welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(596)

كلام من ابن تيمية:

احمد بن عبدالحليم الحرّاني الحنبلىّ الّذي مات في سجن بدمشق عام 728 من علماء السنّة، تعود إليه اكثر معتقدات الوهابيين، وأفكارهم .

ولابن تيمية هذا آراء ومواقف خاصة من النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأميرالمؤمنين، وعامة أهل بيت النبوة، وقد صرح باكثر آرائه ومعتقداته هذه في كتابه «منهاج السنة» .

وقد دفعت عقائدُه المنحرفة وآراؤه الضالّة الكثر من علماء عصره إلى تكفيره، والتبرّي منه .

ولابن تيمية رأي عجيب حول هذه الفضيلة نذكره للقاريء الكريم مع تصرف بسيط في الألفاظ(1) .

ومن المؤسف ان يكون قد تأثر بآرائه بعض السذّج والجاهلين، فنجدهم يشيعون آراءه في المجتمع من دون تحقيق فيما قال، ومن دون مراجعة ذوي الاختصاص لمعرفة رأيهم في أفكاره ومعتقداته وهم غافلون عن أنّ مثل هذه الآراء قد صدرت من منحرف وكذّبه بل وكفّره بسببها أهل مذهبه .

هذا واليك خلاصة رأيه في فضيلة «المبيت» .

يقول: ان مبيت «علىّ» في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا تعدّ


1 - راجع السيرة الحلبية: ج 2، ص 263 و سبعة الجاحظ في العثمانية .


(597)

فضيلة لأن عليّاً عرف من طريقين بانه لن يصيبَه شيء في تلك الليلة:

الأوّل: إخبار رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الصادق المصدِّق نفسه ايّاه بذلك إذ قال له في نفس تلك الليلة: «نَمْ في فِراشي فإنه لا يَخْلُصُ إليكَ شيء تكرَهُهُ»!!.

الثاني: أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلّفه بردّ الودائع واداء الامانات الّتي أودعها أهل مكة عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إلى أصحابها .

فعلم ـ من ذلك ـ أنهُ لن يُقتل والا لكلّفَ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الآخرين بها.

فعرف «عليٌ» من هذا التكليف أنه لن يلحقه أذىً في هذه العمليّة وانه سيوفَّق لأداء ما كلّفَهُ به رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

الجواب:

وقبل أن نجيب عن هذا الكلام على نحو التفصيل نقول إجمالا: إن ابن تيميّة بانكاره هذه الفضيلة أثبت فضيلة أعلى لعلىّ ـ عليه السلام ـ لأنه إمّا كان ايمان علىّ بصدق مقالة الرسول كان ايماناً عادياً، وإما أن كان إيماناً قوياً جدّاً، وكانت جميع اقوال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإخباراته لديه ـ في ضوء ايمانه ـ كالنهار في وضوحه .

وعلى الفرض الأوّل لم يكن لعلىّ يقينٌ بنجاته من تلك الواقعة لأنه لا يحصل لمثل هذه الطبقة من الناس (ولا شك أن عليّاً ليس منهم حتماً) يقينٌ من كلام النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وحتّى لوقبلوا به في الظاهر، فانهم سيساورهم القلق، ولا يفارقهم الاضطراب، وإذا هم باتوا في فراشه في لحظات الخطر، فانه سيبقون فريسة الخوف والوجل وستمرّ في نفوسهم إحتمالاتٌ كثيرةٌ حول مآل الأمر ومصيره، وسيتمثل أمامهم شبح الموت المرعب في كل لحظة وآن.

وعلى هذا الفرض لابد أن يقال: بأنَّ عليّاً ـ عليه السلام ـ لم يقدم على هذا الأمر الخطير إلاّ وهو يحتمل الهلاك على أيدي المشركين، لا أنه بات وهو يتيقن


(598)

النجاة والسلامة.

وأما بناءً على الفرض الثاني فانه تثبت لعلىّ ـ عليه السلام ـ فضيلة أعلى واعظم، لأن ايمانَ الرجل يجب ان يبلغ من القوة والكمال بحيث لا يفرّق بين صدق كلام النبىّ وبين وضوح النهار أي أنهما يكونان عنده بمنزلة سواء .

ولا شك ان أهمية مثل هذا الايمان لا يمكن أن يعادِلها شيء .

ونتيجة هذا الايمان هي أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند ما قال له: نَم في فراشي فلن يصيبك من هجوم الاعداء الحاقدين مكروهٌ، أن ينام في فراش النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقلب واثِق بالسلامة، ونفس مطمئنّة إلى النجاة، ومن دون أن يخالج نفسَهُ أقل إحتمال للخطر .

ولو كان مراد ابن تيمية من قوله: ان عليّاً كانَ واثقاً من سلامته، لأن الصادق المصدَّق أخبره بذلك هو: إثبات أعلى درجات الإيمان لعلىّ ـ عليه السلام ـ فقد اثبت له ـ عليه السلام ـ من حيث لا يشعر اكبر فضيلة، وأعلى منقبة، وهي كمال الايمان والثقة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأخباره.

هذا هو الجواب الاجمالي واليك الجواب التفصيلي:

الجواب التفصيلي:

فنقول عن الدليل الأول: إن عبارة «لا يخلص اليك شيء تكرهه» لم ينقلها بعض أرباب السيرة ورجال علم التاريخ الذين لهم سابقة لا تنكر في هذا الصعيد(1) .

نعم روى ابن الاثير المتوفى عام 630(2)، والطبري المتوفى عام 310(3) هذه العبارة وكأنّما قد أخذاها عن ابن هشام في سيرته(4) الّتي نقل فيها تلك العبارة


1 - مثل مؤلّف الطبقات الكبرى: ج 1، ص 227 و 228 المولود عام 168 و المتوفى عام 230، وكذا المقريزي في امتاع الاسماع، عند ذكرهم لتفاصيل قضية المبيت .
2 - التاريخ الكامل: ج 2، ص 72 .
3 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 99 .
4 - السيرة النبوية: ج 1، ص 483 .


(599)

بالصورة المتقدمة الذكر، خاصة أنّ عبارة ذينك المؤلّفين (الطبري وابن الأثير) تطابق عبارة ابن هشام في هذا المجال تماماً .

هذا مضافاً إلى أنّ القضية لا توجد بهذه الصورة في مؤلفات علماء الشيعة على ما نعلم .

ولقد نقل شيخُ الطائفة الامامية محمّد بن الحسن الطوسىّ المتوفى عام 460 في أماليه قصة الهجرة بشكل اكثر تفصيلا ودقة، وذكر العبارة المذكورة مع تغيير بسيط، الاّ أنه تختلف صورة القضيّة مع ذلك عما هي عليه في كتب أهل السنة، فانه رحمه اللّه يصرّح بان عليّاً ـ عليه السلام ـ انطلق هو و «هندبن أبي هالة» ابن خديجة وربيب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في منتصف الليل بعد ليلتين من الهجرة حتّى دخلا على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعلىّ:

«إنّهم لن يَصِلُوا مِنَ الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتّى تقدم علىّ»(1) .

وهذه الجملة تشبه الجملة الّتي ذكرها ابن هشام والطبري وابن الأثير، ولكن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قالها لعلىّ ـ عليه السلام ـ مطمئِناً إِياه بعد ليلتين من المبيت في الفراش، وليس ليلة المبيت كما يروي الثلاثة المذكورون.

هذا علاوة على أنّ كلام علي نفسه خير شاهد على ما نقول:

فلقد عدّ علىّ ـ عليه السلام ـ عمله هذا (أي المبيت في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك الليلة الرهيبة) نموذجاً من بذله وتفانيه في سبيل الحق كما يتضح ذلك بجلاء من اشعاره حيث يقول:

وَقَيتُ بنفسي خيرَ مَن وَطأ الحصا * ومَن طاف بالبيتِ العتيقِ وبالحجر

محمّد لما خافَ أن يمكُروا بهِ * فَوقّاهُ ربّي ذُوالجلالِ مِن المَكرِ

وَبِتُ اُراعي منهم ما يسوءني * وَقَد وطّنَت نفسي على القتل والأسر

وباتَ رَسُولُ اللّهِ في الغار آمِناً * هناكَ وَ في حفظِ الاله وفي سَترِ(2)


1 - الأمالي: ج 2، ص 84 .
2 - المصدر السابق وغيره، هذا مضافاً إلى أنَّ الامام ـ عليه السلام ـ نفسه قد استنشد المسلمين مراراً بهذه القضية مستدلا بها على تفانيه في سبيل الإسلام .


(600)

ومع هذه العبارات الصَريحة لا مجال للاعتماد على قول ابن هشام الّذي تدل قرائنُ كثيرةٌ على خطأه، ويُحتمل، احتمالا قوياً، بأن اشتباهه وخطأه قد نشأ من تلخيصه لسيرة ابن اسحاق، وحيث أنه (ونعني ابن هشام) قد بنى في سيرته على الاختصار لذلك اكتفى بنقل أصل العبارة، مهملاً ظرف النطق بها لعدم أهمية زمن النطق بها وأنها قيلت في الليلة الثانية أوالثالثة، في نظره، وروى الموضوع بنحو يوهم بان جميع هذه الامور وقعت في ليلة واحدة!!

ويؤيد رأينا هذا أيضاً الحديث المعروف الّذي رواه كثيرٌ من علماء السنة والشيعة وهو: أن اللّه أوحى إلى جبرئيل وميكائيل عليهما السلام أنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر احدكما أطول من عمر صاحبه فأيكما يؤثر أخاه .

وكلاهما كره الموت، فاوحى اللّه إليهما: عبداي ألا كنتما مثل وليي «علىّ» آخيت بينه وبين «محمّد» نبيي فآثره بالحياة على نفسه؟ أو قال: فبات على فراشه يفديه بمهجته .

ثم أمرهما بالهبوط إلى الأرض وحراسة علىّ وحفظه من عدوه(1) .

واما الدليل الثاني الّذي يستفيد منه ابن تيمية أن عليّاً كان يعلم بمصيره هو توصية النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ له بأداء الامانات والودائع إلى أهلها، الّتي كانت تَكشف عن ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يعلم بأنه لن يصلَ إليه مكروهٌ، ولهذا امره بردّ الودائع والامانات إلى أصحابها.

الخطيب وقضية المبيت:

وينبغي أن نختم هذا الفصل بما كتبه الاستاذ عبدالكريم الخطيب حول


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 39 نقلا عن احياء العلوم للغزالي .


(601)

مبيت علي ـ عليه السلام ـ في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث قال: لقد دعا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً ليلة الهجرة، وطلب إليه أن يبيت في المكان الّذي اعتاد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبيت فيه، وان يتغطى بالبرد الحضرمىّ الّذي كان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتغطى به حتى إذا نظر ناظر من قريش إلى الدار رأى كأنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نائم في مكانه مغطى بالبرد الّذي يتغطى به، وهذا الذي كان من علىّ في ليلة الهجرة إذا نظر إليه في مجرى الاحداث الّتي عرضت للامام علي في حياته بعد تلك الليلة فانه يرفع لعيني الناظر أمارات واضحة واشارات دالة على ان هذا التدبير الّذي كان في تلك الليلة لم يكن أمراً عارضاً بل هو عن حكمة لها آثارها ـ إلى ان قال - انه إذا غاب شخص الرسول كان علىٌ هو الشخصية المهيّأة لأن تخلفه وتمثّل شخصه وتقوم مقامه، حين نظرنا إلى علىّ وهو في برد الرسول وفي مثوى منامه الّذي اعتاد أن ينام فيه فقلنا: هذا خَلَفُ الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والقائم مقامه(1) .

ولكنّنا نعتقد ان في مقدورنا الحصول على حلٍّ لهذه المشلكة إذا استعرضنا بقية قصة الهجرة بشكل صريح وكامل .

واليك بقيّة قصة الهجرة .

بقية قصةِ هجرةِ النبىّ:

انتهت المراحلُ الاُولى لنجاة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفق تخطيط صحيح، بنجاح، فقد لجأ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في منتصف اللّيل إلى غار ثور، واختبأ فيه، وبذلك أفشل محاولة المتآمرين عليه .

ولقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ طوال هذا الوقت مطمئناً لا يحسُّ في نفسه بأىّ قلق أو إظطراب، حتّى انه طمأن رفيقَ سفره عندما وجده مضطرباً في تلك اللحظات الحساسة بقوله:

(لا تَحْزَنْ اِنَّ اللّه مَعَن)(2) .

وبقي هناك ثلاث ليال محروساً بعين اللّه تعالى و مشمولا بعنايته ولطفه ،


1 - راجع كتاب علي بن أبي طالب بقيّة النبوّة وخاتم الخلافة، ص 103 ـ 105 ملخّصاً .
2 - التوبة: 40 .


(602)

وكان يتردّد عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه الاثناء علىٌ ـ عليه السلام ـ وهند ابن ابي هالة (ابن خديجة) على رواية الشيخ الطوسي في أماليه، وعبداللّه بن أبي بكر وعامر بن فهيرة راعي اغنام أبي بكر (بناء على رواية كثير من المؤرّخين) .

يقول ابن الاثير: كان عبداللّه بن ابي بكر يتسمَّع لهما بمكة نهاره ثم يأتيهما ليلا، وكان يرعى غنمه نهاره على مقربة من الغار، وكان إذا غدا من عندهما عفى على أثر الغنم(1) .

يقول الشيخ الطوسي في أماليه: عند ما دخل علي ـ عليه السلام ـ وهند على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الغار (بعد ليلة الهجرة) أمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً أن يبتاع بعيرين له ولصاحبه، فقال أبوبكر: قد كنتُ أعددت لي ولك يا نبي اللّه راحلتين نرتحلهما إلى يثرب .

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إني لا آخذهما ولا أحدهما إلاّ بالثمن. ثم أمر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً ـ عليه السلام ـ فدفع إليه ثمن البعيرين(2).

وكان من جملة وصايا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعليّ ـ عليه السلام ـ في الغار في تلك الليلة ان يؤدي أمانته على أعين الناس ظاهراً وذلك بأن يقيم صارخاً بالابطح غدوة وعشياً: ألا من كان له قبل محمّد أمانة أووديعة فليأت فلنؤدِ إليه أمانته(3) .

ثم أوصاه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالفواطم (والفواطم هن: فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الحبيبة لديه، والأثيرة عنده، وفاطمة بنت أسد اُمّ علىّ ـ عليه السلام ـ وفاطمة بنت الزبير ومن يريد الهجرة معه من بني هاشم)، وأمره بترتيب أمر ترحيلهم معه إلى يثرب وتهيئة ما يحتاجون إليه من زاد وراحلة.

وهنا قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عبارته الّتي تذرَّع بها ابن تيمية في دليله


1 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 73 مع تصرف .
2 - أمالي الشيخ: ج 2، ص 82 .
3 - الكامل: ج 2، ص 73؛ السيرة الحلبية: ج 2، ص 53 .


(603)

الأول: «انهم لن يصلوا من الآن اليك يا علىّ بامر تكرهه حتّى تقدم عليَّ» .

فالملاحظ للقارىء هو أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إنما قال هذه العبارة عندما أمره باداء أمانته، وذلك بعد انقضاء قضية ليلة المبيت .

أي انه أمر علياً بذلك، وقال له تلك العبارة وهو يتهيّأ للخروج من غار ثور.

يقول الحلبي في سيرته: «وصى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في احدى الليالي وهو بالغار علياً رضي اللّه عنه بحفظ ذمته واداء امانته ظاهراً على اعين الناس»(1).

وثم ينقل عن مؤلف كتاب «الدر» ما يقتضي انه اجتمع به عند خروجه من الغار .

وخلاصة القول: انه مع رواية شيخ جليل من مشائخ الشيعة الامامية كالشيخ الطوسي بالاسناد الصحيحة أن الأمر بردّ الودائع والامانات صدر من جانب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى علىّ ـ عليه السلام ـ بعد ليلة المبيت لا يحقّ لنا أن نعارض هذا النقل الصحيح، ونعمد إلى الهاء العامة بالتوافه، وأما رواية مؤرخي اهل السنة هذا المطلب بشكل آخر يوحي ظاهرُه بأن جميع وصايا النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعلىّ تمت في ليلة واحدة هي ليلة الهجرة (ليلة المبيت) فقابلٌ للتفسير والتوجيه، لأنه لا يبعد أن عنايتهم كانت مركزة على رواية أصل الموضوع، ولم يكن لظرف صدور هذه الوصايا والأوامر ووقت بيانها اهمية عندهم .

الخروج من الغار:

هيّأ علي ـ عليه السلام ـ بأمر النبىّ ثلاث رواحل ودليلا امينا يدعى أريقط ليترحلوها إلى المدينة، ويدلّهم الدليل على طريقها وأرسل كل ذلك إلى الغار .


1 - السيرة الحلبية: ج 2، ص 35 .


(604)

ولما سمع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رغاء البعير أو نداء الدليل نزل هو و صاحبه من الغار وركبا البعيرين وتوجها من أسفل مكة إلى «يثرب» سالكين إلى ذلك الخط الساحلي، وقد جاء ذكر المنازل الّتي مرّا بها في السيرة النبوية لابن هشام(1) وفي الهوامش المثبتة على التاريخ الكامل لابن الاثير(2).

صفحةُ التاريخ الاُولى:

اجل لقد حلّ الظلام في كل مكان، ولملمت الشمس اشعتّها الذهبية من هذا الوجه من الكرة الأرضية لتوجّهها إلى الوجه الاخر منها .

وعاد جماعة من رجال قريش الذين سلكوا كل طريق في مكة وضواحيها بحثاً عن النبىّ، ثلاثة أيام، بلياليها، إلى بيوتهم ومنازلهم متعبين مرهقين، وقد يئسوا من الظفر بالجائزة (وهي مائة من الإبل) الّتي وضعتها سادة قريش جائزةً لمن يأخذ محمّداً أو يدل على مكانه، واُعيد فتح طريق مكة ـ المدينة الّتي اُغلقت لهذه الغاية بعد اليأس من الظفر برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ (3).

وفي هذه اللحظات بالذات بلغ نداء الدليل الّذي كان يصطحب معه ثلاث رواحل ومقداراً من الطعام، إلى مسمع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورفيقه وهما في الغار وقد كان يقول بصوت خافت: لابد ان نتخد من ظلام هذا الليل ستراً، ونسرع في الخروج من حدود المكيّين، ونختار طريقاً يقلّ سالكوه ولا يهتدي إليه أحد.

ويبدأ تاريخ المسلمين من العام الّذي تضمَّن تلك الليلة بالضبط، وجعل المسلمون يقيسون كل ما يقع من الحوادث بذلك العام وبذلك يحددون تاريخه وزمان حدوثه .


1 - السيرة النبوية لابن هشام: ج 1، ص 491 .
2 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 75 .
3 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 104 .


(605)

لماذا أصبح العامُ الهجريُ مبدأ للتاريخ:

إن الإسلام أكمل الشرائع السماوية قاطبة، وقد جاء إلى البشرية بما تتضمنه شريعة موسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ ولكن بصورة أكمل وبصيغة تطابق وتتمشى مع جميع الظروف والأوضاع.

ومع أن السيد المسيح ـ عليه السلام ـ وميلاده المبارك يحظى بالاحترام عند المسلمين إلاّ أنّ ميلاده ـ عليه السلام ـ لم يُتخَذ لديهم مبدأ للتاريخ، والتوقيت.

وكانت العرب قد جعلت عام الفيل(1) مبدأ لتاريخها، وكانت تقيس حوادثها واُمورها إليه فترة من الزمن، ومع أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قَد وُلِدَ في ذلك العام نفسه، إلاّ أن المسلمين لم يتخذوه مع ذلك مبدأ للتاريخ، لأنه لم يكن ينطوي على ما يتصل بقضية الإيمان والإسلام .

ولاجل هذا أيضاً لم يتخذوا عام البعثة مبدأ لتاريخ المسلمين أيضاً لأن عدد المسلمين لم يكن يتجاوز في ذلك اليوم ثلاثة أشخاص، إِذن فلم يكن في اي واحد من تلك الحوادث ما يعطي مبرراً قوياً لاتخاذه مبدأ للتوقيت والتاريخ، إذ لابد ان يكون ما يتخذ لذلك قضية مصيرية بالغة الأهمية .

ولكنه في السنة الاولى من الاعوام الهجرية حقق المسلمون انتصاراً عظيماً وباهراً، وقد اُسست فيه حكومة مستقلة وتخلّص المسلمون من التشرذم والتبعثر، وتمركزت قواهم وعناصرهم في نقطة واحدة، وبيئة حرة لا أثرَ فيها للكبت والاضطهاد، من هنا جعلوا ذلك العام (أي العام الّذي تحققت فيه هجرة النبىّ العظيم) مبدأً لتاريخهم، واخذوا يقيسون إليه ـ وحتّى الآن ـ كل ما يحدث ويقع من خير وشر، لتحديد تاريخ وقوعه .

من هنا يكون قد مضى على عام هجرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من مكة إلى المدينة الف واربعمائة وتسعة اعوام .


1 - وهو العالم الّذي سيّر فيه أبرهة جيشاً لهدم الكعبة تتقدمة الفيلة. راجع المحبّر: ص 5-8.


(606)

الهجرة النبوية مبدأ لتاريخ المسلمين كافة:

ولقد جعل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ التاريخ الهجرىّ بنفسه .

وانّ أىَّ إعراض وتجاهل لهذا التاريخ، واختيار تاريخ آخر مكانه إعراضٌ عن سنة رسول الإسلام الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومخالفة لما رسمه للمسلمين في هذا المجال .

إن وجود تاريخ معين ثابت (مؤلّف من السنة والشهر واليوم) في الحياة الإجتماعية البشرية، من الاُمور الضرورية الحيوية بل هو في غاية الضرورة والحيوية، من أجل أن لا تتوقف عجلة الحياة الإجتماعية البشرية عن الدوران والحركة بسبب فقدان مقياس زمني ثابت ومعلوم للامور والحوادث .

وتلك حقيقة لا حاجة إلى اقامة البرهان عليها لأنَّ الاستدلال عليها يكون مثل الاستدلال على الامور البديهية .

فهل يكون تنظيم المعاهدات، والمواثيق السياسية والعسكرية، والاتفاقيات، والعقود الاقتصادية وتحويل وتسديد السندات والحوالات التجارية ودفع الديون وكتابة الرسائل العائلية من دون ذكر تاريخ معين فيها أمراً مفيداً؟ كلا حتما، ودون ريب .

فعندما سأل بعض الصحابة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن علة اختلاف أشكال القمر، وانه لماذا يكون هلالا تارة ثم بدراً اُخرى. ثم يعود إلى سيرته الاُولى هلالا، نزل الوحيُ الالهي، يبيّنُ بعض حكمة هذه الظاهرة الطبيعية إذ قال تعالى:

(قل هيَ مواقيت للنّاس)(1) .

أي ان اختلاف اشكال القمر وهيئاته انما هو لاجل ان يعرف الناسُ به الوقت والتاريخ فيعرفوا في أي يوم من الشهرهم، في مبدئه أو منتصفه، أو منتهاه،


1 - البقرة: 189 ومطلعها: «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت...» .


(607)

ولكي يعرفوا بواسطة ذلك مواعيد واجباتهم الشرعية والاجتماعية، ويعرف الدُّيّان موعد تسلّم دُيونهم، ويعمَدُ المَدِينون إلى دفع ما عليهم في وقته، ويقومَ المؤمنُون بفرائضهم المقيَّدة بالازمنة والاوقات كالصوم والحج وماشابه ذلك .

من هنا لا مجال للنقاش في احتياج كل اُمة إلى تاريخ معين ثابت محدّد تجعله ملاكاً للتوقيت، ومداراً لتحديداتها الزمنية .

إنما الكلام هو في ما ينبغي إتباعه والجري عليه من التواريخ، وتنظيم المستندات والمكاتبات والمواعيد وفقاً له .

وبعبارة اُخرى: إن الكلام إنما هو في ما ينبغي جعله مبدأً للتاريخ يقاس به كل العُقودِ والاتفاقات من حيث الزمان، والتوقيت .

فما الّذي يصلح أوينبغي إتخاذه مبدأً للتاريخ للامة الإسلامية ؟

الجواب:

إن الاجابة على هذا السؤال واضحة جداً، وتلك الاجابة هي:

إذا كانت لاُمة من الامم حوادث لامعة وسوابق مشرقة في حياتها، وثقافة خاصة بها، وديناً ومسلكاً مستقلا وشخصيات علمية وسياسية بارزة، واحداث ووقائع عظيمة مثيرة، تبعث على الفخر والاعتزاز، ولم تكن كنبتة وحشية نبتت عفواً واعتباطاً من غير قانون ولا جذور كبعض الجماعات والشَعوب الجديدة الظهور الّتي لا ترتكز إلى اُصول ثابتة معلومة .

فان على مثل هذه الاُمة أن تتخذ من أعظم حوادثها الاجتماعية والدينية مبدءً لتاريخها الّذي تقيس، وتنظم عليه بقية حوادثها وأعمالها الّتي سبقت تلكم الحادثة العظمى، أو الّتي وقعت اوتقع بعدها.

ومن هنا تكون قد اكسبت شخصيتها وكيانها قوةً اكبر، وصانت نفسها من التبعية للشعوب والاُمم الاخرى، والميعان والفناء فيها .

وإذ لم يكن في تاريخ الاُمة الإسلامية شخصية أعلى شأناً من شخصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، كما لم يكن هناك حادثة أعظم، وانفع من حادثة


(608)

الهجرة النبوية المباركة، لأن هجرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فتحت ـ في الحقيقة ـ صفحةً جديدةً في حياة البشرية، فقد خرج رسول الإسلام واتباعه من بيئة مكة الرازحة تحت الكبت، إلى بيئة مناسبة حرة مكنّتهم من إحداث انطلاقة كبرى لم يشهد التاريخُ البشريُ برمّته لها مثلا .

فقد استقبل اهلُ المدينة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن هاجر معه من المسلمين إلى يثرب استقبالا حاراً، ووضعوا تحت تصرّفه كلَّ ما توفر لديهم من الامكانات والقوى، فلم يمض زمن إلاّ وتمتع الإسلام بفضل هذه الهجرة المباركة بتشكيلات سياسية وعسكرية، واتخذ صورة وشكلَ حكومة قوية لها وزُنها، وشأنُها، وجانبُها المرهوب في شبه الجزيرة العربية، وسرعان ما نشر رايته على البسيطة كلها تقريباً، وأسس حضارةً عظمى لم تر البشرية لها نظيراً .

فاذا لم تحدث تلك الهجرة المباركة المعطاء لقُضي على الإسلام في محيط مكة، وحُرمَ العالم الانساني من هذا الفيض العظيم.

من هنا، ولأجل هذا اتخذ المسلمون هجرة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مبدأً لتاريخهم، ودأبوا على ذلك إلى الآن حيث ينقضي أكثر من ألف وأربعمائة عام، أي أن هذه الامة الكبرى تركت وراءها إلى هذا اليوم أربعة عشر قرناً من الأمجاد والمفاخر، وهي الآن على أعتاب القرن الخامس عشر؟

من الّذي جعل الهجرة مبدأً للتاريخ؟

على العكس مما هو مشهور بين المؤرخين من أن الخليفة الثاني جعل هجرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مبدأً للتاريخ باقتراح وتأييد من الامام أميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ وامر بأن تؤرخ الدواوين، والرسائل والعهود وما شابه ذلك بذلك التاريخ، فان الامعان في مراسلات النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومكاتباته الّتي هي مدرجة في الأغلب في كتب التاريخ والسيرة والحديث والسنة، وكذا غير ذلك من الادلة الّتي سوف نذكرها في هذه الصفحات يثبت أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو نفسه أول من اعتمد تلك الحادثة الكبرى كمبدأ للتاريخ،


(609)

وكان يؤرّخ رسائله، وكتبه إلى امراء العرب، وزعماء القبائل وغيرهم من الشخصيات البارزة بذلك التاريخ (أي التاريخ الهجري) .

وها نحن ندرج هنا نماذج من تلك الرسائل النبوية المؤرخة بهذا التاريخ، ثم نعمد بعد ذلك إلى استعراض الدلائل الاُخرى على هذا الأمر، ونحن نحتمل ان تكون هناك أدلة اُخرى غير ما سنذكره هنا ـ أيضاً ـ لم نقف عليها .

نماذج من رسائل النبىّ المؤرخة:

1- طلب سلمان من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يكتب له ولأخيه (ماه بنداذ) ولأهله وصية مفيدة ينتفع بها، فاستدعى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليّاً وأملى عليه اُموراً، وكتبها علي ـ عليه السلام ـ ثم جاء في آخر تلك الوصية:

«وكتب علي بن أبي طالب بأمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في رجب سنة تسع من الهجرة»(1).

2- أدرج المؤرخُ الشهير «البلاذري» في كتابه «فتوح البلدان» نصَّ معاهدة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع يهود «المقنا» وذكر أن مصرياً رأى نصَ هذه المعاهدة في جلد أحمر اللون عتيق وكان قد استنسخَها، فقرأها لي.

ثم نقل البلاذري نص تلك المعاهدة وقد جاء في نهايتها:

«وليس عليكم امير الا من انفسكم أو من اهل بيت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكتب علي بن أبوطالب في سنة تسع»(2) ومع أن «أبا طالب» يجب أن يكتب حسب القواعد الادبية في المقام «أبي طالب» لكونه مضافاً إليه فقد كتب: «علي بن أبوطالب» ولكن مع ذلك ذكر المحققون ان قبيلة قريش كانت تتلفظ لفظة أب في جميع الموارد (أي في حالة النصب والرفع والجرّ) بـ «أبو» وتكتبها كذلك أيضاً، وقد صرح الاصمعىّ بهذا من بين الادباء.

ويقول البروفيسور «محمّد حميد اللّه» مؤلف كتاب «الوثائق السياسية»: اني


1 - اخبار اصفهان: تأليف ابي نعيم، ج 1، ص 52 و 53 .
2 - فتوح البلدان: ص 72 .


(610)

لما كنت في المدينة المنورة في شهر محرم سنة 1358 وجدت في الكتابة القديمة الّتي في جنوبي جبل سلع في المدينة المنورة «أنا علي بن أبوطالب»(1).

3ـ جاء في معاهدة الصلح الّتي نظمها «خالد بن الوليد» لاهل دمشق، ونص فيها على احترام دمائهم، واموالهم وكنائسهم: «وكتب سنة ثلاث عشرة»(2).

وكلنا نعلم أن دمشق فتحت في أواخر حياة الخليفة الأوّل .

فما يدعيه البعض من ان التاريخ الهجري قد اتخذ في عهد الخليفة الثاني بارشاد وتأييد من الامام علي ـ عليه السلام ـ غير صحيح فان تاريخ ذلك يرتبط بالسنة السادسة عشرة أوالسابعة عشرة من الهجرة، والحال ان هذه المعاهدة قد نظِّمت ودُوّنت واُرخت بالتاريخ الهجري قبل ذلك بأربع سنوات .

4ـ ان كتاب الصلح الّذي كتبه الامام علي ـ عليه السلام ـ بأمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لنصارى نجران مؤرَّخ بالسنة الهجرية الخامسة .

فقد جاء في هذه الرسالة:

«وأمر علياً ان يكتب فيه انه كتب لخمس من الهجرة»(3) .

ان هذه الجملة تفيد بوضوح ان النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو واضع التاريخ الهجري ومؤسسه الاوّل وهو الّذي أمر علياً ـ عليه السلام ـ بان يؤرخ ذلك الكتاب بالتاريخ الهجري في ذيله .

5- جاء في مقدمة الصحيفة السجادية: قال جبرئيل وهو يفسر رؤيا رآها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «تدور رحى الإسلام من مهاجرك فتلبث بذلك عشر، ثم تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمس، ثم لابد من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها»(4) .


1 - مكاتيب الرسول: ص 289، نقلا عن شرح ملا علي القاري لشفاء القاضي عياض، وكذا الوثائق السياسية .
2 - الاموال: طبعة مصر، ص 297 .
3 - التراتيب الادارية: ج 1، ص 181 نقلا عن السيوطي .
4 - مقدمة الصحيفة السجادية، سفينة البحار: ج 2، ص 641 .


(611)

6- يروي المحدثون الاسلاميُّون أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لام سلمة:

«يُقتَل الحسين بن علي على راس ستين من مهاجري»(1) .

7ـ قال أنس بن مالك: «حدثنا أصحاب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: لاتأتي مائة سنة من الهجرة و منكم عين تطرف»(2) .

8ـ أرخ أصحاب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايام حياته الحوادث الإسلامية بهجرته فقالوا: وقع كذا في الشهر كذا من الهجرة، مثلا كانوا يقولون: حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في شهر شعبان ستة عشر شهراً أوسبعة عشر شهراً أوثمانية عشر شهراً(3) .

على رأس ثمانية عشر شهراً فرِضَ صوم شهر رمضان(4) .

وقال عبداللّه بن انيس أمير الوفد الّذي بعثه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمس خلونَ من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهراً(5) .

وقال محمّد بن سلمة عن غزوة القرطاء: خرجتُ في عشر ليال خلون من المحرم فغبت تسع عشرة وقدمتُ لليلة بقيت من المحرم على رأس خمسة وخمسين شهراً(6).

إنَّ هذا النوع من تاريخ الحوادث والوقائع يكشف عن ان المسلمين كانوا إلى السنة الخامسة من الهجرة يقيسون الحوادث بهجرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويؤرخون بها عن طريق عدّ الأشهر، حتّى إذا كانت السنة الخامسة من الهجرة


1 - مجمع الزوائد: ج 9، ص 190 .
2 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 367 .
3 - نفس المصدر: ج 1، ص 368 .
4 - المغازي: ج 2، ص 531 تحقيق الدكتور مارسدن جونس.
5 - المغازي: ج 2، ص 531 .
6 - المغازي: ج 2، ص 534 .


(612)

أمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باحلال السنة الهجرية مكان الشهر الهجري (كما مرّ في الرسالة رقم 4) حيث أمر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بان يُؤرَّخ الكتاب الّذي كتبه لنصارى نجران بالعام الهجري .

9- نقل المحدثون الاسلاميون عن الزهري قوله: ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأوّل (اي شهر قدومه المدينة)(1) .

10- روى «الحاكم» عن «ابن عباس» ان التاريخ الهجري بدأ من السنة الّتي قدم فيها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة(2) .

إن هذه النصوص تحكي عن أنّ قائد الإسلام الأكبر قد أوضح مسألة التاريخ من اليوم الاول. وانه جعل هجرته مبدأ لذلك التاريخ. غاية ما هنالك أن هذا التاريخ كان إلى فترة من الزمن يعدُّ بالأشهر ثم حل العدُّ بالأعوام منذ حلول السنة الخامسة من الهجرة محل العدّ بالاشهر .

سؤال:

ويمكن ان يسأل سائل: إذا كان حقاً أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو مؤسس التاريخ الهجري وواضعه الاوّل فماذا نفعل بالخبر الّذي رواه كثيرٌ من المحدثين والمؤرخين .

فانهم يقولون: رفع رجل إلى عمر صكاً مكتوباً على آخر بدَين يحلّ عليه في شعبان فقال عمر: اي شعبان؟ أمِن هذه السنة أم الّتي قبلها أم الّتي بعدها؟

ثم جمع الناس (أي أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) فقال: ضعوا للناس شيئاً يعرفون به حلول ديونهم... فيقال: أن بعضهم أراد أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم كلما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الّذي بعده فكرهوا ذلك .


1 - فتح الباري: ج 7، ص 208، تاريخ الطبري: ج 2، ص 288 طبعة دار المعارف .
2 - مستدرك الحاكم: ج 3، ص 13 و 14 و قد صححه على شرط مسلم .


(613)

ومنهم من قال: ارخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر فكرهوا ذلك لطوله أيضاً.

وقال آخرون: أرّخوا من مولد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وقال آخرون: أرخوا من مبعثه. واشار علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أن يؤرخ من هجرته إلى المدينة لظهوره على كل أحد، فانه أظهر من المولد والمبعث، فاستحسن عمر ذلك والصحابة، فأمر عمر أن يؤرَخ من هجرة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

الجواب:

إنّ هذا القسم من التاريخ لا يمكن الاستناد إليه في مقابل النصوص الكثيرة الّتي وصفت الرسول العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكونه واضعَ التاريخ الهجري ومؤسسه الأول .

هذا مضافاً إلى أنه من الممكن أن يكون التاريخ الهجري الّذي وضعه النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تعرّض للترك، وفقد رسميته بمرور الزمن وقلة الحاجة إلى التاريخ ولكن جُدِّد في زمن الخليفة الثاني، بسبب اتساع نطاق العلاقات واُعيد الاهتمام به لاشتداد الحاجة إليه في هذا العهد .

التذكير بنقطتين:

1ـ لا نجد في الاقتراحات الّتي عرضت على الخليفة في مجال التاريخ أي ذكر للتاريخ المسيحي الّذي يجعل ميلاد السيد المسيح ـ عليه السلام ـ مبدءً للتاريخ .

والعلة هي: أن التاريخ الميلادي ظهر في القرن الرابع الاسلامي بين


1 - البداية والنهاية: ج 7، ص 73 و 74، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 12، ص 74. الكامل لابن الاثير: ج 1، ص 10 .


(614)

المسيحيين بعد سلسلة من المحاسبات التخمينية، فهو لم يكن رائجاً قبل ذلك.

2ـ ان البلاد والاقطار الإسلامية بحاجة اليومَ إلى الوحدة والاتفاق اكثر من اي زمن مضى .

ومن مظاهر تلك الوحدة هو السعي للحفاظ على التاريخ الاسلامي الهجري .

ومن هنا يتوجب على الاقطار الإسلامية ان تقيم كل روابطها، وعلاقاتها على أساس التاريخ الهجري، شمسياً كان أو قمرياً .

وان هذا الأمر بحاجة إلى مؤتمر إسلامي كبير يشترك فيه كبارُ الشخصيات الفكرية الإسلامية من أجل توحيد التاريخ، ودراسة السبل الكفيلة بالوصول إلى هذا الأمر، والتخلّص من التبعية الغربية في التاريخ .

ان من المؤسف جداً أن تتجاهل بعض الدول الإسلامية والعربية التاريخَ الهجري وتعتمد التاريخ الميلادي المسيحىّ، حتّى أن شيخ الجامع الازهر الّذي يشكل قمة القيادة الدينية في المجتمع السني يؤرخ رسائله بالتاريخ الميلادي، ولا يذكر إلى جانبه التاريخ الهجري على الأقل!!(1)

مؤامرة الطاغوت:

وكانت ايران من الاقطار الإسلامية الّتي حافظت بشدة على التاريخ الهجري، واعتمدته في اعمالها، ولكن في المؤامرة الّتي نفّذت بواسطة الطاغية المقبور في عام 1399 هـ، استبدلت التاريخ الهجري بالتاريخ الشاهنشاهي واُعلن في وسائل الاعلام عن وجوب اعتماد هذا التاريخ المختلَق بدل التاريخ الهجري الاصيل!!

ولقد تصوَّر الطاغوتُ الأرعن أنه يستطيع بحذف التاريخ الهجري، و استبداله


1 - وقد رأيت أنا شخصياً رسالةً من شيخ الجامع الأزهر الاسبق هو الشيخ محمود عبدالحليم وعليها التاريخ الميلادي فحسب!!


(615)

بالتاريخ الشاهنشاهي المشؤوم تثبيت قواعد حكومته المهزوزة، وسلطانه المنخور، ونظامه الظالم المتهريء، مدة أطول، ولكن العناية الالهية، وهمة الشعب الإيراني المسلم العالية، وقيادة الاستاذ الاكبر آية اللّه العظمى الإمام الخميني قدس سره الشريف أفشلت هذه المحاولة النكراء، وآل الأمر إلى اسقاط النظام الشاهنشاهي بثورة الشعب المجيدة واقامة حكومة الجمهورية الإسلامية على انقاض الحكم الملكي المباد، واحلال التاريخ الهجري الاسلامي المبارك محلّ التاريخ الشاهنشاهي المختلق. والحمدللّه(1) .

برنامج الرحلة في حادث الهجرة:

لقد كان على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يقطع ـ للوصول إلى المدينة ـ ما يقرب من اربعمائة كيلومتراً،ولا شك أن طىّ هذه المسافة الطويلة تحت تلك الحرارة العالية الدرجة بحاجة إلى خطة صحيحة، لضمان السلامة، خاصة وانهم كانوا يخافون من أن يقوم الأعراب الذين كانوا ربما يصادفونهم في اثناء الطريق باخبار قريش بهم، ولهذا كانوا يسيرون ليلا ويستريحون نهاراً .

ويبدو أن شخصاً شاهد النبىّ ومن معه في أثناء الطريق فرجع إلى مكة وأخبر قريشاً بذلك فخرج «سراقة بن مالك بن جعشم» يطلبهم طمعاً في جائزة قريش الكبرى فلحق برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد صرفَ قريشاً عن ملاحقة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل ذلك ليتفرد بها.(2)

يقول ابن الاثير: تبعهم سراقة فلحقهم فقال أبوبكر: يا رسول اللّه ادركنا الطلبُ، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لاتحزن إنَّ اللّهَ معنا» .

ثم قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهم اكفني شرَّ سُراقة بما شئتَ» فجمح به فرسُه وطرحه أرضاً.


1 - يستخدم فى ايران تاريخ هجري آخر هو التاريخ الهجري الشمسي وهو ينفع لمعرفة الفصول وما شاكل ذلك .
2 - التاريخ الكامل: ج 2، ص 105.


(616)

فعلم سراقة أن هذا من دعاء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولهذا قال بنبرة المعتذر الملتمس: يا محمّد هذه إِبلي بين يديك فيها غلامي .

وان احتجت إلى ظهر (اي مركوب) أو لبن فخذ منه فقد حكّمتك في مالي .

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : لا حاجة لي في مالك(1).

وروى المجلسي ان سراقة قال: فسلني حاجة .

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : رُدَّ عنّا مَنْ يطلبُنا من قريش .

فانصَرف سراقة فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق فلم يمرّ فيه أحد، وأنا اكفيكم هذا الطريق فعليكم بطريق اليمن والطائف .

وهكذا ما كان يمرّ باحد إلاّ وصرفه عن البحث عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا الطريق بمثل هذا الكلام .

ثم إن كُتّاب السيرة من الشيعة والسنّة يذكرون لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كرامات كثيرة في طريق مكة ـ المدينة ونحن ندرج واحدة منها:

مرّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في أثناء الطريق على خيمة اُم معبد وكانت إمرأة شجاعة فاضلة فنزلوا بخيمتها وطلبوا منها تمراً ولحماً أو لبناً يشترونه.

فقالت: ما يحضرني شيء وكانت أغنامها قد اُصيبت بالهزال بسبب الجدب، فنظر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى شاة في جانب من الخيمة فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لها: ما هذه الشاة يا اُم معبد؟ قالت: شاةٌ خلّفها الجهدُ من الغنم فقال: هل بها من لبن؟.

قالت: هي أجهدُ من ذلك، قال: أتأذنين ان أحلبها؟.


1 - يذكر كثير من المؤرخين كابن الاثير في الكامل: ج 2: ص 105. والمجلسي في البحار: ج 19، ص 75 ـ 88 القصة كما نقلناها هنا، ولكن مؤلف حياة محمّد يقول: ان سراقة تطيّر لما كبا به فرسُه واُلقي في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالَّته.


(617)

قالت: نعم ان رأيت بها حلباً فاحلبها .

فدعا بها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فمسح بيده ضرعَها، وسمّى اللّه عزوجل، ودعا لها في شاتها قائلا اللّهم بارك لها في شاتها فدرَّت لبناً كثيراً بفضل دعائه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فطلبَ إناءوحلبها، فسقاها أولا حتّى رُوِّيَت ثم سَقى أصحابَهُ حتّى رَوُوْا وشرب هو آخرَهم، وقال:

«ساقي القوم آخرهم شرباً» .

ثم حلب الشاة مرةً ثانيةً فغادره عندها، وثم ارتحلوا عنها إلى المدينة(1).

وقد ذُكرت هذه الكرامة في كثير من كتب السيرة والتاريخ، وهو أمر ممكن في رؤية المؤمن باللّه، لأن الدعاء أحدُ الاسباب التي تستطيع أن تؤثر في الطبيعة، وشأنها شأن غيرها من الكرامات الّتي ورد ذكرها في الكتب الدينية وصدقته التجربة(2) .

النزول في قرية قباء:

تقع قرية قباء على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة و كانت مساكن «بني عمرو بن عرف» ومركزهم .

ولقد وصل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن معه إلى قباء في الثاني عِشر من شهر ربيع الاول يوم الاثنين، و نزل على «كلثوم بن الهرم» وهو شيخ من بني عمرو و كان ثمة جمع كبير من المهاجرين والانصار ينتظرون قدومه، ويستخبرون وروده .

ولقد لبث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في قباء إلى آخر أيام الاسبوع، وقد خط في هذا الفترة مسجداً لقبيلة «بني عمرو بن عوف»، ونصب قبلته(3) .


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 75 .
2 - بحارالأنوار: ج 18، ص 43 و ج 19، ص 99 ـ 103، الطبقات الكبرى: ج 1، ص 230 و 231، تاريخ الخميس: ج 1، ص 333، اُسد الغابة: ج 1، ص 377 .
3 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 338 .


(618)

وكان البعض ممن رافق رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يصرّ عليه أن يسارع في الدخول إلى المدينة، ولكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان ينتظر ابن عمه علياً .

ويقول: فما أنا بداخلها حتّى يقدم ابن اُمّي وأخي، وابنتي (يعني عليّاً وفاطمة ـ عليهما السلام ـ )(1) .

وأقام علىّ ـ عليه السلام ـ بمكة ثلاث ليال بايامها، حتّى أدّى عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الودائع الّتي كانت عنده للناس فقد وقف ـ عليه السلام ـ على مكان مرتفع في مكة ونادى قائلا:

«مَن كانَ لَه قِبَلَ محمّد أمانةٌ أو وديعةٌ فليأتِ فلنؤدّ إليه أمانتهُ» .

فكان يأتيه من له أمانةٌ أو وديعة عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويذكر علامتها ويأخذها فلما فرغ ـ عليه السلام ـ من اداء الامانات والودائع خرج بفاطمة بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وامه فاطمة بنت اسد، وفاطمة بنت الزبير وآخرين ممن لم يكن قد هاجر مكة حتى تلك الساعة، وتوجه بهم نحو المدينة ليلا سالكا بها طريقاً في «ذي طوى» .

كتب الشيخ الطوسي في اماليه في هذا الصدد يقول: إن جواسيس قريش غرفت بسفر علي مع تلك الجماعة، فخرجوا لملاحقتهم، لغرض اعادتهم إلى مكة، فادركوهم في منطقة «ضجنان» .

ووقع بين رجال قريش وبين علي ـ عليه السلام ـ تلاح وتناوش، وأخذٌ وردٌّ، ودنا الرجال من النسوة، والمطايا ليثوروها فحال علىّ ـ عليه السلام ـ بينهم، وبينها، ولم يجد ـ عليه السلام ـ طريقاً إلاّ أن يدافع عن حرم الإسلام والمسلمين، فشدّ عليهم بسيفه شدَّة الأسد الغضِب والليث الغيور وهو يقول مرتجزاً:

خَلُّوا سبيل الجاهد المجاهِد * آليتُ لا أعبُدُ غَيرَ الواحِدِ


1 - الفصول المهمة لابن صباغ المالكي: ص 35 دون ان يذكر اسماً، وامالي الشيخ الطوسي: ج 2، ص 83 .


(619)

فلما وجدوا ما به من الجدّ والغضب خافوه وتفرّقوا عنه وقالوا: بنبرة الخائف المتضرع ـ : إحبس عنّا نفسَكَ يا ابن أبي طالب، فقال ـ عليه السلام ـ :

«فإنّي مُنْطَلِقٌ إلى ابن عمّي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيثرب فمن سرّهُ ان اُفري لحمه واُهريق دمه فليتبعني، وليدنُ مني».

فتركه القومُ وعادوا من حيث أتوا، وواصل الركبُ رحلته باتجاه المدينة.

يقول ابن الاثير: قدم «علي» المدينة وقد تفطّرت قدماه، فقال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ادعوا لي عليّاً، قيل: لا يقدر أن يمشي، فأتاه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واعتنقه وبكى رحمةً لما بقدميه من الورم(1).

ولقد قدم رسول اللّه قباء في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، والتحق به علىُّ ـ عليه السلام ـ في منتصف ذلك الشهر نفسه(2)، ويؤيد هذا القول ما ذكره الطبري في تاريخه إذ كتب يقول: واقام علي بن ابي طالب رضي اللّه عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتّى أدى عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الودائع الّتي كانت عنده إلى الناس(3).

المدينة تهبُّ لقدوم النبىّ:

ولقد كان يوم دخول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوماً عظيماً جداً، ومشهوداً.

فكم ترى ستكون عظيمةً فرحةُ الذين آمنوا برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ ثلاث سنوات، وظلوا طوال هذه الأعوام يبعثون برسلهم ووكلائهم إليه، ويذكرون اسمه المقدس، ويصلّون عليه في صلواتهم كل يوم، إذا سمعوا أن


1 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 106 .
2 - إمتاع الأسماع: ص 48 وعلى هذا تكون محاصرة بيت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تمّت ثلاث ليال قبل شهر ربيع الاول من السنة الاُولى من الهجرة، وقد خرج النبىّ من داره ليلة الاثنين ودخل غار ثور وبقي ماكثاً فيه ثلاثة أيام، وخرج منه ليلة الخميس اول ربيع الاول وتوجه نحو المدينة ووصل قباء في الثاني عشر منه راجع تاريخ الخميس: ج 1، ص 337 ـ 338 .
3 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 382 .


(620)

قائدهم ذلك الّذي طال انتظارهم اياه، واشتد تشوقهم إليه كائن عند ميلين من مدينتهم قد نزل في قبا اياماً، وسيقدم اليهم ويدخل مدينتهم بعد ايام؟ وكم سيكون مبلغُ ابتهاجهم، وأي ابتهاج ترى سيعم كل صغير وكبير؟

إنه حقاً لأمر يعجزُ القلم عن بيانه، ويكل اللسان عن وصفه .

ولقد كان لفتية الأنصار وشبابهم الضامئين إلى الإسلام الحنيف برنامجٌ رائعٌ وعظيمٌ، فقد كانوا عمدوا بغية تطهير جوّ المدينة من ادران الوثنية إلى كل صنم في المدينة كان يقدّس ويعبد فاحرقوه وكسّروه، وقد كان كل شريف في بيته صنمٌ يمسحه ويطيّبه، ولكل بطن من الأوس والخزرج صنمٌ في بيت لجماعة يكرّمونه ويطيّبونه، ويجعلون عليه منديلا ويذَبحون له(1) .

ولا بأس في أن نذكر نموذجاً من هذا العمل الجليل الّذي قام به الانصار في التخلّص من الوثنية:

لماقدم من بايع من الأنصار في العقبة الثانية إلى المدينة اظهروا الإسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دين الشرك وعبادة الأوثان منهم «عمرو بن الجموح» وكان من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم وكان ابنه «معاذ» بن عمرو قد شهد بيعة العقبة .

وكان عمرو هذا قد اتخذ في داره صنماً من خشب يقال له: مناة، كما كانت الاشراف يصنعون، تتخذه إلهاً تعظّمه وتطهّره، فلما أسلم فتيان بني سلمةَ: معاذ بن جبل، وابنه معاذُ بن عمرو بن الجموح كانوا يتسلّلون في الليل إلى صنم عمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض حُفَر بني سلمة ومزابلها، وفيها فَضلاتِ الناس وعذرها منكَّساً على رأسه!!

فاذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟

ثم يغدو يلتمسه حتّى إذا وجده غسله وطهّره وطيّبه. ثم قال للصنم: أما واللّه لو أعلمُ من فَعَلَ هذا بك لاُخزينّه!


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 107 .


(621)

فاذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ثانيةً ففعلوا به مثل ما فعلوا به أولا.

فيغدو فيجدُه في مثل ما كان فيه من الأذى والوسخ فيغسله ويطهّره ويطيّبه، و ثم يعدون عليه إذا امسى فيفعلون به مثل ذلك.

فلما اكثروا عليه استخرجه من حيث ألقَوه يوماً فغسله وطهّره وطيّبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إِنّي واللّه ما أعلم مَن يصنعُ بك ماترى، فإن كان فيك خيرٌ فامتنِعْ، ودافع عن نفسك فهذا السيف معك .

فلما أمسى ونام عمرو عَدَوا على ذلك الصنم فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلباً ميّتاً فقرنوه به بحبل، ثم ألقَوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وفضلاتهم. ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الّذي كان به .

فخرج يتبعه حتّى وجده في تلك البئر منكساً مقروناً بكلب، ميّت، فلما رآه وابصر شأنه وكلّمه من اسلم من رجال قومه فاسلم، وهجر الوثنية والأوثان وحسُنَ إسلامه .

فقال حين أسلم وعرف من اللّه ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك، وما أبصر من شأنه ويشكر اللّه تعالى الّذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:

واللّهِ لو كنتَ إلهاً لم تكنْ * أنتَ وكَلبٌ وسطَ بئر في قَرَنْ

اُفٍّ لملقاكَ إلهاً مستدَنْ * الآن فتشناك عن سوءِ الغبن

فالحمدللّه العلي ذى المِنَنْ * الواهب الرزاقِ دَيّان الدَينْ

هُوَ الّذي أَنَقَذني من قبلِ أن * أكونَ في ظُلْمَةِ قَبْرِ مرتهَنْ

بأحمد المهدِيْ النبىّ المرتهَنْ(1)

النبيُّ يدخُلُ المدينة:

بعد أن التحقق علي ـ عليه السلام ـ ومن معه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في قباء توجه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة ولما انحدر من ثنية الوداع (و


1 - اسد الغابة: ج 4، ص 99 .


(622)

هي منطقة قريبة من المدينة) وحط قدمه على تراب يثرب استقبله الناس رجالا ونساء، كباراً وصغاراً، استقبالا عظيماً ورحّبوا به اعظم ترحيب، وردّد المرحبّون انا شيد الترحيب التالية:

طَلَعَ البدرُ عَلَينا * مِنْ ثَنيات الوَداع

وَجَبَ الشُكْرُ عَلَينا * ما دَعا للّهِ داع

أيّها المبعوثُ فينا * جِئتَ بِالأمر المُطاع

وكانت بنو عمرو بن عوف قد اجتمعت عنده وأصرّت عليه بأن ينزل في قباء وقالوا: أقم عندنا يا رسول اللّه فإنا أهل الجدّ والجَلَد، والحلقة (أي السلاح) والمنعة، ولكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقبل.

وبلغ الأوسَ والخزرجَ خروجُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقرب نزوله المدينة فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته لا يمرّ بحيٍّ من أحياء الانصار إلاّ وثبوا في وجهه وأخذوا بزمام ناقته وأصرّوا عليه بأن ينزل عليهم هذا ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: خَلُّوا سبيلها فانها مأمورة .

واخيراً لما انتهت ناقته ـ وكان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد أرخى زمامَها ـ إلى باب المسجد الّذي هو اليوم، ولم يكن مسجداً إنما كان أرضاً واسعة ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل وكانا في حجر أسعد بن زرارة فبركت الناقة على باب «ابي أيوب» خالد بن زيد(1) الانصاري الّذي كان على مقربة من تلك الأرض .

فاغتنمت ام أبي ايوب الفرصة فبادرت إلى رحل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فحلّته وأدخلته منزلَها، بينما اجتمع عليه الناس ويسألونه أن ينزل عليهم .

فلما اكثروا عليه، وتنازعوا في أخذه قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أين الرحل؟؟

فقالوا: يخوف أم أيوب قد ادخلته في بيتها.

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «المرء مع رحله» وأخذ اسعدُ بن زرارة بزمام


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 108 ولكن ذهب البعض كصاحب الكامل في التاريخ إلى أنهما كانا في حجر معاد بن عفراء .


(623)

الناقة فحوّلها إلى منزله(1) .

أصل النفاق ومنشؤه:

كانت الأوس والخزرج قد اتفقتا على أن تملّك عبداللّه بن ابي بن سلول (رئيس المنافقين وكبيرهم) عليهم، وذلك قبل أن تبايع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في العقبة وتؤمن به وتعتنق الإسلام ولكن هذا القرار اُلغي بعد اتصال الأوس والخزرج برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من هنا حنق عبداللّه بن أبي على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واضمر له العداوة منذ ذلك الحين، ولم يؤمن برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى آخر حياته، بل كان ينافق باسلامه.

ولما دخل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المدينة وشاهد عبداللّه بن اُبي ذلك الاستقبال والترحيب العظيمين لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي قام بهما الأوس والخزرج، شق عليه ذلك جداً، ولم يستطع اخفاء حنقه وغضبه،وحده وعداوته للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ !

فعندما انتهى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى عبداللّه بن اُبي - وقد أرخى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ زمام ناقته لتبرك حيث تريد، أخذ عبدُاللّه كمّه ووضعه على أنفه، وقد ثارت الغبرةُ بسبب الزحام وقال للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بنبرة اَلحانِق الغاضب: يا هذا إذهب إلى الّذين غرَّوك وخدعوك وأتوا بك، فانزل عليهم، ولاتُغشنا في ديارنا!!

فقام سعدُ بن عبادة ـ وقد خشي أن يسوء رسولَ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذا الموقف الوقِح الشِرير فقال: يا رسول اللّه لا يعرض في قلبك من قول هذا شيء، فإنّا كنّا اجتمعنا على ان نملِّكهُ علينا، وهو يرى الآن أنّك قد سَلَبتهُ أمراً قد كان أشرفَ عليه(2) .


1 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 341 .
2 - بحارالأنوار: ج 19، ص 108 .


(624)

هذا ويتفق عامة المؤرخين وكتّاب السيرة أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخل يثرب يومَ الجمعة، وصلّى صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، وكانت هذه أوّل جمعة جمّعها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها في المدينة، وقد تركت هذه الخطبة البديعة البليغة الّتي لم يسمع اهل المدينة مثيلها لفظاً ومعنى من قبل، أثراً عميقاً وطيّباً في قلوبهم ونفوسهم .

وقد أدرج ابن هشام نصّ الخطبة في سيرته(1) كما أدرجها المجلسي في بحاره(2) أيضاً .

غير أن عبارات ومضامين الخطبة الّتي نقلها ابن هشام واثبتها في سيرته تختلف عما رواها واثبتها المجلسي، وللاطلاع على ذلك يراجَع المصدران المذكوران .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 500 و 501 .
2 - بحارالأنوار: ج 19، ص 126 .

Website Security Test