welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(563)

دعوة رؤساء القبائل في مواسم الحج:

وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتقي في مواسم الحج في هذه النقاط برؤساء القبائل العربية واشرافها، ويقف على منازلهم منزلا منزلا، ويعرض دينه عليهم، ويدعوهم إلى اللّه ويخبرهم أنه نبىُّ مرسل(1) .

وربما مشى خلفه عمُّه «أبو لهب» فاذا فرغ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قوله وما دعا به قال أبو لهب فوراً للناس: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه .

وقد قدمت جماعة من بني عامر إلى مكّة فدعاهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الإسلام وعرض عليهم نفسه، فقبلوا أن يعتنقوا الإسلام إلاّ أنهم اشترطوا عليه أن يكون إليهم خلافته من بعده إذ قالوا: أرأيتَ إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهركَ اللّهُ على مَن خالفَك أيكونُ لنا الأمرُ من بعدك؟

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

(الأمرُ إلى اللّهِ يَضَعه حيثُ يشاءُ) .

فرفضوا اعتناق الإسلام والإيمان باللّه ورسوله .

ثم لما عادوا إلى أوطانهم رَجَعُوا إلى شيخ لهم طاعن في السنّ لم يقدر أن يحجَّ معهم و كان ذا بصيرة وفهم فحدّثوه بما جرى بينهم وبين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا: جاءنا فتى من قريش من بني عبدالمطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه(2) ونقوم معه .

فوضع الشيخ يديه على رأسه ووبَّخَهُم على رفضهم لدعوة الرسول وقال:


1 - قال ابن هشام: كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلاّ تصدّى له فدعاه إلى اللّه وعرض عليه ما عنده .
2 - أي نحميه .


(564)

يا بني عامر والّذي نفسُ فلان بيده ما تَقَوَّلَها اسماعيليٌ قط(1)، وإنّها لحقٌ، فاين رأيكم كان عنكم؟!(2)

ان هذه القضية التاريخية تفيد ـ في ما تفيد ـ بان مسألة الخلافة والامامة بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أمر تنصيصي، تعييني، لا انتخابي، أي ان تعيين الخليفة بعد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعود إلى اللّه، ولاخيار للناس فيه، وانما عليهم الطاعة والرضا .


1 - أي ما ادعى النبوة كاذباً احدٌ من بني اسماعيل .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 424 و 425 .


(565)

24
بيعة العقبة

كان (وادي القرى) في ما مضى من الزمن طريق التجارة من اليمن إلى الشام، فكانت القوافل التجارية القادمة من اليمن تدخل وادياً طويلا يدعى بوادي القرى بعد العبور بالقرب من مكة، وكانت المناطق الواقعة على طوال هذا الوادي مناطق خضراء، ومن هذه المناطق مدينة قديمة كانت تدعى بـ : يثرب والّتي عرفت فيما بعد بمدينة الرسول .

وقد سكن في هذه المدينة منذ اوائل القرن الرابع الميلادي قبيلتا: «الاوس والخزرج» اللتان كانتا من مهاجري عرب اليمن (من القحطانيين) .

وكان يعيش الى جانبهم الطوائف اليهودية الثلاث المعروفة: «بنو قريظة» و «بنو النضير» و «بنو قينقاع» الذين كانوا قد هاجروا اليها من شمال شبه الجزيرة العربية واستوطنوها .

وكان يقدم إلى مكة كل عام جماعة من عرب يثرب للاشتراك في مراسيم الحج، وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتقي بهم في تلك المواسم، ويجري معهم اتصالات.

وقد مهدّت بعض هذه اللقاءات للهجرة، وصارت سبباً لتمركز قوى الإسلام المتفرقة، في تلك النقطة .


(566)

على ان كثيراً من تلك الاتصالات وان لم تثمر ولم تنطو على اية فائدة فعلية إلاّ أنها تسببت في أن يحمل حجاج يثرب ـ لدى عودتهم ـ انباء ظهور النبىّ الجديد وينشروه في اوساط المدينة كأهم نبأ من انباء الساعة، ويلفتوا نظر الناس في تلك الديار إلى مثل هذا الامر المهم والخطير .

ولهذا نقلنا هنا بعض اللقاءات والاتصالات الّتي تمت بين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجماعات من اهل هذه المدينة في السنة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة من البعثة للتتضح بدراسة هذه المطالب علة هجرة النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من مكة إلى يثرب، وتمركز قوى المسلمين في تلك المنطقة .

1- كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلما سمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف تصدى له، ودعاه إلى الإسلام وعرض عليه ما عنده .

وقد قدم مرة «سويد بن الصامت» فتصدى له رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين سمع به فدعاه إلى اللّه وإلى الإسلام فقال له سويد: فلعلّ الّذي معك مثل الّذي معي.

فقال له رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : وما الّذي معك .

قال: مجلة لقمان يعني حكمة لقمان .

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إعرضها عليَّ فعرضها عليه. فقال له: إن هذا الكلام حسن، والّذي معي أفضل من هذا. قرآنٌ انزلهُ اللّهُ علىّ هو هدى و نور .

ثم تلا عليه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القرآن ودعاه إلى الإسلام فقال سويد إنّ هذا قولٌ حسن وآمَنَ برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج فيما كان يتلفظ الشهادتين وكان قتله قبل يوم بعاث(1)(2) .


1 - بعاث موضع كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 425 ـ 427 .


(567)

2- قدم «انس بن رافع» مكّة ومعه فتيةٌ من بني عبدالاشهل فيهم «ياس بن معاذ» أيضاً، يلتمسون الحلف والنصرة على قومهم من الخزرج، فسمع بهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأتاهم وجلس اليهم وقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟

فقالوا له: وما ذاك؟

قال: «أنا رسول اللّه بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئاً وانزل علىّ الكتاب» ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .

فقال أياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً شهماً: أي قوم هذا واللّه خير مما جئتم له.

فقد أدركَ جيّداً أنَ دينَ التوحيد يكفُلُ كلَّ حاجاتهم فهو دينٌ شاملٌ مباركٌ لأنه سيصهِرُ الجميعَ في بوتقة الاُخوَّة الواحدةِ فتزول عندئذ أسبابُ العداء والقتال، وبذلك ينهي كل مظاهرِ الحرب والتنازع، وكلَّ مظاهر الفساد والتخريب فهو افضل من طلبِ المساعدة العسكرية من قريش الّتي جاؤوا من أجلها إلى مكة، فآمن برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من دون ان يكسب رضا رئيس قبيلته «انس بن رافع» واستئذانه، ولهذا غضب أنس وأخذ حفنة من تراب البطحاء وضرب بها وجهَ إياس وقال: دعنا منك فعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمَتَ اياس وقام رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج ولم يلبث اياس ان هلك، وقد سمعه قومٌ حضروا عند وفاته يهلّل اللّه تعالى ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتّى مات، فما كانوا يشكّون أنه قد مات مسلماً، ولقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما سمع (1) .

وقعة بُعاث:

كانت وقعة بُعاث من الحروب التاريخية بين الأوس والخزرج، ففي هذه


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 427 و 428 .


(568)

الوقعة انتصر الأوسيون على منافسيهم، وأحرقوا نخيل الخزرجيين، ثم وقعت بعد ذلك حروب ومصالحات بينهم .

ولم يشترك «عبداللّه بن اُبىّ» وهو من أشراف الخزرج في هذه الوقعة من هنا كان موضع احترام من القبيلتين، وكاد الطرفان يفقدان مقاومتهما بسبب تكرر الحروب، وتحمّل الخسائر الثقيلة، ولهذا رغب الطرفان في عقد صلح بينهما يضع حدّاً لجميع أشكال العمليات العسكرية، والغزو والاقتتال، والثأر والانتقام، واصرّت القبيلتان على «عبداللّه بن اُبي» بان يقبل بقيادة عمليّة المصالحة هذه، بل وأعدوا له تاجاً يتوّجونه به، حتّى يصبح أميراً في وقت معيَّن، ولكن هذا المشروع تعرض للانهيار والسقوط وواجه الفشل على أثر اعتناق جماعة من الخزرج الإسلام، ففي هذا الوقت بالذات التقى رسول اللّه بمكة بستة اشخاص من رجال الخزرج ودعاهم إلى الإسلام فآمنوا به، ولبُّوا دعوته .

تفصيل الحادث:

خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الموسم الّذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الانصار وكانوا ستة انفار من الخزرج فقال لهم: أمِنْ موالي اليهود؟ وهل لكم حلف معهم .

قالوا: نعم .

قال: أفلا تجلسُون أكَلِّمُكُم؟

قالوا: بلى.

فجلسوا معه، فدعاهم إلى اللّه عزّوجلّ وعرض عليهم السلام وتلا عليهم القرآن، فاحدثت كلمات النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في نفوسهم أثراً عجيباً، وممّا ساعد على ذلك أن يهوداً كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهلَ شرك وأصحاب أوثان، وكان اليهود قد غزوهم في بلادهم،


(569)

فكانوا إذا وقع بينهم نزاع وكان بينهم شيء قال اليهود لهم: إن نبياً مبعوث الآن، قد اظلّ (أو أطلّ) زِمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عد وإرَم، فكانت اليهود تخبر بخروج نبىّ من العرب ينشُر التوحيد، وتنتهي على يديه حكومة الوثنية والشرك، وقد قرب ظهوره.

فلما كلَّمَ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اُولئك النفر، ودعاهم إلى اللّه، قال بعضهم لبعض يا قوم: تعلّموا واللّه إنه للنبىُّ الّذي توعدّكم به اليهود فلا تسبقنكم إليه .

فاجابوه فيما دعاهم إليه بان صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللّهُ بكَ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الّذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل اعز منك(1) .

بيعة العقبة الاُولى:

لقد اثّرت دعوة هؤلاء السنة، الجادة في يثرب تأثيراً حسناً حيث سبّبت في إسلام فريق من اهل يثرب واعتناقهم عقيدة التوحيد .

فلما كان العام المقبل (أي السنة الثانية عشرة من البعثة) قدم مكة اثنا عشر رجلا من اهل يثرب، فلقوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالعقبة، وانعقدت هناك أوّل بيعة اسلامية .

وابرز هؤلاء الرجال هم: أسعد بن زرارة، وعبادة بن الصامت، وكان نص هذه البيعة ـ بعد الاعتراف ـ بالاسلام والايمان باللّه ورسوله هو:

بايعنا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا و أرجلنا ولا نعصيه في معروف .


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 86، والسيرة النبوية: ج 1، ص 427 و 428، بحارالأنوار: ج 19، ص 25 .


(570)

فقال لهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إن وفيتم فلكمُ الجنة، وان غشّيتم من ذلك شيئاً فامركم إلى اللّه عزّوجل إن شاء عذَّبَ، وان شاء غفر .

وهذه البيعة اصطلح على تسميتها المؤرخون وكتّابُ السيرة ببيعة النساء، لأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اخذ البيعة من النساء في فتح مكة على هذا النحو(1) .

وعاد هؤلاء النفر إلى يثرب بقلوب مفعمة بالايمان، مترعة بمحبة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعمدوا إلى نشرالإسلام وكتبوا إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبعث لهم من يعلّمهم الإسلام والقرآنَ، فبعث النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهم «مصعب بن عمير» وأمره بان يقرِّأهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرىء بالمدينة .

واستطاع هذا المبلّغُ القديرُ، وهذا الداعية النشيط ان يجمع المسلمين بفضل عمله الدؤوب والحكيم وتبليغه الصحيح في غياب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويؤمّهم، ويصلي بهم(2) .

بيعة العقبة الثانية:

لقد أحدث تقدم الإسلام في يثرب هيجاناً كبيراً وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر حلول موسم الحجّ، ليقدموا مكة، ويلتقوا برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن كثب، ويُظهروا له عن استعدادهم لتقديم ما يطلبُ منهم من خدمة وعمل، وليستطيعوا توسيع نطاق البيعة من حيث الكَمّ ومن حيث الكيف .

وأخيراً حلّ موسم الحجّ فخرجت قافلةٌ كبيرةٌ من أهل يثرب للحجّ تضمّ خمسمائة نفراً فيهم ثلاث وسبعون من المسلمين من بينهم امرأتان، والباقي إما راغبون في الإسلام، واما غير مكترث به، حتّى قدموا مكّة، والتقوا برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - والّتي جاء ذكرها في الآية 12 من سورة الممتحنة .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 434، بحارالأنوار: ج 19، ص 25 .


(571)

وآله فواعدهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالعقبة للبيعة إذ قال: «موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق» .

فلما كانت الليلة الثالثة عشرة من شهر ذي الحجة وهي الّتي واعدهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيها باللقاء، ونام الناس حضر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع عمّه «العباس بن عبدالمطلب» قبل الجميع، وخرج المسلمون من رحالهم يتسلّلون تسلل القطا مستخفين بعد أن ناموا مع قومهم في رحالهم، ومضى ثلث الليل لكيلا يحسّوا بخروجهم، حتّى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، ولما استقرّ المجلس بالجميع، كان أوّل متكلم هو: العباس بن عبدالمطلب فقال واصفاً منزلة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا معشر الخزرج ـ وكانت العرب تسمي هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسَها ـ إنَّ محمَّداً مِنّا حيث قد علمتم، وقد مَنَعاهُ من قومنا، فهو في عزّ من قومه، ومَنعة في بلده، وإنّه قد ابى إلاّ الإنحياز اليكم، واللُحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترونَ أنكم مُسلِمُوهُ وخاذِلُوهُ بعدَ الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوهُ فانه في عزّ ومَنعة من قومه وبلده .

فقال الحضور: قد سمعنا ما قلتَ فتكلّم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببتَ.

فتكلمَ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الإسلام ثم قال: اُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وابناءكم .

فقام البراء بن معرور وأخذ بيد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: نعم والّذي بعثك بالحق نبياً لنمنعمنَّك مما نمنع منه اُزُرنا(1) فبايعنا يا رسول الّه فنحن واللّه


1 - الملاحظ في هذه البيعة انها كانت بيعة للدفاع عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وليس بيعة للجهاد في سبيل اللّه، ولهذا فان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقدم على القتال في بدر إلا بعد ان كسب موافقة الانصار ورضاهم .


(572)

ابناء الحروب واهل الحلقة (اي السلاح) ورثناها كابراً عن كابر.

فدب في الحضور حماس وسرور عظيم وتعالت الاصوات والنداءات من الخزرجين والّتي كانت تعبيراً عن شدة حماسهم، وسرورهم لهذا الأمر، فقال العباس وهو آخذ بيد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وفي هذه الاثناء نهض «البراء بن معرور» و «ابو الهيثم بن التيهان» و «أسعد بن زرارة» من مواضعهم وبايعوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم بايعه بقية القوم جميعاً .

وقد قال ابن التيهان عند مبايعته للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال (اي اليهود) حبالا (وعلاقات) وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه، أن ترجعَ إلى قومك وتدعَنا؟

فتبسَّم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «بل الدَم الدَم، والهَدم الهَدم احارب من حاربتم واسالم من سالمتم» يعني أنه سيبقى على العهد، ولا يتركهم وكانت العرب تقول عند عقد الحلف: دمي دمُك، وهَدمي هَدمُك، وهي كناية عن البقاء على العهد واحترام الميثاق والحِلف .

ثم ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: اخرجُوا إِلىَّ منكم إثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم(1) .

فأخرَجوا منهم اثني عشر نقيباً فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لاولئك النقباء: انتم على قومكم بما فيهم كُفَلاء ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم وأنا كفيلٌ على قومي (يعني المسلمين) فاُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».

فقالوا: نعم وبايعوه على ذلك .

وكان النقباء الذين اختيروا لذلك تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس وقد ضُبِطَت أسماؤهم وخصوصياتهم في التاريخ .


1 - المحبر: ص 268 ـ 274 .


(573)

وبعد أن تمّت مراسم البيعة وعدهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يهاجِرَ إليهم في الوقت المناسب، ثم ارفض الجمع وعادَ القومُ إلى رحالهم(1) .

أوضاعُ المسلمين بعد بيعة العقبة:

والآن ينبغي أن نجيب بالتفصيل على السؤال الّذي يطرح نفسه هنا وهو: ما الّذي دعى أهل يثرب الذين كانوا بعيدين عن مركز ظهور الإسلام إلى أن يستجيبوا لنداء الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويأخذوا بتعاليمه اسرع من المكيين مع ما كان بين المكيين وبين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من القرابة القريبة؟!

وكيف تركت تلك اللقاءاتُ المعدودةُ القصيرةُ بأهل يثرب آثاراً تفوق الآثار الّتي تركتها الدعوةُ المحمّدية خلال ثلاثة عشر عاماً في مكة؟!

إن علة هذا التقدم يمكن اختصارها وحصرها في أمرين:

أوّلا: أن اليثربيّين جاوروا اليهودَ سنيناً عديدة وطويلة قبل الإسلام وكثيراً ما كانوا يتحدّثون في مجالسهم وأنديتهم عن النبىّ العربىّ الّذي يظهر، ويأتي بدين جديد .

حتّى أن اليهود كانوا يقولون: للوثنيين إنَّ هذا النبىّ سيقيم دينَ اليهود وينشره، ويمحي الوثنية ويقضي عليها بالمرة .

فتركت هذه الكلماتُ أثراً عجيباً في نفوس أهل يثرب، وهيّأت قلوبهم لقبول الدين الّذي كان يخبر عنه يهودُ وينتظرونه، بحيث عند ما التقى الانفار الستة من اهل المدينة إلى الايمان برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأوّل مرّة، بادروا إلى


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 25 و 26، السيرة النبوية: ج 1، ص 441 ـ 450، الطبقات الكبرى: ج 1، ص 221 ـ 223 .
وفي رواية اُخرى في البحار: ج 19، ص 47، كما اخذ موسى من بني اسرائيل اثني عشر نقيباً وقد كان هذا العمل النبوي حكيماً جداً لان عامة الناس لا يمكن التعويل والاتكال على التزاماتهم بل لابد من الاعتماد ـ ضمناً ـ على رموز المجتمع ومفاتيحه وهم وجوه القوم وسراتهم .


(574)

الايمان به من غير إبطال ولا تأخير بعد أن قال بعضهم لبعض: واللّه إنَّه للنبىّ الّذي توعَّدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه .

ومن هنا فان مما يأخذه القرآن على اليهود هو: أنكم كنتم تهددون الوثنيين بالنبىّ العربىّ، وتبشرون الناس بانه سيظهر، وانهم قرأوا أوصافه وعلائمه في التوراة فلماذا رفضوا الإيمان به لمّا جاء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

يقول تعالى:

(وَ لَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الّذيْنَ كَفَرُوا، فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلى الكافِرين)(1).

ثانياً: إنّ العامل الأخير الّذي يمكن اعتبارهُ دخيلا في التأثير في نفوس اليثربيين وسرعة إقبالهم على الإسلام وتقبّلهم لدعوة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو التعب والارهاق الّذي كان اهل يثرب قد اُصيبوا به من جرّاء الحروب الطويلة الدامية فيما بينهم والّتي استمرّت مائة وعشرين عاماً والّتي انهكتهم وكادت أن تذهب بما تبقّى من رَمقهم، وجعلتهم يملون الحياة، ويفقدون كلّ أمَل في تحسّن الأحوال والاوضاع .

وإن مطالعة وقعة «بُعاث» وهي ـ حرب وقعت بين الأوس والخزرج ـ وحدها كفيلة بأن تجسد لنا الوجهَ الواقعي الّذي كان عليه سكان تلك الديار .

ففي هذه الوقعة انهزم الاوسيّون على يد الخزرجيين، فهربوا إلى «نجد»، فعيّرهم الخزرجيّون بذلك، فَغضب «الحضير» سيد الأوس، لذلك غضباً شديداً، فطعن فخذه برمحه لشدة انزعاجه وغضبه، وترجّل عن فرسه وصاح بقومه قائلا: واللّه لا أقوم من مكاني هذا حتّى اُقتل!! فأوقد صمود «الحضير» وثباته نار الحمية والغيرة واشعل روح الشهامة والبسالة في قومه، فقرروا الدفاع عن حقهم مهما كلفهم الامر، فقاتلوا أعداءهم مستميتين، والمستميت منتصر لا محالة، فانتصر


1 - البقرة: 89 .


(575)

الأوسويون المغلوبون، هذه المرة، وهزموا الخزرج هزيمة نكراء واحرقت مزارعهم ونزل بهم ما نزل على يد الاوسيين!!(1).

ثم تتابعت الحروب والمصالحات بعد ذلك، وكانت القبيلتان تتحملان في كل مرة خسائر كبرى، جعلتهم يواجهون عشرات المشاكل الّتي حوّلت حياتهم إلى حياة مضنية متعبة جداً .

من هنا لم تكن كلتا القبيلتين راضيتين على أوضاعهما، وكانتا تبحثان عن مخلص مما هما فيه، من الحالة السيئة، وتفتشان عن نافذة أمل، ومخرج من تلك المشاكل .

ولهذا وجد الخزرجيون الستة ضالّتهم المنشودة عندما التقوا ـ ولاول مرّة ـ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسمعوا منه ما سمعوا، فتمنّوا أن يضعوا به حداً لاوضاعهم المتردية إذ قالوا له: عسى أن يجمعهم اللّه بك فان جمعهم اللّه بك فلا رَجلَ أعزّ منك .

كانت هذه هي بعض الأسباب الّتي دعت اليثربيين إلى تقبّل الإسلام بشوق ورغبة وحماس .

ردود فعل قريش تجاه بيعة العقبة:

كانت قريش تغطّ في نوم عميق وكانت تتصور بانها قد حدّت من تقدم الإسلام في مكة وانه قد بدأ يتقهقر ويسير باتجاه السقوط والاندحار، وأنه لن ينقضي زمانٌ إلاّ وتنطفىء جذوة الإسلام وتخمد شعلته، وتنمحي آثاره .

وفجأة استيقظت على دوىّ بيعة العقبة الثانية الّتي كانت بمثابة انفجار قلبت كل المعادلات، وأسقطت كل تصورات قريش الساذجة، وذلك عند ما عرف زعماء الوثنيين بأن ثلاثاً وسبعين شخصاً من اليثربيين عقدوا ليلة أمس وتحت جنح الظلام بيعة مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أن يدافعوا عنه كما


1 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 417 و 418 .


(576)

يدافعون عن أبنائهم وأهليهم .

فأحدث هذا النبأ خوفاً عجيباً في قلوب قادة قريش وسادة مكة المشركين المتغطرسين، لانهم اخذوا يقولون مع أنفسهم: لقد وجد المسلمون الآن قاعدة قوية في قلب الجزيرة العربية، وانه يُخشى أن يجمع المسلمون كل طاقاتهم المبعثرة فيها. ويعملون معاً على نشر دينهم، وبث عقيدتهم، وحينئذ، وحينئذ ستواجه الوثنية في مكة خطراً جدياً، يهدّدُها في الصميم .

ولهذا بادرت قريش إلى الاتصال بالخزرجيين صبيحة تلك الليلة وقالوا لهم: يا معشر الخزرج انه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، إنه واللّه ما من حىّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحربُ بينا وبينهم، منكم.

فحلفَ المشركون من أهل يثرب لقريش أنه ما كان من هذا شيء، وما علموه، وقد صدقوا لأنهم لم يعلموا بما جرى في العقبة. فان قافلة اليثربيين كانت تضمُّ خمسمائة شخص، تسلَّلَ منهم ثلاث وسبعون فقط إلى العقبة وبقية الناس نيام لا يعلمون بشيء.

فأتت قريشٌ إلى «عبداللّه بن اُبيّ بن سلول» فسألوه عَمّا جرى في ليلة العقبة، فأنكر ذلك وقال: إنّ هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علىّ بمثل هذا (اي يعملوه من دون مشورتي) وما علمته كان، فنهض رجال قريش من عنده ليتابعوا تحقيقهم حول الحادث .

فعرف المسلمون الذين حضروا ذلك المجلس وبايعوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يفشوّ أمرهم، وانكشاف سرهم، ولهذا قال بعضهم لبعض: مادمنا لم نُعرَف بعدُ فلنخرج من مكة فوراً قبل ان يظفر المشركون بنا، ولهذا أسرعوا في الخروج من مكة والتوجّه إلى المدينة، فزاد ذلك من سوء ظن قريش وعزّزت شكوكهم حولَ البيعة، وعرفوا بانه قد كان، فخرجوا في طلب جميع اليثربيين، ولكنهم لم يتنبهوا لذلك إلاّ بعد خروج قافلة اليثربيين من حدود مكة، والمكيين، ولم تظفر قريش إلاّ بسعد بن عبادة .


(577)

غير أن ابن هشام يرى بأنهم ظفروا بنفرين هما: «سعد بن عبادة» و «المنذر بن عمر»، وكان كلاهما من النقباء الاثني عشر .

وأما «المنذر» فاستطاع أن يخلّص نفسه منهم.

وأما «سعد» فقد أخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رَحله، ثم أقبلوا به حتّى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمّته(1) وكان ذا شعر كثير .

يقول سعد:

فواللّه إنّي لفي أيديهم إذ طلع علىّ نفرٌ من قريش فيهم رجلٌ وضيء أبيض، طويل القامة، فقلت في نفسي: إن يكُ عندَ أحد من القوم خير فعند هذا .

قال: فلما دنى منّي رفع يده فلكمني لكمةً شديدةً .

فقلتُ في نفسي: لا واللّه، ما عندهم بعد هذا من خير .

قال: فواللّه إنّي لفي أيديهم يسحبونني إذ رقّ علىَّ رجلٌ كان معهم: فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوارٌ ولا عهدٌ ؟

قلت: بلى كنتُ اُجير لجير بن مُطعِم بن عدي تجارةً، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي .

فذهب ذلك الرجلُ إلى مُطعِم وأخبره بما فيه سعد بن عبادة من الحال، وأنه أخبره بأنه كان يجير لمطعم تجارة فقال مُطعِم: صدق واللّه إنه كان ليجير لنا تجارة، ويمنعهم أن يُظلموا ببلدة ثم أسرع إلى سعد وخلّصه من أيديهم .

وكان رفقاء سعد من المسلمين قد علموا بوقوعه في أيدي قريش في أثناء الطريق إلى المدينة، فعزموا على أن يعودوا إلى مكة ويخلّصوه من أيدي المشركين، وبينما هم كذلك إذ بدى لهم «سعد» من بعيد، وأخبرهم بما جرى عليه(2) .

تأثير الإسلام ونفوذه المعنوي:

يصرُ المستشرقون على أن انتشار الإسلام ونفوذه في المجتمعات ثمّ بواسطة


1 - مجتمع شعر الرأس .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 449 و 450 .


(578)

السيف وفي ظلّ استخدام القوّة .

اما بطلان هذا الكلام فسيثبت من خلال الحوادث القادمة .

ونحن نذكر هنا للمثال حادثةً وقعت قبل الهجرة، ونلفت اليها نظر القارىء الكريم، فان دراستها والتعمق فيها يثبت بجلاء ان انتشار الإسلام ونفوذه في أوساط الناس كان في بداية الأمر نابعاً من جاذبيته الّتي كانت تجذب كل انسان بمجرد اعطاء شرح مختصر عنه وعن تعاليمه المحببة إليه .

واليك الحادثة بنصها:

قرر مصعب بن عُمير المبلّغ والداعية الاسلامي المعروف الّذي بعثه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة بطلب من اسعد بن زرارة، ذات يوم أن يدعو هو واسعد أشراف المدينة وساداتها إلى الإسلام بالمنطق والدليل فدخلا حائطاً(1) من حوائط المدينة فجلسا هناك واجتمع اليهما رجال ممن اسلم، وكان سعد بن معاذ واسيد بن حضيرو هما من سادات بني الاشهل موجودين هناك أيضاً .

فقال سعد لا سيد: جرّد حربتك وقل لهذين (يعني مصعبا واسعد) ماذا جاء بهما إلى ديارنا يسفهان ضعفاءنا، ولولا أن سعد بن زرارة ابن خالتي، لكفيتُك ذلك .

ففعل اُسيد ذلك وقال لمصعب ما جاء بكما الينا تسفّهان ضعفاءنا وراح يشتمهما فقال له مصعب داعية الإسلام الحكيم، والمتكلم البليغ الّذي تعلّم اسلوب الدعوة المؤثر من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أوتجلس فتسمع، فان رضيت أمراً قبلته، وان كرهته كفَّ عنك ما تكره؟

قال: أنصفتَ ثم ركّزَ حربته وجلس إليهما يستمع لقولهما فكلّمه مصعبٌ بالاسلام، وقرأ عليه شيئاً من القرآن فأثّرت آياتُ القرآن وما قاله مصعب من المواعظ البليغة في نفسه حتّى عُرِفَ ذلك في إشراق وجهه، وانفراج اساريره، وشوقه فقال: ما احسن هذا الكلام واجمله؟! كيف تصنعون إذا اردتم أن تدخلُوا


1 - بستاناً .


(579)

في هذا الدين؟ فقال مصعب وسعد له: تغتسل فتطهر وتغسل ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي .

فقام اسيد بن حضير الّذي حضر لقتل مصعب وسعد من عندهما مبتهجاً مسروراً فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهّد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين .

ثم قال لهما: ان ورائي رجلا إن اَتبعَكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وساُرسله إليكما الآن، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد بن معاذ الّذي كان ينتظر عودته على احر من الجمر فلما نظرإليه سعد وقومه وهم جالسون في ناديهم قال: أحلفُ باللّه لقد جاءكم اسيد بن حضير بغير الوجه الّذي ذهب من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت؟

قال: كلّمت الرجلين، فواللّهِ ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتُهما، فقالا: نفعل ما احببتَ، فغضب سعدٌ لذلك غضباً شديداً، وأخذ الحربة من اسيد، ثم خرج إلى مصعب واسعد ليقتلهما، فلما رآهما سعد مطمئنين وقف عليهما متشتماً مهدداً اياهما، ولكن مصعباً وزميله قابلا به بمثل ما قابلايه سابقه اسيد، وجرى له ما جرى له، فقد فعلت كلمات مصعب في نفسه فعلتها، وخضع لمنطقه القوي، وبيانه الساحِر، وندم على ما قصد فعله، وقال لمصعب نفس ما قاله اسيد واعتنق الإسلام واغتسل وتطهر وصلى ثم رجع إلى قومه وقال لهم: يا بني عبدالاشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وافضلنا راياً وايمننا نقيبةً.

قال: فان كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرامٌ حتّى تؤمنوا باللّه وبرسوله فالحمدللّه الّذي اكرمنا بذلك .

فلم يُمسِ في دار بني عبدالاشهل رجلٌ ولا إمرأة إلاّ مسلماً أو مسلمة، وهكذا أسلم كلُّ قبيلة بني الأشهل قبل أن يروا النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأصبحوا من الدعاة إلى الإسلام والمدافعين عن عقيدة التوحيد، لا بمنطق القوة انما بقوة المنطق(1) .


1 - إعلام الورى: ص 59، بحارالانوار: ج 19، ص 10 و 11، السيرة النبوية: ج 1، ص 436 و 437 .


(580)

ان في التاريخ الاسلامي نماذجَ كثيرة من هذا القبيل تدل على بطلان وتفاهة ما قاله أو روّجه المستشرقون حول أسباب تقدّم الإسلام وانتشاره، فان العامل المعتمدَ في جميع هذه الموارد لم يكن المال والتطميع، ولا السلاح والتهديد، كما ادعى المستشرقون، وان الذين اسلموا في هذه الحوادث والوقائع لاهم رأوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا أنهم التقوا أو اتصلوا به بنحو من الانحاء، انما كان السبب الوحيد هو: منطق الداعية الاسلامي القوىّ وبيانه الساحر الجذاب، فهُو الّذي كان يفعل في النفوس فعله العجيب، خلال دقائق معدودة، لا في نفس شخص واحد فحسب، بل ربما في نفوس قبيلة بكاملها.

اجل انه المنطقُ القوي والكلام المبرهن والحجة البالغة لاسواها.

مخاوف قريش المتزايدة:

لقد ايقظت حماية اليثربين للمسلمين قريشاً من غفلتها ونومها العميق مرة اُخرى، وكانت بيعة العقبة الثانية بمثابة ناقوس خطر لها فبدأت أذاها وإظطهادها ومضايقتها لهم من جديد، وتهيأت للعمل على الحيلولة دون انتشار الإسلام ونفوذه وتقدمه في الجزيرة العربية، وبلغ ذلك الاذى مبلغاً عظيماً .

فشكى أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إليه ما يلقونه على أيدي المشركين من ضغوط واذى، واستأذنوه في الهجرة إلى مكان فاستمهلهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم قال:

«لقد اُخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فمن اراد الخروج فليخرج إليها»(1).

وبعد الاذن بالهجرة من قِبَل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ المسلمون يخرجون من مكة، ويتوجهون إلى المدينة شيئاً فشيئاً وبحجج مختلفة لكي لا تمنعهم قريش من الهجرة .


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 226 .


(581)

ولم يكن قدمضى على بداية هجرة المسلمين التدريجية هذه زمان طويل الا وفطن زعماء قريش لسرها، وخطرها عليهم فاخذوا يمنعون من اي تنقل وسفر يقوم به المسلمون، وقرروا ان يعيدوا إلى مكة كلَ من وجدوه في اثناء الطريق، كما قرروا ان يحبسوا زوجة كل مسلم يريد الهجرة وله زوجة قرشية ويمنعوها عنه، ولكنهم كانوا يتجنبون اراقة الدماء في هذا السبيل، بل وكان يقتصر إذاهم على الحبس والتعذيب ولا يتعداهما .

ولكن هذه المحاولات الّتي قام بها زعماء قريش لوقف الهجرة إلى المدينة لم تثمر لحسن الحظ.

فقد استطاعت مجاميع كبيرة من المسلمين النجاة بنفسها من أيدي قريش واللحاق بزملائهم واخوانهم في يثرب حتّى انه لم يبق في مكة من المسلمين إلاّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلي ـ عليه السلام ـ وعدد قليل من المسجونين، أو المرضى من المسلمين .

وقد زاد اجتماع المسلمين في يثرب من مخاوف قريش، وضاعف من قلقها، ولهذا اجتمع كلُ رؤساء القبائل المكية في «دارالندوة» اكثر من مرة للتشاور في كيفية القضاء على الإسلام وطُرحت في ذلك المجلس خطط متنوعة، واقترحت اُمور كثيرة لتحقيق هذه الغاية ولكنها فشلت برمتها بتدبير رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحكمته، وسياسته الدقيقة.

وأخيرا هاجر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من «مكة» إلى «المدينة» في شهر ربيع الأول سنة 14 من البعثة .

اجل لقد تضاعف قلق قريش منذ أن حصل محمّد على قاعدة ثانية خارجة عن نطاق هيمنة المكيين وسيطرتهم واصبحوا حيرى لا يدرون ماذا يفعلون، لان جميع خططهم للمنع من انتشار الإسلام واتساع رقعته، قد باءت بالفشل .

لقد أمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أصحابه بالهجرة إلى المدينة والالتحاق


(582)

بالانصار وقال لهم: «إنَّ اللّه قد جعل لكم داراً وإخواناً تأمنُون بها»(1)(2).


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 26 .
2 - لقد انتهينا من تسجيل حوادث السنوات الثلاث عشرة من البعثة، وقد حاولنا ذكر كل ما كان معلوماً مشهوراً من تواريخها، ولكن لا يمكن اعتبار تواريخ كل تلك الحوادث اُموراً مقطوعاً بها من هنا ذكرنا الحوادث المثبة في الفصل 24 من دون ادراج تواريخ لها في الاغلب ولكن حيث أن الوقائع الحادثة بعد الهجرة وقعت في أوقات معينة معلومة لذلك فاننا سنرفق ذكر كل حادثة بتاريخ وقوعها في الفصول القادمة .


(583)

حوادث السنة الاُولى من الهجرة

25
قصّة الهجرة

كان زعماء قريش و رؤساؤها يجتمعون عند كل نائبة تنوبهم في «دارالندوة» لحل المشاكل ومعالجة ما عرض لهم من نائبة من خلال التشاور حولها وتداول الرأي فيها،ومن خلال تضافر الجهود على حلها، ورفعها أو دفعها .

وفي السنوات الثانية عشرة، والثالثة عشرة من البعثة واجه أهل مكة خطراً كبيراً جدّياً، فقد حصل المسلمون على مركز هام، وقاعدة صلبة في يثرب، وتعهّد اليثربيون الشجعان بحماية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والدفاع عنه، وكلُ هذا كان من علامات ومظاهر ذلك التهديد الخطير، الّذي بات يهدد كيان المشركين والوثنيين والزعامة القرشية .

وفي شهر ربيع الاوّل من السنة الثالثة عشرة من البعثة الّتي وقعت فيه هجرة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبينما لم يكن قد بقي من المسلمين في مكة إلاّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلي وأبوبكر و جماعة قليلة من المسلمين المحبوسين، أو المرضى، أو العجزة، وكان هؤلاء على أبواب الهجرة ومغادرة مكة إلى المدينة اتخذت قريش فجأة قراراً قاطعاً وحاسماً وخطيراً جداً في هذا المجال.

فقد انعقدت جلسة هامة للتشاور في «دار الندوة» حضرها رؤساء قريش


(584)

وزعماؤها وبدأ متكلمهم(1) يتحدث عن تجمع القوى والعناصر الإسلامية وتمركزها في المدينة والبيعة الّتي تمت بين الخزرجيين والأوسيين وبين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم اضاف قائلا:

يا معشر قريش إنه لم يكن أحدٌ من العرب أعَزَّ مِنّا، نحن أهل اللّه تفد إلينا العرب في السنة مرتين، ويكرموننا، ونحن في حرم اللّه لا يطمع فينا طامعٌ، فلم نزل كذلك حتّى نشأ فينا «محمّد بن عبداللّه» فكنّا نسمّيه (الأمين) لصلاحه، وسكونه، وصدق لهجته، حتّى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادّعى أنه رسول اللّه، وأن أخبار السماء تاتيه، فسفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبّاننا، وفرق جماعتنا، فلم يرد علينا شيء أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأياً، رأيت أن ندسّ إليه رجلا منّا ليقتله، فان طلبت بنو هاشم بدمه(2) اعطيناهم عشر ديات .

فقال رجلٌ مجهول حضر ذلك المجلس ووصف نفسه بانه نجدي: ما هذا برأي لأن قاتل محمّد مقتول لا محالة، فمن هذا الّذي يبذل نفسَه للقتل منكم؟ فانه إذا قُتِل محمّد تعصّب بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على وجه الارض فيقع بينكم الحروب وتتفانوا.

فقال أبو البختري: نلقيه في بيت ونلقي إليه قوته حتّى يأتيه ريبُ المنون.

فقال الشيخ النجدىّ مرةً اُخرى: وهذا رأيٌ أخبث من الآخر، لأن بني هاشم لا ترضى بذلك، فاذا جاء موسمٌ من مواسم العرب استغاثوا بهم، واجتمعوا عليكم فاخرجوه.

فقال ثالث: نُخرجه من بلادنا ونتفرّغ نحن لعبادة آلهتنا، أو قال نرحّل بعيراً صعباً ونوثّق محمّداً عليه كتافا، ثم نضربُ البعيرَ بأطراف الرماح فيوشَكُ أن يقطّعه بين الصخور والجبال إرباً إرباً.

فانبرى ذلك النجدي يخطّىء هذا الرأي أيضاً قائلا: أرايتم إن خلص به


1 - وروي انه كان المتكلم: أبوجهل.
2 - وفي رواية: بديته .


(585)

البعير سالماً إلى بعض الناس فأخذ بقلوبهم بسحر بيانه وطلاقة لسانه، فصبأ(1) القوم إليه واستجابت القبائل له قبيلة فقبيلةٌ، فليسيرنَّ حينئذ اليكم الكتائب والجيوش فلتهلكنّ كما هلكت اياد ومن كان قبلكم .

فتحيّروا وساد الصمت ذلك المجلس، وفجأة قال أبوجهل (وعلى رواية: قال ذلك الشيخ النجدي): ليس هناك من رأي إلاّ أن تعمدوا إلى قبائلكم فتختاروا من كل قبيلة منها رجلا قوياً ثم تسلّحوه حساماً عَضباً وليهجموا عليه معاً بالليل ويقطعوه إرباً إرباً فيتفرق دمه في قبائل قريش جميعاً فلا تستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش كلها في صاحبهم فيرضون حينئذ بالدية منهم!!

فاستحسن الجميعُ هذا الرأي، واتفقوا عليه، ثم اختاروا القتلة وتقرّر ان يقوموا بمهمتهم اذا جنّ الليل وساد الظلام كل مكان(2) .

الإمدادات الغيبية والعنايات الالهية:

لقد كان اولئك العتاة الجهلة يتصورن أن رسالة محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المدعومة من قبل اللّه تعالى والمؤيّدة من جانبه سبحانه يمكن ان يقضى عليها بواسطة هذه الحيل والمكائد، والخطط والمؤامرات، ولم يكونوا يدركون أن هذا النبىّ ـ كغيره من الأنبياء ـ يتمتع بالمدد الالهىّ الغيبي، وان اليد الّتي حفظت مشعل الاسلام طوال ثلاثة عشر عاماً في وجه الاعاصير والرياح، قادرة على افشال هذه الخطة الاثيمة، وتعطيل هذه المؤامرة أيضاً.

يقول المفسرون: بعد أن دبّر الكفار ما دبروا نزل ملك الوحي «جبرئيل»، على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأخبره بما حاك ضدّه المشركون من مؤامرة اذ


1 - صبأ فلان: اي خرج من دين إلى دين غيره وكانت العرب تسمّي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الصابىء لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام وتسمي المسلمين: الصباة.. وهو جمع الصابىء.
2 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 227 و 228، السيرة النبوية: ج 1، ص 480 ـ 482 .


(586)

قرأ عليه قول اللّه تعالى:

(وَإذْ يَمْكُرُ بكَ الّذينَ كَفَرُوا ليُثْبِتوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أو يُخْرجُوكَ وَ يَمْكُرونَ وَ يَمْكُر اللّهُ وَ اللّهُ خَيْرُ الْماكِرينِ)(1) .

وعندئذ اُمِرَ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالهجرة من مكة إلى المدينة، ولكنّ التخلص من أيدي القساة المكلّفين بقتله من قبل زعماء الوثنيين وبالنظر إلى المراقبة الدقيقة الّتي كانوا يقومون بها لجميع التحركات، لم يكن بالأمر السهل وخاصة بالنظر إلى بُعد المسافة بين مكة والمدينة .

فاذا لم يكن رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخرج من مكة وفق خطة دقيقة صحيحة كان من المحتمل جداً أن يدركه المكيّون في أثناء الطريق ويقبضوا عليه ويسفكوا دمه الشريف قبل ان يصل إلى أتباعه وأصحابه.

ولقد ذكر المفسرون والمؤرخون صوراً مختلفة لكيفية خروج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهجرته والاختلاف الّذي نلاحظه بين هؤلاء المفسرين والمؤرخين في خصوصيات وتفاصيل هذه الواقعة مما يقل نظيرة في غيره من الوقائع .

وقد استطاع مؤلف «السيرة الحلبية» أن يُوفّق إلى درجة مّا، بين المنقولات والمرويات المختلفة ببيان خاص، ولكنه لم يوفّق لازالة التناقض والاختلاف فى بعض الموارد في هذا الصعيد .

على أنّ الموضوع الجدير بالإهتمام هو أن اكثر المؤرّخين الشيعة والسنة نقل كيفية هجرة النبىّ، وخروجه من منزله، ثم من مكة بنحو مؤداه إسناد نجاة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخلاصه إلى عامل الاعجاز، وبالتالي فقد اسبغوا عليه صبغة الكرامة، والمعجزة.

في حين أن الإمعان في تفاصيل هذه القصة يكشف عن أن نجاة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت نتيجة سلسلة من الاجراءات الاحترازية، والتحسبات، والتدابير الحكيمة، وإن إرادة اللّه تعالى تَعَلّقت بان ينجّي نبيّه


1 - الانفال: 30 . ليثبتوك أي ليسجنوك .


(587)

الكريم، عن طريق الأسباب العادية المألوفة، وليس عن طريق التدخّل الغيبىّ وإعمال قدرته تعالى الغيبية .

ويدل على هذا المطلب أنَّ النبىّ توسل بالعِلل الطبيعية، والوسائل والأسباب العادية (كمبيت شخص في فراش النبىّ، واختفاء رسول اللّه في الغار وغير ذلك مما سيأتي ذكره)، وبهذا الطريق نجّى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه، وتخلصّ من أيدي اعدائه، العازمين على إراقة دمه .

ملك الوحي يخبر رسول اللّه:

لقد اخبر ملك الوحي «جبرئيل» رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخطة قريش المشؤومة لاغتياله وامره بالهجرة، وتقرر ـ بغية إفشال عملية الملاحقة ـ ان يبيت شخصٌ في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليتصوّر المشركون أنَّ النبىّ لا يزال في منزله، ولم يخرج بعد، وبالتالي يركّزوا كلّ إهتمامهم على محاصرة البيت، وينصرفوا عن مراقبة طرقات مكة، ونواحيها.

ولقد كانت فائدة هذا العمل اي حصر اهتمام المراقبين ببيت النبىّ انه تسنى لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اغتنام الفرصة والخروج من مكة، والاختفاء في مكان مّا من دون ان يحس به أحد من الذين باتوا يراقبون بيته، ويبغون قتله .

والآن يجب أن نرى مَن الّذي تطوَّع للمبيت في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وفدى النبىّ بنفسه، ووقاه بحياته؟

ستقولون حتما: إن الّذي سبق جميع المسلمين إلى الايمان برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبقي من بدء بعثته وإلى ذلك الحين يذب عنه، هوالّذي يتعيَّن أن يضحّي بنفسه في هذا السبيل، ويقي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحياته في هذه اللحظة الخطيرة، وهذا المضحّي بحياته ونفسه، هو «علىّ» ليس سواه احد، انه تقدير صحيح، وحدس مصيب .

فليس غير «علي» يصلح لهذه المهمة الخطيرة .


(588)

ولهذا قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعلىّ ـ عليه السلام ـ :

«يا علىّ إنَّ قريشاً اجتمعت عَلى المكر بي وقتلي، وإنّه اُوحيَ إلىَّ عن ربّي أن اهجرَ دار قومي، فنُم عَلى فراشي والتحف ببردي الحضرمىّ لِتُخفي بمبيتك عَليهم أثَري فما أنت قائل وصانع؟؟

فقال علي ـ عليه السلام ـ أوْ تَسلَمَنَّ بِمَبيتي هناك يا نبىَّ اللّه؟

قال: نعم، فتبسّم علىّ ـ عليه السلام ـ ضاحكاً مسروراً وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من سلامته، فلما رفع رأسه قال للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

إِمض لما اُمرتَ فِداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومُرني بما شئتَ اكن فيه كمسرّتك، واقع فيه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلاّ باللّه.

ثم رقدَ علىّ ـ عليه السلام ـ على فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واشتمل ببرده الحضرمي الاخضر، ولما مضى شطرٌ من الليل حاصرَ رَصَدُ قريش ـ وهم اربعون رجلا ـ بيت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد جرّدوا سيوفَهم، ينتظرون لحظة الهجوم على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويتطلّعون إلى داخل البيت من فرجة الباب بين الحين والآخر ليتأكدوا من بقاء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مضجعه، فيظنون أنَّ النائمَ فى الفراش هو النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وهنا أراد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يخرج من بيته .

فمن جانب يحاصر الأعداءُ بيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من كل جانب، ويراقبون كلّ شيء، ومن جانب آخر تعلّقت مشيئة اللّه تعالى وارادته القاهرة الغالبة أن ينجو رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من ايدي تلك الزمرة المنحطة، فقرأ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سورة (يس) لمناسبة مطلعها لظروفه حتّى بلغ إلى قوله تعالى: (فهم لا يبصرون)(1) وخرج من باب البيت دون ان يشعر به رصدُ قريش المكلّفون بقتله، وذهب إلى المكان الّذي كان من المقرر ان يختبيء


1 - يس: 9 .


(589)

فيه على النحو الّذي سيأتي تفصيله .

وأما كيف استطاع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يخترق الحصار البشرىَ المشدَّد الّذي ضُرِبَ على بيته، ويتجاوز رصدَ قريش من غير ان يشعروا به فذلك غير معلوم جيداً .

إلاّ أنه يستفاد من رواية نقلها المفسرُ الشيعيُ المعروفُ المرحومُ علىُ بن ابراهيم في تفسيره: قول اللّه تعالى: (وَ إذْ يَمْكُرُ بِك الذين كَفَرُوا) ان رجال قريش كانوا نياماً ينتظرون الفجر عند خروج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولم يكونوا يتصوّرون أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عرف بتدبيرهم ومؤامرتهم .

ولكن يصرّح غيره من المؤرّخين وكُتّاب السيرة(1) بان المحاصرين لمنزل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانوا يقظين حتّى لحظة الهجوم على بيت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خرج من البيت عن طريق الاعجاز والكرامة من دون ان يروه ويحسوا به .

إن امكان وقوع مثل هذه الكرامة ليس موضع شك، ولكن هل كان هناك ما يوجب ذلك؟؟

ان دراسة قصة الهجرة بصورة كاملة تجعل هذه المسألة أمراً قطعياً وهي أنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان عارفاً بمؤامرة القوم قبل محاصرة بيته، وكان قد دبّر ورسم لنجاته خطةً طبيعيةً عاديةً، ولم يكن في الأمر اي اعجاز .

لقد كان يريد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باضجاع علي ـ عليه السلام ـ في فراشه أن ينجو بنفسه من أيدي المشركين من الطرق العادية والقنوات الطبيعية من غير الاستعانة بالاعجاز والكرامة .

وعلى هذا كان في مقدور النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يتحسب لمسألة المحاصرة والطوق الّذي كان سيُضرَب على بيته من أوائل الليل، وذلك بمغادرة


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 228، تاريخ الطبري: ج 2، ص 100 .


(590)

بيته قبل المحاصرة وقبل الغروب .

ولكن يمكن ان يكون لتوقّف النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في البيت حتّى ساعة المحاصرة علة لا نعرفها الآن .

من هنا يكون إدّعاء هذا الموضوع (وهو خروج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من البيت في الليل) غير مقطوع به لدى الجميع لاعتقاد البعض بان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غادر منزله قبل فرض الحصار عليه، وقبل غروب الشمس(1) .

إقتحام الاعداء لبيت الوحي:

طوّقت قوى الكفر مهبط الوحي وبيت الرسالة وباتت تنتظر لحظة الإذن في إقتحامه، والهجوم على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فراشه وضربه وتقطيعه بالسيوف إرباً إرباً!

وقد أصرّ جماعة منهم أن ينفّذوا خطتهم المشؤومة هذه في منتصف الليل وقبل الفجر فمنعهم أبو لهب من ذلك وقال: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل، فإنَّ في الدار صبياناً ونساءً من بني هاشم، ولا نأمن أن تقع يدٌ خاطئة، فنحرسه الليلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه.

وربما يقال أن علّة التأخير هي أنهم أرادوا أن يقتلوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند الصباح أمام أعين بني هاشم حتّى يروا أن قاتله جماعة وليس واحداً .

وانقشع الظلام شيئاً فشيئاً، وانفجر الصبحُ، ودبّ في المشركين شوقٌ غريبٌ، مع اقتراب ساعة الصفر، فقد كانوا يتصوّرون بأنهم سينالون ما يريدون قريباً، وبينما هم ينتضون سيوفهم دخلوا حجرة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبينما هم يهمّون بأخذ من كان راقداً في الفراش بسيوفهم، إذا بهم يواجهون علياً ـ عليه السلام ـ


1 - السيرة الحلبية: ج 2، ص 29 .


(591)

يثب في وجوهم وهو يكشف عن نفسه برد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأخضر، وقال لهم في منتهى الطمأنينة والشجاعة: ما شأنكم؟ وماذا تريدون؟؟

فقالوا له بغضب: أين محمّد؟

فقال ـ عليه السلام ـ : اَجَعَلتموني عليه رقيبا؟!

فغضِبَ القوم غضَباً شديداً، وكاد الغيظ يخنقهم، فقد ندموا على إنتظارهم انفجار الصبح وحمّلوا أبا لهب الّذي منعهم من تنفيذ الهجوم على النبىّ في منتصف الليل فشل الخطة وتفويت الفرصة، فاقبلوا عليه يلومونه ويوبخونه!!

أجل لقد انزعجت قريش بشدة لفشل هذه المؤامرة، ووجدوا انفسهم أمام هزيمة نكراء بدّدت كلّ أحلامهم، وحيث أنهم كانوا يتصوّرون بأن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يستطيع الخروج عن حدود مكة في مثل تلك المدة القصيرة فهو إما مختبىء في مكة، أو أنه لا يزال في طريق المدينة، لذلك أقدموا فوراً على العمل على ترتيب أمر ملاحقته والقبض عليه .

النبىُّ في غار ثور:

ان ما هو مسلّم به هو أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أمضى هو وأبوبكر ليلة الهجرة وليلتين اخريين بعدها في غار ثور الّذي يقع في جنوب مكة في النقطة المحاذية للمدينة المنورة(1) .

وليس من الواضح كيف تمت هذه المصاحبة والمرافقة ولماذا، فان هذه المسألة من القضايا التاريخية الغامضة .

فان البعض يعتقد بان هذه المصاحبة كانت بالصدفة، فقد رأى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أبابكر في الطريق، فاصطحبه معه إلى غار ثور .


1 - حيث ان الطريق المؤدي إلى المدينة تقع في شمال مكة، فاختبأ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في منطقة مقابلة أي في اسفل مكة، ليعمي بذلك على قريش فلا يتبعوا أثره.


(592)

وروى فريق آخرٌ أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذهب في نفس الليلة إلى بيت أبي بكر، ثم خرجا معاً في منتصف الليل إلى غار ثور(1) .

وقال فريق ثالث: أن أبابكر جاء هو بنفسه يريد النبىّ وكان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد خرج من قبل فأرشدهُ «علىٌّ» إلى مخبأ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وعلى كل حال فان كثيراً من المؤرخين يعُدّون هذه المصاحبة من مفاخر الخليفة ومناقبه، ويذكرون هذه الفضيلة ويتحدثون عنها بكثير من الاسهاب والاطناب، وبمزيد من الاكبار والاعجاب .

قريش تفتش عن النبىّ:

لقد تسبب فشل قريش في تغيير خطتها، فقد بادرت إلى بث العيون والجواسيس في طرقات مكة، ومراقبة مداخلها ومخارجها مراقبةً شديدةً، وبعثت القافّة تقتص أثره في كل مكان، وفي طريق مكة ـ المدينة خاصة .

ومن جانب آخر جعلت مائة ابل لمن يأخذ نبي اللّه، ويردّه عليهم أو يأتي عنه بخبر صحيح .

وعمد جماعةٌ من قريش إلى ملاحقة رسول اللّه والتفتيش عنه في شمال مكة، حيث الطريق المؤدي إلى المدينة، على حين أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قد اختبأ ـ كما قلنا ـ في نقطة بجنوب مكة لافشال عملية الملاحقة .

وتصدت مجموعة اُخرى لتتبع أثر قدم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورفيقه!!

وكان الّذي يقفو لهم الأثر يدعى أبا مكرز فوقف بهم على باب حجرة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال هذه قدم محمّد، فما زال بهم حتّى أوقفهم على باب الغار فانقطع عنه الأثر فقال: ما جاوز محمد ومن معه هذا المكان، إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا تحت الأرض، فان بباب هذا الغار ـ كما ترون عليه ـ نسجُ


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 100 .


(593)

العنكبوت والقبجة حاضنة على بيضها بباب الغار(1)، فلم يدخلوا الغار .

ولقد استمرت هذه المحاولات بحثاً عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثلاثة أيام بلياليها ولكن دون جدوى، فلما يئس القوم بعد ثلاثة ايام من السعي تركوا التفتيش وكفوا عن الملاحقة .

التفاني في سبيل الحق:

ان النقطة المهمة في هذه الصفحة من التاريخ هي ما قام به علي ـ عليه السلام ـ من تفان في سبيل الحق، والحقيقة .

إن التفاني في سبيل الحق من شيمة الرجال الذين أحبّوا الحق وعشقوه بكل وجودهم وكيانهم .

إن الذين يغضون نظرهم عن كلّ شيء من أشياء الدنيا ويضحُّون بالنفس والمال والشخصية، ويستخدمون كل طاقاتهم المادية والمعنوية في سبيل خدمة الحق، واحيائه، واقامته هم ولا شك من عشاق الحق والحقيقة الصادقين .

انهم يرون كمالهم وسعادتهم في هدفهم، وهذا هو الّذي يدفعهم إلى أن يصرفوا النظر عن الحياة العابرة، والعيش الموقت، ويلتحقوا بركب الحياة الواقعيّة الأبدية .

إنّ مبيت علىّ ـ عليه السلام ـ في فراش رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك الليلة الرهيبة لَنمُوذجٌ بارزٌ من هذا الحبّ الحقيقىّ للحق، والعشق الصادق للحقيقة، فان الدافع وراء التطوّع لمثل هذه المهمة الخطيرة لم يكن إلاّ حبّ «علىّ» لبقاء الإسلام الّذي يكفل سعادة المجتمع، ويضمن ازدهار الحياة، لا غير .


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 229 تاريخ الخميس، ج 1، ص 327 ـ 328 وغيرها، ولقد ذكر عامة المؤرخين هذه الكرامة هنا، ولا ينبغي - نظراً لما ذكرناه في قصة الفيل وهلاك ابرهة وجنده بواسطة الابابيل، تأويل مثل هذا الكرامات .


(594)

إن لهذه التضحية والتفاني من القيمة العظمى بحيث مدحها اللّه تعالى في كتابه العظيم، ووصفها بأنها كانت تضحية صادقة لكسب مرضاة اللّه، فان الآية التالية نزلت ـ حسب رواية اكثر المفسرين - في هذا المورد:

(وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغآء مَرْضاتِ اللّهِ وَ اللّهُ رؤوفٌ بِالْعِباد)(1).

ان عظمة هذه الفضيلة واهمية هذا العمل التضحوىّ العظيم دفعت بكبار علماء الإسلام إلى اعتبارها واحدة من أكبر فضائل الامام علي ـ عليه السلام ـ وإلى أن يَصِفُوا بها علياً بالفداء والبذل والايثار، وإلى أن يعتبروا نزول الآية المذكورة في شأنه من المسلّمات كلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ اليها(2) .

إنَّ هذه الحقيقة مما لا ينسى أبداً فانه من الممكن اخفاء وجه الواقع والتعتيم عليه بعض الوقت إلا أنه سرعان ما تمزق أشعةُ الحقيقة الساطعة حجبَ الاوهام، وتخرج شمس الحقيقة من وراء الغيوم .

إنّ معاداة معاوية لأهل بيت النبوة وبخاصة للامام أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ مما لا يمكن النقاش فيه .

فقد أراد هذا الطاغية من خلال تطميع بعض صحابة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يلوّث صفحات التاريخ اللامعة ويخفي حقائقه بوضع الاكاذيب، ولكنه لم يحرز في هذا السبيل نجاحاً.

فقد عمد «سمرة بن جندب» الّذي ادرك عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم انضمّ بعد وفاته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى بلاط معاوية بالشام، عمد إلى تحريف الحقائق لقاء اموال أخذها من الجهاز الأموي، الحاقد على أهل البيت .

فقد طلب منه معاوية باصرار أن يَرقى المنبر ويكذّب نزول هذه الآية في شأن


1 - البقرة: 207 .
2 - مسند احمد: ج 1، ص 87، وكنز العمال: ج 6، ص 407، وقد نقل كتاب الغدير: ج 2، ص 47 ـ 49 طبعة لبنان مصادر نزول هذه الآية في شأن علي ـ عليه السلام ـ على نحو التفصيل، فراجع .


(595)

علي ـ عليه السلام ـ ، ويقول للناس أنها نزلت في حق قاتل علىّ (أي عبدالرحمان بن ملجم المرادي)، ويأخذ في مقابل هذه الاكذوبة الكبرى، وهذا الاختلاق الفضيع الّذي أهلك به دينه مائة ألف درهم .

فلم يقبل «سمرة» بهذا العرض ولكن معاوية زاد له في المبلغ حتّى بلغ اربعمائة ألف درهم، فقبل الرجل بذلك فقام بتحريف الحقائق الثابتة، مسوداً بذلك صفحته السوداء اكثر من ذي قبل وذلك عند ما رقى المنبر وفعل ما طلب منه معاوية(1) .

وقبل السامعون البسطاء قوله، ولم يخطر ببال أحد منهم أبداً ان (عبدالرحمان بن ملجم) اليمنىّ لم يكن يوم نزول الآية في الحجاز بل لعلّه لم يكن قد وُلِدَ بعد آنذاك. فكيف يصح؟!

ولكن الحقيقة لا يمكن ان تخفى بمثل هذه الحجب الواهية، ولا يمكن ان تنسى بمثل هذه المحاولات العنكبوتية الرخيصة .

فقد تعرّضت حكومة معاوية وتعرض أهلها وانصارها للحوادث، واندثرت آثار الاختلاق والافتعال الّذي وقع في عهده المشؤوم، وطلعت شمس الحقيقة والواقع من وراء حجُبُ الجهل والافتراء مرة اُخرى، واعترف اغلبُ المفسرين الأجلّة(2) والمحدّثين الافاضل ـ في العصور والادوار المختلفة، بأن الآية المذكورة نزلت في «ليلة المبيت» في بذل علي ـ عليه السلام ـ ومفاداته النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بنفسه(3).


1 - لاحظ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 4، ص 73 .
2 - شرح نهج البلاغة: ج 13، ص 262، ولقد أعطى ابن ابي الحديد حقّ الكلام حول هذه الفضيلة .
3 - سمرة بن جندب من العناصر المجرمة في الحكومة الاموية، ولم يكتف سمرة بتحريف الحقائق وقلبها بما ذكرناه، بل أضاف إلى ذلك ـ حسب رواية ابن ابي الحديد ـ أمراً آخر أيضاً إذ قال: ونزل في شأن «علىّ» قول اللّه: «وَ مِنَ الناس من يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُنيا ويشهدُ اللّه على ما في قلبهِ وَ هُو ألَدُّ الخِصام» (البقرة: 204) .
ومن جرائم هذا الرجل انه قتل يوم وُلّىَ البصرة على عهد زياد بن أبيه العراق ثمانية آلاف ممّن كانوا يحبون أهلَ البيت ويوالونهم وعندما سأله معاوية: هل تخاف ان تكونَ قد قتلتَ أحداً بريئاً؟
أجاب قائلا: لو قتلتُ اليهم مثلَهم ما خشيت!!
هذا ومخازي هذا الرجل اكثر من ان تستوعبه هذه الصفحات القلائل .
وسمرة هذا هو ذلك الرجل الصلف الجاف الّذي رد على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ طلبَه بأن يراعي حقَّ جاره في قضية النخلة مراراً فقال له رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنك رجل مضارّ ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ولمزيد التوضيح راجع كتب الحديث والتراجم والتاريخ .

Website Security Test