welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(195)

طهارة النبىّ من دنس الآباء وعهر الاُمهات:

وينبغي هنا ـ وبالمناسبة ـ ان نشير إلى مسألة مهمة في تاريخ النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ألا وهي طهارة النسب النبوي من دنس الآباء ودناءتهم وعهر الامّهات وفسادهن فلا يكون في اجداده وجدّاته سفاح، وزنا .

وهذا ممّا اتفق عليه المسلمون، بعد ان دلّ عليه العقل إذ لو لم يكن النبىّ منزها عن دناءة الاباء وعهر الامّهات لتنفر عنه الطباع ولم يرغب احد في متابعته، والانقياد لاوامره ونواهيه .

ولقد صرح رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك في احاديث رواها السنة والشيعة .

فقد جاء عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال:

«نقلت من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الطاهرة نكاحاً لا سفاحاً»(1) .

وجاء ايضاً انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«لم يزل اللّه ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة»(2) .

وقال الإمام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ :

«وأشهد اَنّ محمَّداً عبدُه ورسولُه وسيّدُ عباده كلما نسخَ اللّه الخلقَ فرقتين جعله في خيرهما لم يسهِم فيه عاهرٌ، ولا ضربَ فيه فاجرٌ»(3) .

وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في هذا الصدد عند تفسير قول اللّه تعالى: (وتقلّبَكَ في السَّاجِدينَ):(4)

«في أصلاب النبيّين، نَبي بعد نبي، حتّى اخرجه من صلب ابيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم»(5).

وقد صرح علماء الإسلام من الفريقين بهذا الأمر، واشترطوه في النبىّ .


1 - كنز الفوائد: ج 1، ص 164 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 43 .
3 - نهج البلاغة: الخطبة 215، طبعة عبده .
4 - الشعراء: 219 .
5 - تفسير مجمع البيان عند تفسير الآية .


(196)

قال المحقق نصير الدين الطوسي في تجريد الاعتقاد: ويجب في النبىّ العصمة... وعدم السهو، وكل ما ينفّرُ عنه من دناءة الآباء وعهر الاُمّهات...(1) .

وقد وافقه على هذا العلامة القوشجي الاشعري في شرح التجريد(2) .

وقال العلامة المتكلم المقداد السيوري في اللوامع الالهية: ويجب أن لا يكون مولوداً من الزنا ولا في آبائه دنىّ ولا عاهر(3) .

وفاةُ عَبْد اللّه في «يَثْرب»:

لقد بَدَأ «عبدُاللّه» بالزواج فصلا جديداً في حياته، وأضاء ربوعها بوجود شريكة للحياة في غاية العفة والكمال هي زوجته الطاهرة «آمنة» وبعد مدة من هذا الزواج المبارك توجه في رحلة تجارية ـ وبصحبة قافلة ـ إلى الشام بهدف التجارة .

دقت أجراسُ الرحيل، وتحركت القافلة التجارية وفيها عبداللّه، وبدأت رحلتها من «مكة» صوب الشام، وهي مشدودة بمئات القلوب والافئدة .

وكانت «آمنة» تمر في هذه الايام بفترة الحمل، فقد حملت من زوجها «عبداللّه» .

وبعد مُضىّ بضعة أشهر طلعت على مشارف مكة بوادر القافلة التجارية وهي عائدة من رحلتها، وخرج جمع كبير من أهل مكة لاستقبال ذويهم المسافرين العائدين .ها هو والد «عبداللّه» ينتظر ـ في المنتظرين ـ ابنه «عبداللّه»، كما ان عيون عروسة ولده «آمنة» هي الاُخرى تدور هنا وهناك تتصفح الوجوه وتبحث عن زوجها الحبيب «عبداللّه» في شوق لا يوصف .


1 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 349 تحقيق الشيخ حسن زاده الآملي .
2 - راجع: شرح القوشجي لتجريد الاعتقاد: ص 359 .
3 - اللوامع الآلهية: ص 311 .


(197)

ولكن ومع الأسف لا يجدان أثراً من «عبداللّه» بين رجال القافلة!!

وبعد التحقيق يتبين أن «عبداللّه» قد تمرّض أثناء عودته في يثرب، فتوقف هناك بين اخواله لكي يستريح قليلا، فاذا تماثل للشفاء عاد إلى أهله في «مكة» .

وكان من الطبيعي أن يغتم هذان المنتظران «عبدالمطلب وآمنة» لهذا النبأ، وتعلو وجهيهما آثار الحزن، والقلق وتنحدر من عيونهما دموع الأسى والاسف.

فأمرَ «عبدُالمطّلب» اكبر ولده: «الحارث» إلى أن يتوجَّه إلى «يثرب»، ويصطحب معه «عبداللّه» إلى مكة .

ولكنه عند ما دخل يثرب عرف بأن أخاه: «عبداللّه» قد توفي بعد مفارقة القافلة له بشهر واحد، فعاد الحارث إلى مكة، فاخبر والده «عبدالمطلب»، وكذا زوجته العزيزة «آمنة» بذلك، ولم يخلف «عبداللّه» من المال سوى خمسة من الابل، وقطيع من الغنم، وجارية تدعى «اُم أيمن» صارت فيما بعد مربية النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7 و 8، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 50 .


(198)


(199)

5
مَولدُ رَسُول اللّه صلّى اللّه عليه وآله

كانت سُحُبُ الجاهلية الداكنة تُغطّي سماء الجزيرة العربية، وتمحي الاعمالُ القبيحةُ والممارساتُ الظالمة، والحروبُ الداميةُ، والنهبُ والسلبُ، ووأدُ البنات، وقتلُ الاولاد، كلَ فضيلة أخلاقية. في البيئة العربية وكان المجتمع العربىّ قد اصبح في منحدر عجيب من الشقاء، ليس بينهم وبين الموت الاّ غشاء رقيق ومسافة قصيرة!!

في هذا الوقت بالذات طلع عليهم شمس السعادة والحياة فاضاءت محيط الجزيرة الغارق في الظلام الدامس، وذلك عندما اشرقت بيئة الحجاز بمولد النبيّ المبارك «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبهذا تهيأَت المقدمات اللازمة لنهضة شعب متخلف طال رزوحُه تحت ظلام الجهل، والتخلف، وطالت معاناته لمرارة الشقاء. فانه لم يمض زمن طويل الاّ وملأ نور هذا الوليد المبارك ارجاء العالم واسس حضارة انسانية عظمى في كل المعمورة .

فترةُ الطُفولة في حَياة العُظماء:

ان جميع الفصول في حياة العظماء جديرةٌ بالتأمل، وقمينة بالمطالعة، فربما تبلغ العظمة في شخصية احدهم من السعة، والسموّ بحيث تشمل جميعُ فصول حياته


(200)

بدء من الطفولة، بل وفترة الرضاع فتكون حياته وشخصيته برمتها سلسلة متواصلة من حلقات العظمة .

إن جميع الأدوار، والفترات في حياة العظماء، والنوابغ وقادة المجتمعات البشرية، وروّاد الحضارات الإنسانية وبُناتها تنطوي في الأغلب على نقاط مثيرة وحساسة وعلى مواطن توجب الاعجاب .

إن صفحات تاريخهم وحياتهم منذ اللحظة الّتي تنعقد فيها نطفهم في أرحام الاُمهات، وحتّى آخر لحظة من أعمارهم مليئة بالاسرار، زاخرة بالعجائب .

فنحن كثيراً ما نقرأ عن اُولئك العظماء في أدوار طفولتهم أنهما كانت تقارن سلسلة من الامور العجيبة، والمعجزة .

ولو سهل علينا التصديق بهذا الامر في شأن الرجال العاديين من عظماء العالم لكان تصديقنا بأمثالها في شأن الانبياء والرسل اسهل من ذلك بكثير، وكثير .

إن القرآن الكريم ذكر فترة الطفولة في حياة النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في صورة محفوفة بكثير من الأسرار، فهو يقول ما خلاصته: ان مئآت من الاطفال قُتِلوا وذُبحوا بامرْ من فرعون ذلك العصر منعاً من ولادة موسى ونشوئه .

ولكن ارادة اللّه شاءت ان يُولد الكليم، وظلت هذه المشيئة تحفظه من كيد الكائدين ولهذا لم يعجز اعداؤه عن القضاء عليه أو الحاق الاذى به فحسب، بل تربى في بيت فرعون أعدى اعدائه .

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (وَ لَقد مَننّا عَلَيْكَ مَرّة اُخرى إذْ أَوْحَيْنا إلى اُمِّكَ ما يُوحَى أَن أقذفيهِ في التابُوت فاقذفيه في اليمَّ فَليُلْقِهِ اليمُّ بِالْساحِلَ ياخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدوُ لَهُ وَ أَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحبَّةً مِنّي وَ لِتُصنَعَ عَلى عَيْني) .

ثمّ يقول: (إذْ تَمشِيْ اُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجعْناكَ إلى اُمِّكَ كيْ تَقَرَّ عَينُها وَ لا تَحْزنْ)(1) .


1 - طه: 37 ـ 40 .


(201)

ثمّ إن القرآن الكريم يذكر قصة ولادة المسيح، ويصور طفولته ونشأته بشكل أعجب إذ يقول:

(وَ اذْكُر في الكتاب مرَيَم إذ اْنتَبذَتْ مِنْ أهلهَا مَكاناً شَرْقيّاً. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونهمْ حِجَاباً فأَرسَلْنا إليها رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَها بَشَراً سَويّاً. قالَت إنّي أعُوذُ بالرَّحْمن مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقيّاً قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهبَ لَكِ غُلاماً زكيّاً. قالَت أَنّى يَكُونُ لي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أكُ بَغِيّاً. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلىَّ هَيِّنٌ وَ لنجعلَهُ آية لِلنّاسِ وَ رَحمَةً مِنَّا وَ كانَ أمْراً مَقْضِيّاً. فَحَملَتْهُ فانتَبِذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيّاً. فاَجاءها الَمخاضُ إلى جِذْع النَخلة قالَت يالَيتَني مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً. فَنادَاهَا مِنْ تَحْتِها ألا تحزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكَ تَحتَكِ سَريّاً. وَ هُزِّي إلَيْكِ بِجذْع النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطباً جَنيّاً. فَكُلي واْشرَبي وَ قَرّي عَيْناً فَإمّا ترينَّ مِنَ البَشَر أحداً فقُولي إنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ اُكلِّمَ الْيَوْمَ إنسِيّاً. فَأتتْ بهِ قَوْمَها تَحمِلُه قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئتِ شَيئاً فَريّاً. يا اُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبوكِ امْرَأَ سَوء وَ ما كانَتْ اُمُّكِ بَغِيّاً. فأشارَتْ إليْهِ قالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ في المَهْدِ صَبيّاً. قالَ إنّي عَبْدُاللّه آتانِىَ الْكِتابَ وَ جَعلَني نَبيّاً. وَ جَعلَني مُباركاً أينَ ما كُنْتُ وَ أوْصَانِي بِالصَّلاة وَ الزَّكاة مادُمْتُ حَيّاً. وَ بَرّاً بوالِدتي وَ لَمْ يَجْعَلْني جَبّاراً شَقِيّاً. وَالسَّلامُ عَلىّ يَومَ وُلِدتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ اُبْعَث حَياً)(1) .

فإذا كان أتباع القرآن والتوراة والانجيل يشهدون بصحة هذه المطالب حول ولادة هذين النبيين العظيمين من اولي العزم لموسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ ، ويقرون بصدقها، فلا يصحّ في هذه الصورة أن نستغرب وقوع أمثالها في شأن رسول الإسلام، ونتعجب من الحوادث العجيبة الّتي سبقت أو رافقت ميلاده المبارك، ونعتبرها اُموراً سطحية لا تدل على شيء .

فنحن نقرأ في الكتب التاريخية وفي كتب الحديث عن وقوع حوادث عجيبة


1 - مريم: 16 ـ 33 .


(202)

يوم ولادة النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل: ارتجاس أيوان كسرى، وسقوط اربع عشرة شرفة منه، وانخماد نار فارس الّتي كانت تُعبد، وانجفاف بحيرة ساوة، وتساقط الاصنام المنصوبة في الكعبة على وجوهها، وخروج نور معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اضاء مساحة واسعة من الجزيرة، والرؤيا المخيفة الّتي رآها انوشيروان ومؤبدوه، وولادة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مختوناً مقطوع السُرّة، وهو يقول: «أللّه اكبر، والحمدُ للّه كثيراً، سُبحان اللّه بكرة وأصيلا» .

وقد وردت جميع هذه الامور في المصادر التاريخية الأُولى، والجوامع الحديثية المعتبرة(1) .

ومع ملاحظة ما ورد في حق موسى وعيسى ونقلنا بعضه هنا، لا يبقى أىّ مجال للشك في صحة هذه الحوادث .

نعم ينبغي أن نسأل هنا: ماذا كانت تهدف هذه الحوادث غير العادية؟

وفي الاجابة على هذا السؤال يجب ان نقول:

إن هذه الحوادث الخارقة والعجيبة كانت تهدف إلى أمرين:

الأول: أن تدفع بالجبابرة، والوثنيين وعَبدة الاصنام إلى التفكير فيما هم فيه فيسألوا أنفسهم: لماذا انطفأت نيرانُهم الّتي طالما بقيت مشتعلة تحرسها اعيان السَدنة والكهنة؟

لماذا سبّبت هزةٌ خفيفةٌ في ارتجاس ايوان كسرى العظيم المحكم البنيان، ولم يحدث لبيت عجوز في نفس ذلك البلد شيء؟

لماذا تهاوت الاصنامُ المنصوبة في الكعبة وحولها، وانكبَّت على وجوهها بينما بقيت غيرها من الاشياء على حالها لم يصبها شيء ابداً ؟

لو كانوا يفكرون في تلك الحوادث لعرفوا أن تلك الحوادث كانت تبشّر بعصر جديد... عصر انتهاء فترة الوثنية وزوال مظاهر السلطة الشيطانية


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 5، بحارالأنوار: ج 15، ص 248 ـ 331، السيرة الحلبية: ج 1، ص 67 ـ 78 وغيرها .


(203)

واندحارها؟

الثاني: ان هذه الحوادث جاءت لتبرهن على شأن الوليد العظيم، وانه ليس وليداً عادياً، فهو كغيره من الانبياء العظام الذين رافقت مواليدهم أمثال تلك الحوادث العجيبة، والوقائع الغريبة، كما يخبر بذلك القرآن الكريم فيما يحدثه عن حياة الانبياء ـ كما عرفت ـ وتخبر بها تواريخ الشعوب والملل المسيحية واليهودية .

واساساً لا يلزم ان تكون تلك الحوادث سبباً للعبرة ووسيلة للا تعاظ يوم وقوعها، بل يكفي ان تقع حادثة في احدى السنين، ثم يعتبرُ بها الناس بعد أعوام عديدة، وقد كانت حوادثُ الميلاد النبوىّ من هذه المقولة، لأن الهدف منها كان هو ايجاد هزة في ضمائر اُولئك الناس الذين كانوا قد غرقوا في اوحال الوثنية، والظلم، والانحراف الاخلاقي حتّى قمة رؤوسهم، وعشعشت الجهالة والغفلة في اعماقهم حتّى النخاع .

إن الذين عاشوا في عصر الرسالة، أو من اتى من بعدهم عندما يسمعون نداء رجل نهض ـ بكل قواه ـ ضدّ الوثنية، والظلم، ثم يطالعون سوابقه، ويلاحظون إلى جانب ذلك ما وقع ليلة ميلاده من الحوادث العظيمة الّتي تتلاءم مع دعوته، فانهم ولا شك سيعتبرون تقارن هذين النوعين من الحوادث دليلا على صحة دعواه، وصدق مقاله فيصدِّقونه، وينضوون تحت لوائه .

إن وقوع أمثال هذه الحوادث الخوارق عند ميلاد الانبياء مثل «إبراهيم» و «موسى» و «المسيح» و «محمَّد» صلّى اللّه عليه وعليهم اجمعين لا يقل اهمية عن وقوعها في عصر رسالتهم ونبوتهم، فهي جميعاً تنبع من اللُطف الآلهي، وتتحقق لهداية البشرية، وجذبها إلى دعوة سفرائه ورسله .

في أىّ يوم وُلدَ رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

؟

لقد اتّفق عامّة كُتّاب السيرة على أن ولادة النبىِّ الكريم كانت في عام الفيل سنة 570 ميلادية .

لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رحل إلى ربه عام (632) ميلادية عن (62)


(204)

أو (63) عاماً، وعلى هذا الأساس تكون ولادته المباركة قد وقعت في سنة (570) ميلادية تقريباً .

كما أنّ اكثر المحدثين والمؤرخين يتفقون على أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولدَ في شهر ربيع الأول.

انما وقع الخلاف في يوم ميلاده، والمشهور بين محدثي الشيعة أنه كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر .

والمشهور بين أهل السنة أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وُلدَ في يوم الاثنين الثاني عشر من ذلك الشهر(1).

أىُّ هذين القولين هو الصحيح؟

ان من المؤسف جداً أن يعاني التقويم الدقيق لميلاد رسول الإسلام العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووفاته بل مواليد ووفيات اكثر قادتنا وائمتنا لمثل هذا الارتباك، وان لا تكون اوقاتها وتواريخها محددةً معلومة على وجه التحقيق واليقين!.

ولقد تسبب هذا الارتباك في أن لا تستند اكثر احتفالاتنا ومآتمنا إلى تاريخ قطعي، في حين نجدأن علماء الإسلام كانوا يهتمون ـ عادة بتسجيل الوقائع الّتي حدثت على مدار القرون الإسلامية في نظم خاص وعناية كبيرة، ولكننا لا ندري ما الّذي منع من تسجيل مواليد هذه الشخصيات العظيمة ووفياتهم على نحو دقيق، وصورة قطعية؟!

على أن مثل هذه المشكلة يمكن حلها بدرجة كبيرة بالرجوع إلى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فان اي مؤرخ لو أراد ان يكتب عن حياة شخصيّة من الشخصيات واراد أن يُلمّ بكل تفاصيلها ودقائقها لم يسمح لنفسه بان يفعل ذلك من دون ان يراجع ابناء أواقرباء تلك الشخصية الّتي يزمع ترجمتها والكتابة عنها .


1 - وقد ذكر المقريزي في «الامتناع» ص 3 جميع الاقوال المذكورة في يوم ميلاد النبي وشهره وعامه، فراجع .


(205)

ولقد مضى رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخلّف من بعده ذرية وقربى وهم الذين يطلق عليهم اهل البيت .

واهل بيته يقولون: لو كان صحيحاً وحقا ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أبونا وجدنا، وقد نشأنا في بيته وترعرعنا في حجره فاننا نقول انه قد ولد يوم كذا وتوفي يوم كذا فهل يبقى بعد ذلك مجال لأن نتجاهل قولهم ورأيهم، ونختار ما يقوله الآخرون من الأبعدين، وقديماً قالوا: أهل البيت ادرى بما في البيت؟(1) .

فَتْرَةُ الحَمْل:

المعروفُ أن النورَ النبوىَ الشريف استتقر في رحم آمنة ـ الطاهر في ايام التشريق وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة(2)، ولكن هذا الامر لا ينسجم مع الرأي المشهور بين عامة المؤرخين من كون ولادة النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في شهر ربيع الأول، إذ في هذه الصورة يجب ان نعتبر مدة حمل «آمنة» به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إما ثلاثة أشهر واما سنة وثلاثة اشهر، وكلا الامرين خارجان عن الموازين العادية في الحمل، كما أنه لم يعدّهُ احدٌ من خصائص النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

ولقد عالَج المحققُ الكبير الشهيد الثاني (911 ـ 966 هـ ) هذا الإشكال بالنحو التالي إذ قال:

إنَ ذلك مبنىّ عَلى النسىُّ الّذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وقد نهى اللّه تعالى عنه، وقال: «إنَّما النسىُّ زيادَةٌ في الكُفْر» .

وتوضيح هذا هو أن أبناء «إسماعيل» كانوا تبعاً لاسلافهم يؤدون مناسك الحج في شهر ذي الحجة، ولكنهم رأوا ـ في ما بعد ـ أن يحجّوا في كل شهر عامين


1 - ومن هنا لابد من الاعتراف بان ما ينقله ويكتبه الامامية من تفاصيل تتعلق بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي اقرب من غيرها إلى الحقيقة لأنها مأخوذة عن اقربائه وابنائه ـ عليهم السّلام ـ .
2 - الكافي: ج 1، ص 439 أبواب التاريخ باب مولد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووفاته .
3 - قد ذكر الطريحي فقط في مجمع البحرين في مادة شرق قولا بهذا لم يُسم قائله .


(206)

يعنى ان يحجوا في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين وفي صفر عامين وهكذا .

وهذا يعني أن الحج يعود كل اربعة وعشرين سنة في موضعه الطبيعي (اي شهر ذي الحجة) .

وقد جرى العربُ المشركونَ على هذه الطريقة حتّى صادفت أيامُ الحج شهر ذي الحجة في السنة العاشرة من الهجرة النبوية فحج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك السنة حجة الوداع، فنهى في خطبة له عن هذه الفعلة (الّتي تسمى بالنسيء بمعنى تأخير الحج عن موضعه وموعده) فقال: «ألا وَ إنَّ الزَّمان قد استَدارَ كَهيئتهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الأَرضَ السَّنة إثنا عشَرَ شَهراً، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مَتوالِياتٌ: ذوالقعدة وذوالحجة، ومحرَّم، ورجَب الّذي بَين جمادي وشعبان»(1) .

وقد أراد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك أن الأشهر الحرم رجَعت إلى مواضعها، وعاد الحُج إلى ذي الحجة وبَطل النسيء .

ونزل في هذه المناسبة قولُ اللّه تعالى: (إنَّما النسيء زيادَةٌ في الكُفْر يُضَلُّ بِهِ الذَّينَ كَفَرُوا يُحلُّونَهُ عاماً ويحرِّمُونهُ عاماً)(2) .

من هنا تنتقل أيامُ التشريق كلَ سنتين من مواضعها، على ما عرفت، وحينئذ لا منافاة بين القول بأن نور النبىّ انتقل إلى رحم اُمه «آمنة بنت وهب» في ايام التشريق، وبين ما اجمع عليه عامة المؤرخين من أنه وُلدَ في شهر ربيع الأول. وانما تكون المنافاة بين هذين الامرين إذا كان المراد من ايام التشريق هو اليومُ الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة خاصة، ولكن قلنا ان ايام التشريق كانت تنتقل من شهر إلى آخر باستمرار، فيلزم أن يكون عام حمل اُمّه به، وعام ولادته أيام الحج الواقعة في شهر جمادي الاولى، وحيث أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وُلدَ في شهر ربيع الأَول فتكون مدَة حمل «آمنة» به عشرة أشهر تقريباً .


1 - مجمع البيان: ج 5، ص 29 .
2 - التوبة: 37 .


(207)

مُؤاخَذاتٌ وإشكالاتٌ عَلى هذا البَيان:

إن النتيجة الّتي توصّل اليها المرحومُ «الشهيد الثاني» ليست صحيحة، كما أن المعنى الّذي ذكره للنسيء لم يقل به من بين المفسرين إلا مجاهد، واما الآخرون فقد فسَّروهُ بنحو آخر فلا يكون التفسيرُ الّذي مَرَّ قوياً، وذلك:

أوّلا: لأن «مكة» كانت مركزاً لجميع الاجتماعات كما كانت معبداً للعرب جميعاً، ولا يخفى أنَّ تغيير الحج في كل سنتين مرةً واحدةً من شأنه أن يسبب الالتباسَ لدى الناس ويوقعهم في الخطأ والاشتباه، وبالتالي يتعرّض ذلك الاجتماع العظيم، وتلك العبادة الجماعية إلى خطر الزوال .

ولهذا يُستَبعد ان ترضى قريش والمكيّون بان يخضع ما هو وسيلة لعزتهم وافتخارهم للتغيير والتبدل الّذي من عواقبه ان يتعرض وقته وموعده للنسيان، فيذهب ذلك الإجتماع، ويزول من الاساس .

ثانياً: إذا أخضَعنا ما قاله «الشهيد الثاني» لمحاسبة دقيقة فان كلامه يستلزم ان تكون ايام التشريق والحج في السنة التاسعة من الهجرة واقعة في شهر ذي القعدة لا جمادي الاولى في حين أن اميرالمؤمنين عليّاً ـ عليه السلام ـ كُلِّفَ في هذه السنة بالذات بأن يقرأَ سورة البراءة على المشركين في ايام الحج، والمفسرون والمحدثون متفقون على أنه ـ عليه السلام ـ تلاها عليهم في العاشر من شهر ذي الحجة ثم امهلهم اربعة اشهر ابتداء من شهر ذي الحجة لا ذي القعدة(1) .

ثالثاً: ان النسيء يعني أنَّ العرب حيث لم يكن لديهم مصدر صحيح للرزق بل كانوا يعيشون في الاغلب، على النهب والغارة لهذا كان من الصعب عليهم ترك الحرب، في الاشهر الحرم الثلاث (وهي ذوالقعدة وذوالحجة، والمحرم) لهذا ربما طلبوا من سدَنة الكعبة بأن يسمحوا لهم بالقتال في شهر المحرم، ثم يتركون


1 - ولقد قام العلامة المجلسي في بحارالأنوار: ج 15، ص 253 بهذه المحاسبة، وان لم يشر إلى الإشكال الّذي أوردناه فليراجع .


(208)

الحرب في شهر صفر، وهذا هو معنى النسيء فلم يكن نسيء وتأخير للشهر الحرام في غير شهر محرَّم، وفي الآية نفسها اشارةٌ إلى هذا المطلب: «يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحرِّمُونَهُ عاماً» .

والّذي نراه في حل هذه المشكلة هو: أن العرب كانوا يحجُّون في وقتين: أحدهما شهر ذي الحجة، والثاني شهر رجب، وقد كانوا يؤدُّون كلَ مناسك الحج في هذين الوقتين على السواء، فيمكن أن يكون المقصودُ من حَمْل «آمنة» برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايام التشريق هو شهر رجب فإذا اعتبرنا يوم ولادته هو السابع عشر من شهر ربيع الاول كانت مدة حمل «آمنة» به ثمانية أشهر واياماً .

الاحتفال بذكرى المولد النبوي:

وينبغي ان يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقيموا المهرجانات الكبرى في هذه المناسبة الشريفة الّتي كانت مبدأ الخير والبركة، ومنشأ السعادة والكرامة للبشرية جمعاء، وأية مناسبة احرى بالاحتفال والاحتفاء من هذ المناسبة؟

على ان اقامة مثل هذه الاحتفالات هو نوع من تكريم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو امر مطلوب ومحبوب في الشريعة المقدسة .

فقد قال اللّه تعالى:

(فالَّذين آمَنُوا بِه وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصروُه واتّبعُوا النُورَ الَّذي اُنزِل مَعَهُ اُولئكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ)(1) .

وعزّر بمعنى كرَّم وبجّل كما في اللغة(2) وهو لا يختص بزمان دون زمان، فعلى المسلمين في كل وقت وزمان ان يعظّموا شأن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويكرّمونه، سواء في حياته أو بعد مماته، لما له من فضل عظيم على الناس، ولما


1 - الأعراف: 157 .
2 - راجع مفردات الراغب: مادّة عزر .


(209)

له من منزلة عنداللّه تعالى .

كيف لا والاحتفال بميلاده لا يعني سوى ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والاشادة بشرفه وفضله وهي اُمور مدحه القرآن الكريم بها إذ قال سبحانه: (وإنّك لَعلى خُلُق عظيم)(1) وقال تعالى أيضاً: (ورَفعنا لك ذكرك)(2) وغير ذلك من الآيات المادحة لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فان الاحتفال بميلاد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي يتحقق بذكر صفاته وأخلاقه والاشادة به خير مصداق لرفع ذكره، الّذي فَعلهُ اللّه بنحومّا .

ولو كان رفع ذكر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أمراً غير جائز ولا صحيح، بل فعلا قبيحاً لما فعله اللّه، فيكفي في حسنه وصحته بل ومشروعيته ومطلوبيته ان اللّه تعالى فعله بالنسبة لنبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وهل يكون الاحتفال بمولد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، واظهار السرور والشكر للّه تعالى بمقدم نبيه المبارك عبادة للنبىّ كما يزعم البعض إذ يقول:

«الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(3) .

والحال ان العبادة في مفهومها الاصطلاحي الموجب للشرك والكفر ليس إلاّ الخضوع لمن يُعتَقَدْ بالوهيته وتعظيمه بهذه النية(4) واين هذا من ذكر فضائل النبي في يوم مولده والابتهاج بمقدمه والشكر للّه على ولادته .

ثم ان تعظيم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينطلق من كونه عبداً مطيعاً للّه تعالى، ادى رسالته بصدق واخلاص، وجسّد بسلوكه وسيرته كل مكارم الاخلاق اصدق تجسيد فالاحتفال بمولده الكريم احتفال بالقيم السامية، وشكر للّه على منّه، واظهار للحب الكامن في النفوس ليس إلاّ .

والزعم بانه محرّم لكونه بدعة، أو لأنه لا يخلو عن اشتماله على منكرات


1 - القلم: 4 .
2 - الانشراح: 4 .
3 - فتح المجيد: ص 154، ثمّ نقل عن كتاب قرّة العيون ما يشابه هذا المضمون .
4 - راجع مفاهيم القرآن في معالم التوحيد: ص 404 ـ 440 .


(210)

ومحرمات كالرقص والغناء فهو مرفوض، مردود لان الكلام انما هو حول اصل الاحتفال مجرداً عن المحرمات والمنكرات .

ان الاحتفاء والاحتفال بمولد خاتم النبيين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انما هو تكريم لمن كرّمه اللّه تعالى، وامر بتكريمه، وحث على احترامه وحبه، ومودته، وانه بالتالي اداء شكر للّه تعالى على تلك الموهبة العظيمة، وتلك العطيّة المباركة حيث مَنّ سبحانه على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة بأن شرف الارض بمولد عظيم نعمت الارض ببركة شخصيته وخلقه، واشرقت بنور رسالته ودعوته، فاية نعمة ترى اولى بالشكر من هذه، واي شكر اجمل وافضل من الأحتفاء بمولد هذا النبىّ العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذكر فضائله، ومناقبه، للتعرف عليها، والاقتداء بها، وتشديد الحب له بسببها، والابتهال إلى اللّه في يوم ميلاده، وطلب التوفيق الالهي لمتابعته، والسير على نهجه، والدفاع عن رسالته، والذبّ دون دينه، بعد الشكر للّه تعالى على موهبته هذه؟؟

هذا ولقد درج المسلمون في العصور الإسلامية الاولى على الاحتفال بذكرى المولد النبوّي وأنشأوا القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم اخلاقه، واظهروا السرور بمولده والشكر للّه تعالى بلطفه، وتفضله به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على البشرية .

قال الإمام الدياربكري في تاريخ الخميس في هذا الصدد:

لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بانواع الصدقات ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقرائة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(1) .

اجل ينبغي على المسلمين ان يحتفلوا بمقدم نبيهم الكريم ولا يعبأوا بما قاله البعض حيث قال: «الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من


1 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: ج 1، ص 223 نقلا عن المواهب اللدنية: ج 1، ص 27 للقسطلاني .


(211)

العبادة لهم وتعظيمهم»(1) .

فهذا القول مغالطة صريحة، ان لم يكن نابعاً عن الغفلة والجهل بعد ان تبين حقيقة الاحتفال واقامة الذكريات احتفاء بالمولد النبوىّ(2) .

مَراسمُ تسمية النبىّ صلّى اللّه عليه وآله:

حلَّ اليومُ السابعُ من الميلاد المبارك، فعقَّ عبدالمطلب عن النبىّ بكبش شكراً للّه تعالى ودعا جماعة ليشتركوا في الاحتفال الّذي حضرهُ عامة قريش لتسمية النبىّ، وسمّاه «محمَّداً»، وعندما سألوه عما حَمله على أن يسمي هذا الوليد المبارك «محمَّداً» وهو اسم لم يعرفه العرب الانادراً أجاب قائلا: أردتُ أن يحمَد في السماء والأَرض(3).

وإلى ذلك يشير حسان بن ثابت بقوله:

فَشقَّ لَهُ مِنْ إسُمهِ لِيُجلَّهُ     فَذُفاء والعَرْشَ مَحْمُودٌ وَ هذا محمَّدُ(4)

ومن المسلّم أن هذا الإختيار لم يكن ليتم من دون دخالة للإلهام الالهي، لأَن اسم «محمَّد» وإن كان موجوداً عند العرب إلاّ أنه قَلّ من كان قد تسمى بهذا الإسم، فحسب ما استقصاه بعضُ المؤرخين لم يتسَم به إلى ذلك اليوم من العرب الاستة عشر شخصاً كما يقول شاعرهم:

إنَ الذينَ سَمُوا باسم محمد     مِنْ قَبلِ خير الخَلقِ ضِعف ثمان (5)

ولا يخفى أن نُدرة المصاديق لأي لفظ من الالفاظ أو اسم من الأسماء من شأنِها أن تقلّل فرص الاشتباه فيه، وحيث أن الكتب السماوية كانت قد أخبرتْ عن إسم النبي الخاتم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وصفاته، وعلائمه الرُوحية والجسمية، لذلك يجب أن تكون علائمُه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واضحةً جداً جداً


1 - هوامش الفتح المجيد .
2 - راجع للتوسّع: معالم التوحيد في القرآن الكريم .
3 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 78 و 79 .
4 - بحارالأنوار: ج 16، ص 120، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 78 و 79 .
5 - السيرةُ الحلبية: ج 1، ص 82 ثمّ يذكر صاحب السيرة اولئك الأشخاص في بيتين آخرين.


(212)

حتّى لا يتطرق إليها التباسٌ أو اشتباهٌ، وقد كان من علائمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اسمُه الشريف، فيجب أن تكون مصاديقُها قليلة جداً حتّى يزيل ذلك أي عروض للشك والترديد في تشخيص النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصة إذا ضمَّتْ إليه بقية أوصافِه وعلائِمهِ، وخصوصياته.

خَطأ الْمُستَشْرقينْ:

لقد ذكر القرآنُ الكريمُ اسمين أو عدة أسماء للنبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ففي سورة آل عمران ومحمَّد والأحزاب والفتح في الآيات 144 و 2 و 40 و 29(1) سماه «محمَّداً»(2) .

وفي سورة الصف الآية 6 (3) دعاه «أحمد» .

والعلةُ في تسميته بهذين الإسمين أن امّهُ «آمنة» سمّته «أحمداً» قبل أن يسميه جده، كما هو مذكور في التاريخ .

وعلى هذا فانَ ما ذكرهُ بعضُ المستشرقين ـ في معرض الإعتراض ـ بأن الإنجيل ـ حسب تصريح القرآن الكريم في سورة الصف الآية 6 ـ بشَّر بنبي اسمُه «أحمد» لا «محمَّد» كلامٌ لا اساسَ له ولا مبرر، لأن القرآن الكريم الّذي سمى نبيّنا بـ «أحمد» سماه في عدة مواضع بـ «محمَّد» فإذا كان المصدر في تعيين اسم النبي هو: القرآن الكريم، فان القرآن سَمّاه بكلا الاسمين، في موضع باسم


1 - يعتقد البعضُ أنّ هذا ليس اسماً للنبىّ صلّى اللّه عليه وآله بل هو من الحروف المقطعة في القرآن .
2 - قال تعالى: (وَ ما مُحمَّدٌ إلا رَسولٌ قَد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) .
وقال تعالى: (والَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلوا الصّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحمَّد) .
وقال سبحانه: (ما كانَ مُحمَّد أبا أحَد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُول اللّه وَ خاتَمَ النَّبيّين) .
وقال عزّوجلّ: (مُحمَّدٌ رَسُولُ اللّه والَّذينَ مَعهُ أشدّاء عَلى الكُفّار رُحماء بَيْنَهُمْ).
3 - إذ قال سبحانه: (وَمُبَشِّراً بِرَسُول مِنْ بَعْدِيْ اسمُهُ أَحمَد) .


(213)

«محمَّد»، وفي موضع آخر باسم «احمد» .

«أحمد» كانَ مِنْ أسماء النبىّ المشهورة:

كلُّ من كان له ادنى إلمام بتاريخ النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عَلِمَ أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يُدعى بإسمين في الناس منذ صغره أحدهما: «محمَّد» الّذي سَمّاه به جَدُه «عبدالمطلب»، والآخر «أحمد» الّذي سمته به اُمه «آمنة» .

وهذه حقيقة من حقائق التاريخ الإسلامي، وقد روى المؤرخون هذا الأمر، ويمكن للقاريء الكريم أن يقرأه في السيرة الحلبية(1) .

ولقد أنشأ عمُّه «أبوطالب»، الّذي اُنيطَت إليه كفالته بعد وفاة عبدالمطلب، فبقي يقوم بهذه المهمة طوال اثنين وأربعين عاماً بكل حرص ورغبة، ولم يمتنع في هذا السبيل عن بذل كل ما استطاع من غال ورخيص انشأ في ابن أخيه أبياتاً سمّاه في بعضها «محمَّد» وفي بعضها الآخر «أحمد»، وهذا يكشف عن انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان معروفاً آنذاك بكلا الاسمين .

واليك فيما يأتي بعض هذه الأبيات الّتي سَمى فيها «أبوطالب» النبيَ باسم احمد:

1- إنْ يكُنْ ما أتى بهِ أحمدُ اليومَ * سَناءً وكانَ في الحشر ديناً

2- وقولُه لأحمد أنتَ اْمرءٌ * خَلُوفُ الحديث ضَعيف النُسبْ

3- وإن كانَ أحمدُ قد جاءهم * بحق ولم يَأتِهمْ بالكَذِبْ

4- أرادُوا قَتْل أحمد ظالموه * وَليس بقتلهم فيهم زعيم

5- ألا إنَّ خيرَ الناس نفْساً ووالداً * إذا عُدَّ ساداتُ البرية أحمدُ

6- فَلسْنا وبيتُ اللّه نسلم أحمداً * لِعزّاء من عض الزمان ولا كرب(2)

وقد سمى «أبوطالب» النبيَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ابيات اخرى بأحمد


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 82 و 83 .
2 - ديوان أبي طالب عليه السَّلام .


(214)

أيضاً قد ذكرها كبار المحققين من المؤرخين والمحدثين ونسبوها إلى أبي طالب ولكنها غير موجودة في ديوانه(1) .

كما وأنه قد سَمّاه غيرُ ابي طالب في أبياته بأحمد ممّا يدل على أنه كان مشتهراً بهذا الاسم في ذلك الزمان، وتلك الابيات كثيرة تفوق حدّ الحصر والاحصاء لكنّنا ننقل نماذج منها هنا:

قال حسان بن ثابت في رثائه للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

مفجعةٌ قد شفّها فقدُ أحمد * فظلَّت لآلاء الرسول تُعّددُ

أطالت وقوفاً تذرف العينَ جُهدها * على طَلل القبر الّذي فيه أحمدُ(2)

وقال في رثائه أيضاً:

صَلّى الالهُ وَمنْ يُحيق بعرشهِ * والطَّيِبُونَ عَلى المبارك احمدِ(3)

وقال في رثاء جعفر بن أبي طالب الطيّار:

فمن كان أو يكون كأحمد * نظام الحق أونكال لملحد(4)

وقال حَسّان وهو يذكر معجزة من معاجز النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

ففي كَفِّ أحمدَ قد سَبَّحتْ * عُيونٌ مِنَ الماءِ يومَ الظمأ(5)

وقال كَعبُ بن مالك:

فهذا نَبِىُّ اللّه أحمدُ سَبّحت * صِغارُ الحصى في كَفِّه بالتَرنّم(6)

وقال «ورقة بن نوفل» يومَ أخبرتهُ خديجةُ بنزول الوحي على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - مثل قوله:

لَعمري لقد كلِفتُ وَجْداً بأحمد * وَأحبَبْتُهُ حُب الحبيب المواصلِ
زعمتْ قريشٌ أَن أحمد ساحرٌ * كَذِبَتْ وَربّ الراقصاتِ إلى الحَرم

راجع ديوان أبي طالب، وسيرة ابن هشام: ج 1، ص 272، وشرح النهج لابن ابي الحديد: ج 14، ص 79 وغيرها .
(2) و (3) ابن هشام في سيرته: ج 2، ص 667 و 666، وابن سعد في طبقاته: ج 2، ص 323.
4- شاعر عهد الرسالة: تحقيق محمَّد عزت نصر اللّه .
(5) و (6) بحارالأنوار: ج 16، ص 413 و 415 .


(215)

فإنْ يَكُ حَقاً يا خَديجةُ فاعلمي * حَديثك إيانا فاحمدُ مُرسَلُ(1)

وقالت عاتكةُ بنتُ عَبدالمطلب ترثي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

يا عينُ جُودي ما بقيتِ بعبرة * سَحّاً على خير البرية أحمدِ(2)

وقال العباسُ في مناسبة تزويج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخديجة:

أحمدُ سَيّدُ الوَرى * خير ماش وَ راكِب(3)

فتْرَةُ الرِّضاع في حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

لم يرتضع وليدُ قريش المبارك «محمَّد» من اُمّه سوى ثلاثة أيام، ثم حَظِيَت بفخر إرضاعه ـ بعد ذلك ـ امرأتانُ هما:

1- «ثويبة» مولاة «أبي لهب»، وقد أرضعته أربعة أشهر فقط، وكان النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وزوجتُه الوفية: «خديجة بنت خويلد» يقدّران هذا العمل لها حتّى آخر لحظات حياتها(4) .

و «ثويبة» هذه كانت قد أرضَعْتْ قبلَ ذلك «حمزة» عمَ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و «ابا سلمة بن عبداللّه المخزومي» أيضاً فكانوا إخوة من الرضاعة(5) .

وقد بعث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد مَبعثه، من يشتريها من «أبي لهب» ليعتقها فابى(6) .

وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكرمها كلما دخلت عليه، وكان يبعث إليها بالصّلة إلى أن بلغه خبرُ وفاتها عند منصرفه من وقعة «خيبر» فسأل عن إبنها فقيل: مات قبلها، فسْأل عن قرابتها، فقيل: لم يبق منهم أحد(7) .

2- «حليمة السعدية» بنت ابي ذؤيب الّتي كانت من قبيلة سعد بن بكر بن هوازن، وكان أولادها عبارة عن: «عبداللّه»، «أنيسة»، «شيماء»، وقد


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 195 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 2، ص 326 .
3 - بحارالأنوار: ج 16، ص 72 .
4 - تاريخ الخميس في احوال انفس نفيس: ج 1، ص 222 .
5 - السيرة النبوية: ج 3، ص 96 .
6 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 271 .
7 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 222 ـ 225 نقلا عن سيرة مغلطاي وغيره .


(216)

قامت آخر أولادها وهي «الشيماء» بحضانة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيضاً:

وقد كان من عادة العرب يومذاك هو أن يدفعوا أولادهم الرضعاء إلى المراضع اللائي كُنَّ يَعِشنَ في البوادي لينشأوا في تلك البيئات المعروفة بطيب هوائها، وقلة رطوبتها، وعذوبة مائها ببنية قوية، هذا مضافاً إلى صيانتهم عن خطر الوباء الّذي كان يهدد الأطفال في «مكة»، ولأن ذلك كان له مدخلٌ عظيم، وتاثيرٌ بليغ في فصاحة المولود لسلامة لغة أهل القبائل الساكنة في البوادي آنذاك .

وكانت مراضعُ بني سعد من المشهورات بهذا الأمر بين العرب، فقد كانت نساء هذه القبيلة الّتي كانت تسكن حوالي «مكة» ونواحي الحرم يأتين «مكة» في كل عام في موسم خاص يلتمسنَ الرضَعاء ويذهبن بهم إلى بلادهنَّ حتى تتم الرضاعة.

وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تجاوز شهره الرابع لما قدمت نساء من بني سعد «مكة» يلتمسنَ الرضعاء في سنة جدب وقحط، ولهذا كنَّ بحاجة شديدة إلى مساعدة أشراف «مكة» واعيانها .

ويقول بعض المؤرخين: إنه لم تقبل أيّة واحدة من تلك المراضع أن تأخذ «محمَّداً» بسبب يتمه، وقد كان اغلبهن يُردْنَ أن يأخذن من يكون له أبٌ حيٌّ حتى يُغدق عَلَيْهنَّ بالمساعدات والصّلات، وحتّى «حليمة» هي الاُخرى أبتْ أخذَهُ، ولكنَّها ايضاً لم تحصل على طفل لِهزال جسمها، فاضطرت إلى أن تأخذ حفيد «عبدالمطلب» وقالت لزوجها: واللّه لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم فلاخذنَّه، فقال لها زوجُها: لا عليك ان تفعلي، عسى اللّه ان يجعل لنا فيه بركة .

ولقد اصاب الزوجان في ظنّهما هذا، فمنذ أن أبدت «حليمة» استعدادها لخدمة ذلك اليتيم شملت الالطاف الالهية كل مجالات حياتها(1) .

إن القسم الأول من هذه القصة ليس سوى اسطورة، لأن مكانة البيت


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 162 و 163.


(217)

الهاشمي الرفيعة، وشخصية رجل عُرفَ بِكمال الجود والاحسان، وبعون المحتاجين والمحرومين كانت سبباً في أن لا تعرض المرضعات عن اخذ «محمَّد» فحسب، بل يتنازعن على اخذه ولهذا لا يكون هذا القسمُ مِنَ التاريخ سوى اسطورة تكذبها الحقائق .

واما علة عدم اعطاءه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى غير «حليمة» من المرضعات فهي: أن وليد قريش لم يقبل أىّ ثدي من أثداء تِلكم المرضعات، ولم يزل كذلك حتّى قبلَ ثدي «حليمة السعدية»، فسرّ بذلك «عبدُالمطلب» وأهله سروراً عظيماً، بعد أن حزنهم امتناعُه عنهنَّ قبل ذلك(1) .

قالت «حليمة»: استقبلني عبدُالمطلب فقال: من انت، فقلت: أنا امرأة من بني سعد، قال: ما أسمُك؟ قلتُ: حليمة، فتبسَّم «عبدالمطلب» وقال: بَخ بَخ سَعدٌ وحلْمٌ، خصلتان فيهما خيرُ الدهر، وعز الأبد(2).

نَظرةُ الإسلام في تأثير الرضاع:

وهنا ينبغي بالمناسبة أن نشير إلى نظرة الإسلام في تأثير الرضاع في شخصيّة الإنسان .

فقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديثَ في الكشف عن آثار اللبن في تكوين الإنسان الخُلقي والنفْسىّ والعضوي سَلباً وإيجاباً .

ولهذا حثَّ الإسلام على استرضاع الام، كما حث على اختيار المرضعات الصالحات ونهى عن استرضاع اليهودية والمجوسية والنصرانية والمجنونة منعاً من انتقال طباعِهنَ إلى الطفل عن طريق اللبن .

واستكمالا لهذا البحث نورد جملة من الأحاديث الّتي تصرح بهذه الحقيقة العلمية الهامة:

1- قال اميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ :


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 342 و 343 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 89 .


(218)

«تَخَيّرُوا للرضاع كما تَخيَّرون لِلنِّكاح فانَ الرِّضاعَ يُغيّرُ الطِباعَ»(1) .

2- وعنه ـ عليه السلام ـ ايضاً:

«اُنظرُوا مَنْ يُرضعُ أولادكُمْ فَإنَ الوَلَد يَشُبُّ عَليهِ»(2) .

3ـ عن الإمام ابي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ انه قال:

«لا تَسْتَرضعُوا الحَمقاء فانَ اللبن يُعدي، وإن الغُلامَ يَنزع إلى اللَبن...»(3).

4ـ وعنه ـ عليه السلام ـ ايضاً:

«استرضعْ لولَدك بِلَبنِ الحِسان وإيّاكَ وَ القِباحُ فإنَّ اللَبنَ قد يُعدي»(4).

5ـ وعن علي ـ عليه السلام ـ انه قال:

«ما مِنْ لَبَن يَرضَعُ به الصَبىُّ أعظمُ بَركَةً عَليْه مِنْ لَبنِ اُمَّهِ»(5) .


1 - قرب الأسناد: ص 45 .
2 - فروع الكافي ج 2، ص 93 .
3 - وسائل الشيعة: ج 15، ص 188 .
4 - التهذيب: ج 2، ص 280 .
5 - روضة المتّقين: ج 8، ص 554 .


(219)

6
فَتْرةُ الطفُولة في حياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إن صفحات التاريخ تشهد بأن حياة رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من بداية طفولته وأوان صباه وإلى يوم بعثه بالرسالة كانت مشحونة بسلسلة من الحوادث العجيبة الّتي تعَدُّ بأجمعها من كراماته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتدل على أن حياة النبىّ لم تكن حياة عادية .

وينقسم المؤلفون في تفسير هذه الحوادث إلى طائفتين:

1- الماديُّون، وجماعة من المستشرقين: فان العلماء الماديين الذين يحصرون الوجود في نطاق المادة، ويعتبرون جميع الظواهر ظواهر مادية، وينحتون لكل واحدة منها علة طبيعية، لا يهتمون بهذه الحوادث ولا يُعيرونها أية أهمية، لامتناع واستحالة وقوع أمثال هذه الظواهر حسب النظرة المادية، ولهذا فكل ما يصادفونه في ثنايا التاريخ من هذا الباب يعتبرونه من ولائد الخيال، وممّا نسجته اَوهامُ التابعين لذلك الدين، أو الطريقة .

وقد تبعهم في هذا الموقف جماعة من المستشرقين فرغم انهم يعتبرون انفسهم ـ حسب الظاهر ـ في عداد الموحِّدين، والمؤمنين باللّه، وبما بعد الطبيعة من عوالم الغيب، إلاّ أنهم - لضعف إيمانهم وبسبب غرورهم العلمي، وغلبة النزعة المادية على أفكارهم وأذهانهم ـ اتبعوا ـ لدى تحليلهم لهذه الحوادث ـ المنهج المادىّ، فنحن


(220)

نقرأ في كتاباتهم مراراً وتكراراً زعمهم بانَ النبوة ماهي إلاّ نبوغٌ بشرىٌّ، وأن النبىّ مجرد نابغة اجتماعية استطاع تغيير مسار الحياة البشرية بافكاره النيَّرة!!

ولا شك أن مثل هذا التصوّر ينبع من طريقة التفكير المادي الّذي يعتبر جميع الأديان من ولائد الفكر البشري وافرازات الذهن الانساني، في حين ان علماء العقيدة اثبتوا في: مباحث «النبوَّة العامة» انَّ النبوة عطية الهية، وموهبة ربّانية هي في الحقيقة منشأ جميع الالهامات والارتباطات المعنوية، ومصدر لمناهج الانبياء وبرامجهم، ليست ابداً وليدة نبوغهم الإنساني، ولا نسيجة فكرهم البشري، وليس لها مصدر إلاّ الإلهام من الغيب، ولكن عندما ينظر المستشرقُ المسيحي إلى هذه القضايا من زاوية الفكر المادي ويريد تفسير جميع هذه الظواهر بالاُسس العلمية الّتي كشفت عنها التجربةُ ينتقد مثل هذه الحوادث ذات الطابع الاعجازي، وربما انكرها من الاساس .

2- المؤمنون باللّه: الذين يعتقدون بأن العالم المادي بجميع خصوصياته وخواصه يخضع لتدبير عالم آخر، وأن ذلك العالم (اي عالم التجرد وماوراء الطبيعة) هو المنظِم لهذه الطبيعة، وهو المدبِر لهذا الكون المادي .

وبعبارة اُخرى إن عالم المادة ليس عالماً مسيِّباً، مستقلا عن غيره، وان جميع الانظمة والقوانين الطبيعية والعلمية مسبَّبةٌ عن تأثيرات موجودات عليا، وبخاصة ناشئةٌ عن إرادة اللّه الخالقِ، الّذي اعطى للمادة وجودها، وأوجد القوانين والعلاقات الصحيحة بين أجزائها، وبنى بقاءها على سلسلة من النواميس الطبيعية .

إنَ هذا الفريق من الناس مع احترامهم للقوانين العلمية، واذعانهم الصادق بما قاله العلماء في صعيد العلاقات، والروابط القائمة بين القوانين ممّا أثبته العلم واكّده، يعتقدون بأن مثل هذه القوانين الطبيعية ليست اُموراً لا تقبل التغيير، والتبدل .

فهم يعتقدون بأن العالم الاعلى يمكنه ـ إذا أراد ـ أن يُغيّر تلك القوانين لغايات خاصة، وليس في مقدوره ذلك فقط، بل فعلَ ذلك في جملة من الموارد


(221)

لأهداف عليا .

وبعبارة اُخرى: إنَّ الافعال الخارقة للعادة ليست ظواهر عارية عن العلل، بل إنَّ علتها غير طبيعيّة، وافتقاد العلة الطبيعية (وخاصة العلة الطبيعية غير المعروفة) ليس دليلا على افتقاد مطلق العلة .

والخلاصة; إن قوانين الخلقة ليست بحيث لا يمكن تبدُّلها، وتغيّرها بارادة بارئها وخالقها .

إنهم يقولون: إنَّ جميع خوارق العادة، وجميع أفعال الأنبياء العجيبة الّتي تتصف بصفة الاعجاز، والخارجة عن اطار القوانين الطبيعية، تتحقق من هذه الزاوية .

إنَّ هذا الفريق من الناس لا يسمَحُون لأنفسهم بان يرفضوا الأعمال الخارقة للعادة، والكرامات الّتي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والاحاديث، أو وردت في المصادر التاريخية الصحيحة المعتبرة، أو يكشوا فيها بحجة أنها لا توافق الموازين الطبيعية، والقوانين العلمية .

وها نحن نشير إلى قضيتين عجيبتين وقعتا في فترة الطفولة من حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومع اخذ ما قلناه بنظر الاعتبار لا يبقى أي مجال للترديد، أو الاستبعاد:

1- لقد نقَلَ المؤرخون عن «حليمة السعدية» قولها بأنها لمّا تكفلَّت إرضاع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أرادت أن ترضعه في محضر اُمّها، ففتحت جيبها وأخرجت ثديها الايسر، وأخذت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فوضعته في حجرها، ووضعت ثديها في فمه، فترك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثديها، ومالَ إلى ثديها الأيمن، فاخذت «حليمة» ثديها الأيمن من يد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووضعت ثديها الأيسر في فمه وذلك أنَّ ثديها الأيمن كان جهاماً (أي خالياً من اللبن ولم يكن يدرُّ به)، وخافت (حليمة) أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا مصَّ الثدي ولم يجد فيه شيئاً لا يأخذ ـ بعده ـ الأيسر. ولكن النبىّ أصرَّ على أخذ الثدي الأيمن، فلمّا مصَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأيمن امتلأ فانفتح حتّى ملأ شدقيه


(222)

فادهش الجميع ذلك(1) .

2- وتقول «حليمة» أيضاً: إن البوادي أجدبت وحملنا الجُهد على دخول البلد، فدخلتُ مكة مع نساء بني سعد فأخذتُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعرفنا به البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتّى أثرينا، وكثرت مواشينا، وأموالنا(2) .

إنَّ مَن المسلم أنَّ حكم الماديين، أومن يحذو حذوهم ويتبع منهجهم في هذه المسائل يختلف عن حكم المؤمنين باللّه .

فان أتباع المنهج المادي إذ عجزوا عن تفسير هذا النوع من القضايا من زاوية العلوم الطبيعية، نجدهم يبادرون إلى اعتبار هذه الحوادث من نسج الخيال، ومن ولائد الاوهام، واما إذا كانوا اكثر تأدباً لقالوا: إن رسول الإسلام ليس بحاجة إلى امثال هذه المعاجز:

ونحن نقول: لا نقاش في أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غني عن هذه المعاجز إلاّ أن عدم الحاجة شيء، والحكم بصحة هذه الاُمور أوبطلانها شيء آخر .

وأما المؤمن باللّه الّذي يردُّ النظام الطبيعي، إلى مشيئة اللّه خالق الكون وارادته العليا، ويعتقد بأن كل الحركات والظواهر في العالم الطبيعي من اصغر اجزائه (الذرة) إلى اكبر موجوداته (المجرة) يجري تحت تدبيره، ونظارته، فانه بعد التحقق من مصادر هذه الحوادث والتأكد من وقوعها ينظر إليها بنظر الاحترام، وأمّا إذا لم يطمئن إليها لم يرفضها رفضاً قاطعاً .

ولقد ورد في القرآن الكريم نظائر عديدة لهذه القصة حول «مريم» اُم عيسى فالقرآن يخبرنا عن تساقط الرطب الجَنىّ من جذع النخلة اليابسة كرامة لوالدة المسيح عندما لجأت إليه مريم عند المخاض إذ يقول:

(... ألاّ تَحزَني قَدْ جَعلَ رَبُّكِ تَحتك سَريّاً. وَ هُزِّي إليْكِ بِجذْع النَخلةِ تُساقِط عَليْك رُطباً جَنِيّاً)(3).


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 345 و 346 .
2 - المناقب لابن شهراشوب: ج 1، ص 24 .
3 - مريم: 24 و 25 .


(223)

إنه وان كان الفرق بين «مريم» و «حليمة» شاسعاً وكبيراً من حيث الملكات الفاضلة والمكانة، والمنزلة، إلاّ أن منزلة «مريم» ـ عليها السلام ـ لو استوجبت مثل هذا اللطف الالهي، ففي المقام استوجب نفسُ مقام الوليد العظيم، ومكانته عنداللّه تعالى أن تشمله العناية الالهية.

كما انه قد جاء في القرآن الكريم حول مريم ـ عليها السلام ـ امور اُخرى مشابهة.

ان عصمة هذه المرأة الطاهرة، وتقاها وطهرها البالغ كانت بحيث أن «زكريا» كلّما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فاذا سألها: مِن أينَ لكِ هذا قالت: هو مِنْ عِنداللّه؟(1) .

وَ على هذا الأساس يجب أن لا نتردَّد ولا نسمح لانفسنا بأن نشك في مثل هذه الكرامات، أو نستبعدها .

خَمسَةُ أعوام في الصَحْراء:

أمضى وليدُ «عبدالمطلب» في قبيلة «بني سعد» مدة خمسة أعوام، بلغ فيها أشده .

وخلالَ هذه المدة اخذته «حليمة» إلى اُمّه مرتين أو ثلاث، وقد سلّمته إلى اُمه في آخر مرة .

وكانت المرّة الاُولى من تلك المرات عند فطامه، ولهذا السبب اتت به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «حليمة» إلى مكة ولكنها عادت به إلى الصحراء باصرار منها، وكان السبب وراء هذا الاصرار على اصطحابه معها إلى البادية هو أن هذا الوليد قد اصبح مبعث خير ورخاء، وبركة في منطقتها، وقد دفع شيوعُ مرض الوباء في «مكة» إلى أن تقبل امُّه الكريمة بهذا الطلب(2) .

وأما المرةُ الثانيةُ من تلك المرات فكانت عندما قدم جماعة من نصارى


1 - «... وَ كَفَّلها زكريّا كُلَّما دَخلَ عَلَيْها زكَريّا المِحْرابَ وَجدَ عِنْدها رزْقاً قال يا مَريَمُ أنّى لَكِ هذا قالَتْ هُو مِنْ عِنْداللّه» (آل عمران: 37) .
2 - بحارالأنوار: ج 15، ص 401 .


(224)

الحبشة إلى الحجاز، فوقع نظرهم على محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في «بني سعد»، ووجدوا فيه جميع العلائم المذكورة في الكتب السماوية للنبي الّذي سيأتي بعد عيسى المسيح ـ عليه السلام ـ ، ولهذا عزموا على أخذه غيلة إلى بلادهم لما عرفوا ان له شأنا عظيماً، لينالوا شرف احتضانه ويذهبوا بفخره(1) .

ولا مجال لاستبعاد هذه القضية لأن علائم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذُكِرَت في الانجيل حسب تصريح القرآن الكريم، فلا يبعد أن علماء النصارى قد تعرّفوا في ذلك الوقت على النبىّ من العلائم الّتي قرأوها ودرسوها في كتبهم.

يقول القرآن الكريم في هذا المجال:

(وَ إذْ قالَ عِيْسى بْنُ مرْيَم يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللّه إليْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْن يَدىَّ مِنَ التوْراة وَ مُبشِّراً بِرَسُول يأتْي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحمَد فَلمّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبيْنٌ)(2) .

ثمّ انّ في هذا الصعيد آياتٌ اُخر صرَّحت بجلاء بأن علائم رسول الإسلام في الكتب السماوية الماضية في وضوح، ومن غير إبهام، وأن الامم السابقة كانت على علم بهذا الأمر(3) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 167 .
2 - الصف: 6 .
3 - (الذين يتَّبِعُونَ الرسول النبىَّ الاُميَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مكْتُوباً عِندَهُمْ في التوراة والإنْجيل) (الأعراف: 157) .

Website Security Test