافع الرحمة والشفقة على الأطفال والنساء، بل لأن الحياة لا تعود لذيذة بعد فقدهم هذا هو ما قالوه. ولم يقل أىُ واحد منهم: وماذا جنى الاطفال والنساء حتّى نقتلهم ونذبحهم، ولو أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ تمكن منهم ـ لم يقتلهم، فكيف نعمد نحن (الآباء الرحماء) إلى ارتكاب مثل هذ ه الجريمة بحقهم. فنسفك دماءهم


1- السيرة النبوية: 2 / 236 .


(285)

من غير جرم ولا جناية؟

وأما الاقتراح الثالث فيكشف عن أنهم لم يكونوا يعرفون جيداً مدى علم رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بفنون القتال، والدفاع وكانوا يتصورون أن القائد الأعلى للاسلام لا يراعي قواعد الحذر والاحتياط ليلة السبت ويومه، وخاصة في مواجهة أعداء خونة، أخوان غدر و مكر، أمثال اليهود الناقضين للعهود، الناكثين للمواثيق .

ان دراسة وتقييم معركة «الاحزاب» تثبت ندرة وجود الاذكياء والفطنين بين هذه الجماعة، والاّ لكانوا يتمكنون من حفظ كيانهم حتّى من الناحية السياسية في تلك الظروف من دون أن ينحازوا إلى أىّ واحد من طرفي الصراع (الإسلام والشرك) .

أي أنه كان من الممكن أن يتخذوا جانب الحياد الكامل، ويبقوا متفرجين لما يدور بين محمَّد، وجيش المشركين، وبهذا يبقوا محافظين على كيانهم ووجودهم، انتصر من انتصر وغلب من غلب .

ولكنهم خُدعوا بتسويلات «حيي بن أخطب» ووسوساته وانحازوا إلى جيش العرب المشركين فتورطوا في مثل تلك الورطة، وهي أن يتخلوا ـ في النهاية ـ عن مساعدة قريش بعد شهر كامل من التعاون معهم، والرضوخ لخطة «نعيم بن مسعود»، وإخبار قريش بأنهم لن يتعاونوا معهم ضدّ رسول الإسلام ما تسلم قريش بعض شخصياتها إليهم، لغرض الاحتفاظ بهم في حصونهم كوثيقة!!

لقد غاب عن تلك الزمرة المعاندة اللجوجة أنهم قد تعاونوا ضدّ رسول الإسلام في بداية الأَمر، فاذا قطعوا علاقاتهم مع قريش، وترك جيش المشركين ساحة المعركة إذا أحس بالعجز عن تحقيق أي انتصار، وعاد إلى بلاده، فان بني قريظة بأجمعهم سيكونون حينئذ في قبضة المسلمين .

فلو كانوا يملكون شيئاً من الرؤية السياسية الصحيحة لكان عليهم أن يعلنوا لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ فور قطع العلاقات مع قريش ـ عن ندامتهم على


(286)

نقض الميثاق الّذي عقدوة من قبل مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويعتذروا إليه ممّا بدر منهم لينجوا من الخطر ـ في صورة انتصار المسلمين على الكفار ـ ولكن الشقاء أصابهم عندما قطعوا العلاقات مع جيش قريش، ولم يلتحقوا بالمسلمين، ولم يعتذروا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

على أنه لم يكن في مقدور النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يترك بني قريظة ـ بعد هزيمة جيش العرب ـ على حالهم، ويغض النظر عن موقفهم إذ لم يكن من المستبعد، أن يفكر العرب في مناسبة اُخرى في تسيير جيش ضخم ومنظم آخر لاجتياح المدينة، ويتمكنوا مع مساعدة بني قريظة من استئصال الإسلام .

فكان يهود بني قريظة يعتبرون ـ في الحقيقة ـ العدوّ الداخلي الّذي يهدّد كيان الإسلام من الداخل، وعلى هذا كان من الواجب معالجة الامر مع بني قريظة، وحلّ هذه المسألة الخطيرة بالنسبة إلى المسلمين من الاساس .

خيانةُ أبي لبابة:

لقد طلب يهودُ بني قريظة بعد محاصرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبعث إليهم «أبالبابة» الأوسي ليتشاوروا معه في الموقف، وقد كان أبولبابة حليفاً لليهود قبل دخول الإسلام إلى المدينة، فأرسله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه وقالوا: يا ابا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمَّد؟

قال: نعم ـ وأشار بيده إلى حلقه ـ يريد أنهم سوف يقتلهم ولم يحقن دماءهم، لو سلّموا .

لقد كان أبولبابة يعلم أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لن يوافق على بقاء هذه الزمرة الشريرة الخائنة الخطرة على دين التوحيد، إلا أن أبالبابة قد خان بفعله هذا المسلمين، ومصالح الإسلام العليا، وأفشى سرّاً كان عليه أن يكتمه قبل وقوعه، ولهذا ندم على فعله ندماً شديداً، فخرج من حصن بني قريظة وهو


(287)

يرتجف ويقول: إنّي خنت اللّه ورسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وانطلق على وجهه، ولم يأت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمين وهم ينتظرون رجوعه اليهم ـ وربط نفسه في المسجد بعمود من أعمدته، وقال لا أبرح مكاني هذا حتّى يتوب اللّه علىّ ما صنعت!!

ويقول المفسرون: فنزل في خيانة أبي لبابة قول اللّه تعالى:

(يا أيُّها الَّذينَ امَنوا لا تَخُونوا اللّه والرسول وتخونُوا أماناتكم وأنتم تعلمون)(1).

فلما بلغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خبر أبي لبابة، وكان قد استبطأه قال: أما أنه لوجاءني لاستغفرت له، فأما إذ قد فعلَ ما فعلَ فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتّى يتوب اللّه عليه.

وبقي أبو لبابة مرتبطاً بالاسطوانة، وكانت ابنتُه أو زوجته تأتيه في مواعيد الصلاة، وتحلّ رباطه، فيصلّي ثم تعيد الرباط .

فلما كان السحرُ من اليوم السابع نزلت توبة أبي لبابة بواسطة ملك الوحي على رسول اللّه وهو في بيت اُم سلمة، والآية الّتي نزلت في توبته هي قوله تعالى:

(وَ آخرونَ اعترفوا بذُنُوبهم خَلطوا عَملا صالحاً وآخر سيّئاً عسى اللّه أن يتوب عليْهِمْ انَّ اللّه غَفُورٌ رحيم)(2) .

فلما نظرت اُم سلمة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو مستبشرٌ يضحك قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لها:

«لقد تيب على أبي لبابة إن شئت فبشريه» .

فقامت إليه وهو مرتبط بالجذع في المسجد وقالت له: ياأبا لبابة أبشر فقد تاب اللّه عليك .

فلما عرف الناس بذلك أرادوا أن يطلقوه فقال: لا واللّه حتّى يكون رسول اللّه


1- الأنفال: 27 .
2- التوبة: 102 .


(288)

ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو الّذي يطلقني .

فلما مر عليه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه(1) .

ولا شك إن زلّة أبي لبابة كانت بسبب عواطفه تجاه يهود بني قريظة، فقد سلبه بكاء رجالهم ونسائهم، وصبيانهم واستغاثتهم العاطفية القدرة على ضبط النفس، فكشف سرّاً من أسرار المسلمين كان عليه أن يكتمه، ولكنّ قوة الايمان باللّه والخشية من عذابه أكبر وأعلى من كل شيء إلى درجة أنها دفعت بابي لبابة إلى أن يندم على فعله ذلك الندم العجيب، ويعمد ـ لجبران تلك الخيانة ـ إلى ما فعل من الانابة، والاستغفار، الأمر الّذي تكون نتيجته أن لا تراود مثل هذه الفكرة نفسه مرة اُخرى قط .

إلى أىّ مدى ذهب الطابورُ الخامس في مشاغبته؟

خرج «شأسُ بن قيس» اليهودي من الحصن ليتحادث مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نيابة عن بني قريظة، فطلب من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ان يسمح ليهود بني قريظة بأن يحملوا معهم أموالهم ويخرجوا من المدينة كما فعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مع بني النضير، فأبى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: «لا، إلاّ أن تنزلوا على حكمي» .

فقال شأس: لك الاموالُ والسلاح وتحقن دماءنا، فابى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ورفض هذا الاقتراح أيضاً .

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه وهو: لماذا رفض رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مقترحات مندوب بني قريظة؟!

إن السبب واضح، فانه لم يكن من المستبعد أن تقدم هذه الزمرة ـ بعد


1- السيرة النبوية: 2 / 237 و 238 .


(289)

خروجها من قبضة المسلمين ـ على تحريك العرب المشركين الوثنيين ضدّ الإسلام والمسلمين على نحو ما فعلت بنو النضير، وتعرّض المجتمع الاسلامي والدولة الإسلامية الفتية لأخطار كبرى جداً، وتسبب في سفك دماء كثيرة .

ولهذا لم يوافق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على اقتراحات مندوب بني قريظة، وعاد شأس إلى الحصن، واخبر قومه بمقالة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ورفضه لمقترحاته .

فقرر بنو قريظة التسليم للمسلمين من دون أي قيد أو شرط .

أو الرضا بما يحكم به سعد بن معاذ الأوسي ـ وكان حليفاً لهم ـ في حقهم .

ولهذا عمدوا إلى فتح باب الحصن، ودخل علي ـ عليه السَّلام ـ على رأس كتيبة خاصة من المسلمين الحصن وجرّدوا بني قريظة من السلاح، وحبسوهم في منازل «بني النجار» ليتقرر مصيرهم فيما بعد .

وحيث أن يهود بني قينقاع قد اُسروا على أيدي جنود الإسلام ثم عفي عنهم بوساطة من الخزرج وبخاصة «عبداللّه بن اُبي»، وانصرف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن إهراق دمهم فيما مضى، لذا ضغط الاوسيون المتحالفون مع بني قريظة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصرّوا عليه اصراراً شديداً بأن يعفو عن بني قريظة الذين كانوا متحالفين مع الأوس من قبل أن يقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة، وذلك منافسة للخزرج، ولكن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قاوم هذا الطلب، وقال لهم:

«ألا ترضَون يا معشرَ الأوس أن يحكم فيهم رجلٌ منكم»؟

قالوا: بلى .

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فذاك إلى «سعد بن معاذ» فهو يحكم فيهم .

والطريف أن اليهود قد قبلوا هم أيضاً بما يحكم به سعد بن معاذ فقد بعث بنو قريظة إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كما يروي ابن هشام(1) و الشيخ


1- السيرة النبوية: 2 / 240 .


(290)

المفيد(1) ـ : يا محمَّد ننزل على حكم سعد بن معاذ.

وكان سعدٌ آنذاك يتداوى فى خيمة لامرأة تدعى «رفيدة» من سهم أصابه في معركة الخندق، وكانت رفيدة تداوي الجرحى في سبيل اللّه، وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يعود سعداً بين الحين والآخر، فلما حكّمه في بني قريظة أتاه فتيان الأوس، وحملوه على حمار وقد وطئوا له بوسادة من ادم وكان رجلا جسيماً جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلما طلع سعد على رسول اللّه والناس حوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جلوس، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :

«قوموا إلى سيّدكم».

فقام الناس على أرجلهم صفين احتراماً لسعد، وحيّاه كل واحد منهم، حتّى انتهى إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقد طلب منه رجالُ قومه مراراً أن يحسن الحكم في حُلفائهم: يهود بني قريظة، ويخلّصهم من خطر الموت والقتل قائلين: يا سعد أجمل إلى مواليك فأحسن فيهم فان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد حكّمك فيهم لتحسن فيهم .

ولكن سعداً حكم في ذلك المجلس ـ رغم كل ذلك الالحاح، والضغط ـ بأن يُقتل رجال اليهود، وتقسَّم أموالهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم(2) .

تقييم ما استند إليه سعد في حكمه:

ليس من شك في أنه إذا غلبت عواطف القاضي وأحاسيسه على عقله، تعرض جهاز القضاء للفوضى والاختلال، وانتهى إلى تمزق المجتمع وسقوطه،


1- الارشاد: ص 50 وأيضاً راجع زاد المعاد: 2 / 73، امتاع الاسماع: 1 / 246 .
2- السيرة النبوية: 2 / 240، المغازي: 2 / 510، زاد المعاد: 2 / 73 و 74 .


(291)

وانهيار كل شيء، لارتباط كل شيء بالعدالة وارتباط العدالة بالقضاء والمؤسسة القضائية .

إن العواطف تشبه إلى حد بعيد الشهية الكاذبة الّتي تزيّن في نظر صاحبها كل مضر مهلك في حين إذا غلبت هذه العواطف والمشاعر العقل سحقت مصالح الفرد والمجتمع، أو أضرت به أشدَّ وأبلغ إضرار .

إنّ عواطف سعد وأحاسيسه ومشاعره، ومنظر صبيان ونساء بني قريظة المحزن، وأوضاع رجالهم الّتي كانت تثير الاشفاق وهم في الحبس، وملاحظة الرأي العام في قبيلة الأوسيين الذين كانوا يلحّون على سعد أن يُحسِن الحكم والرأي في بني قريظة، كل هذه الاعتبارات كان من شأنها أن تجعل القاضي فريسة العاطفة، فيصدر حكمه على أساس من تقديم مصالح أقلية خائنة مشاغبة على مصالح الاكثرية (أي عامة المسلمين) ويبرّئ بني قريظة الجناة الخونة، أو يخفف عن عقوبتهم أكبر قدر ممكن، على الأقلّ أو يسلّم لإحدى المقترحات السابقة .

إلاّ أن منطق العقل، وحرية القاضي واستقلاله في الحكم والقضاء ومراعاة المصالح العامة كل ذلك قاد سعداً إلى ناحية اُخرى، فحكم بأن يقتل رجال تلك الزمرة المتآمرة الخائنة، وتصادر أموالهم، وتسبى نساؤهم وأطفالهم .

وقد استند هذا الحاكم في حكمه هذا إلى الامور التالية:

1- أن يهود بني قريظة قد تعهّدوا للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل مدّة بأنهم لو تآمروا ضدّ الإسلام والمسلمين وناصروا أعداء التوحيد، واثاروا الفتن والقلاقل، وألبوا على المسلمين كان للمسلمين الحق في قتلهم ومصادرة أموالهم وسبي نسائهم(1) .

وقد رأى بأنه لو حكم بمعاقبة اليهود حسب هذا الميثاق لم يصدر حكما مخالفاً


1- ولقد مرّ عليك نص هذا الميثاق الّذي وقع عليه كعب بن الاسد رئيس بني قريظة .


(292)

للعدالة، ولم يرتكب ظلماً .

2- إن هذه الزمرة الناقضة للميثاق أخلّت بأمن المدينة في ظل حرب القوى المشركة، فترة من الزمن، وهاجمت منازل المسلمين، ولولا مراقبة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للاوضاع وحراسة من عيّنهم من جنود الإسلام للحفاظ على أمن المدينة، لفعلت تلك الزمرة الأفاعيل ولارتكبت أسوأ الفضائع والفجائع، ولو اتيح لهم أن يسيطروا على المدينة لقتلوا رجال المسلمين وصادروا أموالهم، وسبوا نساءهم وأطفالهم .

ومن هنا رأى سعد بن معاذ في نفسه بأنه لو قضى فيهم بمثل هذا القضاء لما خالف الحق .

3ـ من المحتمل جداً أن سعد بن معاذ رئيس الأوس الحلفاء ليهود بني قريظة، والذين كانت بينهم علاقات ودّ ومحبَّة كان مطّلعاً على قوانين اليهود، الجزائية في هذا المجال، فإن التوراة تنصُ بما يلي: «حين تقربُ من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فان اجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكلُ الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك. وان لم تُسالِمك بل عملت معك حرباً فحاصرها. وإذا دفعها الربُ إلهُك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف، واما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك»(1) .

ولعلّ سعداً فكر في نفسه بأن القاضي المرضىّ والمقبول لدى الجانبين لو عاقب المعتدين حسب شريعتهم ما فعل إلاّ ما يقتضيه العدل والانصاف .

4ـ والّذي نتصوره هو أن أكبر أسباب هذا الحكم هو أن «سعد بن معاذ» رأى باُم عينيه أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عفا عن بني قينقاع المعتدين بناء على طلب من الخزرجيين، واكتفى ـ من عقابهم ـ باخراجهم من المدينة، واجلائهم


1- التوراة: سفر التثنية الفصل العشرون 10 ـ 14 .


(293)

عنها ولكن تلك الزمرة الّتي شملها عفو النبىّ لم تكن تغادر أراضي الإسلام حتّى بدأت بالمشاغبة والمؤامرة الدنيئة ضدّ الإسلام فذهب كعب بن الأشرف إلى مكة، وأخذ يتباكى ـ دجلا وخداعاً ـ على قتلى بدر، ويذرف عليهم دموع التماسيح، ولم يفتأعن تأليب قريش ضد رسول الإسلام وأصحابه حتّى عزمت قريش على تسيير جيشها نحو المدينة، وكانت واقعة، «اُحُد» الّتي استشهد فيها اثنان وسبعون من خيرة أبناء الإسلام، ورجاله .

وهكذا فعلت بنو النضير المتآمرون الخونة، الذين عفا عنهم رسولُ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ واكتفى من عقابهم بمجرّد اجلائهم عن المدينة، ولكنهم قابلوا هذا الموقف الانساني، بتأليب القبائل العربية المشركة ضدّ الإسلام والمسلمين، وكوّنوا اتحاداً نظامياً بينها، وألفوا منها جيشاً قوياً ساروا به إلى عاصمة الإسلام (المدينة)، فكانت وقعة (الاحزاب) الّتي لولا حنكة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وخطة حفر الخندق لقضي على الإسلام بسببها منذ الايام الاُولى، ولما بقي من ذلك الدين خبر ولا أثر ولقتل آلاف الناس .

لقد لاحظ سعد بن معاذ كل هذه الاعتبارات، فلم تسمح له التجارب الماضية بأن يستسلم لعواطفه، ويضحّي بمصالح الآلاف في سبيل الحفاظ على مصالح اقلية لأنه كان من المسلّم به أن هذا الفريق سيقوم في المستقبل بايجاد تحالف عسكري أوسع، وسيثير ويؤلب قوى العرب ضد الإسلام ويعرّض مركز الإسلام، ومحوره الاساسي للخطر من خلال تدبير مؤامرات اُخرى .

وعلى هذه الأساس راى بأن وجود هذه الزمرة يضرّ المجتمع الاسلامي مائة بالمائة وأيقين بأن هذه الزمرة لواتيح لها أن تخرج من قبضة المسلمين لما فتأت لحظة عن المؤامرة ولواجه المسلمون بسببها أخطاراً كبرى .

ومن المحقق أنه إذا لم تكن في المقام هذه الجهات والاعتبارات لكان إرضاء الرغبة العامة في الابقاء على بني قريظة أو التخفيف في عقابهم أمراً في غاية الأهمية بالنسبة إلى سعد بن معاذ، فان رئيس أي قوم، أو جماعة أحوج ما يكون


(294)

إلى تأييد قومه و جماعته وكسب رضاهم ودعمهم، ولا ريب أن عدم الاستجابة لمطلبهم، وتجاهل توصياتهم يوجّه أكبر ضربة لسيد القوم ورئيسهم، ولكن سعداً (رئيس الأوس) أدرك أن جميع هذه التوصيات والوساطات تخالف مصالح الآلاف من المسلمين، من هنا آثر عدم الحياد عن حكم العقل، والمنطق، على رضا قومه عنه .

هذا وإن الَّذي يشهد بدقة نظر سعد، وصواب رأيه، وصحة تشخيصه وتقديره للأمر أنه عندما اُتي بحيي بن أخطب ليضرب عنقه فوقعت عينه على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل اللّه يُخذل. أي لولا خذلان اللّه لليهود لا ستمرّوا في معاداة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتدبير المؤامرات ضده .

ثم أقبل على الناس فقال: يا أيّها الناس لا بأس بأمر اللّه، ملحمةٌ كتبها اللّه على بني إسرائيل.

ثم إنه قُتِل في هذه الواقعة من النساء إمرأة واحدة لأنها ألقت برحىّ من فوق الحصن فقتلت به أحد المسلمين، فقتلت قصاصاً .

وكان بين المحكوم عليهم بالقتل رجلٌ اسمه «الزبير بن باطا» شفع له رجل من المسلمين يدعى ثابت بن قيس، فلم يُقتل، واُخلي سبيل زوجته وأولاده، واُعيدت إليه أمواله، وأسلم أربعةٌ من بني قريظة، وقسّمت غنائم العدوّ بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، واخراج ما يرتبط بالامور الادارية الإسلامية العامة .

وقد اُعطي للفارس سهمان، وللراجل سهمٌ واحدٌ، وسلّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أموال «الخُمس» إلى زيد بن حارثة ليذهب بها إلى نجد ويشتري بها العتاد، والسلاح، والخيل، وغيرها من أدوات الحرب(1) .


1- تاريخ الطبري: 2 / 250، السيرة النبوية: 2 / 241، زاد المعاد: 2 / 74 .


(295)

وهكذا انتهت مشكلة بني قريظة في التاسع عشر من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة للهجرة، وقد نزلت في شأن هذه الواقعة الآيات 26 ـ 27 من سورة الاحزاب إذ يقول سبحانه:

(وَ أَنْزَل الَّذين ظهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكتابِ مِنْ صَياصِيهمْ وَ قَذَفَ في قُلُوبهمُ الرُّعْبَ فَريقاً تقْتُلُونَ وَ تأسرونَ فَريقاً وَ أوْرثَكُمْ أَرًضهُمْ و ديرهُمْ وَ أموالَهُمْ و أَرْضاً لم تطؤْها وَ كانَ اللّه عَلى كُلِّ شيء قديراً).

وقد استشهد «سعد بن معاذ» الّذي سبق أن جرح في معركة الخندق بعد حادثة بني قريظة هذه(1) .


1- السيرة النبوية: 2 / 250 ـ 254 .


(296)

حوادث السنة السادسة من الهجرة

39

أعداء الاسلام تحت المراقبة المشدّدة(1)

لم تنقض السنة الهجرية الخامسة إلاّ وقد انتهت فتنة «الاحزاب» و «بني قريظة»، وقضي عليهما بالكامل، وأصبحت المدينة وضواحيها برمتها في قبضة المسلمين وتحت سيطرتهم، وازدادت قواعد الحكومة الإسلامية الفتية رسوخاً وثباتاً، وساد هدوء نسبي في المنطقة الّتي تخضع للحكومة الاسلاميّة، غير أن هذا الهدوء كان هدوءً مؤقتاً،وكان على قائد المسلمين الأعلى أن يراقب أحوال العدو وأوضاعه، وتحركاته ليقضي في المهد على كل مؤامرة ضدّ الإسلام بما اُوتي من قوى وامكانيات .

ولقد سَمَح الهدوء الّذي ساد المنطقة للنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يقمع بعض مشعلي فتنة «الاحزاب» الذين هربوا من قبضة المسلمين بعد رحيل «الاحزاب» .

فلقد قُتِل «حيي بن أخطب» الّذي كان من مشعلي معركة الأحزاب، في غزوة بني قريظة، ولكن رفيقه «سلاّم بن أبي الحقيق» كان لا يزال يعيش في خيبر، ولا شكّ في أن هذا العنصر الخطر لم يكن ليفتأ لحظة واحدة عن إثارة وتأليب «الأحزاب» مرّة اُخرى ضدّ الإسلام، وخاصة أن العرب الوثنيين كانوا


1- يستفاد من السيرة النبوية: 3 / 291 ط 1355 أن خطة اغتيال «سلاّم» كانت قبل نهاية السنة الهجرية الخامسة، ولكن بالنظر إلى أن قضية بني قريظة حدثت في التاسع عشر من شهر ذي الحجة يستبعد هذا الرأي .


(297)

مستعدين لشن حرب على الإسلام وكان من المحتمل إذا توفرت هناك جهة تتكفل نفقات الحرب، أن تتكرر قضية الاحزاب مرة اُخرى .

على أساس هذه المحاسبات كلّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (1) مجموعة من شجعان الخزرج وفوارسهم بأن يصفّوا هذا العنصر الخطر، الجريء والحاقد، بشرط أن لا يتعرّضوا لأحد من أبنائه وزوجاته .

فخرجوا حتّى قدموا خيبر، فدخلوا خيبر ليلا ولم يدعوا باباً في الدار الا أغلقوه على أهله حتّى لا يحس بهم أحد إذا صاح واستغاث بأحد، ثم تسللوا إلى غرفته وكانت في الطابق الاعلى، فطرقوا باب حجرته، فخرجت إليهم امرأته وقالت: من أنتم؟ قالوا: ناسٌ من العرب نلتمس الميرة، ففتحت الباب وسمحت لهم بالدخول عليه من دون التحقق من أمرهم، فدخلوا في غرفته وابتدروه وهو على فراشه باسيافهم بعد أن أغلقوا باب الغرفة على أنفسهم، وقضوا على ذلك المفسد الشرير الّذي طالما أزعج المسلمين بفتنه ومؤامراته، ثم خرجوا، وانحدروا من الدرج واختبأوا في ممّر مائي من خارج الحصن إلى داخله، فصاحت زوجته، واستغاثت بالجيران، فأوقد اليهود النيران، واشتدوا في طلب تلك الجماعة الفدائية المسلمة، ولكن من دون جدوى، وعندما يئسوا من القبض عليهم رجعوا إلى صاحبهم المقتول، وقد بلغ من جرأة المسلمين أن بعثوا أحدهم ليدخل بين اليهود في خيبر ويأتي لهم بخبر ابن أبي الحقيق، لأنهم كانوا يظنون بأنه لا يزال على قيد الحياة .

فدخل ذلك الرجل بين اليهود فوجدهم وامرأته حول ابن أبي الحقيق، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه، وتحدثهم، وتقصُّ عليهم ما جرى، ثم أقبلت عليه


1- إن السبب أو الحكمة في تكليف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الخزرج بهذه المهمة هو أن الاوس قاموا بعملية مشابهة في حق «كعب بن الأشرف» اليهودي الخطر فأراد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إقامة توازن في كسب المفاخر بين تينك القبيلتين ولذلك أوكل مهمة تصفية هذا اليهودي المفسد إلى رجال الخزرج .


(298)

تنظر في وجهه ثم قالت: فاظ (أي مات) واله يهود .

فعاد إلى رفاقة وأخبرهم بنجاح عمليّتهم وهلاك عدوّ اللّه: «سلام بن أبي الحقيق» على أيديهم، فخرجوا في تلك الليلة من مخبأهم وعادوا إلى المدينة وأخبروا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بما جرى.(1) .

أهل الرأي من قريش يهاجرون إلى الحبشة:

توجه جماعة من أهل الرأي في قريش الذين أخافهم تقدّم الإسلام وانتشارُه المطرد بشدة، إلى البلاط الحبشي ليقطنوا ويقيموا في الحبشة فقد قالوا: الرأي أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فان ظهر «محمّد» على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحبُ إلينا من أن نكون تحت يدي محمَّد وإن ظهر قومنا فنحن من عرفوا فلن يأتينا منهم إلاّ خير .

وخرجت هذه الجماعة وفيهم «عمرو بن العاص» بهدايا كثيرة من الحجاز قاصدة أرض الحبشة، وبلاط النجاشىّ بالذات .

وصادف دخولُهم على «النجاشي» ورود «عمرو بن اُميّة الضمري» مبعوث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وحامل كتابه إلى النجاشي يوصيه فيه بجعفر بن أبي طالب، والمهاجرين الآخرين من رفقائه .

فقال «عمرو بن العاص»: لو دخلتُ على «النجاشىّ» بالهدايا وسألته عمرو بن اُميّة فاعطانيه، فضربت عنقه .

فدخل «عمرو بن العاص» على «النجاشىّ»، وسجد له