welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(92)

الإمام علىّ يصف العهد الجاهلىّ:

وقد وصف الإمامُ علىّ أميرُالمؤمنين ـ عليه السلام ـ تلك الحالة في خطبه، وحيث أنه عاصر ذروة ذلك الوضع المأساوي ووصفه وصفاً دقيقاً لذلك ينبغي أنْ نقف عند كلامه قليلا ليتبين لنا جيداً ما كان عليه العربُ إبّان عهد الرسالة الإسلامية المباركة:

قال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (الثانية) من نهج البلاغة:

«... وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدَهُ وَ رَسوله أرْسَلَهُ بالدينِ المَشْهُور والعِلَم الماثور والكِتاب المَسْطُور والنُّور الساطِع، والضِياء اللامع، والأمر الصادع إزاحة للشُبهات واحتجاجاً بالبَّيِنات وَ تَحْذيراً بالآيات، وتَخْويفاً بالمُثلات(1) والناسُ في فتن انْجَذَم(2) فيها حَبْلُ الدِّينِ، وتزَعْزَعتْ سَواري(3)اليَقْينِ واْختَلَفَ النَجْرُ(4)، وتَشتَّتَ الأمرُ وَضاقَ الَمخْرَجُ، وعَمِىَ المَصْدَرُ فالهُدى خامِلٌ، والعَمى شامِلٌ، عُصِيَ الرَّحْمانُ و نُصِرَ الشَيْطانُ وَ خُذِلَ الإيْمانُ فَانْهارَت دَعائِمهُ،وتَنكَّرَتْ مَعالِمُهُ وَ دَرَست(5)سُبُلُه وعَفَت شُركه(6) أطاعُوا الشَيْطانَ فَسلكُوا مسالِكه، وورَدُوامناهِلَه(7) بِهِمْ سارتْ أعلامُه، وقامَ لِواؤُهْ في فِتَن داستْهُمْ بأَخْفافِها(8) ووَطئَتْهُمْ بِأَظْلافِها(9) وقامَتْ عَلى سَنابِكِها(10) فَهُمْ فيها تئهون حائرُونَ جاهِلُونَ مَفْتُونُونَ في خَيْر دار وَشَرِّ جِيْران نُومُهُمْ سُهُودٌ وَ كُحْلُهمْ دُمُوعٌ بأَرْض عالِمُهْا مُلْجَمٌ وجاهِلُها مُكرَمٌ.

وقال في الخطبة (التاسعة والثمانين) أيضاً:

«أرْسَلَهُ صلّى اللّه عليه وآله عَلى حِين فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ وَ طُول هَجْعة من الاُمَم واعْتزام(11) مِنَ الفِتَن وانْتِشار مِن الاُمور وَتلظٍّ(12) مِنَ الحرُوب والدُّنْيا


1 - المثلات: العقوبات .
2 - انجذم: انقطع .
3 - السواري: الدعائم .
4 - النجر: الأصل .
5 - درست: انطمست .
6 - الشُرك: الطُرق.
7 - المنهل: مورد النهر .
8 - الخف: هو للبعير كالقدم للإنسان .
9 - الظلف: للبقر والشاة كالخفّ للبعير والقدم للإنسان .
10 - السنابك: طرف الحافر .
11 - اعتزم الفرس: إذا مرّ جامحاً .
12 - تلظٍّ: تَلَهُّب .


(93)

كاسِفَةُ النُّور ظاهِرَةُ الغُرُور عَلى حينِ اْصفِرار مِنَ وَرَقها وأَياس مِنْ ثَمَرها واغْورار(1) مِنْ مائها قَد دَرَسَت مَنارُ الْهُدى وَ ظَهَرَتْ أَعلامُ الرَّدى فَهِىَ مُتَجَهِّمَة(2) لأهْلِها عابِسةٌ فيْ وَجْه طالِبها ثَمَرُها الفِتْنَةِ وَ طَعامُها الجيْفَةُ(3) وشعارُها الخوفُ وَدثارُها السَيْفُ» .

وَ قالَ في الخطبة (السادسة والعشرين): «إنَّ اللّه بَعَث مُحمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نَذيراً لِلعالَمِين وأمِيْناً عَلى التَّنْزيْل وَانتُم مَعشَر العَرَب عَلى شَرِّ دين وَ في شَرِّ دار مُنِيخُونَ(4) بَيْنَ حِجارَة خَشِن(5)وحَيّات صُمٍّ(6) تَشربُونَ الكَدِرَ وَتَأَكُلُونَ الجَشِبَ(7) وَ تَسْفِكُونَ دِماءكُمْ وتقطعُونَ أَرْحامَكُمْ الاْصنامُ فيكُم مَنْصوبَة وَ الآثامُ بِكُمْ مَعْصُوبَة(8)».

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (الثالثة والثلاثين): «إنَّ اللّه بعثَ مُحمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولَيسَ اَحدٌ مِنَ العَرب يقراُ كِتاباً ولا يدّعي نُبوة فساق الناس حتّى بوَّأَهُمْ محلَّتهُمْ(9) وَ بلَّغهُمْ مَنجاتَهُمْ فَاستقامَتْ قَناتُهُمْ(10) واطمأَنَّت صفاتُهُمْ» .

وقال في الخطبة (الخامسة والتسعين) أيضاً :

«...بَعَثَهُ صلّى اللّه عليه وآله والنّاسُ ضُلالٌ في حَيْرَة وَحاطِبُونَ في فِتْنَة قَد اسْتَهْوَتْهُمْ الأَهْواء وَاسْتَزَلَّتْهُمْ الْكِبْرياء وَاسْتَخَفَّتْهُمْ(11) الجاهِليَّةُ الجَهْلاء حُيارى في زلْزال مِنَ الأَمْر وَ بَلاء مِنَ الْجَهْلِ فَبالَغَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في النَّصِيْحَةِ وَ مَضى عَلى الطَّريْقَةِ وَ دَعا إلى الْحِكْمَةِ وَ الْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ».

وقال ـ عليه السلام ـ : في الخطبة (السادسة والتسعين) أيضاً:

«... مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبَتُهُ أشْرَفُ مَنْبَت في مَعادِنِ الْكَرامَة وَ مَماهِدِ(12) السَّلامَةِ قَدْ صُرفَتْ نَحْوَهُ أَفْئدةُ الأَبرار وَ ثُنِّيَتْ إلَيْهِ أزمَّةِ الأَبْصار دَفَنَ


1 - اغورار الماء: ذهابه.
2 - تجهّمه: استقبله بوجه كريه .
3 - إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار .
4 - منيخون: مقيمون .
5 - الخُشّن: جمع خشناء من الخشونة .
6 - الُصمّ: الّتي لا تسمع لعدم انزجارها بالاصوات .
7 - الجشِب: الطعام الغليظ .
8 - معصوبة: مشدودة .
9 - بَوّأهم محلَّهُمْ: أنزلَهم منزلتهم .
10 - القناة: العود كناية عن القوة .
11 - استخفتّهم: طيّشَتْهُمْ .
12 - الممهَد: ما يُبسَط فيه الفراش .


(94)

اللّه بِهِ الضَّغائِنَ وَ أطْفأَ بِهِ الثَّوائرَ(1) أَلَّف بِه إخْواناً وَ فَرَّقَ بِهِ أقْراناً اَعزَّ بِهِ الذّلة وَ أَذَلِّ بِهِ الْعِزَّة كَلامُهُ بَيانٌ وَ صَمْتُهُ لِسان» .

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (151) أيضاً :

«... أضاءتْ بِه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ البلاد بَعْدَ الضَّلالَةِ المُظْلِمَةِ والْجهالَةِ الغالِبَةِ والْجَفْوَة الْجافِيَةِ وَ النّاسُ يسْتَحِلُّونَ الْحَريمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيْمَ يَحْيونَ عَلى فَتْرَة(2) وَ يَمُوتُونَ عَلى كَفْرّة» .

وقال في الخطبة (198):

«.. ثُمَّ إنَّ اللّه سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِالْحَقِّ حِيْن دَنا مِنَ الدُّنْيا الإنْقِطاعُ وَ أقْبَلَ مِنَ الاخِرَة الإطّلاع(3) وَ اَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْدَ إشْراق وَ قامَتْ بأهْلِها عَلى ساق وَ خَشُنَ مِنها مِهادٌ(4) وَ أَزفَ(5) منها قيادٌ في انْقِطاع مِنْ مدّتها وَاقْتِراب مِنْ أَشْراطِها(6) وَ تَصَرُّم(7) مِنْ أَهْلِها وانْفِصام(8) مِنْ حَلْقَتِها وَ انْتِشار(9) مِنْ سببها وَعَفاء(10) مِنْ أعْلامِها وَ تَكَشُّف مِنْ عَوْراتِها وَ قِصَر مِنْ طُولِها» .

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (213):

«اَرْسَلَهُ بِالضِّياء وَ قَدَّمَهُ في الاْصْطِفاء فَرتَقِّ(11) به المَفاتِقَ(12) وَ ساوَرَ(13) بِه المُغالِبَ وَذَلَّلَ بِه الصُّعُوبَة وَ سَهِّل بِهِ الحُزُونَةَ(14) حَتّى سَرَّحَ الضَّلالَ عَنْ يمين وَ شِمال».

وقال في الخطبة (191):

«وَ اشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُه ابْتَعَيْه وَ النّاسُ يَضربُون في غَمْرة(15) وَ يَمُوجُونَ في حَيْرَة قَدْقادَتْهُمْ أزمَّةُ الحَيْنِ(16) وَ استَغْلَقَتْ عَلى أَفْئدَتِهِمْ أقْفالُ الرَّيْنِ»(17) .


1 - الثائرة: العدواة .
2 - على فترة: على خلوّ من الشرائع .
3 - الاطّلاع: الإتيان .
4 - خشونة المهاد: كناية عن شدّة آلام الدنيا .
5 - ازف: قرب .
6 - الشَرط: العلامة .
7 - التصرّم: التقطّع .
8 - الانفصام: الانقطاع .
9 - انتشار الأسباب: تبدّدها حتّى لا تُضبّط .
10 - عفاء الأعلام: اندراسها .
11 - رتق: سدّ به الفتقَ.
12 - المفاتق: مواضع الفتق .
13 - ساور: ثاوبَ .
14 - الحزونة: غلظ في الارض .
15 - الغَمرة: الماء الكثير .
16 - الحين: الهلاك .
17 - الرين: التغطية .


(95)

فاطمة الزهراء تصف الوضع الجاهلي:

وقد وصفت السيّدة فاطمة الزهراء بنتُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ العهدَ الجاهلي بمثلِ ذلك إذ قالت في خطبتها أمام أبي بكر والمسلمين(1) :

«فَبَلَّغَ (اي رسولُ اللّه) بالرِّسالة صادِعاً بالنَّذارة(2) مائلا عَلى مَدْرَجَةِ المُشْركيْن ضارباً ثَبَجَهُمْ(3)آخِذاً بأَكْظامِهمْ داعِياً إلى سَبِيْل رَبِّه بِالحِكْمَةِ وَ الْمَوْعظَةِ الْحَسَنَةِ يَكْسِرُ الاَْصْنامَ و يَنْكُثُ الهامَ(4) حتّى انْهَزَمَ الجَمْعُ وَ وَلُّوا الدُّبُر حَتى تَفَرّى الليلُ عَنْ صُبْحِهِ وَ اَسْفَرَ الحَقُ عَنْ محْظِهِ(5) وَ نَطَقَ زَعيمُ الدين وَ خَرستْ شَقاشقُ(6) الشَّياطين وأطاحَ وَ شِيظُ(7) النَّفاقِ وانَّحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْر والشِّقاقِ وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الاخْلاص في نفَر مِنَ البيض الْخِماص وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَة مِنَ النّار مُذْقَةَ(8) الشّارب وَ نُهْزَة(9)الطامِع وقَبْسَةِ العِجْلان(10) وَ مَوطىءَ الأَقْدامِ تَشْرَبُونَ الطَرقَ(11). وَ تَقْتاتُونَ القِدَّ(12) وَالوَرق أذِلَّةً خاسِئينَ تَخافُونَ اَنْ يَتخَطَّفَكُم النّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ فَأَنْقَذكُمُ اللّه تَعالى بِمُحَمَّد بَعْدَ اللُّتَيّا وَ الَّتي بَعْدَ أن مُنِىَّ بِبُهْم(13) الرجال وَ ذُؤبانِ الْعَرَب وَ مَرَدة أهْلِ الْكِتاب(14) كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرب أطْفأَها اللّه، أوْ نجَمَ(15) قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ فَغرَتْ(16) فاغِرَةً مِنَ الْمُشركيْن، قَذَفَ أخاهُ في لَهواتِها(17) فَلا يَنْكَفِىءُ(18)حَتّى يَطَا صِماخَها بَأخْمصِهِ» .


1 - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد وبلاغات النساء وغيرهما .
2 - النذار: الأنذار .
3 - الثبج: الكاهل .
4 - الهامة: الرأس .
5 - المحض: الخالص .
6 - الشقشقة: شيء يشبه الرئة يخرج من فم البعير أذا هاج .
7 - الوشيظ: الأتباع والخدم .
8 - المذقة: شربة من اللبن الممزوج بالماء .
9 - النهزة: الفرصة .
10 - قبسة العجلان: الشعلة من النار الّتي يأخذها الرجل العاجل .
11 - الطرق: الماء الّذي خوضته الابل وبوّلت فيه .
12 - القد: قطعة جلد غير مدبوغ .
13 - البهمة: الشجاع الذى لا يهتدي من أن يؤتى .
14 - المارد: العاتي .
15 - نجم: طلع .
16 - فَغرت: فتحت .
17 - اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم .
18 - ينكفىء: يرجع .


(96)

جعفر بن ابي طالب يصف العهد الجاهلي:

ويشهد بذلك أيضاً ما قاله جعفر بن أبي طالب عند النجاشي ملك الحبشة عندما اراد مَبعوثاً قريش استعادتَهما إلى مكة:

أيّها الملك، كُنّا قوماً أهلَ جاهِليَّة، نعبدُ الاصنام، ونأكلُ الميتة، ونأتي الفواحِشَ، ونقطعُ الأرْحام، ونسيء الجوارِ ويأكلُ القوىُ مِنّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا نعرف نسبَه وصدقَه وأمانَتَه وعفافَه، فدعانا إلى اللّه لنوحِّده ونعبده، ونخلعُ ما كنّا نعبدُ نحنُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدّماء، ونَهانا عنِ الفَواحِش وقول الزُور، وأكل مالِ اليَتيمِ، وقذفِ المحصَناتِ، وأمَرنا أنْ نَعبُدَ اللّه وَ حدَهُ لا نشركُ بِهِ شيئاً، وأمَرَنا بالصّلاةِ والزّكاةِ والصِيام قالت: فعدّد عليه امور الإسلام حتّى قال: وصدّقناهُ، واَمَنّا به واتَّبْعناهُ على ما جاء به من اللّه فعبدنا اللّه وحدَه فلم نشرك به شيئاً وحرَّمنا ما حرّمَ عَلَيْنا وأحللنا ما أحلَّ لنا، فَعدا علينا قومَنا فَعذَّبُونا وفتنونا عن ديننا ليردُّونا إلى عبادة الأَوثان مِنْ عِبادَة اللّه تعالى، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنا نَستحِلَّ من الخَبائث(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 335 و 336. والحديث عن اُمّ سلمة .


(97)

3
إمبراطوريّتا الرُوم وإيران
إبّان عهدِ الرِّسالةِ

للوقوف على أهمية النهضة الإسلامية المباركة الّتي تحققت على يدي النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ارساله من جانب اللّه تعالى وقيمتها، تكتسبُ دراسة بيئتين إجتماعيّتين اهمية قصوى، وتانِك البيئتان هما:

1- بيئةُ نزول القرآن الكريم، أي البيئة الّتي ظهر فيها الإسلامُ، وترعرع ونما .

2- البيئة العالمية (خارج الجزيرة العربية)، ويعرف ذلك بدراسة عقائد الناس وافكارهم في اكثر مناطق العالم ـ يومَذاكَ ـ مدنية وحضارة، ومطالعة آدابهم وأخلاقهم وتقاليدهم، وأعرافهم، ومدنيّاتهم الّتي كانت تعتبرُ أفضل الأفكار والمدنيّات، وأرقى الحضارات، والأوضاع آنذاك .

ولقد كانت بيئتا: الامبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الإيرانية ألمع نقطة في ذلك اليوم ـ كما يدلنا التاريخ على ذلك. ولابدَّ أستكمالا لهذا البحث من دراسة الأَوضاع في هاتين الإمبراطوريتين، في مناطقها، ومن نواحيها المختلفة، لنقف من هذا الطريق على قيمة الحضارة الّتي اتى بها الإسلام، ونعرف ذلك بوجه أفضل .

* * *


(98)

أوضاع الروم ابان عهد الرسالة:

ان أوضاع الروم لم تكن بأقل سوءً من أوضاع منافستها «ايران» فالحروب الداخلية من جانب والمعارك الخارجية المستمرة مع «ايران» وصراعها الدائم المستمر مع الاخيرة على منطقة «ارمينية» وغيرها كل ذلك كان يهيء الناس في تلك البلاد للقبول بثورة جديدة يضع حداً لمآسيهم ومحنهم.

ولقد كان للاختلافات والمنازعات الطائفية والمذهبية النصيب الاكبر والأَوفر في توسيع رقعة هذه الاختلافات، والمنازعات.

فالحربُ لم تتوقَفْ أبداً بين الوثنيين والمسيحيين ولم تنطفىء شرارتها يوماً ابداً.

فكان إذا غَلَب رجالُ الكنيسة على دست الحكم وأخذوا بمقاليده مارسوا أشدّ أنواع الضغط والأضطهاد بحقِّ خصومهم ومنافسيهم الأمر الّذي كان يساعد على إيجاد أقلية ناقمة من جهة، كما ويمكن اعتبار ذلك عاملا مساعداً من جهة اُخرى على تهيئة الشعب الروماني لاحتضان الدعوة الإسلامية، وتقبلها .

لقد كان حرمانُ طوائف كثيرة ومختلفة ناشئاً من ممارسات رجال الكنيسة الخشنة ومواقفهم المتزمتة .

هذا مضافاً إلى أن اختلاف القساوسة والرهبان النصارى فيما بينهم من جهة، وتعدّد المذاهب من جهة اخرى كان يعمل على التقليل من هيبة الامبراطورية الرومانية وجرّها إلى الضعف والوهن المتزايد يوماً بعد يوم .

هذا بغضّ النظر عن أنَ البيض والصُفر من سُكّان الشمال والمشرق كانوا يفكّرون في السيطرة على المناطق الغنية من اُوربة، وربما ألحق أحدُهما بالآخر خسائر فادحة وباهضة في الصرعات والمصادمات الّتي كانت تقع بينهما. وكان هذا هو نفسُه السبب في أن تنقسم الامبراطوريةُ الرومية إلى معسكرين: المعسكر (أوالقسم الشرقي) والمعسكر (أوالقسم الغربي) .

ويعتقد المؤرخون أن أوضاع الروم السياسية، والاجتماعية والاقتصادية في القرن السادس كانت مضطربة، ومتدهورة جداً، حتّى أنهم لا يرون في غلبة


(99)

الروم وتفوّقها على إيران شاهداً على قدرتها العسكرية، وتفوّقها النظامي، بل يرون أن هزيمة إيران كانت بسبب الفوضى الّتي كان سائدة انذاك في جهاز الحكم الايراني .

إن هاتين الدولتين اللتين كانتا تتربَّعان على عرش السيادة والسياسة العالمية في مطلع ظهور الإسلام كانتا تعيشان حالة سيئة من الفوضى، والهرج والمرج، ومن البديهىّ أنَّ مثل هذه الأَوضاع كان من شأنها أن توجد حالة من التهيّؤ الكبير والظمأ الشديد إلى دين صحيح يضع حَدّاً ونهاية لتلك الحالة، ويعيد تنظيم حياتهم .

ظاهرة الجدل العقيم في المجتمع الرومي:

المتعارف أن يعمد جماعةُ مِنَ البطّالين والفسقة إلى طرح سلسلة من القضايا والمسائل الخاوية والنقاش حولها بهدف التوصُّل إلى أغراض فاسدة، فيستهلكون بذلك أوقات الناس، ويهدرون أعمارهم على منحر الجدل العقيم .

وهي حالة لها مصاديق كثيرة وشواهد عديدة في كثير من بلاد المشرق، ولسنا بصدد التوسّع فيه فعلا .

وقد كانت «الروم» تعاني يومئذ من مثل هذه الحالة اكثر من اي مكان آخر .

فقد كان ملوك الروم ورجال الحكم والسياسة تبعاً لمذاهب دينية كنسيّة يعتقدون بأن المسيح ذو طبيعتين ومشيئتين، ولكن طائفة اُخرى من النصارى وهم «اليعقوبية» كانوا يقولون بانه: ذو طبيعة ومشيئة واحدة .

وقد وجهت هذه المسألة الباطلة نفسها، والجدل الواهي حولها ضربة شديدة إلى وحدة الروم ومن ثم استقلالها، واحدثت في صفوفها انشقاقاً عميقاً حيث كانت السلطات الحاكمة تضطر إلى الدفاع عن معتقداتها، ولذلك كانت تضطهد معارضيها، وتلاحقهم وهذا الاضطهادُ والضغطُ الروحىّ سبَّب في لجوء البعض إلى الدولة الايرانية، كما كان هؤلاء همُ الذين تركوا المقاومة عند


(100)

مواجهة الجيش الإسلامي، وألقوا السلاح، واستقبلوا جنود الإسلام بالاحضان .

كانت الرومُ تمرُّ آنذاك بظروف اشبه ما تكون بظروف القرون الاُوربية الوسطى الّتي ينقل عنها «فلا ماريون» الفلكىّ الشهير القضايا التالية الّتي تدل على المستوى الفكرىّ والثقافيّ لاُورُبة في القرون الوسطى:

لقد كان كتابُ «المجموعة اللاهوتية» المظهر الكامل للفلسفة المدرسية في القرون الوسطى، وقد بقي هذا الكتاب يُدرَّس في أوربة خلال أربعمائة سنة ككتاب رسمي ومعترف به .

وقد كان من الأبحاث المطروحة في هذا الكتاب البحث حول عدد الملائكة الّتي يمكنها ان تستقر على راس إبرَة؟! أو عدد الفراسخ بين العين اليسرى والعين اليمنى للاب الخالد؟! إلى غير ذلك من القضايا التافهة!!

إن الامبراطورية الرومية السيئة الحظ فيما كانت تعاني من الحروب الخارجية الكثيرة، كانت تعاني كذلك من النزاعات والاختلافات الداخلية ـ الّتي كانت ـ على الاغلب ـ تتصف بالصبغة المذهبية والطائفية ـ وكانت تدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية، وتزيدها قربا إليها يوماً بعد يوم .

ولما رأى اليهود (وهي الزمرة الشريرة المتآمرة على الشعوب دائماً) تصاعد الاضطهاد والضغط الّذي يمارسه الامبراطورالمسيحي الرومي خطّطت لاسقاط ذلك النظام، فاحتلت مدينة انطاكية ذات مرة، ومثلت بأسقف أنطاكية الاكبر فصلموا اُذنه، وجدعوا أنفه، فانتقمت حكومة الروم لهذه الجناية بعد مدة، وقتلت اليهود في انطاكية في مذبحة عامة .

وقد تكرَّرت هذه الجرائم الفضيعة وهذه المذابح، والمذابح الانتقامية المضادة بين اليهود والنصارى عدة مرات، وربما سرت موجة الروح الانتقامية أحياناً إلى خارج البلاد، فمثلا اشترى اليهود من ايران ذات مرة ثمانين الف مسيحي ثم حزوا رؤوسهم انتقاماً وتشفياً.

من هذا يستطيع القارىء الكريم أن يقف على الصورة القاتمة للوضع السيء والمتردّي الّذي كان عليه العالم إبان بزوغ شمس الإسلام، ويذعن ـ مع


(101)

المذعنين ـ بأن التعاليم الإسلامية الرفيعة التي انقذت العالم من ذلك الوضع المأساوي لم تكن أبداً وليدة الفكر البشرىّ وان نسيم الوحدة، الناعشة، ونغمة السلام الّتي يهدف إليه الإسلام ويسعى إلى تحقيقه واقراره في الحياة البشرية ليس لها من مصدر إلا الغيب، إذ كيف يمكن القول بان الإسلام الّذي يعترف حتّى للحيوانات بحق العيش والحياة نابع من تلك البيئة المغرقة في القسوة والوحشية، وناشيء من ذلك المحيط المفحم بروح الانتقام والتشفي .

لقد أبطل الإسلامُ جميع تلك المجادلات العقيمة والمناقشات التافهة حول مشيئة عيسى وشخصيته، وقال في نعته ووصفه:

(ما المَسِيحُ بنُ مريمَ إلاّ رسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ واُمَّه صِدِّيقةٌ كانا يأكُلان الطّعام)(1) .

إن هذه الآية انهت الكثير من أبحاث رجال الكنيسة الباطلة الخاوية حول «الروح» و «المسيح» ودمه، وشخصيته، وحقيقته، كما ان الإسلام بفضل التعاليم الرفيعة، واحياء السجايا والملكات الفاضلة انقذ البشرية من المنازعات، الفارغة، والمذابح الفضيعة .

أوضاع إيران إبان عَهد الرسالة:

إن ما دفعَنا إلى دراسة أوضاع الإمبراطورية الرومية هو نفسه يحتم علينا أيضا دراسة اوضاع إيران يومذاك .

لقد صادف ظهورُ الإسلام وبعثة الرسول الكريم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (611 ميلادية) عهد السلطان الإيراني خسرو برويز (590 ـ 628 م)، و في عهد «خسرو برويز» هذا هاجر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من مكة إلى المدينة (الجمعة 16 جولاي 622)، وصارت هذه الواقعة مبدء للتاريخ الإسلامي .

في هذه الأَيام كانت الدولتان العظيمتان (الروم الشرقية وايران


1 - المائدة: 75 .


(102)

الساسانية) تسيطران على معظم مناطق العالم المتحضر، ولم تزل هاتانَ الدولتان في نزاع مستمر وصراع دائم على مناطق النفوذ حتّى بعد ظهور الإسلام.

فقد بدأت حروب ايران والروم الطويله من عهد السلطان الإيراني أنوشيروان (531 ـ 589 م) واستمرَّت إلى عهد الملك «خسرو برويز» واستغرقت اربعاً وعشرين عاماً من الزمان(1) .

وقد سبَب تحمل «ايران» و «الروم» للخسائر الكبرى، في الارواح والثروات خلال هذه المعارك الطويلة في إضعاف تينك الدولتين، وتعطيل وشلّ قواهما بحيث لم يبق منهما إلاّ شبحُ دولتين لا اكثر .

ولكي نقف على الوضع العام في ايران آنذاك من جهاته المختلفة، وابعاده المتنوعة وبصورة أفضل، يجب ان نلقي نظرة فاحصة على وضع الحكومات الّتي توالت على سدة القيادة الايرانية بعد حكم «انوشيروان» وحتّى بداية دخول المسلمين .

البَذخ والتَرف في البلاط الساساني:

كانت حياة الملوك الساسانيين تتسم عموماً بالبذخ والترف، والتشريفات الطويلة العريضة، وكان البلاطُ الساساني الفخم جداً يخلب ببريقه، بريق العيون، ويسحر الافئدة والعقول .

وكان للايرانيين في عهد الساسانيين لواء يُعرف بـ «درفش كاوياني» اي العلم الكاوياني نسبة إلى كاوه وهو بطل قومي إيراني اُسطوري، وقد كانوا يحملونه معهم في الحروب، أو ينصبونه فوق قصورهم اثناء إحتفالات الساسانيين الكبرى، وقد كان هذا اللواء موشحاً ومزيناً بأغلى أنواع المجوهرات بلغت قيمتها التقديرية ـ حسب قول بعض الكتاب: «000 / 200 / 1» درهماً (أو ما يعادل


1 - تاريخ علوم وادبيات در ايران ص 3 و 4 وايران در زمان ساسانيان ص 267 (باللغة الفارسية).


(103)

000 / 30 پوند) .

وقد بلغت مجموعة المجوهرات والاشياء الثمينة والتصاوير والرسوم المحيرة للعقول الّتي كانت تكتضُّ بها قصور الساسانيين من حيث الاهمية والقيمة حداً سحرت العيون وخلبَت الالباب .

ولو أننا أردنا أن نقف على عجائب ما في تلك القصور، وما كانت تحتوي عليه من غرائب الاشياء لكفانا أن نلقي نظرة واحدة إلى السجّادة البيضاء والكبيرة التي كانت مفروشة في احدى صالات بعض تلك القصور، وهي السجّادة الّتي كانت تدعى بالفارسية بـ «بهارستان كسرى» وهو بساط كانوا يُعدوّنه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكانوا إذا أرادُوا الشرب وتعاطي الخمر فرشوه، وشربوا عليه فكأنهم في رياض وكان هذا البساط ستيناً في ستين أرضُه بذهب ووشيُه بفصُوص، وثمره بجوهر وورقه بحرير»(1)!!

وقيل أيضاً أن هذا البساط كان مئة وخمسين ذراعاً في سبعين ذراع وكان منسوجاً من خيوط الذهب والمجوهرات الغالية جداً!!

وقد كان «خسرو برويز» أكثر الملوك الساسانيين ميلا إلى الترف، والبذخ، واتخاذ الزينة، وقد بلَغَت عددُ نسائه وجواريه عدة الآف .

يقول حمزة الاصفهاني في كتاب «سنىّ ملوك الارض» واصفاً حالة الترَف والبذخ الّتي كان يعيشُها كسرى برويز: ثلاثة آلاف امرأة، واثنا عشر .

وجاء في تاريخ الطبري: أن «كسرى(2) برويز» كان قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحدٌ من الملوك، وكان أرغب الناسِ في الجواهر والأواني(3) .


1 - تاريخ الطبري ج 2، ص 130 .
وجاء في تاريخ الطبري: كانت هذه السجّادة ستين ذراعاً في ستين ذراعاً، بساطاً واحداً مقدار جريب فيه طرق كالصور، وفصوصٌ كالأنهار وخلال ذلك كالدَّير وفي حافاته كالأَرض المرزوعة والأَرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب، ونواره بالذَهب والفضّة!!
2 - سنىّ ملوك الارض والأنبياء: ص 420 .
3 - تاريخ الطبري: ج 1، ص 616 .


(104)

الوضع الاجتماعي في ايران:

لم يكن الوضعُ الإجتماعي في عهد الساسانيين بأفضل من الوضع السياسي آنذاك أبداً، فقد بلغ الاختلاف الطبقي الّذي كان سائداً في ايران منذ زمن بعيد اشدَّه واقوى درجاته، واسوء حالاته في العهد الاختلاف الساساني .

فطبقة النبلاء والكهنة كانت تتميز على بقية الطبقات تميزاً كاملا، فهم يختصون بجميع المناصب الاجتماعية الحساسة والعليا، بينما حُرم الكسبة والمزارعون وبقية أبناء الشعب من كافة الحقوق الاجتماعية، ولم يكن لهم من واجب ودور في النظام إلا دفع الضرائب الثقيلة والمشاركة في الحروب .

يكتب أحدُ الكتّاب الإيرانيين وهو الاستاذ سعيد نفيسي في هذا الصعيد قائلا:

ان ما كان يثير روح النفاق بين الايرانيين اكثر هو سياسة التمايز الطبقي القاسي جداً الّذي كان الساسانيون يتبعونها في التعامل مع الشعب، وكان لها جذورٌ في العهود والحضارات السابقة، ولكنها بلغت ذورتها في العهد الساساني بالذات!!

ففي الدرجة الاُولى كان للعائلات السبع من النبلاء، ثم للطبقات الخمس إمتيازاتٌ خاصة حُرمَتْ منها عامة أبناء الشعب .

فالملكية كانت محصورة ـ تقريباً في تلك العائلات السبع مع العلم أن الشعب في العهد الساساني كان يقاربُ عدد نفوسه مائة وأربعين مليوناً في حين لا يبلغ عددُ كل واحد من تلك العائلات الممتازة والمتميّزة في شؤونها مائة ألف شخص، فيكون مجموعُها سبع مائة ألف(1) .

وإذا افترضنا أنَّ حراسَ الحدود وأمراءهم والمُلاك الذين كانوا يتمتعون هم الآخرون بشيء من حق الملكية كان يبلغ عددهم أيضاً سبع مائة ألف أيضاً فيكون حق التملك والمالكية حينئذ خاصاً بمليون ونصف من مجموع مائة


1 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 6 ـ 24 (باللغة الفارسية) .


(105)

واربعين مليوناً، فقد كانت تلك الزمرة القليلة هي الّتي تملك، وأما الآخرون وهم الاكثرية الساحقة فقد كانوا محرومين من هذا الحق الطبيعي الموهوب لهم من جانب اللّه أساساً وأصلا .

لقد كان الكسبة والفلاحون الذين كانوا محرومين من جميع الحقوق، والإمتيازات ولكنّهم كانوا يتحمَّلون نفقات حياة البذخ والرفاهية الّتي كان يرفل فيها النُبلاء والأشراف والطبقات العليا، لا يأملون خيراً وراء استمرار هذه الاوضاع، ودوامها، ولهذا كثيراً ما كان المزارعون والفلاحون والطبقات الدنيا من الشعب يغادرون أعمالهم، ومزارعهم ويلجأون إلى الأديرة فراراً من الضرائب الباهضة والاتاوات القاصمة للظهور، المبددة للثروات(1) .

يقول مؤلف كتاب «ايران في عهد الملوك الساسانيين» (2).

إن حروب إيران ـ الروم الطويلة بدأت من عهد حكومة الملك الإيراني انوشيروان (531 ـ 589 م) .

وخلاصة القول أنه كان في الامبراطورية الساسانية يملك أقلية صغيرة تقلّ نسبتُها عن 5/1 % (واحد ونصف بالمائة) من مجموع الشعب كل شيء بينما كان اكثر من (89 %) من الشعب الإيراني محرومين من حق الحياة تماماً كالعبيد .

حَقٌّ التعلّم خاصُ بالطبقات الممتازة!!:

في العهد الساساني كان ابناء الاغنياء والبيوتات الرفيعة هم وحدهم الذين يتمتعون بحق التعليم، بينما كان عامة جماهير الشعب، والطبقات الوسطى والدنيا محرومين من تحصيل العلوم واكتسابها .

وقد كانت هذه المنقصة بادية وواضحة في عصور ايران التاريخية جداً بحيث ذكرها الشعراء الكبار في ملاحمهم ودواوينهم الملكية المعروفة بالرغم من ان


1 - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 70 و 71 .
2 - إيران في عهد الساسانيين: ص 424 .


(106)

الهدف من تلك الملاحم والدواوين كان هو الحماسة، والتفاخر بالبُطولات وتجييش العواطف، بعد مدح الملوك والامراء .

فها هو «الفردوسي»(1) الشاعر الملحمي الفارسي المعروف، بل اشهر شعراء ايران قد ذكر في شاهنامته (وهي الملحمة الشعرية الّتي يذكر فيها أمجاد ملوك الفرس في قرابة ستين ألف بيت) قصة في هذا الصدد تعتبر أفضل شاهد على ما قلناه .

وقد وقعت هذه القصة في زمن «أنو شيروان»، أي في الوقت الّذي كانت الامبراطورية الساسانية تمرُّ فيه بعهدها الذهبي .

وهذه القصة تشهد بأن اكثرية الشعب في عهد هذا الملك أيضاً كانت محرومة من حق التعلم، وممنوعة عن اكتساب الثقافة .

يقول الفردوسي: لقد أبدى حذّاء استعداده لتحمّل نفقات الجيش الإيراني ـ في حربه مع الروم ـ بدفع ما يحتاجون إليه من ذهب وفضة .

ومع أن السلطة في عهد «انوشيروان» كانت بحاجة ماسة إلى مساعدات مالية كبيرة إذ كان يتعين عليها أن تجهز ما يقرب من ثلاثمائة الف مقاتل قد اصيبوا بالمجاعة وقلة العتاد، بحيث أدى ذلك إلى وقوع بعض الاعتراضات، وإلى ظهور الفوضى في الجنود، ممّا أدى بدوره إلى قلق الملك الإيراني «أنوشيروان» .

والتخوف من مضاعفات هذه الحالة، وآثاره السيئة في قتاله للروم، ولذلك بادر إلى استدعاء وزيره المحنك «بزرجمهر» للتشاور معه في المخلص من ذلك الوضع المحرج، ثم امره بالتوجه إلى منطقة «مازندران» وجمع الاموال اللازمة من سكانها .

ولكن «بزرجمهر» حذَّر الملك من مغبّة هذا العمل، وأضاف بأن هذا من شأنه أن يضاعف من الخطر ثم اقترح جمع الاموال اللازمة عن طريق القروض الشعبية فاستحسن «انوشيروان» اقتراحه وأمره باتخاذ الترتيبات اللازمة على


1 - راجع للتعرف السريع على شخصية هذا الشاعر: الموسوعة العربية الميسرة: ص 1286 .


(107)

التو فيرسل الوزير مندوبين له إلى المدن الإيرانية ليكلم التجار واصحاب الثروة في الامر .

فيبدى الحذّاء المذكور استعداده لتحمل كل نفقات الجيش لوحده الاّ انه اشترط ذلك بان يسمحوا لولده الوحيد الراغب في تحصيل العلم جداً ان يتعلم .

فاستحقر الوزير شرطه ووعده بالانجاز، والسماح لولده بالتعلم وتحصيل العلم، ثم عرض الامر على الملك انو شيروان وهو يأمل في ان يتجاوب الملك مع رغبة الحذّاء وطلبه الصغير إذا ما قيس بما سيعطيه من اموال طائلة في تلك الاوضاع الحرجة .

ولكن الملك استشاط غضباً لهذا الطلب، ونهر الوزير قائلا: دع هذا، ما أسوأ ما تطلبه، ان هذا لا يمكن ان يكون، لان ابن الحذّاء بخروجه من وضعه الطبقي يهدم التقليد الطبقّي المتبع، فينفرط بذلك عقد الدولة، ويكون ضرر هذا المال علينا اكثر من نفعه، وشره اكثر من خيره .

ثم إنّ الفردوسي يعمد إلى شرح المنطق الميكافيلي حكاية عن لسان انوشيروان إذ يقول ناظما ذلك في ابيات(1):

وإذا اصبح ابن الحذّاء عالماً كاتباً عارفاً فعندما يجلس ولدنا على مسند الحكم والسلطنة واحتاج إلى كاتب، فانه سيضطر إلى الاستعانة بابن ذلك الحذّاء ـ الكاتب ـ (وهو من عامة الشعب ومن ابناء الطبقة الدنيا وفي حين جرت عادتنا إلى الآن على أن نستعين بابناء الاشراف والنبلاء لا أبناء الطبقة الدنيا)!!!

وإذا حصل ابن الحذّاء وبائع الاحذية على العلم والمعرفة أعاره العلم والمعرفة حينئذ عيوناً بصيرة، وآذاناً سميعة فيرى حينئذ ما يجب أن لا يراه،


1 - وإليك هذه الأبيات باللغة الفارسية:

چو بازارگان بچه گردد دبير * هنرمند و با دانش و ياد گير
چو فرزند ما برنشند به تخت * دبيرى ببايدش پيروز بخت
هنر بايد از مرد موزه فروش * سپارد بدو چشم بينا و گوش
بدست خردمند مرد نژاد * نماند جز از حسرت و سرد باد


(108)

ويسمع ما يجب أن لا يسمعه، وحينئذ لا يبقى لأبناء الملوك إلا الحسرة والتأسف(1) .

وهكذا يعيد الملك دراهم الحذّاء المسكين إليه رافضاً طلبه ويعود الحذاء خائباً وهو يتوسل بما يتوسل به المستضعفون والمحرومون المظلومون وهو الدعاء والضراعة إلى اللّه في الليل وفي هذا قال الفردوسي: عاد مبعوث الملك بدراهم الحذاء إليه فاصيب الحذاء لذلك بغمّ شديد ثم لما جن الليل تضرع الحذاء إلى اللّه وشكا إليه الملك طالباً عدالته(2).

والعجيب هو أن يصف البعض هذا السلطان بالعادل وهو الّذي لم يعالج أسوأ مشكلة في المجتمع الإيراني أيام حكمه وسلطانه وهي المشكلة الثقافية، بل تسبب في أن يصاب الشعبُ الإيراني بالمزيد من المشاكل الاجتماعية وغيرها .

فقد وأد ودفن في القبور احياء ما يقرب من ثمانين الف انسان (اومائة الف كما قيل) في حادثة واحدة، وهي فتنة مزدك، حتّى أنه ظنَّ انه قد قضى على جذور تلك الفتنة وهو لا يعلم أنها لم تُستأصل لأن مثل هذه الأساليب القمعية انما تقضي فقط على المسبَّب دون السبب وتكافح المجرم لا الجرم .

لقد كان السبب الحقيقي وراء تلك الفتنة هو الظلم الاجتماعي، والاختلاف الطبقىّ، واحتكار الثروة، والمنصب على أيدي طبقة خاصّة وحرمان الاكثرية الساحقة من الشعب وغير ذلك من المفاسد وكان عليه لو أراد الاصلاح أن يعالج هذه الاُمور ليأتي على المشكلة من أساسها، ولكنه بدل ذلك كان يريد ـ بالقهر والقمع وفي ظلّ الحراب والسياط ـ أن يظهر الناس انفسهم بمظهر الراضي وعن السلطة، الموافق على تصرفاتها، وأحوالها وأوضاعها السيئة!!!

ومن هنا نعرف بطلان الحديث المروىّ عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - راجع شاهنامه (باللغة الفارسية) وتاريخ اجتماعي ايران: ص 618 .
2 - فرستاده برگشت و شد بادرم دل كفشگر زان درم پر زغم

شب آمد، غمى شد ز گفتار شاه * خروش جرس خواست از بارگاه


(109)

الّذي قال فيه: (وُلدتُ في زمن الملك العادل) ويقصد به انوشيروان(1) .

صفحةٌ سوداءٌ من جرائم خسروبرويز:

ومن جرائم الملك خسروبرويز ومظالمه المنكرة ما فعله بوزيره الشهير «بزرجمهر» الّذي خدم البلاط الشاهنشاهي الايرانىّ ثلاثة عشر عاماً وكان ذلك موجباً لشهرته في البلاد وحسن صيته بين الناس .

فقد عَمَدَ هذا الملك إلى سجن الوزير المذكور، والنكاية به، وقدكتب إلى الوزير المسجون رسالة يقول فيها: إنَّ حظَّك مِنَ العلم والمعرفة أنه عرضك للقتل!!

فاجابه «بزرجمهر» بقوله: «فقد انتفعتُ بعلمي مادام قد حالفنى الحظُ، وحيث عاكسني الآن، فانّني اصبر وأنتفعُ بصبري، فإذا فاتني فعلُ خير كثير فانني سعيدٌ لأنَّني لم أرتكب كذلك شرّاً كثيراً وإذا ما سلبني منصب الوزارة فاني في الوقت نفسه قد استرحت كذلك من غم الحيف بالناس، فلا ابالي بما أنا فيه» .

ولما بلغَت هذه الرسالة إلى الملك «برويز» استشاط غضباً، وأمر بقطع شفتي الوزير، وجَدْع أنفه، وعندما عرف الوزيرُ بهذا الأمر الظالم قال: أجل أن شفتي تستحقان اكثر من هذا .

فسأله خسروبرويز: ولماذا؟ فقال: لأنهما وصفتاك عند العامة والخاصة بما لا تستحق من الأوصاف، واعطتاك ما ليس فيك من الخصال، فامالتا اليك القلوب، ورغَّبتا فيك النفوس، والافئدة، وآشاعتا عنك أمجاداً لم تستحقها، يا اسوأ الملوك وأظلم الحكام، تقتلني الآن بسوء الظن بعد أن كنت على يقين من وفائي، وصدقي، واخلاصي، وسلامتي، فمن بعد هذا يأمل في عدلك، ومن بعد هذا يثق بقولك؟!


1 - راجع في هذا المجال: تذكرة الموضوعات لابن الجوزي، اللئالي المصوغة في الاحاديث الموضوعة للسيوطي، وكذا مجمع الزوائد للهيثمي .


(110)

فازداد «خسروبرويز» لسماع هذه الكلمات الساخنة غضباً على غضب، وأمر من فوره بقتل الوزير، فضرب عنقه في التوّ(1) .

وتلك هي معاملة ذلك الملك الموصوف زوراً بالعادل مع اقرب مقربيه، واكثر معاونيه إخلاصاً، ووفاء له فكيف كانت تُرى معاملته مع سائر أفراد الرعية وبقية أفراد الشعب؟؟

حكم التاريخ في الملوك الساسانيين:

لقد اتخذ الحكام الساسانيُّون في عهودهم وحكوماتهم سياسة خشنة قاسية، وقد أخضعوا الناس بسلطانهم بالسيف والعنف .

كانوا يفرضون على الناس ضرائب ثقيلة وأتاوات باهضة قاصمة للظهور، ولهذا السبب كان عامة الشعب الايراني غير راضين على حكمهم وسيرتهم، ولكنهم خوفاً على نفوسهم، ما كانوا يتمكنون من الاعلان من استيائهم هذا بل لم يكن لأرباب الفكر والرأي والعارفين بالامور شأن ولا قيمة في البلاط الشاهنشاهي .

لقد بلغ الاستبدادي لدى الحكام الساسانيين حداً لم يستطع معه أحدٌ من إظهار رأيه، ولم يجرأ احد على إبداء أية ملاحظة في شأن من الشؤون .

لقد بلغت القوة بخسروبرويز حداً عجيباً وصفه الثعالبي بقوله:

قيل لخسرو برويز (كسرى) دعونا فلانا الوالي فتباطأ عن الامتثال، فأمر الملك من فوره قائلا ان كان يصعب عليه مجيئه ببدنه كله، فاننا يكفينا شيء منه، فليؤتى براسه فحسب(2) .


1 - يذكر الفردوسي الشاعر الملحمي هذه القصة في شاهنامته المعروفة عند ذكر وقائع انوشيروان اثناء حربه مع الروم (ج 6، ص 257 ـ 260) .
2 - ايران در عهد ساسانيان: ص 318 .


(111)

الفوضى في الحكومة الساسانية:

وممّا يجب ان لا نغفل عن ذكره هو ما تعرضت له الحكومة الساسانية في اواخر عهدها من الفوضى الادراية، وتفاقم الهرج والمرج في جهازها الحكومي .

فقد دبّ الصراع والنزاع ونشب التنافس الحاد بين الامراء، والاعيان وقاده الجيش في ذلك العهد وذهب كلُ فريق يختار أميراً من أبناء العائلة المالكة، ويقوم بتصفية الطائفة الاُخرى الّتي اختارت أميراً آخر .

وعندما فكّر العرب المسلمون في فتح إيران كانت العائلة الساسانية المالكة قد بلغت ذروة الضَعف والانقسام .

وممّا يدل على ذلك تعاقبُ ما يقرب من (14) ملكاً على مسند الحكم والسلطان خلال مدّة اربعة اعوام من مقتل الملك «خسرو برويز» وجلوس شيرويه مجلسه وحتّى آخر ملك من ملوك بني ساسان .

وهذا يعني أن حكومة إيران انتقلت خلال مدة لا تتجاوز اربعة اعوام من يد إلى يد اُخرى (14 مرة)!! ومن الواضح ما يلحق باية دولة ومملكة تتعرض لـ (14) انقلاب يُقتل فيه ملك، ويحل محله ملك آخر في مثل هذه المدة القصيرة .

فقد كان كلُ حاكم يتسلَّم زمام الحكم ويستولي على عرش السلطان يعمد إلى قتل واغتيال كل من كان يطمع في العرش، ولا يتورع في سبيل إرساء قواعد حكمه من ارتكاب كل ما يراه ضرورياً، فكان الأب يقتل ابنه، والابنُ يقتل أباه، وربما يقتل الاخ إخوته، والزوجة زوجها وهكذا...

فقد قتل «شيرويه» أباه(1) للحصول على مقعد الحكم والسلطان، كما أباد اربعين شخصاً من أبناء الملك «خسروبرويز» اي إخوته!!(2) .

وكان «شهر براز» يقتل كل من لا يثق به، وقد أدّى هذا إلى أن يقضي على كل أبناء سلالته من الامراء الساسانيين ممّن كان قد تسنَّم عرش السلطان


1 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 296 .
2 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 15 ـ 19 .


(112)

والملوكية قبله، رجلا كان ذلك أم إمراة، صغيراً كان ام كبيراً، لكيلا يبقى في الوجود من يطمع في السلطان أو يدّعيه!!

وصفوة القول: أن الفوضى السياسية بلغت في أواخر العهد الساساني حداً بحيث كانوا يجلسون فيه الأطفال والصبيان والنساء على اريكة الحكم، ثم يثورون عليهم ويقتلونهم بعد ايام أو أشهر ويحلون محلَّهم أشخاصاً آخرين!!

وعلى هذا فإن الدولة الساسانية رغم قوتها الظاهرية كانت آخذة في الانحطاط والانحلال وسائرة نحو التمزق والفناء .

الفوضى الدينية في ايران الساسانيين:

لقد كان أهم عامل للفوضى الّتي كانت تعاني منها الاوضاع في العهد الساساني هو الاختلاف في المعتقدات الدينية الّتي كانت سائدة آنذاك .

فحيث أن «اردشير بن بابك» مؤسس السلسلة الساسانية كان ابن مؤبد (وهو رجل دين زردشتي) وقيّماً على بيت نار وقد تمكن من السلطان بفضل الموابدة فانه اجتهد في الترويج لدين آبائه في ايران .

وفي عهد الساسانيين كان الدين الرسمي والشائع في أوساط الشعب الإيراني هو الدين الزرادشتي، ولما كانت السلالة الساسانية قد توصلت إلى الحكم بواسطة الموابدة ـ كما أسلفنا ـ لذلك كان الموابدة والقيمون على بيوت النار (ونعني بهم رجال الدين الزرادشتي) يحظون بمكانة كبرى لدى البلاط الساساني إلى درجة أنهم أصبحوا يشكّلون في أواخر العهد الساساني أقوى طبقة، وأشد الاجنحة نفوذاً في المجتمع الإيراني آنذاك .

ولقد كان الحكام الساسانيّون دائماً ممَّن رشحهم للحكم الموابدة ورجال الدين الزردشتي المجوسي، ولذلك كان الحكام يأتمرون بأوامرهم، ولو أن أحداً منهم خالف الموابدة عارضوه أشدَّ المعارضة، وسحبوا عنه تأييدهم ودَعْمهمْ، ولهذا اجتهد الملوك الساسانيون في كسب رضا الموابدة، والعناية بهم اكثر من غيرهم من الطبقات، وقد تسبَّبت عناية اُولئك الملوك بالموابدة وحمايتهم لهم في تزايد


(113)

عددهم، يوماً بعد يوم .

وقد كان الساسانيون يستغلون رجال الدين المجوس أكبر استغلال لتثبيت قواعد حكمهم، وتقوية مواقعهم في السلطان ولذلك أقاموا في مختلف مناطق القطر الإيراني العريض بيوت النار، (وهي معابد المجوس) جاعلين في كل واحد من هذه المعابد ثلة كبيرة من الموابدة كسدنة .

فقد كتب المؤرخون يقولون: ان «خسرو برويز» شيد بيتاً للنار عظيماً ووكل به (12 الف) هيربد (وهو منصب خاص ورتبة خاصة في نظام القيادة الدينية المجوسية) لينشدوا فيه الاناشيد الدينية، ويؤدوا الطقوس والشعائر المجوسيّة!!(1) .

وعلى هذا الاساس كان الدين المجوسي دين البلاط، وكان رجاله في خدمة الملوك .

هذا وقد اجتهد الموابدة ـ بكل ما في وسعهم ـ في إبقاء الطبقات الكادحة والمحرومة من ابناء الشعب الإيراني في حالة من الركود والجمود وحالة عدم الاحساس بالآلام والرضا بالأمر الواقع .

ولقد تسببت الصلاحياتُ الواسعة والحريات المطلقة المخولة إلى الموابدة في ابتعاد الناس عن الدين المجوسي والنفور منه، فجماهير الشعب كانت تبحث لنفسها عن غير ما يتدين به الأشراف من عقيدة ودين .

يقول مؤلف كتاب «تاريخ اجتماعي ايران» وقد سعى الشعب الإيراني ـ في المآل ـ إلى ان يتخلص من ضغوط الاشراف والموابدة واضطهادهم، ولهذا ظهر بيت الزردشتيين في قبال الدين الرسمي «المزدية الزردشتية» الّذي كان دين البلاط كما عرفنا، وكان يدعى: بهدين (اى الدين الافضل) مذهبان آخران(2) .

اجل وبسبب ضغوط الاشراف وتشددات الموابدة في العهد الساساني ظهرت في ايران مذاهب مختلفة الواحد تلو الآخر، وقد حاول «مزدك» ومِنْ قبله «ماني» ان يوجدا بأنفسهِما تحولا في الاوضاع الدينية وفي العقائد والمؤسسات،


1 - تاريخ تمدن ساساني: ج 1، ص 1 (بالفارسية) .
2 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 20 .


(114)

ألاّ أنهما منيا بالفشل في هذا السبيل(1) .

فحوالي سنة (497 ميلادية) قام «مزدك»، وألغى المالكية الانحصارية (الخاصة)، ونسخ عادة تعدد الزوجات، ونظام الحريم وكان ذلك في مقدمة برامجه الاصلاحية، وقد لقيت أفكاره هذه تأييداً قوياً من قِبل الطبقات المحرومة المسحوقة الّتي فجرت بقيادة «مزدك» ثورة كبرى، وانقلاباً هائلا في المجتمع الإيراني .

ولقد كانت هذه الثورات والانتفاضات الشعبية لأجل أن يتوصل الناس إلى حقوقهم المشروعة، الممنوحة لهم من قبل اللّه خالقهم وبارئهم .

ولقد قوبل مذهب «مزدك» باعتراض شديد من قِبَل الموابدة، وامراء الجيش، وجرّ إلى فتنة كبيرة، وإلى تردي الاوضاع في ايران آنذاك .

كما ان المذهب الزردشتي قد فقد ـ في أواخر العهد الساساني ـ حقيقته بصورة كاملة، ووصل الأمر بعبادة النار وتقديسها إلى درجة أنهم كانوا يحرِّمون الدقّ على حديدة محماة اكتسبت لون النار ولهيبها بمجاورتها لها.

وبكلمة واحدة; لقد كانت اكثر المعتقدات الزردشتية المجوسية تتألف من الخرافات والأساطير، وقد أعطت حقائق هذا الدين ـ في هذا العهد ـ مكانها لحفنة من الشعائر الجوفاء، والطقوس الفارغة، الّتي أضاف إليها الموابدة سلسلة من التشريفات الطويلة العريضة تثبيتاً لمواقعهم، ودعماً لمكانتهم في المجتمع الإيراني يومئذ .

لقد بلغت سيطرة الخرافات والاساطير البعيدة عن العقل والمنطق على هذه العقيدة، ورسوخها في هذا الدين حداً أقلق حتّى رجال الدين الزردشتي انفسهم أيضاً، وقد كان بين الموابدة أنفسهم من أدرك منذ البداية تفاهة الطقوس والشعائر الزردشتية الجوفاء فتخلى عنها .


1 - المذهب المانوي هو المذهب الزردشتي الخليط بالمسيحية، فقد اخترع ماني من مسلك قومي وآخر اجنبي مذهباً جديداً ثالثاً .


(115)

هذا من جانب

ومن جانب آخر كان قد انفتح على الشعب الإيراني منذ أيام الملك «أنوشيروان» فما بعد طريق التفكير، والتأمل، والتحقيق، وممّا قد قوّى هذا الامر ما حصل من اتصالات بين العقائد الزردشتية والمعتقدات المسيحية وغيرها من العقائد والاديان وما تحقق من تلاقح بينها نتيجة تسلل الثقافة اليونانية والهندية، وغيرها إلى الوسط الإيراني، وتسبب كل ذلك في يقظة الشعب الإيراني، ولذلك اصبح يعاني من هذه الخرافات والاساطير الّتي كانت الديانة الزردشتية تعج بها اكثر من أي وقت مضى .

وعلى أية حال فان الفساد الّذي ظهر في أوساط رجال الدين الزردشت، وتطرق الخرافات والاساطير الواهية الكثيرة إلى المعتقدات الزردشتية تسَبّبَ في حصول مزيد من التشتت والاختلاف والتشرذم في آراء الشعب الإيراني وعقيدته .

ومع ظهور هذا الاختلاف وعلى أثر إنتشار المذاهب المتنوعة ظهر روح الشك والتردد لدى الطبقة المفكرة والمثقفة، وسرت منهم إلى بقية الاصناف والفئات ممّا أدى ذلك إلى أن يفقد جماهير الشعب ثقتها وايمانها القطعي، واعتقادها الكامل السابق بتلك المعتقدات .

وهكذا استشرى الهرج والمرج وعمَّت الفوضى واللادينية كل مناطق إيران والمجتمع الإيراني، كما رسم «برزويه» الطبيب الشهير في العهد الساساني حيث صوّر نموذجاً كاملا عن الاختلاف الاعتقادي والتشرذم الفكري، وبالتالي اضطراب الأوضاع الإيرانية في العهد الساساني، في مقدمة «كليلة ودمنة» .

الحروب الإيرانية الرومية:

لقد انقذ «بزرجمهر» ـ الوزير الإيراني الشهير الّذي كان يحتل مكان الصدارة في حكومة «انوشيروان» وكان موصوفاً بالتدبير والكفاءة العالية ـ ايران من الاخطار الّتي احدقت بها في اكثر الاحايين، ولكن علاقته بالسلطان


(116)

(انوشيروان) كانت تتأثر احياناً بسعاية الساعين ووشاية الوشاة الذين كانوا يوغرون صدر الملك ضدّه فيستصدرون منه قراراً بحبسه وسجنه .

وقد أوغرّ هؤلاء السعاة والواشون أنفسُهم صدرَ «انوشيروان» ضد امبراطور الروم، وألّبوه عليه، وشجّعوه على توسيع رقعة نفوذه، وتوسيع حدود بلاده واضعاف سيطرة منافسه الخطير، متجاهلا وثيقة «الصلح الخالد» الّتي عقدها مع الروم واتفق فيها الجانبان على عدم التعرض بعضهم لبعض .

وأدى هذا التحريض بأنوشيروان إلى مهاجمة الروم، واشتعلت على اثرها نيران الحرب، واستطاع جنود ايران ان يفتحوا سورية (وقد كانت مستعمرة رومية) في مدة قصيرة تقريباً، وحرق انطاكية ونهب آسيا الصغرى .

وبعد عشرين عاماً من القتال وسفك الدّماء، والكرّ والفر بين الروم وايران وبعد أن فقد الجانبان قدراتهم وطاقاتهم في تلك المعارك الطاحنة، وبعد الخسائر العظيمة الّتي تحمّلهما الطرفان إضطرّا إلى عقد وثيقة الصلح مرة ثانية، وحدّدوا حدود بلادهما، ومناطق نفوذهما كما كانت عليه في السابق شريطة أن تدفع دولة الروم كل عام ما يعادل (عشرين الف) دينار إلى دولة ايران .

ومِنَ الواضح الّذي لا يخفى ولا يحتاج إلى البيان أن حروباً طويلة الامد تدور رحاها بعيداً عن مركز الدولة من شأنها ان تأتي بالنتائج السيئة والتبعات الثقيلة على اقتصاد الشعب المحارب، وصناعته وتوجه إلى هذه الجوانب ضربات قوية، لا تزول آثارها إلاّ بعد زمان طويل خاصة مع ملاحظة الوسائل والأدوات في تلك العصور .

ومهما يكن فان هذه الحروب، وهذه الحملات المكلفة هيأت المقدمات الموجبة لسقوط الحكومة الإيرانية الحتمي .

فان آثار هذه المعارك لم تَزُل بعد إلاّ وقد نشبت حرب اُخرى دامت سبعة اعوام فان «تي باريوس» امبراطور الروم بعد ان تسنم عرش السلطان هدد بحملاته الكبيرة استقلال الدولة الإيرانية بدافع الانتقام .

وفي الأثناء ـ وقبل ان يتضح موقف الطرفين وموقعهما في تلك المعارك من


(117)

الهزيمة أو الانتصار ـ مات «انوشيروان» وخلفه في إدراة البلاد ابنه «خسروبرويز» .

وقد حمل هذا الأخير على الروم ايضاً، وذلك عام (614) بحجج معينة، وفتح في أول حملة من حملاته: بلاد الشام وفلسطين وأفريقية ونَهب اورشليم، وأحرق كنيسة القيامة ومزار السيّد المسيح ـ عليه السلام ـ وهدم المدن، ودمرها .

وقد انتهت هذه الحرب بعد مقتل تسعين الف من النصارى لصالح الإيرانيين .

في مثل هذه المرحلة الّتي كان فيها العالمُ المتحضر آنذاك يحترق ـ في نيران الحروب والظلم، بُعِث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالرسالة الإسلامية، وبلغ نداؤه المحيي للنفوس والعقول سمع البشرية، وقام يدعو الناس إلى الصلح والسلم، وإلى النظم والامن .

ولقد أدّى انهزامُ الروميين المتدينين، المؤمنين باللّه على أيدي المجوس الكفار، عبدة النار، إلى ان يتفاءل اهل مكة الوثنيون بهذا الحدث، ويحدّثوا (ويمنّوا) أنفسهم بالانتصار على المسلمين المؤمنين باللّه عما قريب، وانطلقوا يرددون هذه الاُمنية أمام المسلمين وهم يحاولون بها إضعاف معنويّاتهم، وزعزعة إيمانهم، الامر الّذي أقلق المسلمين .

ولم يتخذ النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ موقفاً تجاه هذه الظاهرة انتظاراً لما سينزل به عليه الوحيُ إلى ان نزلت آيات في هذا المجال هي الآيات الاُولى من سورة الروم الّتي تقول: (الم، غُلِبَتِ الرُّوْم في أدْنى الأَرْض وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غلَبهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْع سنين للّه الأمرُ منْ قبْل وَ من بَعْد وَ يَوْمئذ يَفْرَحُ الْمُؤءمِنُونَ بَنَصْر اللّه يَنصُرُ مِنْ يَشاء وَ هُوَ الْعَزيزُ الرَّحيمُ. وَعَدَ اللّهِ لا يُخْلِفُ اللّه وَعْدَهُ وَلكِنَّ اكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُون)(1) .

وقد تحقّقت نبوءة القرآن هذه حول الروم في عام (627 ميلادية) حيث


1 - الروم: 1 ـ 6 .


(118)

استولى «هرقل» على «نينوى» في حملة واحدة .

وعلى أيّة حال كانت الدولتان المتنافستان تطويان الدقائق والساعات الأخيرة من حياتهما فيما تستعدّان من ناحية اخرى لتجميع القوى، والتهيؤلشن حملات جديدة، وخوض حروب ومعارك اُخرى ولكن حيث أن الارادة الالهية كانت قد تعلقت بأن يسطع على تلك المنطقتين نورُ التوحيد وتنتعش نفوسُ الروميين والفرس الذابلة الميتة بنسائم الإسلام الناعشة، واشعته الهادية، لذلك لم يلبث أن قُتِل «خسرو برويز» على يدي ابنه «شيرويه» الّذي لم يُدْم سلطانه بعد اغتياله لأبيه اكثر من ثمانية أشهر، ثم سادت ايران بعد «شيرويه» فوضى شاملة خلال اربعة اشهر، حيث تناوب على مسند الحكم حُكامٌ وامراء عديدون أربعة منهم من النساء، إلى أن أنهى الجيشُ الاسلامىّ بحملاته الناجحة هذه الاوضاع، ووضع نهاية لهذا الصراع السياسي الحادّ الّذي استمرّ خمسين عاماً والّذي ساعد بدوره على تقدم الفتوحات الإسلامية .


(119)

4
أسلاف رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

1- بطل التوحيد: إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ

إن الهدف من استعراض حياة النبىّ العظيم إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ هو التعريف بأجداد النبىّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأسلافه، لانتهاء نسبه الشريف إلى النبىّ إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ ، وحيث ان لهاتين الشخصيتين العظيمتين وبعض أسلاف النبىّ العظام نصيبٌ هامٌّ في تاريخ العرب والإسلام، لهذا ينبغي الحديث عن أحوالهم بصورة مختصرة، خاصَّة أنَّ حوادث التاريخ الإسلامي ترتبط ارتباطاً كاملا ـ كحلقات سلسلة واحدة ـ بالحوادث السابقة، أوالمقارنة لبزوغ الإسلام .

فعلى سبيل المثال تُعْتَبر كفالة «عبدالمطلب» لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحمايته له، وجهود «ابي طالب» ودفاعه الطويل عن النبىّ، وعظمة الهاشميين وسموّ مقامهم واخلاقهم، وجذور معاداة الأمويين لهم، الاسس والقواعد الموضوعية لحوادث التاريخ الإسلامي، ولهذا كان لابدّ من تخصيص فصل كامل في التاريخ الإسلامي لهذه الابحاث .

إنّ في حياة حامل راية التوحيد النبىّ «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ نقاطاً مشرقة وبارزة جداً .

فجهاده العظيم في سبيل ارساء قواعد التوحيد واقتلاع جذور الوثنية ممّا


(120)

لا ينسى .

وهكذا حواره اللطيف والزاخر بالمعاني مع عَبَدة النجوم والكواكب في عصره والّذي ذكره القرآن الكريم لمعرفتنا، افضل واسمى درس توحيدي لطلاب الحقيقة وبغاة الحق .

مولد إبراهيم:

لقد وُلدَ بطَلُ التوحيد في بيئة مظلمة كانت تسربلها ظلمات الوثنية، وعبادة البشر... في بيئة كان الإنسان فيها يخضع لأَصنام نحتها بيديه، كما يخضع لكواكب ونجوم .

لقد وُلد حامل لواء التوحيد «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ في «بابل» الّذي يعدّها المؤرخون إحدى عجائب الدنيا السبع، ويذكرون حولها قصصاً واموراً كثيرة تنبئ عن عظمتها وأهمية حضارتها، فيقول «هيردوتس» المؤرخ المعروف ـ مثلا ـ : لقد كانت بابل بنية بشكل مربَّع طول كل ضلع من اضلاعه الاربعة (120 فرسخاً) ومحيطه (480 فرسخاً)(1) .

إنَّ هذا الكلام مهما كان مبالغاً فيه إلاّ أنه على كل حال يكشف عن حقيقة لا تقبل الإنكار، إذا ما ضُمَّ إلى ما كتبه الآخرون عن تلك المدينة التاريخية .

غير اننا لا نرى من تلك المدينة اليوم ومن مناظرها الجميلة، وقصورها الرائعة، إلاّ تلاّ من التراب في منطقة بين «دجلة» و «الفرات»، فالموت يخيّم على كل تلك المنطقة، اللّهم الا عندما يكسر علماء الآثار بتنقيباتهم جدار الصمت أحياناً، بحثاً عن آثار تلك المدينة، ويستخرجون بقاياها الموقوف على معالم من حضارة اصحابها وسكانها .

لقد فتح رائد التوحيد ومُرسي اركانه «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ عينيه


1 - قاموس الكتاب المقدّس، مادّة بابل .


(121)

في دولة «نمرود بن كنعان» .

وكان نمرود هذا رغم أنه يعبدُ الصنم يدّعي الاُلوهيَّة ويأمر الناس بعبادته .

وقد يبدو هذا الامر عجيباً جداً فكيف يمكن ان يكون الشخص عابد صنم ومع ذلك يدّعي الاُلوهية في الوقت نفسه، إلاّ أن القرآن الكريم يذكر لنا نظير هذه المسألة في شان «فرعون مصر»، وذلك عندما هزّ النبي موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ قواعد العرش الفرعوني بمنطقه القوىّ، وحجته الصاعقة، فاعترض أنصار فرعون وملأوه على هذا الأمر، وخاطبوا فرعون بلهجة معترضة قائلين: (أتذَرُ مُوسى وَ قَومهُ لِيُفْسِدُوا في الأَرْض وَ يَذركَ وآلهَتَكَ)(1) .

ومن الواضح جدّاً أن «فرعون» كان يدعي الالوهية فهو الّذي كان يقول: (أَنا رَبُّكُمُ الاَْعْلى)(2)وهو القائل: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ اله غَيْريْ)(3) ولكنه كان في الوقت نفسه عابد صنم ووثنياً .

بَيْدَ أَنَّ هذه الازدواجية ليست بأَمر غريب عند الوثنيين، ولا يمنع مانع في منطقهم أن يكون الشخصُ نفسه وثنياً يعبد الصنم، ومع ذلك يَدَّعي أنه الهٌ ويدعو الناس إلى عبادته فيكون الهاً معبوداً، يعبد الهاً أعلى منه، لأن المقصود من المعبود والاله ليس هو خالق الكون بل هو من يتفوَّق على الآخرين بنحو من أنحاء التفوق ويتملك زمام حياتهم بشكل من الإشكال .

هذا والتاريخ يحدثنا أن العوائد في بلاد الروم كانت تعبد كبارها ومع ذلك كان اولئك الكبار المعبودين انفسهم يتخذون لأنفسهم معبوداً أو معبودات اُخرى .

إن أكبر وسيلة توسَّل بها «نمرودُ» في هذا السبيل هو استقطاب جماعة من الكهنة والمنجمين الذين كانوا يُعدّون الطبقة العالمة والمثقَّفة في ذلك العصر .

فقد كان خضوعُ هذه الطبقة يمهّد لاستعمار الطبقة المنحطة وغير الواعية من الناس.

هذا مضافاً إلى أنه كان يُناصر «نمرود» بعضُ من ينتسب إلى «الخليل»


1 - الأعراف: 127 .
2 - النازعات: 24 .
3 - القصص: 38 .


(122)

ـ عليه السلام ـ بوشيجة القربى مثل «آزر» الّذي كان يصنع التماثيل، وكان عارفاً بأحوال النجوم والفلك أيضاً، وكان هذا هو الآخر أحد العراقيل الّتي كانت تمنع الخليل من انجاح مهمته، لأنه مضافاً إلى مخالفة الرأي العام له، كان يواجه مخالفة أقاربه ايضاً .

لقد كان نمرود غارقاً في عالم خيالي عندما دق المنجمون فجأة أول ناقوس للخطر وقالوا له: سوف تنهار حكومتُك، ويتهاوى عرشك وسلطانك على يد رجل يولد في تلك البيئة، الأمر الّذي أيقظ أفكاره النائمة، فتساءل من فوره، وهل وُلد هذا الرجل؟ فقيل له: لا، انه لم يولد بعد. فأمر من فوره بعزل الرجال عن النساء (وذلك في الليلة الّتي انعقدت فيها نطفة ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ عدو نمرود، وهادم ملكه، ومزيل سلطانه وهي الليلة التي حددها وتكهن بها المنجمون والكهنة من انصار نمرود) ومع ذلك كان جلاوزة «نمرود» يقتلون كل وليد ذكر، وكان على القوابل ان يسجِّلن اسماء المواليد في مكتبه الخاص .

ولقد اتفق أن انعقدت نطفةُ «الخليل» في نفس الليلة الّتي منع فيها اي لقاء جنسي بين الرجال، وازواجهم .

لقد حملت اُم إبراهيم به كما حملت اُم موسى به، وامضت فترة حملها في خفاء وتستر، ثم لجأت بعد وضع وليدها العزيز إلى غار بجبل على مقربة من المدينة حفاظاً عليه، وراحت تتفقده بين حين وآخر من الليل والنهار، قدر المستطاع .

وقد أرضى هذا الاسلوبُ الظالمُ «نمروداً» وأراح باله بمرور الزمن، إذ أيقن بانه قد قضى به على عدو عرشه، وهادم سلطانه، وتخلص منه .

لقد قضى «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ ثلاثة عشر عاماً في ذلك الغار الّذي كان يتصل بالعالم الخارجي عبر باب ضيّق، ثم أخرجته اُمه من ذلك الغار بعد ثلاثة عشر عاماً، ودخل «ابراهيم» في المجتمع، فاستغرب المجتمع النمرودي وجوده وانكروه(1) .


1 - تفسير البرهان: ج 1، ص 535 .


(123)

لقد خرج «إبراهيم» من الغار، مؤمناً باللّه بفطرته، وقوّى توحيده الفطري، بمشاهَدة الأَرض والسماء، والنظر في سطوع الكواكب والنجوم والتأمل في ما يجري في عالم النبات من نمو و حركة إلى غير ذلك ممّا يجري في عالم الطبيعة العجيب .

لقد واجه إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد خروجه من الغار جماعة من الناس بهرتهم أحوال الكواكب وعظمة أمرها، ففقدوا عقولهم تجاه هذه الظاهرة، كما راى جماعةٌ اُخرى أحطَّ فكريّاً من سابقتها يعبدون اصناماً منحوتة، بل واجه ما هو اسوأ بكثير من أعضاء الطوائف والجماعات الضالة إذ رأى رجلا يستغل جهل الناس وغبائهم ويدعي الالوهية ويفرض عليهم عبادته والخضوع له!!

لقد كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ يرى أَنَّ عليه أن يهيّىء نفسه لخوض المعركة في هذه الجهات الثلاث المختلفة، وقد نقل القرآن الكريم قصة نضال النبىّ «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ في هذه الاصعدة والجبهات الثلاث وسننقل لك في ما يأتي وباختصار ما ذكره القرآن في هذا المجال .

إبراهيم ومكافحته للوثنية:

كانت ظلمات الوثنية قد خيَّمت على منطقة بابل (موضع ولادة الخليل) برمتها .

فالآلهة المدَّعاة، والمعبودات (السماوية والارضية) الباطلة قد سحرت عقول مختلف فئات الشعب، فبعضها في نظرهم هي أرباب القدرة والسلطة، وبعضها الآخر وسيلة الزلفى والتقرب إلى اللّه إلى غير ذلك من التصورات السخيفة في هذا الصعيد .

وحيث أَن طريقة الأَنبياء في هداية البشرية وارشادهم هي الاستدلال بالبراهين، والاحتجاج بالمنطق، لانهم إنما يتعاملون مع قلوب الناس وعقولهم، ويبتغون ايجاد حكومة تقوم على أساس الإيمان واليقين، ومثل هذه الحكومة لا يمكن اقامتها بالسيف أو بالنار والحديد. لهذا يبدأون حركتهم بالتوعية الفكرية .

إن علينا أن نفرق بين الحكومات الّتي يريد الأنبياء تأسيسها، وحكومة


(124)

الفراعنة والنماردة .

ان هدف الطائفة الثانية هو: الرئاسة والزعامة، والحفاظ عليها بكل وسيلة ممكنة في حياتهم، وان تلاشت وتهاوت من بعدهم .

ولكن الانبياء والرسل يريدون حكومة تبقى قائمة في جميع الحالات وماثلة في جميع الاوقات، في الخلوة والجلوة، في وقت الضعف، وفي وقت القوة، في حياتهم وبعد مماتهم... انهم يريدون أن يحكموا على القلوب لا على الابدان، وهذا الهدف لا يتحقق ابداً عن طريق القوة واستخدام العنف والقهر!! انما يتحقق عن طريق الحجة والبرهان .

لقد بدأ النبيُ «إبراهيم» عملَه بمكافحة ما كان عليه أقرباؤُه الذين كان في طليعتهم وعلى رأسهم «آزر» وهو الوثنية وعبادة الاصنام، ولكنه لم ينته من هذه المعركة ولم يحرز إنتصاراً كاملا في هذه الجبهة بعد إلاّ وواجه ـ عليه السلام ـ جبهة اُخرى، وكانت هذه الجماعة أعلى مستوى من افراد الجماعة السابقة في الفهم والثقافة. لان هذه الجماعة ـ على خلاف أقرباء إبراهيم ـ قد نبذت عبادة الأوثان والأَصنام(1)، والمعبودات الارضية الحقيرة، وتوجهت بعبادتها وتقديسها إلى الكواكب والنجوم والاجرام السماوية .

ولقد بيَّن «الخليل» ـ عليه السلام ـ في حواره العقائدي مع عُبّاد الاجرام السماوية، ومكافحته لمعتقداتهم الفاسدة، سلسلة من الحقائق الفلسفية والعلمية الّتي لم يصل إليها الفكر البشري يومذاك، وذلك ببيان بسيط مدعوم بأدلة لا تزال إلى اليوم موضع اعجاب كبار العلماء، ورواد الفلسفة والكلام .

والأَهم من ذلك ـ في هذا المجال ـ أن القرآن الكريم نقل أدلة «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ باهتمام خاص وعناية بالغة ولهذا ينبغي لنا أن نتوقف عندها قليلا، وهذا ما سنفعله في هذه الصفحات .


1 - ترتبط آية 74 من سورة الأنعام بحواره ـ عليه السلام ـ مع الوثنيّين، بينما ترتبط الآيات اللاحقة لها بعبدة الأجرام السماوية .

Website Security Test