welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(56)

عقيدة العرب حول حالة الإنسان بعد الموت:

وعن مصير الإنسان وحالته ما بعد الموت هذه المشكلة الفلسفية العويصة كانت رؤية العرب ونظرتهم تتلخص في ما يلي:

عند ما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده على هيئة طائر شبيه بالبوم يسمى عندهم بـ «الهامّة والصدى» ثم يبقى هذا الطائر قريباً من جسد الميت ينوح نوحاً مقرحاً وموحشاً، وعند ما يوارى الميت يبقى هذا الطائر مقيماً عند قبره إلى الابد!

وربما وقفَ على جدار منزل الميت أحياناً لِتَسقُّطِ أخبار عائلته والاطلاع على أحوالهم!!

قال شاعرهم في ذلك:

سُلِّطَ المُوتُ والمنونُ عليهم * فَلَهم في صدى المقابر هامُ

وإذا كان المرء قدمات بموتَة غير طبيعية كما لو قُتِلَ ـ مثلا ـ فإنَ ذلك الحيوان ينادي باستمرار: «اسقوني... اسقوني» اي اسقوني بسفك دم القاتل واراقته; ولا يسكن عن هذا النواح والنداء الخاص الابعد الانتقام والثأر من قاتله.

قال احدهم في ذلك:

فياربّ إنْ أهلَكْ ولم تُروَهامتي * بِلَيلي اَمُتْ لا قَبرَ أَعطَشَ مِن قَبري(1)

من هنا بالضبط تتجلى الحقيقة للقارىء ويعلم جيداً كيف أن تاريخ العرب ما قبل الإسلام وتاريخهم ما بعد الإسلام ما هو الاّ تاريخان على طرفي نقيض:

فذلك تاريخ جاهلية، ووثنية وإجرام، وهذا تاريخ علم ووَحدانية وانسانية وايمان، وشتان ما بين وأد البنات، وبين رعاية الايتام، وبين السلب والنهب والاغارة وبين المواساة والايثار، وبين عبادة الاوثان والاصنام الصماء العمياء


1 - بلوغ الارب: ج 2، ص 311 و 312 .


(57)

والتقرب إلى اللّه الواحد القادر .

الآداب مرآة آداب الشعوب ونفسياتها:

المخلَّفاتُ الفكرية والثقافية، وما يتركه أيُ شعب من الشعوب من قصص وحكايات افضل وسيلة للتعرف على خلفياته النفسية والأخلاقية، ذلك لأنّ الآداب بما فيها الشعرُ والقصةُ، والخطبةُ والحكايةُ، والمثلُ والكنايةُ مرآةٌ صادقةٌ تعكس المستوى الفكري لأيّة جماعة، وتعتبرُ خير مقياس لتمدّنها، وحضاراتها، وأفكارها ونفسياتها، تماماً كما تحكي اللوحاتُ الفنيةُ عن حياة عائلة، أو منظر طبيعي جميل، أو اجتماعات صاخبة، أو مشاهدَ قتالية .

إنَ القصائد والأَمثال العَربية الّتي كانت رائجة آنذاك تستطيع ـ قبل كل شيء ـ أن تكشف عن الوجه الحقيقي لتاريخهم ونمط حياتهم وسلوكهم، ولهذا السبب لا يجوز لأي مؤرخ واقعي يسعى إلى الحصول على صورة كاملة عن تاريخ شعب من الشعوب أن يتجاهل التركة الفكرية والأدبية والثقافية لذلك الشعب سواء أكان شعراً أم نثراً، أمثالا أم حكماً، قصصاً أم أساطير .

ومن حسن الحظ أنّ مؤرخي الإسلام اثبتوا وسجلوا باتقان ما اُثِرَ من العرب ممّا يرتبط بآدابهم في العصر الجاهلي بقدر ما اُتيحَ لهم ذلك .

وقد كان ابو تمام «حبيب بن اويس» (المتوفى عام 231 هجرية) والّذي يُعتبر من كبار أُدباء الشيعة، وله قصائد رائعة في مدح آل الرسول، ممن اعتنى عناية بالغة بهذه الناحية، حيث جَمع في كتاب واحد طائفة كبيرة جداً من الشعر الجاهلي مفصلة في عشرة أبواب هي:

1- الحماسة .

2ـ المراثي .

3- الادب .

4- النسيب .

5- الهجاء .


(58)

6- الاضافات .

7- الصفات .

8- السير .

9- المُلَح .

10- مذمة النساء .

وقد تناولَ هذا الديوان التاريخيُ القيم عددٌ كبيرٌ من أُدباء المسلمين وعلمائهم بشرح ابياته، وتفسير غوامضها، وبيان اغراضها، ومقاصدها.

كما ترجم أصلُ الديوان إلى لغات اجنبية عديدة جاء ذكر طائفة منها في كتاب «معجم المطبوعات»(1) .

مكانة المرأة عند العرب الجاهلية:

إن الباب العاشر من هذا الديوان خير وسيلة لمعرفة ما كانت عليه المرأة في العصر الجاهلي من الحرمان، وأقوى دليل على أنها كانت تعيشُ ـ في ظل ذلك العهد ـ في أسوأ الحالات وأشد الظروف واتعسها .

هذا مضافاً إلى أن الآيات القرآنية الّتي تنزلت وهي تشجبُ بعنف معاملة الجاهلين للعنصر النسائي، وقسوتهم على الاُنثى، هي الاُخرى افضل شاهد على مدى الانحطاط الاخلاقي والتدهور السلوكي الّذي انحدروا إليه في هذا المجال .

إن القرآن الكريم يصف عادة وأد البنات بقوله: (وإذا الموؤدة سُئلت)(2) أي ليسئل يوم القيامة عن البنات اللاتي وُئدن وهنّ أحياء .

إن القرآن الكريم بهذه العبارة الموحية إنما يتحدث ـ في الحقيقة ـ عن عادة وأدالبنات بمرارة، ويشجبها بشدة حتّى أنه يعتبرها جريمة نكراء لا تمر ـ في الآخرة ـ بدون حساب شديد، وسؤال خاص .


1 - معجم المطبوعات: ص 297، وقد اشتهر هذا الديوان ببابه الأول: «الحماسة» فسمي ديوان الحماسة.
2 - التكوير: 8 .


(59)

حقاً انه لأمرٌ يكشف عن مدى القسوة الّتي كان عليها قلوبُ الجماعة .

إنها قسوة تغشى كل عواطف المرء فلا يعود يسمع معها نداء الضمير، ولا يحسُّ معها بوخز الوجدان، انه لا يعود يسمع معها حتّى صراخ بنته الجميلة البريئة، واستغاثاتها المؤلمة وهي ترى باُم عينيها حفيرتها، وتحس بيدي والدها القاسي، وهو يدفعها إلى تلك الحفرة ويدفنها حية!

إنها قسوة تكشف عن أسوأ وأحطّ درجات الانحطاط الخلقي، والتقهقر الإنساني .

وبنو تميم هي أول قبيلة اقدمت على هذه الجريمة النكراء، وكان السبب أن «بني تميم» أمتنعوا من دفع ضريبة الاتاوة الّتي كانت عليهم إلى الملك، فجرّد اليهم النعمان بن المنذر حاكم العراق آنذاك جيشاً كبيراً لضرب هذا التمرد، وانتصر على «بني تميم» في المآل وغنم منهم الغنائم وسبى منهم الفتيات والنساء، فوفدت وفود «بني تميم» على النعمان بن المنذر وكلّموه في الذراري والنساء، فحكم النعمان بان يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجَها ردّت عليه، فاختلَفْنَ في الخيار، فاختار بعضهُنَّ العودة إلى الاهل والاباء، واختارت بنتٌ لقيس بن عاصم سابيها على زوجها مما أثار هذا الموقف والاختيار غيظ والدها العجوز «قيس بن عاصم» فنذرَ من ذلك الحين أنْ يدسَ كلَ بنت تُولَد له. وهكذا سنّ لقومه الوأد، واخذت بقية القبائل بهذه العادة البغيضة الوحشية إرضاءً لغيرتهم وظلّوا يمارسونها اعواماً متمادية(1) .

واليك واحدة من القصص المأساوية في هذا المجال:

قيل لماوفد «قيس بن عاصم» على رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سأله بعض الانصار عما يتحدث به في الموؤدات، فاخبر انه ما ولدت له بنت إلاّ وأدها، قال: كنتُ اخاف العار وما رحمتُ منهنَ إلاّ بُنيّة كانت ولدتها اُمها وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخواتها، وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فاُخبِرت أنها


1 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 42 و 43 .


(60)

ولَدت ولداً ميتاً، وكتمتْ حالها، حتّى مضت على ذلك سنونٌ، وكبرت الصبية، وينعت، فزارت اُمها ذات يوم، فدخلتُ فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليها ودعاً، والبستها قلادة من جزع فقلت لها: من هذه الصبية؟ وقد اعجبني جمالها فبكت اُمها، وقالت: هذه ابنتك، فامسكتُ عنها حتّى غفلتْ اُمها ثم اخرجتها يوماً فحفرتُ لها حفرة وجعلتها فيها وهي تقول: يا ابت ما تصنع؟ أخبرني بحقك!! وجعلتُ اُقلّب عليها التراب، وهي تقول: أنت مغط علىَّ بهذا التراب، أنت تاركي وحدي، ومنصرفٌ عني، وجعلتُ اقذفُ عليها حتّى واريتها، وانقطع صوتُها، فتلك حسرتها في قلبي، فَدَمعتْ عينا رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: «إن هذه لقسوة، ومن لا يَرحَم لا يُرحَم»(1) .

وقد ذكر ابن الاثير في كتابه «اُسد الغابة» في مادة: قيس: ان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سأل قيساً عن عدد البنات اللاتي وأدهنَّ في الجاهلية: فاجاب قيسٌ بانه وأد اثنتي عشرة بنتاً له(2) .

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: كانت الحامل إذا قَربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة، فاذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وإذا ولدت ولداً حبسته(3) .

المرأة ومكانتها الاجتماعية عند العرب:

كانت المرأة عندهم تباع وَ تُشترى كالمتاع، وكانت محرومة من جميع الحقوق الاجتماعيّة والفردية، حتّى حق الارث .

وقد كان المثقفون من العرب يعُدُّون النساء من الحَيوانات، ولهذا كانوا يعتبرونهن جزءً من أثاث البيت ويعاملونهن معاملة الرياش والفراش حتّى سار


1 - حياة محمَّد: تأليف محمَّد علي سالمين، ص 24 و 25 .
2 - راجعُ اسد الغابة: ج 4، ص 220، وجاء في بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 43 أنه وأد بضع عشرة بنتاً .
3 - بلوغُ الارب: ج 3، ص 43 .


(61)

فيهم المثلُ المعروفُ: «وانما امّهات الناس اوعية» .

كما أنهم غالباً ما كانوا يقتلون بناتهم في اليوم الاول من ميلادهن خشية الفقر تارة، ودفعاً للعار والشنآن تارة اُخرى .

وقد كان هذا القتل يَتُمُّ إما بذبحهن أو إلقاءهنّ من شاهق، أو إغراقهنّ في الماء أو الدفن وهن أحياء كما سبق .

وقد تعرض القرآنُ الكريم ـ الّذي يعدّ من وجهة نظر المستشرقين الكتابَ والمصدرَ التاريخي العلمي الوحيد الّذي لم تنله يدُ التحريف - تعرَّض لذكر قصة من هذا النوع ضمن آيات من سورة النحل حيث قال: (و إذا بُشِّرَ أحدُهم بالاُنثى ظلَّ وجهُهُ مُسَوّداً وهو كظيم يتوارى مِن القوم مِنْ سُوءِ ما بُشِّر بِه أيمسِكُهُ عَلى هُون اَمْ يَدسُّهُ في التُرابَ ألا ساء ما يحكمونَ)(1) .

هذا والمؤسف أكثر هو ما كان عليه وضع الزواج في الجاهلية، حيث لم يكن يستند إلى أي قانون، ولم يخضع لأىّ واحد من النظم المعقولة، بل كان وضعاً عديم النظير في ذلك الزمان، فلم يكن لعدد الزوجات ـ مثلا ـ حد معلوم، أو قاعدة ثابتة .

كما انه كلما أرادوا التخلص من مهر الزوجة عمدوا إلى ايذاءها بقسوة، حتّى تتخلى هي بنفسها عن حقها، وكان اقترافها لأىّ عَمل مناف للعفة هو الآخر سبباً لسقوط حقها في المهر بالمرة .

ولطالما استغلَّ بعض الاشخاص هذا القانون الجائر للتخلص مِن مهور زوجاتهم فاتهموهن بالخيانة الزوجية!!

ومن قبيح ما كانوا يفعلون ان يتزوج الرجل بزوجة أبيه بعد تطليقها، أو وفاته وربما تناوب الأبناء على امرأة أبيهم واحداً بعد واحد، فقد كانَ الرجل من العرب الجاهلية إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه، فان كان يحبُّ أن يتزوجها طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن يريد التزوج بها تزوَّج بها بعضُ اخوته بمهر


1 - النحل: 58 و 59 .


(62)

جديد(1) .

وقد ابطل الإسلامُ هذه العادة الفاسدة حيث قال اللّه تعالى: (و لا تنكحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساء إلاّ ما قد سَلَف إنَّهُ كانَ فاحِشَة ومقتاً وساء سَبيلا)(2) .

وقد ذكرت كتبُ التاريخ والسيرة طائفة ممن فعلوا هذا نعرض عن ذكر أسماءهم .

كما ذكرت تلك الكتب انواعاً اُخرى من المناكح الفاسدة الشنيعة الّتي أبطلها الإسلام(3).

ثم إن المطلَّقة لم يكن لها الحق ـ في زمن الجاهلية ـ في ان تتزوج برجل آخر بعد انقضاء عدّتها إلا إذا اذنَ لها الزوجُ الأول الّذي كان غالباً مّا يأخذ مهرها في الزواج الثاني في قبال الاذن .

وربما مَنَع اولياؤُها من أن تتزوج بزوجها الاول الّذي طلَّقها، ثم خطبها بعد انقضاء العدة إذا رضيَتْ به ورغبت فيه، أو أنْ تتزوج بمن أرادَت واحبَّت ـ بعد انقضاء العِدّة ـ أصلا، حميّة جاهلية .

وكان الرجُل يرث امرأة ذي قرابته إذا مات عنها، تماماً كما يرث ما خَلف من أمتِعةِ المنزل، زاعماً بانه أحقُ بها من غيره، فيعظلها (يمنعها من الزواج) أو ترّدُ إليه صداقها، وفي رواية; إن كانت جميلة تزوجها، وان كانت دميمة حبسها حتّى تموتَ فيرثها، وقد نهى اللّه تعالى عن ذلك، وأبطلَ تلك العادات إذ قال تعالى: (وَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَبلغنَ أَجَلَهُنَّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنكِحْنَ أزواجَهُنَّ إذا تَراضَوا بَيْنَهُمْ بِالْمَعرُوفِ ذلِكَ يُوعَظ بِه مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمنُ باللّه واليَوْمَ الآخِر ذلِكُمْ اَزكى لَكُمْ وَ أطْهَرُ وَ اللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(4) .


1 - المحبر: ص 326 و 327 .
2 - النساء: 22، و كانوا يُسمّون من يتزوج زوجة أبيه الضيزن، وكان هذا الزواج يسمّى في الجاهلية «نكاح المقت» ويُسمى الولد منه: مقتّي. (راجع بلوغ الارب: ج 2، ص 53 ومجمع البيان للطبرسي: ج 3، ص 26).
3 - المحبر: 337 ـ 340 .
4 - البقرة: 232 .


(63)

وقال سبحانه: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَرثُوا النِّساء كَرْهاً وَ لا تَعضلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْض ما آتيتُموهُنَّ)(1) .

وقال تعالى: (وَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه)(2) .

وخلاصة القول; إن المرأة كانت في العَهد الجاهِليِّ بشرّ حال، ويكفي لتلخيص ما قلناهُ انه لما خطب احدهم إلى رجل ابنَتَه، وذكَرَ لَهُ المهر والصداق قال: إنّي وإن سِيْقَ إلىّ المهْر ألْف وعَبْدانِ (اي عَبيدَ ومماليك) وذَوْد (وهو من الابل مِنَ الثلاث إلى العشر) عَشْرُ، أَحَبُّ أصْهاري إلىّ القَبْرُ وقال شاعرهم، في ذلك.

لِكُلِّ أبي بِنت يُراعي شُؤْونَها * ثلاثةُ أصهار إذا حمد الصهرُ

فَبَعَلٌ يراعيها وخدر يكنها * وَقبرٌ يُواريها وأفضَلُها القبر(3)

كما ان العرب كانت مصفقة ومتفقة على توريث البنين دون البنات(4).

مقارنة بسيطة:

ولو لاحظتَ أيها القارىء الحقوق الّتي قررها الإسلام في مجال (المرأة) لاذعنتَ ـ حقاً ـ بأن هذه الاحكام والمقررات وهذه الخطوات المؤثرة الّتي خطاها النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في سبيل اصلاح حقوق المرأة، وتحسين اوضاعها، هي بذاتها شاهدُ حق، ودليل صدق على حقانيّته، وصدق ارتباطه بعالم الوحي .

فاية رعاية ولطف بالمرأة وحقوقها وأي اهتمام بشأنها وكرامتها أعلى واكثر من ان يوصي النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مضافاً إلى ما جاء في آيات واحاديث كثيرة تؤكّد على حقوق المرأة وتوصي أتباع هذا الدين بالرحمة بهن واحترامهن في


1 - النساء: 19 .
2 - البقرة: 231 .
3 - بلوغ الارب: ج 2، ص 9 .
4 - المحبر: ص 236 .


(64)

خطبته الشهيرة في (حجَة الوداع) بالمرأة، ويؤكد على ذلك اشد تأكيد إذ يقول ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

(ايها النَّاسُ إنَّ لِنساءكُمْ عَلَيكُمْ حقاً، ولكم عليهنَّ حقاً... فاتقوا اللّه في النِّساء واْستوصُوا بهنَّ خيراً، فانهنَّ عندكم عبوانٌ... أطعمُوهُنَّ ممّا تأكُلُون، وألْبِسُوهُنَّ ممّا تَلبِسُونَ)(1) .

العربُ والرُّوح القتالية:

من الناحية النفسية يمكن القول بان عرب الجاهلية كانوا النموذج الكامل للإنسان الحريص، الموصوف بالطمَع الشديد، القوىّ التعلق بالماديات.

لقد كانوا ينظرون الى كل شيء من زاوية منافعه ومردوداته المادية، كما أنهم كانوا دائماً يرون لأنفسهم فضيلة وميزة على الآخرين .

كانوا يحبّون الحرية حباً شديداً، ولذلك كانوا يكرهون كل شيء يقيّد حريتهم .

يقول ابن خلدون عنهم: «إنهم (اي العرب الجاهلية) بطبيعة التوحُّش الّذي فيهم اهلُ انتهاب وعيث، ينتهبون ما قدروا عليه... وكان ذلك عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الإنقياد للسياسة وهذه الطبيعة منافيةٌ للعمران ومناقضة له» .

ويضيف قائلا: «فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وان رزقهم في ضلال رماحهم وليس عندهم في أخذ اموال الناس حدُّ ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو مَتاع أو ماعون انتهبوه»(2) .

لقد كانت الاغارة وكان النهب والقتال من العادات المستحكمة عند القوم، ومن الطبائع الثانوية في نفوسهم، وقد بلغ ولعهم وشغفهم بكل ذلك ونزوعهم


1 - وردت هذه العبارات في مصادر مختلفة مع شيء طفيف من الاختلاف، راجع تحف العقول: ص 33 و 34 .
2 - مقدّمة ابن خلدون: ص 149 .


(65)

الشديد إليه أن أحدهم ـ كما يقال ـ سأل النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد أن سمع منه وصف الجنة وما فيها من نعيم: وهل فيها قتال؟

ولما سمع الجواب بالنفي قال: اذن لا خير فيها!!

اجل لقد سجل التاريخ للعرب ما يقرب من (1700) وقعة وحرباً، امتد أمدُ بعضها إلى مائة سنة أو اكثر، يعني أن أجيالا كثيرة كانت تتوارث الحرب، وتستمر في قتال الخصم، وربَّ حرب دامية طويلةُ الأمد إندَلعت بسبب قضيَة تافهة(1) .

لقد كان العربي في العهد الجاهلي يعتقد بأنَ الدم لا يغسلهُ الا الدم، وقضية «الشنفري» الّتي هي اشبه بالأساطير لغرابتها يمكن أن تعكس مدى «العصبية الجاهلية» الّتي كانت سائدة آنذاك .

فالشنفري يُهانُ على يد رجل من «بني سلامان» فيعزم على الانتقام منه، وذلك بأن يقتل مائة من تلك القبيلة، وبعد التربُّص الطويل يغتال تسعاً وتسعين، ويبقى مشرَّداً حتّى تغتالُه جماعة من اللصوص عند بئر فتفعل جمجمته ـ بعد مقتله ـ فعلتها، اذْ تتسبَّبُ بعد مرور سنين ـ في قتل رجل من قبيلة ـ «بني سلامان» وبذلك يكتمل العدد الّذي حلف على قتلهم من تلك القبيلة، وذلك عندما يمر رجل من «بني سلامان» على تلك المنطقة فيهب طوفان شديد يلقي بجمجمة «شنفرة» على ذلك الرجل فتصيبُه في رجله بشدة، فيموتُ بما لحقه من ألم وجراحة(2) .


1 - العرب قبل الإسلام: ص 319 و 320، هذا وتعتبر حرب داحس والغبراء، من أيام العرب التاريخية قبل الإسلام، وقد نشأت بسبب سباق بين فرسين هما داحس والغبراء (وهو فرسين لقيس بن زهير من بني عبس) وفرسين آخرين (لحذيفة الغدر) انتهى إلى التنازع في السباق وازداد التنافر بين المتسابقين وانجرّ إلى طعن أحدهما الآخر، وأن تتهيأ على اثر ذلك مقدماتُ حرب طويلة بين قبيلتي الرجلين وحلفائهما استمرت من عام 568 م إلى عام 608 م وموت كثيرين .
(راجع تاريخ العرب وآدابهم ص 47 و الكامل لابن الأثير: ج 1، ص 204) .
2 - تاريخ العرب: ج 1، ص 111، وراجع أيضاً بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 2، ص 145 و 146 .


(66)

ولقد بلغ اُنس العرب الجاهلية بالقتال وسفك الدماء أن جعلوا القتل والسفك للدماء من مفاخر الرجال!!

ويبدو ذلك جلياً لمن يقرأ قصائدهم الملحمية الّتي تفوح منها رائحة الدم، ويخيّم عليها شبح الموت، تلك القُصائد الّتي يمدح فيها الشاعر نفسه أو قبيلته بما أراقوه من دماء!!، وما ازهقوه من ارواح وما سبوه من نساء!!، وأيتموه من أطفال!!

ونجد في البيت الشعرىّ التالي مدى انزعاج الشاعر العربىّ الجاهلي لما اصابَ قبيلته مِن نكسة وذل وهزيمة في ميدان القتال، إذ يقول:

فَلَيْتَ لي بِهمُو قَوماً إذا ركَبُوا * شَنُّوا الإغارَة رُكباناً وفُرسانا

ويصف القرآن الكريم هذه الحالة بقوله: (وَ كُنْتم عَلى شَفا حُفْرة مِنَ النّار فَأَنْقَذَكُمْ مِنها)(1) .

الاخلاق العامة في المجتمع الجاهلي العربي:

ومهما يكن من امر فان عوامل مختلفة كالجهل وضيق ذات اليد، وجشوبة العيش، وعدم وجود قانون صحيح يحكم الحياة الاجتماعية، وحالة البداوة الموجبة للتوحش، والكسل والبطالة وغير ذلك من الرذائل الاخلاقية كانت قد حَولَّتْ جوَّ الجزيرة العربية إلى جوّ فاسد قاتم، حتّى أن اُموراً يندى لها الجبين قد اخذت طريقها إلى حياة تلك الجماعة وراحت تتخذ شيئاً فشيئاً صفة العادات المتعارفة!!

لقد كانت الغارات وعملياتُ النهب، والقمار، والربا، والاسر، والسبي من الأعمال والممارسات الرائجة في حياة العرب الجاهلية، وكان شرب الخمر ومعاقرتها بلا حدود هو الآخر من الأعمال القبيحة الشائعة لديهم، ولقد ترسَّخت هذه العادة القبيحة في حياتهم إلى درجة انها صارت جزء من طبيعتهم، وحتّى أن


1 - آل عمران: 103 .


(67)

شعراءهم خصّصوا مساحات كبيرة في قصائدهم لامتداح الخمرة ووصفها وكانت الحانات مفتوحة في وجه الناس طيلة الوقت تستقبل الزبائن، وقد نُصِبَت عليها رايات.

فها هو شاعرُهم يقول:

إذا متُّ فادفِنىّ إلى جَنبِ كَرَمة * تُرَوّي عِظامي بَعدَ مَوتى عُرُوقُها

ولا تَدفِنَنىَّ في الفَلاةِ فإنَّنِي * أخافُ إذا مامِتُّ أن لا أذوقُها(1)

لَقَدْ بَلغت معاقَرةُ الخمر من الرواج في الحياة العربية الجاهلية بحيث اصبحت لفظة «التجارة» تعادل في عرفهم بيع الخمور، والاتجاربها .

ولقد كانت الأخلاق تفسَر عند العرب الجاهلية بنحو آخر عجيب، فانهم مثلا كانوا يمدحون الشجاعة والمروءة والغيرة، ولكنهم كانوا يقصدون من «الشجاعة» القدرة على الإغارة وسفك الدماء، وكثرة عدد القتلى في الحروب!!

كما أن الغيرة كانت تعني عندهم وأد البنات حتّى أن هذا العمل الوحشيّ كان يُعدّ عندهم من أعلى مظاهر الغيرة، وكانوا يرون الوفاء والوحدة في نصرة الحليف حقاً أو باطلا، وهكذا فان اكثر القصص التي نُقِلَت عن شجاعتهم وشَغَفهم بالحرية كانت الشجاعة والشغف بالحرية فيها تتلخص وتتجسَّد في الاغارة والانتقام .

انهم كانوا يعشقون ـ في حياتهم ـ المرأة والخمرة والحرب ليس غير .

النزوع إلى الخرافة والاساطير في المجتمع الجاهلي:

ولقد بَيَّنَ القرآنُ الكريمُ اهدافُ البعثة المحمَّدية المقدسة بعبارات موجزة، وممّا يلفت النظر ـ اكثر من أىّ شيء - ما ذكرهُ تعالى في الكتاب العزيز حول أهم هذه الاهداف والغايات العليا إذ قال: (وَ يَضَعُ عنهُمْ إصْرَهُمْ و الأَغْلالَ الَّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(2) .


1 - تفسير مفاتيح الغيب: ج 2، ص 262، طبعة مصر: 1305 .
2 - الأعراف: 157 .


(68)

فلابدَّ أن نعرفَ ماذا كانت تلك الاَغلال والسلاسلَ الّتي كانتْ عَربُ الجاهلية ترزخُ تحتها حتّى قَبيْل بُزوغ فجر الإسلام؟

لا ريبَ أَنَّها لم تكن من جنس الأَغلال والسَلاسل الحديدية، ولم يكن المقصودُ منها ذلك أبداً، فماذا كانت إذَنْ يا ترى؟

أجَل إنَ المقصودَ مِنْ هذه الاغلال هي الأوهام والخرافات الّتي كانت تَقيِّد العقلَ العربي عن الحركة، وتعيقه عن النمو والتقدم، ولا شك أن مثل هذه السلاسل والأغلال الّتي تقيّد الفكر البشري وتمنعه من التحليق والتسامي، اثقل بكثير من الاغلالَ والقيود الحديدية واضرّ على الإنسان منها بدَرجات ومراتب، لأنّ الأغلالَ الحَديديَة توضَع عن الأيدي والأرجل بعد مضي زمان، ويتحرر الإنسان منها، بعد حين، ليدخل معترك الحياة بعقلية سليمة مبرّاة من الأوهام والخرافات، وقد زالَتْ عنه ما تركته تلك الحدائد من جروح وآلام .

أما السلاسل والاغلال الفكرية (ونعنى بها الاوهام والاباطيل والخرافات) التي قد تهيمن على عقل الإنسان وتكبّلُ شعوره فانها طالما رافقت الإنسان إلى لحظة وفاته، واعاقته عن المسير والانطلاق، دون ان يستطيع التحرر منها، والتخلص من آثارها، وتبعاتها، اللهم إذا استعان على ذلك بالتفكير السليم، والهداية الصحيحة .

فبالتفكير السليم وفي ضوء العقل البعيد عن أىّ وهم وخيال يمكنه التخلص مِن تلك الاغلال والقيود الثقيلة، وأما بدون ذلك فإن أىّ سعي للإنسان في هذا السبيل سيبوء بالفشل .

إن من أكبر مفاخر نبي الإسلام أنه كافَحَ الخرافات، وأعلن حرباً شعواء على الأَساطير، ودعا إلى تطهير العقل من أدران الأوهام والتخيلات، وقال: لقد جئت لاخذ بساعِد العقل البشري، وأشدَ عضدَه، واُحارب الخرافه مهما كان مصدرها. وكيفما كان لونها وأيّا كانت غايتها، حتّى لو خَدَمَت أهدافي، وساعَدَتْ على تحقيق مقاصدي المقدسة .

إنّ ساسة العالم الذين لاتهمهم إلاّ إرساء قواعد حكمهم وسلطانهم على


(69)

الشعوب لا يتورعون عن التوسل بأية وسيلة، والاستفادة من اية واقعة في سبيل تحقيق مآربهم حتّى أنهم لا يتأخرون عن التذرع بترويج الخرافات والأساطير القديمة بين الشعوب للوصول إلى سدة الحكم، أو البقاء فيها ما امكنهم ذلك. ولو اتفق أن كانوا رجالا موضوعيين ومنطقيين فانهم في هذه الحالة دافعوا عن تلك الخرافات والأوهام والاساطير الّتي لا تنسجم مع اي مقياس عقلي بحجة الحفاظ على التراث القومي، أواحترام راي اكثرية الشعب، أوما شابه ذلك من الحجج المرفوضة .

ولكنَّ رسولَ الإسلام لم يكتف بإبطال المعتقدات الخرافية الّتي كانت تلحِق الضرر به، وبمجتَمعه، بل كان يكافح ويحارب بجميع قواه كل اُسطورة أو خرافة شعبية أو فكرة فاسدة باطلة، تخدم غرضه، وتساعد على تحقيق التقدم في دعوته ويسعى إلى أن يجعلَ الناسَ يعشقون الحقيقة لا ان يعبدوا الخرافات، ويكونوا ضحايا الاساطير والأوهام، واليك واحداً من هذه المواقف العظيمة على سبيل المثال لا الحصر .

لماماتَ إبراهيم بن رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ابنه الوحيد، حزن عليه النبي حزناً شديداً فكانت تنحدر الدموع منه على غير اختيار، واتفق ان انكسفت الشمس في ذلك اليوم أيضاً، فذهب المولعون بالخرافة في ذلك المجتمع (العربي) على عادتهم إلى ربط تلك الظاهرة بموت إبراهيم واعتبار ذلك دليلا على عظمة المصاب به فقالوا: انكسفت الشمسُ لموت ابن رسول اللّه، فصعد رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المنبرَ وقال: «أيُّها الناس انَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات اللّه يجريان بامره، ومطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياتِه، فاذا انكسفا، أو أحدُهما صلّوا» .

ثم نزل من المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف وهي ما تسمى بصلاة الايات(1) .


1 - بحارالأنوار: ج 91، ص 155 .


(70)

ان فكرة انكساف الشمس لموت ابن صاحب الرسالة وان كان من شأنها ان تقوّي من موقع النبي في قلوب الناس، وتخدم بالتالي غرضه، وتساعد على انتشار دعوته، وتقدمها، إلا أنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رفض ان يحصل على المزيد من النفوذ في قلوب الناس من هذا الطريق .

على أن محاربَة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للخرافات والاساطير الّتي كانت نموذجا بارزاً من محاربته للوثنية، وتأليه المخلوقات وعبادتها، لم تكن من سيرته في عهد الرسالة بل كان ذلك دأبه في جميع أدوار حياته، حتّى يوم كان صبياً يدرج، فانه كان يحارب الاوهام والخرافات، ويعارضها في ذلك السن أيضاً .

تقول حليمةُ السعدية مرضعة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لما تمَّ له (اي لمحمَّد) ثلاث سنين قال لي يوماً: «يا أُمّاهُ مالِيَ لا أرَى أخَوَىَّ بالنّهار»؟

قلت له: يا بنىّ إنهما يرعيان غنيمات، قال: «فَمالي لا أخْرُج مَعَهما»؟ قلت له: تحبُّ ذلك؟ قال: نَعَمْ .

فلما أصبح دهَّنته وكَحَّلته وعلَّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يمانية (وهي من التمائم الباطلة كانت تعلّق على الشخص في أيام الجاهلية لدفع الآفات عنه)، فنزَعَها، وقال لي: «مَهْلا يا اُماه فَإنَّ مَعِيَ مَنْ يَحْفُظنِيْ»(1) .

الخرافات في عقائد العرب الجاهلية:

كانت عقائدُ جميع الامم والشعوب العالمية يوم بزوغ شمس الإسلام ممزوجة بألوان من الخرافات والأساطير .

فالاساطير اليونانية والساسانية كانت تخيّم على افكار الشعوب الّتي كانت تعدُّ في ذلك اليوم من أرقى الشعوب والمجتمعات .

على انه لا تزال خرافات كثيرة تسود وإلى الآن في المجتمعات الشرقية المتقدمة، ولم تستطع الحضارةُ الراهنة أن تزيلها من حياة الناس ومعتقداتهم .


1 - بحارالانوار: ج 15، ص 392 .


(71)

إن تنامي الخرافة «يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمستوى العلمي والثقافي في كل مجتمع، فبقدر ما يكون المجتمع متخلفاً من الناحية الثقافية والعلمية تزداد نسبة وجود الخرافة ومقدار نفوذها في عقول الناس ونفوسهم .

لقد سجل التاريخ عن سُكّان شبه الجزيرة العربية طائفة هائلة وكبيرة من الاوهام والخرافات، وقد جمع السيّد محمود الآلوسي اكثرها في كتابه «بلوغ الارب في معرفة احوال العرب»، مُرفقاً كل ذلك بما حصل عليه من الشواهد الشعرية وغيرها(1).

ومن يتصفح هذا الكتاب يقف على ركام هائل من الخرافات الّتي كانت تملأ العقل العربي الجاهل آنذاك وتعشعش في نفوسهم، وقد كانت هذه السلسلة الرهيبة من الأوهام هي السبب في تخلّف هذا الشعب عن بقية الشعوب والاُمم الاخرى .

ولقد كانت هذه الخرافات من أكبر السدود في طريق تقدم الدعوة الإسلامية، ولهذا أجتهد النبىُّ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكل طاقاته في محو وازالة آثار الجاهلية الّتي لم تكن سوى تلك الأوهام والاساطير والخرافات .

فعندما وجَّه «معاذ بن جبل» إلى اليمن اوصاه بقوله:

«وامِتْ أمرَ الجاهِليَّة إلاّ ما سنَّهُ الإسلامُ وَ أظهِرْ أمرَ الأسلام كلّه صغيرهُ وكبيرهُ»(2) .

لقد وقف رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمام جماهير كبيرة من العرب الذين كانت عقولُهم ترزخ تحت الافكار والمعتقدات الخرافية ردحاً طويلا من الزَمن يعلن عن نهاية عهد الأفكار والاوهام الجاهلية إذ قال: «كُلُّ مأثرة فيْ الجاهِليَّة تحتَ قَدَمىّ»(3) .


1 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 2، ص 286 ـ 369 .
2 - تحف العقول: ص 25 .
3 - السيرة النبوية: ج 3، ص 412 .


(72)

نماذج من الخرافات في المجتمع الجاهلي:

وللوقوف على مَدى أهمية التعاليم الإسلامية وقيمتها نلفت نظر القارىء الكريم إلى نماذج من هذه الخرافات، ومن أراد التوسع راجع المصدر المذكور .

1- الاستسقاء باشعال النيران:

كانت العرب إذا أجدبت، وأمسكت السماء عنهم، وأرادوا أن يستمطروا عَمَدوا إلى السلع والعشر (وهما أشجار سريعة الاشتعال) فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النيران وأصعَدوها في جبل وَعر، واتبعوها يدعون اللّه تعالى، ويستسقونه، وانما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار... وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات الاخرى، وكانت هذه الثيران والابقار إذا صاحت من وجع الاحتراق ظنّت العرب بان ذلك هو الرعد!!!

وقد قال شاعرهم في ذلك:

يا (كحلُ)قَد أثقَلتَ أذنابَ البَقَر * بسَلع يُعقَدُ فيها وعُشر

فَهَل تَجُودينَ بِبَرق أو مَطَر؟

2- ضرب الثور إذا عافت البقر:

كانوا إذا أورَدُوا البقر فتمتنع من شرب الماء، ضرَبوا الثورَ لِيقتحمَ الماء، بعدَه ويقولون: إنْ الجنَّ تصدُّ البقرَ عن الماء، وأن الشيطان يركَبُ قَرَني الثورَ، ولا يدع البقر تشربُ الماء، ولذلك كانوا يضربون وجه الثور.

وقد قال في هذا شاعرهم:

كَذاك الثورُ يضرَبْ بالهَراوى * إذا ما عافَت الْبَقَر الظِماءُ

وقال آخر:

فإني إذاً كالثَور يُضرب جَنبُهُ * إذا لَم يَعْف شُرباً وعافت صواحبه(1)


1 - عافت أي كرهت شرب الماء .


(73)

وقال ثالث:

فلا تجعلوها كالبقير وفحلُها * يُكسِّر ضرباً وهْو للورد طائْعُ

وما ذَنبُه إن لم ترد بَقَراته * وَقَدْ فاجأتْها عند ذاك الشرائعُ

3- كىّ صحيح الإبل ليبرأ السقيمُ:

إذا كان يصيب الإبل مرض أو قرح في مشافرها واطرافها عمدوا إلى بعير صحيح من تلك الإبل فكوَوْا مِشفَرَهُ وعَضُدَه وفَخذَه يرون أن ذلك إن فعلوه ذهبَ العُرُّ والقرح والمرض عن إبلهم السقيمة، ولا يعرف سبب ذلك .

وقد احتمل البعض أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك وقاية للصحاح من الإصابة بالعُرّ الّذي أصاب غيرها، أو أنه نوع من المعالجة العلمية، ولكن لماذا ترى كانُوا يَعمدُونَ إلى بعير واحد من بين كل تلك الابل، فلابد من القول بأن هذا الفعل كان ضرباً من الاعمال الخرافية الّتي كانت سائدة في ذلك المجتمع الجاهلي قبل الإسلام.

وقد قال شاعرهم عن ذلك:

وَكَلّفتني ذنبَ امرىء وتركتُه * كدِى العُرّيكوى غيرُه وهو راتع

وقال آخر:

كمن يكوي الصحيح يروم بُرءاً * بِه مِن كلِ جَرباء الإهاب

وقال ثالث:

فالزمْتَنِي ذنباً وغيريَ جرَّه * حنانيل لا تكو الصَحيح بأجربا

4ـ حبس ناقة عند القبر اذامات كريمٌ:

إذا ماتَ منهم كريمٌ عقلوا ناقته أوبعيره عند القبر الّذي دُفِنَ فيه ذلك الكريم، فعكَسُوا عنقها، وأداروا رأسها إلى مؤخَّرها وتركوها في حفيرة لا تطعَم ولا تسقى حتّى تموت، وربما اُحرقَت بعد موتها وربما سُلِخَتْ ومُلىء جِلدُها ثماماً، وكانوا يزعمون أن مَن مات ولم يُبْلَ عليه (اي لم تعقل ناقة عند قبره هكذا)


(74)

حشر ماشياً، ومن كانت له بلية (اي ناقة عقلت هكذا) حُشِر راكباً على بليّته .

وقد قال أحدهم في هذا الصدد:

إذا مِتُّ فادفنىَّ بحرّاء مابها * سوى الأصرخين أو يفوِّز راكبُ

فإن أنتَ لم تُعْقرْ عَلىَّ مطيَّتي * فلا قامَ في مال لك الدهر حالبُ

وقال آخر وهو يوصي ولده بان يفعلوا له ذلك:

أَبُنىَّ لا تنسَ البليّة إنها * لأبيك يومَ نُشُوره مركوبُ

5- عَقرُ الإبل عَلى القُبُور:

كانوا إذا ماتَ أحدُهم ضربوا قوائم بعير بالسَيف عند قبره، وقيل انهم كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت المضياف على ما كان يعقره من الإبل في حياته وينحره للاضياف.

وقد ابطلت الشريعة المقدسة هذه العادة الباطلة في ما أبطلته فقد جاء في الحديث «لا عَقْر في الإسلام» .

وقد قال أحدُهم حولَ العَقر هذا:

قُلْ للقوافِل والغُزاة إذا غَزَوا * والباكرين وللمجدّ الرائح

إنَ الشَجاعة والسَماحة ضُمِّنا * قبراً بِمروَ عَلى الطريق الواضح

فإذا مررتَ بِقبره فاعقِرْبهِ * كُومَ الجلاد وكل طِرف سابع

وأنضحْ جَوانبَ قبره بدمائها * فَلَقدْ يكونُ اَخا دم وذبائح

6ـ نهيق الرجل أذا اراد دخول القرية (التعشير):

ومن خرافاتهم أن الرجلَ منهم كان إذا ارادَ دخولَ قرية فخافَ وباءها أوجنّها وقف على بابها قبل ان يدخلها فنَهقَ نهيقَ الحمار، ثم علّق عليه كعبَ أرنب كأنَّ ذلك عوذة له، ورقية من الوباء والجن ويسمون هذا النهيق التعشير.

قال شاعرهم:

ولا يَنْفَعُ التعشير أن حُمَّ واقع * ولا زعزعٌ يُغني ولا كَعبُ ارنب


(75)

وقال الآخر:

لعمرىَ إن عشّرتُ من خيفة الرَدى * نِهاق حَمير أنني لجزوعُ

7ـ تصفيق الضالّ في الصحراء ليهتدي:

فقد كان الرجلُ منهم إذا ضَلّ في فلاة قَلَب قميصه وصفق بيديه، كأنه يومىء بهما إلى انسان مهتدي.

قال أعرابي في ذلك:

قلبتُ ثيابي والظنونُ تجولُ بي * ويرمي برجلي نحو كلَ سَبيل

فلأياً بلائي ما عرفت حليلتي * وأبصرتُ قصداً لم يُصَب بدليل

8- الرتم:

وذلك أن الرجل منهم كان إذا سافر عَمَد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أوفي ساقها فاذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإنْ وجده بحاله علم ان زوجتَه لم تخنهُ وان لم يَجِدْه أو وَجَدَهُ محلولا قال: قد خانتني. وذلك العقد يسمى «الرتم».

قال شاعرهم في ذلك:

خانته لما رأتْ شَيْباً بمفرقه * وغَرّه حِلفُها والعَقْدُ للرتم

وقال الآخر:

لا تحسَبنّ رتائما عقدّتَها * تنبيك عنها باليقين الصادق

وقال ثالث:

يعلل عمروٌ بالرتائم قلبه * وفي الحىّ ظبىُّ قد أحلّت محارقه

فما نَفَعَتْ تِلكَ الوصايا ولا جَنَتْ * عَليهِ سوى ما لا يحبُّ رتائمه

9- وطيُ المرأة القتيل الشريف لبقاء وَلَدها:

فقد كانت العرب تقول: ان المرأة المقلاة وهي الّتي لا يعيش لها وَلَدٌ، إذا وطئت القتيلَ الشريف عاشَ وَلَدُها.


(76)

قال احدهم:

تظلّ مقاليت النساء يَطأنه * يَقُلْنَ ألا يلقى على المرء مئزر

10- طَرْحُ السِنّ نَحو الشَمْس إذا سَقَطَتْ:

ومن تخيّلات العرب وخرافاتهم أن الغلام منهم إذا سَقَطَتْ له سنٌ أخذها بين السبابة والابهام واستقبل الشمسَ إذا طلعت وقذف بها وقال: يا شمس ابدليني بسنّ احسن منها ولتجر في ظلمها آياتك، أو تقول أياؤك، وهما جميعاً شعاع الشمس.

قال احدهم وهو يصف ثغر معشوقته:

سقته اياة الشمس إلاّ لثاته * أسفَّ ولم تكرم عليه باثمدِ

أي كأن شعاع الشمس اعارته ضوءها.

هذا وقد أشار شاعرُهم إلى هذا الخيال (أوقل الخرافة المذكورة) إذ قال:

شادنٌ يحلو إذا ما ابتسَمَتْ * عن أقاح كاقاح الرمل غر

بدلته الشمسُ من منبته * بَرَداً أبيضَ مصقولَ الاثر

11- تعليق النجاسة على الرجل وقاية من الجنون:

ومن تخيّلات العرب أنهم كانوا إذا خافُوا على الرجل الجنونَ، وتعرّض الارواح الخبيثة له نجَّسوه بتعليق الاقذار كخرقة الحيض وعظام الموتى قالوا: وأنفعُ من ذلك أن تعلِّقُ عليه طامتٌ عظامّ موتى ثم لا يراها يومَه ذلك. وانشدوا في ذلك:

فلو أن عِندي جارتَين وراقياً * وعَلَّقَ أنجاساً عَلّي المعلقُ

وقالت امرأة وقد نَجَّست ولَدها فلم ينفعه ذلك ومات:

نجّستُهُ لا ينفعُ التنجيسُ * والموتُ لا تفوتُه النفوسُ

12- دم الرئيس يشفي:

فقد كانت العرب تعتقد أنّ دم الرئيس يشفي من عضة الكلْب الكَلِب.


(77)

قال الشاعر:

بناةُ مكارم وأساة جُرح * دِماؤُهُمْ من الكَلبِ الشفاءُ

وقال آخر:

أحلامُكُمْ لسِقامِ الجهل شافيةٌ * كَما دِماؤكُمُ تشفي من الكَلَب

13- شق البرقع والرداء يوجب الحب المتقابل:

ومن أوهامهم وتخيلاتهم أنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا احب إمرأة واحبّته فشق برقعها وشقّت رداءه صلح حبُهما ودام، فان لم يفعلا ذلك فَسَد حبُهما، قال في ذلك احدهم:

وكم شَقَقْنا مِن رداء محبِّر * وَ مِنْ بُرقُع عَنْ طَفلة غير عانس

إذا شُق بُردٌ شُق بالبرد بُرقعٌ * دواليك حتّى كلُّنا غير لابسِ

نروم بهذا الفعل بُقياً على الهوى * والف الهوى يُغوى بهذي الوساوس

14- معالجةُ المرضى بالاُمور العجيبة:

ومن مذاهبهم الخرافية في معالجة المرضى إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه ونادى بين بيوت الحىّ: الحلأ الحلأ، الطعام الطعام، فَتُلقي له النساءُ كِسَرَ الخبز، واقطاع التمر واللحم في المنخل ثم يُلقي ذلك للكلاب فتأكله، فيبرأ مِنَ المرض فان أكل صبىّ من الصبيان من ذلك الّذي ألقاهُ للكلابِ تمرة أو لقمة أو لحمة بثرت شفته .

فقد رويت عن إمرأة أنها انشدت:

ألا حلأ في شفة مشقوقَه * فقد قضى منخلُنا حقوقَه

ومن أعاجيبهم أنهم كانوا إذا طالت علة الواحد منهم، وظنُّوا أنَّ به مسّاً من الجن لانه قَتَلَ حية، أو يربوعاً، أو قنفذاً، عملوا جِمالا من طين وجعلوا عليها جوالق وملاؤها حنطة وشعيراً وتمراً، وجعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس وباتوا ليلتهم تلك، فاذا اصبحوا نظروا إلى تلك


(78)

الجمال الطين فاذا رأوا انها بحالها قالوا لم تقبل الدية فزادوا فيها وان رأوها قد تساقطت وتبدّد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية واستدلوا على شفاء المريض وفرحوا وضربوا الدفّ.

قال بعضهم:

قالُوا وقد طالَ عَنائي والسَقمْ * إحمِلْ إلى الجِن جمالات وضَمّ

فَقَد فَعَلت والسقام لم يرم * فبالذي يملَك برئي اعتصمْ

وقال آخر:

فياليتَ أن الجن جازُوا حمالَتي * وزُحزحَ عني ما عناني من السقم

اُعلّلُ قلبي بالَّذي يزعُمونه فَيالَيتَني عُوفيت في ذلك الزعم

ومن مذاهبهم في هذا المجال أن الرجلَ منهم كان إذا ظهرت فيه القوباء (وهو مرض جلدي) عالجها بالريق .

قال احدهم:

يا عَجَباً لهذه الفليقة * هَل تُذهِبَّنَ القُوَباءَ الريقة

15- خرافاتٌ في مجال الغائب:

كانوا إذا غُمَّ عليهم أمرُ الغائب ولم يعرفوا له خبراً جاؤوا إلى بئر عادية (أي مظلمة بعيدة القعر) أو جاؤوا إلى حصن قديم ونادوا فيه: يا فلان أو يا أبا فلان (ثلاث مرات)، ويزعمون انه إن كان مَيتاً لم يسمَعوا صوتاً، وإن كان حياً سمعُوا صوتاً ربّما توهموه وهماً، أو سمعوه من الصدى فَبَنَوا عليه عقيدَتهم، قال بعضهم في ذلك:

دَعوتُ ابا المِغوار في الحَفْر دعوة * فما آضَ صوتي بالذي كنت داعيا(1)

أظنُ أبا المغوار في قصر مظلم * تجرُّ عليه الذارياتُ السَوافيا

وقال آخر:

وكمْ ناديتُه والليلُ ساج * بِعادىّ البِئار فما أجابا


1 - آضَ أي عاد ورجع.


(79)

ومن ذلك أن الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال: (أرى من اُحبُّه) فأن كان غائباً توقع قدومَه، وإنْ كان بعيداً توقَّعَ قربه، وقالَ أحدهم:

إذا اختلَجَتْ عَيني أقولُ لعَلَّها * فَتاة بني عمرو بها العينُ تَلْمعُ

وقال آخر:

إذا اختلَجَت عَيني تَيقَّنتُ إنّني * أراكَ وَ إن كانَ المزارُ بَعيدا

وكانوا إذا لا يُحِبُّونَ لمسافر أنْ يعودَ إليهم أوقدُوا ناراً خَلفَهُ ويقولون في دعائهم «أبعَدهُ اللّهُ وأسحقَهُ وأوقدَ ناراً إثرهُ» قال بعضهم:

صحوتُ وأوْقدتُ لِلجَهلِ ناراً * وَرد عليك الصبا ما استعارا

16- عقائدهُمْ العجيبة في الجنّ وتاثيرهُ:

كانت العربُ في الجاهلية تعتقد في الجن وتأثير هذا الكائن في شتى مجالات حياتهم اعتقاداتٌ عجيبة وفي غاية الغرابة .

فتارة تستعيذُ بالجن، وقد إستعاذَ رجلٌ منهُمْ وَ مَعَهُ ولدٌ فاكلهُ الأَسدُ فقال:

قَدْ استعَذْنا بعظيم الوادي * مِن شَرِّ ما فيهِ مِنْ الأعادي

فلم يجرنا من هزبر عادي

وعن الاستعاذة بالجنّ قال اللّه سبحانَهُ في القرآن: (وَ أَنَّهُ كانَ رجالٌ مِنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرجال مِنَ الجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهقاً)(1) .

ومن ذلك إعْتقادُهُمْ بهتاف الجن. ولهم في هذا المجال أساطيرُ خرافيةٌ مذكورة في محلّها .

ومن هذا القبيلُ إعتقادهُم بالغول، فقد كانت تزعم العربُ في الجاهلية أن الغيلان في الفلوات (وهي من جنس الشياطين) تتراءى للناس، وتغول تغولا اي تتلوّن تلوناً فتضلّهم عن الطريق، وتهلكهم، ومن هذا القبيل أيضاً إعتقادُهم بالسعالي!!


1 - الجن: 6 .


(80)

وقد قال أحدُهم في ذلك:

وساحرةٌ عينيّ لو أنَّ عينَها * رَأَت ما اُلاقيهِ مِنَ الهَول جَنّتِ

أبيتُ وسعلاةٌ وغولٌ بِقَفْرة * إذا الليلُ وأرى الجن فيه أرنت

17- تشاؤمهم بالحيوانات والطيور والاشياء:

ومن مذاهبهم الخرافية تشاؤمهم بأشياء كثيرة وحالات عديدة:

فمن ذلك; تشاؤمهم بالعطاس.

وتشاؤمهم بالغراب حتّى قالوا: فلانٌ أشام من غراب البَيْن، ولهم في هذا المجال أبياتٌ شعرية كثيرةٌ منها قول أحدهم:

ليتَ الغرابُ غداة ينعَبُ دائباً * كانَ الغرابُ مقطَّعَ الأوداجِ

وكذا تشاؤُمُهمْ وتطيّرهم بالثور المكسور القرن والثعلب. إلى غير ذلك من التخيلات والأوهام والخرافات والاساطير، والاعتقادات العجيبة، والتصورات الغريبة الّتي تزخر بها كتبُ التاريخ المخصصةِ لبيان أحوال العرب قَبْلَ الإسلام وحتّى ابان قيام الحضارة الإسلامية .

مكافحةُ الإسلام لهذه الخرافات:

ولقد كافح الإسلامُ جميع هذه الخرافات بطرق مختلفة، واساليب متنوعة.

أما بالنسبة إلى ما كانوا يفعلونَهُ بالحيوانات فمضافاً إلى أنّ أىّ شيء من هذه الأَعمال لا ينسجم مع العقل والمنطق والعلم لأن المطر والغيث لا ينزل من السماء باسعال النيران، وضرب الثيران لا يؤثر في البقر، كما لا ينفع كىُّ البعير الصحيح في شفاء الإبل السقيمة، وتعتبر هذه الاعمال نوعاً من تعذيب الحيوانات وقد نهى الإسلام بشدة عن تعذيب الحيوانات وايذائها، باي شكل كان .

فقد روي عن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنه قال: «لِلدّابةِ عَلى صاحبها ستُّ خصال:

1- يَبدأ بعلفها إذا نَزَل .


(81)

2ـ ويُعرضُ عليها الماء إذا مَرَّبه .

3ـ ولا يضرب وجهها فإنها تسبِّحُ بحمدِ ربّها .

4ـ ولا يقفْ على ظهرها إلا في سَبيل اللّه عزّوجلّ .

5ـ ولا يحمّلها فوق طاقتها .

6ـ ولا يكلّفها من المشي إلا ما تطيقُ(1) .

كما رُوي أنه نهى رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أن توسَم البهائمُ في وجهها، وأن تضرَب في وجوهها فانها تسبّح بحمد ربها .

ومن هنا ندركُ ان التعاليم في مجال الرفق بالحيوان، وحمايته، على النقيض من العادات الجاهلية السائدة في البيئة العربية آنذاك .

واما بالنسبة إلى التمائم والأَشياء الّتي كانت تعلّقها العربُ على أعناق وصدور رجالها، وأولادها، من الأحجار والخَرَز، وَ عظام الموتى، ومعالجة المرضى والمصابين وغيرهم بها أحياناً فقد حاربَها الإسلامُ، بعد أن ابطلها كما ابطل الافاعيل الّتي سبق أن ذكرناها قبل هذا .

فلما جاءت جماعات من الأعراب إلى رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسألوه عن الرّقى والقلائد الّتي كانوا يتداوون بها أو يسترقونها بدلا عن التداوي بالعقاقير والأدوية قائلين يا رسول اللّه: انتداوى؟

قال رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «تداووا فإنَّ اللّه لَمْ يَضَعْ داء إلا وَضَعَ لَهُ دَواء»(2) .

بل نجد النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأمر سعد بن أبي وقاص عندما اُصيب بمرض في فؤاده أن يعالج نفسَه عِند طبيب إذ قال له لما عادَه وعرف بحاله: «إنَك رجلٌ مفودٌ، إئتِ الحارثَ بن كلْدة أخا ثقيف فإنَهُ رَجَلٌ يتطبَّب»(3) .


1 - من لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 286، وراجع للوقوف على أحاديث حقوق الحيوان كتاب الشؤون الاقتصادية: ص 130 ـ 159 أيضاً .
2 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 178 .
3 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 179 .


(82)

هذا مضافاً إلى أنه وردت أحاديث كثيرة تصرّح ببطلان التمائم السحريّة الّتي لا تنفع ولا تضرّ أبداً، وها نحنُ نشير في ما يلي إلى نموذجين من هذه الأحاديث:

1- يقول أحدُهُم: دخلتُ على النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بابن لي قد علقت عليه من العُذرة (وهي قلادة سحرية جاهلية) فقال: علام تدغَرْن أولادَكنَّ بهذا العِلاق، عليكنَّ بهذا العُود الهِنْديّ» وكان ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقصد عصارة هذا العود(1) .

2ـ رُوي عن الإمام جعفر بن محمَّد الصادق ـ عليه السلام ـ أنه قال: «إنَّ كثيراً مِنَ التمائم شِرْكٌ»(2) .

هذا مضافاً إلى أن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأوصياءه الكرام ـ بارشادهمُ الناس إلى ما ينبغي أن يتداووا به من العقاقير والأدوية وما أعطوْه من تعاليم قيمة كثيرة في هذا المجال ممّا جمعه المحدثون الكبار تحت عنوان: «طبّ النبىّ» و «طب الرضا» و... و قد وجهوا ضربة قوية اُخرى إلى تلك الأوهام والتخيّلات، والخرافات والاساطير الّتي كان يعاني منها المجتمعُ العربي الجاهلي قبل الإسلام(3) .

وأما الغول، والطيرة، والتشاؤم، والهامّة والنَوء فقد حاربها النبي بصراحة إذ قال: ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «لا هامَّة ولا نَوء ولا طِيرَة، ولا غول»(4) .

وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العِيافَةُ والطِيَرةُ والطَرْق مِن الجبْت»(5) .


1 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 184 .
2 - سفينة البحار: ج 1، مادة رقي .
3 - وقد فتح المحدّثون من الفريقين أبواباً خاصّة لأحاديث الطبّ النبوىّ في كتب الحديث أيضاً.
4 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 196 و 197 الفصل الرابع باب نفي مزاعم الجاهلية، قال مؤلف التاج: الهامّة طائر أو البوم إذ سقط في مكان تشاءم أهلُه، أو دابّة تخرجُ من راس القتيل أو من دمه فلا تزالُ تصيح حتّى يؤخدَ بثاره، والنَوء نجمٌ يأتي بالمطر وآخر يأتي بالريح (حسب عقيدة الجاهلية)!!
5 - التاج الجامع للاُصول: ج 3 ص 201. قال مؤلّف التاج العيافة زجر الطّيْر والتفاؤل بأسمائها وأصواتها كالتفاؤل بالعُقاب على العِقاب، وبالغُراب على الغُربة، وبالهُدْهُدْ على الهُدى، وكذا بافعالها، وكيفية طيرانها فكانت العرب تزجر الطيرَ وتثيره فما اخذ منها ذات اليمين تبركوا به وتيمَّنوا وما تياسر منها تشاء موابه (كما في بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 212 تحت عنوان كيفية الزجر عند العرب).
و«الطرق»: الضرب بالحصى (للإستدلال على اُمور غيبيّة باعتقاد الجاهليين). والجبت هو الباطل .


(83)

وعن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أيضاً أنه قال: «إنَّ الرقى والتمائم والتولَة شركٌ»(1) .

وعن أحدهم قال: قلتُ يا رسولَ اللّه اموراً كنّا نصنعها في الجاهلية، كنّا نأتي الكهّان، قال: فلا تأتوا الكهانَ، قلت: كنّا نتطيّر قال: ذاك شيء يجدُهُ أحدُكُمْ في نفسِه فلا يَصُدَّنكم» .

إن وجودَ النهي الشديد والمكرّر في الاحاديث الكثيرة عن الطيرة والتشاؤم، والزجر والعيافة والتمائم والتولة والهامّة والنوء والغول، والكهانة، وايذاء الحيوانات وكيهنّ، وتعذيبهن، وماشابه ذلك يدل بوضوح وقوة على مدى رسوخ هذه العادات الباطلة في الحياة العربيّة الجاهلية، يكشف عن مبلغ اعتقادهم بها، ونزوعهم اليها وهو بالتالي يكشف عن مغزى قوله تعالى: (ويضَعُ عنَهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلال الَّتي كانَت عَلَيهِمْ)(2) فأيّة سلاسل وأَغلال أثقل وأسوء عاقبة وأشدّ وطئة، من هذه الأغلال... أغلال الخرافة والوهم، وسلاسل التخيلات والاساطير؟!!

أوضاع العرب الإجتماعية قبيل ظهور الإسلام:

إن اُولى خطوة خطاها البَشَر باتّجاه النمط الإجتماعي كانت عندما أقْبَل على تاسيس وإقامة الحياة القبلية، فالقبيلة تتكون من إجتماع عدة عوائل واُسر مترابطة فيما بينها بوشائج القربى والنسب تحت زعامة شيخ القبيلة، وبهذا يتحقق


1 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 203. قال مؤلِّف الجامع: «التولة»: نوع من السحر يحبّب الرجلَ إلى زوجته، وهو من عمل المشركين (أي في الجاهلية) .
2 - سورة الاعراف: 157 .


(84)

أبسط نمط من أنماط الحياة الإجتماعية .

وقد كانت الحياةُ العربية ـ آنذاك ـ من هذا القبيل، فكلُ مجموعة من العوائل المترابطة نسبياً تتجمع في شكل قبيلة، وتشكل بذلك مجتمعاً صغيراً يخضع فيه الجميع لأوامر رئيس القبيلة وزعيمها، ولقد كان الجامع بين افراد القبيلة هو الرابطة القومية، والوشيجة النسبية، وكانت هذه القبائل تختلف في عاداتها ورسومها، وتقاليدها وأعرافها، اختلافاً كبيراً، وإذ كانت كل قبيلة تعتبر القبائل الاخرى غريبة عنها لذلك كانت لا تقيم للآخرين وزناً ولا قيمة، ولا تعترف لهم باي حق أو حرمة .

ولهذا كانت ترى الإغارة على الآخرين وقتلهم، ونهب أموالهم، وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم من حقوقها القانونية المشروعة، اللّهم إلاّ أن يكون بين القبيلة، والقبيلة الاُخرى حلف أو معاهدة .

هذا من جانب .

ومن جانب آخر كانت القبيلة الّتي تتعرض للإغارة من جانب قبيلة اُخرى ترى من حقها أن تردَّ الصاع صاعين، تقتل كل أفراد القبيلة المغيرة، لأن الدّم ـ في نظرهم ـ لا يغسله الا الدّم!!!

ولقد تبدلت أخلاقيةُ العرب هذه بعد انضوائهم تحت لواء الإسلام الحنيف، بل تحوَّلوا من نمط الحكومة القبلية المتخلفة والنظام العشائري الضيّق هذا، إلى حكومة عالميّة، واستطاع رسولُ الإسلام ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ان يؤلف من القبائل العربية المتفرقة اُمّة واحدة .

ولا شك أن تأليف اُمة واحدة من قبائل وجماعات اعتادت طوال سنين مديدة من التاريخ على التناحر والتنازع، والتخاصم والتقاتل، والتهاجم والإغارة في ما بينها، واستمرأت سفك الدماء، وإزهاق الارواح، وذلك في مدة قصيرة، عملٌ عظيم جداً، ومعجزة اجتماعية لا نظير لها، لأن مثلَ هذا التحوُّل العظيم إذا اُريدَ لَهُ أن يتمَّ عبر التحوُّلات والتطورات العاديّة لاحتاج إلى تربية طويلة الامد، ووسائل لا تحصى كثرة .


(85)

يقول «توماس كارليل» في هذا الصدد: لقد اخرج اللّه العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور، وأحيى به منها امة خاملة لا يُسمعُ لها صوتٌ ولا يُحسُّ فيها حركة، حتّى صار الخمولُ شُهرة والغموض نباهة والضعة رفعة والضعف قوة، والشرارة حريقاً، وشمل نورُه الأَنحاء وعمَّ ضوؤه الأرجاء ما هُو إلا قرنٌ بعد إعلان هذا الدين حتّى أصبح للعرب (المسلمين) قدمٌ في الهند واخرى في الاندلس(1) .

وإلى هذه الحقيقة يشير ايضاً مؤلف تاريخ اللغات السامية الشهير «رينان» قائلا: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسيّ والثقافي والدينىّ قبل ذلك الانقلاب المفاجىء الخارق للعادة الّذي صار به العربُ اُمّة فاتحة مُبدعة ولم يكن لجزيرة العرب شأنٌ في القرون الاُولى مِنَ الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ»(2) .

أجل إنَ هذه القبائل العربية الجاهلية المختلفة المتناحرة لم تكن تعيش أية حضارة، ولم تمتلك اية تعاليم وقوانين، وأنظمة وآداب قبل مجيء الإسلام، لقد كانت محرومة من جميع المقومات الإجتماعية الّتي توجبُ التقدم والرقي، ولهذا لم يكن من المتوقع ابداً ان تصل إلى تلك الذرى الرفيعة من المجد والعظمة، ولا أن تنتقل من نمط الحياة القبلية الضيقة إلى عالم الإنسانية الواسع، واُفق الحضارة الرحيب بمثل هذه السُرعة الّتي وَصَلت إليه والزمن القصير الّذي انتقلت فيه .

إنَّ مَثَل الشعوب والاُمم البشرية مثل المباني والعمارات تماماً .

فكما أن البناء القوي الراسخ يحتاج إلى موادّ انشائية قوية معدَّة باتقان ومحضّرة باحكام حتّى يستطيع البناء المصنوع من هذه الموادّ، والمؤسس بعناية وهندسة متقَنة من الوقوف في وجه الأعاصير، والأمطار الغزيرة كذلك يحتاج كيانُ كل اُمة رشيدة من الاُمم إلى اُسس وقواعد محكمة (وهي الاُصول والآداب الكاملة، والأخلاق الإنسانية العالية) لتستطيع من البقاء والتقدم .


1 - الخطط الاستعمارية لمكافحة الإسلام: ص 38، والإسلام والعلم الحديث: ص 33 .
2 - حضارة العرب: ص 87 .


(86)

ولهذا السبب لابد من التأمل في أمر وسرّ هذه الظاهرة العجيبة ولابد أن نتساءل:

كيف تحقق ذلك التطورُ العظيم، وذلك التحول العميق للعرب الجاهلية، ومن اين نشأ؟؟

كيف امكن ان تتحول جماعة متشتتة، متعادية، متناحرة، متباغضة، في مابينها، بعيدة عن النظم الإجتماعية، بمثل هذه السرعة إلى اُمّة متآلفة متاخية متعاونة متسالمة متحابة، وتشكل دولة قوية كياناً سياسياً شامخاً أوجب أن تخضع لها دول العالم وشعوبه، وتطيعها، وتحترم مبادءها واخلاقها وآدابها آنذاك .

حقاً لو كان في مقدور العرب أن يحرزوا ذلك التقدم الهائل بفعل عامل ذاتي فلماذا لم تستطع عربُ اليمن الّذين كانوا يمتلكون شيئاً كبيراً من الثقافة والحضارة، والذين عاشوا الانظمة الملكية سنيناً عديدة، بل وربَّت في احضانها ملوكاً وقادة كباراً، أن تصل إلى مثل هذه النهضة العظيمة الشاملة، وتقيم مثل هذه الحضارة العريضة الخالدة .

لماذا لم تستطع العربُ الغساسنَة الذين كانوا يجاورون بلادَ الشام المتحضرة، ويعيشون تحت ظلّ حضارة «الروم» أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الرشد؟

لماذا لم تستطع عربُ الحيرَة الذينَ كانُوا ـ وإلى الامس القريب ـ يعيشون في ظلّ الامبراطورية الفارسية أن ينالوا مثل هذا الرقي والتقدم؟ وحتّى لووصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم وحققوا هذه القفزة فانه لم يكن أمراً يثير العجب لأنهم كانوا يعيشون في أحضان مدنيات كبرى، ويتغذون منها، ولكن الّذي يثير الدهشة، والعجب هو أن تستطيع عرب الحجاز من تحقيق هذه النهضة الباهرة، ويرثوا الحضارة الإسلامية العظمى وهم الذين كانوا يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الحضارة الذاتية، ولم يكن لهم عهدٌ بأيَّ تاريخ حضارىّ مشرق، بل كانُوا كما عرفت يرزحون تحت أغلال الوَهْم والتخَيُّل، ويسيرون في ظلمات الخرافات والأساطير .

* * *


(87)

دُوَل الحيرة وغسّان:

على العموم كانت المناطقُ ذاتُ المناخ الجيّد من الجزيرة العربية حتّى آخر قرن قبل الإسلام تحت سيطرة ثلاث دول كبرى هي: «ايران»، «الروم»، «والحبشة».

فالشرق والشمال الشرقي من هذه المنطقة كانت تحت حماية «ايران» .

والشمال الغربي كان تابعاً للروم .

والمناطق المركزية والجنوب كانت تحت نفوذ «الحبشة» .

وعلى أثر مجاورة هذه المناطق للدول المتحضّرة المذكورة، وما كان بينها من نزاع وتنافس دائمين ظهرَت في المناطق الحدودية للجزيرة العربية دول شبه متحضرة، وشبه مستقلة كان كلُ واحدة منها تابعة في حضاراتها لدولة متمدنة عظمى تجاورها .

وقد كانت دول «غسان»، و «الحيرة» «وكنده» من هذه الدول شبه المستقلة وشبه المتمدنة، وكانت كلُ واحدة منها تابعة لاحدى الدول العظمى آنذاك: «ايران»، «الروم»، «الحبشة» .

الحيرة: يتبيَّن من الآثار والأخبار أنه هاجرت ـ في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد ـ بعضُ الطوائف العربية، وذلك في نهايات الحكم الأشكناني، إلى الأراضي المجاورة للفرات، وسيطروا على قسم من أراضي العراق، وقد أوجدت هذه الجماعةُ المهاجرةُ القرى والقلاع هناك، شيئاً فشيئاً، وأحدثت المدنَ الّتي مِن أهمّها: «الحيرة» الّتي كانت تقعُ على حافة صحراء بالقرب مِن مدينة الكوفة الحالية .

وقد كانت هذه المدينة ـ وكما يظهر من إسمها ـ في بداية أمرها قلعة (لأن الحيرة تعني في اللغة السريانية: الدير وما يشبهه) يسكنها العرب ثم تطورت شيئاً فشيئاً إلى مدينة.

وقد ساعد مناخها الجميل، والمياهُ الوافرة الّتي تأتي اليها من الفرات، وجودة


(88)

الأحوال الطبيعية الاُخرى إلى أن تجتذب اليها أصحاب الصحراء، وسكان البوادي، والقفار، كما واستطاعت هذه المدينة وبفضل مجاورتها للحضارة الفارسية إن تكتسب من ثقافتها ومدنيتها ما أفاض عليها لوناً من الحضارة والمدنية، وقد بُنيت بالقرب من «الحيرة» قصورٌ مثل «الخورنق» الّذي اضاف إلى هذه المدينة جمالا وبهاء خاصّين، وقد تعرَّف العربُ الساكنون في هذه المنطقة على الخط والكتابة، ويمكن ان تكون الكتابة والقراءة قد سرتا منها إلى بقية مناطق الحجاز ومُدُنها(1) .

ولقد كان ملوك «الحيرة» وأمرأوها من اللخميين العرب يؤيّدون من قِبَل الدولة الإيرانية بقوة، وسبب هذا التأييد، والحماية الايرانية لاُمراء الحيرة وملوكها كان يكمن في أن ملوك إيران ـ آنذاك ـ كانوا يُريدون أن تكونَ الحيرة سَدّاً، وحاجزاً بينهم وبين عرب البادية، يدفعون بهم خطرَ الغزاة من أهل الصحارى على الحدود الإيرانية .

ولقد سجَّلَ التاريخُ أسماء هؤلاء الاُمراء; وقد نظم «حمزة الاصفهاني» فهرستاً بأسمائهم، وجدولا بأعمارهم ومُدد حكوماتهم، ومن كان يعاصرهم من ملوك بني ساسان الإيرانيين(2) .

ومهما يكن الأمر فإن دولة اللخميين العرب كانت من أكبر الحكومات العربية شبه المتحضرة في منطقة الحيرة، وكان آخر ملوك هذه السلسلة هو «النعمان بن المنذر» صاحب القصة التاريخية الّتي تتضمن خلعه من الحكم، وقتله بواسطة الملك الايراني:«خسرو برويز»(3) .

غَسان: في أوائل القرن الخامس أو اوائل القرن السادس الميلادي هبط جماعة من المهاجرين اليمنيين في الشمال الغربي ـ أقصى نقاط الجزيرة العربية ـ وفي جوار الإمبراطوريّة الروميّة، وأسسوا دولة الغساسنة، وقد كانت هذه الدولة


1 - فتوح البلدان للبلاذري: ص 457 .
2 - سِنىِّ ملوك الأرض: ص 73 ـ 76 .
3 - الأخبار الطوال: ص 109 .


(89)

تحت حماية الروم، وكان مُلوكُها يُنصبون من جانب إمبراطوريات «قسطنطينية» مباشرة، تماماً كما كان مُلُوك «الحيرة» يُنصبون من جانب ملوك ايران .

ولقد كانت دولة الغساسنة متحضرة نوعاما، وحيث أن مراكز حكمها كانت قريبة من ناحية إلى «دمشق» ومجاورة لـ : «بُصرى» مركز القسم الرومي من الجزيرة العربية من ناحية اُخرى، لذلك تأثرت بحضارة الروم تأثراً كبيراً وبالغاً .

ولقد كان الغساسنة متحالفين مع الروميين بسبب ما كان بينهم وبين ملوك الحيرة اللخميين العرب والايرانيين من الاختلاف والنزاع، ولقد حكم في دولة الغساسنة تسعة أو عشرة من الاُمراء والملوك تباعاً .

الدين في أرض الحجاز:

لقد كان الدينُ الرائج في الحجاز هو الوثنية، وعبادة الاصنام.

نعم كانت هناك أقليّات دينية يهودية تقطن في يثرب (المدينة فيما بعد) وخيبر، كما انه كان هناك من يتبع المسيحية وهم سكّان نجران، البلد الحدودي لليمن والحجاز .

وكان الدين الرائج في المناطق الشمالية من الحجاز (إي الشام حالياً) هو المسيحية بسبب مجاورة هذه المناطق للروم وخوضعها للسيادة الرومية .

ولو أننا استثنينا من الحجاز هذه المناطق الحساسة الثلاث لما وجدنا في بقية مناطق الحجاز إلاّ الوثنية في أشكال مختلفة، واعتقادات متنوعة، اللّهم إلاّ بضع افراد كان عددهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد ممن يُسمّون بالاحناف كانوا على دين التوحيد، وكان عددهم بالنسبة إلى الاكثرية الساحقة من العرب الوثنيين قليلا جدّاً(1) .

فمنذ زمن النبي «إبراهيم» الخليل وابنه «اسماعيل» ـ عليهما السلام ـ دخل


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 122 و 123 .


(90)

التوحيد، ودخلت بعض التعاليم الأخلاقية والدينية إلى أرض الحجاز، وكان الحج وأداء مناسكه إحتراماً للكعبة الشريفة هو أحدُ هذه التعاليم والسنن الّتي دخلت مع «الخليل» إلى هذه المنطقة، ثم إن رجلا من قبيلة «خزاعة» يسمى «عمرو بن لحي» الّذي كانت زعامة مكة قد عهدت إليه، أدخل عبادة الاوثان في مكة في ما بعد، وذلك عندما سافر هذا الخزاعي إلى بلاد الشام فوجد قوماً من العمالقة يعكفون على تماثيل جميلة النقش والمنظر يعبدونها، ويؤلّهونها، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي اراكُم تعبدون؟؟ قالوا له: هذه اصنامٌ نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً فاسير به إلى ارض العرب فيعبدوه؟؟ فأعطوه صنماً، وهكذا استحب عملهم، وجلب معه إلى مكة صنماً جميلُ النقش والنحت يدعى «هُبَل» فنصبه ودعا الناس إلى عبادته، وتعظيمه .

وهكذا دخلت الوثنية إلى «مكة» المكرمة، واصبحت عبادة الاوثان والاصنام عبادة رائجة في تلك الديار(1) .

واشهر اصنام العرب هي:

1ـ هبل وكانت أعظم اصنام العرب الّتي في جوف الكعبة .

2ـ اساف .

3ـ نائلة وكانت هي واساف على موضع زمزم ينحرون عندهما .

4ـ اللات وكانت لثقيف بالطائف .

5ـ العُزّى وكانت بنخلة الشامية، وكانت لقريش وبني كنانة .

6ـ مناة وكانت للاوس والخزرج ومن ذهب مذهبهم من أهل يثرب .

7ـ عميانس وكان بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم .

8ـ سعد .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 78 ـ 81، والعمالقة هم طائفة من العرب عاشوا وسادوا ثمّ بادوا قبل الإسلام .


(91)

9- ذوالخلصة وكانت لدوس وخثعم وبجيلة .

10- مناف(1) .

ولقد كانت هذه هي أشهر أصنام العرب علاوة على الأَصنام الاُخرى غير المعروفة الّتي كانت تختصُّ بطائفة دونَ اُخرى، أو بعائلة دون عائلة .

العلم والثقافة في الحجاز:

كان أهلُ الحجاز يوصَفون بالاُميّين، والاُمىّ هو من لم يتعلم القراةة والكتابة فهو كمن ولدتهُ اُمُه، أو هو باق في عَدم العلم بالقراءة والكتابة على الحالة الّتي وُلد فيها من اُمه .

ولأجل أن نعرف مدى ما كان عليه العلمُ والثقافة عند العرب من القيمة يكفي أن نعلم بأن عدد الذين كانوا يعرفون القراةة والكتابة بين قريش إلى ما قبل ظهور الإسلام لم يكن يتجاوز (17) شخصاً في مكة و (11) نفراً فقط من بين الأوس والخزرج في المدينة(2) .

إذا لاحظنا هذا التخلف والانحطاط في مجال العلم والثقافة في البيئة العربية الجاهلية يتضح لنا مدى تأثير الإسلام، وادركنا عظمة التعاليم الإسلامية في جميع الحقول الاعتقادية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية،ولابدّ في تقييم الحضارات أن نطالع وندرس الحلقة السابقة، ثم نقيم الحلقة التالية في ضوء ذلك، وفي هذه الصورة نقف على عظمة تلك الحضارة الحقيقية(3) .


1 - راجع الأصنام للكلبي، والمحبر: ص 315 ـ 319 .
2 - فتوح البلدان: ص 457 ـ 459 .
3 - للوقوف على معلومات أوسع واكثر حول عقائد مختلف طوائف المجتمع العربي الجاهلي، وثقافتها وتقاليدها راجع الكتابين التاليين:
ألف: «بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب» تأليف السيد محمود الآلوسي المتوفى عام 1270 هجري قمري .
باء: «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» تأليف الاُستاذ جواد علي، وهذا الكتاب اُخرجَ في (10) مجلدات، وقد بُحثَ فيها كل ما يرتبط بحياة العرب في العهد الجاهلي .

Website Security Test