welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(529)

آخر الطُرق لا ثبات ايمان أبي طالب

ويحسن بنا أخيراً ان نسأل عن أبي طالب وعن ايمانه واخلاصه، اقاربَه غير المغرضين لأن «أهل البيت ادرى بما في البيت» .

1ـ لما مات أبوطالب جاء عليٌ ـ عليه السلام ـ إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فآذنه بموته، فتوجع توجعاً عظيماً، وحزن حزناً شديداً، ثم قال له امض فتولّ غسله فاذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل فاعترضه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو محمول على رؤوس الرجال: قال: «وصلتك رحم يا عم، وجزيت خيراً فلقد ربّيت وكفلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً» .

ثم تبعه إلى حضرته، فوقف عليه فقال:

«أما واللّه لاستغفرنَّ لك، ولا شفعنَّ فيك شفاعةً يعجبُ لها الثقلان»(1) .

2- روي ان علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ سئل عن ايمان أبي طالب. فقال:

«واعجباً! ان اللّه تعالى نهى رسوله ان يقرّ مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت اسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تَزَل تحتَ أبي طالب حتّى مات»(2) .

3- روي عن علي بن محمّد الباقر ـ عليهما السلام ـ أنه قال:

«لو وُضِعَ إيمان أبي طالِب في كفّة ميزان، وإيمانُ هذا الخلقِ في الكفّة الاُخرى لرجح إيمانه» .

ثم قال:

«ألم تَعلَموا أنَّ أميرَالمؤمنين عليّاً ـ عليه السلام ـ كانَ يأمر أن يُحجَّ عن عَبدِاللّه وَأبيه»(3) .

4- قال الامام جعفر بن محمّد الصادق ـ عليهما السلام ـ :


1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 14، ص 76 .
2 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 14، ص 69.
3 - المصدر السابق: ص 68 .


(530)

«إنَّ مَثَل أبي طالِب مَثَلُ أصحاب الكَهف أسَرُّوا الإيمان، وأَظهَروا الشركَ فآتاهُمُ اللّهُ اَجرَهم مرّتين، وأن أبا طالِب أسرّ الإيمان، وأظهر الشرك، فآتاه اللّه أجرَه مَرّتين»(1) .

رأي علماء الشيعة في أبي طالب

ولقد اتّفقَ علماءُ الاماميّة والزيديّة تبعاً لأهل بيت النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على: أن «أبا طالب» كان من أبرز المؤمنين برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يخرج من الدنيا إلاّ بقلب يفيض إيماناً بالاسلام، وإخلاصاً للّه تعالى، وحبّاً للمسلمين، وقد اُلِّفَت في هذا المجال كتب ورسائل، ودراسات عديدة، يمكن الوقوف عليها لمن اراد، ولمزيد التوسع في هذا المجال يراجع المجلد 7، ص 402 ـ 404 من موسوعة الغدير للعلامة الأميني طبعة النجف، أو ج 7، ص 330 ـ 409 طبعة لبنان .

نظرة إلى حديث «الضحضاح»

واستكمالا لهذا الحديث ينبغي أن نلقي نظرة إلى رواية تشكك في ايمان أبي طالب فقد روى بعض الكتّاب مثل البخاري(2)، ومسلم عن رواة نظير سفيان بن سعيد الثوري، عبدالملك بن عمير، عبدالعزيز بن محمّد الدراوردي حديثاً نسبوه إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال عن أبي طالب رحمه اللّه:

«وجدتُه في غمرات من النّارِ فأخرجتُه إلى ضحضاح» .

«لعلّهُ تنفعُه شفاعَتي يومَ القيامة فيجعَلُ في ضَحضاح منَ النّار يبلغُ كعبَيه، يغلي منهُ دماغُهُ»(3) .

إنّ هذه الرواية و ان كانت تكذبها عشرات الأحاديث والروايات الإسلامية ،


1 - اصول الكافي: ج 1، ص 448 .
2 - صحيح البخاري: ج 1، ص 33 و 34 من أبواب المناقب .
3 - صحيح مسلم: كتاب الايمان .


(531)

والدلائل القاطعة الساطعة، وتثبت بطلانها وتفاهتها، ولكننا بهدف الوصول إلى مزيد من التوضيح نعمد إلى دراسة أمرين مرتبطين بهذا الحديث .

1- ضعف أسناد هذه الرواية

إنّ رواة هذه الرواية ـ كما أسلفنا ـ هم عبارة عن سفيان بن سعيد الثوري وعبدالملك بن عمير و عبدالعزيز بن محمّد الدراوردي الذين سندرس أحوالهم واحداً واحداً ـ في ضوء أقوال علماء الرجال المعترف بهم عند أهل السنة ـ حيث قالوا:

الف: سفيان بن سعيد الثوري

قال أبوعبداللّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ـ وهو من علماء الرجال عند اهل السنة ـ في سفيان الثوري: كان يدلّس عن الضعفاء(1) .

إن هذا الكلام شاهد قوي على وجود التدليس عند الثوري، وعلى روايته عن الضعفاء أو المجهولين، وهو وصف يُسقطه عن درجة الاعتبار .

باء: عبدالملك بن عمير

قال عنه الذهبىّ : طال عُمره وساء حفظُه ، قال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغيّر حفظه، وقال أحمد: ضعيف يغلط، وقال ابن معين: مخلط وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن احمد بن حنبل: انه ضعيف جداً(2)

فمن مجموع هذه العبارات نعرف ان عبدالملك كان يتصف بصفات عديدة هي أنه:

1- سيّء الحفظ .

2- ضَعيف .

3- كثير الغلط .


1 - ميزان الاعتدال: ج 2، ص 169 .
2 - المصدر السابق، ج 2، ص 660.


(532)

4- مخلط .

ومن الواضح ان كل واحدة من الصفات والحالات المذكورة كافية لأن تبطلَ الاحاديث الّتي يرويها عبدالملك بن عمير، والحال انه قد اجتمعت جميع نقاط الضعف هذه في هذا الرجل .

جيم: عبدالعزيز بن محمد الدراوردي

ولقد وصفَهُ علماء الرجال عند اهل السنة بالنسيان، وقلة الحفظ فلا يمكن الاستناد إلى مروياته .

فقد قال أحمد بن حنبل عنه: إذا حدّث من حفظه جاء بأباطيل(1) .

وقال أبو حاتم عنه: لا يُحتَجُّ به(2) .

وقال أبو زرعة أيضاً: سىء الحفظ(3). ومن مجموعة هذه العبارات يتضح بجلاء ان الرواة الاصليين لحديث الضحضاح ضعفاء في غاية الضعف، إلى درجة لا يمكن الاعتماد على مروياتهم .

2- نص حديث الضحضاح يخالف الكتاب والسنة

لقد نُسِب إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه الرواية أنه أخرج أبا طالب من نار جهنم إلى ضحضاح وبهذا خفَّفَ عنه العذاب، أو أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تمنى أن يشفع له، فيخفِّفَ اللّهُ عنه العذابَ، على حين نفى القرآنُ الكريم والسنة النبوية الشريفة تخفيف العذاب عن الكفار كما ونفيا شفاعة احد في حقهم .

وعلى هذا الاساس فلو كان ابوطالب كافراً، لم يجز للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يخفف عنه العذاب أويتمنى له الشفاعة في يوم الجزاء .

وبهذا يظهر بطلان محتوى حديث الضحضاح .

واليك فيما يأتي ادلة ما قلناه من الكتاب والسنة :


1 - المصدر السابق، ص 634 .
2 و 3ـ المصدر السابق .


(533)

الف: القرآن الكريم

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:

(وَ الَّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّم لا يُقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عنْهُمْ مِن عَذابِها، كَذلِكَ نَجْزي كُلَّ كَفُور)(1) .

ب: السنة النبوية

ان السنة النبوية الطاهرة تنفي أيضاً الشفاعة للكفار، ونذكر من باب النموذج بعض تلك الأحاديث:

1- روى أبوذر الغفاري عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال:

«اُعطيت الشفاعة وهي نائلة من اُمتي من لا يشرك باللّه شيئاً»(2) .

2ـ روى أبو هريرة عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال:

«وشفاعتي لمن شهد أن لا اله الا اللّه مخلصاً، وأنَّ محمّداً رسول اللّه يصدِّق لسانُه قلبَه، وقلبُه لسانَه»(3) .

إن الآيات والروايات المذكورة تثبت بوضوح بطلان نص حديث الضحضاح عند من يقول بأن أبا طالب مات كافراً .

ونتيجة البحث أنه تبين مما ذكر ان حديث الضحضاح لا أساس له من الصحة لا من جهة السند والطريق، ولا من جهة المتن والنص، ولا يمكن الاستدلال به.

وبهذا ينهار أقوى حصن يتمسكُ به البعض للخدشة في ايمان أبي طالب الثابت المسلّم .


1 - فاطر: 36 .
2 - الترغيب والترهيب: ج 4، ص 433.
3 - المصدر السابق: ص 437.


(534)


(535)

22
المعراج


المعراج في نظر القرآن والسنة والتاريخ

كان الليل يخيم على الافق، ويسودُ الظلام على كل مكان .

فقد حان الأوانُ لان ترقدَ جميع الاحياء في مساكنها، وتستريح في جحورها وأعشاشها، وتغمض الأجفان لبعض الساعات عن مظاهر الطبيعة، لتستعيد نشاطها من أجل العمل في يوم جديد حافل بالنشاط والحركة والسعي .

فذلك قانون الطبيعة في كلِّ ليل ونهار .

ولم يكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمستثنى عن هذا الناموس الطبيعي.

فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مضى ليستريح بعد أن صلّى صلاة العتمة أيضاً .

ولكنه فجأةً سمع صوتاً مألوفاً مأنوساً له، وكان ذلك هو صوت أمين الوحي «جبرئيل» وهو يخبره بأن أمامه الليلة سفراً بعيداً ورحلة طويلة، وانه سيرافقه في هذا الرحلة إلى مختلف نقاط الكون، وسيسافر على متن دابة فضائية تدعى «البراق» .

لقد بدأ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رحلته الفضائية العظيمة من بيت اخت علي بن أبي طالب(1) «اُم هاني»، وتوجه على متن تلك الدابة إلى «بيت


1 - مجمع البيان: ج 6، ص 395 و 396، السيرة النبويّة: ج 1، ص 396 ـ 402 .


(536)

المقدس» في الأردن وفلسطين والّذي يسمى «المسجد الأقصى» أيضاً، وهبط في تلك النقطة بعد مدة قصيرة جداً، وزار مواضع عديدة من ذلك المسجد، وتفقّد «بيت لحم» مسقط رأس «السيد المسيح» ومنازل الأنبياء وآثارهم ومحاريبهم، وصلّى عند كل محراب من بعض تلك المحاريب ركعتين .

ثم بدأ بعد ذلك القسم الثاني من رحلته، حيث عرج من ذلك إلى السماوات العلى، وشاهد النجوم والكواكب، واطّلع على نظام العالم العلوي، وتحدث مع ارواح الأنبياء، والملائكة السماويين، واطّلع على مراكز الرحمة والعذاب (الجنة والنار)(1) ورأى درجات أهل الجنة، وأشباح أهل النار عن كثب، وبالتالي تعرف على أسرار الوجود، ورموز الطبيعة، ووقف على سعة الكون، وآثار القدرة الالهيّة المطلقة، ثم واصل رحلته حتّى بلغ إلى سدرة المنتهى(2)، فوجَدها مسربلة بالعظمة المتناهية والجلال العظيم وعندها انتهى برنامج رحلته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فامر بأن يعود من حيث أتى فعاد، بعد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومرّ في عودته على بيت المقدس ثانية، ثم توجّه منه إلى «مكة»، ومرّ خلال الطريق على قافلة تجارية لقريش وقد ضلّ بعير لهم في البيداء وكانوا يبحثون عنه، ثم وجد في رحلهم قعباً مملوء من الماء فشرب منه وصبَّ بقيته على الأرض أو غطاه كما كان بناء على رواية. وترجّل عن مركبته الفضائية العجيبة في بيت «اُم هاني» قبيل طلوع الفجر، وأخبرها بالخبر قبل اي أحد، ثم كشف عن هذا الحادث في أندية قريش صباح نفس تلك الليلة .

فاستبعد السامعون قصة المعراج والحركة السريعة هذه، واعتبروه أمراً محالا وانكروه، وفشا هذا الخبر في جميع الأوساط وغضب بسببه أشراف قريش وساداتهم اكثر من غيرهم .

وكعادتها بادرت قريش إلى تكذيب هذه القصّة وقالوا: هذا واللّه الامر البيّن


1 - مجمع البيان: سورة الاسراء، ج 6، ص 395 .
2 - لتوضيح معنى سدرة المنتهى راجع كتب التفسير .


(537)

(العجيب المنكر) واللّه إن العير لتطّرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك «محمّدٌ» في ليلة واحدة؟

وقالوا: إن صدقَتَ فصف لنا بيتَ المقدس، فإن فينا من شاهدهُ .

فلم يصف لهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيت المقدس فحسب بل اخبرهم بكل مامرّ به وفعله ورآه في طريق عودته من بيت المقدس إلى «مكّة» وقال: وآية ذلك أنّي مررت على بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، وقد ضلّ لهم بعير وقد همّوا في طلبه، وشربت من ماء في آنية لهم مغطاة بغطاء وثم غطّيت عليها كما كان، ثم مررتُ على بعير فلان وقد نفّرت لهم ناقة وانكسرت يدها .

فقالت قريش: أخبرنا عن عير قريش .

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنَّها الآن في التنعيم (وهو مبدأ الحرم) يتقدمها جمل أورق (أبيض مائل إلى السواد) عليه غرارتان وستدخل الآن مكة .

فغضب قريش من هذه الأخبار القاطعة وقالت: سنعلمنَّ الآن صِدقه أو كِذبه .

ثم لم تمض لحظاتٌ إلاّ وطلعت العير عليهم، وحدَّثهم أبوسفيان بكل ما أخبرهم به رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من ضياع بعير لهم في الطريق وهمّهم في طلبه، وأنهم وضعوا ماء مملوء فغطوه ولما رجعوا وجدوه مغطى كما غطوه ولكن لم يجدوا فيه ماءً .

هذه هي خلاصة ما جاء في كتب التفسير، والتاريخ، والحديث حول المعراج .

وإذا أراد القاريء الكريم أن يقف على تفاصيل أكثر في هذا المجال فما عليه إلاّ أن يراجع بحارالأنوار باب «المعراج»(1) .

هل للمعراج جذور قرآنية؟

لقد جاءَ ذكر «المعراج» النبوي وسيره العجيب ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 283 ـ 410 .


(538)

العالم العلوي، والفضاء غير المتناهي في سورتين من القرآن الكريم بشكل واضح وصريح كما واشير اليها في سور اُخرى أيضاً .

ونحن نكتفي هنا باستعراض الآيات الّتي ذكرت هذه القضيّة بصورة واضحة، ونقف عند بعض النقاط الجديدة بالدراسة فيها :

يقول اللّه تعالى في سورة الأسراء:

(سُبحانَ الّذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرام إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَه مِن آياتِنا، إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصير)(1) .

ويستفاد من ظاهر هذه الآية اُمور:

1- لكي نعلم بأنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يطو تلك المسافات، ولم يقم برحلته إلى تلك العوالم بقوّة بشرية، بل تسنى له كلُ ذلك بقوة غيبيّة، فبها استطاع أن يطوي تلك المسافات البعيدة في زمن قصير جداً بدأ اللّه تعالى حديثه عن الاسراء بقوله: (سُبْحانَ الّذي) وهو اشارة إلى تنزيه اللّه عن كلِّ نقص وعيب .

ولم يكتف بذلك بل وصف نفسَه بوضوح بأنه هو تعالى سبب هذه الرحلة والمسيّرُ فيها إذ قال: (أسرى) أي إنَّ اللّه تعالى هو الّذي سرى برسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأخذه إلى تلك الرحلة .

وهذه العناية لأجل أن لا يتصور الناس بأنّ هذه الرحلة تحققت بالوسائل العادية، وحسب القوانين الطبيعية ليتسنّى لهم إنكارها، إِنما تحققت بقدرة اللّه وعنايته الربوبية الخاصة .

2- إن هذه الرحلة تحققت برمّتها خلال الليل، ويستفاد هذا المطلب ـ علاوة على كلمة ليلا ـ من كلمة (أسرى) أيضاً لأنّ العرب كانت تستعمل اللفظة المذكورة في السير ليلا .

3- مع أنّ هذه الرحلة بدأت من بيت «اُم هاني» ابنة أبي طالب، فإن الآية صرّحت بأنها تَمَّت من المسجد الحرام، ولعل هذا لأنّ العرب كانت تعتبر


1 - الاسراء: 1 .


(539)

كل مكة حرماً إلهياً، ومن هنا كان كل مكان من مكة يتمتع عندهم بحكم الحرم والمسجد الحرام، فيكون المراد بالمسجد الحرام هنا مكّة، ومكّة والحرم كلها مسجد، فصحَّ أن يقول: (من المسجد الحرام) .

وتَذهب بعض الروايات إلى أنَّ المعراج كان من نَفس المسجد الحرام .

ثم إنَّ هذه الآية وان كانت تصرّح بأنَّ المعراج بدأ من «المسجد الحرام» وانتهى بـ : «المجسد الأقصى» إلاّ أن ذلك لا ينافي أن يكون للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رحلة اُخرى إلى العالم العُلوي لأنّ هذه الاّية تبيّن فقط قسماً من هذه الرحلة، وأما القسم الآخر من برنامج هذه الرحلة فتتعرض لذكره آيات في مطلع سورة «النجم» .

4- إنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عرج بجسمه وروحه معاً، لا بالروح فقط .

ويدلُّ على ذلك قوله تعالى (بعبده) الّذي يُستَعمل في «الجسم والروح معاً» ولو كان المعراج بالروح فقط لزم أن يقول: «بروحه» .

5- إنَّ الغرض من هذا السير العظيم وهذه الرحلة العجيبة هو إيقاف النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على مراتب الوجود، وإطلاعه على الكون العظيم، وهذا ما سنشرحه فيما بعد .

وأما السورة الاُخرى الّتي تعرض لبيان حادثة المعراج بوضوح و صراحة هي سورة «النجم» .

والآيات الّتي سندرجها هنا من هذه السورة نزلت على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما قال لقريش: «رأيت جبرئيلَ أوّل ما اُوحي التي على صورته الي خُلِقَ عليها» جادلته قريش في ذلك، فنزلتِ الآيات التالية تجيب على اعتراضهم:

(أفَتُمارُوْنَهُ عَلى ما يَرى * وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إذْ يَغْشى السِدْرَة ما يَغْشى * ما زاغَ البَصَرُ وَ ما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيات رَبّه الكُبرى)(1) .


1 - النجم: 12 ـ 18 .


(540)

أحاديث المعراج:

روى المفسرون والمحدّثون أخباراً وروايات كثيرة حول معراج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما شاهده في هذه الرحلة العظيمة، ليست برمتها صحيحة مُسَلَّمة مقطوعاً بها .

ولقد قسّم المفسر الشيعيُ الكبير المرحومُ «العلامة الطبرسىّ» هذه الاخبار إلى أصناف أربعة إذ قال:

وتنقسم جملتها إلى أربعة اوجه:

أحدها: ما يقطع على صحته لتواتر الأخبار به، واحاطة العلم بصحته مثل أصل المعراج .

وثانيها: ما ورد في ذلك مما تجوِّزه العقول ولا تأباه الاصول مثل طوافه في السماء ورؤيته أرواح الأنبياء وتحدّثه معهم ورؤيته للجنة والنار، فنحن نجوّزه ثم نقطع على أن ذلك كان في يقظته، دون منامه .

وثالثها: ما يكون ظاهره مخالفاً لبعض الاُصول، إلاّ أنه يمكن تأويلها على وجه يوافق المعقول فالأولى أن نؤوّله على ما يطابق الحق والدليل. مثل أنّه راى أهل الجنة وأهل النار وتحدّث معهما الّذي يجب أن يؤوّل فيُحمل على انه: رأى أشباحهم وصورَهُم وَ صفاتهم .

ورابعها: ما لا يصحّ ظاهره ولا يمكن تأويله، وهي ما اُلصِق واُلحق بهذه الحادثة من الأساطير والخرافات، مثل ما روي من أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلّم اللّه سبحانه جهرةً ورآه وقعد معه على سريره أو سمع صرير قلمه، ونحو ذلك ممّا يوجب ظاهره التشبيه والتجسيم واللّه سبحانه يتقدّس عن ذلك كلّه، فالأولى أن لا نقبله (1) .

* * *


1 - مجمع البيان: ج 6، ص 395 .


(541)

متى وَقَعت هذه الحادثة؟

مع ان أهميّة هذه الحادثة العجيبة كانت تستوجب أن تكون مضبوطة التفاصيل من جميع الجهات، إلاّ أنها تعرضت للاختلاف ـ مع ذلك ـ من بعض الجهات و منها تحديد تاريخ وقوعها .

فقد ادّعى كاتبا السيرة المعروفان: «إبن اسحاق» و «ابن هشام» أنها وقعت في السنة العاشرة من البعثة الشريفة .

وذهب المؤرخ الكبير «البيهقي» إلى أنها وقعت في السنة الثانية عشرة من البعثة.

وذهب آخرُون إلى أنها وقعت في أوائل البعثة، بينما قال فريق رابع: أنها وقعت في أواسطها.

وربما يقال في الجمع بين هذه الأقوال: أنه كان لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معارج متعددة .

ولكنّنا نعتقد أنّ المعراج الّذي فُرِضَت فيه الصلاة وَقع بعد وفاة أبي طالب ـ عليه السلام ـ في السنة العاشرة قطعاً .

لأنّ من مسلَّمات الحديث والتاريخ أن اللّه تعالى أمر نبيّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ليلة المعراج أن تصلّي اُمّة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلَّ يوم وليلة خمس صلوات .

كما أنه يُستفاد من ثنايا التاريخ أيضاً أن الصلاة لم تُفرَض مادام أبوطالب ـ عليه السلام ـ على قيد الحياة بل فُرِضت بعد وفاته، لأنّه حضر عنده ـ ساعة وفاته ـ سراة قُريش وأسيادها، وطلبوا منه أن يبت لهم في أمر ابن أخيه «محمّد» ويمنعه من فعله، فيعطونه ـ في قبال ذلك ـ ما يريد فقال لهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ذلك المجلس: نعم كلمة واحدة تعطونيها: «تقولون لا إله إلاّ اللّه وتخلعون ما تعبدون من دونه»(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 417 .


(542)

لقد طلب منهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذا الأمر ولم يطلب منهم شيئاً آخر كالصلاة وغيرها من الفُروع أبداً، وهذا هو بنفسه يدلّ على أنه لم تجب الصلاة حتّى ذلك اليوم، وإلاّ كان الإيمان المجرّد عن العمل، والصلاة مفروضة، لا فائدة فيه .

وأما أنه لم يذكر شيئاً عن نبُوّته ورسالته فلأنّ الإعتراف بوحدانية اللّه بأمره وطلبه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إعتراف ضِمنىّ برسالته ونبوّته، وفي الحقيقة انَّ التلفُّظ بهذه العبارات بأمره يتضمّن شهادتين واقرارين: الإقرار باللّهِ الواحد، والإقرار بنبوّة رسول الإسلام .

هذا مضافاً إلى أن كُتّاب السيرة ذكروا كيفية إسلام جماعة مثل «الطفيل بن عمرو الدوسي» الّذي أسلم قبل الهجرة(1) بأعوام اكتفى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالشهادتين ، ولم يجر اي حديث عن الصلاة ابداً .

ان هذه الامثلة تكشف عن أن هذه الحادثة (المعراج) الّتي فُرضت فيها الصلاة وقعت قبل الهجرة بسنوات .

والذين تصوّروا أن المعراج وقع قبل السنة العاشرة مخطئون خطأ كبيراً لأنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان محصوراً في شعب أبي طالب منذ السنة الثامنة وحتّى السنة العاشرة، ولم يكن وضع المسلمين ليسمح بفرض تكليف زائد (مثل الصلاة) .

وأما سنوات ما قبل الحصار فعلاوة على ضغوط قريش على المسلمين والّتي كانت هي بنفسها مانعاً من فرض الصلاة على المسلمين، كان المسلمون قلةً معدودين، ولم يكن نورُ الايمان، واُصول الإسلام قد ترسخت في قلوب ذلك العدد القليل بشكل قوي بعد، ولذلك يكون من المستبعد أن يكلفوا بأمر زائد مثل الصلاة في مثل ذلك الظرف .

وأمّا ما ورد في بعض الأخبار والروايات من ان الامام علياً ـ عليه السلام ـ


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 383 .


(543)

صلى مع رسول اللّه قبل البعثة بثلاث سنوات، واستمر على ذلك بعدها أيضاً فليس المراد منها الصلوات المحدودة المؤقتة بوقت، المشروطة بشروط خاصة، بل كانت تلك الصلوات عبارة من عبادة خاصة غير محدودة(1)، أو كان المراد منها الصلوات المندوبة والعبادات غير الواجبة .

هل كان المعراج جسمانياً؟

لقد وقع النقاش والكلام في كيفية معراج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأنه كان روحانياً أو جسمانياً وروحانياً معاً، وقيل في ذلك كلام كثير .

ومع أن القرآن الكريم والأحاديث تشهد بجلاء لا غموض فيه بأن معراجه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان جسمانياً(2)، فقد اُوردت في المقام بعض الإشكالات والاعتراضات الّتي منعت البعض عن قبول هذه الحقيقة، وبالتالي دفعتهم إلى ارتكاب التأويل، والزعم بأن معراج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان روحانياً، أي بالروح لا بالجسم .

لقد قال هؤلاء: ان روح النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي الّتي طافت في تلك العوالم ثم عادت إلى جسد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مرة اُخرى!!

وذهب جماعة إلى أبعد من ذلك إذ ادّعوا بان جميع هذه المشاهدات والقضايا تمّت لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عالم الرؤيا، فكل ما رآه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أو فعله من الطواف واللقاء والصلاة كانت رؤيا ورؤيا الأنبياء صادقة!!

على أن أقوال الفريق الأخير من البعد عن الواقع بحيث لا يمكن ذكره في عداد الأقوال والنظريات أبداً، لأنَّ قريش بعد أن سمعت من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - للمزيد من التحقيق في تاريخ وجوب الوضوء والصلاة والاذان يراجع الكافي: ج 3، ص 482 ـ 489 .
2 - لقد نقل الفقيه الجليل العلامة الشيعيّ المرحوم الطبرسي في تفسير مجمع البيان إجماع علماء الشيعة على جسمانية المعراج فراجع: ج 6، ص 395 .


(544)

ادعاءه بانه سار كل تلك المسافة الطويلة البعيدة، وطاف على كل تلك الاماكن المتباعدة العديدة في ليلة واحدة انزعجت بشدة وهبّت لتكذيبه حقيقة، إلى درجة أن خبر المعراج أصبح حديث الساعة في نوادي قريش واوساطها آنذاك .

ولو كان كل ذلك تحقق للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المنام والرؤيا لما كان لتكذيب قريش وانزعاجها واستنكارها معنى، إذ لا موجب للنزاع لو كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: إنّي فعلت تلك الامور، ورأيت تلك المشاهد في الرؤيا والمنام، إذ هو على كل حال رؤيا، وكل شيء ـ حتّى الاُمور المحالة أوالمستبعدة جداً ـ ممكن في عالم الرؤيا .

ومن هنا لا قيمة للقول الأخير أصلا فلا تستحق المتابعة أصلا .

ولكن مع الأسف استحسن بعض العلماء المصريين (مثل فريد وجدي) هذا الرأي وسعى في تقويته وتبريره، ونحن نحبذ ان نتركه، وان لا نناقش فيه(1) .

ما هو المراد من المعراج الروحاني؟

لقد عمد فريق ممن عجز عن دفع وحلّ بعض الاعتراضات والاشكالات الواردة على المعراج الجسماني، إلى تأويل الآيات والأحاديث، واعتبر المعراج النبوي معراجاً روحانياً، لا غير .

والمقصود من المعراج الروحانىّ هو التدبّر في مخلوقات اللّه ومصنوعاته، ومشاهدة جلاله وجماله والاستغراق في ذكر الحق، والتفكر فيه، وبالتالي التخلص من القيود والاغلال المادية، والعلائق الدنيوية، والعبور من المراتب الامكانية في المراحل الباطنية والقلبية الّتي يحصل بعد طيّها نوعٌ من القرب الخاص الّذي لا يمكن وصفه .

فاذا كان المراد من (المعراج الروحانىّ) هو التفكر في عظمة الحق وسعة


1 - دائرة معارف القرن العشرين: ج 6، ص 329 مادة عرج .


(545)

الخلق و..و.. فلا شك أن هذا ليس من مختصات رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل كان أكثر الأنبياء، وكثير من الاولياء من ذوي البصائر القويّة الطاهرة يمتلكون هذه المرتبة، على حين أن القرآن الكريم يعتبر (المعراج) من خصائص رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويذكره على انه نوع من الامتياز الخاص به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

هذا مضافا إلى ان مثل هذه الحالة (اعني التفكر في عظمة الخالق والاستغراق في التوجه إلى الحق) كانت تتكرر لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في كل ليلة(1)، والحال ان (المعراج) الّذي هو محط الكلام قد وقع في ليلة معيَّنة .

إن ما دفع بهذا الفريق إلى اتخاذ مثل هذا الموقف من (المعراج)، وآل بهم اختيار هذا الرأي هو فرضية الفلكي اليوناني المعروف «بطلميوس» الّتي كانت سائدة في الأوساط العلمية في الشرق والغرب طيلة ألفي سنة بالكامل، والّتي اُلّف حولها مئآت الكتب، وكانت تعدُّ حتّى حين من المسلّمات في مجال العلوم الطبيعية وهي على نحو الاجمال كالتالي:

إن الاجسام في هذا العالم على نوعين: أجسام عنصرية، واجسام فلكية .

والجسم العنصري هي العناصر الأربعة المعروفة: «الماء، والتراب، والهواء، والنار».

وأوّل كرة تبدو لنا هي كرة التراب وهي مركزُ العالم، ثم تليها كرة الماء ثم كرة الهواء، وتأتي بعد كل هذه الثلاثة كرة النار، وكلٌ من هذه الكرات محيطة بالاُخرى، وهنا (اي وعند كرة النار) تنتهي الكرات، وتبدأ الاجسام الفلكية .

والمقصود من الأجسام الفلكيّة هيَ الافلاكُ التسعة الّتي تقع الواحدة فوق الاخرى وتحيط الواحدة بالاُخرى على هيئة قشور البصل، وهي متصلة بعضها ببعض من دون فاصلة بينها وهي غير قابلة للاختراق والالتئام (اي الشق


1 - راجع وسائل الشيعة: ج 7، كتاب صوم الوصال، ص 388 قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إني لست كأحدكم، أني اظل عند ربّي فيطعمني ويسقيني» .


(546)

والالتحام) والفصل والوصل ولا يستطيع أىّ شيء من اختراقها والتحرك فيها بصورة مستقيمة لأن ذلك يستلزم انفصام اجزاء الفلك .

من هنا يكون المعراج الجسماني مستلزماً لأن ينطلق النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من مركز العالم ويصعد بصورة مستقيمة إلى الأعلى عابراً الكرات العنصرية الأربع، ومخترقا الأفلاك التسعة الواحد تلو الآخر، بينما يستحيل خرق هذه الأفلاك ثم التحامها حسب نظرية بطلميوس وفرضيّته الفلكية .

وعلى هذا لا مناص من أن نعتقد بأن المعراج النبوىّ كان معراجاً روحانياً، اي ان روحه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي الّتي عرجت حتّى لا يمنع أىُّ جسم من عبورها وسيرها وصعودها إلى النقطة المطلوبة والغاية المرسومة .

الجواب:

ان هذا الكلام كان مقبولا وذا قيمة عند ما كانت هيئة بطلميوس وفرضيته الفلكية لم تكن بعد قد فقدت قيمتها في الاوساط العلمية وكان هناك من يعتقد بها من صميم فؤاده .

ففي مثل تلك البيئة كان من الممكن التلاعب بالحقائق القرآنية، وتأويل صريح القرآن ونصوص الروايات .

أما الآن فقد فقدت أمثال هذه الفرضيات قيمتها، وظهر للجميع بطلانها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، إلاّ من باب ما يسمى بتاريخ العلوم .

فاليوم وبالنظر إلى كل هذه الأجهزة الفلكية والآلات الفضائية الدقيقة، والتلسكوبات العملاقة، وهبوط المركبات الفضائية المتعددة على سطح القمر والمريخ، وعملية القيادة الفضائية على سطح القمر لم يعد مجال لهذه الفرضيات الخيالية .

فاليوم لا يعتبر العلماء المحقّقون فكرة العناصر الأربعة والفلك المتّصل كقشرة البصل إلاّ جزءً من الاساطير .

فان العلماء لم يستطيعوا بالآلات العلمية وأجهزة الرصد الدقيقة والعيون


(547)

المسلحة من رؤية، تلك العوالم الّتي حاكها وصنعها بطلميوس بقوة خياله، من هنا فان أية نظرية تقوم على هذا الاساس غير الصحيح تكون عارية عن أية قيمة، واعتبار .

نَغمةٌ شاذةٌ:

ولقد طلع مؤسس الفرقة الشيخية(1) «الشيخ احمد الاحسائي» في «الرسالة القطيفية» بنغمة شاذة في هذا الصعيد حيث أراد بابداء طرحة جديدة أن يرضي كلا الطرفين (القائلين بروحانية المعراج النبوي والقائلين بجسمانيته) حيث قال: ان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عرج ببدنه البرزخي (الهور قليائي)(2) ثم استدل لذلك بقوله:

ان الصاعد كلّما صعد ألقى في كل رتبة من المراتب المذكورة ما فيها، فمثلا إذا تجاوز كرة الهواء القى ما فيه من الهواء، وإذا تجاوز كرة النار ألقى ما فيها وإذا رجع أخذ ما له من كرة النار، وإذا وصل إلى كرة الهواء أخذ ما له من الهواء .

ومن هنا فانَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما عرج إلى السماء القى في كل كرة واحداً من تلك العناصر الأربعة في كرته، وعرج ببدن فاقد لهذه العناصر.

ومثل هذا البدن لا يمكن ان يكون بدناً عنصرياً، فليس هو الا البدن البرزخي (الّذي أسماه الهور قليائي) لا غير(3) .


1 - لاشك أن هذه الفرقة وامثالها من الفرقة المبتدعة هي من صنائع الاستعمار أوهي مما يؤيده لتنفيذ أغراضه، ومن حسن الحظ أن انتشار الوعي بين أبناء الامة الإسلامة حدَّ من نشاط هذه الفرق حتى انها أصحبت على أبواب الاندثار والانقراض نهائياً .
2 - وهو البدن البرزخي الّذي يشبه البدن الّذي يفعل به الإنسان الافعال المختلفة في عالم النوم والرؤيا ويقوم بكل نوع من انواع النشاط .
3 - تقع الرسالة القطيفية ضمن مجموعة تحتوي على 92 رسالة باسم جوامع الكلم الّتي طبعت عام 1273 .
ومع هذا التصريح يدّعي البعض ـ للتسترّ على خطأ الشيخ وزلته هذه - بأن الشيخ يعتقد بأن المعراج كان جسمانياً عنصرياً، وأنه موافق لرأي المشهور في هذا المجال .


(548)

وبهذا ـ حسب تصوّره ـ أرضى من نفسه كلا الطرفين المذكورين، لأنه من جانب اعتقد بالمعاد الجسماني، وفي نفس الوقت تخلّص من اشكال «خرق الافلاك والتحامها» لأن نفوذ الجسم البرزخي لا يستوجب أي خَرق وانفصال في جدار الفلك .

ولكن هذه النظرية ـ كما هو واضح لكلّ عالِم متحرٍّ للحقيقة، بعيد عن العصبية ـ واضحة البطلان كسابقتها (نظرية المعراج الروحاني)، فمضافاً إلى انها مخالفة للقرآن وظاهر الاحاديث، لأنّه ـ كما أسلفنا ـ لو عرضنا آية المعراج (من سورة الاسراء) على أىّ عارف باللغة، مهما كانت وطلبنا منه رأيه في هذا الصدد لقال: ان مراد القائل هو البدن الدنيوي العنصري الّذي عَبّر عنه القرآن بلفظ العبد، في قوله تعالى: «سبحان الّذي أسرى بعبده»، وليس الهورقليائي الّذي لم يكن يعرفه المجتمع العربىّ، ولا يعرف أمثاله في ذلك اليوم أساساً، في حين أنهم كانوا هم المخاطَبون في آية المعراج في سورة الاسراء لا غيرهم .

هذا مضافاً إلى أنَّ ما دفع بالشَيخ إلى ارتكاب هذا التأويل البارد هو الاسطورة اليونانية المذكورة حول الفلك، حيث تصوّرها كحقيقة ثابتة من حقائق اللوح المحفوظ، وقد كذبها وفندها كلُ فلكيىّ العالم اليَومَ، وأعلنوا عن سخافتها .

فلا يجوز لنا أن نقلِّد تلك الفرضية تقليداً أعمى .

وإذا ما رأينا بعضَ القدماء من المشايخ قال بمثل هذا محسناً الظن بتلك الفرضية الفلكية القديمة وأمثالها امكن إعذارهم، لعدم قيام ادلة علمية قوية على خلافها آنذاك .

اما اليوم فلا ينبغي لنا ان نتجاهل الحقائق القرآنية لفرضية ثبت بطلانها في الأوساط العلمية .

المعراج وقوانين العلم الحديث:

قد يتصور فريقٌ من الناس أن القوانين الطبيعية والعلمية الحاضرة لا تتلاءم


(549)

مع معراج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وذلك لأنه:

1- يقول العلم الحديث: إِنَّ الابتعاد عن الأرض يتطلب التخلّص من جاذبية الأرض، وبعبارة اُخرى ابطال مفعولها .

فان (الكرة) الّتي نقذفها إلى الأعلى تعود مرة ثانية إلى الأرض بفعل الجاذبية ومهما كرّرنا قذف الكرة إلى الأعلى فانها تعود وترجع إلى الأرض أيضاً .

فاذا أردنا أن نبطل مفعول جاذبية الأرض ابطالا كاملا بحيث لا تعود الكرة المقذوفة إلى الأعلى إلى الأرض ثانيةً بل تواصل مسيرها إلى الأعلى فإننا نحتاج لتحقيق هذا الهدف إلى جعل سرعة الكرة باتجاه معاكس للأرض تعادل 000/ 25 ميلا في الساعة .

وعلى هذا فان معنى المعراج هو ان يكون النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد خرج من محيط جاذبية الأرض، واصبح في حالة انعدام الوزن .

ولكن ينطرح هنا سؤال وهو: كيف استطاع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يطوي بدون وسائل هذه المسافة بمثل هذه السرعة، وهل البدن الطبيعي يتحمل مثل هذه السرعة مع عدم توفر الغطاء الواقي والوسائل اللازمة، الّتي تصون الجسم من التبعثر والذوبان بفعل السرعة الفائقة .

2- إنّ الهواء القابل للاستنشاق غير موجود فوق عدد من الكيلومترات بعيداً عن سطح الأرض، بمعنى اننا كلما ذهبنا صعداً إلى الطبقات العليا وابتعدنا عن الأرض أصبح الهواء أرقّ، حتّى يغدو غير قابل للاستنشاق، وربما نصل إذا واصلنا الصعود إلى الأعلى إلى منطقة ينعدم فيها الهواء اللازم للتنفس بالمرة، فكيف استطاع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبعد طي تلك المسافة الطويلة والبعيدة في أعالي الجو أن يعيش بدون وجود الاوكسيجين؟!

3- إِنَّ الاشعة الفضائية، والاحجار السماوية والشهب الكثيرة المتطايرة إذا اصطدمت بأي جسم أرضي أبادَتهُ، وأفنته، ولكنها عندما تصطدم بالغلاف الغازىّ المحيط بالأرض تتلاشى وتصبح كالبودر ولا تصل إلى الأرض، فيكون


(550)

الغلاف الغازي في الحقيقة بمثابة درع يقي سُكّان الأرض من خطر تلك القذائف المهلكة.

ومع هذه الحالة كيف تهيّأ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يصون نفسَه من تلك الاشعة الفضائية، والاحجار السماوية؟!

4- إذا قلَّ ضغطُ الهواء على جسم الإنسان فزاد أو نقص اختلت حياته الطبيعية، فهو يمكنه أن يعيش تحت ضغط معين من الهواء، لا يوجَد في الطبقات العُليا من الجوّ، فكيف استطاع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والحال هذه أن يحافظ على حياته في أعالي الفضاء؟!

5- إنَّ سرعة الحركة الّتي ساربها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا ريب كانت تفوق سرعة الحركة الّتي يسير بها النور ومع العلم بأنّ سرعة النور هي 000/ 300 كيلومتراً في الثانية، مع العلم أيضاً أنه ثبت في العلم الحديث أنه لا يستطيع أىُّ جسم أن يتحرك بسرعة تفوق سرعة النور، فكيف استطاع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يسير بسرعة تفوق سرعة النور، ومع ذلك يرجع إلى الأرض سالم الجسم كامله؟؟!

جوابنا:

وجوابنا هو: أننا إذا أردنا أن نناقش هذه المسألة على ضوء القوانين العلميّة الطبيعية لتجاوز عدد الاعتراضات والاشكالات ما ذكرناه آنفاً .

ولكننا نقول في جواب هذا الفريق متساءلين: ما هو مقصودكم من توضيح هذه النواميس الطبيعية .

هل تريدون القول بأن السير في العوالم العليا أمرٌ غير ممكن، وممتنع ذاتاً وبالتالي أنه أمر محال .

فاننا نقول ـ حينئذ ـ في الجواب على ذلك بان الجهود والتحقيقات العلمية الّتي بذلها علماء الفضاء في الشرق والغرب قد جعلت هذا الأمر ـ ولحسن الحظ ـ أمراً ممكناً، وعادياً، لأن مع اطلاق أوّل قمر اصطناعي عام (1957م) إلى السماء


(551)

والّذي اسماه علماء الفضاء بـ «اسپوتنيك» اتضح أنه يمكن إبطال مفعول جاذبية الأرض بواسطة الصاروخ، كما أن إرسال السفن الفضائيّة الحاملة لروّاد الفضاء من البشر بواسطة الصاروخ أوضح أنَّ ما كان يَعِدّه البشر مانعاً من الصعود إلى الأعلى في الفضاء قد أصبح قابلا لرفعه وإزالته، والتخلّص منه بيد العلم والتكنولوجيا .

إن البشر استطاع بأدواته وآلاته العلمية والتكنولوجية أن يعالج مشكلات عديدة في مجال ارتياد الفضاء مثل مشكلة الشهب والنيازك المتطايرة في الجوّ ومشكلة الاشعة الفضائية، ومشكلة إنعدام الغاز اللازم للتنفس و..و.. وهاهو علم ارتياد الفضاء في حال توسع مستمرّ وان العلماء أصبحوا الآن يثقون بأنهم سرعان ما يتمكنون من مدّ بساط الحياة والعيش في إحدى الكرات السماوية والسفر إلى إحدى الكواكب كالقمر والمريخ بِسهولة كبرى!(1)

إنَّ هذه الأحداث العلمية وهذا التقدّم التكنولوجي في مجال ارتياد الفضاء شاهدٌ قوىٌّ على أنّ هذا العمل أمر ممكن مائة بالمائة، وليس من الاُمور المستحيلة .

وإذا كان مقصود المعترضين على المعراج هو انه لا يمكن القيام بمثل هذه الرحلة من دون أجهزة علميّة وتكنولوجية، ولم يكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يملك في تلك الليلة مثل هذه الأجهزة فكيف طوى تلك المسافات وطاف


1 - بعد اطلاق الاقمار والسفن الاصطناعية لأوّل مرة يوم الأربعاء ابريل عام 1961 بدأ الضابط الروسي جاجارين (27 سنة) رحلته الفضائية في سفينة فضائية، وكان أوّل إنسان أقدم على هذه الرحلة الفضائية، وابتعدت سفينته 302 كيلومتراً عن سطح الأرض، ودارت دورة واحدة حول الكرة الارضية في ساعة ونصف .
وبعد ذلك أقدمت أمريكا والاتحاد السوفيتي على ارسال السفن الفضائية إلى الفضاء في محاولة لغزوالقمر حتّى حطّت «أپولو» الحاملة لـ 11 رائداً فضائياً على سطح القمر لأوّل مرّة، وكان هذا أوّل مرة يحط فيها انسان قدمه على ارض القمر .
وقدتكررت تجربة هذا البرنامج الفضائي فيما بعد مرات ومرات وكانت ناجحة على الاغلب. وكل هذه الجهود والنتائج تكشف عن أن هبوط الإنسان على سطح الكرات والكواكب أمرٌ ممكن، وما يستطيع البشر فعله عن طريق العلم يقدر اللّه خالق البشر على فعله بارادته النافذة.

(552)

على جميع تلك العوالم من دون أدنى وسيلةِ نقل من هذا القبيل؟!

فاننا نقول في معرض الاجابة على اعتراضهم هذا بأن جواب هذا الاعتراض يتضح من الابحاث الّتي سبقت منا حول معاجز الأنبياء وخصوصاً بحثنا المفصَّل حول حادثة عام الفيل وهلاك جيش أبرهة العظيم بالأحجار الصغيرة، لأنه من المسلَّم أنَّ ما يستطيع البشر فعله عن طريق الأدوات والآلات العلمية الصناعية يستطيع الأنبياء فعلَه بعناية اللّه تعالى، وإقداره وبدون الأسباب الظاهرية والخارجية .

لقد عرج رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى السماء بعناية وباقدار اللّه الّذي خلق الوجود كله، واقام هذا النظام البديع برمته، فهو الّذي أعطى للأرض جاذبيتها، وأعطى للشمس أشعتها وأوجد مختلف طبقات الهواء، وأنواع الغازات في الجوّ، ومتى أراد أخذَها وانتزاعها منها، أو كبح جماحها، وردّ عاديتها .

فاذا تحقق معراج النبىّ الاكرم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ظلّ العناية الآلهيّة فانّ من المسلَّم ان جميع النواميس تخضع أمام قدرته القاهرة، وارادته الغالِبة، وهي طوع إرادته، والسماوات والأرض مطويّات بيمينه والجميع في قبضته ورهن اشارته دائماً وأبداً، وفي كل حين وأوان .

وعلى هذا فماذا يمنع من أن يعمل اللّه الّذي منح للأرض جاذبيتها، وللأجرام السماوية أشعتها، على إخراج عبده المصطفى بقدرته المطلقة ومن دون الاسباب الظاهرية، من مركز الجاذبية الأرضيّة، ويصونه من أخطار الاشعة الكونية، وأن يعمد خالق كل هذا القدر الهائل من الاوكسيجين إلى إيجاد الهواء اللازم لنبيّه في الطبقات الّتي ينعدم فيها الهواء، وهذا هو معنى قولهم: «إنَّ اللّه مسبِّبُ الأسباب ومعطِّلُ الأسباب» .

ان أمر المعجزة يختلف ويفترق أساساً عن أمر العلل الطبيعية والقدرة البشرية .

ونحن يجب أن لا نقيس قدرة اللّه المطلقة بقدرتنا المحدودة، فاذا كنّا لا نقدر


(553)

على شيء من دون الأسباب لم يصحَ أن نقول: ان القادر المطلق لا يقدر على مثله من دون الاسباب الطبيعية أيضاً .

إنَّ إحياء الموتى، وقلب العصا إلى ثعبان، وإبقاء يونس حيّاً في بطن الحوت، في قعر البحار، مما صدّقته جميع الكتب السماوية ونقلته إلينا لا تقلّ إشكالا ولا تختلف جواباً عن قصة المعراج النبوي

وخلاصة القول: ان جميع العلل الطبيعية والموانع الخارجية مسخَّرةٌ لِلّه تعالى خاضعة لارادته، مطيعةٌ لأمره وارادته يمكن تعلّقُها بكلّ شيء إلاّ بالأمر المحال، وأما غيرذلك أي ما يكون ممكناً بالذات مهما كان، فانّهُ قابلٌ لأن يتحقق في ظل ارادة اللّه ومشيئته سواء يقدر البشر عليه أم لا يقدر .

على أن حديثنا هذا موجَّهٌ إلى مَن آمن باللّه، وعرف ربّه بصفاته الخاصة به تعالى، وبالتالي آمن باللّه الأزلىّ على أنّه القادر على كلّ شيء .

الهدفُ من المعراج:

لقد بيّنت الاحاديث ـ بعد الآيات ـ الغرض من المعراج واليك طائفة من هذه الاحاديث .

1- يقول ثابت بن دينار سألت الامامَ زين العابدين علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ عن اللّه جلّ جلاله هل يوصَف بمكان فقال: «تعالى اللّهُ عَن ذلِكَ» .

قلت: فلم اسرى بنبيه محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى السماء؟

قال: «لِيُريَهُ مَلكوتَ السماوات وما فيها من عجائب صنعِهِ وبدائع خلقه» .

2- وقال يونس بن عبدالرحمان قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ لأىّ عِلة عرج اللّهُ بنبيّه إلى السماء ومنها إلى «سدرة المنتهى»، ومنها إلى «حجب النور» وخاطبه وناجاهُ هناك واللّه لا يوصف بمكان؟(1).

فقال ـ عليه السلام ـ : «إنَّ اللّه لا يُوصَفُ بمكان ولا يَجري عليهِ زمانٌ، وَلكنَّهُ


1 - علل الشرائع: ص 55، البحار: ج 18 ص 347 و 348. تفسير البرهان: ج 2، ص 400 .


(554)

عزوجل أرادَ ان يُشَرِّف به مَلائِكته، وسكانَ سَماواتِه، ويكرِّمَهُم بمشاهدته، وَيُريَه من عجائب عظمته مايخبر بهِ بَعدَ هُبُوطِه، وليسَ ذلِكَ على ما يَقُولُه المشبّهون سبحانَ اللّهِ تعالى عَمّا يَصِفُون»(1) .

أجل يجب أن يكون لرسول الإسلام وخاتم الأنبياء مثل هذا المقام العظيم ومثل هذه المنزلة السامقة، ليقول للبشرية العائشة في القرن العشرين، والّتي أصبحت تفكر في الهُبوط على «المريخ» و «الزهرة» وغيرها من الانجم البعيدة:

بانني قد فعلت هذا من دون أية وسيلة، وانَّ ربّي قد مَنَّ علىّ وعرّفني على نظام السماوات والأرض، وأطلَعَني بقدرته وبعنايته على أسرار الوجود، ورموز الكون .


1 - علل الشرائع: ص 55. البحار: ج 18، ص 347 و 348. تفسير البرهان: ج 2، ص 400 .


(555)

23
سفرة إلى الطائف

انقضت السنة العاشرة بكل حوادثها الحلوة والمرة، فان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد في هذا العام حامييه الكبيرين المتفانيين في سبيله، ففي البداية فقد كبير بني عبدالمطلب وسيدهم، والمدافع الوحيد عن حوزة الرسالة الإسلامية والذابّ بالاخلاص عن حياض الشريعة المحمّدية، والشخصية الاولى في قريش اعني «أبا طالب» ـ عليه السلام ـ .

ولم تنمح آثار هذه المصيبة المرّة عن خاطر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد إلاّ وفاجأته مصيبة وفاة زوجته الوفية العزيزة، السيدة خديجة الكبرى الّتي جددت برحيلها عنه أحزان النبىّ وآلامه الروحية(1) .

لقد حامى أبوطالب ودافع عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحافظ على حياته وسلامته ومكانته، وبينما ساعدت خديجة بثروتها الطائلة في نشر الإسلام وقدمت في هذا السبيل خدمات عظيمة لا تنسى .

من هنا سمى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تلك السنة بعام الحداد، أو


1 - جاء في تاريخ الخميس: ج 1، ص 301 انه قيل بأن «خديجة» توفيت بعد «أبي طالب» بشهر وخمسة أيام، بينما ذهب آخرون مثل ابن الأثير في الكامل ج 2، ص 63 إلى أن السيدة خديجة توفيت قبل أبي طالب، لا بعده .


(556)

الحزن(1) .

ومنذ أن توفّى اللّه الحاميين العظيمين والمدافعين القويين عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واجه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ظروفاً صعبة جداً قلما واجهها من قبل .

فقد واجه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ حلول السنة الحادية عشر جوّاً مفعماً بالعداء له، والحقد عليه، وصارت الاخطار تهدد حياته الشريفة في كل لحظة، وقد فقد كل الفرص لتبليغ الرسالة وكل امكانات الدعوة إلى دينه .

يقول ابن هشام في هذا الصدد: ان «خديجة بنت خويلد» و «أبا طالب» هلكا (اي توفيا) في عام واحد فتتابعت على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المصائب بهلك خديجة وكانت له وزيرة صدق على الإسلام... وبهُلك عمّه أبي طالب وكان له عضداً، وحرزاً في أمره، ومنعةً وناصراً على قومه وذلك قبل هجرته الى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتّى اعترضه سفيهٌ من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً .

ولما نثر ذلك السفيه على رأس رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك التراب دخل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول لها:

«لا تبكي يا بُنيَّة فإنَّ اللّهَ مانع أباك».

ويقول بين ذلك:

«ما نالت مني قريشٌ شيئاً أكرَهُهُ حتّى مات أبوطالب»(2) .

ولأجل تزايد الضغط والكبت هذا قرر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن ينتقل


1 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 301، السيرة الحلبية: ج 1، ص 347 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 415 و 416، بحارالأنوار: ج 19، ص 5 عن إعلام الورى عن محمّد بن اسحاق بن يسار .


(557)

من المحيط المكي إلى محيط آخر يتسنى له تبليغ رسالته .

وحيث انَّ الطائف كانت تعتبر آنذاك مركزاً هامّاً، لذلك رأى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يسافر لوحده إلى الطائف، ويجري بعض الاتصالات مع زعماء قبيلة ثقيف وساداتها ويعرض دينه عليهم علّه يحرز نجاحاً ويكسب انصاراً جدداً لرسالته من هذا الطريق .

ولما انتهى ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الطائف عمد إلى نَفَر من قبيلة «ثقيف» هم يومئذ سادة ثقيف واشرافهم، وجلس ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إليهم، ودعاهم إلى اللّه، فلم يؤثر فيهم كلام رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقالوا له: لئن كنتَ رسولا من اللّه كما تقول لأنتَ أعظمُ خطراً من أردَّ عليك الكلام، ولئِن كنت تكذب على اللّهِ ما ينبغي لي ان اكلمك!!

فعرف رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من رَدّهم الصبياني أنهم يحاولون التملُّص من قبول الدعوة واعتناقِ الإسلام، فقام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من عندِهِم بعد ان طلب منهم أن يكتموا ما جرى في هذا اللقاء خشية أن يعرف سفهاءُ ثقيف فيتجرأوا عليه ويتخذوا ذلك ذريعة لاستغلال غربته ووحدته، ومن ثم إيذائه، فوعدوه بالكتمان، ولكنهم ـ وللاسف ـ لم يحترموا وعدهم هذا الّذي أعطوه لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، وفجأة وجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه محاطاً بجمع كبير من اولئك السفهاء يسبّونه ويصيحون به حتّى اجتمع الناس، وألجأوه إلى بستان لعتبة وشيبة إبني ربيعة وهما فيه في تلك الساعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل فجلس فيه وهو يتصبب عرقاً، وقد الحقوا الاذى بمواضع عديدة من بدنه الشريف ورجلاه تسيلان من الدماء، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان مالقي من سفهاء أهل الطائف، وقد كانا من اثرياء قريش، يومئذ .

فلما اطمأن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ توجه إلى ربه وناجاه قائلا:

«أللّهُمَّ إلَيكَ أشكُو ضَعفَ قُوَّتي، وَ قِلَّةَ حِيلَتي، وَهَواني عَلى النّاسِ، يا أرحَمَ الرّاحِمين، أنتَ رَبُّ المُستَضعَفِين، وَ أنتَ رَبّي، إلى مَن تكِلُني، إلى


(558)

بعيِد يَتَجَهَّمُنِي؟ أم إلى عَدُوّ ملكتَهُ اَمري؟

إن لَم يَكُن بِكَ عَلىَّ غَضَبُ فَلا اُبالِي، وَلكِ، عافِيتَكَ هِىَ أوسَعُ لِي.

أعُوذُ بِنُورِ وَجهك الّذي اشرقت لَهُ الظُّلماتُ، وَ صَلُحَ عَليهِ أمرُ الدُّنيا وَ الآخِرَة مِن أن يَنزِلَ بِي غَضَبُكَ، أو يَحِلَّ عليَّ سَخطُك.

لَكَ العُتبى حتّى تَرضى، وَ لا حولَ وَ لا قُوّةَ إلاّ بِكَ»(1) .

هذه الكلمات وهذا الدعاء هي استغاثة شخصية عاش خمسين سنة عزيزاً مكرماً في ظلّ حماية من دافعوا عنه بصدق واخلاص ودفعوا عنه كل اذى ولكنه الآن يضيق عليه رحب الحياة حتّى يلجأ إلى حائط عدوٍّ من اعدائه، ويجلس في ظل شجرة، مكروباً موجَعاً ينتظر مصيره .

فلما رآه إبنا ربيعة «عتبة وشيبة» وكانا من الوثنيين ومن أعداء الإسلام وشاهدوا مالقي من الأذى والعذاب، رَقّا لَهُ فدعوا غلاماً لهما نصرانياً من أهل نينوى يقال له «عداس» فقالا له: خذ قطفاً من العنب فضَعهُ في هذا الطبق ثم اذهب به إلى هذا الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل بالعنب حتّى وضعه بين يدي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم قال له: كل، فلما وضع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيه يده قال: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» .

فتعجب عداس من ذلك بشدة وقال: واللّه إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلاد.

فقال له رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومِن أهل أي البلاد أنتَ وما دينك؟

قال: أنا نصراني، من أهل نينوى.

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى .

فقال له عداس: وما يدريك ما (من) يونس بن متى؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (2): ذاك أخي كان نبياً وأنا نبىّ، أنا رسول اللّه،


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 420 .
2 - وفي رواية البحار: ج 19، ص 6 جملة اعتراضية هنا: ـ وكان لا يحقر أحداً أن يبلغه رسالة ربه - .


(559)

واللّه تعالى أخبرني خبر يونس بن متى .

فأكبَّ عداس على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد رأى في كلماته علائم الصدق وآيات الحق، وجعل يقبّل رأسَه ويديه، وقدميه، وهما تسيلان من الدماء وآمن به، ثم عاد بعد الاستئذان منه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى صاحبيه في البستان .

فتعجب ابنا ربيعة لِما رأياه في غلامهما عداس من الانقلاب الروحي العجيب، وسألاه قائلين: ويلك يا عداس مالك قبَّلت رأس هذا الرجل، ويديه وقديمه وماذا قال لك؟!

فاجابهما الغلام قائلا: يا سيدَىَّ ما في الارض شيء خيرٌ من هذا، هذا رجلٌ صالح لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبىُّ .

فشقَّ كلامُ عداس على إبني ربيعة، وقالا له بنبرة الناصحّ له: ويحك يا عداس، لا يصرفنّك هذا الرجلُ عن دينك فان دينَك خير من دينه!!(1)

النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

يعود إلى مكة:

انتهت ملاحقةُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بلجوئه إلى حائط ابني ربيعة، وكان عليه الآن، وبعد أن يئس من خير ثقيف ان يعود إلى مكة، ولكنَّ عودته إلى مكة لم تكن لتخلو عن مشاكل، لأنه قد فقد نصيره وحاميه ومدافعه الاكبر والا وحد فكان من المحتمل جداً أن يقبض عليه المشركون ويسفكوا دمه .

فقرر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يبقى في منطقة «نخلة» (وهي واد بين الطائف ومكة) بعض الوقت .

لقد كان يريد أن يرسل أحداً إلى شخصية من شخصيات قريش يطلب منها ان تجيره حتّى يدخل مكة بجوار، ولكنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يجد من يقوم له بهذه المهمة. فترك «نخلة» إلى حراء، وهناك التقى رجلا خزاعياً وطلب منه أن


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 419 ـ 421، بحارالأنوار: ج 19، ص 6 و 7 و 22 مع اختلاف يسير .


(560)

يأتي «المطعم بن عدي» بمكة، وكان من الشخصيات المكية البارزة و يسأله أن يجير رسول اللّه ليدخل مكة في أمان من اذى قريش وكيدها .

فدخل الخزاعىّ مكة، وأبلغ المطعم ما طلبه منه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقبل المطعم ـ رغم كونه وثنياً مشركاً ـ ان يجير رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال للخزاعي: ائته فقل له: إني قد أجرتك فتعال .

فدخل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مكة ليلا ونزل في بيت مطعم مباشرة، وبات ليلته هناك، ولما طلعت الشمس من صبيحة غد قال مطعم لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : لتعلمنّ قريش بانك في جوارنا، فاصحبنا إلى البيت، ليروا جوارنا .

فاستحسن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رأيه فاخذ المطعم وأهلُ بيته السلاح ودخلوا مع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المسجد الحرام، وكان ورودهم في المسجد بهيئة رائعة .

وكان أبوسفيان قد كمن للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليكيد به، فلما رأى هذا المشهد المهيب غضب غضباً شديداً، وانصرف عن ايذاء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فجلس المطعم وولده واختانه واخوه، وطاف رسول اللّه بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله.(1) .

ولم يمض على هذه الحادثة زمان طويل حتّى هاجر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 381. بحارالأنوار: ج 19، ص 7 و 8. ويستبعد بعض المحققين ان يكون رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد طلب الجوار من مشرك أو دخل في جوار مشرك، على غرار عدم قبوله الهدية من المشرك وذكر لذلك ادلة ووجوها .
ولكن يمكن الاجابة على هذا بأن الاجارة كانت امراً عادياً في ذلك العصر، ولم يكن فيها ما يوجب شيناً على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم تستلزم منة عليه .
ثم ما المانع في مثل هذا الجوار لو ترتبت عليه مصالح عليا، كتمكين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الدخول بسلام إلى مكة، وتمكنّه من القيام بمهامّه الرسالية، خاصة ان هذا الجوار لم يستغرق إلاّ يوماً أو بعض يوم وتسنّى بعده لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ترتيب اوضاعة في مواجهة الاخطار الّتي كانت تتهدده من جانب المشركين بمكة .


(561)

من مكة إلى المدينة، وتوفي المطعم في أوائل الهجرة في مكة، ولما بلغ رسول اللّه نبأ موته تذكّر ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إحسانه وجوارَه، وانشأ حَسّان بن ثابت شاعر الإسلام شعراً يمدحُه فيه تقديراً لخدمته .

وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتذكره كثيراً، حتّى انه تذكره في واقعة «بدر» الّتي انهزمت فيها قريش وعادت منكسرة إلى مكة بعد أن خسرت كثيراً من رجالها واسر منها عدد كبير، فتذكر مطعم بن عدي ثمة وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لو كان مطعم بن عَدىّ حياً لو هبت له هؤلاء»(1) .

نقطة هامة:

إنَّ سفر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الطائف يكشف عن اصراره في اداء رسالته و استقامته وصبره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما ان تذكُّره لإحسان مطعم في المواقع المناسبة يقودنا إلى خصاله الحميدة وسجاياه. الفاضلة، وخلقه العظيم .

ولكن الاهمَّ من هذا وذاك هو أننا نستطيع من خلال هذا تقييم خدمات أبي طالب القيمة، ومعرفة اهميتها الكبرى عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، بمقايستها مع ما فعله مطعم.

فان مطعم لم يفعل شيئاً إلاّ أن اجار رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحماه يوماً أو بعض يوم .

بينما حدب أبو طالب على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودافع عنه وخدمه عمراً كاملا، ولقى في سبيله من المحن والمتاعب ما لم يلق مطعم منها ولا شيئاً ضئيلا .

فاذا كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعلن عن استعداده للافراج عن جميع الاسرى في «بدر» تقديراً لما قام به مطعم من اجارة بسيطة قصيرة، فماذا


1 - المغازي للواقدي: ج 1، ص 110 ثم قال الواقدي: وكانت لمطعم بن عدي عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اجارة حين رجع من الطائف، طبقات ابن سعد: ج 1، ص 210 و 212، البداية والنهاية: ج 3، ص 137 .


(562)

عساهُ أن يقوم به تجاه ما اسداه إليه عمُّه وحاميه وكافله الاكبر والأوحد أبوطالب من خدمات طوال اكثر من اربعين عاماً أنه يجب ان يكون لمثل هذا الشخص العظيم الّذي كفل صاحب الرسالة وقام بشؤونه مدّة أربعين عاماً بايامها وليالها ودافع عنه في السنوات العشر الاخيرة وهي جلُّ عمر الرسالة الإسلامية في الفترة المكية إلى درجة ان عرَّض راحته وسلامته بل حياته وحياة أبنائه لخطر الموت دفاعاً عن حياض الرسالة، وحمايةً لصرح النبوة، مقاماً عظيماً ومنزلة كبرى عند قائد البشرية، ومعلم الإنسانية، وهاديها العظيم .

كيف لا; والفرق بين هذين الشخصين كبير، والبون شاسع، فمطعم رجل وثني مشركٌ، بينما يعتبر أبوطالب واحداً من كبار الشخصيات الإسلامية العظيمة بلا جدال .

الدعوة في أسواق العرب:

كانت العرب تجتمع ـ في مواسم الحج ـ في نقاط مختلفة مثل: «عكاظ» و «المجنة» و «ذي المجاز»، وكان الشعراء والخطباء العرب البارعُون يقفون في هذه المناطق على أماكن مرتفعة ويلهون فريقاً من الناس بما يلقونه عليهم من خطب وقصائد تدور في الأغلب حول الحرب والقتال، والتفاخر، والعشق.

وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شأن كل الأنبياء والمرسلين الذين سبقوه يستغلّ هذه الفرصة ـ كغيرها ـ لا بلاغ رسالة ربه إلى الناس، ولم يكن لاحد منعه أوالكيد به لحرمة القتال والجدال في الاشهر الحرم .

من هنا كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا حلّ الموسم وقف على مكان مرتفع وخاطب الناس قائلا:

«قُولُوا لا إله إلاّ اللّهُ تُفلِحُوا وتملكوا بها العَرَب وتَذِلُّ لكُمُ لعَجمُ، وَإذا آمَنتُم كُنتُم مُلُوكاً فِي الجَنَّة»(1) .


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 216 .

Website Security Test