welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(225)

7
العَوْدة
إلى اَحضان العائلة

لقد خَلقَت يدُ القدرة الالهية كلَ فرد من أفراد النوع الانساني لأمر معين، فهناك من خلق لا كتساب العلم والمعرفة، وهناك من خُلقَ للاختراع والاكتشاف، وثالثٌ خلق للسعي والعمل، وبعض للتدبير والسياسة وفريق للتدريس والتربية وهكذا .

وإن المربِّين المخلصين الذين يهمّهم تقدم الأَفراد أو رقىّ مجتمعهم لا يعمدون إلى نَصب أحد في عمل من الاعمال ولا يعهدون إليه مسؤولية من المسؤوليات إلاّ بعد اختبار سليقته ومواهبه، بغية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، إذ في غير هذه الحالة يتعرِّض المجتمع لضررين كبيرين: احدهما: أن لا يوكل إلى الفرد ما يستطيع القيام به، والثاني: ان يبقى العمل الّذي قام به ناقصاً، مبتوراً.

وقد قيل في المثل: لكل انسان موهبة، والسعيد هو من اكتشف تلكم المواهب، واصابها .

وقد ذكروا أن استاذاً كان ينصح تلميذاً له كسولا، ويعدّد له مضارَّ الكسل والتواني، ويصف له حال من ترك الاشتغال بالعلم، وضيّع ربيع حياته في البطالة والغفلة .

وبينما الاستاذ ينصح تلميذه ـ وهو يسمع مواعظ اُستاذه - رأى تلميذه يرسم


(226)

بقطعة من الجص صورة على المنضدة، فادرك من فوره أن هذا الصبىّ لم يُخلق للدرس وتحصيل العلم، بل خلقته يد القدرة للرسم، فطلب منه أن يصطحب اباه إلى المدرسة في اليوم القادم، ثم قال لوالد الصبىّ: إذا كان ولدك هذا كسولا في التعلم، والتحصيل فانه يمتلك ذوقاً رفيعاً في الرسم، ورغبة كبيرة في التصوير .

وقبل الوالد نصيحة المعلّم هذه ولم يمض زمانٌ طويل إلاّ وبرع الصبي وغدى قمة في هذا الفن، بعد أن تابع هوايته بشغف وأكثر من ممارستها .

إن فترة الطفولة والصبا في حياة الأشخاص خير فرصة لأولياء الأطفال بأن يختبروا مواهب أبنائهم، ويتعرفوا عليها من خلال تصرفاتهم، وأفكارهم وردودهم، لأن حركات الطفل وأقواله الجميلة والحلوة خير مرآة لما ينطوي عليه من مواهب وقابليات وصفات لوتوفرت لها ظروف التربية الصحيحة لأمكن الاستفادة منها على أفضل صورة، وأحسن وجه .

إن مطالعة فاحصة لحياة النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأقواله وأفعاله إلى وقت البعثة المباكرة تُوقفنا على صورة كاملة لشخصيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتوضح لنا أهدافه العليا، على أن مطالعة صفحات الطفولة في حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقط لا تكشف لنا عن مستقبله المشرق، بل ان دراسة الصورة الاجمالية لحياته وتاريخه إلى يوم مبعثه الشريف، وإعلانه عن نبوَّته وقيادته للمجتمع، تخبرنا عن ذلك المستقبل العظيم، وبالتالي عن هذه الحقيقة وهي ان هذه الشخصية خُلِقَت لأىّ عمل، وأن إدعاء الرسالة والقيادة له هل ينسجمُ مع سوابقه التاريخية أم لا؟؟

هل تُؤيّد تفاصيلُ حياتِه خلال أربعين سنة قبل الرسالة، وهل تؤيّد أفعالُه واقوالُه، وبالتالي: سلوكه مع الناس ومعاشرته الطويلة مع الآخرين رسالته أم لا؟؟

من هنا نعمدُ إلى عرض بعض الصفحات من حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايامها وسنواتها الاُولى .


(227)

لقد حافظت مرضعةُ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليه خمس سنوات، وقامت في هذه المدة برعاية شؤونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، وفي خلال هذه المدة تعلّم النبي لغة العرب على احسن ما يكون، حتّى انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يفتخر بذلك في ما بعد إذ كان يقول:

أنا أعربكُمْ (اي أفصحكم)... وارضعت في بني سعد»(1) .

ثم ان «حليمة» جاءت به إلى «مكة»، وبقي عند امّه الحنون ردحاً من الزمن، وفي كفالة جده العظيم: «عبدالمطلب» ردحاً آخر منه، وكان هو السلوة الوحيدة لاقاربه والبقية الباقية من ابيه: «عبداللّه»(2) .

سَفْرةٌ إلى يثرب:

منذ أن فقَدت كَنّة «عبدالمطلب» وعروس ابنه: «آمنة» زوجها الشاب الكريم: «عبداللّه» باتت تترقب الفرص لتذهب إلى «يثرب» وتزور قبر زوجها الحبيب الفقيد عن كثب، وتزور اقاربها في يثرب في نفس الوقت .

وذات مرة فكَّرت بأن تلك الفرصة قد سنحت، وأن ولدها «محمَّداً» قد كبُر، ويمكنه أن يشاركها في حزنها، فتهيأت هي واُمّ ايمن للسفر، واتجهت نحو يثرب برفقه «محمَّد»، ولبثت هناك شهراً .

ولقد انطوت (وبالاحرى حملت) هذه السفرة على بعض الآلام الروحية لوليد قريش «محمّد» لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رأى فيها ولأوّل مرة البيت الّذي توفي فيه والده العزيز، ودفن(3) وكانت والدته قد حدَّثته بامور عن والده إلى ذلك الحين .

وكانت لا تزال سحابةُ الحزن تخيّم على روحه الشريفة إذ فوجىء بحادثة مقرحة اُخرى، وغشيه موج آخر من الحزن لأنه عند عودته إلى مكة فقد اُمّه


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 89 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 167 .
3 - كان البيت الّذي يضمّ قبر «عبداللّه» عليه السّلام لا يزال موجوداً حتّى قُبيل توسعة الدائرة حول المسجد النبوي الطاهر، ولكنه اُزيل بحجّة إيجاد تلك التوسعة .


(228)

العزيزة في اثناء الطريق في منطقة تدعى بـ «الابواء»(1) .

إنَ هذه الحادثة قد عزَّزتْ مكانة الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عشيرته اكثر فأكثر، وجعلته يتمتع بمحبّة أزيد منهم، فهو الزهرة الوحيدة من تلك الجنينة المباركة، كما انه صار منذ ذلك الحين يتمتع بعناية أكبر من قبل جده «عبدالمطلب» ولهذا كان يحبُّه اكثر من أبنائه، بل ويؤثره عليهم جميعاً .

ومن ذلك أنه كان يُمدُّ في فناء الكعبة المعظمة بساطٌ لزعيم قريش «عبدالمطلب» فيجلس هو عليه ويتحلَّقُ حوله وجوهُ قريش وسادتها وأولادُه فإذا وقَعت عيناه على بقية عبداللّه «محمَّد» أمر بأن يُفرَّجَ له حتّى يتقدم نحوه ثم يُجلِسُه إلى جنبه على ذلك البساط المخصوص به(2) .

ان القرآن الكريم يُذكّر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بفترة يتمه ويقول: «ألمَ يجدْكَ يتيماً فآوى» .

إن الحكمة وراءيتم وليد قريش ليست واضحة لنا تمام الوضوح، ولكننا نعلم إجمالا بأن سيل هذه الحوادث المؤلمة احيانا، والمزعجة احيانا اخرى لم يك خالياً عن حكمة معقولة ومصلحة رشيدة، بيد أننا مع كل هذا يمكن لنا الحدس بأن اللّه تعالى أراد أن يذوق قائد العالم البشري ومعلمه، وإمام الإنسانية وهاديها ـ وقبل ان يتسلم مهامه، ويزاول مسؤولياته العظمى ويبدأ قيادته ـ حُلو الحياة ومرَّها، ويجرِّب سراء العيش وضرّاءه، حتّى تتهيَّأ لديه تلك الروحُ الكبرى الصبورة الصامدة، ويدّخر من تلك الحوادث الصعبة تجارب ودروساً، ويعدّ نفسه لمواجهة مسلسل الشدائد والمصاعب، والمشاق والمتاعب الّتي كانت تنتظره في المستقبل.

و ربما أراد اللّه تعالى أن لا تكون في عنق نبيِّه طاعة لأحد، ولهذا انشأه حراً خلياً من كل قيد، منذ الايام الاُولى من حياته، يصنع نفسَه بنفسِه ويقيّض لها موجبات الرشد، واسباب الرقىّ ليتضح أن نبوغَهُ ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 105 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 168 .


(229)

وانه لم يكن لوالديه اي دخل فيه وفي مصيره، وبالتالي فان عظمته الباهرة نابعةٌ من مصدر الوحي، وليست من العوامل العادية والاسباب المأنوسة المتعارفة .

وَفاة عبْدالمُطَّلب:

لقد جرت عادة الحياة ان تتعرض للمرء باستمرار، وتستهدف سفينة حياته كالأمواج المتلاحقة مُوجِّهة ضرباتها القوية لروحه، ونفسه .

أجل هذه هي طبيعة الحياة وسنتها مع أفراد النوع الانساني من دون استثناء .

ولم يكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمعزل عن هذ السنة المعروفة وهذه القاعدة الحياتية العامة .

فلم تكن أمواج الحزن تفارق قلب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لوفاة والديه بعد حتّى فاجأته مصيبة كبرى .

إنه لم يكن يمض من عمر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اكثر من ثمان سنوات إلا وفقد جدّه العظيم «عبدالمطلب»، وقد اعتصَرت وفاة «عبدالمطلب» قلب رسول اللّه ألماً وحزناً، وكان لها وقعٌ شديدٌ على نفسه المباركة، حتّى أنه بكى لفقده بكاء شديداً وظلّت دموعُه تجري من أجله إلى أن وري في لحده، ولم ينس ذكره أبداً!!(1) .

كفالة أبي طالب للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

سيكون لنا حديثٌ مفصَّل حول شخصيّة أبي طالب في فصل خاص(2) و سنثبت هناك إيمانه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالوثائق والأدلة القاطعة، ولكنَّ من المناسب الآن أن نستعرض بعض الحوادث المرتبطة بفترة كفالته للنبي


1 - كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 2، ص 10 و 11 من تاريخه حول سيرة عبدالمطلب، وأنه كان موحِّداً لاوثنياً، وذكر أن الإسلام أمضى الكثير من سننه .
2 - في حوادث السنة العاشرة .


(230)

ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

لقد تكَفَّل أبوطالب ـ ولأَسباب خاصة ـ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتقبل تحمُّل هذه المسؤولية بفخر واعتزاز، ولأنّ أباطالب ـ مضافاً إلى العلل المشار إليها ـ كان أخاً لوالد النبي من أُمٍّ واحدة أيضاً(1) كما أنّه كانَ معروفاً بجوده وكرمه، ومن هنا أوكلّ «عبدالمطلب» أمر كفالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حفيده، إليه، وسوف نقص عليك تدريجاً سطوراً ذهبية من تاريخه، تمثل شاهد صدق على خدماته القيمة، وأياديه الجليلة .

يقولون: إن النبي شارك وهو في العاشرة من عمره جنباً إلى جنب مع عمّه في حرب من الحروب(2) وحيث أن هذه الحرب وقعت في الأشهر الحُرم لذلك سُمّيت بحرب «الفجار» وقد وردت تفاصيل حروب «الفجار» في التاريخ بشكل مسهَب .

سَفرةٌ إلى الشام:

لقد جرت العادة ان يسافر تجار قريش إلى الشام كل سنة مرة واحدة .

فعزم «ابوطالب» على أن يشارك في رحلة قريش السنوية هذه ذات مرة، وعالج مشكلة ابن اخيه «محمَّد» الّذي ما كان يقدر على مفارقته بأنه قرر أن يتركه في مكة في حراسة جماعة من الرجال، ولكنه ساعة الرحيل واجه من ابن اخيه العزيز ما غيّر بسببه قراره المذكور فقد شاهد «محمَّداً» وقد اغرورقت عيناه بالدموع لفراق كفيله الحميم «ابي طالب»، فاحدثت ملامح «محمَّد» الكئيبة طوفاناً من المشاعر العاطفية في قلب «أبي طالب» بحيث اضطرته إلى أن يرضى


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 179، وامهما هي فاطمة المخزومية .
2 - لقد كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 1، ص 15 طبعة النجف أنّ أبا طالب لم يشترك في هذه الحرب قط، كما لم يسمح لبني هاشم بالمشاركة فيها أيضاً، لأنه كان ظلماً وعدواناً وقطيعة رحم واستحلالا للشهر الحرام.


(231)

بمشقة اصطحاب «محمَّد» في تلك الرحلة(1) .

لقد كانت سفرة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذه الّتي قام بها بصحبة عمّه وكافله «ابي طالب» في الثانية عشرة من عمره، من اجمل وأطرف اسفاره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عَبر فيها على: «مَديَن» و «وادي القرى» و «ديار ثمود» واطّلع على مشاهد الشام الطبيعية الجميلة .

ولم تكن قافلة قريش التجارية قد وَصلت إلى مقصدها حتّى حدثت في منطقة تدعى «بصرى» قضية غيرت برنامج «ابي طالب» وتسببت في عدوله عن المضي به في تلك الرحلة والقفول إلى مكة.

واليك فيما يلي مجمل هذه القضية:

كان يسكن في «بصرى» من نواحي الشام راهبٌ مسيحي يدعى «بحيرا» يتعبّد في صومعته، يحترمه النصارى في تلك الديار .

وكانت القوافل التجارية إذا مرت على صومعته توقفت عندها بعض الوقت وتبركت بالحضور عنده .

وقد اتفق أن التقى هذا الراهبُ قافلة قريش الّتي كان فيها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلفت نظره شخصيةُ «محمَّد»، وراح يحدق في ملامحه، وكانت نظراته هذه تحمل سراً عميقاً ينطوي عليه قلبه منذ زمن بعيد وبعد دقائق من


1 - ويذكر «أبوطالب» في ابيات له قصّة هذه السفرة وما جرى فيها من البدء إلى الختام نقتطف منها بعض الأبيات:

إنَّ ابنَ آمِنة النبي محمَّداً * عِندي يفوقُ منازل الأولاد
لما تعَلّق بالزمام رحمتُه * والعيسُ قد قلَّصْنَ بالازواد
فَارفضَّ من عينىّ دمع ذارفٌ * مثل الجمان مُفرّق الأفراد
راعيتُ فيه قرابة موصولة * وحفَظت فيه وصية الأجداد
وأمرتُه بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت أنجاد
حتّى إذا ما القومُ بُصرى عاينوا * لاقوا على شرك من المرصاد
حبراً فاخبرهم حديثاً صادقاً * عنه وردّ معاشر الحُسّاد

(تاريخ ابن عساكر: ج 1، ص 269 ـ 272 و ديوان ابي طالب: ص 33 ـ 35) .


(232)

النظرات الفاحصة، والتحديق في وجه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خرج عن صمته وانبرى سائلا: اُنشدكم باللّه أيّكم وليّه؟

فاشار جماعة منهم إلى «أبي طالب» وقالوا: هذا وليّه .

فقال «ابوطالب»: إنه ابن أخي، سلني عمّا بدا لك .

فقال «بحيرا»: إنه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ، نجده في كتبنا وماروينا عن آبائنا، هذا سيّدُ العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه رحمة للعالمين. إحذرْ عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنَّ قتلَه(1) .

هذا وقد اتفق اكثر المؤرخين على أنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتعدَّ تلك المنطقة، وليس من الواضح أن عمه «أبا طالب» بعثه إلى مكة مع أحد، (ويُستَبعد أن يكون عمُه قد رضي بمفارقته منذ أن سمع تلك التحذيرات من الراهب بحيرا)، أم أنه اصطحبه بنفسه إلى مكة، وانثنى عن مواصلة سفره إلى الشام(2) .

وربما قيل أنه تابع ـ بحذر شديد ـ سفرَهُ إلى الشام مع ابن اخيه «محمَّد» .

أكذُوبَةُ المُسْتشرقيْن:

لقد آلينا على أنفسنا في هذا الكتاب ان نشير إلى أخطاء المستشرقين وغلطاتهم بل وربما أكاذيبهم، واتهاماتهم الباطلة، وشُبههُم الواهية ليتضح للقراء الكرام الى أي مدى يحاول هذا الفريق إرباك أَذهان البُسطاء من الناس، وبلبلة عقولهم حول قضايا الإسلام!!

إن قضية اللقاء الّذي تم ـ في بصرى ـ بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والراهب «بحيرا» لم تكن سوى قضية بسيطة، وحادثة عابرة وقصيرة، إلا أنها وقعت في ما بعد ذريعة بايدي هذه الزمرة (المستشرقون) فراحوا يصرّون أشدّ اصرار على أنّ


1 - روى تاريخ الطبري: ج 2، ص 32 و 33، والسيرة النبوية: ج 1، ص 180 ـ 183 هذه القصّة بتفصيل اكبر وقد اختصرناها هنا تمشياً مع حجم هذا الكتاب .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 182 و 183 .


(233)

ما أظهره رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من تعاليم رفيعة سامية بعد 28 عاماً، واستطاع بها أن يُحيي بها تلك الاُمة الميّتة قد تلقاها من الراهب «بحيرا» في هذه السفرة. ويقولون: إن «محمَّداً» بما تمتع به من قوة ذاكرة، وصفاء نفس ودقة فكر، وعظمة روح وهبته اياها يد القدر، أخذ من الراهب «بحيرا» في لقائه به، قصص الانبياء السالفين والاقوام البائدة مثل عاد وثمود، وكثيراً من تعاليمه الحيوية .

ولا ريب في أن هذا الكلام ليس سوى تصور خيالي لا يتلاءم ولا ينسجم مع حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل وتكذبه الموازين العقلية، واليك بعض الشواهد على هذا:

1- لقد كان «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باجماع المؤرخين اُميّاً، لم يتعلم القراءة والكتابة، وكان عند سفره إلى الشام، ولقائه بـ «بحيرا» لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر بعد، فهل يصدق العقل ـ والحال هذه ـ أن يستطيع صبيٌ لم يدرس ولم يتعلّم القراءة والكتابة ولم يتجاوز ربيعه الثاني عشر ان يستوعب تلك الحقائق من «التوراة» و «الإنجيل»، ثم يعرضها ـ في سن الاربعين ـ على الناس بعنوان الوحي الالهىّ والشريعة السماوية؟!

إن مثل هذا الأمر خارج عن الموازين العادية، بل ربما يكون من الاُمور المستحيلة لو أخذنا بنظر الاعتبار حجم الإستعداد البشري .

2ـ إن مدة هذا اللقاء كان اقل بكثير من أن يستطيع محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مثل تلك الفترة الزمنية القصيرة أن يستوعب «التوراة» و «الانجيل»، لأن هذه الرحلة كانت رحلة تجارية ولم يستغرق الذهاب والاياب والاقامة اكثر من أربعة أشهر، لأن قريشاً كانت تقوم في كل سنة برحلتين، في الصيف إلى «الشام»، وفي الشتاء إلى «اليمن»، ومع هذا لا يُظنّ أن تكون الرحلة برمتها قد استغرقت اكثر من اربعة أشهر، ولا يستطيع اكبر علماء العالم واذكاهم من أن يستوعب في مثل هذه المدة القصيرة جداً محتويات ذينك الكتابين، فضلا عن صبي لم يدرس، ولم يتعلم القراءة والكتابة من احد .


(234)

هذا مضافاً إلى أنه لم يكن يصاحب ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الراهب كل تلك الاشهر الاربعة بل ان اللقاء الّذي وقع إتفاقاً في أحد منازل الطريق لم يستغرق سوى عدة ساعات لا اكثر .

3- إن النَص التاريخي يشهد بأن «اباطالب» كان ينوي اصطحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الشام، ولم يكن مقصده الأصلي «بصرى» بل إن «بصرى» كان منزلا في أثناء الطريق تستريح عنده القوافل التجارية أحياناً، ولفترة جداً قصيرة .

فكيف يمكن في مثل هذه الصورة ان يمكث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك المنطقة، ويشتغل بتحصيل علوم «التوراة» و «الانجيل» ومعارفهما؟ سواء قلنا بأن «اباطالب» أخذه معه إلى الشام، أو عاد به من تلك المنطقة إلى مكة أو أعاده بصحبة أحد إلى مكة؟!

وعلى كل حال فان مقصد القافلة ومقصد «ابي طالب» لم يكن «بصرى» ليقال: ان القافلة اشتغلت فيها بتجارتها، بينما اغتنم «محمَّد» الفرصة واشتغل بتحصيل معارف العهدين .

4- إذا كان محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تلقى اُموراً ومعارف من الراهب المذكور اذن لاشتهر ذلك بين قريش حتماً، ولتناقل الجميع خبر ذلك بعد العودة إلى مكة .

هذا مضافاً إلى أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه ما كان يتسطيع أن يدعي امام قومه في ما بعد بأنه اُمىُّ لم يدرس كتاباً، ولا تلمذ على أحد، في حين أن النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ افتتح رسالته بهذا العنوان، ولم يقل أحدٌ، يا محمَّد كيف تدعي بأنك لم تقرأ ولم تدرس عند احد وقد درست عند راهب «بصرى» وتلقيت منه هذه الحقائق الناصعة وانت في الثانية عشرة من عمرك؟

لقد وَجَّه مشركوا مكة جميع انواع الإتهام إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبالغوا في البحث عن أيّة نقطة ضعف في قرآنه يمكن أن يتذرعوا بها لتفنيد دعوته، حتّى أنهم عندما شاهدوا النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذات مرةْ عند


(235)

«مروة» يجالس غلاماً نصرانياً استغلوا تلك الفرصة وقالوا: لقد أخذ «محمّد» كلامه من هذا الغلام، ويروي القرآن الكريم مزعمتهم هذه بقوله:

(ولَقدْ نَعلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشرٌ لِسانُ الَّذي يُلْحدْونَ إليْه أَعجَمِىَّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِىّ مُبيْنٌ)(1) .

ولكن القرآن الكريم لم يتعرض لذكر هذه الفرية قط كما أن قريشاً المجادلين المعاندين لم يتذرعوا بها أبداً، وهذا هو بعينه دليلٌ قاطعٌ وقويٌ على أن هذه الفرية من افتراءات المستشرقين في عصرنا هذا، ومن نسج خيالهم!!

5ـ إن قصص الانبياء والرسل الّتي جاءت في القرآن الكريم على وجه التفصيل تتعارض وتتنافى مع ما جاء في التوراة والانجيل .

فقد ذُكِرَت قصصُ الأنبياء واحوالهم في هذين الكتابين بصورة مشينة جداً، وطُرحت بشكل لا يتفق مع المعايير العلمية والعقلية مطلقاً، وان مقايسة عاجلة بين هذين الكتابين من جانب وبين القرآن الكريم من جانب آخر تثبت بأن قضايا القرآن الكريم ومعارفه لم تتخذ من ذينك الكاتبين بحال، ولو أن النبيَ محمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد اكتسب معارفه ومعلوماته حول الانبياء والرسل من العهدين لجاء كلامُه مزيجاً بالخرافات والأَوهام(2) .

6ـ إذا كان راهب «بُصرى» يمتلك كل هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلميّة الّتي عرضها رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلماذا لم يحض هو بأي شيء من الشهرة، ولماذا ترى لم يُربِّ غير «محمَّد» في حين أن معبَده كان مزار الناس ومقصدَ القوافل؟!

7ـ يعتبرُ الكتاب المسيحيّون «محمّداً» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رجلا أميناً صادقاً، والآيات القرآنية تصرح بأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن على علم مسبق


1 - النحل: 103 .
2 - تتجلى هذه الحقيقة أكثر فاكثر إذا ما قارنّا بين مواضيع القرآن الكريم، وبين ما جاء في نصوص العهدين (التوراة والأنجيل) وقد تصدى بعض الكتاب الاسلاميين لمثل هذه المقارنة، وقد تعرضنا لها ايضاً في بعض دراساتنا .


(236)

أصلا بقصص الأَنبياء والاُمم السابقين، وأن معلوماته في هذا الصعيد لم تحصل لديه إلا عن طريق الوحي .

فقد جاء في سورة «القصص» الآية (44) هكذا: (وما كُنْتَ بجانِب الغرْبىِّ إذْ قَضيْنا إلى مُوْسى الأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشّاهِديْن) .

وجاء في سورة «هود» الآية (49) بعد نقل قصة نوح: (تِلْكَ مِنْ أَنباء الْغَيْبِ نُوحيها إليكَ ما كُنْتَ تَعلَمُها أَنْت وَ لا قومُك مِنْ قَبْل هذا) .

إن هذه الآيات توضح أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن على علم أبداً بهذه الحوادث، والوقائع.

وهكذا جاء في الآية (44) من سورة «آل عمران»: (ذلِكَ مِنْ أنْباء الْغيْبِ نُوْحيه إلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيهِمْ إذْ يُلْقُوْنَ أقْلامهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَ ما كُنْتَ لَديْهم إذْ يَخْتصِمُونَ) .

إن هذه الآية وغيرها من الآيات العديدة تصرح بأن هذه الأخبار الغيبيّة وصلت إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق الوحي فقط، وهو لم يكن على علم بها مطلقاً .

نَظْرةٌ إجْماليَّة إلى التَوْراة الحاضِرَة:

إنَّ هذا الكتاب السَماوىّ تورَّط في تناقضات عجيبة في بيان قصص الأنبياء والمرسلين لا يمكن نسبتها إلى الوحي مطلقا، وها نحن نأتي هنا بنماذج في هذا المجال من التوراة ليتضح لنا أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لو كان قد أخذَ قضايا القرآن الكريم من ذلك الراهب فلماذا لا يحتوي هذا الكتاب العظيم على تلك الأضاليل الّتي انطوى عليها «التوراة» و «الانجيل» .

واليك بعض ما جاء حول الأَنبياء والمرسلين في «التوراة» و «الانجيل» ونقارن ذلك بما جاء في القرآن الكريم ليتضح مدى الفرق بين الكتابين (العهدين، والقرآن) .

* * *


(237)

1- داود ـ عليه السلام ـ :

جاء في التوراة: «إن داود رأى من على السطح امرأة تستحمّ، وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فارسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: إنها امرأة اُوريّا فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهَّرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة، فارسلت وأخبرت داود وقالت: إني حُبلى، فارسل داود إلى يؤاب يقول: اجعلوا أوريّا في وجه الحرب الشديدة(1)، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت... فلما سمعت امرأة أوريّا أنه قدمات اُوريّا رجلُها ندبت بعلها، ولمّا مضت المناحة أرسل داود وضمَّها إلى بيته وصارت له إمرأة، وولدت له إبناً، وامّا الأمرُ الّذي فعله داود فقبح في عينىّ الرب»!!(2) .

هكذا تصف التوراة النبىّ الكريم داود، وترميه بالزنا، واكراه امرأة محصنة على خيانة زوجها!!

بينما يصف القرآن الكريم النبىّ داود ـ عليه السلام ـ بافضل الاوصاف إذ يقول (في الآية 15 و 16 من سورة النمل):

(وَ لَقَدْ آتَيْنا داوود و سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا ألحَمْدُ للّه الَّذيْ فَضَّلنا عَلى كثير مِنْ عِبادِهِ... وَ قالَ يا أيُّهَا الناسَ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَيْر وَ اُوتيْنا مِنْ كُلِّ شَيء إنَّ هذا لَهُوَ الفَضْلِ الْمُبِيْنِ) .

2ـ النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ :

تقول «التوراة» عن النبىّ العظيم سليمان ـ عليه السلام ـ :

1ـ «وداود الملكُ ولد سليمان من الّتي لاُوريّا»(3) .

أي ان سليمان النبىّ الكريم ـ والعياذ باللّه ـ هو ابن زنا!!


1 - أي في مقدمة الجيش المحارب .
2 - العهد القديم (التوراة): صموئيل، الثاني الاصحاح الحادي عشر 3 إلى 27 .
3 - إنجيل مَتَّى: الاصحاح الأول 6 .


(238)

2ـ وَ أَحَبَّ المَلِكُ سُلَيمان نساء غريبة... مِنَ الذين قالَ عَنْهُمْ الربُ لبنىّ اسرائيل: لا تدخلونَ إليهم، وهُمْ لا يَدُخلونَ إليكم لأَنَّهُمْ يُميلونَ قلوبَكم وراء آلهتهم، فالتصق سلَيمانُ بهؤلاء بالمحبَّة، وكانت له سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري فأمالت نساؤه قلبَهُ وكان في زمان شيخوخة سليمان ان نساءه أملن قلبه وراء آلهة اُخرى، ولم يكن قلبُه كاملا مع الرب الهِهِ كقلب داود ابيه، فذهب سليمان وراء عَشتُورت إلاهة الصيد ونين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرَّ في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه، فغضب الربُ على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل»!!!(1) .

إن سليمان ـ حسب هذه التعابير التوراتية ـ يعشق النساء الاجنبيات، ويتقرب اليهن بصنع أصنام لَهُنَّ. ويعبدها معهن، ويرتكب الشرور الّتي أغضبت الرب!!

بينما يقول القرآن الكريم عن سليمان ـ عليه السلام ـ (ولقد آتيْنا داودَ وَ سُلَيْمانَ عِلماً)(2) .

ويقول: (وَ لِسُلَيْمان الرِّيْح عاصِفَة تَجْري بأَمْره إلى الأرض الَّتي باركْنا فيها، وَكنا بِكُلِّ شَيء عالِمين)(3) .

إنه نبي عظيم اختاره اللّه تعالى لوحيه، وأصطفاه لأَداء رسالاته .

3ـ يعقوب ـ عليه السلام ـ :

إنَّ «التوراة» تصف النبي العظيم يعقوب ـ عليه السلام ـ بأنه رجل كذّاب مخادع، أخذ النبوة من ابيه بالمكر والخداع، «فعِند ما شاخَ اسحاقُ وكَلّت عيناهُ عن النظر دعا عيسو إبنه الاكبر، وطلب منه أن يصطادله صيداً، ويصنع له طعاماً جيداً حتّى يباركه، ويعطيه النبوة، ولكن يعقوب (ابن إسحاق من رفقة


1 - التوراة: الملوك الأول الاصحاح: 11، العبارات 1: 11 .
2 - النمل: 16 .
3 - الأنبياء: 81 .


(239)

زوجته الأخرى) بادر إلى صنع طعام لذيذ لأبيه وتظاهر بأنه عيسو، لابساً ثياب عيسو، وقطعاً من جلود جَدْيي المعزى على عنقه لأن عيسو كان مشعراً وكان يعقوب املس الجسد، فبارك اسحاق ابنه يعقوب ومنحه النبوة، وبعد ذلك قدم عيسو من الصيد، فعرف اسحاقُ بانه خُدِع، وأن يعقوب أخذ منه النبوة بالمكر، فارتعد اسحاقٌ ارتعاداً عظيماً جداً وقال لعيسو متأسفاً: قد جاء أخوك بمكر، وأخذ بركتك»!!(1) .

هذا هو حال يعقوب في لسان «التوراة» المحرفة!!

وأما القرآن الكريم فانه يقول عن هذا النبىّ الطاهر:

(وَ وَهبْنا لَهُ إسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاّ هَدَيْنا مِن قَبلُ وَ مِنْ ذريّته داوود وَ سُليمانَ وَ أيّوبَ وَ يُوسفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزي الُمحْسِنيْن)(2) .

ويقول تعالى أيضاً:

(وَ اذْكُرْ عِبادنا إبْراهِيْمَ وَ اسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ اُوْلى الأَيْدي والأَبْصار. انا أخلَصْناهُمْ بخالِصَة ذِكْرى الدّار. وإنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفيْنَ الأَخيار) (3) .

4- إبْراهيم ـ عليه السلام ـ :

تقول «التوراة» عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ إنّه لمّا اراد أن يدخلَ مصر قال لِزوجته سارة: إني قد علمتُ أنك إمرأة حسَنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه إمرأَته، فيقتلونني، ويَسْتَبْقونكِ، قولي إنكِ اُختي، ليكونَ لي خيرٌ بسببكِ وتحيا نفسي من أجلِكِ .

وكذلك فعَلتْ سارة و اُخِذت إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبرام خيراً


1 - سفر التكوين: الاصحاح السابع والعشرون: 1 إلى 46، وقد ذكرنا هذه القصّة من التوراة بتلخيص .
2 - الأنعام: 84 .
3 - سورة ص: 45 ـ 47 .


(240)

بسببها، وصار له غنم، وبقر، وحمير، وعبيد، وإماء، واُتن، وجمال، ولما عرف فرعون ـ في ما بعد ـ ان سارة زوجة ابراهيم، وليس اُخته عاتبه قائلا: لماذا لم تخبرني إنها إمرأتك، لماذا قلت: هي اُختي حتّى أخذتها لي لتكونَ زوجتي والآن هو ذا إمرأتك، خذْها واذهب»(1) .

إن ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ في وصف التوراة رجلٌ كذابٌ، يكذب ويحتال .

أما القرآن الكريم فيصف هذا النبي الجليل بأعظم الأوصاف، ويعتبره أعظم الأنبياء إذ يقول عنه انه:

1ـ حنيف مُوحِّدٌ للّه: (ولكِنْ كانَ حَنِيفاً) (آل عمران: 67) .

2ـ إمامُ الناس: (إنّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً) (البقرة: 134) .

3ـ مُسْلِمٌ: (ولكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) (آل عمران: 67) .

4ـ حَليمٌ: (إنَّ إبراهيم لأوّاةٌ حَلِيْمٌ) (التوبة: 84) .

5ـ امة كامِلَة بمفرده: (إنّ إبراهيم كانَ أُمَّة) (النحل: 120) .

6ـ أواهٌ يَخشى اللّه: (إنَّ إبراهِيْم لأوّاهٌ) (التوبة: 84) .

7ـ مصطفى: (لمنَ المُصْطَفين الأَخْيار) (ص: 48) .

8ـ ذو قلب سَليم: (إذ جاء رَبّه بِقَلْب سَلِيْم) (الصافات: 48) .

5ـ المسيح ـ عليه السلام ـ :

إن عيسى ـ حسب رواية الإنجيل ـ يحتقر اُمه، ويزدري بها، فذات يوم جاء إخوته واُمه ووقفوا خارجاً وارسلوا يدعونه، وكان الجمع جالساً حوله، فقالوا له «هو ذا امُّك وإخوتك خارجاً يطلبونك، فأجابَهُم قائلا: من اُمىّ وإخوتي؟ ثم نظرَ حوله إلى الجالِسين وقال: ها اُمّي وإخوتي، لأَنَّ مَنْ يصنع مشيئة اللّه هو أخي واُختي واُمّي»!!(2)


1 - سفر التكوين: الاصحاح الثاني عشر 1 ـ 20 .
2 - إنجيل مرقس: الاصحاح الثالث: 31 ـ 35 .


(241)

إنه يقول هذا الكلام عن اُمّه الّتي وصفها القرآن الكريم بأن اللّه تعالى اصطفاها على نساء العالمين(1) .

إنه يفَضِّل تلاميذه الذين لم يؤمنوا به في قلوبهم ذرة من خردل، والذين خذلوه ليلة الهجوم عليه من جانب اليهود(2) ـ كما يقول الانجيل ـ على اُمه الصدّيقة .

كما إن الانجيل يقول: إن المسيح حوّل الماء إلى الخمر في عرس(3) بل يقول إنه ـ عليه السلام ـ : شرب الخمر(4)، والحال أن الإنجيل يصرّح بحرمة الخمر في مواضع عديدة .

هذا هو «عيسى» النبي الطاهر وحواريوه حسب رواية الانجيل!!(5) .

أما القرآن الكريم فيقول عنه غير ما يقوله: «الانجيل» وإليك بعض ما جاء في الكتاب العزيز حول «المسيح» ـ عليه السلام ـ .

قال اللّه تعالى: (وَ آتينا عِيْسى بْن مَريَم البيّنات وأيَّدْناهُ برُوْح القُدُس)(6).

وقال تعالى أيضاً: (إنّما المسيحُ عيْسى بنُ مريم رَسُول اللّه وكلمته)(7) .

ويكفي في عظمة المسيح ـ عليه السلام ـ وعلو شأنه أنه ـ عليه السلام ـ كلَّم الناس في المهد صبياً وقال: (إنّي عَبْدُاللّه آتاني الكتابَ وَ جَعَلني نَبِيّاً. وَ جَعَلني مُبارَكاً أيْنَ ما كُنْتُ وَ أوْصانِي بِالصَّلاة والزّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً. و بَرّاً بِوالِدَتي وَ لَمْ يَجْعَلني


1 - آل عمران: 42 .
2 - انجيل متّى: الاصحاح السابع والشعرون 1 ـ 6 انظر كيف وافق يهوذا الاسخريوطي وهو أحد الحواريين مع المتآمرين ضدّ المسيح، وأيضاً راجع نفس السفر: الاصحاح السادس والعشرين: وراجع انجيل متّى: الاصحاح العاشر أيضاً .
3 - إنجيل يوحنا: الاصحاح الثاني: 1 ـ 11 .
4 - إنجيل لوقا: الاصحاح الأول 15 وغيره .
5 - على أنّ خرافات التوراة والانجيل لا تنحصر في ما ذكرناه هنا، وللتوسع راجع: أنيس الأعلام تأليف فخر الإسلام، والهدى إلى دين المصطفى للعلامة البلاغي .
6 - البقرة: 78 .
7 - النساء: 171 .


(242)

جَبّاراً شَقِيّاً. والسَّلامُ عَلىَّ يَوْم وُلدْتُ وَ يَوْمَ أمُوتُ وَ يَومَ اُبْعَثُ حيّاً. ذلِكَ عِيْسى بْن مَرْيَم قَوْل الْحَقِّ الَّذيْ فيه يَمْترُون)(1) .

هذه هي مواقف القرآن الكريم من الأنبياء الكرام، والرسل العظام، وتلك هي مواقف «التوراة» و «الانجيل» المشينة، المسيئة إلى شخصيّة سفراء اللّه مبلّغي رسالاته، فكيف يُعقل ان يكون القرآن الكريم مقتبساً من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين؟!

ثم لو أنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قد اطّلع على هذه القضايا والقصص قبل إخباره بنبوّته فلماذا لم يرشح منها شيء في أحاديثه قبل الرسالة وقد عاش بين قومه طويلا .

قال اللّه سبحانه في معرض الردّ والجواب على اقتراح المشركين على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يأتي لهم بقرآن غير الّذي جاء به:

(قُلْ لَوْ شاء اللّه ما تَلوْتُهُ ولا أدْريكُمْ به فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أفلا تعْقِلُونَ)(2) .

فالآية تؤكد على أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان لابثاً في قومه، ولم يكن تالياً لسورة من سور القرآن، أو آياً من آياته، فكل ما أخبر به هو ممّا أوحى به اللّه تعالى إليه بعد ان بعثه بالرسالة(3) .


1 - مريم: 30 ـ 34 .
2 - يونس: 16 .
3 - للتوسّع راجع مفاهيم القرآن: ج 3، ص 321 ـ 323 .


(243)

8
فَترة الشَباب
في حياة النبىّ الاكرم

يجب ان يكون قادة المجتمع أقوياء شجعان، لايرهبون أحداً، ولا يخافون شيئاً، يمتلكون قوة روحية كبرى، ويتمتّعون بصبر عظيم. وإرادة قوية، صلبة .

فكيف يستطيع الضعفاء والجبناء والمتردّدون، وضعاف النفوس قيادة المجتمع، والخروج به من المآزق والمشاكل، وكيف يستطيعون أن يقاوموا اعداءهم ويحفظوا كيانهم وشخصيّتهم من عدوان هذا أو ذاك؟!

إن لعظمة القائد الروحية، ولقواه البدنية والنفسية تأثيراً عظيماً وعجيباً في أتباعه وأنصاره، فعند ما اختار الإمام اميرُ المؤمنين ـ عليه السلام ـ أحدَ اصحابه المخلصين لولاية «مصر» كتب إلى أهل «مصر» المظلومين الذين ذاقوا الأَمرّين على ايدي ولاتهم السابقين كتاباً ذكر فيه شجاعة هذا الوالي الجديد، الروحية وقدرته النفسية الفائقة، وإليك فيما يلي بعض الفقرات من ذلك الكتاب الّذي يعكس الشروط والمواصفات الواقعية في القائد:

«أما بعدُ فقَد بَعثتُ اليكم عَبداً مِن عباد اللّه لا ينامُ أيّام الخوف، ولا ينكُل عن الأعداء ساعات الروع، أشدّ على الفُجار من حريق النّار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابقَ الحق، فإنه سَيْفٌ مِن


(244)

سُيوف اللّه، لا كليلُ الظَبَّة، ولا نابِي الضريبة»(1) .

رسولُ اللّه وقدرتُه الروحيّة:

لقد كانت آثار الشجاعة، والقوّة باديةً في جبين عزيز قريش منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره الشريف شارك في حرب هاجت بين قريش من جهة، وقبيلة هوازن من جهة اخرى، وتدعى «حرب الفجار»، وقد كان في هذه الحرب يناول أعمامه النَبل.

فها هو «ابن هشام» ينقل عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «كُنْتُ اُنبّلُ عَلى أعْمامِيْ»(2) .

إن مشاركته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في العمليات الحربية في مثل هذه السن تكشف عن شجاعته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقدرته الروحية الكبرى وتساعدنا على أن ندرك مغزى ما قاله أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ في حق النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كُنّا إذا أحمر الْبأَسُ إتّقيْنا برَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنّا أقرَبَ إلى العَدوِّ مِنْهُ»(3) .

وسوفَ نشير ـ وبعون اللّه عند ذكر جهاد المسلمين للكفار والمشركين ـ إلى نظام العسكرية الإسلامية وكيفية جهاد المسلمين وقتالهم لأعدائهم الّتي تمَّت بأجمعها بتوجيه من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو في نفسه من الابحاث الشيّقة في تاريخ الإسلام.

حُروبُ الفِجار:

إنَّ الحديث بتفصيل هذه الوقائع وعن تكتيكات هذه الحوادث التاريخيّة


1 - نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرقم 38 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 186، وقد قال ابن الأثير في النهاية بعد نقل هذا الحديث وضبط الكلمة «انبل» مشدّدة «اُنبِّل»: «إذا ناولته النبل يرمي» راجع مادّة نبل .
3 - نهج البلاغة: فصل في غريب كلامه الرقم 9 .


(245)

خارج عن إطار هذه الدراسة، بيد أننا ـ مع ذلك ـ نعمد إلى بيان أسباب هذه الحروب الّتي شارك في إحداها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بناء على رواية بعض المؤرخين وحوادثها على نحو الاجمال بغية اطلاع القارىء الكريم .

كانت العرب تقضي عامها كله بالقتال والاغارة، وقد تسبب هذا الوضع في اختلال حياتهم، واضطراب اُمورهم، ولأجل هذا كانوا يحرّمون القتال ويتوقفون عنه في أربعة أشهر من كل عام (هي شهر رجب، ذوالقعدة، ذوالحجة، محرم) ليتسنى لهم ـ في هذه المدة ـ أن يقيموا أسواقهم، ويستغلّوها بالكسب والتجارة والبيع والشراء(1) .

ولهذا كانت أسواق «عكاظ» و «مجنَّة» و «ذوالمجاز» تشهد طوال هذه الاشهر الحرام اجتماعات كبرى وتجمعات حافلة وحاشدة، كان يلتقي فيها العدوّ والصديق جنباً إلى جنب، يتبايعون، ويتفاخرون .

فقد كان شعراء العرب المشهورون يلقون قصائدهم في هذه الاجتماعات الكبرى، كما يلقي كبارُ خطباء العرب وفصحاؤهم خطباً قوية، وأحاديث في غاية الفصاحة والبلاغة، وكان اليهودُ والنصارى والوثنيون يعرضون معتقداتهم في هذه المناسبات من دون خوف أووجل .

ولكنَ هذه الحرمة قد هُتكت أربعَ مرات في تاريخ العرب، وتقاتلت القبائلُ العربية فيما بينها في هذه الأشهر الحرم، ولهذا سُمِّيت تلك الحروب بحروب «الفجار»، وفي مايلي نشير إليها على نحو الاجمال:

الفِجارُ الأوَّل:

ووقعت الحربُ فيها بينَ قبيلتي «كنانة» و «هوازن» وجاء في سبب نشوب


1 - يُستفاد من قوله تعالى في الآية 36 من سورة التوبة: «إنَّ عِدَّة الشّهور عِندَ اللّه اثنا عَشَر شَهْراً في كِتابِ اللّه يَوْم خلَقَ السَّماواتِ والأَرْض مِنْها أربعةٌ حُرُم» أن تحريم القتال في هذه الأشهر الأربعة كان ذا جذور دينية، وكانت العرب الجاهلية تحترم هذه الأشهر اتباعاً لسُنّة «إبراهيم الخليل» عليه السَّلام .


(246)

هذه الحرب أن رجلا يدعى «بدر بن معشر» كان قد أعدَّ لنفسه مكاناً في سوق «عكاظ» يحضر فيه، ويذكر للناس مفاخره فوقف ذات مرة شاهراً سيفه يقول: أنا واللّه أعزُّ العرب فمن زعم أنه أعزّ منّي فليضربها بالسيف .

فقام رجلٌ من قبيلة اُخرى فضرب بالسيف ساقه فقطعها، فاختصم الناس وتنازعت القبيلتان، ولكنهما اصطلحتا من دون أن يُقتل أحدٌ(1) .

الفِجار الثّاني:

وكان سببه أن فتية من قريش قعدوا إلى أمرأة من «بني عامر» وهي جميلة، عليها برقع، فقالوا لها: إسْفري لننظر إلى وجهِك، فلم تفعلْ، فقام غلامٌ منهم، فجمع ذيل ثوبها إلى مافوقه بشوكة فلما قامت انكشف جسمُها، فضحكوا، فصاحت المرأة قومها، فأتاها الناسُ، واشتجروا حتّى كاد ان يكون قتالٌ، ثم اصطلحوا، وانفضُّوا بسلام .

الفِجارُ الثالِث:

وسببه أن رجلا من «كنانة» كان عليه دَيْنٌ لرجل من «بني عامر»، وكان الكناني يماطل، فوقع شجارٌ بين الرجل، واستعدى كل واحد منهما قبيلته، فاجتمع الناسُ، وتحاوروا حتّى كاد يكونُ بينهم القتالُ، ثم اصطلحوا .

الفِجارُ الرابع:

وهي الحرب الّتي ـ قيل أنه ـ شارك فيها النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد ادّعى البعض انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يومذاك في الخامسة عشرة، أو الرابعة عشرة من عمره .


1 - ولقد كان ممّا أزاله الإسلام ومحاه هذا التفاخر الجاهلي المقيت، وستعرف هذا في الابحاث القادمة .


(247)

وقال بعضٌ: انه كان في العشرين من عمره وحيث أن هذه الحرب قد استمرت أربع سنوات. لهذا يمكن أن تكون جميع هذه الاقوال صحيحة(1) .

وقيل في سببه: أن «النعمان بن المنذر» ملك الحيرة كان يبعث إلى سوق «عكاظ» في كل عام بضاعة في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يُجيرها له حتّى تباع هناك ويشتري بثمنها من أقمشة «الطائف» الجميلة المزر كَشة ممّا يحتاج إليه، فأجارها «عروة الرجال الهَوازني» في تلك السنة، ولكن «البراض بن قيس الكناني» انزعج لمبادرة «عروة» إلى ذلك، فشكاه عند «النعمان بن المنذر» ولم يجد اعتراضه وشكواه، فحسد على «عروة» حسداً شديداً، فتَربَّص به حتّى غدر به في اثناء الطريق، وبذلك لطّخ يده بدم هوازني .

وكانت قريش يومذاك حليف كنانه، وقد اتفق وقوعُ هذا الأمر يوم كانت العرب مشغولة بالكسب والتجارة في سوق عكاظ، فأخبر رجل قريشاً بمقتل الهوازنىّ على يد الكنانىّ،ولهذا عرفت قريش وحليفتها بنوكنانة بالأمر قبل هوازن، وأسرعوا في الخروج من «عكاظ» وتوجهوا نحو الحرم (والحرم هو اربعة فراسخ من كل جانب من مكة، وكانت العرب تحرّم القتال في هذه المنطقة) ولكن هوازن علمت بذلك فلاحقت قريش3 وحليفتها فوراً، وادركتهم قبل الدخول في الحرم فوقع بينهم قتال، ولما جنّ الليل كفّوا عن الحرب فاغتنمت «قريش» وحليفتُها فرصة الليل، وواصلت حركتها باتجاه الحرم المكي وبذلك نجت من خطر العدو .

ومنذ ذلك اليوم كانت تخرج قريش وحليفتها من الحرم بين الفينة والاخرى وتقاتل هوازن، وقد شارك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض تلك الأيام مع أعمامه على النحو الّذي مرّ بيانه .

وقد استمر الامر على هذه الحال مدة أربع سنوات، حتّى ان وُضعَت نهاية


1 - التاريخ الكامل: ج 1، ص 358 و 359، السيرة النبوية: ج 1، ص 184 الهامش، تاريخ الخميس: ج 1، ص 259 .


(248)

لهذه الحرب الطويلة بدفع قريش لهوازن دية القتلى الذين كانوا يزيدون على قتلى قريش على يد هوازن(1) .

وقد أسلفنا أن تحريم القتال في الأشهر الحرم كانت له جذورٌ دينية، وحيث أن حرب «الفجار» استمرت أربع سنوات فيمكن أن يكون لمشاركة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيها وجهاً وجيهاً وهو الدفاع، خاصة انه لما سئل ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن مشهده يومئذ فقال: «ما سَرّني أنّي أَشْهدهُ، إنَّهُمْ تَعَدَّوْا عَلى قَومي عرضوا (اي قريش) عَلَيْهم (اي على هوازن) أنْ يَدْفعُوا إلَيْهِم البرّاض صاحِبَهُمْ (اي الّذي قتل عروة) فأَبُوا»(2) .

ويحتمل أن تكون مشاركته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في غير الأشهر الحرم بناء على استمرار هذه الحروب مدة اربعة اعوام، وإنما سميت مع ذلك بالفجار لأن بدايتها وافقت الأشهر الحرم لا أنّها وقعت بتمامها في الأشهر الحُرم .

وبذلك لا يبقى مجال لأن تُسْتَبْعَد مشاركة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض أيام تلك الحرب .

حِلْفُ الْفُصُول:

لقد كان في ما مضى ميثاقٌ وحلفٌ بين الجرهميين يدعى بحلف «الفُضُول»، وكان هذا الحِلفْ يهدف الى الدفاع عن حقوق المظلومين، وكان المؤسسون لهذا الحلف هم جماعة كانت اسماؤهم برمتها مشتقة من لفظة الفضل، واسماؤهم ـ كما نقلها المؤرخ المعروف «عمادالدين ابن كثير» ـ هي عبارة عن: «فضل بن فضالة»، و «فضل بن الحارث»، و «فضل بن وداعة»(3)، وحيث أن الحلف الّذي عقدته جماعة من قريش فيما بينها كان متحداً في الهدف (وهو الدفاع عن حقوق المظلومين) مع حلف «الفضول» لذلك سمّي هذا الاتفاق


1 - سيرة ابن هشام: ج 1، ص 184 ـ 187، الأغاني: ج 22، ص 56 ـ 75 .
2 - الأغاني: ج 22، ص 73 .
3 - البداية والنهاية: ج 1، ص 290 .


(249)

وهذا الحلف بحلف «الفُضول» أيضاً .

فقبل البعثة النبوية الشريفة بعشرين عاماً دخل رجلٌ من «زبيد في مكة في شهر ذي القعدة، وعرض بضاعة له للبيع فاشتراها منه «العاص بن وائل»، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدىّ قريشاً، وطلب منهم أن ينصروه على العاص، وقريش آنذاك في انديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:

يا آل فِهر لمظلوم بضاعتُه * بِبطن مكة نائي الدار والنَفَر

ومُحرمٌ أشعثُ لم يَقض عُمْرتَه * يا للرِّجال وبَيْن الحجر والحَجَر

إن الحرامَ لِمَن تمَّت كرامتُه * ولا حَرام لِثوب الفاجر القذر

فاثارت هذه الأبيات العاطفية مشاعر رجال من قريش، وهيّجت غيرتهم، فقام «الزُبير بن عبدالمطّلب» وعزم على نصرته، وأيّده في ذلك آخرون، فاجتمعوا في دار «عبداللّه بن جَدْعان» وتحالفوا وتعاهدوا باللّه ليكونَنّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتّى يؤدّى إليه حقه ما أمكنهم ذلك ثم مَشوا إلى «العاص بن وائل» فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه .

وقد أنشدَ الزبير بن عبدالمطلب في ذلك شعراً فقال:

إنَ الفُضُولَ تَعاقَدُوا وتَحالَفوا * ألاّ يقيمَ بِبطن مَكَّة ظالمُ

أمرٌ عَليْهِ تَعاقَدُوا وتواثقُوا * فالجارُ والمُعترُّ فيهم سالمُ

وقال أيضاً:

حَلفْت لَنعْقَدن حلفاً عليهمْ * وإن كُنّا جميعاً أهلَ دار

نسمّيه «الفُضُولَ» إذا عَقَدْنا * يَعُزُّبه الغَريبُ لِذي الجوار

ويعْلَمُ منْ حَوالي البيتِ أنّا * اُباة الضَيْم نَمنَعُ كُلَّ عار(1)

وقد شارك رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في هذا الحلف الّذي ضمن حقوق المظلومين وحياتهم، وقد نُقِلت عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عبارات كثيرة يشيد فيها بذلك الحلف ويعتزُّ فيها بمشاركته فيه وها نحن ننقل حديثين منها في


1 - البداية والنهاية: ج 1، ص 290 .


(250)

هذا المقام .

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لقد شَهدْتُ في دار عبداللّه بن جدعان حلفاً لودُعيتُ به في الإسلام لأجبتُ» .

كما أن ابن هشام نقل في سيرته أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقول في ما بعد عن هذا الحلف: «ما اُحبُّ أنَّ لي به حُمُرَ النِعَم» .

ولقد بقي هذا الحلف يحظى بمكانة واحترام قويّين في المجتمع العربي والإسلامي حتّى أن الأجيال القادمة كانت ترى من واجبها الحفاظ عليه والعمل بموجبه، ويدل على هذا قضيةٌ وقعت في عهد إمارة «الوليد بن عتبة» الأموي(1) على المدينة .

فقد وقعت بين الإمام الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ وبين أمير المدينة هذا منازعة في مال متعلّق بالحسين ـ عليه السلام ـ ، ويبدو أنَ «الوليد» تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الإمامُ السبط الّذي لم يرضخ لحيف قط، ولم يسكت على ظلم أبداً:

«أَحلِفُ باللّه لتَنْصِفَنّي مِنْ حَقّي، أوْ لآخُذَنَّ سَيْفيْ ثمَّ لأَقُومَنَّ في مَسجد رَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثمَّ لأَدْعُونَّ بِحلفِ الفُضُول»(2) .

فاستجاب للحسين فريقٌ من الناس منهم «عبداللّه بن الزبير»، وكرّر هذه العبارة وأضاف قائلا: وأنا أحْلِفُ باللّه لئن دعا به لآخُذَنَّ سَيْفي ثُمّ لأَقُومَنَّ مَعه حتّى يُنْصَفَ مِنْ حَقّهِ أوْ نَمُوتَ جَميعْاً .

وبلغت كلمة الحسين السبط ـ عليه السلام ـ هذه إلى رجال آخرين كـ «المسورة بن مخرمة بن نوفل الزُهري» و «عبدالرحمان بن عثمان» فقالا مثل ما قال «ابن الزبير»، فلما بلغ ذلك «الوليد بن عتبة» أنصف الحسين ـ عليه السلام ـ من حقه حتّى رضي(3) .


1 - من قبل عمّه معاوية .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 132 .
3 - البداية والنهاية: ج 2، ص 293 .


(251)

9
من فترة الشباب
إلى مزاولة التجارة

يحمل القادة الالهيون العظماء وأصحاب الرسالات السماوية على كواهلهم مسؤوليات كبرى، ومهام عظمى تلازم ـ في الأغلب ـ التعرض للمتاعب والمصاعب، والعذاب، وتحمل الأذى، بل وربما التعرض للقتل والاغتيال، وكلما كبرت الاهداف، عظمت المشاكل، والمتاعب.

وعلى هذا الاساس، فان نجاح القادة الرساليّين يتوقف على مدى صبرهم واستقامتهم في وجه الاتهامات والمضايقات، وفي وجه الأذى والعذاب، لأن الصبر والتحمل في جميع مراحل الجهاد والعمل هو الشرط الاساسىّ للوصول إلى المقصود، وإلى تحقيق الهدف المنشود والغاية المطلوبة .

من هنا ليس لقائد حقيقي أن يخشى كثرة العدو، وليس له ان ينسحب، أو يضعف لقلّة الاتباع والمؤيدين وبالتالي ليس له أن يقلق للنوائب فتخور عزيمته، أوترخو إرادته، مهما عظمت حلق البلاء واشتدت، ومهما تزايدت، أو تواترت.

إنّنا نقرأ في تاريخ الأَنبياء وقصصهم اُموراً يعسر على الإنسان العادىّ هضمها، ويصعب تصوُّرها.

فعن نوح النبىّ ـ عليه السلام ـ نقرأ أنه دعا قومه تسعمائة وخمسين عاماً، ولم تنتج هذه الدعوة الطويلة المضنيةُ سوى قلة من المؤمنين والمؤيدين الذين لم


(252)

يتجاوز عددهم الواحد والثمانين، وهذا يعني أنه لم يوفق في كل اثنى عشر عاماً الالهداية شخص واحد .

إنَّ إرادة الصبر، وقوَّة التحمّل، والتصبر تظهر لدى الإنسان شيئاً فشيئاً، فلابدّ أن تتلاحق حوادثٌ صعبةٌ، ولابد أن يمرَّ المرء بنوائب مزعجة حتّى تأنس روحُه بالامور الثقيلة، والقضايا الصعبة .

لقد قضى رسولُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شطراً من حياته قبل البعثة في رعي الغنم في الصحاري والقفار، ليكون بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيكلَّف بقيادتهم وهدايتهم، وليستسهل كل صعب في هذا المجال .

إن ادارة المجتمع البشرىّ من أصعب الأمور الّتي تواجه القادة، ورجال الاصلاح. والمقدرة على الإدارة هذه لا تسنح ولا تتهيَّأ لأَحد إلاّ بعد مزاولة الاُمور الصعبة، وممارسة الأعمال الشاقة، وربما يكون قيام النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برعي الغنم من هذا الباب، ولهذا جاء في الحديث.

«ما بَعثَ اللّهُ نَبيِّاً قَطُّ حَتّى يَسْتَرْعيْه الغَنم ليُعلّمهُ بذلِكَ رعْيَةَ النّاسِ»(1) .

لقد قضى النبىُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شطراً من عمره الشريف في هذا المجال، وينقل كثيرٌ من ارباب السير والمؤرخين هذه العبارة عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ما مِنْ نَبىّ إلاّ وَقَدْ رَعى الغَنم» قِيْلَ: وَ أَنتَ يا رَسُول اللّه؟

فقال: «أنا رَعيْتُها لأَهْل مَكَّة بِالقَرارْطِ»(2) .

إنَ شخصية عظيمة يُفتَرضُ فيها أن تواجه ـ في المستقبل ـ أشخاصاً عنودين كأبي جهل وابي لهب، وأن تصنع ممن انحطت أفكارهم حتّى أنهم سجدوا لكل حَجر ومَدر، أفراداً لا يخضعون لأي شيء سوى ارادة الحق ومشيئته، لابدَّ أن تتسلح قبل ذلك بسلاح الصبر، وتتجهز بأداة التحمل، وتتزود مسبقاً بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وهذا لا يكون إلاّ بتعويد النفس على هذه


1 - سفينة البحار: مادّة نبأ .
2 - السيرة النبوية لابن هشام: ج 1، ص 166 .


(253)

الصفات، وحملها على مشاق الاعمال:

سبب آخر لرعي الغنم:

ويمكن أن نذكر هنا سَبباً آخر أيضاً وهو ان رجلا حرّ النفس والعقل كرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تجري في شرايينه وعروقه دماء الغيرة والشجاعة كان يشق عليه ان يشاهد كل ذلك الظلم والحيف الّذي كان يمارسه طغاة مكة، وعتاة قريش وزعماؤها الظالمون القساة بحق الضعفاء، والمحرومين، وكذا كان يشق عليه ان يرى تظاهرهم بالعصيان والفسوق في حرم اللّه، وعند بيته المعظم .

إن اعراض سُكّان مكة عن عبادة اللّه الواحد الحق، وطوافهم حول تلك الأصنام الخاوية هي ـ بلا ريب ـ أسوأ واقبح ما يكون في نظر الرجل الفاهم، والعاقل العالم، واثقل ما يكون عليه .

من هنا رأى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقضي ردحاً من الزمن في الصحاري والقفار وعند سفوح الجبال الّتي كانت يومئذ بعيدة بطبيعة الحال عن تلك المجتمعات الفاسدة وأحوالها وأوضاعها، ليستريح (أو يتخلص) بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة مِن رؤية تلك الأوضاع المزرية، والأحوال المشينة .

على أَنَّ هذا الأمر لا يعني أن للرجل المتقي أن يسكت على الفساد والظلم، ويقرّ عليهما .

ويفرّق بين حياته وحياة الآخرين ويعتزل عنهم ويتخذ موقف اللامبالاة تجاه الأوضاع المنحرفة، والاحوال الشاذة، بل ان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما كان مأموراً من جانب اللّه سبحانه بالسكوت والانتظار، لانه لم تكن ظروف «البعثة» والهداية قد توفرت وتهيأت بعد لذلك اتخذ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل هذا الموقف .

* * *


(254)

سببٌ ثالث:

ولقد كان هذا العمل (أي الاشتغال برعي الاغنام في البراري والقفار وعند السهول وسفوح الجبال) فرصة جيدة لأن يتمكن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من النظر في خلق السماوات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها وأوضاعها، وبالتالي الامعان في الآيات الأنفسية والآفاقية التي هي جميعاً من آيات وجود اللّه تعالى، ومن مظاهر قدرته وحكمته وعلمه وإرادته .

ان قلوب الأنبياء والمرسلين مع أنها منوَّرة بمصابيح المعرفة المشرقة ومضاءة بأنوار الايمان والتوحيد منذ بدء فطرتها، وخلقتها، ولكنهم مع ذلك لا يرون انفسهم في غنىً عن النظر في عالم الخلق، والتفكر في الآيات الالهية، إذ من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الايمان، ويبلغون اسمى درجات اليقين، وبالتالي يتمكنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين .

إقتْراح أبي طاب:

لقد دفع وضع (محمَّد) المعيشي الصعب «أبا طالب» سيد قريش وزعيمها الّذي كان معروفاً بالسخاء وموصوفاً بالشهامة، وعلو الطبع، وإباء النفس إلى ان يفكر في عمل لابن أخيه، كيما يخفف عنه وطأة ذلك الوضع .

ومن هنا اقترح على ابنه أخيه «محمَّد» العمل والتجارة بأموال «خديجة بنت خُويلد» الّتي كانت امرأة تاجرة، ذات شرف عظيم، ومال كثير، تستأجر الرجال في مالها أوتضاربهم اياه بشيء تجعله لهم منه .

فقد قال أبوطالب للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا ابن أخي هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها اكثر الناس وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فوضعتَ نفسَك عليها لأسرعتْ اليك، وفضَّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك .

ولكن إباء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلوّ طبعه، منعاه من الإقدام


(255)

بنفسه على هذه الأمر من دون سابق عهد، ولهذا قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعمّه: فلعلّها أن ترسل إلىّ في ذلك، لأنّهاتعرف بأنه المعروف بالأمين بين الناس .

فبلغ «خديجة» بنت خويلد، ما دار بين النبىّ وعمه «أبي طالب»، فبعثت إليه فوراً تقول له: إنّي دعاني إلى البعثة اليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا اعطيك ضعفَ ما اُعطى رجلا من قومك وابعثُ معكَ غلامين يأتمران بأمرك في السفر .

فاخبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عمّه بذلك فقال له ابوطالب: «إنّ هذا رِزقٌ ساقهُ اللّهُ إليك»(1) .

هل عَمِلَ النبىُّ أجيراً لخديجة؟

وهنا لابدّ من التذكير بنقطة في هذا المجال وهي:

هل عمل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أجيراً في أموال خديجة، أم أنه قد عمل في تجارتها بصورة اُخرى كالمضاربة، وذلك بأن تعاقد النبي مع خديجة على أن يتاجر بأموالها على أن يشاركها في ارباح تلك التجارة؟

انّ مكانة البيت الهاشمىّ، وإباء النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومناعة طبعه، كل تلك الاُمور والخصال توجب أن يكون عملُ النبىّ في أموال خديجة قد تمَّ بالصُورة الثانية (أي العمل في تجارتها على نحو المضاربة لا الإجارة)، وتؤيّد هذا المطلب امور هي:

أولا: انه لا يوجد في اقتراح أبي طالب أيّة اشارة ولا أي كلام عن الإجارة، بل قد تحاور أبوطالب مع إخوته (أعمام النبىّ) في هذه المسألة من قبل وقال: «امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتّى نسألها ان تعطي محمَّداً مالا يتجربه»(2) .


1 - بحارالأنوار: ج 16، ص 22، السيرة الحلبية: ج 1، ص 132 و 133، الكامل في التاريخ: ج 2، ص 24 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 22 .


(256)

ثانياً: ان المؤرخ الأقدم المعروف باليعقوبي كتب في تاريخه: ان النبي ما كان أجيراً لأحد قط(1) .

ثالثاً: ان الجنابذي صرّح في كتابه «معالم العترة» بأن «خديجة» كانت تضاربُ الرجال في مالها، بشيء تجعله لهم منه (اي من ذلك المال أومن ربحه)(2) .

* * *

تهيّأت قافلة قريش التجارية للسفر إلى الشام، وفيها أموال «خديجة» أيضاً، في هذه الاثناء جعلت «خديجة» بعيراً قوياً وشيئاً من البضاعة الثمينة تحت تصرّف وكيلها (أي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) وامرت غلاميها (ميسرة وناصح) اللذين قررت ان يرافقاه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بان يمتثلا أوامراه، ويطيعاه، ويتعاملا معه بأدب طوال تلك الرحلة، ولا يخالفاه في شيء(3) .

وأخيراً وصلت القافلة إلى مقصدها واستفاد الجميع في هذه الرحلة التجارية أرباحاً، إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ربح اكثر من الجميع، كما أنه ابتاع أشياء من الشام لبيعها في سوق «تهامة» .

ثم عادت تلك القافلة التجارية إلى «مكة» بعد ذلك المكسب الكبير، والحصول على الربح الوفير .

ولقد تسنىّ لفتى قريش «محمَّد» أن يمرّ ـ للمرة الثانية في هذه السفرة ـ على ديار عاد وثمود .

وقد حمله الصمتُ الكبير الّذي كان يخيّم على ديار واطلال تلك الجماعة العاصية المتمردة في نقلة روحانية إلى العوالم الاُخرى اكثر فاكثر، هذا مضافاً إلى أن هذه الرحلة جدّدت خواطره وذكرياته في السفرة الاُولى، فقد تذكّر يوم طوى مع عمه «ابي طالب» هذه الصحاري نفسها وهذه القفار ذاتها، وما كان يحظى


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 21 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 9 نقلا عن معالم العترة .
3 - قالت خديجة لهما: إعلما أنني قد أرسلتُ اليكما أميناً على أموالي وأنّه أمير قريش وسيّدها، فلا يدٌ على يده، فإن باع لا يُمنع وإن ترك لا يؤمر وليَكُنْ كلامُكما له بلطف وأدب ولا يعلو كلامكما على كلامه. (بحارالأنوار: ج 16، ص 29) .


(257)

فيها من عمه من الحدب والعناية .

وعند ما اقتربت قافلة قريش إلى «مكة»، وصارت عند مشارفها، التفت «ميسرة» غلامُ خديجة، إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: «يامحمَّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في اربعين سنة، فاستقبل بخديجة وابشرها بربحنا» فأخذ النبي باقتراح ميسرة، وسبق القافلة العائدة في الدخول إلى مكة، وتوجه نحو بيت «خديجة» بينما كانت خديجة جالسة في غرفتها، فلما رأت النبي مقبلا عليها، نزلت من منظرتها وركضت نحوه واستقبلته، وأدخلته في غرفتها، فخبّرها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما ربحوا، ببيان جميل، وكلام بليغ، فسرت «خديجة» بذلك سروراً عظيماً، ثم قدم «ميسرة» في الأثر، ودخل عليها، وأخبرها بكل مارآه وشاهده من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك السفرة من الكرامة والخير، والخُلق العظيم، والخصال الكريمة، ومن الاُمور الّتي كانت برمتها تدل على عظمة شخصيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وسمو خصاله(1)، ومن جملة ما حدثها به ميسرة هو أنه لما وقع بين النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين رجل تلاح وجدال في بيع قال له ذلك الرجل: إحلف باللات والعُزى، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ما حلفتُ بهما قط، وإني لأمرُّ فاعرضُ عنهما(2) .

وحدثها أيضاً بأنه لما مرّ ببصرى نزلا في ظل شجرة ليستريحها فقال راهبٌ كان يعيش هناك لما رأى النبىّ يستريح في ظل تلك الشجرة: «ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبىّ» سأل عن اسمه، فأخبره ميسرة باسمه فقال: «هو نبىّ وهو آخر الأنبياء، إنه هو هو ومُنزّلِ الانجيل، وقد قرأت عنه بشائر كثيرة»(3) .


1 - الخرايج: ص 186، بحارالأنوار: ج 16، ص 5 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 130 وفي بحارالأنوار: ج 16، ص 18: انه صلّى اللّه عليه وآله قال: إليك عني ثكلتك اُمّك فما تكلّمت العربُ بكلمة اثقل علىَّ من هذه الكلمة .
3 - بحارالأنوار: ج 16، ص 18، الطبقات الكبرى: ج 1، ص 130، الكامل لابن الأثير: ج 2، ص 24 و 25.

Website Security Test