welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(157)

التفاني في سبيل الوفاء بالعهد والنذر:

رغم ان العرب الجاهليين كانوا غارقين في الفساد الأخلاقي فانهم كانوا يتحلون ببعض الصفات الحسنة، والخصال المحبَّبة.

وللمثال كان نقض العهود من أقبح الافعال في نظرهم، فاذا عقدوا عهوداً مع القبائل العربية أو ثقوها بالأيمان، المغلظة المؤكدة، والتزموا بها إلى الاخير، وربما نذروا النذور الثقيلة واجتهدوا في اداءها مهما كلف ذلك من مشقة وثمن .

ولقد أحسَّ «عبدالمطلب» عند حفر بئر زمزم بالضعف في قريش لقلة اولاده، ولهذا نذر إذا رزقه اللّه تعالى عشرة بنين أن يقدم أحدهم قرباناً للكعبة ولم يُطلِعْ احداً على نذره هذا .

ولم يمض زمان الاّ وبلغ عَدَدُ ابنائه عشرة، وبذلك حان أوان وفائه بنذره الّذي نذر، وهو ان يذبح احدهم قرباناً للكعبة.

ولا شك ان تصور مسألة كهذه فضلا عن تنفيذه كان امراً في غاية الصعوبة على عبدالمطلب، ولكنه كان في نفس الوقت يخشى ان يعجز عن تحقيق هذا الامر فيكون من الناقضين للعهد، التاركين لاداء النذر، ومن هنا قررأن يشاور ابناءه في هذا الامر، وبعد ان يكسب رضاهم وموافقتهم يختار احدهم للذبح بالقرعة(1) .

وتمت عملية القرعة، فاصابت «عبدَاللّه» والد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاخذ عبدالمطلب بيد ابنه، وتوجَّه من فوره إلى حيث يذبحه فيه .

ولما علمت قريش رجالُها ونساؤها بقصة النذر المذكور وما آلت إليه عملية القرعة حَزِنَ الناس والشباب خاصة لذلك حزنا شديداً وبكوا وضجوا، وقال أحدُهم ليتني ذبحت مكان هذا الشاب .


1 - هذه القضية ذكرها كثير من المؤرخين وكتّاب السيرة، وهذه القصّة إنّما هي جديرة بالاهتمام من جهة أنها تجسّد مدى إيمان «عبدالمطلب» وقوّة عزمه، وصلابة إرادته، وتبين جيّداً كم كان مصرّاً على الوفاء بعهوده والتزاماته .


(158)

فاقترحت قريشٌ على عبدالمطلب بان يفدي «عبداللّه»، واظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز ذلك، فتحيّر «عبدالمطلب» تجاه تلك المشاعر الساخنة، والاعتراضات القوية، وراح يفكّر في عدم الوفاء بنذره، ويفكر في نفس الوقت في الحصول على مخلص معقول من هذه المشكلة، فقال له أحدهم: لا تفعل وانطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلا .

فوافق «عبدالمطلب» واكابر قريش على هذا الاقتراح، وتوجهوا بأجمعهم نحو «يثرب» قاصدين ذلك الكاهن، ولما قدموا عليه سألوه في ذلك فاستمهلهم يوماً واحداً، ولما كان اليومُ الثاني دخلوا عليه فقال لهم: كم دية المرء عندكم؟ قالوا: عشرٌ من الابل .

فقال: إرجعوا إلى بلادكم، وقَرّبوا عشراً من الإبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم «أي عبداللّه» القداح فان خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً، حتّى يرضى ربُكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربُكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداء .

فهدَّأ اقتراحُ الكاهن لهيبَ المشاعر الملتهّبة لدى الناس، لأن نحر مئات الابل كان أسهل عليهم من أن يشاهدوا شاباً مثل «عبداللّه» يتشحط في دمه .

ولهذا فانهم فور عودتهم إلى «مكة» بادروا إلى اجراء القرعة في مجمع كبير من الناس وزادوا عشراً عشراً حتّى إذا بلغ عدد الإبل مائة خرجت القداح على الإبل، ونجا «عبداللّه» من الذبح، فأحدث ذلك فرحة كبيرة لدى الناس، بيدَ أَن «عبدالمطلب» طلب أن تُعاد عملية القرعة قائلا: «لا واللّه حتّى أضربَ ثلاثاً»، وأنما أراد ذلك ليستيقن ان ربه قد رضي عنه، ولكن في كل مرة كانت القداح تخرج على الإبل المائة فنحرت الابلُ ثم تركت لا يمنع عنها انسانٌ ولا سبع(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 153، وبحارالانوار: ج 16، ص 74، وقد نُقلّ عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «أنا ابْن الذبيحين» يقصدُ بالأَول جدّه إسماعيل ـ عليه السلام ـ والثاني أباه «عبداللّه» الّذي كاد أن ينحر ولكنه نجا من الذبح كما نجا جدُّه إسماعيل ـ عليه السلام ـ .


(159)

حادثة عام الفيل:

عندما يحدُثُ أمرٌ عظيم في امّة من الاُمم وخاصة إذا كان ذا جذور دينية أوذا مدلولات قومية أو سياسية فانه سرعان ما يتحول ـ بفعل اعجاب الناس عامة به ـ إلى مبدأ للتاريخ .

فقيام النبي موسى يعتَبر مبدأ للتاريخ عند اليهود، ومولد السيّد المسيح يعتبر مبدأ للتاريخ عند النصارى، والهجرة النبوية الشريفة تعتبر مبدأ للتاريخ عند المسلمين .

وهذا يعني أن كل امّة من الاُمم تقيس حوادثها من حيث الزمان بذلك الحدث الّذي تعتبره بداية تاريخها .

وأحياناً تتخذُ الاُمم والشعوب بعض الحوادث مبدأ للتاريخ مع انها تملك مبدأ سياسياً للتاريخ، كما نلاحظ ذلك في بلاد الغرب وشعوبه، فقد اتخذت الثورةُ الفرنسية، وثورة اكتوبر الشيوعية مبدأ للتاريخ في فرنسا، والاتحاد السوفياتي، بحيث اصبح يقاس بهما كل ما وقع من الحوادث بعدهما .

ولكن الشعوب غير المتحضرة الّتي لم تمتلك مثل تلك الثورات والحركات السياسية والدينية كان من الطبيعي أن تتخذ الحوادث الخارقة للعادة مبدأ لتاريخها بدلا من الثورات والتحوّلات الاجتماعية، وهذا ما حدث عند العرب وقبل الإسلام .

فانهم ـ بسبب حرمانهم من حضارة صحيحة ـ اتخذوا من بعض الوقائع المفجعة والمرة ـ كالحرب والزلزال، والمجاعة والقحط أو الحوادث غير الطبيعية، الخارقة العادة مبدأ لتاريخهم .

ولهذا نجد مبادىء متعددة للتاريخ عند العرب، آخرها: ضجة عام الفيل وهجوم «أبرهة» على «مكة» بهدف الكعبة المشرفة، الّتي صارت في ما بعد مبدأ للتاريخ تؤرخ ـ بقية الحوادث والوقائع اللاحقة .

ونظراً لأهمية هذا الحدث التاريخي العظيم الّذي وقع عام 570 وأتفقت فيه


(160)

ولادة النبي الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاننا نتناول هذه القصة بالعرض والتحليل:

ماهي عوامل هذه الحادثة؟

لقد ذكرت قصة أصحاب الفيل في القرآن بصورة مختصرة، وسوف ننقل ـ هنا ـ الآيات الّتي نزلت حول هذه القصة بعد حوادثها .

يكتب المؤرخون عن علة هذه الحادثة ان ملك اليمن «تُبان أسعد» والد ذي نواس بعد ان أرسى قواعد حكمه مر في احدى رحلاته على يثرب (المدينة)، وقد كانت لـ «يثرب» في ذلك الوقت مكانةٌ دينيةٌ مرموقةٌ فقد قطنها جماعة من اليهود(1)، وبنوا فيها عدداً من المعابد والهياكل، فأكرم اليهودُ مقدم ملك اليمن، ودعوه إلى دينهم ليستطيعوا في ظل حكمه حماية أنفسهم من أذى المسيحيين الروميين، والمشركين العرب .

ولقد تركت دعوتهم وما رافقها من اساليب مؤثرة اثرها في نفس ذلك الامير واختار اليهودية، واجتهد في بثها ونشرها. ثم ملك من بعده ابنه «ذونواس» الّذي جدّ في بث اليهودية والتحق به جماعة خوفاً .

بيد أن اهل نجران الّذين كانوا قد دانوا بالمسيحية قبل ذلك امتنعوا من تغيير دينهم وترك المسيحية واعتناق اليهودية، وقاوموا «ذي نواس» مقاومة شديدة، فشق ذلك على ملك اليمن، واغضبه فتوجه احد قادته إلى نجران على رأس جيش كبير لتأديب المتمردين من أهلها فعكسر هذا الجيش على مشارف نجران، واحتفر قائدة خندقاً كبيراً، واوقد فيه ناراً عظيمة، وهدّد المتمردين بالاحراق بالنار .

ولكن أهل نجران الذين احبّوا المسيحية واعتنقوها برغبة كبيرة اظهروا شجاعة كبرى، واستقبلوا الموت حرقاً، وغدوا طعمة للنيران .

يقول المؤرخ الإسلامىُّ «ابنُ الاثير الجزري» بعد ذكر هذه القصة: لما قتل


1 - وفاء الوفا: ج 1، ص 157، والسيرة النبوية: ج 1، ص 21 و 22 .


(161)

«ذونواس» من قتل في الاُخدود لاجل العود عن النصرانية أفلَت منهم رجلٌ يقال له «دوس» فقدم على «قيصر» فاستنصره على «ذي نواس» وجنوده واخبره بما فَعل بهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك عنا، ولكن ساكتبُ إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم، فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فارسل معه ملكُ الحبشة سبعين الفاً، وأمّر عليهم رجلا يقال له «أرياط» وفي جنوده «ابرهة الأشرم» فساروا في البحر حتّى نزلوا بساحل اليمن، وجمع «ذونواس» جنوده فاجتمعوا وكتب إلى زعماء قومه من اهل اليمن يدعوهم إلى الاجتماع لمقاتلة عدوّهم، فلم يجيبوه، فانهارت حكومته أمام حملة جيش الحبشة، وسيطر الاحباش على أرض اليمن، وجُعِلَ «أبرهة» اميراً عليها من قِبَل «النجاشي» بعد مقتل «ارياط» على يد «أبرهة» في صراع السلطة(1) .

وهذه القصة هي الّتي تعرف في القرآن الكريم بقصة «اصحاب الاُخدود» وقد جاء ذكرها في سورة البروج إذ يقول اللّه تعالى: (قُتِلَ أصحابُ الاُخدود. النار ذات الوقود. إذْهُم عَليها قُعُودُ. وهُم عَلى ما يَفعَلُون بالْمؤمنين شُهُودٌ. وما نَقمُوا مِنْهُم إلا أَنْ يُؤمنُوا باللّه العزيز الْحَميد. الَّذي لَهُ مُلك السماواتِ وَ الارضِ واللّهُ عَلى كُلِّ شَيء شَهِيد)(2) .

وقد ذكر المفسرون هذه القصة في شأن نزول هذه الآيات بصورة مختلفة(3) .

ثم ان «ابرهة» الّذي اسكره الانتصار والغلبة على منافسه، وتمادى في الشهوات بنى في صنعاء كنيسة عظيمة تقرّباً إلى ملك الحبشة، وارضاء له ثم كتب كتاباً إلى «النجاشي» ملك الحبشة يقول فيه: «إني قد بَنيتُ لك ايها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمُنْته حتّى اصرف اليها حج العرب» .


1 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 260 ـ 263، والسيرة النبوية: ج 1، ص 31 ـ 37 .
2 - البروج: 4 ـ 9 .
3 - راجع مجمع البيان: ج 5، ص 464 ـ 466 .


(162)

وقد أدى معرفة العرب بما جاء في هذا الكتاب إلى ردّة فعل شديدة لديهم، إلى درجة أن امرأة مِن قبيلة «بني افقم» تسللت ذات ليلة إلى تلك الكنيسة واحدثت فيها، فاثار هذا العمل الّذي كان يدل على مدى ازدراء العرب بكنيسة «أبرهة» واحتقارهم لها، غضب «أبرهة»، هذا من جانب ومن جانب آخر كان «ابرهة» كلما زاد في تزيين تلك الكنيسة زاد ذلك من حقد العرب، وحنقهم عليه، واحتقارهم لكنيسته، فتسبب كل ذلك في أن يحلف أبرهة على السير إلى الكعبة وهدمها، فسيَّر لذلك جيشاً عظيماً، وقدّم أمامهُ الفِيَلة المقاتلة، وخرج متوجهاً صوب مكة وهو يعتزم هدم الكعبة بيت اللّه الحرام!!

فلما عرف زعماء العرب بغايته، وادركوا خطورة ذلك العمل وايقنوا بان استقلال العرب وسيادتهم تتعرض لخطر السقوط، لم يمنعهم ما عهدوه من قوة «ابرهة» وانتصاراته بل خرج بعضهم إلى حربه فقاتلوه بكل شجاعة وبسالة مدفوعين بدافع الغيرة والحفاظ على الشرف المهدَّد بالخَطر .

فقد خرج «ذونفر» وهو من أشراف أهل اليمن وملوكهم، ودعا قومَه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب «أبرهة» ولكن سرعان ما تغلّب «ابرهة» عليه بجيشه الكبير، ثم خرج له بعد ذلك «نفيل بن حبيب» وبقي يقاتله مدة طويلة فهزمه «ابرهة» واُخِذَ له اسيراً، فطلب «نفيل» العفو منه فاشترط عليه أن يدلّه على طريق مكة ليعفو عنه، فدلّه نفيل حتّى الطائف، واوكل الدلالة على بقية الطريق إلى شخص آخر يدعى «ابورغال» فدلّه أبورغال على الطريق حتّى أرض «المغمَّس» وهي منطقة قريبة من «مكة» فنزل «أبرهة» وجيشه بالمغمَّس، فارسل أبرهة رجلا من الحبشة ـ على عادته ـ إلى ضواحي «مكة» فاستولى على أموال قريش من الإبل والغنم فساق إليه في جملة ذلك مائتي بعير لعبد المطلب، ثم امر رجلا آخر يدعى «حُناطة» ليدخل «مكة» ويبلغ أهلها عنه ما جاء من اجله، وهو هدم البيت المحرّم الكعبة المعظمة، وقال له: سل عن سيد اهل هذا البلد وشريفها، ثم قل له: ان الملك يقول لك: «إني لم آت لحربكم، انما جئتُ لهدم هذا البيت، فان تعرّضوا دونه بحرب فلا حاجة لي في


(163)

دمائكم»، فإن هو لم يرد حربي فاتني به.

فدخل «حُناطة» مكة ولما سأل عن سيد قريش و شريفها، وقد كانت قبائل قريش المختلفة قد تجمعت في اطراف البلد جماعات جماعات تتذاكر في امر «ابرهة» وما يجب اتخاذه من موقف تجاهه .

فدلّوه على بيت «عبدالمطلب»، ولما دخل على «عبدالمطلب» أبلغه مقالة «أبرهة9 فقال له عبدالمطلب: «واللّه ما نُريدُ حربَه، وما لَنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللّه الحرام، وبيت خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، فان يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وان يخلي بينه وبينه فواللّه ما عندنا دفع عنه»؟

فسرّ «حناطة» رسول ابرهة بمنطق عبدالمطلب ومقالته الّتي كانت تحكي عن قوة ايمانه، وعن روحه المسالمة فطلب منه أن يصحبه إلى «أبرهة»، قائلا: فانطلق معي إليه فانه قد امرني اَن آتيه بك .

عَبدُالمطّلب يَذهب إلى مُعسكر أَبرهة:

فتوجه عبدالمطلب هو وجماعة من ولده إلى معسكر ابرهة، فاعجب «أبرهة» بوقار رئيس قريش وهيبته إعجاباً شديداً، وبهر به حتّى أنه نزل له من تخته اجلالا، واخذ بيده، واجلسه إلى جنبه، فسأله عن طريق مترجمه متأدباً: ما الّذي اتى به وماذا يريد؟ فأجابه عبدالمطلب قائلا: حاجتي أن يردَّ الملكُ علىَّ مائتي بعير أصابها لي .

فقال «أبرهة» لترجمانه: قل له: قد كنت اعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير اصبتُها لك، وتترك بيتاً هو دينك و دين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟!

فقال له عبدالمطلبُ: إني أناربُ الإبل، وان للبيت رباً سيمنعه، فقال «ابرهة» مغتراً بنفسه: ما كان ليمتنع مني .

ثم أمر بان ترد الابل إلى أصحابها .

* * *


(164)

إنتظار قريش:

ولقد انتظرت قريش عودة «عبدالمطلب» من معسكر «ابرهة» بفارغ الصبر لتعرفَ نتيجة مادار بينه وبين أبرهة، وعندما عاد «عبدالمطلب» اخبرهم الخبر، وامرهم بالخروج معه من مكة، والتحرز في رؤوس الجبال من معرّة الجيش فخرجوا إلى الشعاب، والجبال، ثم لما كان الليل نزل عبدالمطلب مع جماعة من قريش إلى الكعبة واخذ بحلقة بابها يدعون اللّه ويستنصرونه على أبرهة و جنده وقال «عبدالمطلب» مناجياً اللّه سبحانه: (اللَّهُم أنتَ أنيسُ المستَوْحشين ولا وحشة معك فالبيت، بيتُك والحرمُ حرمك والدارُ دارُك و نحن جيرانك تمنعُ عنه ما تشاء وربُ الدار أولى بالدار) ثم قال:

لاهمّ إن(1) العبد يمنع رَحـ * ـله فامنع حِلالك(2)

لا يغلِبنَّ صليبُهم * ومحالهم عَدواً مِحالَك(3)

وقال ايضاً:

يا ربِّ لا أرجُولهم سواكا * يا ربِّ فامنَع مِنهُمو حِماكا

إن عدوَّ البَيتِ مَن عادكا * إمَنعهُمُ أن يخربُوا فِناكا

ثم انه ترك حلقة الباب، ولجأ إلى الجبل لينظروا ما سيجري .

وفي الصباح وعندما كان «أبرهة» وجنده يستعدون للتوجه إلى «مكة»، وإذا باسراب من الطيور تظهر من جهة البحر يحمل كل واحد منها ثلاثة احجار، حجر في منقاره، وحجرين في رجليه، فاظلم سماء الجيش بتحليق تلك الطيور فوق رؤوس الجند، وتركت تلك الاحجار الصغيرة الحقيرة في ظاهرها اثرها العجيب فقد رجمت تلك الطيور جنود «ابرهة» بتلك الاحجار بامراللّه، فكانت لا تصيب منهم أحداً إلاّ تحطم رأسَه، وتمزق لحم بدنه، وهوى صريعاً،


1 - لاهم أصلها: اللّهم والعرب تحذف الالف واللام وتكتفي بما بقي .
2 - الحلال جمع حلة وهي جماعة البيوت .
3 - المحال: القوّة والشدّة .


(165)

وهلك من توه، فاصابت واحدةٌ من تلك الاحجار راس «ابرهة» نفسه فارتعدت فرائصه وايقن بغضب اللّه وسخطه عليه، فنظر إلى جنوده وهم اشلاء مبثوثون هنا وهناك على الأَرض كورَق الشجر في فصل الخريف، فصاح بِمَن لم يزل على قيد الحياة من جنده بامرهم بأن يتهيّأوا للعودة إلى اليمن، من حيث أتوا، فاخذ بقية الجند طريق اليمن هاربين، غير أن هذه البقية قد هَلكَتْ شيئاً فشيئاً في اثناء الطريق حتّى أن ابرهة نفسه بعد أن لم يصل إلى صنعاء إلا بعد ان تفرّق لحمُ بدنه، وسقطت اعضاؤه وجوارحُهُ ومات بصورة عجيبة .

وقد دَوَّى صوتُ هذه الواقعة العجيبة والرهيبة في العالم آنذاك، وقد ذكرها القرآن الكريمُ في سورة الفيل إذ يقول تعالى: (ألَم تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تَضْلِيْل. وَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أبابيلِ. ترميهِمْ بِحِجارَة مِنْ سَجِّيل. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأكُول) .

وما ذكرناهُ هنا ـ في هذه الصفحات ـ ليس هو في الحقيقة إلاّ خلاصة ما وَردَ في كتب التاريخ الإسلامي، وصرح به القرآنُ الكريم(1) .

واستكمالا لهذا البحث نعمد هنا إلى دراسة نظرية المفسر المصري الكبير الشيخ «محمَّد عبده» والعلامة المعروف الدكتور «هيكل» وزير الثقافة المصري السابق في هذا المجال .

كلمة حول المعجزة:

لقد أوجدَ التقدم العلمىُّ الأخير في مختلف مجالات العلوم الطبيعية والفضائية، وما استلزم ذلك من تهافت طائفة كثيرة من الفرضيات، ضجة عجيبة في الغرب، فمع أن جميع تلك التطورات كانت مجردَ تطورات علمية تجري في مجال المسائل الطبيعية أو الفلكية، ولم يكن لها اية صلة بالمعتقدات الدينية


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 43 ـ 62، والكامل في التاريخ ج 1، ص 260 ـ 262، وبحار الأنوار: ج 5، ص 130 ـ 146 .


(166)

فإنّ هذا التحول والتطور وتلك الكشوف أوجدت شكاً عجيباً لدى بعض الناس انسحب على جميع المعارف والمعتقدات الدينية الموروثة على وجه الاطلاق !

والسرّ في ذلك هو أن العلماء رأوا بأن الفرضيات القديمة، الّتي بقيت تسيطر على الأوساط العلمية لمدة طويلة من الزمان، قد اصبحت اليوم عرضةً للبطلان والسقوط تحت مطارق التجربة وبواسطة الاختبارات العلميّة، والتحقيقات المختبرية، فلم يُعد ـ بعد هذا ـ مجالٌ للقول بفرضية الافلاك التسعة الّتي طَلع بها «بطلميوس»، ولا بفرضية مركزية الارض، ولا غيرها من عشرات الفرضيات، فقالوا في أنفسهم: ومن أين تَرى لا تكون بقية المعلومات والمعارف الدينية من هذا القبيل؟!

وقد تفاقم هذا النوع من الشك في قلوب جماعة من العلماء بالنسبة إلى جميع المعتقدات والمعارف الدينية ونمى بشكل قوىّ في فترة قصيرة، وعمَّ الاوساط العلمية كأىّ مرض!!

هذا مضافاً إلى أنّ محاكم التفتيش وتشدّد الكنيسة وأربابها كان لها النصيب الاكبر في ظهور هذه الحالة بل في نموّها، واطرادها، لأن الكنيسة كانت تقضي على العلماء الذين نجحوا في اكتشاف القوانين العلمية تحت التعذيب والاضطهاد القاسي بحجة أنها تخالف الكتاب المقدس، وتعارض مقرَّرات الكنيسة!!

وممّا لا يخفى أنَّ مثل هذه الضُغُوط، وهذا الاضطهاد والتعجرف ما كان ليمرَّ من دون حدوث ردة فعل، وقد كان من المتوقَع منذ البداية أن العلماء في الغرب لو اتيحت لهم الفرصة لانتقموا من الدين، بسبب سوء تصرف الكنيسة، وسوء معاملتهم لهم خاصة، وللناس عامة .

وقد حدث هذا فعلا فكلّما تقدم العلمُ خطوةً، واطّلع العلماء على العلاقات السائدة بين الكائنات الطبيعية، واكتشفوا المزيد من الحقائق الكونية، والعلل الطبيعية لكثير من الحوادث والظواهر المادية، وكذا علل الامراض، قلّ اعتناؤهم بالقضايا الميتافيزيقية، وما يدور حول المبدأ والمعاد والافعال الخارقة للعادة


(167)

كمعاجز الانبياء، وازداد عدد المنكرين لها والشاكين فيها، والمترددين في قبولها يوماً بعد يوم!!

لقد تسبَّب الغرورُ العلمىُّ الّذي أُصيب به العلماء في الغرب في ان ينظر بعض اولئك العلماء إلى جميع القضايا الدينية بعين الازدراء والتحقير، وأن يمتنعوا حتّى عن التحدث في المعاجز الّتي يخبر بها التوراة والانجيل، ويعتبروا عصا موسى ـ عليه السلام ـ الّتي كانت تشفي المرضى وتحيي الموتى من الأساطير، وراحوا يتسائلون ـ في عجب واستنكار ـ : وهل يمكن أن تتحول قطعةٌ من الخشب اليابس إلى افعى، أو ثعبان، أو هل يمكن ان تعود الحياة إلى ميّت بكلمات من الدعاء؟

لقد تصور العلماء الذين أسكرتهم فتوحاتهم العلمية، انهم ملكوا مفاتيح جميع العلوم، ووقفوا على جميع العلاقات بين الكائنات الطبيعية والظواهر الكونية، ومن هنا تصوَّرُوا أنه لا توجد ايةُ علاقة بين قطعة الخشب والثعبان، أوبين جملة من الدعاء والتفاتة من بشر وعودة الروح إلى الموتى، ولهذا أخذوا ينظرون إلى هذه الامور بعين الشك والترديد، وربما بعين الانكار والرفض المطلق!!

وقد سرى هذا النوعُ من التفكير إلى اوساط بعض العلماء المصريين الذين تأثروا بهذا الاتجاه اكثر من غيرهم، مع بعض التعديل في ذلك الموقف، وشيء من الاختلاف في النظرة المذكورة، ولهذا اتبعوا تلك السيرة في تحليل الوقائع والحوادث التاريخية والعلمية من هذا النوع، والسِرّ في تأثر بعض علماء مصر بهذه النظرة قبل واكثر من غيرهم هو احتكاك هذه الجماعة بالأفكار الواردة من الغرب قبل غيرهم، ومن هذه المنطقة سَرتْ بعضُ النظريات والآراء الغربية إلى البلاد الإسلامية الاُخرى .

لقد اختار هؤلاء طريقاً خاصاً قَصَدُوا به الحفاظ على حرمة الكتاب العزيز، والاحاديث القطعية ومكانتها من جهة، وكسب نظر العلماء الماديين الطبيعيين إلى انفسهم من جهة اُخرى، أو ارادوا ان لا يختاروا ما لا يمكن التوفيق بينه وبين القوانين العلمية الطبيعية وتطبيقه عليها .


(168)

لقد وجَدَ هؤلاء من جهة أن القرآن الكريم يخبر عن سلسلة من المعجزات والخوارق الّتي لا يمكن تفسيرها بالعلوم العادية المتعارفة، لأن العلم لا يستطيع أن يدرك العلاقة بين العصا الخشبية اليابسة والثعبان، ومن جهة اُخرى كان القبول بالنظريات الّتي لا يمكن إثباتها بالحسّ والتجربة أمراً في غاية الصعوبة لهم .

ولهذا السبب، وفي خِضمِّ الصراع بين هذين العاملين: العلم والعقيدة، اختار هؤلاء الكتاب والعلماء نهجاً يستطيعون به وضع نهاية لهذا الصراع، والتنازع، فيحافظون على ظواهر القرآن والاحاديث من جانب، ويتجنبون القول بما يخالف منطق العلم من جانب آخر، ويتلخص هذا النهج في تفسير جميع المعاجز و جميع خوارق العادة الّتي جرت على ايدي الأنبياء بالموازين العلمية الحاضرة الرائجة في هذا العصر بصورة تبدو وكأنها اُمورٌ طبيعية، وبهذا يكونون قد حافظوا على مكانة القرآن الكريم والاحاديث القطعية المسلّمة، ولم يتفوهوا بما يخالف العلم الحديث ويتعارض مع معطياته .

ونحن هنا نذكر من باب النموذج والمثال: التفسير الّذي ذكره العلامة المصري المعروف «محمَّد عبده» لقصة اصحاب الفيل وماجرى لهم:

فهو يقول عند تفسيره لسورة الفيل:

«فيجوز لك ان تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الّذي يحمل جراثيم بعض الامراض، وان تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الّذي تحمله الرياح فيعلق بارجل هذه الحيوانات، فاذا اتصل بجسد دخل في مسامّه فاثار فيه تلك القروح الّتي تنتهي بافساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يعُدّ من أعظم جنود اللّه في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير ـ الّذي يسمونه الآن بالميكروب ـ لا يخرج عنها»(1) .


1 - راجع تفسير في ظلال القرآن: ج 30، ص 251 .


(169)

وقال أحد الكتاب مؤيداً هذا الاتجاه بقوله: «إن الطير المستعمل في الكتاب العزيز يراد منه مطلق ما يطير، ويشمل الذباب والبعوض ايضاً» .

ولابدَّ - قبل دراسة هذه الأقوال ـ أن نستعرض مرة اُخرى الآيات النازلة في اصحاب «الفيل» .

يقول اللّه تعالى: (ألمْ تَر كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدهُمْ في تَضْلِيْل. وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيْل. تَرْميْهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجّيل. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأكُول) .

إن ظاهر هذه الآيات يفيد أن جيش ابرهة اُصيب بالغضب والسخط الالهي، وان هلاكه وفناءه كان بهذه الأحجار الّتي حملتها تلك الطيور، والقتْ بها على رؤوس الجند وأبدانهم .

إن الإمعان في مفاد هذه الآيات يعطي أن مَوتهم كان بسبب هذه الاسلحة غير الطبيعية (الصغيرة الحقيرة في ظاهرها، القوية الهدامة بفعلها وأثرها) .

وعلى هذا فإنَّ أي تفسير يخالف ظاهر هذه الآيات لا يمكن الذهاب إليه وحمل الآيات عليه ما لم يقم على صحته دليل قطعي .

نقاطٌ تقتضي التأمل في التفسير المذكور:

1- إِنَّ التفسير المذكور لا يستطيع كذلك أَن يجعل كل تفاصيل هذه الحادثة أمراً طبيعياً، بل هناك جوانب في تلك الواقعة التاريخية العجيبة لابد من تفسيرها بالعوامل والاسباب الغيبية، لأنه مع فرض أن هلاك الجند وتلاشي أجسادهم تمَ بواسطة ميكروب: «الحصبة» و «الجدري»، ولكن من الّذي ارشد تلك الطيور إلى تلك الاحجار الصغيرة الملوثة بميكروب الحصبة والجدري، فتوجهت بصورة مجتمعة إلى تلك الاحجار الخاصة بدل التوجه إلى الحَبّ والطعام، ثم كيف بعد حمل تلك الأَحجار بمناقيرها وأرجلها حلَّقتْ فوق معسكر «أبرهة» ورجمت جنده كما لو أنّها جيشٌ منظّم موجّه؟؟

هل يمكن اعتبار كل ذلك أمراً عادياً، وحدثاً طبيعياً ؟


(170)

ترى لو أننا فسَّرنا طرفاً من هذه الحادثة العظيمة والعجيبة بالعوامل الغيبية، وبارادة اللّه النافذة فهل تبقى مع ذلك أية حاجة إلى أن نفسّر جانباً من هذه الحادثة بتفسير طبيعي مألوف، ونركض وراء التوجيهات الباردة، لنجعلها امراً مقبولا .

2- إنَّ الكائنات الدقيقة، أوما يسمى الآن بـ «الميكروب» لا شك انها عدوة لمطلق الإنسان، وليس بصديقة لهذا أو ذاك، ومع ذلك كيف توجهت إلى جنود «ابرهة» وقتلتهم دون غيرهم، وكيف نسيت المكيّين بالمرة؟!

انَّ التاريخ المدوَّنْ يثبت لنا أن جميع الضحايا في هذه الواقعة العظيمة كانوا من جند «ابرهة» ولم يلحق فيها: أىّ أذى - إطلاقاً ـ بقريش، وغيرهم من سُكان الجزيرة العربية، في حين أن الحصبة والجُدَرىِّ من الأمراض المعدية، الّتي تنقلها العوامل الطبيعية كالرياح وغيرها من منطقة إلى اُخرى، ورُبَما تُهلِك اهل قطر باجمعهم .

فهَل مع هذا يمكن أن نعدّ هذه الحادثة حدثاً طبيعياً عادياً؟!

3- ان اختلاف هذا الفريق في تحديد نوعية الميكروب، يضفي على هذا الادعاء مزيداً من الإبهام، ويجعله اقرب الى البطلان .

فتارة يقولون: انَّه ميكروب الوباء وتارةً اُخرى يقولون: انَّه داء الحصبة والجدري، في حين اننا لم نجد مستنداً صحيحاً لهذا الخلاف، ومبرراً وجيهاً لهذا الاختلاف، اللّهمَ إلاّ ما احتمله «عكرمة» من بين المفسرين، وعكرمة هو نفسه موضع نقاش بين العلماء والاّ لما ذهب «ابن الاثير». من بين المؤرخين وارباب السير إلى ذكر هذا الرأي في صورة الاحتمال الضعيف، والقيل، ثم عاد فردّ هذا القول فوراً(1) .

والأعجب من الجميع ما أعطاه مؤلف كتاب «حياة محمَّد» الدكتور هيكل وزير المعارف المصري السابق من تفسير، عند ذكر قصة الفيل .


1 - الكامل: ج 1، ص 263 .


(171)

فهو بعد ذكر تلك القصة سرد آيات سورة الفيل، ومع أنه اتى بقول اللّه تعالى «وأرسل عليهم طيراً أبابيل» قال عن هلاك جنود أبرهة: «ولَعلّ جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر، وأصابت العدوى أبرهة نفسه»(1) فاذا كان الّذي جاء بهذا الميكروب هو الريح، فلماذا حلّقت طيورُ الأبابيل على رؤوس جيش أبرهة، والقت بالأَحجار الصغيرة على رؤوسهم ودون غيرهم، وأي أثر كان لهذه الاحجار في هلاك أُولئك الجنود وموتهم؟

فالحق هو: أن لا يُتبعَ هذا النمط من التفكير، وأن لا نسعى لتفسير معجزات الأَنبياء ـ الكبرى بمثل هذه التأويلات والتفسيرات، بل إن طريق المعجزات والإعجاز أساساً يختلف عن طريق العلوم الطبيعية الّتي تتحدد دائرتها بمعرفة العلاقات العادية بين الظواهر الطبيعية، ولهذا يجب علينا أن لا نعمد ـ ارضاء لهوى جماعة ممّن لا يمتلكون اية معلومات دينية، وليست لديهم أية معرفة بهذا النوع من القضايا ـ إلى التنازع عن أُسُسنا الدينية المسلّمة، في حين لا توجد أية حاجة مُلزمة إلى مثل ذلك التنازل والاعتذار!

نقطتان هامّتان:

وهنا لابد من أن نذكّر بنقطتين هنا:

الاُولى: يجب ان لا يظن أحدٌ ـ خطأ ـ أننا بما قلناه هنا نريد تصحيح كل ما تلوكه ألسنُ الناس، وتنسبه إلى الانبياء العظام، أو إلى عباد اللّه الكرام، من دون أن يكون له أي سند صحيح أو وجه معقول بل وربما اتَّسَمْ بطابع الخرافة في بعض الاحيان والموارد .

بل مقصودنا هو: أن نثبت ـ وطبقاً للمصادر الصحيحة والقطعية المتوفرة ـ ان الأنبياء كانوا يقومون ـ لا ثبات ارتباطهم بما وراء هذه الطبيعة ـ بأعمال خارقة للعادة، خارجة عن الناموس الطبيعىّ المألوف، تعجز العلومُ الطبيعية الرائجة عن


1 - حياة محمَّد لمحمَّد حسين هيكل: ص 102 و 103 .


(172)

إدراك عللها، وأسبابها .

فهدُفنا هو الدفاع عن هذه الطائفة من المعاجز .

الثانية: إننا لا نقول مطلقاً: أَنَّ وجود المعجزة هو تخصيصٌ لقانون العلية العامّ، بل اننا في الوقت الّذي نحترمُ فيه هذا القانون المسلّم نعتقد بأَن لجميع حوادث هذا العالم عللا خاصة واسباباً معينة، وانه من المستحيل أن يوجَد شيء بعد عدمه من دون علة، بَيْد أننا نقول ان لهذه الطائفة من الظواهر والوقائع (أي المعاجز) عللا غير طبيعية، وان هذه العلل ميسَّرة ومتاحة لأنبياء اللّه ورسله والرجال الإلهيين خاصة، وليس في مقدور أحد ـ لم يستطع لا عن طريق الحس ولا عن طريق التجربة أن يكتشف هذه العلل ـ أن يتنكّر لها، وينكرها، بل ان جميع الاعمال الخارقة الّتي يقوم بها أنبياء اللّه ناشئة عن علل لا يمكن تفسيرها بالعلل الطبيعية المألوفة، ولو أنها خضعت للتفسير والتوجيه لخرجت عن كونها معجزة، ولم يصدُق في حقها عنوان الاعجاز .

ولكي نقف على حقيقة هذا الامر، ونعرف مدى بطلان المذهب المذكور (مذهب تفسير الخوارق والمعاجز بالتفسير المادي والمألوف المحض) ينبغي أن نتبسط قليلا في شرح مسألة الاعجاز ونبحث في مدى علاقتها بقانون العلية العام .

بحثٌ علمىُّ حول المعجزة في خمس نقاط:

إن الحديثَ العلمىَّ عن المجعزة لابدَّ أن يتركَّز على عدة نقاط أساسيَة هي:

1ـ ماهي المعجزة وما هو تعريفها؟

2ـ هل الإعجاز يهدم القوانين العقلية المسلَّمة؟

3ـ هل المعجزة تصدر عن علل مادية غير عادية فقط؟

4ـ كيف تدل المعجزة على صدق ادعاء النبوة؟

5ـ كيف وبماذا نميز المعجزة عن الخوارق الاُخرى؟

إنَّ الاجابة على هذه الأسئلة كفيلة بتوضيح حقيقة المعجزة، وبيان مدى بطلان الاتجاه المذكور نعني: تفسير المعاجز بالتفسير المادي الطبيعي .


(173)

على أننا ـ نظراً لضيق المجال ـ سنختصر الجواب على هذه الأسئلة، وعلى من أراد التوسع أن يرجع إلى كتب الكلام والعقيدة .

1ـ ماهي المعجزةُ وما هو تعريفها؟

لقد عرَّف علماء العقيدة المعجزة بتعاريف مختلفة أتقنها وأكملها هو: انّ المعجزة أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرونٌ بالدَعوى، والتحدّي، مع عدم المعارضة، ومطابقة الدعوى(1).

ويعني الشرطُ الأولُ (اي كون المعجزة أمراً خارقاً للعادة) أن كل ظاهرة من الظواهر الطبيعية الحادثة مرتبطة بعلة حتماً، فلا يمكن صدورها من دون علة، وهذا الكون مشحون بالعلل الّتي يكتشفها البشر شيئاً فشيئاً وتدريجاً عبر وسائله العادية أو العلميّة، ولكنّ المعجزة مع كونها ظاهرة واقعية ولهذا فهي كغيرها مرتبطةٌ بعلة، بيد أنها تختلف عن غيرها من الظواهر في أنّ من غير الممكن كشف عللها من الطريق العادية أو بواسطة التجارب والتحقيقات العلمية، ولا يمكن تفسيرها وتبريرها بالعِلَل العادية أو بما يكتشفه العلمُ من العلل لمثل هذه الحوادث، والمقصود من خرق العادة هو أنْ تقع المعجزةُ على خلاف ما عهدناه وتعوَّدنا عليه في الظواهر الاُخرى وعِللها، مثل إشفاء المرضى من دون علاج ودواء كما هو المعهود، واخراج الماء من صخرة صماء من دون حفر أو تنقيب كما هو المألوف، وتحويل العصا إلى افعى من دون تبييض وتفريخ وتوالد وتناسل، بل بمسح من يد، أو بعبارة من لسان، أو بضرب من عصا!!

من هنا نكتشفُ أَن كل ظاهرة يقف الناس العادّيون بالطرق العادية أو العلماء خاصة بالطرق العلمية على عللها وأسبابها لا تكون معجزة لأنّه في هذه


1 - راجع للوقوف على هذا التعريف: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلّي شرحاً والمحقق نصيرالدين الطوسي متناً: ص 218، وأيضاً شرح تجريد الاعتقاد للعلامة القوشجي: ص 465 .


(174)

الصورة لم يقع أي شيء على خلاف العادة، والمألوف ليدل على مزية في الانبياء .

فان مثل هذه الظاهرة الّتي يكون لها علةٌ عاديةٌ يعرفها جميعُ الناس، أو سببٌ علمي خاصٌ يعرفها علماء ومتخصصوا ذلك العلم يمكن أن يقوم بايجاد أمثالها جميعُ الناس، فلا يكون حينئذ معجزة.

ولا يعني هذا ـ وكما اسلفنا ـ أَنَّ المعجزة لا تنتهي إلى اية علة، اصلا، بل هي تستند إلى علة غير متعارفة وغير عادية، ولمزيد التوضيح سنبحث في هذا المجال عند الاجابة على السؤال الثالث .

ويُقصَد من الشرط الثاني (أي كون الاعجاز مقروناً بالدعوى) أن يَدّعي صاحبُ المعجزة النبوة والسفارة من جانب اللّه تعالى، ويأتي بالمعجزة دليلا على صحة دعواه هذه، إذ في غير هذه الصورة لا يكون الأمرُ الخارق للعادة معجزةً بل يُطلَق عليه في الاصطلاح الديني لفظ «الكرامة» كما كان لمريم بنت عمران الّتي كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً فاذا سألها من أين لها ذلك؟

قالت: هو من عند اللّه(1) .

ويعني الشرطُ الثالثُ أن يكون الاعجاز مقروناً بدعوة الناس إلى الإتيان بمثله، وعجز الناس عن هذه المعارضة، وعدم قدرتهم على الاتيان بمثله مطلقاً إذ في هذه الصورة يتضح أَنَّ النبي يعتمد على قوة الهية غير متناهية، قوة خارجة عن حوزة البشر العادي .

واما الشرط الرابع فيعني أن الامر الخارق للعادة إنّما يكون عملا إعجازياً، ويستحق وصف المعجزة الدالّة على ارتباط الآتي بها بالمقام الالهىّ، إذا وافق الامرُ الواقعُ ما يدعي أنه قادر على الأتيان به .

فلو قال: سأجعلُ هذا البئر الجاف الفارغ من الماء، يفيض بالماء باشارة اعجازية، ثم يقع ما قاله كان هذا الأمر معجزة حقاً، وأما إذا قال: سأجعل هذا


1 - راجع سورة آل عمران: 37 .


(175)

الماء القليل الموجود في البئر يفيضُ ماء، بالإعجاز، ولكن جفَّ ذلك البئرُ على عكس ما قال، لم يكن ذلك إعجازاً، بل كان تكذيباً لمدعيها .

هذا هو خلاصة ما يمكن أن يُقال حول تعريف المعجزة والاعجاز وهو يساعد على فهم طبيعة العمل الإعجازىّ .

2ـ هل الاعجاز يهدم القوانين العقلية المسلَّمة؟

وبهذا يتضح جواب السؤال المطروح في هذا المجال وهو أن يقال: إن قانون العليّة (اي: ارتباط كل معلول حادث بعلة) ممّا ارتكز عليه الذهنُ البشرىُ وقبلَه العلمُ والفلسفة، ولذلك فاننا نلاحظ: كلّما وقف الإنسانُ على ظاهرة مهماكانت ـ بحَثَ عن علّتها فوراً فاذا رأى حية ـ مثلا ـ عرف بان علتها الطبيعية هي أن تبيض حيّة، ثم خروج حيّة من البيض بعد سلسلة من التفاعلات فكيف يمكن القبول بالمعاجز مع أنها لا تنشأ عن مثل هذه العلل ولا تمرُّ بمثل هذه المقدمات والمراحل والتفاعلات الطبيعيّة، مثل انقلاب العصا إلى ثعبان، أو نبوع الماء من الصخر من دون حفر أو تنقيب .

أليس هذا هدمٌ، أو تخصيصٌ لذلك القانون العقلىّ المسَلَّم العام؟

فان الجواب على هذا السؤال هو ان مثل هذا السؤال لا يطرحه إلاّ الَّذين يحصرُون العلل والعلاقات بين الاشياء في العلل والعلاقات المادية الطبيعية .

ولكن الحق هو أنَّ أيَّة ظاهرة مادية يمكن أن يكون لها نوعان من العلل:

1ـ العلةُ العادية الّتي تخضع للتجربة .

2ـ العلةُ غير العادية الّتي لا يعرفها الناس ولم تكن متعارفة ولا تخضع للتجربة العلمية .

وهذا يعني أنه لا توجد أية ظاهرةُ في هذا العالم بدون علة .

وتوضيحُ هذا أن اصل وجود الحية ونبوع الماء من الصخرة وتكلم الطفل ـ مثلا ـ أمرٌ ممكنٌ، ولا يُعدّ من المحالات، لأَنها لو كانت من المحالات لما تحقق وجودها أبداً.


(176)

نعم أَنها بحاجة إلى علة لكي تتحقق، والعلة ـ سواء في المعاجز أو غيرها ـ يمكن أن تكون إحدى الامور التالية:

أ ـ العلة الطبيعية العادية وهي ما الفناها وأعتدنا عليها مثل ظهور شجرة من نواة بعد سلسلة من التفاعلات .

ب ـ العلة الطبيعية غير العادية وغير المعروفة وهذا يعني أنه قد يكون لظاهرة معينة نوعان من العلل، وطريقان للتحقق والوجود أحدهما معروف ومعلوم، والآخر مجهول غير معلوم، والانبياء بحكم اتصالهم بالعلم والقدرة الالهية، يمكن أن يقفوا على هذا النوع مِنَ العلل ـ عن طريق الوحي ـ ويوجدوا الظاهرة .

ج ـ تأثير النفوس والارواح:

فانَّ بعض الظواهر يمكن أن تكون ناشئة من تأثير أرواح الأَنبياء ونفوسهم القوية، كما نلاحظ ذلك في مجال المرتاضين الهنود الذين يبلغون درجة يستطيعون معها أن يقوموا بما يعجز عنه الأفرادُ العاديُّون، وذلك بفضل الرياضات النفسية الّتي يخضعون لها. وهو ما يسمى باليوجا أحياناً، وقد كتبت حوله كتب ودراسات(1).

وقد أشار إلى هذا جملةٌ من علماء الإسلام وفلاسفته منهم الفيلسوف الإسلامي الشهير صدر الدين الشيرازي حيث يقول:

«لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوةٌ الهيةٌ تكون بقوتها كأنها نفسُ العالم فيطيعُها العنصرُ طاعة بدنها لها، فكلّما ازدادت النفسُ ـ تجرداً وتشبّها بالمبادىء القصوى ازدادت قوةً وتأثيراً في ما دونها .

وإذا صار مجردُ التصوّر والتوهم سبباً لحدوث هذه التغيّرات في هيولىّ البدن لأجل علاقة طبيعيّة، وتعلّق جبلّي لها إليه، لكان ينبغي أن تؤثر في بدن الغير وفي هيولىّ العالم مثل هذا التأثير، لأجل مزيد قوة شوقية، واهتزاز علوي للنفس


1 - راجع كتاب الطاقة الإنسانية لأحمد حسين .


(177)

ومحبة الهية لها، فيؤثر نفسُه في إصلاحها، وإهلاك ما يضرّها ويفسدها»(1) .

د ـ العللُ المجردة عن المادة:

فيمكن ان تكون للظواهر عللٌ مجردة عن المادة كالملائكة، بان تقوم الملائكة بأمر من اللّه سبحانه بتدمير قرية، أوتقوم بمعجزة بعد طلب النبىّ منها ذلك .

والملائكة مظاهرُ القدرة الالهية في الكون، وهي الّتي تدبّر اُمور الكون بأمر اللّه تعالى كما يقول القرآن الكريم: (فالمُدَبَّراتِ أَمْراً)(2) وهي بالتالي جنوداللّه في السماوات والأَرض (وللّه جُنودُ السَماواتِ)(3) .

فلابد من ارجاع الظواهر الطبيعية الواقعة إلى أحد هذه العوامل الاربعة، ولا يمكن أبداً حصر العلة في العلة الطبيعية العادية المعروفة كما تصور منكروا الاعجاز، بل يمكن أن تكون كلُ واحدة من هذه العلل سبباً لحدوث الظاهرة الطبيعية، فاذا لم نشاهد علة ظاهرة من الظواهر لم يجز لنا أن نُبادر ـ فوراً ـ إلى تصوّر أنها ناشئةٌ من غير علة .

ويجب ارجاع معاجز الأَنبياء إلى إحدى الطرق الاخيرة، والقول بأن الانبياء استخدموا ـ في ايقاع الخوارق والمعاجز ـ إما العلل المادية غير المعروفة للعُرف، والعلم، وأما نفوسهم القوية الّتي حصلت لهم بفعل الجهاد الرُوحيّ العظيم والرياضات النفسية الشديدة فهي علة تلك الأفعال الخارقة للعادة .

كما ويمكن ان تكون جميع تلك الافعال العجيبة ناشئة عن جملة من العلل والعوامل الغيبية المدبِّرة للكون بامر اللّه ومشيئة .

إذن فلا تتحقق المعجزة بدون علة كما يُتصوَّر، ولا يهدم الاعجاز القوانينَ العقلية المسلّمة .


1 - راجع المبدأ والمعاد: ص 355 و 356 لصدر المتألهين المشهور بصدر الدين الشيرازي، وشرح المنظومة للحكيم السبزواري: ص 327 قال السبزواري ناظماً:

يطيعه العنصرُ طاعة الجَسَد * للنفس فالكلُ كجسمهُ يُعَدّ

2 - النازعات: 5 .
3 - الفتح: 4 .


(178)

3ـ هل المعجزة تصدر عن علل مادية غير معروفة فقط؟

قد يتصور البعض أن المعاجز تصدر عن علل مجردة عن المادة فقط نافين أن تكون لها ايَّة علل مادية معروفة أوغير معروفة، في حين لا يصحّ هذا السلب الكلي، إذ ما اكثر الخوارق الّتي تنشأ عن اُمور عادية وعبر سلسلة من التفاعلات الطبيعية .

فعندما يرقُد مرتاض هندىٌ ليمرَّ عليه تراكتور من دون ان تحدث في جسمه اية جراحات أو اصابات فان هناك اُموراً مادية كثيرة دخلت في هذا الامر الخارق مثل: وقوع هذا الحدث في اطار الزمان الخاص، والمكان الخاص، ومثل جسم المرتاض، وما كنة الحراثة .

فان جميع هذه الاشياء المادية اثرت في ظهور هذا العمل الخارق .

وهكذا عندما تنقلب عصا الكليم ـ عليه السلام ـ إلى حية على نحو الاعجاز فان العصا شيء مادي وهكذا الحال في غيره من الموارد .

ولهذا لا يمكن ان نتجاهل تأثير العوامل والامور المادية في ظهور الاُمور غير العادية، وننكر دخالتها بمثل هذا الإنكار.

وهذه هي اكثر النظريات اعتدالا في هذا المجال .

وفي مقابل ذلك التفريط(1) أفرط آخرون إذ قالوا: ان جميع المعاجز والخوارق ناشئة من علل مادية غير معروفة .

وحتّى ما يقوم به المرتاضون يعود إلى هذه العوامل الطبيعية الّتي لا يعرفها ولا يقف عليها حتّى النوابغ من الناس فضلا عن العاديين، لأن العوامل الطبيعية على نوعين: المعروفة وغير المعروفة، والناس يستفيدون في حياتهم اليومية ـ في الأغلب ـ من القسم الاول، بينما يستخدم الانبياء والمرتاضون تلك العوامل الطبيعية غير المعروفة الّتي وقفوا عليها وادركوها دون غيرهم .


1 - أي حصر علل الخوارق والمعاجز في العوامل المجرَّدة ونفي تأثير العلل الماديّة على نحو الاطلاق .


(179)

والسبب في وصفنا هذه النظرية بالافراط والتطرُّف هو عدم وجود دليل لا ثباته، بل يمكن ان يقال ان مثل هذا الموقف ناشىء عن الانهزامية تجاه العالم المادي، أو انه لارضاء الماديين، والنافين لما يدخل في إطار العالم المادي فان الماديين يرفضون أي عالم آخر غير الطبيعة وآثارها وعلاقاتها وخواصها، وحيث أن ارجاع المعجزات إلى العلل المجردة عن المادة يخالف منطق الماديين، ويضادد اتجاههم وتصورهم لهذا عمد أصحاب هذه النظرية (نظرية إرجاع المعاجز والخوارق إلى علل طبيعية غير معروفة وغير عادية) إلى مثل هذا التفسير إقناعاً للماديين، وارضاء لهم فقالوا: ان جميع الخوارق والمعاجز ناشئة من علل طبيعية ومادية على الإطلاق، غاية ما في الأمر أَنها علل غير معروفة، شأنها شان كثير من العوامل الطبيعية المجهولة.

ونحن بدورنا نترك هذه النظرية في دائرة الاجمال وبقعة الإمكان، لعدم الدليل لا على طبقها ولا على خلافها .

4ـ كيف تدلّ المعجزة على صحّة ادّعاء النبوّة؟

إن صفحات التاريخ مليئة بذكر من ادّعوا النبوّة خداعاً وكذباً، واستثماراً للناس، مستغلِّين سذاجة الاغلبية الساحقة من جانب، وانجذابهم الفطري إلى قضايا التوحيد والايمان من جانب آخر .

فكيف وبماذا يُميَّز النبىّ الصادق عن مدّعي النبوة؟؟

إن المعجزة هي إحدى الطرق التي تدل على صحة إدعاء النبوة .

وإِنما تدلُّ المعجزةُ على صدق ادّعاء النبوّة، وارتباط النبىّ بالمقام الربوبي لأن اللّه الحكيم لا يمكن أن يزوّدَ الكاذب في دعوى النبوة بالمعجزة، لأن في تزويد الكاذب تغريراً للناس الذين يعتبرون العمل الخارق دليلا على ارتباط الآتي بها بالمقام الربوبىّ.

وإلى هذا أشار الامامُ جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ بقوله في جواب من سأله عن علة اعطاء اللّه المعجزة لانبيائه ورسله:


(180)

«لِيَكُونَ دَليلا عَلى صِدق من أتى به، والمعجزة علامةٌ للّه لا يعطيها إلا انبياءه وَ رسَله، وحجَجَه، ليعرفَ به صدق الصادق مِنْ كذب الكاذِب»(1) .

5ـ بماذا نميز المعاجز عن غيرها من الخوارق؟

لا شَكَّ في أنَّ السَحَرة والمرتاضين يقومون بأَفعال خارقة للعادة مثيرة للعجب والدهشة حتّى ان البسطاء ربما يذهب بهم الاندهاش إلى حدّ الاعتقاد بأن القائمين بهذه الخوارق مزوَّدون بقوى غامضة غيبية لا يتوصلُ اليها البشر .

فكيف يمكن اذن أن نُمَيّز بَينَ المعاجز وتلك الخوارق والعجائب؟

إن التمييز بين هذه وتلك يمكن أن يتم إذا لاحظنا العلائم الفارقة بين المعجزة وغير المعجزة من الاعمال الخارقة للعادة، كاعمال السحرة والمرتاضين (اصحاب اليوجا) ونظائرهم .

وهذه الفوارق هي عبارة عن الامور التالية:

1ـ إن القوة الغامضة الحاصلة لدى المرتاضين والسحرة ناشئة بصورة مباشرة من التعلم والتحصيل عند اساتذة تلك العلوم، وذلك طيلة سنين عديدة من الزمان .

بينما لا يرتبط الاعجاز بالتعلّم والتلمّذ أبداً، والتاريخ خير شاهد على هذا الكلام .

2ـ إن أَفعال السَحرة والمرتاضين العجيبة قابلة للمعارضة والمقابلة بأمثالها، وربما بما هو اقوى منها، على عكس الإعجاز، فالمعجزات غير قابلة لأن تعارض وتقابل بمثلها ابداً .

3- المرتاضون والسَحرة لا يَتحدُّون أحداً بأفعالهم ولا يطلبُون معارضة أحد لَهُمْ وإلا لافْتضَحُوا وكبتوا .

بينما يتحدى الانبياء والرسل بمعاجزهم جميع الناس ويدعونهم لمعارضتهم


1 - علل الشرائع: ج 1، ص 122 .


(181)

والاتيان بمثل معاجزهم لوقدروا، واستطاعوا .

فهذا هو القرآن الكريم ينادي بأعلى صوته على مر العصور: (قُل لَئنْ اجْتَمَعت الإنسُ والجنّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمثْلِ هذا الْقُرآنِ لا يأتُونَ بِمثْلِه وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيْراً)(1) .

وذلك لأنَ أفعال السَحرة الخارقة مما كانت فانها تستند إلى الطاقة البشرية المحدودة، ولا تتجاوزها بينما يعتمد الانبياء والرسل العنصر الغيبي، والإرادة الآلهية .

4ـ إن أفعال السحرة والمرتاضين الخارقة للعادة اُمور محدودة ومقتصرةٌ على ما تعلَّموها وتمرنوا عليها، بينما لا تكون معاجز الأنبياء والرسل مقتصرة على اُمور خاصة، فهم لا يعجزون عن الاتيان بكل ما يطلبه الناس منهم، طبعاً حسب شرائط خاصة مذكورة في محلها في أبحاث الاعجاز(2) .

فتلك معاجز موسى المتعددة الابتدائية، والمقترحة، ومعاجز المسيح ـ عليه السلام ـ المتنوعة خير مثال على هذا الأمر .

5ـ إن اصحاب المعاجز يقصدون من معاجزهم دائماً دعوة الناس إلى أهداف إنسانية عالية وغايات الهية سامية وبالتالي هداية المجتمع البشري إلى المبدأ والمعاد، والأخلاق الفاضلة فيما لا يهدفُ المرتاضون والسحَرة إلا تحقيق مآرب دنيوية حقيرة، ونيل مكاسب مادية رخيصة .

هذا مضافاً إلى أن الأَنبياء والرسل أنفسهم يختلفون عن السحرة والمرتاضين


1 - الاسراء: 88 .
2 - مثل أن لا يكون ما يطلبه الناس محالا عقلياً كرؤية اللّه، ومثل أن لا يكون ما سيأتي لهم به دليلا على ارتباطه بالمقام الربوبي، كما لو طلبوا منه أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب وبيتٌ من ذهب، لأنّ هذه الاُمور لا تكون دليلا على النبوّة إذ نلاحظ أنّ كثيراً مِنَ الناس يملكون هذه وليسوا مع ذلك بأنبياء .
وأن لا يكون المقترحون من ذوي اللجاج والعناد الذين لا يقصدون من طلب المعاجز إلا الهزل والاستهزاء والتنزّه. وأن لا تكون نتيجة المعجزة هلاكهم كما لو طلبوا ان يُنزِّل عليهم ناراً من السماء تحرقهم لأن في ذلك نقضاً للغرض .


(182)

في نفسيّتهم العالية، وأخلاقهم الفاضلة وتاريخهم المشرق، وصفاتهم النبيلة على العكس من السحرة والمرتاضين .

هذه هي أَهمُّ العلامات الفارقة بين المعاجز الّتي تدل على نبوة الانبياء والخوارق الّتي يقوم بها المرتاضون والسحرة .

وبعد أن تبيَّن كل هذا اتضح أنَّ الخوارق الالهية الّتي هي من مقولة المعاجز أيضاً تختلف عن الاُمور العادية في أن عللها لا تنحصر في العلل المادية غير المعروفة فضلا عن الاُمور المادية المعروفة، بل ربما تكون مستندة إلى العلل المجرّدة، فليس من الصحيح ان نسعى لتفسير الخوارق الالهية مثل: «قصة الفيل» الّتي أهلك اللّه تعالى فيها جيش «أبرهة» العظيم بأحجار صغيرة من سجيل رمتها طيور الأبابيل بالعلل المادية المعروفة كما فعل من اشرنا إلى أسمائهم في مطلع هذا البحث(1) .

ولهذا عَدلَ «سيد قطب» عن رأية الّذي كان قد أبداه في ما سبق في أمثال هذه الاُمور، إذ قال:

ان الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره أن ينفُض الإنسان من ذهنه كلَ تصوّر سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقرَّرات تصوُرية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرَّراته كلها حسبما يصورُ القرآنُ والحديثُ حقائق هذا الوجود، ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن، ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يُؤَولَه، ولا يثبت شيئاً ينفيه القرآن أو يبطله، وما عدا المثبت والمنفي في القرآن فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته .

نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن... وهم مع ذلك يؤوّلون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة في عقولهم وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود(2) .


1 - أي الاستاذ الشيخ محمَّد عبده والاستاذ محمَّد حسين هيكل .
2 - وهنا قال سيّد قطب في هامش هذا الكلام مانصه «وما اُبرىء نفسي اُنني فيما سبق من مؤلّفاتي وفي الأجزاء الاُولى من هذا الضلال قد انسقتُ إلى شيء من هذا وارجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفق اللّه» .


(183)

فاما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، ويعتسفون نفي هذه التصورات لمجرد أن العلم لم يصل إلى شيء منها فهم مضحكون حقاً! فالعلمُ لا يعلم اسرارالموجودات الظاهرة بين يديه والّتي يستخدمها في تجاربه، وهذا لا ينفي وجودها طبعاً! فضلا عن العلماء الحقيقيين اخذت جماعة كبيرة منهم تؤمن بالمجهول على طريق المتدينين أو على الأقل لا ينكرون ما لا يعلمون، لأنهم بالتجربة وجدوا أنفسهم ـ عن طريق العلم ذاته ـ أمام مجاهيل فيما بين ايديهم ممّا كانوا يحسبون انهم فرغوا من الاحاطة بعلمه فتواضعوا تواضعاً علمياً نبيلاً ليس فيه سمةُ الادعاء، ولا طابع التطاول على المجهول كما يتطاول مُدّعو العلم، ومدّعو التفكير العلمي، ممن يُنكرون حقائق الديانات وحقائق المجهول(1).

ثم يقول في موضع آخر من تفسيره ناقداً لموقف الاستاذ عبده من قصة الفيل الّتي هي احدى الخوارق حيث حفظ اللّه تعالى بيته المعظم على نحو خارق للعادة:

ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات، وإلى رؤية السنن الكونية المألوفة تعملُ عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والحصبة اقرب و اولى، وان الطير تكون هي: الذباب والبعوض تحمل الميكروبات فالطير هو كل ما يطير .

ثم ينقلُ كلام الاستاذ «عبده» الّذي ذكرناه بنصه مع قوله: هذا ما يصحّ الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو ممّا لا يصحّ قبوله إلاّ بتأويل ان صحت روايته، وممّا تعظم به القدرة ان يُؤخذَ من استعز بالفيل ـ وهو اضخم حيوان من ذوات الاربع جسماً ـ ويُهْلكَ بحيوان صغير لا يظهر للنظر ولا يدرك بالبصر حيث ساقه القدرُ لا ريب عند العاقل أن هذا اكبر و اعجب وأبهر .


1 - في ظلال القرآن: ج 29، ص 151 ـ 153 .


(184)

ثم يقول: ونحن لا نرى أن هذه الصورة الّتي افترضها الاستاذُ الامامُ ـ صورة الجدري أو الحصبة من طين ملوث بالجراثيم ـ أدلَّ على قدرة، ولا اولى بتفسير الحادث، فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع، ومن حيث الدلالة على قدرة اللّه، وتدبيره، ويستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي الّتي جرت، فأهلكت قوماً أراد اللّه اهلاكهم، أو أن تكون سنة اللّه قد جَرت بغير المألوف للبشر، وغير المعهود المكشوف لعلمهم فحقّقت قدره ذاك .

ثم يقول: لقد كان اللّه سبحانه يريد بهذا البيت(1) أمراً، كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمناً وليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحفُ منه حرة طليقة في ارض حرة طليقة لا يهيمن عليها احدٌ من خارجها ولا تسيطر عليها حكومةٌ قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها، ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الانظار في جميع الأجيال، ليضربها مثلا لرعاية اللّه لحرماته وغيرته عليها.

فمما يتناسق مع جوّ هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادثُ غير مألوف ولا معهود بكل مقوماته وبكل اجزائه، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفردٌ فذٌ .

وبخاصة ان المألوف في الجدري والحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده فإن الجدري أو الحصبة لا يُسقطُ الجسم عُضواً عضواً، وأنملة انملة، ولا يشق الصدر عن القلب!!

ثم ان «سيد قطب» يشير إلى علل تفسير هذه الحادثة الخارقة للعادة بالتفسير المادي العادي الطبيعي، والمدرسة العقلية الّتي كان الاستاذ «عبده» على رأسها، وضغط الفتنة بالعلم الّتي تركت آثارها في تلك المدرسة، ونحن نكتفي بهذا القدر بالمناسبة، وإشعاراً بما يمكن أن يجنيه مثل هذا الاتجاه على مقولات الدين ومفاهيمه ومقرراته عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية


1 - أىّ الكعبة المشرّفة .


(185)

والغيبية(1) .

هذا و يجدر بنا ان ننقل هنا ما قاله صاحب تفسير مجمع البيان في هذا الصدد في شأن حادثة الفيل استكمالا لهذا البحث وتأكيداً لمعجزة هذا الحدث .

قال صاحب المجمع: وكان هذا من اعظم المعجزات القاهرات، والآيات الباهرات في ذلك الزمان، اظهرهُ اللّه تعالى ليدل على وجوب معرفته، وفيه ارهاص لنبوة نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه ولد في ذلك العام، وفيه حجةٌ لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين المنكرين للآيات الخارقة للعادات فانه لا يمكن نسبة شيء ممّا ذكره اللّه تعالى من أمر اصحاب الفيل إلى طبع وغيره كما نسبوا الصيحة والريح العقيم والخسف وغيرهما ممّا أهلك اللّه تعالى به الامم الخالية، إذ لا يمكنهم أن يروا في اسرار الطبيعة ارسال جماعات من الطير معها احجارٌ معدّة مهيَّاة لهلاك أقوام معينين قاصدات إيّاهُمْ دون من سواهم فترميهم بها حتّى تهلِكهم، وتدّمرَ عليهم، لا يتعدّى ذلك إلى غيرهم ولا يشك من له مسكة عن عقل ولب ان هذا لا يكون الا من فعل اللّه تعالى مسبب الاسباب ومذلِّل الصعاب، وليس لأحد أن ينكر هذا لأَن نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك بل اقروا به وصدّقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه، واعتنائهم بالردِّ عليه وكانوا قريبي عهد بأَصحاب الفيل، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقةٌ وأصلٌ لأنكَرُوهُ، وجحدوه، وأنهم قد أرّخوا بذلك كما أرّخوا ببناء الكعبة، وموت قصىّ بن كعب وغير ذلك .

وقد اكثر الشعراء ذكر الفيل ونظّموه ونقلته الرواةُ عنهم فمِن ذلك ما قاله (اُميّة) بن ابي الصلت:

إن آيات ربِّنا بَيِّنات * ما يُماريْ فيهِنّ إلا الكَفُورُ

حبَس الفِيْلَ بالمُغمَّس حَتى * ظَلّ يحبو كأنه مَعْقُورُ


1 - في ظلال القرآن: ج 30، ص 251 ـ 255 .


(186)

وقال عبداللّه بن عمرو بن مخزوم:

أنتَ الجليل ربَنا لم تُدْنِس * أنت حبَسْت الفيل بالمغمَّس

مِنْ بعد ما همَّ بشيء مَبْلسِ * حبَستَه في هيئة المكركس(1)

وقال ابن قيس الرقيات في قصيدة:

وَاسْتَهلَّتْ عَليْهِمُ الطَيْر با * لجندلِ حَتى كأَنَّه مَرْجُومُ(2)

ماذا بَعْدَ هزيمة الأحباش؟

لقد استوجب مقتل أبرهة وتحطّم جيشه وهلاكهم، وبالتالي هزيمة أعداء الكعبة المشرفة، وأعداء قريش، أن يتعاظم شأن المكيّين، وشأن الكعبة الشريفة في نظر العرب، فلا يجرأ أحدٌ ـ بعد ذلك ـ في أن يحدِّث نفسه بغزو مكة، والإغارة على قريش، أو أن يفكر في التطاول على الكعبة المعظمة صرح التوحيد الشامخ، فقد اخذ الناس يقولون في انفسهم: إنّ اللّه أهلك أعداء بيته المعظم بمثل ذلك الاهلاك إحتراماً لبيته وتعظيماً لشأن قريش، وقلّما كان يتصور أحد أن ما وقع كان لاجل المحافظة عى الكعبة فقط، اي من دون أن يكون لمكانة قريش ومنزلتهم وشأنهم دخل في ذلك، ويشهد بذلك أن قريشاً تعرضت مراراً لحملات متكررة من غزاة ذلك العصر دون أن يُصابُوا بمثل ما اُصيب به جندُ «ابرهة» الّذي قصد الكعبة بالذات ويواجهوا ما واجهه، من الردع والكبت .

إنَّ هذا الفتح والظفر الّذي نالته قريش من دون تعب ونصب، ومن دون إراقة أية دماء من أبنائها، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم وحمّيتهم، وعنجهيتهم، واعتزازهم بعنصرهم، فأخذوا يفكرون في تحديد شؤون الآخرين، والتقليل من وزنهم، اعتقاداً منهم بانهم الطبقة الممتازة من العرب دون سواهم. كما أنها دفعتهم إلى أن يتصوَّروا أنهم وحدهم موضع عناية الأَصنام (الثلا ثمائة والستين) فهم وحدهم الذين تحبُّهم


1 - المنكَّس .
2 - تفسير مجمع البيان للطبرسي: ج 10، ص 543 في تفسير سورة الفيل .


(187)

تلك الاصنامُ، وتحميهم وتدافع عنهم!!

ولأجل هذا تمادوا في لَهوهم، ولعبهم، وتوسعوا في ممارسة اللذة والترف حتّى أنهم أظهروا وَلعاً شديداً بالخمر، فكانوا يحتسونها في كل مناسبة، وربما مدّوا موائد الخمر في فناء الكعبة، واقاموا مجالس سَمرهم وأنسهم إلى جانب أصنامهم الخشبية، والحجرية، الّتي كان لكل قبيلة من العرب بِينها صَنمٌ أو اكثر، ويقضون فيها اسعدَ لحظات حياتهم ـ حَسب تصورّهم، وَ هم يتناقلون فيها كل ما سمعوه من أخبار وقصص حول «مناذرة» الحيرة و «غساسنة» الشام وقبائل اليمن، وهم يتصورون أن هذه الحياة الحلولة اللذيذة هي من بركة تلك الاصنام والاوثان، فهي الّتي جعلت عامة العرب تخضع لقريش، وجعلت قريشاً افضل من جميع العرب!!

أوهام قريش تتفاقم!!

إنَّ أخطرَ ما يمرُّ به إنسانٌ في حياته هو أن يصفو عيشه من المشاكل، ردحاً من الزمن ويحس لنفسه بنوع من الحصانة الوهمية، فعندها تجده يخص الحياة بنفسه ويستأثر بكل شيء في الوجود ولا يرى لغيره من ابناء نوعه وجنسه من البشر اي حق في الحياة، ولا اىّ شأن وقيمة تذكر، وذلك هو ما يصطلح عليه بالاستكبار والاستعلاء، والاحساس بالتفوق، والغطرسة .

وهذا هو بعينه ما حصل لقريش بعد اندحار جيش «ابرهة» وهلاكه، وهلاك جنده بذلك الشكل العجيب الرهيب .

فقد عزمت قريش منذ ذلك اليوم ـ وبهدف إثبات تفوقها وعظمتها للآخرين ـ، على أن تلغي أي احترام لأهل الحلّ لانهم كانوا يقولون: ان جميع العرب محتاجون إلى معبدنا، وقد رأى العرب عامة كيف اعتنى بنا آلهةُ الكعبة، خاصة، وكيف حمتنا من الاعداء!!

ومن هنا بدأت قريش تضيّق على كل من يدخل مكة من أهل الحل للعمرة أو الحج، وتتعامل معهم بخشونة بالغة، وديكتاتورية شديدة ففرضت على


(188)

كل من يريد دخول مكة للحج أو العمرة أن لا يصطحب معه طعاماً من خارج الحرم، ولا يأكل منه، بل عليه أن يقتني من طعام أهل الحرم، ويأكل منه، وأن يلبس عند الطواف بالبيت من ثياب أهل مكة التقليدية القومية، أو يطوف عرياناً بالكعبة إن لم يكن في مقدوره شراؤها واقتناؤها، ومَن كان يَرفُض الخضوع لهذا الأمر، مِن رؤساء القبائل وزعمائها، كان عليه أن ينزع ثيابه ـ بعد انتهائه من الطواف ـ ويلقيها جانباً، ولا يحق لأحد ان يمسها أبداً لا صاحبها ولا غيره(1) .

اما النساء فكان يجب عليهن إذا أردنَ الطواف أن يُطفنَ عراة على كل حال، وان يضعن خرقة على رؤوسهن وَ يُردِّدنَ البيت التالي في اثناء الطواف:

اليوم يبدو بعضُه أو كُلّه * وبعدَ هذا اليوم لا اُحِلُّه

ثم إنه لم يكن يحق لأىّ يهودي أو مسيحي ـ بعد هزيمة «ابرهة» الّذي كان هو أيضاً مسيحياً ـ أن يدخل مكة إلاّ أن يكون أجيراً لمكىٍّ، وحتّى في هذه الصورة كان يجب عليه أن لا يتحدّث في شيء من أمر دينه ومن أمر كتابه .

لقد بلغت النخوةُ والعصبية بقريش حداً جعلتهم يتركون بعض مناسك الحج الّتي كان يجب الإتيان بها خارج الحرم!!

لقد أنفوا منذ ذلك اليوم أن يأتوا بمناسك عرفة(2) كما يفعل بقية الناس فتركوا الوقوف بعرفة، والافاضة منها مع أن آباءهم (من ولد إسماعيل) كانوا يُقّرون أنها من المشاعر والحج، وكانت هيبة قريش وعظمتها الظاهرية رهنٌ ـ برمتها ـ بوجود الكعبة بين ظهرانيها، وبوظائف الحج ومناسكه هذه، إذ كان يجب على الناس في كل عام أن يأتوا إلى هذا الوادي الخالي عن الزرع وهذه الصحراء اليابسة لأداء المناسك، إذ لو لَم يكن في هذه النقطة من الأَرض أىُ مطاف أو مشعر لما رغب احد حتّى في العبور بها فضلا عن المكث فيها عدة ايام وليال .


1 - وكانت تسمّى عندهم «اللّقى» .
2 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 266 .


(189)

لقد كان ظهورُ مثل هذا الفساد الاخلاقي وهذا الموقف المتعصِّب من الآخرين أمراً لابدَّ منه بحسب المحاسبات الاجتماعية .

فالبيئة المكيّة لابد أن تغرق في الفساد والانحراف حتّى يتهيأ العالم لانقلاب أساسىّ ونهضة جذرية .

إن كل ذلك الانفلات الاخلاقي والترف والانحراف كان يهيء الارضية ويعدّها لظهور مصلح عالمي، أكثر فاكثر .

ولهذا لم يكن غريباً أن يغضب «أبوسفيان» فرعون مكة وطاغيتها على «ورقة بن نوفل» حكيم العرب الّذي تنصر في اُخريات حياته واطلع على ما في الانجيل، كلما تحدَّث عن اللّه والانبياء ويقول له: «لا حاجة إلى مثل هذا الاله وهذا النبي، تكفينا عناية اصنامنا»!!

عَبدُ اللّه والدُ النبىّ:

يوم فدى «عبدُالمطلب» ولده «عبداللّه» بمائة من الابل نحرها، وأطعم الناس في سبيل اللّه، لم يكن يمض من عمر «عبداللّه» اكثر من اربعة عشر ربيعاً، وقد تسبَّبَتْ هذه الواقعةُ في أن يكتسب «عبدُاللّه» شهرة خاصة بين عشيرته مضافاً إلى شهرته الكبرى بين قريش، وأن يحظى بمكانة كبيرة عند أبيه: «عبدالمطلب» بنحو خاص، لأن ما يُكلِّفُ الإنسان غالياً، ويتحملُ في سبيله عناء اكثر لابدَّ أن يحظى لديه بمكانة اكبر، ويحبّه محبة تفوقُ المتعارف .

ومن هنا كان «عبدُاللّه» يتمتعُ باحترام يفوق الوصف بين أبناء عشيرته وأفراد عائلته وأقربائه .

ثم إن «عبدَاللّه» يوم كان يتوجه برفقة والدهِ إلى المذبح كان يعاني من مشاعر وأحاسيسَ متناقضة ومتضادة، فهو من جانب كان يُكِنّ لوالده احتراماً كبيراً وحباً شديداً، ولهذا لم يكن يَجدُ بداً من طاعته، والانصياع لمطلبه، بينما كان من جانب آخر يعاني من قلق، واضطراب شديدين على حياته الّتي كان يرى كيف تعبث بها يدُ القدر، وتكادُ تقضي عليها كما يقضي الخريفُ على


(190)

أوراق الشجر .

كما أن «عبدالمطلب» نفسه كان هو الآخر تتجاذبه قوتان متضادتان: قوةُ الايمان والعقيدة من جانب، وقوةُ العاطفة والمحبة الأبوية من جانب آخر، وقد أوجدَت هذه الواقعة في نفسي هاتين الشخصيتين آثاراً مُرّة يصعُب زوالها، بيد أن تلك المشكلة حيث عولجت بالطريقة الّتي ذكرناها ونجا «عبداللّه» من الموت المحقق فكر «عبدالمطلب» فوراً في ان يغسل عن قلب «عبداللّه» تلك المرارة القاسية بزواج «عبداللّه» بآمنة، وبذلك يقوّي من عرى حياته الّتي بلغت درجة الانصرام، بأقوى السُبُل، وأمتن الوسائل .

ومن هنا توجّه «عبدالمطلب» إلى بيت «وهَب بن عبدمَناف» ـ فور رُجوعه من المذبح آخذاً بيد ولده عبداللّه ـ وعقد لولده على «آمنة بنت وَهَب» الّتي كانت تُعرَفُ بالعِفة، والطُهر، والنجابة، والكمال .

كما أنه عقد لنفسه ـ في ذات المجلس ـ على «دلالة» ابنة عم آمنة، ورُزقَ منها «حمزة» عمّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمشابه له في السن(1) .

غير أن الاستاذ المؤرخ «عبدالوهاب النجار» المدرس بقسم التخصص في الازهر الّذي صحح «التاريخ الكامل» لابن الاثير، وعلَّق عليه بملاحظات وهوامش مفيدة شكك في صحة هذه الرواية، واستغربها، وقال: لاأظنُ أنه يصحّ شيء في هذه الرواية، إذ المعقولُ أن يتريث «عبدالمطلب» بعد ذلك المجهود المضني حتّى يريح نفسه ثم يذهب ليخطب لابنه(2) .

ولكنَّنا نعتقد بأن المؤرخ المذكور لو نَظرَ إلى المسألة مِن غير هذه الزاوية لسَهُل عليه التصديقُ بهذه الرواية .

ثم أن «عبدالمطَّلب» عَيَّن موعداً للزفاف، وعند حلول ذلك الموعد تمّت مراسمُ الزفاف في بيت «آمنة» طبقا لما كان متعارفاً عليه في قريش، ولبث


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7 والمذكور في هذا المصدر «هالة» .
2 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4، قسم الهامش .


(191)

«عبداللّه» مع «آمنة» ردحاً من الزمن حتّى سافر إلى الشام للتجارة، وعند عودته توفّي اثناء الطريق كما ستعرف .

دَورُ الأَيادي المشْبُوهَة في تاريخ الإسلام:

لا شك أَنَّ التاريخ سَجَّلَ في صفحاته كلَ ما يتعلق بالشعوب والاقوام من نقاط مضيئة أو مظلمة، كقصص للعبرة والعظة .

ولكن الحب والبغضَ تارة والتساهل والبدعة تارة اُخرى وحب اظهار المقدرة وابراز القوة الأدبية تارة ثالثة وغير ذلك من العوامل والاسباب عملت عملها فتدخلت ـ في جميع الأدوار والعصور ـ في صياغة التاريخ، وخلَطت الغث بالسمين والحقيقة بالخرافة، وتلك هي مشكلة كبرى تقع في طريق المؤرخ الّذي يريد عرض حوادث التاريخ في أمانة وإستقامة، ولذلك يجب عليه أن يميز الحق عن الباطل، والصدق عن الكذب من خلال الأخذ بالموازين العلمية، والممارسة الكاملة للتاريخ. ولقد كان للعوامل المذكورة تاثير ايضاً في تدوين التاريخ الإسلامي، فالأيادي المريبة المشبوهة عملت على تحريف الحقائق في هذا المجال، بل وربما عمد بعض الاصدقاء ـ بهدف تعظيم شأن النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى نسبة بعض الاُمور الّتي يظهرُ عليها آثار الاختلاق والإفتعال إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو منها بُراء.

فقد جاء في التاريخ أن نور النبوَّة كان يسطع في جبين «عبداللّه» والد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دائماً(1)، كما نقرأ أن «عبدالمطلب» كان يأخذ بيد ولده «عبداللّه» في سنين الجدب والقحط، ويصعد الجبل ويستسقي متوسِّلا إلى اللّه بالنور الّذي كان بيّنا في جبين «عبداللّه»(2) فهذا هو ما كتبه وسجَّله كثيرٌ من علماء الشيعة والسنة في مؤلفاتهم، ونحن لا نملك اي دليل على عدم صحته .

ولكن هذه القصة وقعت أساساً لبعض الاساطير التى لا يمكن ان نقبل بها مطلقاً


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 39 .
2 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .


(192)

واليك فيما يأتي ما الحِقَ بهذه القضية التاريخية الثابتة .

قِصَّة فاطمة الخَثعَمِيَّة:

و «فاطمةُ» هذه هي أختُ «ورَقَة بن نوفل» الّذي كان من حكماء العرب وكُهّانهم، وكان له معرفة كبيرة بالإنجيل. وقد ضبط التاريخ حديثه مع خديجة في بدء بعثة الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسوف نشير إليه في محله من هذا الكتاب .

وكانت «فاطمة» اخت «ورقة» قد سمعت من أخيها عن نبوة رجل من احفاد «اسماعيل»، ولهذا ظلّت تنتظر، وتبحث .

وذات يوم وعندما كان «عبدالمطلب» متوجها إلى بيت آمنة بنت وهب بعد قفوله ومنصرفه من المذبح وهو آخذ بيد «عبداللّه»، شاهدت «فاطمة الخثعمية» ـ الّتي كانت تقف على مقربة من منزلها ـ النور الساطع من جبين «عبداللّه»، والّذي كانت تنتظره مدة طويلة وتبحث عنه بشوق، فقالت: اين تذهب يا عبداللّه؟ لكَ مِثلُ الإبل الّتي نحِرَت عنك، وقعْ علىَّ الآن .

فقال: أنا مع أبي ولا استطيع خلافه وفراقه!!(1) .

ثم تزوج «عبداللّه» بآمنة في نفس ذلك اليوم، وقضى معها ليلة واحدة .

ثم في الغد من ذلك اليوم أتى المرأة «الخثعمية» الّتي عرضت نفسها عليه، وأبدى استعداده لتنفيذ رغبتها، ولكن «الخثعمية» قالت له: ليس لي بك اليوم حاجة، فلقد فارقك النورُ الّذي كان مَعك أمس!!(2) .

وقيل: إنه لمّا عرضت تلك المرأة «الخثعمية» على «عبداللّه» ما عرضت أجابها «عبداللّه» بالبداهة ببيتين من الشعر هما:

أمّا الحَرامُ فالمماتُ دُونَهُ * وَالحِلُّ لاحلٌ فاستبينهُ

فكيفَ بالأَمر الّذي تبغِينَهُ * يحمي الكريمُ عرضَه ودينَهُ


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 5 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 156 النصّ والهامش .


(193)

ولكن لم تمر ثلاثة من زواجه بآمنة، واقامته عندها حتّى دعته نفسُه إلى ان يأتي الخثعمية، وعرض نفسه عليها قائلا: هل لك فيما كنت اردت؟ فقالت: لقد رأيت في وجهك نوراً فاردت ان يكون لي فابى اللّه الاّ أن يجعله حيث اراد فما صنعت بعدي؟

قال: زوَّجني أبي «آمنة بنت وهب»!!(1) .

علائم الإختلاق في هذه القصة!

لقد غَفل مختلِقُ هذه القصة عن اُمور كثيرة عند صياغته لها، ولم يستطع اخفاء آثار الاختلاق عنها .

فلو كان يكتفي بالقول ـ مثلا ـ بان «فاطمة» صادفت «عبداللّه» ذات يوم في زقاق من الأزقة، أو سوق من الاسواق، وشاهدت نورَ النبىّ ساطعاً من طلعته ففكرت في الزواج به رغبة في ذلك النور لكان من الممكن التصديق بهذه القصة، بيدَ أن نصَ القصة جاء بصورة لا يمكن القبول بها للأسباب التالية:

1ـ ان هذه القصة تفيد أنَّ المرأة «الخثعمية» عند ما عرضت نفسها على «عبداللّه»، كانت يد «عبداللّه» في يد والده «عبدالمطلب»، فكيف يمكن ان تعرض تلك الفتاة نفسَها عليه وتبين مطلوبها له ويدور بينهما ما يدور، ولا يحسُ عليهما عبدالمطلب؟!

ثم الم تستحِ من عظيم قريش «عبدالمطلب» الّذي لم يثنه عن طاعة اللّه تعالى شيء حتّى مقتلُ ولده وذبحه .

ولو قلنا أن مطلبها كان حلالاً مشروعاً فان ذلك لا ينسجم مع البيتين من الشعر اللَّذين ردّ بهما «عبداللّه» طلبها.

2ـ والأصعب من ذلك قصة عبداللّه نفسه. فان ولداً مثل «عبداللّه» يحترم والده إلى درجة الاستعداد لأن يُذْبَحَ وفاءً لنذر والده، كيف يمكن أن يتفوّه في


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7، والكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .


(194)

حضرة والده بما نُقِلَ عنه؟!

ترى أيمكن لشاب نجا لتوّه من السيف والذبح، ولا يزال يعاني من آثار الصدمة الروحية أن يستجيب لرغبات امرأة، أو يبدي استعداده ورضاه القلبىّ لذلك لولا وجود والده معه؟!!ترى هل كانت تلك المرأة جاهلة بالظروف، لا تقدّر الاحوال، ولا تعرف الوقت المناسب لطرح مطلبها، أو أنَّ مختلق هذه القصة غَفل عن نقاط الضعف البارزة هذه؟!!

ثم إن ممّا يفضح هذه القصة ويُظهر بطلانها ما جاء في الصورة الثانية لها، فان عبداللّه ـ كما لا حظنا جابه طلب تلك المرأة ببيتين من الشعر وقال ما حاصله بأن الموت أسهل عليه من ارتكاب هذا الفعل الحرام الّذي يأتي على دين الرجل وشرفه، فكيف يجوز لمثل هذا الشاب الطاهر الغيور أن يقع فريسة لتلك الأهواء، والرغبات الرخيصة الفاسدة، والحال انه لم ينقض من زواجه اكثر من ثلاث ليال، وتدفعه غريزته الجنسية إلى ان يبادر إلى بيت المرأة الخثعمية .

إنَّ ماجابَه به «عبداللّه» دعوة تلك المرأة، وما جاء في ذينك البيتين من الشعر اللذين يطفحان بالغيرة، والإباء، لخيرُ دليل على طهارة «عبداللّه» وعفته، وتقواه، وترفعه عن الآثام والادران، وابتعاده عن الانجاس والادناس .

وقد علّق الاستاذ العلامة «النجار» على هذه الاسطورة بقوله: «ليس من المعقول أن يذهب عبداللّه يبغي الزنا في الساعة الّتي تزوج فيها، ودخل فيها على امرأته».

ولكن الاستاذ «النجار» أخطأ في تشكيكه في النور النبوىّ الساطع في جبين «عبداللّه» حيث قال معقباً على كلامه السابق: «ولكنها مسألة النور في وجهه يريدون إثباتها ورسول اللّه غني عن هذا كله»(1) .

فان ذلك ممّا رواه جميع المؤرخين بلا استثناء، فلا داعى ولا وجه للتشكيك فيه !


1 - هامش الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .

Website Security Test