welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(125)

حوار الخليل مع عبدة الكواكب:

ذات ليلة وقف إبراهيم ـ عليه السلام ـ عند ابتداء مغيب الشمس يتطلع في السماء ـ وهو ينوي هداية الناس ـ وبقي ينظر إلى النجوم والكواكب من أول الغروب من تلك الليلة إلى الغروب من الليلة التالية، وخلال هذه الساعات الاربع والعشرين حاور وجادل ثلاث فرق، من عبدة النجوم وابطل عقيدة كل فرقة منها بأدلة محكمة، وبراهين متقنة قوية .

فعندما أقبل الليلُ وخيّم الظلام على كل مكان وهو يخفي كل مظاهر الوجود ومعالمه في عالم الطبيعة ظهر كوكبُ «الزُهرة» من جانب الاُفق وهو يتلألأ.

فقال إبراهيم لِعُباد هذا الكوكب ـ وهو يتظاهر بموافقتهم جلباً لهم، ومقدمة للدخول معهم في حوار ـ : «هذا ربي» .

وعندما افل ذلك الكوكب وغاب عن الانظار قال: «لا احب الآفلين» .

وبمثل هذا المنطق الجميل أبطل عقيدة عبدة الزهرة، واظهر خواءها وفسادها .

ثمّ إنه ـ عليه السلام ـ نظر إلى كوكب القمر المنير الّذي يسحر القلوب بنوره وضوئه، فقال ـ متظاهراً بموافقة عبدة القمر ـ : «هذا ربي» ثم ردّ باسلوب منطقي محكم تلك العقيدة أيضاً، عندما امتدت يد القدرة المطلقة ولمت أشعة القمر من عالم الطبيعة، وعندها إتخذ إبراهيم ـ عليه السلام ـ هيئة الباحث عن الحقيقة ومن دون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها إذ قال: (لَئنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لأَكُونَنَّ مِن الْقَوْم الضالِين)(1) لأَن القمر قد أَفل أيضاً كما أَفل سابقُه فهو كغيره أسير نظام عُلوىٍّ لا يتخلف، وما كان كذلك لا يمكن ان يُعدَّ رباً يُعبَد، ويتوَجه إليه بالتقديس والتضرع .

ولما وَلّى الليل وأدبر، واكتسحت الشمس الوضاءة باشعتها حجب


1 - الأنعام: 77 .


(126)

الظلام، وبثت خيوطها الذهبية على الوهاد والسهول، والتفت عَبدَة الشمس إلى معبودهم، تظاهر ابراهيم بالاقرار بربوبيتها اتباعاً لقواعد الجدل والمناظرة ولكن افول الشمس وغروبها اثبت هو الآخر بطلان عبادتها ايضاً بعد أن اثبت خضوعها للنظام الكوني العام، فتبرأ «الخليل» ـ عليه السلام ـ من عبادتها بصراحة .

وعندئذ أعرض ـ عليه السلام ـ عن تلك الطوائف الثلاث وقال: (إنّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذيْ فَطرَ الْسَّماواتِ وَ الاَْرضَ حَنِيفْاً وَ ما أنا مِنَ الْمُشْركين)(1) .

لقد كان المخاطبين في كلام إبراهيم ـ عليه السلام ـ هم الذين يعتقدون بأن تدبير الكائنات الارضية، ومنها الإنسان قد انيطت إلى الاجرام السماوية وفوضت اليها!!

وهذا الكلام يفيد أن الخليل ـ عليه السلام ـ لم يقصد المطالب الثلاث التالية:

1- اثبات الصانع (الخالق) .

2- توحيد الذات وأنه واحد غير متعدد .

3- التوحيد في الخالقية، وأنه لا خالق سواه .

بل كان تركيزه ـ عليه السلام ـ على التوحيد في «الربوبية» و «التدبير» وادارة الكون، وانه لا مدبّر ولا مربي للموجودات الأرضية إلاّ اللّه سبحانه وتعالى، ومن هنا فانه ـ عليه السلام ـ فور إبطاله لربوبية الاجرام السماوية قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للَّذيْ فَطرَ السَماواتِ والأَرْضَ...) وهو يعني ان خالق السماوات والأَرض هو نفسه مدبرها وربُها، وانه لم يفوَّض أي شيء من تدبير الكون، ـ لا كله ولا بعضه ـ إلى الاجرام السماوية، فتكون النتيجة: أن الخالق والمدبر واحد لا أن الخالق هو اللّه والمدبر شيء آخر .

ولقد وقع المفسرون، والباحثون في معارف القرآن في خطأ، والتباس عند التعرض لمنطق «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ وشرح حواره هذا، حيث تصوروا أن الخليل ـ عليه السلام ـ قصد نفي «اُلوهية» هذه الأجرام يعني الالوهية الّتي تعتقد بها


1 - الأنعام: 79 .


(127)

جميع شعوب الأرض ويكون هذا الكون الصاخِب آية وجوده .

بينما تصوّر فريق آخر ان «إبراهيم» كان يقصد نفي «الخالقية» عن هذه الأجرام السماوية، لأنه من الممكن ان يخلق إله العالم كائناً كامل الوجود والصفات ثم يفوض إليه مقام الخالقية في حين أن هذين التفسيرين غير صحيحين، بل كان هدف الخليل ـ عليه السلام ـ ـ بعد التسليم بوجود اله واجب الوجود، وتوحيده، ووحدانية الخالق ـ البحث في قسم آخر من التوحيد، الا وهو التوحيد «الربوبي»، وبالتالي اثبات أن خالق الكون هو نفسُه مدبر ذلك الكون أيضاً، وعبارة «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ...» أفضل شاهد على هذا النوع من التفسير .

من هنا كان التركيز الأكبر في بحث ابراهيم على مسألة «الربّ» و «الربوبية» في صعيد الاجرام كالقمر والزهرة والشمس(1) .

هذا واستكمالا للبحث الحاضر لابدَّ من توضيح برهان النبىّ «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ .

لقد استدل «ابراهيم» في جميع المراحل الثلاث باُفول هذه الاجرام على أنها لا تليق بتدبير الظواهر الارضية وبخاصة الإنسان .

وهنا ينطرح سؤال: لماذا يُعتبر اُفول هذه الاجرام شاهداً على عدم مدبِّريتها؟

إن هذا الموضوع يمكن بيانُه بصور مختلفة، كل واحدة منها تناسب طائفة معينة من الناس .

ان تفسير منطق «الخليل» ـ عليه السلام ـ واسلوبه في إبطال مدبِّرية الاجرام السماوية وربوبيّتها بأشكال وصور مختلفة أفضل شاهد على أن للقرآن الكريم أبعاداً مختلفة وأن كل بُعد منها يناسب طائفة من الناس .


1 - لقد بيّنا مراتب التوحيد من وجهة نظر القرآن الكريم في كتابنا «معالم التوحيد في القرآن الكريم» وأثبتنا هناك أنّ التوحيد في الذات غير التوحيد في الخالقية، وأن هذين النوعين من التوحيد غير التوحيد في الروببية، وهي غير المراتب الاُخرى للتوحيد، فراجع الكتاب المذكور تقف على هذه الحقيقة .


(128)

واليك في ما يلي التفاسير المختلفة لهذا الاستدلال:

الف: إن الهدف من اتخاذ الربّ هو أن يستطيع الكائن الضعيف في ظل قدرة ذلك الرب من الوصول إلى مرحلة الكمال ولابدّ ان يكون لمثل هذا الربّ ارتباطٌ قريبَ مع الموجودات المراد تربيتها بحيث يكون واقفاً على أحوالها، غير منفصل عنها، ولا غريب عليها .

ولكن كيف يستطيع الكائن الّذي يغيب ساعات كثيرة عن الفرد المحتاج إليه في التربية ويُحرم ذلك الفرد من فيضه وبركته، ان يكون رباً للموجودات الأَرضية ومدبراً لها؟!

من هنا يكون اُفول النجم، وغروبه، الّذي هو علامة غربته وانقطاعه عن الموجودات الارضية خير شاهد على أن للموجودات الأَرضية ربّاً آخر، منزهاً عن تلك النقيصة عارياً عن ذلك العيب .

باء: انَّ طلوع الأجرام السماوية وغروبها وحركتها المنظمة دليل على أنها جميعاً خاضعة لمشيئة فوقها، وانها في قبضة القوانين الحاكمة عليها، والخضوع لقوانين منظمة هو بذاته دليل على ضعف تلك الموجودات، ومثل هذه الموجودات الضعيفة لا يمكن أن تكون حاكمة على الكون، أو شيء من الظواهر الطبيعية، وأما استفادة الموجودات الارضية من نور تلك الاجرام وضوئها فلا يدل أبداً على ربوبية تلك الأجرام، بل هو دليل على أن تلك الأجرام تؤدّي وظيفة تجاه الموجودات الأرضية بأمر من موجود أعلى .

وبعبارة أخرى: إن هذا الأمر دليل على التناسق الكوني، وارتباط الكائنات بعضها ببعض .

جيم: ما هو الهدف من حركة هذه الموجودات؟ هل الهدف هو أن تسير من النقص إلى الكمال أو بالعكس؟

وحيث أن الصورة الثانية غير معقولة، وعلى فرض تصورها لا معنى لأن يسير المربّي والمدبر للكون من مرحلة الكمال إلى النقص والفناء، يبقى الفرضُ الاول وهو بنفسه دليل على وجود مربٍّ آخر يوصل هذه الموجودات القوية في ظاهرها


(129)

من مرحلة إلى مرحلة، هو ـ في الحقيقة ـ الربُّ الّذي يبلغ بهذه الموجودات وما دونها إلى الكمال .

طريقة الأنبياء في الحوار والجدال:

لقد اسلفنا في ما سبق أن «ابراهيم» ـ بعد خروجه من الغار ـ واجه صنفين منحرفين عن جادة التوحيد هما:

1- الوثنيون .

2- عَبَدة الاجرام السماوية .

ولقد سمعنا حوار «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ وجداله مع الفريق الثاني، وعلينا الآن أن نعرف كيف حاور الوثنيين وعبدة الاصنام؟

إن تاريخ الانبياء والرسل يكشف لنا عن أنهم كانوا يبدأون دعوتهم من انذار الاقربين ثم يوسعون دائرة الدعوة لتشمل عامة الناس كما فعل رسول الإسلام في بدء دعوته حيث بدأ بانذار عشيرته الاقربين لما امره اللّه تعالى بذلك إذ قال: (وأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الاَْقْرِبِيْن)(1). وبذلك أسّس دعوته على إصلاح اقربائه وعشيرته .

ولقد سلك «الخليل» ـ عليه السلام ـ نفس هذا المسلك أيضاً إذ بدأ عمله الاصلاحي باصلاح اقربائه .

ولقد كان لآزر بين قومه مكانة اجتماعية عليا فهو ـ مضافاً إلى معلوماته في الصناعة وغيرها ـ كان منجماً ماهراً، وذا كلمة مسموعة ورأي مقبول في بلاط «نمرود» في كل ما يخبر به من أخبار النجوم، وكل ما يستخرجه وما يستنبطه من الامور الفلكية ويذكره من تكهنات .

لقد ادرك «ابراهيم» انه بجلبه لآزار (عمّه) يستطيع أن يسيطر على اوساط الوثنيين، ويجردهم من ركيزة هامة من كبريات ركائزهم، ولهذا بادر إلى منع


1 - الشعراء: 214 .


(130)

عمّه آزر ـ وبافضل الاساليب ـ عن عبادة الاوثان، بيد أن بعض الأسباب أوجبت أن لا يقبل «آزر» بنصائح «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ ، والمهم لنا في هذا المجال هو ان نتعرف على كيفية دعوة الخليل وعلى اسلوب حواره مع «آزر» .

ان الامعان في الآيات الّتي تنقل حوار «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ مع «آزر» توضح لنا أدب الانبياء، واسلوبهم الرائع في الدعوة والارشاد، ولنقف عند حوار ابراهيم ودعوته، ليتضح لنا ذلك .

يقول القرآن الكريم عن ذلك: (إذْ قالَ لأَبيْهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يسْمَعُ وَ لا يُبْصر وَ لا يُغْنِيْ عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إنِّي قَدْ جائنِي مِنَ الْعِلْم ما لَمْ يَأتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوياً. يا اَبتِ لا تَعْبُدِ الشّيطانَ انَ الشّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمن عَصِيّاً. يا أَبتِ إنّي اَخافُ أنْ يَمسَّك عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطانِ وَليّاً).

فاجابه «آزر» قائلا: (أراغبٌ أنْتَ عَنْ الهتي يا إبْراهيمُ لئنْ لَمْ تنْته لأَرْجُمَنَّكَ وَ اْهجُرْنيْ مَلِيّاً) .

ولكن «ابراهيم» بسعة صدره وعظمة روحه تجاهل ردّ «آزر» العنيف ذلك وأجابه قائلا: (سَلامٌ عَلَيْك سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيْ)(1) .

وأىّ جواب افضلُ مِنْ هَذا البيان وأىُّ لغة أليَن مِنْ هذه اللغة واحبّ إلى القلب، واكثر رحمة ولطفاً .

هَل كان آزر والدَ إبراهيم؟

ان الظاهر من الآيات المذكورة وكذا الآية (115) من سورة «التوبة» والآية (14) من سورة الممتحنة هو: أنّ «آزر» كان والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ .

وقد كان إبراهيم يسميه أباً في حين كان «آزر» وثنياً، فكيف يصحّ ذلك وقد اتفقت كلمة علماء الشيعة عامة على كون والد النبىّ الكريم «محمَّد»


1 - مريم: 42 ـ 47 .


(131)

ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجميع الأَنبياء مؤمنين باللّه سبحانه موحدين اياه تعالى .

ولقد ذكر الشيخ المفيد رضوان اللّه عليه في كتابه القيم «أوائل المقالات»(1) ان هذا الامر هو موضع اتفاق علماء الشيعة الامامية كافة بل وافقهم في ذلك كثير من علماء السنة ايضاً .

وفي هذه الصورة ما هو الموقف من ظواهر الآيات المذكورة الّتي تفيد اُبوّة «آزر» لإبراهيم، وما هو الحل الصحيح لهذه المشكلة؟؟

يذهب أكثر المفسّرين إلى أن لفظة «الأب» وان كانت تُستعمل عادة في لغة العرب في «الوالد»، إلاّ أن مورد استعمالها لا ينحصر في ذلك .

بل ربما استعملت ـ في لغة العرب وكذا في مصطلح القرآن الكريم ـ في: (العمّ) أيضاً. كما وقع ذلك في الآية التالية الّتي استعملت فيها لفظة الأب بمعنى العم إذ يقول سبحانه:

(إذْ قالَ لِبَنْيهِ ما تَعْبُدونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وإله آبائكَ إبْراهيم واسْماعيل وإسحاقَ إلهاً واحِداً ونحن لهُ مسلمون)(2) .

فإنّ ممّا لا ريب فيه أن «اسماعيل» كان عماً ليعقوب لا والداً له، فيعقوب هو ابن اسحاق، واسحاق هو أخو اسماعيل.

ومع ذلك سمّى أولادُ يعقوب «اسماعيل» الّذي كان (عمَّهم) أباً .

ومع وجود هذين الاستعمالين (استعمال الاب في الوالد تارة، وفي العم تارة اُخرى) يصبح احتمال كون المراد بالاب في الآيات المرتبطة بهداية «آزر» هو العمّ أمراً وارداً، وبخاصة إذا ضَمَمْنا إلى ذلك قرينة قوية في المقام وهي: اجماع العلماء الّذي نقله المفيد رحمه اللّه على طهارة آباء الانبياء واجدادهم من رجس الشرك والوثنية .

ولعل السبب في تسمية النبي «ابراهيم» عمَّه بالأب هو أنه كان الكافل


1 - أوائل المقالات: ص 12، باب القول في آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله .
2 - البقرة: 133 .


(132)

لابراهيم ردحاً من الزمن، ومن هنا كان «ابراهيم» ينظر إليه بنظر الأب، وينزله منزلة الوالد .

القرآن ينفي اُبوّة «آزر» لإبراهيم:

ولكي نعرف رأي القرآن الكريم في مسألة العلاقة بين «آزر» و «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ نلفت نظر القارىء الكريم إلى توضيح آيتين:

1- لقد أشرقت منطقةُ الحجاز بنور الايمان والإسلام بفضل جهود النبىّ «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتضحياته الكبرى، وآمن اكثر الناس به عن رغبة ورضا، وعلموا بأن عاقبة الشرك، وعبادة الاوثان والاصنام هو الجحيم والعذاب الاليم .

إلاّ أنهم رغم ابتهاجهم وسرورهم بما وُفقوا له من إيمان وهداية، كانت ذكريات آبائهم واُمهاتهم الذين مضوا على الشرك والوثنية تزعج خواطرهم وتثير شفقتهم، واسفهم.

وكان سماع الآيات التي تشرح أحوال المشركين في يوم القيامة يحزنهم ويؤلمهم، وبغية ازالة هذا الالم الروحي المجهد طلبوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يستغفر لابائهم واُمهاتهم كما فعل «إبراهيم» في شأن «آزر» فنزلت الآية في مقام الردّ على طلبهم ذاك، إذ قال سبحانه:

(ما كانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْركينَ وَلَوْ كانُوا اُوْلي قَرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبيَِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحابُ الْجَحْيمَ و ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيْمَ لأَبيْه إلا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إيّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌ للّه تَبَرَّاَ مِنْهُ إنَّ إبْراهيْمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ)(1) .

إنَّ ثمة قرائن كثيرة تدل على أنّ محادثة النبيّ «إبراهيم» وحواره مع «آزر» ووعده بطلب المغفرة له من اللّه سبحانه قد انتهى إلى قطع العلاقات،


1 - التوبة: 113 و 114 .


(133)

والتبرّي منه في عهد فتوَّة «إبراهيم»، وشبابه، اى عندما كان «إبراهيم» لا يزال في مسقط رأسه «بابل» ولم يتوجه بعد إلى فلسطين ومصر وأرض الحجاز.

إننا نستنتج من هذه الآية أن «إبراهيم» قطع علاقته مع «آزر» ـ في أيام شبابه ـ بعد ما أصرّ «آزر» على كفره، ووثنيته، ولم يعد يذكره إلى آخر حياته .

2- لقد دعا «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ في اُخريات حياته ـ أي في عهد شيخوخته ـ وبعد أن فرغ من تنفيذ مهمته الكبرى (تعمير الكعبة) واسكان ذريته في أرض مكة القاحلة، دعا وبكل اخلاص وصدق جماعة منهم والداه، وطلب من اللّه إجابة دعائه، إذ قال في حين الدعاء:

(رَبَّنا اغْفِرْليْ وَ لوالدىّ وَ لِلمؤمِنينْ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب)(1) .

إنَ هذه الآية تفيد بصراحة ـ أن الدعاء المذكور كان بعد الفراغ من بناء الكعبة المعظمة، وتشييدها، يوم كان إبراهيم يمر بفترة الشيخوخة، فاذا كان مقصودُه من الوالد في الدعاء المذكور هو «آزر» وانه المراد له المغفرة الالهية كان معنى ذلك أن «ابراهيم» كان لم يزل على صلة بـ «آزر» حتّى أنه كان يستغفر له في حين أن الآية التي نزلت رداً على طلب المشركين أوضحت بأن «إبراهيم» كان قد قطع علاقاته بـ «آزر» في أيّام شبابه، وتبرّأ منه، ولا ينسجم الاستغفار مع قطع العلاقات .

إن ضَمَّ هاتين الآيتين بعضهما إلى بعض يكشف عن أنّ الّذي تبرّأ منه «ابراهيم» في أيام شبابه، وقطع علاقاته معه، واتخذوه عدواً هو غير الشخص الّذي بقي يذكره، ويستغفر له إلى اُخريات حياته(2) .

إبراهيم محطِّم الأَصنام:

لقد حلَّ موسم العيد، وخرج أهلُ بابل المغفّلين الجهلة إلى الصحراء للاستجمام، ولقضاء فترة العيد، وإجراء مراسيمه، وقد أخلوا المدينة .


1 - إبراهيم: 41 .
2 - مجمع البيان: ج 3، ص 321، والميزان: ج7، ص 170 .


(134)

ولقد كانت سوابق «إبراهيم»، وتحامله على الأصنام، واستهزاؤه بها قد أوحدت قلقاً وشكاً لدى أهل بابل، ولهذا طلبوا منه ـ وهم الذين يساورهم القلق من موقفه تجاه اصنامهم ـ الخروج معهم إلى الصحراء، والمشاركة في تلك المراسيم، ولكن اقتراحهم هذا بل إصرارهم واجه رفض إبراهيم الّذي رد على طلبهم بحجة المرض إذ قال: «إنّي سَقِيم» وهكذا لم يشترك في عيدهم، وخروجهم وبقي في المدينة .

حقاً لقد كان ذلك اليوم يوم ابتهاج وفرح للموحد والمشرك، وأمّا للمشركين فقد كان عيداً قديماً عريقاً يخرجون للاحتفال به، واقامة مراسيمه وتجديد ما كان عليه الآباء والاسلاف إلى الصحراء حيث السفوح الخضراء والمراع الجميلة .

وكان عيداً لإبراهيم بطل التوحيد كذلك، عيداً لم يسبق له مثيل، عيداً طال انتظارُه، وافرح حضوره وحلوله، فها هو إبراهيم يجد المدينة فارغة من الاغيار، والفرصة مناسبة للانقضاض على مظاهر الشرك والوثنية، وحدث هذا فعلا .

فعندما خرج آخر فريق من اهل بابل من المدينة، إغتنم «إبراهيم» تلك الفرصة ودخل وهو ممتلئ ايماناً ويقيناً باللّه في معبدهم حيث الأصنام والأوثان المنحوتة الخاوية، وأمامها الأطعمةُ الكثيرة الّتي احضرها الوثنيون هناك بقصد التبرك بها، وقد لفتت هذه الأطعمة نظر «الخليل» ـ عليه السلام ـ ، فأخذ بيده منها كسرة خبز، وقدمها مستهزء إلى تلك الاصنام قائلا: لماذا لا تأكلون من هذه الاطعمة؟

ومن المعلوم أن معبودات المشركين الجوفاء هذه لم تكن قادرة على فعل اي شيء أو حركة مطلقاً فكيف بالاكل .

لقد كان يخيم على جوّ ذلك المعبد الكبير سحابة من الصمت القاتل ولكنه سرعان ما اخترقته اصوات المعلول الّذي اخذ «إبراهيم» يهوي به على رؤوس تلك التماثيل الجامدة الواقفة بلا حراك، وايديها .

لقد حطم «الخليل» ـ عليه السلام ـ جميع الاصنام وتركها ركاماً من الاعواد المهشمة، والمعدن المتحطم، وإذا بتلك الاصنام المنصوبة في اطراف ذلك الهيكل


(135)

قد تحولت إلى تلة في وسط المعبد .

غير ان «ابراهيم» ترك الصنم الأكبر من دون ان يمسه بسوء، ووضع المعول على عاتقه، وهو يريد بذلك ان يظهر للقوم بأن محطِمَ تلك الأَصنام هو ذلك الصنمُ الكبير، إلاّ أن هدفه الحقيقي من وراء ذلك كان امراً آخراً سنبينهُ في ما بعد .

لقد كان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ يعلم بأنَّ المشركين بعد عودتهم من الصحراء، ومن عيدهم سيزورون المعبد، وسوف يبحثون عن علة هذه الحادثة، وأنهم بالتالي سوف يرون ان وراء هذه الظاهرة واقعاً آخر، إذ ليس من المعقول ان يكون صاحب تلك الضربات القاضية هو هذا الصنم الكبير الّذي لا يقدر اساساً على فعل شيء على الاطلاق .

وفي هذه الحالة سوف يستطيع «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ أن يستفيد من هذه الفرصة في عمله التبليغي ويستغل اعتراضهم بأن هذا الصنم الكبير لا يقدر على شيء أبداً، لتوجيه السؤال التالي اليهم: اذن كيف تعبدونه؟!!

فمنذ أن اخذت الشمس تدنو إلى المغيب ويقتربُ موعد غروبها، وتتقلص اشعتها وتنكمش من الرَّوابي والسهول، أخذَ الناسُ يؤوبون إلى المدينة أفواجاً افواجاً .

وعند ما آن موعد العبادة، وتوجّهوا إلى حيث اصنامهم، واجهوا منظراً فضيعاً وامراً عجيباً لم يكونوا ليتوقَّعونه!!

لقد كان المشهد يحكي عن ذلة الآلهة وحقارتها، وهو أمرٌ لفت نظر الجميع شيباً وشبّاناً، كباراً وصغاراً .

ولقد كانت تلك اللحظة لحظة ثقيلة الوطأة على الجميع بلا استثناء .

فقد خَيَّم سكوتٌ قاتلٌ مصحوب بحنق ومضض على فضاء ذلك المعبد المنكود الحظ.

إلا أن أحدهم خرق ذلك الصمت الرهيب وقال: من الّذي ارتكب هذه الجريمة، ومن فعل هذا بالهتنا؟!


(136)

ولقد كانت آراء «إبراهيم» ومواقفه السلبية السابقة ضد الاصنام وتحامله الصريح عليها تبعثهم على اليقين بأن «إبراهيم» وليس سواه هو الّذي صنع ما صنع بآلهتم واصنامهم .

ولأجل ذلك تشكلت فوراً محكمة يرأسها «نمرود» نفسه وأخذوا يحاكمون «ابراهيم» واُمه!!

ولم يكن لاُمه من ذنب إلا أنها أخفت ابنها، ولم تُعلِم السلطات بوجوده ليقضوا عليه، شأنه شأن غيره من المواليد الذين قضت تلك السلطة الظالمة عليهم حفاظاً على نفسها وكيانها .

ولقد أجابت اُم إبراهيم على هذا السؤال بقولها: أيها الملك فعلت هذا نظراً مني لرعيّتك، فقد رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت: إن كان هذا الّذي يطلبه دفعتُه إليه ليقتله ويكف عن قتل أولاد الناس، وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا .

ثم جاء دور مساءلة إبراهيم ـ عليه السلام ـ فسأله قائلا: (مَنْ فَعَلَ هذا بآلهَتنا يا إبْراهيْم) فقال إبراهيم: (فَعَلهُ كَبيْرُهمْ هذا فاْسأَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُون).

وقد كان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ يهدف من هذه الاجابة اللامبالية المصحوبة بالسخرية والازدراء هدفاً آخر، وهو ان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ كان على يقين بأنهم سيقولون في معرض الاجابة على كلامه هذا: إنك تعلم يا إبراهيم ان هذه الأصنام لا تقدر على النطق، وفي هذه الصورة يستطيع «إبراهيم» أن يُلفت نظر السلطات الّتي تحاكمه إلى نقطة اساسية .

وقد حدث فعلا ما كان يتوقعه «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ لما قالوا له وقد نكسوا على رؤوسهم: «لقد عَلِمْتَ ما هؤلاء يَنْطِقُونَ» فقال إبراهيم رداً على كلامهم هذا الّذي كان يعكس حقارة تلك الاصنام والأوثان وتفاهة شأنها: (اَفتَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ وَ لا يَضُرُّكُمْ اُفّ لكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أفَلا تَعْقِلُون) .

إلاّ أنَّ تلك الزمرة المعاندة الّتي ران على قلوبها الجهلُ والتقليدُ الأعمى لم


(137)

يجدوا جواباً لأبراهيم الّذي افحمهم بمنطقه الرصين الاّ أن يحكموا باعدامه حرقاً، فأَوقدوا ناراً كبيرة وألقوا بإبراهيم ـ عليه السلام ـ فيها إلاّ أن العناية الالهية شملت إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ، وحفظته من اذى تلك النار، وحولت ذلك الجحيم الّذي اوجده البشر، إلى جُنينة خضراء نضرة إذ قال: (يا نارُ كُوني بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إبْراهِيْم)(1).

العِبَر القيمة في هذه القصة:

مع ان اليهود يعتبرون أنفسَهم في مقدمة الموحِّدين، لم ترد هذه القصة في ثوراتهم الحاضرة رغم كونها معروفة بينهم، بل تفرّد القرانُ الكريم من بين الكتب السماوية بذكرها لأهميتها .

من هنا فإننا نذكرُ بعض النقاط المفيدة، والدروس المهمة في هذه القصة الّتي يَهدِفُ القرآن من ذكرها وذكر امثالها من قصص الأنبياء والرسل .


1 - وقد ذكر تفاصيل هذه القصة في الآيات 51 إلى 70 من سورة الانبياء وها نحن ندرج كل هذه الآيات هنا:
(وَ لَقَد آتَيْنا إبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنّا بِهِ عالِميْن. إذْ قالَ لأَبيهِ وَ قومِه ما هذه الْتَّماثِيلُ الّتي أنْتُمْ لَها عاكِفونَ. قالُوا وَجَدْنا آباءنا لَها عابديْن قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ وَ آباؤكُمْ في ضَلال مُبين. قالوا اجتنا بالْحق أمْ اَنتَ من اللاعبينَ قالَ بَل ربكم ربُ السماواتِ والأَرض الَّذي فطرهُنَّ وأَنا على ذلِكُمْ مِنَ الشاهدينَ وَ تالله لأَكيْدَنَّ أَصنامكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبرين. فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إلاّ كَبيْراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إليْهِ يَرْجِعُونَ. قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِالهَتِنا إنَّهُ لِمَنَ الظّالِمينَ. قالُوا سَمِعْنا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْراهيْمَ. قالُوا: فَاتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هذا بآلِهَتِنا يا إبْراهيمَ. قال بَلْ فَعَلَهُ كَبْيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَرجَعُوا إلى أنفُسِهِمْ فقالُوا إنَّكُمْ أنتمُ الظّالِمونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدء عَلِمْتَ ما هؤُلاء يَنْطِقُونَ. قالَ: اَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّهِ ما لا يَنْفَعكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ. اُفّ لَكُمْ وَ لما تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه أفَلا تَعْقِلُونَ قالُوا حَرَّقُوهُ وَانْصُرُوا الِهَتكُمْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ. قلْنا يا نارُ كُونيْ بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إبراهيْمَ. وَ أَرادُوا به كَيْداً فَجَعَلْناهُمْ الأَخْسرينَ).
وللوقوف على تفاصيل وخصوصيات ولادة إبراهيم عليه السَّلام وتحطيمه للأصنام راجع كتاب الكامل لابن الأثير: ج 1، ص 53 ـ 62، وبحارالأنوار: ج 12، ص 14 ـ 55 .


(138)

1- إن هذه القصة خير شاهد على شجاعة «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ وبطولته الفائقة .

فعزم ابراهيم على تحطيم الاصنام، ومحق وهدم كل مظاهر الشرك والوثنية المقيتة لم يكن امراً خافياً على النمروديين لانه ـ عليه السلام ـ كان قد أظهر شجبه لها، واعلن عن استنكاره لعبادتها وتقديسها من خلال كلماته القادحة فيها، واستهزائه بها، فقد كان ـ عليه السلام ـ يقول لهم بكل صراحة بانه سيتخذ من تلك الاصنام موقفاً مّا إذا لم يتركوا عبادتها وتقديسها، فقد قال لهم يوم ارادوا ان يخرجوا إلى الصحراء لمراسيم العيد: (وَ تاللّه لأَكيْدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُّوا مُدْبِريْن)(1) .

ولقد كان موقف الخليل ـ عليه السلام ـ ينم عن شجاعة كبرى فقد قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في هذا الصدد:

«ومنها (اي وممّا تحلّى به النبىّ ابراهيم) الشجاعة وقد كشفت (قضيةُ) الاصنام عنه، ومقاومة الرجل الواحد اُلوفاً من أعداء اللّه عزّوجلّ تمام الشجاعة»(2) .

2ـ ان ضربات «إبراهيم» القاضية وان كانت في ظاهرها حرباً مسلحة، وعنيفة ضد الاصنام إلا أن حقيقة هذه النهضة ـ كما يُستفاد من ردود «إبراهيم» على أسئلة الذين حاكموه، واستجوبوه ـ كانت ذات صبغة تبليغية دعائية .

فان «إبراهيم» لم يجد وسيلة لا يقاظ عقول قومه الغافية، وتنبيه فطرهم الغافلة، إلا تحطيم جميع الاصنام، وترك كبيرها وقد علق القدوم على عاتقه ليدفع بقومه إلى التفكير في القضية من اساسها وحيث أن العمل لم يكن اكثر من مسرحية إذ لا يمكن أن يصدق أحدهم بأن تلك الضربات القاضية كانت من صنع ذلك الصنم الكبير وفعله حينئذ يستطيع إبراهيم أن يستثمر فعله هذا في دعوته، ويقول انَّ هذا الصنم الكبير لا يقدر ـ وباعترافكم ـ على فعل أىّ شيء


1 - الأنبياء: 57 .
2 - بحارالأنوار: ج 12، ص 67 .


(139)

مهما كان صغيراً وحقيراً فكيف تعبدونه اذن؟!

ولقد استفاد «إبراهيم» من هذه العملية فعلا، وتوصل إلى النتيجة الّتي كان يتوخاها، فقد ثابوا إلى نفوسهم بعد ان سمعوا كلمات «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ ، واستيقظت ضمائرهم وعقولهم ووصفوا انفسهم بالظلم بعد أن تبيّن لهم الحق وبطل ما كانوا يعبدون إذ قال تعالى: (فَرجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكُمْ أَنْتُمْ الظّالِمُون)(1) وهذا بنفسه يفيد بأن سلاح الانبياء القاطع في بدء عملهم الرسالي كان هو: سلاح المنطق والاستدلال ليس إلا، غاية الأمر أن هذا كان يؤدي في كل دورة بما يناسبها من الوسائل، وإلاّ فما قيمة تحطيم عدد من الأَصنام الخشبية بالقياس إلى مخاطرة النبىّ «ابراهيم الخليل» بنفسه وحياته، وبالقياس إلى الاخطار الّتي كانت تتوجه إليه نتيجة هذا العمل الصارخ .

إذن فلابد ان يكون وراء هذه العملية الخطيرة هدفٌ كبيرٌ وخدمة عظمى تستحق المخاطرة بالنفس، ويستحق المرء امتداح العقل له إذا عرّض حياته للخطر في سبيلها .

3ـ لقد كان إبراهيم يعلم بأن هذا العمل سيؤدي بحياته، وسيكون فيه حتفه، فكانت القاعدة تقتضي أن يسيطر عليه قلقٌ واضطرابٌ شديدان، فيتوارى عن اُعين الناس، أو يترك المزاح، والسخرية بالأَصنام على الأقل، ولكنه كان على العكس من ذلك رابط الجأش، مطمئن النفس، ثابتَ القدم، فهو عندما دخَلَ في المعبد الّذي كانت فيه الأصنامُ تقدم بقطعة من الخبز إلى الاصنام ودعاها ساخراً بها، إلى الاكل، وثم ترك الأَصنام بعد اليأس منها تلاّ من الخشب المهشم، واعتبر هذا الامرَ مسألة عادية لا تستأهل الوَجلَ والخوف، وكأنه لم يفعل ما يستتبع الموت المحقَّق ويستوجب الاعدام المحتّم .

فهو عندما يأخذ مكانه امام هيئة القضاة يقول معرضاً بالاصنام: فعله كبير الأصنام فاسئلوه ولا شك أن هذا التعريض والسخرية بالاصنام إنما هو موقف من


1 - الأنبياء: 64 .


(140)

لا يوجس خيفة، ولا يشعر بوجَل من عمله، بل هو فعل من قد هيّأ نفسه لكل الاخطار المحتملة، واستعد لكل النتائج مهما كانت خطيرة .

بل الأعجبُ من هذا كله دراسة وضع «إبراهيم» نفسه حينما كان في المنجنيق وقد تيقّن أنه سيكون وسط ألسنة اللهب بعد هنيئة، وتلتهمه النار المستعرة تلك النار الّتي جمع اهل «بابل» لها الحطب الكثير تقرباً إلى آلهتهم، وكانوا يعتبرون ذلك العمل واجباً مقدساً... تلك النار الّتي كان لهيبا من القوة بحيث ما كانت الطيور تستطيع من التحليق على مقربة منها .

في هذه اللحظة الخطيرة الحساسة جاءه جبرئيل واعلن عن استعداده لانقاذه وتخليصه من تلك المهلكة الرهيبة قائلا له: هل لك إلىّ من حاجة؟

فقال «إبراهيم»: أما إليك فلا، وأما إلى ربِّ العالمين فنعم(1).

ان هذا الجواب يجسِّدُ ايمان «إبراهيم» العظيم، وروحه الكبرى .

لقد كان «نمرود» الّذي جلس يراقب تلك النار من عدة فراسخ، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانتقام، وكان يحب ان يرى كيف تلتهم ألسنة النار «إبراهيم». فما أرهب تلك اللحظات !

لقد اشتغل المنجنيقُ، وبهزّة واحِدة اُلقي بإبراهيم ـ عليه السلام ـ في وسط النار غير أَن مشيئة اللّه، وارادته النافذة تدخلت فوراً لتخلص خليل اللّه ونبيه العظيم، فحوّلت تلك النّار المحرقة الّتي أوقدتها يَدُ البشر إلى روضة خضراء وجنينة زاهرة ادهشت الجميع حتّى أَنَّ «إبراهيم» التفت إلى «آزر» وقال ـ من دون ارادته ـ : «يا آزر ما اكرم إبراهيم على ربّه»(2).

إن انقلاب تلك النّار الهائلة إلى روضة خضراء لإبراهيم قد تمّ بأمر اللّه المسبب للإسباب والمعطل لها متى شاء، المعطي لها آثارها، والسالب عنها ذلك، متى اراد .


1 - عيون أخبار الرضا: ص 136، وأمالي الصدوق: ص 274، وبحارالأنوار: ج 12، ص 35.
2 - تفسير البرهان: ج 3، ص 64 .


(141)

اجل إن اللّه الّذي منح الحرارة للنّار والاضاءة للقمر، والاشعاع للشمس لقادر على سلب هذه الآثار وانتزاعها من تلك الاشياء وتجريدها، ولهذا صحَّ وصفُه بمسبب الاسباب، ومعطلها .

غير ان جميع هذه الحوادث الخارقة والآيات الباهرة لم تستطع ان توفر لابراهيم الحرية الكاملة في الدعوة والتبليغ، فقد قررت السلطة الحاكمة وبعد مشاورات ومداولات إبعاد «إبراهيم» ونفيه، وقد فتح هذا الأَمرُ صفحة جديدة في حياة ذلك النبىّ العظيم، وتهيأت بذلك اسبابُ رحلته إلى بلاد الشام وفلسطين ومصر وارض الحجاز .

هجرة الخليل

ـ عليه السلام ـ :

لقد حكمت محكمة «بابل» على «إبراهيم» بالنفي والإبعاد من وطنه، ولهذا اضطرّ ـ عليه السلام ـ ان يغادر مسقط رأسه، ويتوجه صوبَ فلسطين ومصر، وهناك واجه استقبال العمالقة الذين كانوا يحكمون تلك البقاع وترحيبهم الحار به ونعم بهداياهم الّتي كان من جملتها جارية تدعى «هاجر» .

وكانت زوجته «سارة» لم تُرزق بولد إلى ذلك الحين، فحركت هذه الحادثة عواطافها ومشاعرها تجاه زوجها الكريم إبراهيم ولذلك حثته على نكاح تلك الجارية عله يُرْزَقُ منها بولد، تقرّ به عينه وتزدهر به حياته .

فكان ذلك، وولدت «هاجر» لإبراهيم ولداً ذكراً سمي باسماعيل، ولم يمض شيء من الزمان حتّى حبلت سارة هي أيضاً وولدت ـ بفضل اللّه ولطفه ـ ولداً سمي باسحاق(1) .

وبعد مدة من الزمان أمر اللّه تعالى «إبراهيم» بان يذهب بإسماعيل واُمه «هاجر» إلى جنوب الشام «أي ارض مكة» ويُسكِنهما هناك في واد غير معروف إلى ذلك الحين... واد لم يسكنه أحدٌ بل كانت تنزل فيه القوافل التجارية


1 - بحارالأنوار: ج 12، ص 118 و 119 .


(142)

الذاهبة من الشام إلى اليمن، والعائدة منها إلى الشام، بعض الوقت ثم ترحل سريعاً، وأما في بقية أوقات السنة فكانت كغيرها من أراضي الحجاز صحراء شديدة الحرارة، خالية عن أي ساكن مقيم .

لقد كانت الاقامة في مثل تلك الصحراء الموحشة عملية لا تطاق بالنسبة لأمرأة عاشت في ديار العمالقة والفت حياتهم وحضارتهم، وترفهم وبذخهم .

فالحرارة اللاهبة والرياح الحارقة في تلك الصحراء كانت تجسّد شبح الموت الرهيب امام ابصار المقيمين .

وإبراهيم نفسه قد انتابته كذلك حالةٌ من التفكير والدهشة لهذا الامر، ولهذا فإنّه فيما كان عازماً على ترك زوجته «هاجر» وولده «إسماعيل» في ذلك الواد قال لزوجته «هاجر» وعيناه تدمعان: «إن الّذي أمرني أن أضعَكُمْ في هذا المكان هو الّذي يكفيكم» .

ثمّ قال في ضراعة خاصة: (ربِّ اجْعِلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ اْرزُقْ أهْلَهُ مِنَ الَثمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّه وَ الْيَوْمِ الآخِر)(1) .

وعندما انحدر من ذلك الجانب من الجبل التفت اليهما وقال داعياً: (رَبَّنا إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتي بِواد غَيْر ذِيْ زَرْع عِنْد بَيْتكَ الُمحَرَّم رَبَّنا لِيُقيْمُوا الصّلاة فَاجْعَلْ أفْئدَةً مِنَ النّاسِ تَهْويْ إلَيْهِمْ وَ اْرزُقْهُمْ مِنَ الَّْثمراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون)(2) .

إنَ هذا السفرة والهجرة وإن كانت في ظاهرها امراً صعباً، وعملية لا تطاق، إلا أن نتائجها الكبرى الّتي ظهرت في ما بعد أوضحت وبيّنت أهميّة هذا العمل، لأنّ بِناء الكعبة، وتأسيس تلك القاعدة العظمى لأهل التوحيد، ورفع راية التوحيد في تلك الربوع، وخلق نواة نهضة، عميقة، دينية، انبثقت على يد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وشعّت من تلك الديار إلى أنحاء العالم، كلُ ذلك كان من ثمار تلك الهجرة .


1 - البقرة: 126 .
2 - إبراهيم: 37 .


(143)

عين زمزم كيف ظهرت؟

لقد غادر «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ أرض مكة تاركاً زوجته وولده «إسماعيل» بعيون دامعة، وقلب يملأوه الرضا بقضاء اللّه والامل بلطفه وعنايته .

فلم تمض مدة إلا ونفد ما ترك عندهما من طعام وشراب، وجف اللبن في ثديي «هاجر»، وتدهورت أحوال الرضيع «إسماعيل»، وكانت دموع الام الحزينة تنحدر على حجره، وهي تشاهد حال وليدها الّذي قد أخذ العطش والجوع منه مأخذاً .

فانطلقت من مكانها فجأة تبحث عن الماء حتّى وصلت إلى جبل «الصفا» فرأت من بعيد منظر ماء عند جبل «مروة»، فاسرعت إليه مهرولة، غيران الّذي رأته وظنته ماء لم يكن الاّ السراب الخادع، فزادها ذلك جزعاً وحزناً على وليدها ممّا جعلها تكرر الذهاب والاياب إلى الصفا والمروة أملا في أن تجد الماء ولكن بعد هذا السعي المتكرر، والذهاب والاياب المتعدد بين الصفا والمروة عادت إلى وليدها قانطةً يائسةً .

كانت أنفاس الرضيع الظامىء ودقّات قلبه الصغير قد تباطأت بل واشرفت على النهاية، ولم يعد ذلك الرضيع الظامىء قادراً على البكاء ولا حتّى على الانين.

ولكن في مثل هذه اللحظة الحرجة الصعبة استجاب اللّه دعاء خليله و حبيبه «إبراهيم»، إذ لاحظت هاجر الماء الزلال وهو ينبع من تحت اقدام «اسماعيل» .

فسرت تلك الام المضطربة ـ الّتي كانت تلاحظ وليدها وهو يقضي اللحظات الاخيرة من حياته، وكانت على يقين بانه سرعان ما يموت عطشاً، وجهداً ـ سروراً عظيما بمنظر الماء، وبرق في عينيها بريق الحياة، بعد ان اظلمت الدنيا في عينيها قبل دقائق، فشربت من ذلك الماء العذب، وسقت منه رضيعها الظامىء، وتقشعت بلطف اللّه وعنايته وبما بعثه من نسيم الرحمة الربانية كل غيوم اليأس، وسحُب القنوط الّتي تلبدت وخيمت على حياتها .


(144)

ولقدادى ظهور هذه العين الّتي تدعى بزمزم في ان تتجمع الطيور في تلك المنطقة و تحلق فوق تلك البقعة الّتي لم يُعهد أن حلَّقت عليها الطيور، وارتادتها الحمائم، وهذا هو ما دفع بجرهم وهي قبيلة كانت تقطن في منطقة بعيدة عن هذه البقعة ان تتنبه إلى ظهور ماء فيها لمارأت تساقط الطيور وتحليقها، فأرسلت واردين ليتقصيا لها الخبر ويعرفا حقيقة الأمر، وبعد بحث طويل وكثير، انتهيا إلى حيث حلت الرحمة الالهية، وعندما اقتربا إلى «هاجر» وشاهدا بام عينيهما «امرأة» و «طفلا» عند عين من الماء الزلال الّذي لم يعهداه من قبل عادا من فورهما من حيث أتيا، وأخبرا كبار القبيلة بما شاهداه، فاخذت الجماعة تلو الجماعة من تلك القبيلة الكبيرة تفد إلى البقعة المباركة، وتخيم عند تلك العين لتطرد عن «هاجر» وولدها مرارة الغربة، ووحشة الوحدة، وقد سبب نمو ذلك الوليد المبارك ورشده في رحاب تلك القبيلة في ان يتزوج إسماعيل هذا من تلك القبيلة، ويصاهرهم، وبذلك يحظى بحمايتهم له، وينعم بدفاعهم ورعايتهم ومحبتهم له. فانه لم يمض زمانٌ حتّى أختار «إسماعيل» زوجة من هذه القبيلة، ولهذا ينتمي ابناء «إسماعيل» إلى هذه القبيلة من جهة الاُم .

تجديد اللقاء:

كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد أن ترك زوجته «هاجر» وولده «إسماعيل» في ارض «مكة» بأمر اللّه، يتردد على ولده بين فينة واُخرى .

وفي احدى سفراته ولعلّها السفرة الاُولى دخل «مكة» فلم يجد ولده «إسماعيل» في بيته، وكان ولده الّذي أصبح رجلا قوياً، قد تزوج بامرأة من جرهم .

فسأل «إبراهيم» زوجته قائلا: اين زوجك؟ فقالت: خرج يتصيَّد، فقال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: ليس عندي شيء وما عندي أحد، فقال لها إبراهيم: «إذا جاء زوجك فأَقرئيه السلام وقولي له: فَلْيغيّر عتبة بابه» .


(145)

وذهب إبراهيم ـ عليه السلام ـ منزعجاً من معاملة زوجة ابنه «إسماعيل» له وقد قال لها ما قال .

ولمّا جاء إسماعيل ـ عليه السلام ـ وجد ريح ابيه فقال لامرأته: هل جاءك احد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخّفِة بشأنه، قال: فماذا قال لك: قالت: قال لي أقْرئي زوجك السلام وقولي له: فليغيّر عتبة بابه!!

فطلقها وتزوج اُخرى، لأن مثل هذه المرأة لا تصلح ان تكون زوجة وشريكة حياة(1) .

وقد يتساءل أحد: لماذا لم يمكث إبراهيم ـ عليه السلام ـ هناك قليلا ليرى ولده إسماعيل بعد عودته من الصيد، وقد قطع تلك المسافة الطويلة، وكيف سمح لنفسه بان يعود بعد تلك الرحلة الشاقة من دون ان يحظى برؤية ابنه العزيز؟!

يجيب ارباب التاريخ على ذلك بان إبراهيم انما استعجل في العودة من حيث اتى لوعد اعطاه لزوجته سارة بأن يعود اليها سريعاً، ففعل ذلك حتّى لا يخلف. وهذا من اخلاق الانبياء .

ثمّ إن «إبراهيم» سافر مرة اُخرى إلى أرض مكة بأمر اللّه، وليبني الكعبة الّتي تهدمت في طوفان «نوح»، ليوجّه قلوب المؤمنين الموحدين إلى تلك النقطة .

إن القرآن الكريم يشهد بأن أرض «مكة» قد تحولت إلى مدينة بعد بناء الكعبة قبيل وفاة إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، لأن إبراهيم دعا بُعَيد فراغه من بناء الكعبة قائلا:

(رَبِّ اجْعَلْ هذا البَلَد آمِناً وَ اجْنُبْني وَ بَنِىِّ أنْ نَعْبُدَ الأَصْنام)(2) على حين دعا عند نزوله مع زوجته، وابنه إسماعيل في تلك الأَرض قائلا:

(رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً)(3) .

وهذا يكشف عن ان مكة تحولت إلى مدينة عامرة في حياة الخليل


1 - بحارالأنوار: ج 12، ص 112 نقلا عن قصص الأنبياء .
2 - إبراهيم: 35 .
3 - البقرة: 126 .


(146)

ـ عليه السلام ـ ، بعد ان كانت صحراء قاحلة، وواد غير ذي زرع .

* * *

ولقد كان من المُستحْسَن اسْتكمالا لهذا البحث أن نشرح هنا كيفية بناء الكعبة المعظمة، ونستعرض التاريخ الاجمالى لذلك، بيد أننا لكي لا نقصر عن الهدف المرسوم لهذا الكتاب اعرضنا عن ذلك وعمدنا إلى ذكر بعض التفاصيل عن أبرز واشهر أجداد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في التاريخ .

2- قُصَىُّ بنُ كلاب:

إن أسلاف الرَّسول العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هم على التوالي: عَبْدُ اللّه، عَبْدالْمُطَّلِبْ، هاشِم، عبدُ مَناف، قُصّىّ، كِلابٌ، مُرَّة، كَعْب، لُؤىّ، غالِب، فِهْر، مالِك، النَضر، كِنانة، خُزيمَة، مدُركة، إلياس، مُضَر، نَزار، مَعدّ، عَدنان(1) .

من المسلّم أنّ نسب النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى عدنان هو ما ذُكر، فلا خلاف فيه، إنما وقع الخلاف في عدد، وهاسماء من هم بعد عدنان إلى إسماعيل ـ عليه السلام ـ ، ولذلك لم يجز التجاوز عنه لحديث رواه ابن عباس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذ قال: «إذا بَلَغَ نَسَبي إلى عَدْنان فأَمْسِكُوا»(2) هذا مضافاً إلى أَن النبىّ نفسه كان إذا عدّد أجداده فبلغ إلى عدنان أمسك، ونهى عن ذكر من بعده إلى إسماعيل، وقد روي عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: كَذِبَ النَسّابُونَ .

ولهذا فإننا نكتفي بذكر من اُتفِق عليه، ونعمد إلى الحديث عن حياة كلِ واحد منهم .

ولقد كان كلُ من ذكرنا أسماءهم هنا معروفين، ومشهورين في تاريخ


1 - التاريخ الكامل: ج 2، ص 2 ـ 21 .
2 - بحارالأنوار: ج 15، ص 105 عن مناقب ابن شهرآشوب، وكشف الغمّة: ج 1، ص 15 .


(147)

العرب، بيد أن حياة طائفة منهم ترتبط بتاريخ الإسلام، ولهذا فاننا نقف عند حياة «قصىّ» ومَن لحقه إلى والد النبىّ «عبداللّه» ونعرض عن ذكر حياة غيرهم من أجداده وأسلافه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّن لا علاقة له بهذه الدراسة(1).

أمّا «قُصَىّ» وهو الجدّ الرابع لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاُمّة «فاطمة» الّتي تزوجت برجل من بني كلاب ورزقت منه بولدين هما: «زهرة» و «قصي» إلاّ أن زوج فاطمة قد توفي، وهذا الاخير لم يزل في المهد، فتزوجت بزوج آخر يدعى ربيعة، وسافرت معه إلى الشام، وبقي «قصىّ» يحظى برعاية أبوية من ربيعة حتّى وقع خلاف بين قصىّ وقوم ربيعة، واشتد ذلك الخلاف حتّى انتهى إلى طرده من قبيلتهم، ممّا أحزن ذلك أُمّه، واضطرت إلى إرجاعه إلى «مكة» .

وهكذا اتت به يد القدر إلى «مكة»، وسبّبت قابلياته الكامنة الّتي برزت في تلك المدينة في تفوقه على أهل مكة وبخاصة قريش .

وسرعان ما احتلَّ قصىّ هذه المقامات العالية، وشغل المناصب الرفيعة، مثل حكومة «مكة» وزعامة قريش، وسدانة الكعبة المعظمة، وصار رئيس تلك الديار دون منازع .

ولقد ترك (قصىّ) من بعده آثاراً كثيرة وعديدة منها تشجيع الناس على بناء المساكن والبيوت حول الكعبة المعظمة، وتأسيس مكان للشورى ليجتمع فيه رؤساء القبائل العربية من اجل التداول في الامور وحل المشاكل يدعى بدار الندوة.

وقد توفي «قصىّ» في القرن الخامس الميلادي وخلف من بعده ولدين هما:

«عبد الدار» و «عبد مناف» .

3- عبدمناف:

وهو الجدّ الثالث لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واسمه «المغيرة» ولقبه


1 - لقد بحث ابن الأثير في الكامل حول حياتهم فراجع: ج 2، ص 15 ـ 21 .


(148)

«قمر البطحاء»، وكان أصغر من اخيه «عبدالدار» إلا أنه كان يحظى بمكانة خاصة عند الناس دون أخيه، وكان شعاره التقوى، ودعوة الناس إلى حسن السيرة وصلة الرحم، بيد انه مع ما كان له من المكانة القوية لم ينافس اخاه «عبدالدار» في المناصب العالية الّتي كان يشغلها .

فقد كانت الزعامة لاخيه عبدالدار حسب وصيّة أبيهما «قصىّ» .

ولكن بعد وفاة هذين الأَخوين وقع الخصام والتنازع بين أَبنائهما على المناصب، وانتهى ذلك بالصراع الطويل إلى اقتسام المناصب والمقامات، وتقرر ان يتولى ابناء عبدالدار سدانة الكعبة، وزعامة دار الندوة، ويتولى ابناء عبد مناف سقاية الحجيج وضيافتهم ووفادتهم .

وقد بقي هذا التقسيم المتفق عليه ساري المفعول إلى زمن ظهور الإسلام(1) .

4ـ هاشم:

وهو الجدُّ الثاني لنبي الإسلام واسمه «عَمْرو» ولقبه «العُلاء» وهو الّذي وُلِدَ مع «عبد شمس» توأمين، وأخواه الاخران هما: «المطلب» و «نوفل» .

هذا وثمة خلاف بين ارباب السيَر وكتاب التاريخ في أن هاشماً وعبد شمس كانا توأمين، وأن هاشما ولد واصبعٌ واحدة من اصابع قدمه ملصقة بجبهة «عبد شمس» وقد نزعت بسيلان دم، فتشاءم الناس لذلك(2) يقول الحلبي في سيرته: فكانوا يقولون: سيكون بينهما دم فكان بين ولديهما اي بين بني العباس


1 - لم تكن هناك مناصب للكعبة يوم اُسّست ورُفعَ قواعدُها بل حدث كل ذلك تدريجاً بحكم المقتضيات والتطوّرات، وكانت هذه المناصب التي استمرت إلى زمن ظهور الإسلام عبارة عن:
   1- سدانة الكعبة .
   2- سقاية الحجيج .
   3- رفادتهم وضيافتهم .
   4- زعامة المكيين وقيادة جيشهم. ولم يكن هذا الأخير منصباً ذا صبغة دينية .
2 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 13 .


(149)

(وهم من اولاد هاشم) وبين بني امية (وهم من اولاد عبد شمس)(1) .

وكأنّ كاتب السيرة قد تجاهل الحوادث المحزنة والمؤسفة الّتي وقعت بين بني امية وابناء علي ـ عليه السلام ـ في حين أن تلك الحوادث الدامية الّتي تسببها بنو امية واُهرقَت فيها دماء ذرية رسول الله وعترته الطاهرة، اقوى شاهد على تلك العداوة بين هاتين الطائفتين، ولكننا لا ندري لماذا تجاهل ذكرها مؤلف السيرة الحلبية ولم يشر اليها مطلقاً؟!

ثم ان من خصوصيات أبناء «عبد مناف» حسبما يُستفاد من الأدب الجاهلي، وما جاء فيه من أشعار، أنهم توفوا في مناطق مختلفة .

فهاشم ـ مثلا ـ توفي في «غزة» وعبد شمس مات في مكة، ونوفل في ارض العراق، والمطلب في ارض اليمن(2).

وكان من سجايا هاشم واخلاقه الفاضلة أنه كان كلّما هَلَّ هلال شهر ذي الحجة قام صبيحته، وأسند ظهره إلى الكعبة المشرفة، وخطب قائلا:

«يا معشر قريش إنكم سادة العرب وأحسنها وجوهاً، وأعظمها احلاماً (اي عقولا) وأوسط العرب (أي أشرَفها) أنساباً، واقرب العرب بالعرب أرحاماً .

يا معشر قريش إنكم جيرانُ بيت اللّه تعالى اكرمكُمُ اللّه تعالى بولايته، وخصكم بجواره، دون بني إسماعيل، وانه ياتيكم زوّار اللّه يعظمون بيته فهم أضيافه وأحق من اكرم أضياف اللّه انتم، فاكرموا ضيفه وزوّاره، فانهم يأتون شعثاً غبراً من كل بلد على ضوامر كالقداح، فاكرموا ضيفه وزوّار بيته، فوربّ هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرجٌ من طَيب مالي وحلاله ما لم يُقطعْ فيه رحم، ولم يؤخذْ بظلم، ولم يُدخل فيه حرامٌ، فمن شاء منكم ان يفعل مثل ذلك فعلَ، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجلٌ منكم من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلا طيباً لم يؤخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحمٌ، ولم يؤخذ غصباً»(3) .


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 5 .
3 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 6 .


(150)

ولقد كانت زعامة «هاشم» وقيادته نافعة للمكيّين من جميع النواحي، وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ في تحسين أوضاعهم .

ولقد سبّب كرمُه وما قام به من إطعام واسع في سنوات الجدب القاسية في تخفيف شدة الوطأة عن أهل مكة، وبالتالي ادى إلى عدم احساسهم بالقحط، وآثار الجدب .

كما أنّ من خطواته البارزة واعماله النافعة جداً لتحسين الحالة التجارية للمكيّين هو ما عقده مع أمير «غسان» من المعاهدة، الأمر الّذي دفع بأخيه «عبد شمس» إلى أن يعاهد أمير الحبشة، وبأخويه الآخرين «المطلب» و «نوفل» إلى ان يعاهدا أمير اليمن وملك ايران تكون القوافل التجارية بموجب تلك المعاهدات للجانبين في أمان، من العدوان والتعرض .

وقد أزالت هذه المعاهداتُ الكثير من المشاكل، وكانت وراء ازدهار التجارة في «مكة المكرمة» حتّى عهد بزوغ شمس الإسلام .

ثم ان من أعمال «هاشم» وخطواته النافعة تأسيسُه لرحلتي قريش اللتين يتحدث عنهما القرآن الكريم إذ يقول: «رحْلة الشتاء والصْيف» وهما رحلة إلى الشام، وكانت في الصيف، ورحلة إلى اليمن، وكانت في الشتاء، وقد استمرت هذه السيرة حتّى ما بعد ظهور الإسلام ايضاً .

اُميّة بن عبدشمس يحسد هاشماً:

ولقد حسد «اُمية بن عبد شمس» أبن أخي هاشم عمَّه «هاشماً» على ماحظي به من المكانة والعظمة، والنفوذ إلى قلوب الناس وجذبها نحوه بسبب خدماته واياديه، وما كان يقوم به من بذل وانفاق، وحاول جاهداً ان يقلده ويتشبه بهاشم في سلوكه ولكنه رغم كل ما قام به من جهود ومحاولات لم يستطع أن يتشبه به و يتخذ سيرته، وكما لم يستطع بايقاعه وطعنه به ان يُقلل من شأنه بل زاده رفعة وعظمة .

لقد كان لهيب الحسد في قلب «اُمية» يزداد اشتعالا يوماً بعد يوم، حتى


(151)

دفع به إلى ان يدعو عمَّه «هاشماً» للذهاب إلى كاهن من كهنة العرب للمنافرة عنده فتكون الرياسة والزعامة لمن يمدحه ذلك الكاهن، وكانت عظمة «هاشم» وسموّ مقامه تمنع من منافرة ابن اخيه (اُميّة) إلاّ أنه رضي بالمنافرة هذه تحت اصرار (اُميّة) بشرطين:

1- أن يعطي المغلوبُ خمسين من النيَاق سود الحدق تنحر بمكة .

2- جلاء المغلوب عن مكة عشر سنين .

ومن حسن الحظِّ أن ذلك الكاهن نَطق بمدح «هاشم» بمجرد أن وقعت عيناه عليه فقال: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر... لقد سبق هاشمُ اُميّة إلى المآثر» إلى آخر كلامه. وهكذا قضى لهاشم بالغلبة فأخذ الابل فنحرها وأطعمها واضطر أُمية إلى الجلاء عن مكة والعيش بالشام عشر سنين(1) .

وقد استمرتْ آثارُ هذا الحسد التاريخي إلى 130 عاماً بعد ظهور الإسلام، وتسببت في جرائم وفجائع كبرى عديمة النظير في التاريخ .

ثم ان القصة السابقة مضافاً إلى انها تبين مبدأ العداوة بين الأُمويين والهاشميين تبيّن أيضاً علل نفوذ الاُمويين في البيئة الشامية، ويتبين أن علاقات الأُمويين العريقة بأهل هذه المنطقة هي الّتي مَهّدت لقيام الحكومة الأموية في تلك الديار .

هاشم يَتَزوَّج...

كانت «سلمى» بنت «عمرو الخزرجي» امرأة شريفة في قومها، قد فارقت زوجها بطلاق، وكانت لا ترضى بالزواج من أحد، ولدى عودة «هاشم» من بعض أسفاره نزل في يثرب أياماً فخطبها إلى والدها، فرغبت سلمى فيه لشرفه في قريش، ولنبله وكرمه، ورضيت بالزواج منه بشرطين: أحدهما أن لا تلد ولدها


1 - الكامل لابن الاثير: ج 2، ص 10، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .


(152)

إلاّ في اهلها، وحسب هذا الاتفاق بقيت «سلمى» مع زوجها «هاشم» في مكة بعض الوقت حتّى إذا ظهر عليها آثار الحمل رجعت إلى: «يثرب» وهناك وضعت ولداً اسموه «شيبة». وقد اشتهر في ما بعد بـ «عبدالمطلب» .

وكتب المؤرخون في علة تسميته بهذا الاسم بأن هاشماً لما أحسّ بقرب انصرام حياته قال لاخيه «المطلب»: يا أخي أدرك عبدك شيّبة. ولذلك سُمّيَ شيبة بن هاشم: «عبدالمطلب» .

وقيل أن أحد المكيين مرّ على غلمان يلعبون في زقاق من ازقة يثرب، وينتضلون بالسهام، ولما سبق أحدُهم الآخرين في الرمي قال مفتخراً: «أنا ابنُ سيّد البطحاء» فسأله الرجل عن نسبه وابيه فقال: أنا شيبة بن هاشم بن عبدمناف، فلما قدم الرجلُ مكة اخبر «المطلب» أخي «هاشم» بما سمعه ورآه، فاشتاق «المطلبُ» إلى ابن أخيه فذهب إلى المدينة، ولما وقعت عيناه على ابن اخيه «شيبة» عرف شبه أخيه هاشم، وتوسَّم فيه ملامحه، ففاضت عيناه بالدموع، وتبادلا قُبُلات الشوق، والمحبة، وأراد أن ياخذه معه إلى «مكة» وكانت اُمُه تمانع من ذلك، ولكن ممانعتها كانت تزيد من عزم العمّ على أخذه إلى «مكة» واخيراً تحققت اُمنية العم فقد استطاع «المطلبُ» أن يحصل على اذن اُمه، فاردفه خلفه وتوجّه حدب «مكة» تدفعه رغبة طافحة إلى إيصاله إلى والده هاشم .

وفعلت شمسُ الحجاز واشعتها الحارقة فعلتها في هذه الرحلة فقد غيَّرت لون وجه شيبة وأبلت ثيابه، ولهذا ظنَّ أهل «مكة» عند دخوله مع عمه «مكة» أنه غلام اقتناه «المطلبُ» فكان يقول بعضهم لبعض: هذا عبدالمطلب، وكان المطلب ينفي هذا الامر، ويقول: إنما هو ابن أخي هاشم وما هو بعبدي، ولكن ذلك الظن هو الآخر فعل فعلتَه، وعُرف «شيبة» بعبد المطلب(1) .

وربما يقال: أن سبب شهرته بهذا الإسم هو انه تربى وترعرع في حجر عمّه


1 - الكامل لابن الاثير: ج 2، ص 6، وتاريخ الطبري: ج 2، ص 8 و 9، السيرة الحلبية: ج 1، ص 6 .


(153)

«المطلب» وكانت العربُ تسمي من يترعرع في حجر أحد وينشأ تحت رعايته عبداً لذلك الشخص تقديراً لجهوده وتثميناً لرعايته .

5- عبدُ المطّلب:

عبدُالمطّلب بن هاشم وهو الجدّ الأول للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان رئيس قريش وزعيمها المعروف، وكانت له مواقف بارزة، وأعمال عظيمة في حياته، وحيث أن ما وقع من الحوادث في ايام حكمه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الإسلام ولهذا يتعين علينا دراسة بعض تلكم الحوادث والوقائع .

لا شك أن المرء مهما تمتع بنفسية قوية فانه سيتأثر ـ في المآل ـ ببيئته وعاداتها، وتقاليدها، الّتي تصبغ فكره، بصبغة خاصة، وتطبع عقليته بطابع معين .

بيد أن هناك بين الرجال من يقاوم تاثير العوامل البيئية بمنتهى الشهامة والشجاعة، ويصون نفسه من التلوث بشيء من أدرانها وأقذارها .

وبطلُ حديثنا هنا هو احد النماذج الصادقة لاولئك الرجال العظماء لان في حياته صفحات مشرقة عظيمة، وسطوراً لا معة تنبىء عن نفسيته القوية، وشخصيته الشامخة.

فان الّذي يعيش ثمانين عاماً في وسط اجتماعي تسود فيه الوثنية، ومعاقرة الخمر، والربا، وقتل الأنفس البريئة، والفحشاء حتّى ان هذه الامور كانت من العادات والتقاليد الشائعة، ولكنه مع ذلك لم يعاقر الخمر طوال حياته، وكان ينهى عن القتل والخمر والفحشاء، ويمنع عن الزواج بالمحارم، والطواف بالبيت المعظم عرياناً، وكان ملتزماً بالوفاء بالعهد، واداء النذر بلغ الامر ما بلغ، لهو ـ حقاً ـ نموذجٌ صادقٌ من الرجال الذين يندر وجودُهم، ويقل نظيرهم في المجتمعات .

أجل إن شخصية اودعت يد المشيئة الربانية بين حناياها نور النبي الاكرم أعظم قائد عالمي، يجب ان يكون إنساناً طاهر السُلوك، نقىَّ الجيب منزهاً عن أي نوع من أنواع الانحطاط، والفساد .


(154)

هذا ويستفاد من بَعض قصصه وكلماته القصار أنه كان أحد الرجال المعدودين الذين كانوا يؤمنون باللّه واليوم الآخر في تلك البيئة المظلمة، وكان يردِّدُ دائماً: «لَنْ يخرج من الدنيا ظلومٌ حتّى ينتقم منه، وتصيبُه عقوبة... واللّه ان وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسنُ بإحسانِه، ويعاقَبُ فيها المسيء باساءته»(1) اي ان الظلوم شأنه في الدنيا أن تصيبه عقوبة، فاذا خرج ولم تصبه العقوبة فهي معدّة له في الآخرة .

ولقد كان «حرب بن اُمية» من أقربائه، وكان من اعيان قريش ووجوهها أَيضاً، وكان يجاور يهودياً فاتفق أن وقع بينه وبين حرب نزاع في بعض اسواق تهامة، تبودلت بينهما فيه كلمات جارحة، وانتهى ذلك إلى مقتل اليهودي بتحريك من «حرب»، ولما علم «عبدُالمطّلب» بذلك قطع علاقته بحرب، وسعى في أستحصال دية اليهودي المقتول من «حرب» ودفعها إلى اولياء القتيل، وهذه القصة تكشف عن حبّ عبدالمطلب للمستضعفين والمظلومين وحبه للحق والعدل .

حَفرُ زَمزَم:

منذ أن ظهرت عين زمزم نزلت عندها قبيلة جُرهم الّتي كانت بيدها رئاسة مكة طوال سنين مديدة، وكانت تستفيد من مياه تلك العين، ولكن مع ازدهار أمر التجارة في «مكة»، واقبال الناس على الشهوات والمفاسد آل الأمر إلى جفاف تلك العين، ونضوب مائها بالمرة(2) .

ويقال: أن قبيلة «جُرهُم» لما واجهت تهديداً من جانب قبيلة خزاعة


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .
2 - لا ريب أنّ تفشي الذنوب والمعاصي بين الناس من عوامل نزول البلايا والكوارث ولا يبعد أن تكون الأعمال المخزية من موجبات الجدب والقحط والمجاعات، وهذه الحقيقة مضافاً إلى انطباقها على القواعد الفلسفية ممّا صرح به القرآن الكريم والسنّة الشريفة، راجع سورة الأعراف، الآية: 96 .


(155)

واضطرت إلى مغادرة تلك الديار، وايقن زعيمها «مضامن بن عمرو» بانه سرعان ما يفقد زعامته، ويزول حكمه وسلطانه بفعل هجوم العدو، امر بان يُلقى الغزالان الذهبيان، والسيوف الغالية الثمن الّتي كانت قد اُهديت إلى الكعبة، في قعر بئر زمزم، ثم يملأ البئر بالتراب ويعفى اثره إعفاء كاملا حتّى لا يهتدي خصومه إلى مكانه ابداً، حتّى إذا عادت إليه زعامته وعاد إلى مكة استخرج ذلك الكنز الدفين، واستفاد منه. ثم نشب القتال بين «جرهم» و «خزاعة» واضطرت «جرهم» وكثير من ابناء اسماعيل إلى مغادرة «مكة المكرمة»، والتوجه إلى ارض اليمن، ولم يرجع أحدٌ منهم إلى «مكة» ابداً .

ووقعت زعامة مكة منذ هذا التاريخ بيد «خزاعة» حتّى بزغ نجم قريش في سماء مكة بوصول قصىّ بن كلاب (الجدَ الرابع لنبي الإسلام) إلى سدة الزعامة والرئاسة، ثم بعد مدة انتهى امر الزعامة إلى «عبدالمطلب» فعزم على أن يحفر بئر «زمزم» من جديد، ولكنه لم يعرف بموقع البئر معرفة كاملة حتّى إذا عثر عليه بعد بحث طويل قرّر ان يهيء هو و ولده «حارث» مقدمات ذلك.

وحيث أنه «يوجد في المجتمع دائماً من يتحجّج ويجادل ـ بسبب سلبيته ـ ليمنع من أي عمل ايجابي مفيد، انبرى منافسوا «عبدالمطلب» إلى الاعتراض على قراره هذا وبالتالي التفرد باعادة حفر بئر زمزم، لكيلا يذهب بفخر هذا العمل العظيم، وقالوا له: إنها بئر أبينا اسماعيل، وان لنا فيها حقاً فاشركنا معك» ولكن «عبدالمطلب» رفض هذا الطلب لبعض الاسباب، فقد كان «عبدالمطلب» يريد ان يتفرد بحفر زمزم، ويسبّل ماءها ليسقي منها جميع الحجيج دون مانع ولا منازع، ويحول بذلك دون المتاجرة به ولم يكن ليتسنى له ذلك إلاّ إذا قام بحفر زمزم بوحده دون مشاركة من قريش .

وقد آل هذا الأمر إلى النزاع الشديد فتقرر أن يتحاكموا إلى كاهن من كهنة العرب وعقلائهم والقبول بما يقضي به، فتوجه «عبدالمطلب» ومنافسوه إلى ذلك الكاهن وقطعوا الصحارى القاحلة بين الحجاز والشام، وفي منتصف الطريق أصابهم جهدٌ وعطش شديدان، ولمّا تيقَّنوا بالهلاك، وقرب الوفاة اخذوا


(156)

يفكرون في كيفية الدفن إذا هلكوا وماتوا، فاقترح «عبدالمطلب» ان يبادر كلُ واحد إلى حفر حفرته حتّى إذا أدركهُ الموت دفنه الآخرون فيها، فاذا استمر بهم العطش وهلكوا يكون الجميع (ماعدا من بقي منهم على قيد الحياة) قد اُقبروا، ولم تغد ابدانهم طعمة للوحوش والطيور فايَّد الجميع هذا الاقتراح(1)، واحتفر كل واحد منهم حفيرة لنفسه، وجلسوا ينتظرون الموت بوجوه واجمة، وعيون ذابلة، وفجأة صاح عبدالمطلب: «واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لانضربُ في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجزٌ» وحثهم على البحث عن الماء في تلك الصحراء بصورة جماعية عسى ان يجدوا ما ينقذهم من الموت، فركب عبدالمطلب وركب مرافقوه، واخذوا يبحثون عن الماء يائسين غير مصدّقين، ولم يمض شيء حتّى ظهرت لهم عين ماء عذبة انقذتهم من الموت المحتم، وعادوا من حيث جاؤوا وهم يقولون لعبدالمطلب: «قد واللّه قضى لك علينا يا عبدالمطلب، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً وتنازلوا له لينفرد بحفر زمزم ويكون إليه أمره دون منازع ،ولا شريك»(2) .

فعمد «عبدالمطلب» وولده الوحيد الحارث إلى حفر البئر، ونشأ من ذلك تلٌ هائلٌ من التراب حول البئر، وفجأة عثر «عبدالمطلب» على الغزالين المصاغين من الذهب، والسيوف المرصعة المهداة إلى الكعبة، فشبَّ نزاع آخر بين «قريش» وبين «عبدالمطلب» على هذه الاشياء، واعتبرت «قريش» نفسها شريكة في هذا الكنز، وتقرر ان يلجأوا إلى القرعة لحل هذا المشكلة، فخرجت القرعة باسم «عبدالمطلب»، وصار جميع ذلك الكنز إليه دون «قريش»، ولكن عبدالمطلب خصَ بتلك الاشياء الكعبة فصنع من السيوف باباً للكعبة، وعلق الغزالين الذهبيّين فيها .


1 - ولعلّ احجام الآخرين من الاداء بالاقتراح وهو اليأس المطلق من تحصيل الماء .
2 - تاريخ اليعقوبي: ج 1، ص 206، والسيرة النبوية: ج 1، ص 142 ـ 147 .

Website Security Test