welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج2*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج2

سيد المرسلين

_ صلى الله عليه وآله وسلم _

تأليف

الاستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

الجزء الثاني

نشر
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة _ ايران _


(2)


(3)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مُميّزات النهضة الالهية وخصائصها

خصيصة «الخلود» والعمق في شخصية رسول الاسلام

المصادر الاولى والأصيلة للكتابة عن سيرة النبىّ:

تشبّهُ نهضة «الأنبياء» الالهية الّتي قام بها رسلُ اللّه وسفراؤه لتخليص البشرية من براثن الأوهام، والخرافات، ولا نقاذها من جورالمستكبرين وظلم الظالمين أكثر شيء بأمواج البحر الّتي تبدأ بدوائر صغيرة محدودة، ولكنّها كلما ابتعدت عن مركز الدائرة ازدادت اتساعاً واتساعاً، واشتدت قوتها اكثر فاكثر.

إن الإنقلاب المعنوىّ العريض والتحوّل الروحيَ العظيم الّذي وُضِعت اُسُسُه في أرض مكة على يدي رسول الإسلام العظيم أضاء بشعاعه و نوره الباهر في اليوم الأوّل غار حراء ثم منزل خديجة وبعض البيوت المتواضعة في مكة فقط، ولكنه اتسع نطاقه بمرور الزمان، حتّى عمَّ في مدة ليست بالطويلة شرق الارض وغربها، ودوّى نداءُ التوحيد في منطقة واسعة جداً من العالم (ابتداء من فرنسة وانتهاءً بجدار الصين وما وراءه)(1).

إن مُؤسّسي هذا النوع من النهضات الدينية(2) يتمتعون ـ من حيث الاخلاق

والفضائل الإنسانية ـ بخصيصة الخلود واللانهاية فان الزمن يكشف باستمرار عن أبعاد أوسع و آفاق جديدة من شخصياتهم فهي تتسع كلما تقادم بها العهد تماماً كأمواج البحر، وكأن الانبياء نسخة ثانية من الطبيعة، فكما أننا كلما أمعنا أكثر في الطبيعة ظهرت لنا منها حقائق اكثر، وانكشفت لنا رموز وأسرار جديدة لم نعهدها من قبل فهكذا شخصيات الانبياء والمرسلين، وسفراء اللّه إلى البشرية.

وتتجلى هذه الحقيقة أكثر ـ فأكثر كلما تعاظمت شخصية من تلك الشخصيات ـ .

وخلاصة القول أننا كلما أزددنا تعمقاً وامعاناً فيهم. اكتشفنا أسراراً كثيرة، وحقائق جديدة عن حياتهم.


1- لقد كتبت هذه المقدّمة وما بعده خلال تواجدي في الصين عام 1408 وقد جئت اليها في مهمة استطلاعية وتبليغية إسلامية، وقد زرت في نفس الفترة الّتي كنت فيها مشتغلا بكتابة هذه المقدمة المسجد الجامع في ـ بكين ـ العاصمة، والتقيت بامام ذلك المسجد الّذي رحَب بي وبمن كان معي أشد ترحيب، واتحفني بنسخة من ترجمة القرآن الكريم باللغة الصينية، وزرت خلال وجودي في ذلك المسجد قبر رجلين مسلمين من ايران أحدهما تاجر، والآخر عالم جاءا إلى الصين في القرن السادس الهجري، ونشرا الإسلام في بكين وما حولها، وقد نصبت عند قبرهما لوحتان من المرمر نقش عليهما اسمهما، وخصوصياتهما بالاحرف العربية.
وهناك تذكرت حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ «اطلبوا العلم ولو بالصين».
قلت في نفسي: لعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقصد فيما يقصد في هذا الحديث دفع المسلمين إلى نشر مبادىء الإسلام في تلك البلاد العريضة الّتي تضم خمس سكان العالم.
وقد قام المسلمون الغيارى على دينهم، الحريصون على نشره وبثه بهذه المهمة فيما سبق وأدوا ما كان عليهم. فماذا فعلنا نحن؟
وهل ترى يجوز أن يجهل خمس سكان العالم دين اللّه، ولا ينعموا بخيراته؟!
أم هل ترى يجوز في شريعة الانصاف أنّ يعاني ذلك الشعب الكبير من الاباطرة الطغاة في الماضي، ومن الانظمة والا يديولوجيات الجائرة الملحدة في الحاضر، هذا والنبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يحرص على هداية فرد واحد، والقرآن يقول: «من احياها فكأنما أحيى الناس جميعاً»؟؟
هل خصصت نهضة الأنبياء الالهية برقعة صغيرة من الارض هي الجزيرة العربية، وما حولها؟ أم أنها رحمة للعالمين جميعاً؟
سؤال نطرحه على ابناء الإسلام دعاةً ورعايا، حكومات و شعوباً لعلهم يتفكرون؟ (جعفر الهادي).
2- المقصود من الدين هو المنهاج الواسع الشامل الّذي يتكفل سعادة البشرية في الحياتين الدنيا والأخرى وليس مجرد سلسلة من الطقوس الفارغة الخاوية كما هو الحال في المسيحية الحاضرة .


(4)

ويدل على كلامنا هذا تلك المؤلفات الكثيرة الوافرة الّتي كتبها علماء التاريخ وأصحاب السير، قديماً وحديثاً، حول رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولكن مع ذلك كله كلما تقادم العهد به، و كلما اتسعت النظرات وازدادت عمقاً


(5)

اكتشف المحققون مزيداً من الآفاق، وجديداً من الابعاد في هذه الشخصية الإلهية.

ولقد كان تعاطي السيرة النبوية والحديث حولها في البداية منحصراً (أو بالاحرى مقتصراً) على مشاهدات أصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ و مسموعاتهم.

ومع ظهور جيل جديد يدعى بالتابعين بعد وفاة النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اتخذت الاحاديث والسنن الاسلاميّة، وتفاصيل الحياة النبويّة، وقصص غزواته وحروبه رونقاً جديداً، وأحسّ الجيل الجديد برغبة شديدة في أخذ الاحاديث الإسلامية، والتعرف على الحوادث الّتي وقعت في عصر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأيّام حياته من مولده إلى وفاته .

وكلما ازدادت حالات الوفاة، في أوساط الصحابة والتابعين الذين كانوا يشكّلون المنبع الأوّل والمصدر الأصيل لهذا النوع من العلوم الإسلامية، اتسع الاهتمام بالسيرة وما شابهها وتعاظمت الرغبة فيها وتزايد عطش المسلمين إلى اخذ ومعرفة الأحاديث الّتي تتضمن بيان خصوصيات حياة رسول الاسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وجزئيات سيرته الطاهرة. هذا من جانب .

ومن جانب آخر كان تشدّد الخليفة الثاني(1)، ومنعه عن كتابة أحاديث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قد أوجب أن يندثر كثير من الأحاديث الإسلامية، الّتي سمعها بعض أصحاب النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتدفن تحت التراب بموتهم .

ولقد استمر منع الخليفة عن كتابة الحديث النبوي وبقي ساري المفعول لمدة طويلة بعد وفاته(2)، حتّى أتى إلى الحكم خليفة معتدل السيرة من الأمويين هو: «عمر بن عبدالعزيز» فأمر ـ في رسالة وجّهها إلى أبي بكر بن حزم حاكم المدينة


1- تقييد العلم: ص 48 ـ 53 .
2- لم يترك نهي الخليفة أي أثر على علماء الشيعة الذين كانوا يتبعون علياً ـ عليه السَّلام ـ ، فقد عمدوا في فترة محدودة إلى تدوين وضبط الأحاديث، وحفظوا كنوزاً عظيمة من علوم اهل البيت النبوي، للتوسع في هذا المجال راجع كتاب «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» .


(6)

وقاضيها ـ بكتابة أحاديث النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خوفاً من اندراس العلم وزواله(1).

أئمة السيرة:

ومن حسن الحظ أن الخليفة الثاني لم يمنع إلاّ من تدوين وكتابة الأحاديث النبويّة، فلم يشمل هذا المنع كتابة الحوادث والوقائع الّتي وقعت في عصر الرسالة.

ولهذا اُلِّفت في تلك الفترة كتبٌ كثيرة عن حياة رسول الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأوّل من كتب حول وقائع عصر الرسالة، وأرخ حوادث الصدر الأوّل من الإسلام هو: «عروة بن الزبير بن العَوّام» الصحابي المعروف الّذي توفي عام 92 أو 96 من الهجرة(2).

ثم عمد بعده جماعة في المدينة وآخرون في البصرة إلى جمع وتدوين تفاصيل السيرة، وحروب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وغزواته، وبيان هذا الأمر على نحو التفصيل خارج عن نطاق هذه الدراسة.

ولقد كانت هذه الكتب والمؤلفات هي المنبع والاساس للكتب الّتي دوّنت فيما بعد في صورة كتب السيرة النبويّة، أو تاريخ الإسلام .

وقد بدأ تدوين سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بشكل جميل وبصورة بديعة منذ أوائل المنتصف الثاني من القرن الثاني الاسلامي، وكان من بين من قام بجهد مشرف ومشكور في هذا المجال العالمُ الشيعىُ الكبير محمد بن اسحاق المتوفى عام 151 هـ فهو أول من استخرج تفاصيل الوقائع الإسلامية من كتب الماضين، ومن


1- ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 1 / 195 و 196.
2- تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص 233.
اختلفت الاقوال في من هو أول من صنف في علم المغازي والسير في الإسلام.
فقال السيوطي في كتاب الاوليات بأنه عروة بن الزبير.
وقال الافندي في كشف الظنون أنه محمد بن اسحاق.
والحق انه لا الاول ولا الثاني بل عبيد اللّه بن أبي رافع فانه تقدمهما في التصنيف في السير والمغازي .


(7)

ثنايا رواياتهم و منقولاتهم وألفها واخرج شيئاً جامعاً حول السيرة النبويّة إلى عالم الكتب والمؤلّفات.

كما أن أوّل من ضبط ودوَّن غزوات رسول الإسلام بشكل مفصّل هو الواقدي صاحب «المغازي» و «فتوح الشام» المتوفى عام 207 هـ(1).

وقد لُخّصت سيرة ابن اسحاق على يد ابن هشام أبي محمد عبدالملك المتوفى عام 218 هـ و عرفت فيما بعد بسيرة ابن هشام (أو السيرة الهشامية) وهو الآن معدود من مصادر التاريخ الاسلامي و سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الموثقة.

ولو أننا تجاوزنا هذه الشخصيات لكان لشخصيتين اُخريين سهمٌ كبيرٌ في تدوين وتسجيل تاريخ حياة رسول الإسلام وهما:

1ـ محمد بن سعد الكاتب الواقدي المتوفى عام 230 هـ مؤلف «الطبقات الكبرى» الّذي أورد فيه سيرة النبىّ الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه على نحو التفصيل .

وقد طبع هذا الكتاب في لندن مؤخراً، كما أعيد طبعه في لبنان في 9 مجلدات .

2ـ محمد بن جرير الطبري المتوفى عام 310 هـ مؤلف كتاب «تاريخ الامم والملوك» .

على أن تثمين جهود هذه الثلة من الكتّاب والمؤلفين لا يعني بالضرورة أن كل ما أدرجوه في مؤلفاتهم هو الثابت الصحيح، بل تحتاج مؤلفاتهم ـ كغيرها من المؤلفات، والكتب ـ إلى التحقيق الواسع والتمحيص الدقيق .

ثم ان حركة التأليف حول شخصية رسول الاسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1- عدّه الشيخ الطوسي في رجاله ابن اسحاق من تلامذة الامام جعفر الصادق ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوجدنسخة خطية من سيرته في مكتبة مدرسة الشهيد المطهري بطهران حسب ما كتب صاحب الذريعة في ج 12، ص 281 فيها .


(8)

وسيرته استمرت بعد ذلك طيلة القرون الإسلامية اللاحقة. ونحن اليوم أمام مكتبة زاخرة من الكتب، والدراسات، المختلفة في أحجامها ومستوياتها، والمتنوعة في طرائقها و أساليبها، الّتي اُلفت حول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهذا إنما يدل على خصيصة العمق واللانهاية الّتي اتسمت بها شخصية النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الخالدة العظيمة .

وقد أراد صاحب هذه الدراسة أن يقدم للجيل الحاضر شرحاً ناطقاً عن حياة رسول الإسلام العظيم، في حدود ما تسمح به إمكاناته المحدودة، ولم يأل جهداً ـ لتحقيق هذا الهدف على وجه أفضل ـ في مراجعة كتب الفريقين المعتبرة، وان اكتفى بذكر عدد قليل من المصادر عند التأليف، وقد بيّنا عذرنا من هذا في الجزء الأوّل من هذه الدراسة.

ولقد تناول الجزءُ الأول من هذا الكتاب حوادث مكة من بدء نشأتها إلى نهاية السنوات الثلاث عشرة الاولى من عصر الرسالة أي ما قبل الهجرة، وها هو الجزء الثاني وهو يتناول حوادث العشر سنوات للهجرة الشريفة، ومن اللّه التوفيق.

جعفر السبحاني

قم المقدّسة ـ الحوزة العلمية

21 شعبان 1392هـ


(9)

حوادث السنةِ الاُولى من الهجرة(1)

26

أوَّل عمل ايجابىّ للنبىّ في المدينة

عقد ميثاق تعايش بين المسلمين وغيرهم:

حملت وجوه فتية الانصار المستبشرة، المبتهجة، بمقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والاستقبال العظيم الّذي قام به أغلبية الأوسيّين والخزرجيين له حملته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، على أن يعمد قبل أي شيء إلى تأسيس مركز عام لتجمّع المسلمين فيه في الأوقات المختلفة، وللقيام بالاعمال التربوية والتثقيفية، والسياسية والعسكرية في رحابه .

كما أن عبادة اللّه الواحد تقع في طليعة البرامج الّتي جاء بها رسول الإسلام ولذا رأى من اللازم أن يعمد قبل أي عمل آخر إلى بناء مسجد للمسلمين حتّى يتسنى لهم أن يعبدوا اللّه ويذكروه فيه في أوقات الصلوات .

أجل كانت الحاجة إلى مثل هذا المركز شديدة فلابد من مكان ليجتمع اعضاء حزب الإسلام (حزب اللّه) كلَ اُسبوع في يوم معين فيه، ويتشاوروا في


1- لابدّ انك أيها القارئ الكريم تتذكر جيداً أننا قصدنا من السنة الاولى للهجرة الاشهر العشرة المتبقية الّتي قضى رسول اللّه شهرين منها في مكة وحط في الباقي من شهرها الثالث (أي ربيع الاول) على أرض يثرب، بناء على هذا تكون السنة الاولى من الهجرة تسعة أشهر فقط، وتبدأ السنة الهجرية الثانية من شهر محرم الحرام (وليس من الثاني عشر من ربيع الاول) .


(10)

شؤون الإسلام والمسلمين ومصالحهم، وليجتمع فيه عامة المسلمين مضافاً إلى هذا اللقاء الاسبوعىّ مرتين كل عام لأداء صلاة العيد، فكان المسجد الّذي بناه كأول عمل قام به بعد قدومه المدينة.

فلم يكن المسجد على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للعبادة فقط بل كانت تلقى فيه كل أنواع العلوم والمعارف الإسلامية الشاملة للاُمور التربوية وغيرها.

لقد كان يعلَّم فيه كل التعاليم والمواد الدينية والعلمية، حتّى الاُمور المرتبطة بالقراءة والكتابة .

وقد بقيت أغلب المساجد على هذا المنوال حتّى مطلع القرن الرابع الهجرىّ الاسلامىّ، فقد كانت في غير أوقات الصلاة تتحول إلى مراكز لتدريس العلوم المتنوعة(1).

وربما اتخذَ مسجد المدينة صورة المركز الأدبىّ، عندماكان يلقي فيه كبار فصحاء العرب وبلغاؤهم قصائدهم المنسجمة مع التعاليم الاخلاقية والمعايير الإسلامية بين يدي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما فعل «كعب بن زهير» إذ ألقى قصيدته المعروفة بـ «البردة» عند النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسجد، وأعطاه النبىّ الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ صلة جيّدة، وخلع عليه بخلعة عظيمة(2) .

أو كما كان يفعل «حسان بن ثابت» الّذي كان يدافع بشِعره عن حوزة الإسلام والمسلمين إذ كان يلقي بعض قصائده في المسجد عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .


1- راجع صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم، بل حتّى عند فصل المراكز العلمية عن المساجد في ما بعد، بقيت المدارس تبنى وتشيَّد إلى جانب المساجد فكان هذا العمل يجسد الصلة الوثيقة بين العلم بالدين .
2- السيرة النبوية: 2 / 503 قال أنشد كعب بن زهير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المسجد: بانت سعاد.


(11)

ولقد كانت مجالس الدرس والتعليم في مسجد المدينة على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تتسم بروعة كبيرة بحيث عندما شاهد وفد ثقيف مشهداً من مشاهدها انبهروا به، وعجبوا بشدة لاهتمام المسلمين بتعلم الاحكام واكتساب المعارف والعلوم(1) .

كما انه كانت تمارَس الامور القضائية والفصل بن الخصومات، واصدار الحكم على المجرمين في المسجد، فكان المسجد يومذاك بمنزلة محكمة (بكل معنى الكلمة) أي أنها تقوم بكل ما تقوم به المحاكم اليوم .

هذا مضافاً إلى أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يلقي خطبه الحماسية والجهادية لتعبئة المسلمين من أجل مجاهدة الكفار والمشركين في المسجد .

ولعل من حكمة الاجتماع في المسجد لاجل تحصيل المعارف وتعلم العلوم هو أن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أراد بذلك أن يثبت عملياً أن العلم والدين توأمان لا ينفكان فكلما كان هناك مركز للايمان وجب ان يكون محلا للعلم أيضاً .

وأما ممارسة القضاء والقيام بالخدمات الاجتماعية، واتخاذ القرارات العسكرية في المسجد فقد كان لأجل أن يعلن للجميع بأن دينه ليس مجرد أمر معنوي لا يتصل بالاُمور الدنيوية ولا تهمه قضايا الحياة وشؤون المعيشة المادية، بل هو دينٌ شاملٌ كاملٌ لا يحض الناس على التقوى، ولا يدعوهم إلى الايمان إلاّ ويهتم أيضاً بشؤونهم المعيشية وإصلاح أوضاعهم الاجتماعية. فليس هو بالتالي يهتمُّ بجانب ويُغفِلُ جانباً، بل هو دين شامل جامع يتكفل الاُمور المادية والمعنوية معاً .

ولقد كان هذا التلاقي والانسجام (بين العلم والإيمان) محطَ إهتمام المسلمين ونصب أعينهم دائماً حتّى بعدما اتَخَذَت المراكزُ التعليمية والمؤسساتُ العلمية البحتة شكلا مستقلا وصار لها محلٌ خاص تدرس فيه، فانهم ظلوا يبنون


1- تاريخ الخميس: 2 / 136 .


(12)

الجامعات إلى جانب الجوامع ويشيّدون المعاهد إلى جانب المساجد ليثبتوا للعالم أن هذين الأمرين اللذين يكفلان إسعاد الحياة والإنسان لا يمكن أن ينفصلا، ويبتعد بعضها عن بعض .

مع عمار بن ياسر في بناء المسجد النبوىّ:

لقد ابتاع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الارضَ الّتي بركت فيها ناقته يوم قدومه المدينة، من أصحابها بعشرة دنانير لإقامة مسجد فيها. واشترك كافة المسلمين في تهيئة موادّه الانشائية وبناه، وعمل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسُه في تشييده أيضاً. فكان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينقل معهم اللبن، والحجارة، وبينما هو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات مرة ينقل حجراً على بطنه استقبله «أُسيدُ بن حضير» فقال: يا رسول اللّه إعطني أحمله عنك .

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا، إذهَب فاحمِل غيرَه(1).

وبهذا الاسلوب العملي كشف رسول الإسلام العظيم عن جانب من برنامجه الرفيع، إذ بيّن بعمله أنه رجل عمل وليس رجل قول، رجل فعل وليس رجل كلام، وكان لهذا أثره الفعّال في نفوس أتباعه.

فقد أنشد أحد المسلمين بهذه المناسبة يقول:

لَئِن قَعَدنا وَالنبىّ يعمَلُ * فذاكَ مِنّا العمل المضَلّل(2)

وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يردّد وهو يبني ويعمل: لا عيش إلاّ عيش الآخرة، اللهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة.

وقد كان «عثمان بن عفان» ممن يهتمّ بنظافة ثيابه، ويحرص على أن يمنع عنها الغبار والتراب، فلم يعمل في بناء المسجد لهذا السبب، فاخذ عمار ينشد أبياتاً تعلّمها من أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ ، وفيها تعريض بمن لا يعمل ويحرص على ثيابه أن لا تتسخ بالغبار:


1- بحارالأنوار: 19 / 112 .
2- السيرة النبوية: 1 / 496 .


(13)

لا يستوي مَن يَعمرُ المساجدا * يَدأبُ فيها قائماً وقاعِدا

ومن يُرى عنِ الغُبارِ حائدا(1)

وقد أغضب مفادُ هذه الابيات عثمان بن عفان، فقال لعمار مهدّداً: قد سمعتُ ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية، واللّه إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك، أي أضربك بها، وفي يده عصا!!

فلما عرف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بكلام عثمان غضب وقال:

«ما لَهُم وَ لِعَمّار، يَدعوهُم إلى الجنّة، وَيَدعُونَه إلى النار.

إنَّ عماراً جلدةُ ما بين عينىّ وأنفي...»(2) .

وكان «عمار» فتى الإسلام القوي، يحمل قدراً كبيراً من اللبن والاحجار في بناء المسجد ولا يكتفي بحمل شيء قليل منها .

فكان البعض يستغل طيب قلبه واخلاصه فيثقله باللبن والاحجار .

ويروى أن اصحاب النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ جعل يحمل كل واحد لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ محبة منه لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

وذات مرة رآه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد حمّلوه ثلاث لبنات أو احجار ثقيلة فشكا إليه عملهم وقال: يا رسول اللّه قتلوني يحملون علىّ ما لا يحملون فنفض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفرته(4) وكان رجلا جعداً وهو يقول قولته التاريخية:

«ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، انما تقتلك الفئة الباغية»(5).


1- السيرة النبوية: 1 / 496، وتاريخ الخميس: 1 / 345 والسيرة الحلبية: 2 / 76 ومع ان ابن اسحاق صرّح باسم عثمان بن عفان ولكن ابن هشام الّذي لخصّ سيرة ابن اسحاق امتنع عن تسمية عثمان. وقال صاحب المواهب اللدنية: المراد في هذه الابيات عثمان بن مظعون، راجع هامش سيرة ابن هشام أيضاً .
2- تاريخ الخميس: 1 / 345.
3- السيرة الحلبية: 2 / 71، البداية والنهاية: 2 / 217 .
4- اي شعر راسه .
5- المصدران السابقان .


(14)

وقد كان هذا الخبرُ الغيبي من الدلائل القوية على نبوة الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصدق دعواه، وصحة إخباراته، فقد وقع ما أخبره كما أخبر، فقد قتل «عمّار» وهو في التسعين من عمره في معركة صفين عندما كان يقاتل جيش الشام بين يدي علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتله حزب معاوية، وقد أحدث هذا الخبر الغيبي أثراً عجيباً في حياة المسلمين ققد جعله المسلمون معياراً لمعرفة الحق، أي كانوا يعرفون حقانية أي جهة من الجهات وأي طرف من الأطراف في الصراعات والنزاعات بانضمام عمّار إليه .

وعند ما قُتِلَ عمّار في ساحة القتال بصفين، دبّ في أهل الشام اضطراب عجيب .

فالذين كانوا في شك في حقانية «عليّ» ـ عليه السَّلام ـ وموقفه في هذه الحرب بفعل الدعاية المضادة الّتي كان يقوم بها معاوية ومساعده عمرو بن العاص ضد الامام قد انتبهوا إلى خطائهم وعرفوا بمقتل «عمّار» على أيدي أنصار معاوية بأن علياً على حق وأن معاوية وجماعته هي الفئة الباغية الّتي أخبر عنها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

ومن هؤلاء «خزيمة بن ثابت» الأنصارىّ الّذي خرج مع الإمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ لقتال معاوية، ولكنّه كان متردّداً في مقاتلته، بيد أنه جرد سيفه بعد مقتل «عمّار» على أيدي أهل الشام، وحمل عليهم(1) .

ومنهم «ذوالكلاع» الحميري الّذي خرج على رأس عشرين ألف مقاتل وهم تمام رجال قبيلته، مع معاوية لمحاربة الامام علىّ ـ عليه السَّلام ـ وكان معاوية يعتمد على نصرته إعتماداً كبيراً، حتّى أنه لم يقدم على اتخاذ قرار الحرب إلاّ بعدَ أن اطمأنَّ إلى تأييده له، ومشاركته في قتال علي ـ عليه السَّلام ـ .

فقد صُدِمَ القائد المخدوع بشدة عندما سمع بوجود «عمّار» في معسكر الامام «علي» .


1- المستدرك على الصحيحين: 3 / 385 ووقعة صفين لابن مزاحم .


(15)

فأرادَ رجالُ معاوية أن يموِّهُوا الأمر، ويشوشوه عليه فقالوا: ما لعمار ولصفين؟ فذلك ما يقوله أهل العراق وما يبالون من الكذب .

ولكن ذا الكلاع لم يقتنع بهذا فقال لعمرو بن العاص: يا أبا عبداللّه أما قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إن عماراً تقتله الفئة الباغية»؟

فقال عمرو: أجل، ولكن ليس عمار في رجال علي .

فقال ذوالكلاع: فلابدّ اذن أن أعرف ذلك بنفسي .

ثم أمر رجالا بأن يتحقّقوا من الأمر. وفي هذه اللحظة الحساسة ادرك معاوية وعمرو خطورة الموقف إذ لو تحقق ذوالكلاع من وجود عمّار في معسكر «علي» أو عرف بمقتله بين يديه ـ عليه السَّلام ـ إذن لأحدث ذلك شرخاً كبيراً وتمزقاً فضيعاً في جيش الشام، من هنا تمت تصفية ذوالكلاع فوراً إذ قُتل بصورة غامضة(1) .

إن اشتهار هذا الحديث لدى محدثي السنة والشيعة ليغنينا عن استعراض مصادره، واسناده .

فقد روى الامام احمد بن حنبل أنه لما قُتِلَ عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمّار وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : تقتله الفئة الباغية؟ فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع (أي يقول: إنا للّه وإنا إليه راجعون) حتّى دخل على معاوية، فقال معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتِل عمّار فقال معاوية: قد قُتِل عمّار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: أو نحن قتلناه انما قتله علىٌ وأصحابه جاؤوا به حتّى القوه بين رماحنا (وسيوفنا)(2) .

ولكن لا يخفى أن هذا التأويل الباطل الّذي لجأ إليه ابن أبي سفيان لتهدئة جنود الشام، ليس مقبولا عند اللّه تعالى قط، كما لا يقبل به أىُّ عاقل لبيب .

فإنَّ هذا هو الاجتهاد في مقابلة النص، وهو مما لا قيمة له أبداً، فان هذا


1- وقعة صفين: 377 و 387 .
2- مسند الامام احمد بن حنبل: 4 / 198 .


(16)

النوع من الاجتهاد في مقابل الآيات والروايات الصريحة هو الّذي سبّب في أن يعمد فريقٌ من المجرمين والجناة إلى تبرير جرائمهم وفضائعهم بحجة «الاجتهاد»، وتحت غطائه .

واليك نموذجاً من هذا الأمر:

ضئرٌ أرأف من والدة!!

لا يجد المرءُ عبارةً أفضلَ من هذه تعرّف حقيقةَ مؤرخ القرن الثامن الهجري (ابن كثير الشامي مؤلف البداية والنهاية).

فقد انبرى هذا الرجل إلى الدفاع عن معاوية في كتابه إذ قال: لا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاةً تكفيرهم، لأنهم وان كانوا بغاةً في نفس الأمر فانهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب له أجران، والمخطىء له أجر واحد (ثم يقول) وأما قوله: يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار فان عمّاراً وأصحابهُ يدعون أهل الشام إلى الالفة واجتماع الكلمة، وأهل الشام يريدون ان يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به، وان يكون الناس أوزاعاً على كل قطر امامٌ برأسه، وهذا يؤدي إلى افتراق الكلمة واختلاف الاُمة فهو لازم مذهبهم وناشىء عن مسلكهم وان كانوا لا يقصدونه!!(1).

ونحن لم نجد اسماً يناسب هذا العمل إلاّ التحريف للحقائق .

فان مؤيدي الفئة الباغية مع كل ما اُوتوا من قدرة على إخفاء الحقائق وطمسها لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة، ولكن مؤرخاً مثل ابن كثير عمد ـ رغم ورود هذا الحكم الغيبي في شأن تلك الفئة ـ إلى تحريف بارد قد غفلت تلك الفئة هي ذاتها عنه!!

يقول أحمد بن حنبل: دخل رجلان على معاوية يختصمان في رأس عمّار يقول


1- البداية والنهاية: 2 / 218 .


(17)

كل واحد منهما أنا قتلته، فقال عبداللّه بن عمرو: ليطيب به أحدكما نفساً لصاحبه فاني سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: تقتله الفئة الباغية، قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: ان أبي شكاني إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: اطع أباك مادام حيا، ولا تعصه، فأنا معكم ولستُ اقاتل(1) .

إن اعتذار «عبداللّه بن عمرو بن العاص» يشبه تأويل ابن كثير الشامي الّذي يقول: إن معاوية قاتل «علياً» في صفين إجتهاداً وايماناً، وإن أخطأ في اجتهاده، وذلك لأن إطاعة الوالد واجبة مالم تجر إلى مخالفة الشرع، فهذا هو القرآن الكريم يقول:

(وَ إنْ جاهَداك لِتُشْركَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا)(2)

كما ان الاجتهاد إنما يصحّ إذا لم يكن في المقام نصٌّ صريح، ورد عن النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولهذا كان اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص وامثالهما باطلا مرفوضاً، لكونه في مقابل النصّ النبوي .

ولو أننا فتحنا باب الاجتهاد هكذا بدون أية ضوابط لكان جميع المشركين والمنافقين معذورين في معارضتهم، ومحاربتهم لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، كما لابدّ ـ حينئذ ـ أن نقول: إن يزيد والحجاج وأشباههما كانوا معذورين في سفكهم لدماء الأئمة المعصومين، والصالحين من المسلمين، بل ومأجورين في عملهم هذا .

* * *

انتهى النبىُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والمسلمون من بناء المسجد، وظل يوسّع فيه كل عام شيئاً فشيئاً .

وقد بُني إلى جانب المسجد صفة ليسكن فيها الفقراء والمهاجرون المحرومون. وكلّف «عبادة بن الصامت» بأن يعلّمهم الكتابة، وقراءة القرآن .


1- مسند أحمد بن حنبل: 2 / 164 و 165 .
2- العنكبوت: 8 .


(18)

التآخي; أو أعظم معطيات الايمان:

لقد فتح تمركز المسلمين في المدينة فصلا جديداً في حياة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد كان ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل دخوله المدينة لا يهمّه إلاّ جذب القلوب والدعوة إلى دينه، ولكنه اليومَ عليه أن يعمل ـ كصاحب دولة محنَّك ـ على حفظ كيانه وكيان جماعته، ولا يسمح للأعداء الداخليين والخارجيين بالتسلّل والنفوذ في صفوفهم، ولكنه كان يواجه في هذا السبيل ثلاث مشاكل كبرى:

1- خطر قريش وعامة الوثنيين في شبه الجزيرة العربية .

2- خطر يهود يثرب الذين كانوا يقطنون داخل أو خارج المدينة ويمتلكون ثروة كبيرة .

3- الاختلاف الّذي كان بين أتباعه من المهاجرين وبين الأوس والخزرج .

وحيث إن المهاجرين والانصار قد نشأوا في بيئتين مختلفتين، لهذا كان من الطبيعي أن يختلفوا في طريقة المعاشرة، وآداب السلوك، واسلوب التفكير اختلافاً كبيراً .

هذا مضافاً إلى أن الأوس والخزرج الذين كانوا يشكّلون جماعة الأنصار كانوا هم يعانون من رواسب عداء قديم وبقايا ضغائن نشأت خلال حروب دموية طويلة استغرقت مائة وعشرين سنة بلا انقطاع .

ومع وجود مثل هذه التناقضات والأخطار المحتملة لم تكن مواصلة الحياة الدينية، والسياسية المستقرة أمراً ممكناً قط .

ولكن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تغلّب على كل هذه المشكلات بطريقة حكيمة، غاية في الحنكة والابداع .

فبالنسبة إلى المشكلتين الأوليين فقد عالجهما بالقيام بأعمال سيأتي ذكرها في المستقبل .

وأما بالنسبة إلى مشكلة التناقضات بين فئات وأصناف جماعته فقد عالج


(19)

تلك المشكلة بحذق كبير، وتدبير رائع جداً .

فقد اُمر من جانب اللّه تعالى بأن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار.

فجمعهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم وقال لهم:

«تآخوا في اللّه أخوَينِ أَخَوَينِ» .

وقد ذكرت المصادرُ التاريخية الإسلامية، مثل «السيرة النبوية» لابن هشام(1) اسماء كلِّ متآخيين من المهاجرين والأنصار .

وبهذا الاسلوب كرَّس رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الوحدةَ السياسية والمعنوية بين المسلمين وقوّى اُسسَها ودعائمها .

وقد سببت هذه الوحدة، وهذا التآخي الواسع في أن يقرّرَ حلا للمشكلتين الاُوليين بسرعة وسهولة .

منقبتان عظيمتان:

ولقد ذكر أكثر مؤرّخي السنة والشيعة ومحدّثيهم في هذا الموضع منقبتين عظيمتين، نذكرهما نحن هنا أيضاً: لقد آخى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو يقول: يا فلان أنت أخ لفلان .

ولما فرغ من المؤاخاة، قال له علي ـ عليه السَّلام ـ ، وهو يبكي:

«يا رسول اللّه آخيتَ بين أصحابكَ ولم تؤاخِ بيني وبين أحد»؟

فقال له رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقد أخذ بيده:

«أنت أخي في الدنيا والآخرة»(2) .

وقد ذكر القندوزي الحنفي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا إذ قال:

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعلي:

«والّذي بعثني بالحق نبياً ما أخّرتُكَ إلاّ لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من


1- السيرة النبوية: 1 / 504 ـ 507 .
2- المستدرك على الصحيحين: 13 / 14 .


(20)

موسى إلاّ أنه لا نبىّ بعدي، وأنتَ أخي ووارثي»(1) .

غير ان ابن كثير شكّك في صحة هذا الرواية(2)، وحيث إن هذا التشكيك نابع من نفسيّته الخاصة، ولا يقلّ تفاهةً وبطلاناً من إعتذاره ودفاعه عن معاوية وزمرته الباغية عن قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر لهذا نرجح أن نصرف النظر عن النقاش فيه، ونترك القضاء والحكم عليه للقارىء المنصف، والمتتبع العدل .

منقبةٌ اُخرى لعلىّ ـ عليه السَّلام ـ :

فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من بناء المسجد، وقد بُنِيَت منازلُه ومنازل أصحابه حولَ المسجد، وكلٌ شرع منه باباً إلى المسجد، وخطّ لحمزة خطاً فبنى منزلَه فيه، وشرع بابَه إلى المسجد وخط لعلىّ بن أبي طالب مثل ما خط لهم فبنى منزله فيه وشرع بابه إلى المسجد، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الابواب .

وفجأة نزل جبرئيل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال:

«يا محمّد إنَّ اللّه يأمُركَ أن تأمر كُلَّ من كان له بابٌ إلى المسجدِ أنْ يَسدَّهُ ولا يكون لاَِحَد بابٌ إلى المسجد إلاّ لكَ ولعلىّ  ـ عليه السَّلام ـ ».

يقول ابن الجوزي: فأوجدَ هذا الامرُ ضجة عند البعض، وظنُوا أنّ هذا الاستثناء قدنشأ عن سبب عاطفي، فخطب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الناس وقال فيما قال:

«واللّه ما أنا أمرتُ بذلك، ولكنّ اللّهِ أمَر بسدّ أبوابِكم وَتركِ بابِ علىّ»(3) .

وخلاصة القول أنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قضى عن طريق المؤاخاة


1- ينابيع المودة: 56، ونظيره في السيرة النبوية .
2- البداية والنهاية: 2 / 226 .
3- تذكرة الخواص: 46، بتصرف بسيط .


(21)

الاسلاميّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين على الاختلافات القديمة الّتي كانت رواسبها باقية بين المسلمين إلى ذلك اليوم، وبذلك حل مشكلة من المشاكل الثلاث الّتي مرّ ذكرها .

معاهدة الدفاع المشترك بين المسلمين ويهود يثرب:

كانت المشلكة الثانيةُ الّتي يواجهها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة هي مشكلة يهود يثرب الذين كانوا يقطنون المدينة وخارجها وكانوا يمسكون بأزمّة التجارة والاقتصاد في تلك المنطقة.

لقد كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يدرك جيداً أنه مالم تصلح الأوضاع الداخلية في المدينة ومالم يضمَّ إلى صفوفه يهود يثرب، وبالتالي مالم يقم وحدةً سياسيةً عريضةً في مركز حكومته، لم تتهيأ لشجرة الإسلام أن تنمو، ولن يتهيأ له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يفكر في أمر الوثنيين والوثنية في شبه الجزيرة العربيّة ولا يستطيع معالجة المشلكة الثالثة أعني قريش خاصة .

والمشكلة واحدة مالم يستتبّ الأمن والاستقرار في مقر القيادة لن يمكن الدفاع ضدّ العدوّ الخارجي .

ولقد قام بين يهود المدينة والمسلمين في بداية هجرتهم اليها نوعٌ من التفاهم لأسباب خاصة، لأنّ كلا الجانبين كانا موحّدَين يعبدان اللّه، ويرفضان الأوثان، وكان اليهود يتصوّرون أنهم يستطيعون ـ إذا اشتد ساعد المسلمين، وقويت شوكتهم ـ أن يأمنوا حملات المسيحيين الروم، هذا من جانب، ومن جانب كان بينهم وبين الأوس والخزرج علاقات عريقة ومواثيق قديمة .

من هنا حاولَ النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكرّس هذا التفاهم، ويبلوره بعقد معاهدة تعايش، ودفاع مشترك بين الأنصار والمهاجرين وقَّع عليها يهود المدينة أيضاً(1).


1- المقصود منهم يهود الأوس والخزرج، وأما يهود بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة فقد عقد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ معهم معاهدةً مستقلةً سنذكرها.


(22)

وقد احترمَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك المعاهدة دين اليهود وثروتهم في اطار شرائط معيّنة .

وقد أدرج كُتّاب السيرة والمؤرّخون النصَّ الكامل لهذه المعاهدة في كتبهم(1).

ونظراً لأهميّتها الخاصَّة، ولأنها تُعتبر مستنداً تاريخيّاً حيّاً، قوىَّ الدلالة، ولكونها تكشف عن مدى التزام رسول الإسلام العظيم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بمباديء الحرية والنظم والعدالة، ومبلغ مراعاته واحترامه لها في الحياة، ولأنها تكشف لنا كيف أنها أوجدت جبهةً متحدةً قويةً في وجه الحملات الخارجية نذكر هنا نقاطها الحسّاسة ونسجّلها كواحد من أكبر الانتصارات السياسية الّتي أحرزتها الحكومة الإسلامية الناشئة في العالم ذلك اليوم .

أعظم معاهدة تاريخية:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا كتابٌ من محمّد النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم .

«البند الاوّل»

1- إنّهم اُمّةٌ واحدةٌ من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم (أي على الحال الّتي جاء الإسلام وهم عليها) يتعاقلون بينهم (أي يدفعون دية الدم) وهم يفدون عانيهم (أسيرهم) بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

2ـ وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاُولى، كلُّ طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وهكذا بنو ساعدة وبنو الحارث، وبنو جشم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف وبنو النبيت، وبنو الأوس كلٌّ على ربعتهم


1- مثل السيرة النبوية: 1 / 501 .


(23)

(والحال الّتي جاء الإسلام وهم عليها من حيث التعاون على الديات إلى أولياء المقتول، ودفع الفدية معاً لفكِ الأسير) .

3- وإنَّ المؤمنين لا يتركون مفرحاً (أي مثقلا بالدَين وكثير العيال) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (أي دفع دية أوفداء أسير) .

4- وإنَّ المؤمنين المتقين (يدٌ واحدة) على من بغى منهم، أوابتغى دسيعة (عظيمة) ظلم أو إثم أو عُدوان أو فساد بين المؤمنين، وأنّ أيديهم عليه جميعاً ولو كان وَلدَ احدهم .

5ـ وأَن لا يحالف مؤمنٌ مولى (أي عبد) مؤمن دونه (أي دون إذنه) .

6ـ وأن لا يقتل مؤمنٌ مؤمناً في كافر (أي قصاصاً لمقتل كافر على يَدَي ذلك المؤمن) ولا ينصر كافراً على مؤمن .

7ـ وانَّ ذمةَ اللّه واحدة (تشمل جميع المسلمين بلا استثناء) يجيرُ عليهم أدناهم (فاذا أجار عبدٌ مسلمٌ كافراً قُبِلَت إجارته واحترِمَ أمانه) .

8ـ وإنّ المؤمنين بعضَهُم موالىَ بعض دون الناس .

9ـ وإنّه مَن تبعنا من يهود فانَّ له النصرَ والاسوةَ غيرَ مظلومِين، ولا متناصرين عليهم .

10- وإنَّ سلمَ المؤمنين واحدةً لا يُسالَمُ مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على سواء وعَدل بينهم (فلا يجوز لأحد أن ينفرد بعقدِ معاهَدةِ صلح مع أحد من غير المسلمين إلاّ بموافقة المسلمين) .

11- و إنَّ كلَّ غازية غزت معنا يعقّب بعضها بعضاً (أي يتناوب المسلمون في المشاركة في الجهاد)، وانّ المؤمنين يبيء بعضهُم على بعض بما نالَ دماءَهم في سبيل اللّه (أي يراقُ منهم الدمُ على السواء لا أن يتعرض للقتل بعضٌ دون بعض) .

12- وإنّ المؤمنين المتقين على أحسنِ هدى وأقومه .

13- وأن لا يجيرَ مشركٌ (من مشركي المدينة) مالا لقريش، ولا نفساً، ولا يحولَ دونه على مؤمن (أي لا يمنعه من مؤمن) .


(24)

14- وإنّه من اعتبط مؤمناً (أي قتل من المؤمنين مؤمناً بلا جناية منه توجب قتله) قتلا عن بيّنة فانّه قِوَدٌ به (أي يُقتَل بقتله قصاصاً) إلاّ أن يرضى ولىُّ المقتول .

وانّ المؤمنين عليه كافّة، ولا يحلُّ لهم إلاّ قيامٌ عليه.

15- وإنه لا يحلُّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمنَ باللّهِ واليومِ الآخر، أن يَنصُرَ مُحدِثاً (صاحب بدعة) ولا يؤويه وأنه من نصرَهُ، وآواه فعليهِ لعنةُ اللّهِ وغضبُه يوم القيامة، ولا يُؤخذُ منه صرفٌ ولا عدلٌ .

16- وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مردَّهُ إلى اللّه عزّوجلّ وَ إلى محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

«البندُ الثاني»

17- وإنّ اليهودَ ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين (ودفاعاً عن المدينة) .

18- وإنّ يهود بني عوف اُمةٌ من المؤمنين (وبنو عوف قبيلة من قبائل الأنصار) لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم ،إلاّ من ظلم واثم، فانه لا يوتغ (لا يهلك) الاّ نفسه وأهل بيته (والسبب في هذا هو أن أهل بيت الرجل يتبعونه ويؤيّدونه في فعله غالباً وعادةً) .

والمراد من هذا الاستثناء هو أن العلاقات والاتحاد يبقى قائماً بين تلك الطائفة من اليهود وبين المسلمين مادام لم يكن ثمة ظالِمٌ ومعتد .

19- وإنّ ليهود بني النجار، وبني الحارث وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس وبني ثعلبة، وبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، من الحقوق والامتيازات.

وإن جفنة بطن من ثعلبة (أي تلك القبيلة فرعٌ من هذه)، وانّ لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف .

20- وإنَّ البرَّ دونَ الإثم (أي أن يغلب حسناتُهم على سيّئاتِهم) .

21- وإنَّ موالي ثعلبة (أي المتحالفين معهم) كأنفسهم .


(25)

22- وإنّ بطانة يهود (أي خاصتهم) كأنفسهم .

23- وأنه لا يخرج منهم أحدٌ (من هذه المعاهدة) إلاّ باذن محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

24- وإنّه لا ينحجر على ثأر جرح (أي لا يضيع دمٌ حتّى الجرح)، وان من فتك (بأحد) فبنفسه فتك، وأهل بيته إلاّ من ظلم (أي إلاّ إذا كان المفتوك به ظالماً) .

25- وإنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وانّ بينهم النصرَ على من حارب أهلَ هذه الصحيفة (أي أن على كل جماعة من المسلمين واليهود أن يقوم بنصيبه من نفقات الحرب) .

26- وإنّ بينهم النصحَ والنصيحة (أي أن تكون العلاقات على هذا الاساس) والبر دون الاثم .

27- وإنّه لم يأثم امروءٌ بحليفه (أي لا يحقُ لأحد أن يظلم حليفَه) وأن النصرَ للمظلوم (لو فعل أحد ذلك) .

28- وإنّ يثرب حرامٌ جوفُها لأهل هذه الصحيفة (أي أنّ داخل المدينة حرمٌ ومأمنٌ لجميع من وقَّعَ على هذه الصحيفة) .

29- وإنَّ الجار (وهو من يدخل في أمانِ أحد)كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، (فلا يجوز إلحاق ضرر به) .

30ـ وإنّه لا تجار حرمة إلاّ باذن أهلها.

31- وإنّه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجبار يُخاف فسادُه فان مردَّهُ إلى اللّهِ عزّوجلّ وإلى محمّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإنَّ اللّه على اتّقى ما في هذه الصحيفة وأبرهُ (أي أنه تعالى ناصر وولي لمن التزم بهذه المعاهدة) .

32- وإنّه لا تجارُ قريشٌ ولا من نَصَرَها .

«البند الثالث»

33- وإنّ بينهم (أي بين اليهود والمسلمين) النصر على من دهم يثربَ


(26)

(فعليهم معاً أن يدافعوا عن المدينة ضدَّ المعتدين) .

34- وإذا دُعوا (أي دعا المسلمون اليهود) إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه، فانهم يصالحونهُ ويَلبسونه .

وإنّهم إذا دُعوا (أي إذا دعا اليهودُ المسلمين) إلى مثل ذلك (الصلح) فانه لهم على المؤمنين إلاّ من حاربَ في الدين .

فعلى اليهود أن يوافقوا على كل صلح يعقِدُه المسلمون مع الأعداء وهكذا على المسلمين أن يقبَلوا بكلِ صلح يعقده اليهود مع الاعداء إلاّ إذا كان ذلك العدوّ ممن يخالفُ الإسلام ويعاديه ويتآمر عليه .

35- وإنّ يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة .

«البندُ الرابع»

36- وإنّهُ لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. (فلا يمكن لأحد أن يتسير وراءه ليتخلّص من العقاب إذا ارتكبَ خطيئةً وجنايةً) .

37- وإنّه من خرج (من المدينة) آمنٌ، ومن قعد آمن بالمدينة إلاّ من ظلم أو أثم .

ثم خُتِمَت هذه المعاهدة بالعبارة التالية:

«وإنّ اللّه جار لِمَن بَرَّ واتّقى، ومحمَّد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ »(1) .

إنَّ هذه المعاهدة السياسية التاريخية الّتي أدرجنا هنا أهم مقاطعها تعدُّ نموذجاً كاملا لرعاية الإسلام وحرصِه على مبدأ حرّية الفكر والاعتقاد، ومبدأ الرفاه الاجتماعي العام، وضرورة التعاون في الاُمور العامة، بل وتوضّح هذه المعاهدةُ ـ فوق كلّ ذلك ـ حدودَ صلاحيّات واختيارات القائد، ومسؤوليّة كلِّ الموقّعينَ عليها، وعلى أمثالها .

على أنه وإن لم يشترك يهودُ «بني قريظة» و «بني النضير» و «بني قينقاع»


1- السيرة النبوية: 1 / 503 و 504، الاموال: 125 ـ 202 .


(27)

في إبرام هذه المعاهدة والتوقيع عليها، بل شارك فيها يهودُ الأوس والخزرج فقط، إلاّ أنّ تلك الطوائف اليهودية (الثلاث)قد وقعت فيما بعد مع قائد المسلمين وزعيمهم على معاهدات مماثلة أهم بنودها هي:

أن لا يُعينوا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولا على أحد من أصحابه بلسان ولايد ولا بسلاح ولا بكراع (أي الخيل وغيرها من المراكب) في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، اللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حلٍّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم، ونسائهم، وأخذ أموالهم .

وقد كتبَ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لكلِّ قبيلة منهم كتاباً على حدة على هذا الغرار، ثم وقع عليها «حييُ بن أخطب» عن قبيلة بني النضير، و «كعب بن أسد» عن بني قريظة، و «المخيريق» عن قبيلة بني قينقاع(1) .

وبهذا سادَ الأمنُ يثرب وضواحيها بعد أن اعتبرت المنطقة حرماً آمناً .

والآن جاء دور أن يعالج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ المشكلة الاُولى، يعني قريش لأنه مادام هذا العدوُّ يعرقل حركة الدعوة، ويقف سدّاً أمام تبليغ الإسلام فلن يُوَفَّقَ لنشر هذا الدين وتطبيق أحكامه، وتعاليمه المباركة .

ممارسات اليهود الإجهاضية:

لقد تسبّبت تعاليمُ الإسلام الرفيعة وأخلاق الرسول العظيم في أن يتزايد عددُ المنتمين إلى الإسلام يوماً بعد يوم، وتزداد بذلك قوّةُ الإسلام العسكرية والاقتصادية والسياسية .

وقد أحدث هذا التقدمُ المتزايد الباهر قلقاً وضجةً عجيبةً في الأوساط اليهودية الدينية، لأنهم كانوا يتصوَّرون أنهم يستطيعون بدعمهم رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتقويته وتأييده جرَّه إلى صفوفهم، ولم يكونوا يتصوّرون قط أنّ


1- بحارالأنوار: 19 / 110 و 111. احتفظ في ذاكرتك أيها القاريء الكريم هذا القسم من المعاهدة الثانية لأن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عاقب اليهود بسبب نقضهم لهذه المعاهدة .


(28)

النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيحصل بذاته على قوة تفوق قوة اليهود والنصارى، من هنا بَدَأوا بممارسة الأعمال الاجهاضية مثل طرح الاسئلة الدينية العويصة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بغية زعزعة إيمان المسلمين بنبيّهم، ولكن جميع هذه المخططات باءت بالفشل ولم تترك أي أثر في صفوف المسلمين المتراصة وايمانهم العميق برسول الإسلام .

وقد جاءت بعض هذه المناظرات والمجادلات في سورة البقرة وسورة النساء.

ويستطيع القارىء العزيزُ ـ من خلال قراءة ـ آياتِ هاتين السورتين والتمعن فيهما أن يقف على مدى العناد واللجاج الّذي كان يُبديه اليهودُ .

فمع أنهم كانوا يتلقون من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أجوبة واضحة لكلِّ واحد من اسئلتهم كانوا يتهرّبون من الانضواء تحت راية الإسلام ويحجمون عن الاعتراف به، وكانوا يقولون في مقام الردّ على دعوة النبىّ إياهم إلى اعتناق الإسلام:

(قلوبُنا غلف) .

أي لانفهم ما تقول!!!(1) .

اسلام عبداللّه بن سلام:

هذه المناظرات والمجادلات وان كانت لا تزيد غاليبة اليهود إلاّ تعنّتاً وعناداً، ولكنها كانت تسبّب أحياناً يقظة البعض وإقبالهم على الإسلام مثل «عبداللّه بن سلام».

فقد أسلم ابن سلام الّذي كان من علماء اليهود وأحبارهم، برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد سلسلة من المناظرات والمجادلات المطولة(2).

ولم يمض وقتٌ كبيرٌ على اسلام ابن سلام إلاّ والتحق به عالمٌ آخر من علماء


1. للوقوف على نص هذه المناظرات راجع السيرة النبوية: 1/ 530 ـ 572، بحارالأنوار: 9 / 303 فما بعد .
2- للوقوف على نص هذه المناظرات راجع السيرة النبوية: 1/ 530 ـ 572، بحارالأنوار: 9 / 303 فما بعد .


(29)

اليهود هو «المخيريق» .

وكان عبداللّه بن سلام يعلم بأنه سيذمُّه قومُه من اليهود إذا عرفوا باسلامه وترك دينهم، من هنا طلب من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يكتم عن الناس إسلامه، ريثما يحصل أولا على اعتراف من قومه بعلمه وتقواه، وبمعرفته وصلاحِه قائلا: «يا رسول اللّه إن يهود قومٌ بُهُت، وأني أحبُّ أن تُدخلني في بعضِ بيوتك، وتغيّبني عنهم ثم تسألهم عنّي حتّى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني» .

فأدخله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض بيوته وأخفاه عن الانظار ثم قال لليهود الداخلين عليه:

«أىُّ رجل الحصينُ بنُ سلام فيكم؟»

قالوا: سيدُنا وابنُ سيدنا، وحَبرُنا وعالمُنا، فخرجَ عليهم «عبدُ اللّه بنُ سلام» من مخبأه وقال لهم: يا معشر يهود اتّقوا اللّهَ واقبَلوا ما جاءكم به، فواللّه إنّكم لتعلمون أنه لرسول اللّه تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فاني أشهدُ أنه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، واُؤمن به واُصدّقه وأعرِفُه .

فغضب اليهودُ من مقالته، وقالوا له: كذبتَ ووقعوا فيه، وعابوه، وبهتوه(1) .

خطةٌ اُخرى للقضاءِ على الحكومة الإسلامية :

لم تضعف مجادلاتُ اليهود واسئلتهم العويصة عقيدة المسلمين وايمانَهم برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فحسب، بل تسبَّبَت في أن تتضح مكانته العلمية، وقيمة معارفه الغيبية للجميع أكثر من ذي قبل .

ففي ظلّ هذه المجادلات والمحاورات رغب جماعات كبيرة من الوثنيين واليهود في الإسلام فآمنوا برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصدَّقوه .

من هنا دبَّر اليهودُ مؤامرة اُخرى وهي التذرُّع باُسلوبِ «فرِّقْ تسُدْ»، لالقاء


1- السيرة النبوية: 1 / 516 .


(30)

الفرقة في صفوف المسلمين .

فقد رأى دهاة اليهود وساستهم أن يستغلّوا رواسب الاختلافات، ويؤججوا نيران العداء القديم بين الأوس والخرج الّذي زال بفضل الإسلام وبفضل ماارساه من قواعد الاخوة والمساواة والمواساة والمحبة، بعد أن كانت مشتعلةً طوال مائة وعشرين عاماً متوالية، ليستطيعوا بهذه الطريقة تمزيق صفوف المسلمين بإثارة الحروب الداخلية بينهم، والّتي من شأنها ابتلاع الاخضر واليابس والقضاء على الجميع دونما استثناء.

ففيما كان نفرٌ من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه إذ مرّ عليهم «شاس بن قيس» وهو يهوديٌ شديد العداء للإسلام، عظيمُ الكفر، شديدُ الضغن على المسلمين، فغاظه ما رأى من اُلفةِ الأوس والخزرج، واجتماعهم وتوادُدِهم، وصلاح ذاتَ بينهم على الإسلام بعد الّذي كان بينهم من العداوةِ الطويلةِ في الجاهلية، فأمر فتى من يهود كان معهم فقال له: إعْمِدْ إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يومَ بعاث(1) وما كان قبله وأنشدهم بعضَ ما كانوا تقاولوا وتبادلوا فيه من الاشعار!! ايقاعاً بين هاتين الطائفتين من الأنصار، وإثارة لنيران الاحقاد الدفينة، والعداوات الغابرة .

ففعل ذلك الغلامُ اليهوديُ ما أمره به «شاس» فتكلمَ القومُ عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، وتواثبَ رجلان من القبيلتين على الرُكَب وأخذ كل منهما يهدّدُ الآخر، وتفاقم النزاعُ، وغضب الفريقان وتصايحا، وقاما إلى السلاح وكاد أن يقع قتالٌ ودمٌ بعد أن ارتفعت النداءات القبلية بالاستغاثة والاستنجاد على عادة الجاهلية، فبلغ ذلك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعرف بمكيدة اليهود، ومؤامرتهم الخبيثة هذه، فخرج إلى تلك الجماعة المتصايحة من الأوس والخزرج في جمع من أصحابه المهاجرين فقال:


1- قد مرّ ذكر هذه الوقعة وقلنا: هو يوم اقتتلت فيه الأوسُ والخزرج وكان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج .


(31)

«يا معشر المسلمين، اللّهَ اللّهَ اَبِدَعوى الجاهليةِ وأنا بينَ أظهِرُكُم بَعدَ أن هَداكُم لِلإسلام، وأكرَمَكُم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهِليّة، واستنقذكُم به من الكُفر، وألَّف بينَ قُلُوبِكُم؟؟» .

فعرف القومُ أنها مؤامرة مبيَّتة من اليهود اعداءِ الإسلام والمسلمين، وكيدٌ خبيثٌ منهم، فندموا على ما حدث، وبكَوا وعانَق الرجال من الأوس والخزرج بعضهُم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سامعين مطيعين، وأطفأ اللّهُ عنهم كيدَ أعدائهم(1) .

إلاّ أن مؤامرات اليهود لم تتوقف عند هذا الحدّ، ولم تنته بهذا، فقد اتسعت دائرة خيانتهم وجنايتهم، ونقضهم للعهد وأقاموا علاقات سرية وخاصة مع مشركي الأوس والخزرج، ومع المنافقين والمترددين في اسلامهم واعتقادهم، واشتركوا بصورة صريحة في اعتداءات قريش على المسلمين ،وفي الحروب الّتي وقعت بين الطرفين، وكانوا يُقدّمون كل ما أمكنهم من الدعم والمساعدة للوثنيين، ويعملون لصالحهم!!

وقد جَرّت هذه النشاطاتُ السرّية والعلنيةُ المضادَّةُ المعاديةُ للاسلام والمسلمين، وهذا التعاون المشؤوم مع مشركي قريش، جرّت إلى وقوع مصادمات وحروب دامية بين المسلمين والطوائف اليهودية أدت في المآل إلى القضاء على الوجود اليهودي في المدينة .

وسيأتي ذكر هذه الحوادث في وقائع السنة الثالثة والرابعة من الهجرة، وسيتضح هناك كيف أن الجماعة اليهودية ردت على الجميل الّذي تعكسه كلتا المعاهدتين من أولهما إلى آخرهما، بنقض العهد، ومعاداة الإسلام والمسلمين، والتآمر ضدّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّة، وبنصرة أعدائه، ودعم خصومِه، الأمرُ الّذي أجبر النبىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على تجاهل تلك المعاهدات الودية والإنسانية ومن ثم محاربتهم، وإخراجهم من المدينة وما حولها والقضاء على


1- السيرة النبوية: 1 / 555 ـ 557 .


(32)

ما تبقي مِن كياناتهم الشريرة .

لقد أقام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة من ربيع الأول من السنة الاُولى للهجرة إلى شهر صفر من السنة الثانية حتّى بنى المسجد والبيوت والمنازل المحيطة بها، وقد أسلم في هذه الفترة كلُ من تبقّى من الأوس والخزرج، ولم تبق دارٌ من دور الانصار إلاّ أسلم أهلُها، ما عدا بعض العوائل والفروع ممن بقوا على شركهم، ولكنهم أسلموا بعد معركة بدر(1) .


1- السيرة النبوية: 1 / 500 .

Website Security Test