welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(499)

20
الحصار الاقتصادي والاجتماعي

إن أبسط وسيلة وأسهلها لضرب الأقليات في أي مجتمع، والقضاء عليها هو ما يسمى بالمكافحة السلبية الّتي تقوم أساساً على اتحاد الأكثرية واتفاقها على مقاطعة الأقليّة المتمرّدة .

إن عكس هذا يحتاج إلى أدوات متعددة مختلفة، لأنه يتطلب مثلا ان يحمل جماعة من المقاتلين السلاح، وتتوجه نحو الاهداف المطلوبة عبر التضحية بقدر كبير من الأنفس والأموال، وازالة العشرات من الموانع والسواتر، وهو أمر لا يُقدم عليه القادة المحنّكون إلاّ بعد توفّر كل مستلزمات المواجهة واتخاذ جميع التدابير اللازمة، والاستعداد الكامل، وبالتالي لا يقدمون على هذه الخطوة ما لم تدعو الضرورة اليها، وتنحصرُ الحيلة في القتال .

ولكنّ المكافحة السلبية لا تتوقف على مثل هذه الاُمور، بل تحتاج إلى أمر واحد وهو اتفاق الاكثرية .

يعني أن يتفق من يعنيهم الأمرُ ولهم عقيدة واحدة ويتحالفوا في ما بينهم بصدق على أن يقطعوا كلَ صلاتهم وعلاقاتهم بالأقليّة المعارضة، فيحرّموا التعامل التجارىّ معهم ويوقفوا الاتصال العائلىّ بهم، ولا يشركونهم في اعمالهم الاجتماعية ولا يتعاونوا معهم في اُمورهم الشخصيّة أيضاً .


(500)

في مثل هذه الحالة تضيق الأَرض على الأقلية بما رحبت وتغدو الدنيا لهم على سعتها كسجن ضيق وصغير، ويصيرون عُرضة للانهيار والسقوط بأقلّ قدر ممكن من الضغط عليها .

إن الاقليّة المخالفة المتمرّدة ربما تستسلم ـ في هذه الحالة ـ وتؤوب من منتصف الطريق، وتطيع إرادة الأكثرية .

ولكن أقلية كهذه لابد أن تكون ممَّن لا تعود مخالفتها للأكثرية إلى أمر عقائدىّ ولا يكون لانفصالها عن الاكثرية طابعٌ اُصولىٌ مبدأىّ، كما لو كان خلافها مع الاكثرية مثلا على تحصيل ثروة أو منصب مهمّ أو ما شاكل ذلك .

فان مثل هذه الاقلية إذا أحسّت بخطر جدّي، أو واجهت العذاب والسجن والحصار ستتراجع عن مخالفتها وتعود إلى طاعة الاكثرية مؤثرة اللّذة العابرة المؤقَّتة على اللذة الإحتمالية، لأنها لم تنطلق من دوافع ايمانية اصيلة، ولم يكن المحرك لها محركاً روحياً معنوياً .

ولكن الجماعة الّتي يقوم خلافُها للاكثرية على أساس الإيمان بهدف مقدس، لن تنصاع أبداً لمثل هذه الضغوط، ولن تنثني أمام هذه الرياح والعواصف، ولا يزيدها ضغطُ الحصار الاّ صلابة وقوة، وإصراراً وعناداً، وتردُّ جميع ضربات العدوّ بالصبر والإستقامة .

إن صفحات التاريخ البشرىِّ تشهد بأن أقوى العوامل لثبات كل أقليّة وصمودها في وجه الأكثرية هو: قوةُ الايمان، وعاملُ الإعتقاد، الّذي ربما يؤدّي رسالة الثبات والمقاومة ببذل آخر قطرة دم في ساحة المواجهة .

ولنا على هذا عشرات بل ومئات الأمثلة من التاريخ الغابر والحاضر .

قريشٌ تحاصر النبىّ والمسلمين اقتصادياً واجتماعياً

لقد شقَّ على قريش انتشار الإسلام المتزايد وأزعجها نفوذه العجيب في القبائل العربية في مدة غير طويلة بالنسبة إلى عمر الدعوة ولهذا كانت تفكر باستمرار في حلّ لهذه المشكلة .


(501)

فان اسلام شخصيات ذات أهمية ومكانة كبرى مثل حمزة، وكذا رغبة فتية قريش المتفتحين في الإسلام، وحرية العمل والتحرك الّتي اكتسبها المسلمون على اثر الهجرة إلى أرض الحبشة، كل ذلك زاد من حيرة، واضطراب الزعامة الجاهلية في مكة، الّتي زادها حيرة، وانزعاجاً، فشل جميع مخططاتها الاجهاضية ضد الإسلام والمسلمين، وعدم حصولها على أية نتائج تذكر!!

من هنا فكرت في خطة جديدة، وهي ان تفرض حصاراً اقتصادياً قوياً على النبىّ والمسلمين تقطع به كل الشرايين الحيوية للمسلمين، وبذلك تحدّ من سرعة انتشار الإسلام وتقف دون نفوذه، وبالتالي تخنق بين كمّاشة هذا الحصار مؤسس هذه العقيدة التوحيدية، وأنصاره .

ولهذا اجتمع زعماء قريش في «دار الندوة» ووقّعوا ميثاقاً كتبه «منصور بن عكرمة» وعلّقوه في جوف الكعبة، وتحالفوا بان تلتزم قريش ببنوده حتّى الموت .

ونصَ هذا العقد على الاُمور التالية:

1- أن لا يبتاعوا من أنصار النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا يبيعوهم شيئاً .

2- ان لا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم .

3- أن لا يؤاكلوهم ولا يكلّموهم .

4- ان يكونوا يداً واحدة على «محمَّد» وانصاره .

وقد وقّعت على هذه الصحيفة الظالمة القاطعة كلُ الشخصيات البارزة في قريش إلاّ «مطعم بن عدي» وأعلنت عن سريان مفعوله بكل قوة وإصرار .

فلما علم حامي النبي الاكبر أبوطالب ـ عليه السلام ـ بذلك جمع بني هاشم و بني المطلب وحمّلهم مسؤولية الدفاع عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والحفاظ على حياته وسلامته، وأمرهم بالخروج من مكة وبدخول شعب كائن بين جبال مكة كان يعرف بشعب أبي طالب فيه بعض البيوت العادية، والسقائف البسيطة جداً، والسكنى في ذلك الشعب بعيداً عن المجتمع المكّي المشرك .

وعمد إلى بث رجال منهم في نقاط مرتفعة للمراقبة والحراسة تحسباً لأي


(502)

هجوم مباغت تقومُ به قريش(1) .

وقد استمر هذا الحصار ثلاثة أعوام كاملة، وبلغ الجهدُ بالمحاصَرين في الشعب بحيث ارتفع صراخ الأطفال من الجوع والضر، وبلغت هذه الصرخات مسامع قساة مكة الاّ انها لم تؤثر فيهم قط .

كان الشباب والرجال منهم يعيشون على تمرة واحدة طوال اليوم، وربما تناصف اثنان تمرة واحدة، ولم يمكنهم الخروج من الشعب طوال هذه السنوات الثلاث الاّ في الاشهر الحرم حيث يسود الأمنُ كل انحاء الجزيرة العربية .

فاذا حلّ الموسمُ كانت بنُو هاشم تخرج من الشعب فيشترون ويبيعون ثم يعودون إلى الشعب إلى الموسم الثاني .

وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يستغلّ هو أيضاً تلك المواسم في نشر دينه، والدعوة إلى ما أتى به.

وكانت عناصر قريش تحاول مضايقة النبي وأنصاره وتمارس الحصار الاقتصادي عليهم بشكل من الأشكال حتّى في هذه المواسم، فكانوا يحضرون عند مواقع البيع والشراء فاذا وجدوا مسلماً يريد أن يبتاع شيئاً اشتروه بثمن أغلى ليمنعوا المسلم منه!!

وكان «أبو لهب» أكثر الناس اصراراً على هذا العمل، فقد كان ينادي في الأسواق: يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمَّد حتّى لا يدركوا معكم شيئاً فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي فانا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافاً حتّى يرجع الرجل المسلم إلى اطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربّحهم فيما


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 350، وتاريخ الطبري: ج 2، ص 78، وقد كتبت هذه الصحيفة الظالمة في الليلة الاُولى من السنة السابعة للبعثة وعندما عرف ابوطالب بأمرها أنشد قصيدة في ذمهم مطلعها:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمَّدا * نبياً كموسى خُطَّ في أول الكُتب


(503)

اشتروا من الطعام واللباس!!(1) .

وكان «الوليد بن المغيرة» ينادي: أيّما رجل منهُم وجدتموه عند طعام يشتريه فزيدوا عليه فكانت قريش تباكرُهم إلى الأسواق فيشترونها فيغلونها عليهم .

وضع بني هاشم المأساوي في الشِعب

لقد بلغ الجهد والجوع بالمحاصَرين في الشعب حدّاً جعلهم يأكلون كل ما تقع عليه ايديهم من الخبط وورق السمر حتّى أن «سعد بن أبي وقاص» يقول: لقد جعت حتّى أني وطئتُ ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن(2) .

هذا وقد بثّت قريش جواسيسها على الطرق المؤدّية إلى الشعب ليمنعوا من إيصال الطعام إلى من فيه فلا يصل إليهم شيء إلاّ سراً و مستخفى به ممّن أراد صلتهم من قريش .

فقد روي أن «حكيم بن حزام» (ابن اخ خديجة) و «أبو العاص بن الربيع» و «هشام بن عمرو» كانوا يسرّبون إلى «بني هاشم» في الشعب سرّاً وفي أواسط الليل تحت جنح الظلام، فكان الواحد منهم يحمل قمحاً وتمراً على بعير ويأتي به إلى باب الشعب ثم يصيحُ بها فتدخلُ الشعب ويأكله بنو هاشم.

وربما صادفهم بعض جواسيس قريش، فهمُّوا بقتله، أو سبّبوا له بعض المتاعب .

فقد روي أن «حكيم بن حزام» خرج يوماً ومعه انسان يحمل طعاماً إلى عمته خديجة بنت خويلد (زوجة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكانت معه في الشعب طيلة أعوام الحصار) إذ لقيه «أبوجهل» فقال له: تذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ واللّه لا تبرح أنت ولا طعامَك حتّى أفضحَك عند قريش بمكة .


(1) و (2) السيرة النبوية: ج 1، ص 337 الهوامش .


(504)

فقال له أبو البخترىّ ـ وكانَ من أعداء الإسلام هو أيضاً ـ : تمنعه أن يرسل إلى عمته بطعام كان لها عنده؟

فأبى «ابوجهل» أن يدعَه إلا أن يأخذه إلى قريش، فقام إليه «ابوالبختري» بساق بعير فضربه ووطأه وطئاً شديداً»(1) .

وخلاصة القول; أن قريشاً بالغت في تضييق الحصار على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن تبعه حتّى أن من كان يدخل «مكة» من العرب. كان لا يجسر على أن يبيع من بني هاشم شيئاً ومن باع منهم شيئاً انتهبوا ماله، وكان «أبوجهل»، و «العاص بن وائل» و «النضر بن الحارث بن كلدة»، و «عقبة بن أبي معيط» يخرجون إلى الطرقات الّتي تدخل «مكة» فمن رأوه معه ميرة وطعام نهوه ان يبيع من بني هاشم شيئاً، ويحذرون إن باع شيئاً منهم نهبوا ماله .

كما وعدوا على من أسلم فاوثقوهم وآذوهم واشتدّ البلاء عليهم، وأبدت قريش لبني عبدالمطلب الجفاء .

ولكن لم يستطع كلُ ذلك أن يفتَّ في عضد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقلل من إصراره وثباته على الطريق، ولا مِن اصرار أتباعه وثباتهم وإيمانهم .

وأخيراً تركت صرخاتُ أطفالُ بني هاشم في الشعب من الجوع والعري والجهد والضر، وأوضاعهم المأساوية أثرها في نفوس بعض المشركين الموقعين على تلك الصحيفة الظالمة، وذلك الميثاق المشؤوم، فندموا على إمضائهم لتلك المقاطعة بشدة وصاروا يفكّرون في نفضها بشكل من الأشكال .

فمشى «هشام بن عمرو» إلى «زهير بن أبي اُمية» (وكان من أحفاد عبدالمطلب من جانب بناته) وقال له وهو يحثه على نقض الصحيفة: يا زهير أقد رضيت أن تأكلّ الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يُباعون ولا يُبتاع منهم، ولا يُنكحون ولا يُنكحُ إليهم؟


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 354، هذا ويشكّك أحد المحققين في نوايا حكيم بن حزام في هذا العمل، وفي أن يكون قد حصل بدافع الوفاء لوشيجة القربى، بل كان بدافع الربح الاكثر لما ثبت ـ حسب قوله ـ من انه كان يحتكر الطعام على عهد رسول الّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


(505)

أمّا إني أحلِفُ باللّه أن لو كانُوا أخوال أبي الحكم (أي أبي جهل) ثم دعوته إلى ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبداً ؟

فقال زهير: ويحك يا هشام فماذا أصنع؟ إنما أنا رجلٌ واحدٌ واللّه لو كان معي رجلٌ آخر لقمتُ في نقضها حتّى أنقضَها. قال: قد وجدتَ رجلا .

قال فمن هو؟ قال: أنا .

قال له زهير: أبغنا رجلا ثالثاً. فذهب إلى «المطعم بن عدي» فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهدٌ على ذلك، موافقٌ لقريش فيه! أما واللّه لئن أمكنتُموُهم من هذه لتجدنَّهم إليها منكم سراعاً ؟

قال: ويحك! فماذا أصنع؟ انما أنا رجلٌ واحدٌ .

قال: قد وجدتَ ثانياً .

قال: من هو؟ قال: أنا .

قال: أبغِنا ثالثاً .

قال: قد فعلتُ.

قال: مَن هوَ؟

قال: زهير بن أبي اُمية .

قال: ابغِنا رابعاً .

فذهب إلى «البَختري بن هشام» فقال له نحواً مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا ؟

قال: نعم.

قال: من هُوَ؟

قال: «زهير بن أبي اُمية» و «المطعم بن عدىّ» وأنا معك .

فقال: ابغنا خامساً .

فذهب إلى «زمعة بن الأسود بن المطلب» فكلَّمه وذكر له قرابتهم وحقّهم فقال له: وهل على هذا الأمر الّذي تدعوني إليه من أحد؟


(506)

قال: نعم... ثم سمّى له القوم الذين وعدوه بالمساعدة على نقض تلك الصحيفة القاطعة الظالمة .

فاتفقوا على أن يحضروا في أندية قريش في المسجد ويُعلِنُوا مخالفَتهم لتلك الصحيفة .

فلمّا أصبحوا غَدوا إلى مجلس قريش في المسجد الحرام فأقبل «زهير بن أبي اُميّة» على الناس وقال:

يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبسُ الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يُبتاعُ منهم؟ واللّه لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة .

فقال أبوجهل وكان في ناحية المسجد: كذبتَ واللّه لا تُشقّ .

فانتصر زمعة لزهير وردَّ على أبي جهل قائلا: أنت واللّه أكذبُ، ما رضينا كتابَها حيث كتبت .

وقال أبوالبختري من ناحية مؤيّداً موقف زميله: صدق زمعةُ لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقرّ به .

وقال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى اللّه منها، وممّا كتب فيها.

وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك .

فأحسّ أبوجهل بأنَّ ذلك كان أمراً مبيَّتاً مدبَّراً من قبل فقال:

هذا أمرٌ قُضِىَ بليل، تُشُوور فيه بغير هذا المكان .

وكان أبوطالب ـ حسب بعض الروايات التاريخية ـ جالساً ذلك اليوم في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقَّها فوجد (الإرضة)(1) قد أكلتها، إلاّ «باسمك اللَّهمَ» الّتي صُدرَت بها تلك الصحيفة وهي جملة كانت قريش تبدأ بها عهودَها ورسائلها.

فلما رأى «أبوطالب» ذلك رجع إلى الشعب وأخبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - وهي دودة بيضاء شبه النملة وهي آفة كل شيء من خشب أو نبات راجع لسان العرب مادة: ارض .


(507)

بما جرى، وعاد المحاصَرون في الشعب إلى منازلهم مرة اُخرى بعد المشورة مع «أبي طالب».

ويروي طائفةٌ من المؤرخين أنّ «خديجة» و «أبا طالب» أنفقا أموالَهما برمّتها خلال سنوات المحاصرة .

وفجأة نزل ملك الوحي «جبرئيل» على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الشعب، وأخبره بان اللّه قد بعث على صحيفة المشركين القاطعة دابّة الأرض فلحست (أو اكلت) جميع ما فيها من قطيعة وظلم وتركت جملة «باسمك اللّهمّ» فأخبر رسولُ اللّه أباطالب بذلك قائلا يا عمّ إنّ ربّي اللّه قد سلّط «الإرضة» على صحيفة قريش فلم تَدع فيها إسماً هوللّه إلاّ أثبتتهُ فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان .

فقال أبوطالب: إذن لا يدخلُ عليك أحَدٌ(1) .

ثم قامَ ولبسَ ثيابَه، ومشى هو ورسولُ اللّه وشخصٌ آخر حتّى دخلوا المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه، فلما دَنا أبوطالب منهم قامُوا إليه وعظَّموه، وتباشروا وظنّوا أن الحصَر والبلاء حمل أباطالب على التخلّي عن موقفه، فقالوا له: قد آن لك أن تطيب نفسُك عن قتل رجل في قتله صلاحُكم وجماعتكم (أو قد آن لك أن تسلّم إلينا ابن أخيك) .

فقال أبو طالب: واللّه ما جئت لهذا، ولكنَّ ابن أخي أخبرني ولم يكذّبني أنّ اللّه تعالى أخبَرهُ أنه بعث على صحيفتكُم القاطعة دابَّة فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وترك اسم اللّه، فهلم صحيفتكم فان كان حقاً فاتقوا اللّه وارجعُوا عمّا أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرَّحم.

وإن كان باطلا دفعتُه إليكم فان شئتم قتلتمُوهُ، وإن شئتم استحييتموه.

فقالوا: رضينا، وتعاقدوا على ذلك .


1 - وإنّما اتخذ مثلَ هذا الاجراء حتّى لا يفشوا ذلك الخبر فيبلغ المشركين فيحتالُوا للصحيفة ويكذّبوا بذلك خبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


(508)

ثم بعثوا إلى الصحيفة وأنزلوها من الكعبة، وعليها أربعون خاتماً .

فلما أتَوابها نَظر كلُ رجل منهم إلى خاتمه، ثم فكوها فاذا ليس فيها حرفٌ واحدٌ إلاّ «باسمك اللّهمَّ»، كما اخبرهم بذلك رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

غير أنَّ هذا لم يوجب هدايتهم بل زادهم شراً وعناداً ورجع بنو هاشم مرّة اُخرى الى الشعب وبقوا محاصرين فيه مدّة من الزمن ولم يمكنهم الرجوعُ إلى منازلهم بمكة إلاّ بعد أن نقضها هشام .

وقد قال «أبوطالب» في مدح هذا (أي نقض الصحيفة القاطعة والنَفر الذين قاموا بنقضها) قصيدة مطوَّلة جاء في مطلعها .

ألا هل أتى بَحريُّنا(1) صنعُ ربّنا * على نأيهم واللّه بالناس أرودُ(2)

فيخبرهم أنَّ الصحيفة مُزّقَت * وان كلُّ ما لم يَرضه اللّه مُفسدُ(3)

هذه أمثلةٌ ونماذجُ من رُدود الفعل الظالمة والمواقف المناوئة الّتي اتخذتها قريشٌ تجاه الدعوة المحمدية .

على أنه لا يمكن الادّعاء القطعىّ بأن جميع هذه الردود قد وقعت على الترتيب الّذي ذكرناه تماماً، ولكن يمكن بمراجعة النصوص التاريخيّة تحصيل مثل هذا الترتيب وخاصّة أن مسألة انتهاء المحاصرة الاقتصادية قد وقعت في منتصف شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة الشريفة .

كما أنَّ أذى قريش وردود فعلها ضدّ الإسلام والمسلمين وضدّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصّة لم تنحصر في ما ذكرناه في هذه الفصول بل كانت هناك أساليب اُخرى سلكتها قريش لتحطيم شخصية النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأضعاف عزيمته مثل وصفهم للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالأبتر .

فقد كان «العاصُ بن وائل السهمي» إذا ذكر رسول اللّه قال: دعوهُ، فانَّما هو رجلٌ أبترٌ لا عقب له، لومات لا نقطع ذكره واسترحتم منه .


1 - يقصد من هاجر من المسلمين إلى الحبشة في البحر .
2 - أي أرفقُ .
3 - السيرة النبوية: ج 1، ص 377 ـ 380 و قد أدرج ابن هشام القصيدة بتمامها، فراجع .


(509)

فانزل اللّه تعالى في ذلك سورة الكوثر الّتي يقول فيها:

(بسم اللّه الرحمن الرَّحيم إنّا أعْطَيْناكَ الكوثَر فَصَلِّ لِربِّك وَانْحَرْ * إنَّ شانئكَ هُوَ الأَبْت) .

وقد أخبر بها اللّه نبيَّه بأنه سيهبُه ذريّة كثيرة(1) .

ولقد كتبَ العلاّمة الفخر الرازي في تفسيره لهذه السورة(2): المعنى أنه يعطيه نسلا يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتِلَ من أهل البيت؟ ثم العالم ممتلىء منهم، ولم يبق من بني اُميّة في الدنيا أحدٌ يُعبأبه .

ووجه المناسبة أن الكافر شمت بالنبىّ حين مات أحد أولاده وقال: ان محمَّداً ابتر فان مات مات ذكره، فانزل اللّه هذه السورة على نبيّه تسلية له كأنه تعالى يقول: ان كان ابنك قد مات فانا اعطيناك فاطمة، وهي وإن كانت واحدة وقليلة، ولكن اللّه سيجعل هذا الواحد كثيراً .


1 - السيرة النبوية: ج 1 ص 393 و جميع التفاسير .
2 - مفاتيح الغيب: الجزء الثلاثون، سورة الكوثر.


(510)


(511)

21
وَفاة أَبي طالب
وخديجة الكبرى

في الوَقت الّذي كنّا نسطّر فيه مواضيع هذا الفصل كان سجن «القطيف» يضمُّ بين جدرانه شاباً حر الضمير شجاعاً مقداماً له يكن له من ذنب إلاّ أنه الّف كتاباً باسم «أبو طالب مؤمن قريش» يتناول إسلام «أبي طالب» وإيمانه وإخلاصه مثبتاً كل ذلك من مصادر أهل السنّة(1) .

فطلبت منه السلطات القضائيّة في الحجاز ـ وفي عصر يتسمُ بحرّية التفكير والبيانِ والإعتقادِ ـ بأن يتراجع عن كلامه، وحيث إنه لم يكن ليريد أن ينكر حقيقة اعتقد بها عن قناعة ويقين، حكمت عليه تلك السلطات بالاعدام .

وقد نجا هذا الفتى الشجاع والكاتب الحرّ من الاعدام اثر جهود اسلامية واسعة وخُفِضت عقوبته إلى الحبس المؤبّد، الّذي خفّض اثر جهود اسلامية مرّة اُخرى إلى عقوبة الجَلد ثمانين جلدة!!.

وهو الآن يلبث في أحد السجون بانتظار المصير، المجهول إذ على المسلمين إما أن يهتمّوا بالأمر ويطلبوا من السلطات القضائية السعودية صرف النظر عن


1 - والكتاب يقع في 340 صفحة طبع بحجم الوزيري وطُبع في بيروت مراراً وقدّم عليه الأديبُ اللبناني المعروف «بولس سلامة» صاحب ملحمة الغدير و ملاحم اُخرى .


(512)

عقوبته، بل والافراج عنه نهائياً .

وإما أن يفقد هذا الشاب المجاهد الشجاع البريء حياته تحت سياط تلك السلطات الجائرة الحاكمة زوراً وقهراً على أرض الحجاز(1)(2) .

لقد سقطت مؤامرة الحصار الاقتصادي ضدّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بفعل إقدام ثلة من ذوي المروءة وأيضاً بفضل صمود النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وثباتهم العظيم. وخرج النبىّ وأنصاره من «شِعب أبي طالب» بعد ثلاث سنوات من النفي والعذاب وعادوا إلى منازلهم ظافرين مرفوعي الرؤوس .

وعاد التعامُل الاقتصادي مع المسلمين إلى ما كان عليه قبل الحصار، وكانت أوضاع المسلمين تسير نحو الانتعاش والانفراج شيئاً فشيئاً، وإذا برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يُفاجَأ بحادث مؤلم مرٍّ ذلك هو وفاة شخصية كبرى أحدث فقدانها أثراً سيّئاً في نفوس المسلمين وبخاصة المستضعفين منهم .

ولقد كان هذا الأثر عظيماً جداً بحيث لا يمكن قياسه بشيء بالنظر إلى تلك الظروف الحساسة، وذلك لأن نمو أية عقيدة وفكرة إنما يكون في ظل عاملين أساسيّين: أحدهما: حرية التعبير، والآخر: القوة الدفاعية الّتي تحمي أصحاب تلك العقيدة والفكرة ضدّ حملات الخصوم الّتي لا ترحم .

ولقد كان المسلمون ـ آنذاك ـ يتمتعون بحرية البيان والتعبير، ولكنهم افتقدوا بسبب الحادث المفاجىء المذكور العاملَ الجوهري والمصيري الثاني يعني: حامي الإسلام والمدافع الوحيد عنه الّذي وافته المنية في تلك الايام الحساسة


1 - لقد سمّيت أراضي «الحجاز» و «نجد» و «تهامة» باسم عائلة واحدة هي آل سعود، واخيراً حملت هذه المنطقة الّتي كانت تُعرف وحتّى إلى ما يقرب من قرنين بارض الحجاز اسم المملكة العربية السعودية، ياله من استئثار وجرأة على المقدسات!!
2 - واخيراً نجا هذا الشاب المؤمن والمجاهد الحرّ بفضل جهود علماء الشيعة و مفكّريهم المتضافرة والواسعة النطاق واُخلي سبيله وقد زار ـ للاعراب عن شكره ـ مدينة قم المقدّسة وقد التقينا به أيضاً كما زار اماكن أُخرى لنفس الغرض .


(513)

وحُرم المسلمون بوفاته من حمايته ودفاعه، ووقايته .

* * *

أجل لقد فَقَد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حاميه العظيم الّذي تولى مهمة كفالته والدفاع عنه، والمحافظة على حياته بصدق واخلاص وجدّ و رغبة وكان يقيه بنفسه وذويه ويؤثره على نفسه وأولاده وينفق عليه من ماله حتّى كَبُرَ وصار له مال وطول منذ أن كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السنة الثامنة من عمره وحتّى يوم وفاة ذلك الحامي العظيم، ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الخمسين من عمره .

لقد فَقَد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شخصيةً خاطبها عبدُالمطلب عند وفاته بالشعر قائلا:

اُوصِيكَ يا عَبدَ مناف بعدي * بموحد بَعدَ أبيهِ فَردِ

فأجابه أبوطالب قائلا: يا أبَه لا توصِيَّنِ بمحمّد فانه إبني وابن أخي(1) .

ولعلّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تذكر في اللحظة الّتي ظهر فيها على جبين ابي طالب عرقُ الموت جميع الحوادث الحلوة والمرة وقال في نفسه:

1- إن هذا الشخص المسجّى على فراش الموت هو عمّه الرؤوف الّذي ظلَّ يحرسه بالليل والنهار طيلة سنوات الحصار في الشعب، فاذا جاء الليل قام عند رأسه بالسيف يحرسه. ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مضطجع ثم يقيمه من فراشه إذا مضى شطرٌ من الليل ويضجعه في موضع آخر ويضجع مكانه ولده «علي بن أبي طالب» حتّى لا تغتاله قريش بعد أن رَصَدوا مكانه، وكمنوا له، وكان يفعل أبوطالب ذلك طوال الليل كله فيفديني بولده «علي» ويقيني به حتّى إذا قال له «عليٌ» ليلة:

«يا أبتاه إني مقتول ذات ليلة» .

فأجابه أبوطالب بنبرة المتحمّس الصبور:


1 - عمدة الطالب: ص 6 و فيه :بواحد، المناقب: ج 1، ص 21 .


(514)

إصبِرَن يا بُنَىَّ فَالصبِرُ أحجى * كُلُّ حَىٍّ مَصِيرُه لِشُعُوبِ

قَد بَلَوناك وَ البَلاءُ شَديدٌ * لِفِداءِ النَجِيبِ وَ ابنِ النَجيبِ

فأجابه «علىٌّ» بكلام اكثر حلاوةً وعمقاً قائلا:

أَتَامُرُني بالصَّبرِ في نَصر أحمَد؟ * وَ وَاللّهِ ما قُلتُ الّذي قُلتُ جازعاً

وَلكِنَّني أَحبَبتُ أن تَرَ نُصرَتي * وَ تعلَمَ أَنّي لَم أَزَل لَكَ طائِعاً(1)

2- إن هذا الجثمان الّذي فارقته الروح هو جثمان عمّي العطوف الّذي شُرّدَ هو وذووه، وعرَّض نفسَه وأهلَه للبَلاء والمحنَة بسبب الحصار لأجلي، وأمر بأن يحرسونني ليلَ نهار، تاركاً زعامته وسيادته، وكلّ شؤُونه للحفاظ علىَّ والإبقاء على رسالتي وأرسل إلى قريش رسالةً قويةً أعلنَ فيها عن وُقُوفه إلى جانبي وانه لن يسلمني ويخذلني مادام حيّاً إذ قال:

فَلا تَحسبُونا خاذِلين مُحمَّداً * لذي غُربة مِنّا وَ لا مُتَقرّب

سَتَمنعُه مِنّا يَدٌ هاشِميّةٌ * وَ مَركَبُها في الناسِ أخشن مركب(2)

بعد أن تحقق موت «ابي طالب» ارتفع الصراخ والنحيب من منازله وبيوته، واجتمع حول بيته العدوُّ والصديقُ، والقريبُ والبعيد، واشترك الجميعُ في مراسيم دفنه بقلوب آلمتها الفجيعة به، وقرّحها الحزنُ عليه .

وهل ترى تنتهي آثار وردود فعل وفاة شخصية عظيمة الشأن مثل «ابي طالب» الّذي كان زعيم قريش، وسيد عشيرته بمثل هذه السرعة، والبساطة؟

كلا بل سيكون لفقدانه اكبر الأثر على مسيرة الدعوة كما ستعرف ذلك مستقبلا .

نماذج من مشاعر أبي طالب

ان التاريخ البشرىّ يحتفظ في صفحاته بأمثلة كثيرة عن مشاعر تبادَلها


1 - مناقب ابن شهر آشوب: ج 1، ص 64، الحجّة: ص 70، بحارالأنوار: ج 19، ص 1 ـ 19 .
2 - بحارالأنوار: ج 19، ص 4 .


(515)

الأشخاصُ وعواطف وديّة قويّة أبداها البعض تجاه بعض تدورُ اكثرها حول محور الدوافع المادية كالتي تدور حول معيار الجمال أو المال، ولهذا سرعان ما يذهب الحماسُ وتنطفىءُ شعلةُ الحبّ، ويتضاءل لهيبُ العاطفةُ في كيانهم حتّى تزول بالمرَّة ولا يبقى منها شيء أبداً لعدم ثبات هذه الدوافع .

ولكنَّ المشاعرَ والعواطفَ الّتي تنبعُ من أواصر الايمان بفضائل شخص ما وكمالاتِه الروحية والمعنوية لا تنمحي ولا تتلاشى بسرعة .

وقد كانت مودة «أبي طالب» لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحبّه الشديد له تنبع من كلا هذين الدافعّين.

فقد كان «أبو طالب» يؤمن بمحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويرى فيه من جانب الإنسان الكاملَ، بل يعتبره في قمة الكمال الانساني، ومن جانب آخر كان «محمّد» ابن أخيه، وقد أحلّه ذلك من قلبه محلّ الابن والأخ .

لقد كانت لصفات «محمّد» وخصاله المعنوية والأخلاقية، وطهره مكانة كبرى في قلب عمّه «أبي طالب» إلى درجة أنه كان يصطحبه معه إلى المصلّى، ويستسقي به اي انه يقسم على اللّه بمقامه أن يدفعَ عن الناس القحط والجدب وينزّلَ عليهم الغيث، فكانت دعوتُه تستجاب من دون تأخير .

فقد نقل كثيرٌ من المؤرخين الحادثة التالية:

قحط الناسُ في «مكة» وحواليها سنةً من السنين، ومَنعتِ السماء والأرض بركاتها عنهم بشكل عجيب، فمشت قريش بعيون باكية إلى «أبي طالب» تطلب منه بالحاح أن يستسقي لهم، وان يذهب إلى المصلى ويدعو ربّه لينزِّلَ عليهم المطر وينقذهم من تلك المحنة الصعبة .

فخرج «أبو طالب» وقد أخذ بيد غلام كأنه شمسُ دجن تجلّت عنها غمامة فاسند ظهره إلى الكعبة ورفع وجهه نحو السماء وقال: يا رب هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً، دائماً هاطلا .

ويكتب المؤرخون ان السماء كانت صافية لا غيم فيها أبداً ساعة استسقى «أبو طالب» برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولكن ما ان فرغ «أبوطالب» من دعائه


(516)

إلاّ وأقبلت السحاب في الحال، وغطّت سماء «مكة» وما حولها من المناطق القريبة اليها، وارعدت السماء وأبرقت ثم جرى غيث عظيم سالت به الأودية، وروّت القريب والبعيد، وَسُرّ به الجميع ورضوا(1) .

وقد اشار «أبوطالب» في لا ميّته المعروفة إلى هذه الحادثة .

وقد أنشأ «أبوطالب» تلك القصيدة في أحلك الظروف واشدّها، يوم زادت قريشٌ من ضغوطها على حامي الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليسلِّمَ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إليها.

وقد ذكَّر فيها «أبوطالب» قريشاً بحادثة الاستسقاء برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل الإسلام وكيف أنها اُمطِرَت ببركته، بعد قحط طويل، وجدب مهلِك، كاد يبيد الحرث والضرع، وذلك عندما يقول:

وابيض يُستسقى الغمامُ بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل

تلوذُ به الهُلاك مِن آل هاشم * فهم عندَهُ في نعمة وفواضل

وقد نقل «ابن هشام» في سيرته(2) أربعة وتسعين بيتاً من هذه القصيدة، فيما أورد «ابن كثير» الشامي في تاريخه(3) إثنين وتسعين بيتاً فقط .

وهي قصيدة في منتهى الروعة والعذوبة، وفي غاية القوة والجمال، وتفوق في هذه الجهات كل المعلقات السبع الّتي كان عرب الجاهلية يفتخرون بها، ويُعدونها من ارقى ما قيل في مجال الشعر والنظم .

وقد أورد «ابو هفان العبدي» الجامع لديوان «أبي طالب» مائة وواحد وعشرين بيتا من هذه القصيدة في ذلك الديوان، ويمكن أن تكون كلُ تلك القصيدة وتمامها .

ونحن نورد هنا أبياتاً متفرقة من هذه القصيدة مما يتصل منها برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بصورة صريحة .


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 2 و 3، السيرة الحلبية: ج 1، ص 111 ـ 116، الملل والنحل المطبوع بهامش الفصل في الأهواء والملل: ج 3، ص 225 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 272 ـ 280 .
3 - البداية والنهاية: ج 3، ص 52 ـ 57 .


(517)

كَذِبتُم وبيتِ اللّه نبزى محمّداً * ولما نطاعِن دونه ونناضل(1)

ونُسلِمُه حتّى نُصرَّعَ دونَه * ونَذهَل عن أبنائنا والحلائِل

لَعمري لقد كلّفتُ وجداً بأَحمد * وإخوته دأبَ المحبِّ المواصل

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * و زَيناً لمن والاه ربُّ المشاكل(2)

فَمنَ مثلُه في الناس أيُ مؤمَّل * إذا قاسَهُ الحُكام عند التفاضل

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش * يُوالي إلاها ليس عنه بِغافِلِ

لقد علِمُوا أنَّ ابْننا لا مكذَّبٌ * لدينا ولا يُعنى بقولِ الأباطِل

فأصبَحَ فينا احمدٌ في اُرومة * تقصّر عنه سَورة المنظاول(3)

حَدِبْتُ بنفسي دونَه وحميته * ودافعتُ عنه بالذُّرا والكلاكل(4)

فَأيّدَهُ ربُّ العباد بنصره * وأظهرَ ديناً حقُّه غير باطل(5)

التغيير في برنامج السفر

لم يكن يمض اكثر من إثني عشر ربيعاً من عُمُر «محمّد» بعد، عندما أراد «أبوطالب» التوجّه إلى الشام مع قافلة قريش التجارية .

وعندما استعدّت القافلة لمغادرة مكة ودق جرس الرحيل، أخذ «محمّد» فجأة بزمام الناقة الّتي كان يركبها عمُّه وكافله «أبوطالب» بينما اغرورقت عيناه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالدموع وقال:

«يا عمّ إلى مَن تكلني، لا أب لي ولا اُم»؟.

هذا المشهد المؤثر وبخاصة عند ما رأى «أبوطالب» عيني محمّد وقد اغرورقت بالدموع، فعل فعلته في نفس العم الكافل الحنون، فانحدرت عبرات العطف من عينيه وقرر من فوره ومن دون سابق تفكير في الموضوع أن يصطحب ابن اخيه «محمّداً» معه في هذا الرحلة، ومع أنه لم يحسب لهذا الامر ـ من قبل ـ


1 - اي نُغلَبَ عليه .
2 - المشاكل: العظيمات من الامور .
3 - السورة: الشدة والبطش .
4 - الذرا: جمع ذروة وهي اعلى ظهر البعير .
5 - راجع السيرة النبوية: ج 1، ص 272 ـ 280 .


(518)

أي حساب فان «أباطالب» قبل بان يتحمّل كل ما يترتب على قراره هذا، فحمله معه على ناقته، وبقي يفكر في أمره، ويدبّر شأنه، ويحافظ عليه طوال تلك الرحلة، وشهد منه اثناء الطريق كرامات وخوارق، وقد أنشأ في ذلك قصيدةً موجودةً في ديوان أبي طالب، ومطلع هذه القصيدة هو:

إنَّ ابن آمنة النبىّ محمّداً * عندي يفوقُ منازلَ الأولاد(1)

* * *

الدِفاعُ عن حوزة العقيدة والايمان

ليست هناك قوةٌ تساعد على الثبات والمقاومة، والصمود والاستقامة، مثل قوة الايمان، فالايمان بالهدف هو العامل القوي وراء تقدّم الإنسان في ميدان الحياة، فهو الّذي يهضم في نفسه كل الالام والمتاعب، ويدفع بالمرء إلى المضي قدماً في طريق الوصول إلى أهدافه المقدّسة، حتّى ولو كلفه ذلك التعرض للموت .

إنَّ الجندىّ المُسلَّح بقوةِ الإيمان منتصرٌ لا محاله .

إن الجندىّ الّذي يعتقد بأن الموت في طريق العقيدة هو عين السعادة لابدّ أن يحرز النصر.

إن على الجندي ـ قبل أن يسلِّحَ نفسَه بسلاح العصر ـ أن يتزود في قلبه من طاقة الإيمان بالهدف، ويضيء قلبه بمصباح الاعتقاد بالحقيقة، وحبِّها، ويجب أن يكون جهادُه وصلحُه من أجل العقيدة والدفاع عن حوزتها، وكيانها .

إِنَّ أفكارنا وعقائدنا نابعةٌ من روحنا، وفي الحقيقة انَّ فكر الإنسان وليد عقله، فكما أنَّ الإنسان يحبُ ولده الجسماني حبّاً شديداً كذلك يحب أفكاره الّتي هي ولائد عقله وروحه، بل إن حبّ الإنسان لعقيدته اكثر من حبّه


1 - ديوان أبي طالب: ص 33 ـ 35، تاريخ ابن عساكر: ج 1، ص 269 ـ 272، الروض الآنف:ج 1، ص 120 .


(519)

لأولاده الجسمانيّين، ولهذا فهو يدافع عن عقائده حتّى الموت، ويغضي ـ في سبيل الدفاع عن حوزة العقيدة والحفاظ عليها ـ عن كل شيء بينما هو غير مستعدّ لأن يضحي بنفسه في سبيل الحفاظ على اولاده .

إنّ حب المرء للمال والمنصب حبُّ محدود، فهو ينساق مع هذا الحبّ مادام لم يهدّد حياته خطرُ الموت الحقيقي، ولكنّه مستعد لأن يمضي ـ في سبيل الدفاع عن حياض العقيدة ـ إلى حدّ الموت، ويؤثر الموت الشريف في سبيل العقيدة على الحياة، ويَرى الحياة الحقيقية والواقعية في وجود الرجال المجاهدين، وهو يردد:

«إنما الحياة عقيدة وجهاد» .(1)

ولنلق نظرة فاحصة على حياة بطل حديثنا (ونعني به المدافع الوحيد عن الإسلام وحامي الرسول الاوحد في بدايات عهد الرسالة) فماذا كان دافعه إلى هذا الامر، وما الّذي كان يحركه في هذا السبيل؟ واي شيء كان وراء مضيه في هذا الطريق إلى حافة العدم، والغض عن النفس والنفيس، والمقام، والقبيلة وغير ذلك والتضحية بكل ذلك في سبيل «محمّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

إن من المتيقَّن أن دافعه إلى ذلك لم يكن المحرك المادىّ، وبالتالي لم يقصد من وراء الدفاع عن ابن اخيه، وحمايته، والحدب عليه، كسب أمر مادي كتحصيل مال وثروة، لأن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن له يومئذ مالٌ، ولا ثروة .

وكما أن مقصود «أبي طالب» لم يكن أيضاً تحصيل مقام، وأحراز مكانة اجتماعية لأنه كان يملك في ذلك المجتمع أعلى المناصب واهمها، فقد كانت له رئاسه «مكة» والبطحاء، بل هو فقد منصبه وشخصيته الممتازة و مكانته المنقولة بسبب دفاعه عن «محمّد»، وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه اليهم، والتخلي عنه لأن دفاعه عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد استوجب سخط زعماء قريش عليه واستياءهم من موقفه، وخروجهم عن طاعته، ودفعهم إلى التمادي


1 - المراد من العقيدة المقدسة هو بطبيعة الحال ما تذوب «الأنا» فيها في التوحيد والايمان باللّه إذ هنا يصدُق قولُه:

قِف عند رأيك واجتهد * إنّ الحياة عقيدةٌ وجِهاد


(520)

في معاداة «بني هاشم» و «أبي طالب» والثورة عليهم!!

تصَوّرٌ باطلٌ

ربما يتصور بعض ضعفاء البصيرة أن علة حدب «أبي طالب» على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والتضحية في سبيله بالنفس والنفيس كانت هي: علاقة القربى، ووشيجة الرَحِم، أو بتعبير آخر: إِن التعصب القبليّ، والعصبية القومية هو الّذي دفع بأبي طالب إلى ان يعرّض نفسه لكل ذلك المكروه في سبيل ابن اخيه .

ولكنّ هذا ليس سوى مجرّد تصور باطل لا غير، ويتضح بطلانه بدراسة مختصرة لأنه لا تسطيع أية وشيجة قربى على أن تدفع أحداً إلى أن يضحي بنفسه في احد أقربائه إلى هذه الدرجة من التضحية والمفاداة، بحيث يقي مثلا ابن أخيه عليه، ويكون مستعداً لأن يتقطّع ولده بالسيوف إرباً إرباً دون ابن أخيه .

إن العصبيات القبائلية والعائلية وان كانت تدفع بالانسان حتّى إلى حافة الموت، ولكن لا معنى لان تختص، هذه الحماية الناشئة عن العصبية العائلية والقبلية الشديدة بفرد واحد، وشخص خاص معيّن من أفراد العائلة والقبيلة، في حين نجد «أبا طالب» قد قام بكل هذه التضحية في سبيل شخص واحد، وفرد معين (أي النبىّ)، ولا يفعل مثل هذه في سبيل غيره من أبناء «عبدالمطلب» و «هاشم» وأحفادهما ومن ينتمي إليهم بوشيجة القربى ورابطة الرحم .

الدافع الحقيقىّ لأبي طالب

وعلى هذا الأساس فانّ المحرّك والدافِعَ الحقيقىّ لأبي طالب لم يكن أمراً مادياً ولا الجاه والمنصب، أو التعصب القومي، والعائلي، بل كان أمراً معنوياً وأن ضغوط العدوّ وقوّته كانت تدفعه إلى الاستعداد للقيام بأي نوع من أنواع التضحية وذلك الأمر المعنوىّ هو اعتقاده الراسخ برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعتبر «محمّداً» مظهراً كاملا للفضيلة والإنسانية ويعتبر دينه أفضل برنامج


(521)

للسعادة، وحيث أنه كان يحبُّ الحقيقة، ويعشق الكمالَ والحقّ، لذلك كان من الطبيعىّ أن يدافع عن الحق والحقيقة، وينصرهما بكل وجوده، وبكل قواه .

وهذا المعنى هو المستفاد من قصائد «أبي طالب» وأشعاره، فهو يصرح بأن «محمّداً» رسولٌ كموسى وعيسى إذ يقول:

لِيَعلَم خِيارُ النّاسِ أَنَّ مُحمَّداً * نبيّاً كَمُوسى وَ المَسيحِ بنِ مَريَمِ

أَتانا بِهَدي مِثلَ ما أتيا بهِ * فَكُلٌّ بِأمرِ اللّهِ يَهدي وَ يَعصِمِ(1)

ويقول في قصيدة اُخرى:

ألَم تَعلَمُوا أَنَّا وَجَدنا محمّداً * نَبِيّاً كَمُوسى خطّ في أوّل الكُتب(2)

هذا وتعتبر ابياته الّتي سبق أن أشرنا اليها والمئات من أمثالها مما جاء ذكره في ديوان أبي طالب، وفي ثنايا التاريخ والتفسير والحديث شواهد حيّة وقوية على أن محرك «أبي طالب» الواقعي ودافعه الحقيقي إلى الدفاع عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان هو اعتقاده الخالص، واسلامه الواقعي ولم يكن له أي دافع آخر سوى الايمن والعقيدة.

ونحن هنا نكشف النقابَ عن بعض مواقفه في الدفاع عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحمايته بعد اضطلاعه بعبء الرسالة، ونترك لك أيها القاريء بأن تدقّق في مثل هذه المواقف الفدائية ثم تقضي بنفسك: هل تنبع مثل هذه التضحية، ومثل هذا التفاني، والفداء إلاّ من الايمان والاعتقاد؟؟

* * *

لمحات من تضحيات أبي طالب

إجتمع أسياد قريش واشرافها في بيت أبي طالب والنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حاضر، وتبودلت بين الجانبين أحاديث حول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - مجمع البيان: ج 7، ص 37، الحجّة: ص 56 ـ 57، مستدرك الحاكم: ج 2، ص 623 و 624 .
2 - مجمع البيان: ج 7، ص 36، وقد نقل ابن هشام في السيرة النبوية: ج 1، ص 352 و 353 خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة .


(522)

ودينه وما خلق من مشكلات في مكة، وحاول القرشيون اثناء النبىّ عن دعوته وعمله ولكن دون جدوى فلما يئسوا من الحصول على النتيجة الّتي كانوا يريدونها نهضوا من مكانهم ليتركوا بيت «أبي طالب» قال «عقبة ابن أبي معيط» غاضباً مهدداً: لا نعود إليه أبداً، وما خير من أن نغتال محمّداً!!

فغضب «أبوطالب» من هذه الكلمة، ولكنه ماذا عساه أن يفعل فهم ضيوفه، وفي بيته. واتفق أن خرج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من البيت في ذلك اليوم ولم يعد، وجاء «أبوطالب» وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب، ثم قال ـ وهو يظن ان قريشاً كادت برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم، فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحنظلية ـ يعنى أبا جهل ـ فانه لم يغب عن شر ان كان محمّداً قد قتِل، فقال الفتيان: نفعل فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنت معه آنفاً .

فقال أبو طالب: لا ادخل بيتي أبداً حتّى أراه .

فخرج زيد سريعاً حتّى اتى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو في بيت عند الصفا و معه أصحابه يتحدثون فاخبره الخبر، فجاء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى أبي طالب فقال: يا ابن أخي: اين كنت؟ اكنتَ في خير؟ قال: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلما اصبح أبوطالب غدى على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاخذ بيده فوقف على اندية قريش و معه الفتيان الهاشميون والمطلبيون فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هممتُ به؟

قالوا: لا، فاخبرهم الخبر، وقال للفتيان اكشفوا عما في ايديكم، فكشفوا، فاذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة. فقال: واللّه لو قتلتموه ما بقّيت منكم أحداً حتّى نتفانى نحن و انتم، فانكسر القوم وكان اشدَّهم انكساراً أبوجهل(1).


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 168، الطرائف: ص 85 .


(523)

لو لاحظت أيها القارىء الكريم هذه الصفحات وغيرها من تاريخ «أبي طالب»، ودرستَ حياته لرأيت كيف ان «أبا طالب» ظلّ طوال اثنين وأربعين سنة بأيامها ولياليها يحدب على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويدافع عنه، ويحاميه، وبخاصة في السنوات العشر الاخيرة من حياته الّتي صادفت بعثة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودعوته، فقد أظهر من الدفاع عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والحرص على حياته، وحماية هدفه اكثر مما يُتصور .

ولقد كان العامل الوحيد الّذي دفعه إلى مثل هذا الموقف الراسخ العظيم في هذا السبيل هو: عمق الايمان برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقوة الاعتقاد الخالص برسالته .

ولو أننا ضممنا إلى تضحياته الشخصية تضحيات ولده العزيز «علىّ» لأدركنا مغزى البيتين الذين انشدهما «ابن ابي الحديد» المعتزلي الشافعي إذ قال:

ولولا أبوطالب وابنُه * لما مَثُلَ الدِّينُ شخصاً وقاما

فذاك بمكّة آوى وَ حامى * وَ هذا بِيَثربَ جَسَّ الحماما(1)

قضيّةٌ ذات بواعث سياسيّة:

ليس من ريب في أنه لو ثبت عُشر هذا القدر من الشواهد الدالّة على اسلام «أبي طالب» وإيمانه بالرسالة المحمّدية، لغيره ممّن هو بعيدٌ عن قضايا السياسة، وخارج عن دائرة الحقد والبغض لا تفق الجميع سنةً وشيعةً على إسلامه وايمانه، ولكن كيف ذهب فريقٌ إلى تكفير «أبي طالب» مع كلّ هذه الشواهد القويّة القاطعة على إيمانه؟ حتّى أنّ فريقاً من الكتاب ذهب إلى أن بعض الآيات المشعرة بالعذاب نزلت في شأنه.


1 - شرح نهج البلاغة: ج 14 ص 84 يقول ابن أبي الحديد: صنف بعض الطالبيين في هذا العصر كتاباً في اسلام أبي طالب، وبعثه اليّ، وسألني ان اكتب عليه بخطي نظماً أو نثراً اشهد فيه بصحة ذلك، وبوثاقة الأدلة عليه (إلى ان قال) فكتبت على ظاهر المجلد هذه الابيات.


(524)

بينما توقّف في هذا الأمر، وذهب أفراد معدودون من علماء السنة إلى الحكم باسلامه وايمانه، ومنهم «زيني دحلان» مفتي مكة المتوفّى سنة 1304 من الهجرة.

ولكن الانصاف هو ان يقال: أن الهدف من طرح هذه المسألة والتوقف في ايمان «أبي طالب» أو تكفيره لم يكن إلاّ الطعن في أبنائه، وبخاصة أميرالمؤمنين الامام علىّ ـ عليه السلام ـ .

ولقد جرّ بعض كتّاب السنّة ـ لتبرير تكفير أبي طالب ـ هذه المسألة إلى غير ابي طالب ووسع دائرة التكفير هذه حتّى شملت آباء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيضاً حيث ذهب إلى أن أبوي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ماتا كافرين أيضاً .

ونحن لا يهمنا هنا أن نعلم بأنّ تكفير والدي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مخالفٌ لاجماع الامامية والزيدية، وكذا جماعة من علماء السنة، ومحقّقيهم، إنما الكلام هو حول من اتّهموا ببساطة متناهية حامي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الوحيد والمدافع عنه بلا منازع .

الأدِلّة على إيمان أبي طالب

إن التعرّف على عقيدة أحد، ومعرفة نمط تفكيره، يمكن عن ثلاث طرق هي:

1- دراسة ما ترك من آثار علميّة وأدبية .

2- اُسلوب عمله، وتصرفاته في المجتمع .

3- رأي أقربائه، وأصدقائه غير المغرضين فيه .

ونحن نستطيع أن نتعرَّف على إيمان «أبي طالب» وعقيدته من خلال هذه الطرق .

فان أشعار «أبي طالب» تدل بجلاء لالُبس فيه على ايمانه وإخلاصه، وكذا تكونُ خدماته القيمة في السنوات العشر الاخيرة من عمره شاهداً قوياً على إيمانه العميق .


(525)

كما وأنَّ رأي أقربائه المنصفين متفق على أنَّ «أبا طالب» كان مسلماً مؤمناً ولم يقل أحدٌ من أقربائه، في حقه بغير هذا أبداً .

وإليك إثبات هذا الموضوع عن هذه الطرق الثلاث على وجه التفصيل:

آثار أبي طالب العلميّة والأدبية

نحن نختار هنا من بين قصائد «أبي طالب» المطوَّلة، بعض الأبيات الّتي تثبت ايمانه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، واعتقاده بالاسلام، في غير ابهام.

1- لِيَعلَم خِيارُ النّاسِ أنَّ مُحمَّداً * نَبيّ كَمُوسى وَ المَسيح بنِ مَريَمِ

أتانا بَهَدي مِثلَ ما أَتيابه * فَكُلُّ بِأمرِ اللّه يَهدِي وَ يَعصِمِ(1)

2- تمنيتموا أن تَقتُلُوهُ وإنّما * أمانيُّكُم هذي كَأحلامِ نائِم

نَبىٌّ أتاهُ الوحىُ من عِندِ رَبّهِ * وَمَن قالَ لا يَقرَع بِها سنَّ نادِم(2)

3- ألَم تَعلَمُوا أنّا وَجَدنا محمّداً * رَسُولا كَمُوسى خُطَّ في أوّلِ الكُتُب

وَ أنَّ عَلَيهِ في العِبادِ محبةً * وَ لا حيفَ في من خصَّهُ اللّه بالحُبّ (3)

4- وَاللّهِ لَن يَصِلّوا إلَيكَ بِجَمعِهم * حَتّى اُوسَّدَ في التّراب دَفينا

فَاصدَع بِأمرِك ما عَلَيْكَ غَضاضةٌ * وَابشِر بِذاكَ وَقرَّ مِنكَ عُيُونا

وَدَعوتَني وعلمتُ أنّكَ ناصِحٌ * وَلَقَد دَعَوت وَ كُنت ثمَّ أمِينا

وَلَقَد عَلِمتُ بأن دِينَ مُحمّد * مِن خَير أديان البَريّة دينا(3)

5- أوتُؤمنوا بكتاب منزل عَجَب * عَلى نَبىّ كمُوسى أوكذِي النون (4)

6- لَقَد عَلِمُوا أنَّ ابنَنا لا مُكذَّبٌ * لَدَينا وَ لا يَعني بِقولِ الأباطِل

فايّده رَبُّ العِبادِ بِنَصرِهِ * وَ اظهَرَ ديناً حَقُّهُ غيرُ باطل(5)


1 - مجمع البيان: ج 7، ص 37، الحجة: ص 57، مستدرك الحاكم: ج 2، ص 623 .
2 و 3 ـ ديوان أبي طالب: ص 32، السيرة النبوية: ج 1، ص 353 .
3 - تاريخ ابن كثير: ج 3، ص 42 .
4 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 14، ص 74، ديوان أبي طالب: ص 173 .
5 - السيرة النبوية: ج 1، ص 272 ـ 280 .


(526)

إِن كلّ واحدة من هذه المقطوعات الشعريّة الّتي تشكل قسماً صغيراً من قصائد مفصّلة لأبي طالب، تشهد بايمانه بدين ابن اخيه «محمّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وخلاصة القول: أنَّ بيتاً واحداً من هذه الأبيات كاف في اثبات ايمان صاحبها وقائلها، ولو أنّ أحداً قالها وهو خارج عن فلك الصراعات السياسية، وبعيد عن دوائر التعصبات والأغراض لحكم الجميعُ ـ بالاتفاق ـ باسلام قائله وايمانه الخالص العميق.

ولكن لما كان «أبوطالب» هو قائلها، وكانت الأجهزة الدعائية في الحكومات الاموية والعباسيّة تعمل بكلّ جهدها ضدّ آل «أبي طالب» من هنا أبى فريقٌ من الناس أن يُثبتوا مِثل هذه الفضيلة الكبرى لأبي طالب ـ عليه السلام ـ .

هذا من جانب.

ومن جانب آخر فانّ أبا طالب والد «علي» الّذي كانت سلطات الخلفاء تعمل ضدّه على الدوام، وتستغل كل الوسائل للحط من شأنه، كان إسلام أبيه وإيمانه بالرسالة المحمدية يُعدُّ فضيلة بارزة من فضائله ـ عليه السلام ـ في حين أن كفر آباء الخلفاء وشركهم يعدُّ مثلبة توجب الحط من شأنهم، وقيمتهم .

وعلى كل حال قام جماعة بتكفير أبي طالب رغم كلِّ هذه الأشعار والأقوال، والمواقف الصادقة، بل لم يكتفوا بذلك، فادعوا نزول آيات من القرآن تدل على كفره، وشركه!!!

الطريق الثاني لا ثبات إيمان أبي طالب

إنّ الطريق الثاني للبرهنة والتدليل على إيمان «أبي طالب» هو مواقفه من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكيفية دفاعه وذبه عنه و حمايته له، وحدبه عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما قام به من خدمات جليلة في هذا الطريق .

ان كل واحدة من هذه الخدمات تستطيع بمفردها ان تكون المرآة الصادقة


(527)

الّتي تعكس فكر «أبي طالب» وعقيدته وما كان يحمله بين جوانحه من إيمان بالرسالة والرسول، واخلاص للّه تعالى .

لقد كان «أبوطالب» هو ذلكم الشخصية الّتي لم يرض لنفسه بان ينكسر قلب ابن أخيه لتركه في مكة، واصطحبه معه إلى الشام في الرحلة التجارية الّتي سبق ذكرها، رغم الموانع الكثيرة، وفقدان الوسائل اللازمة، ورغم ما تَرتب على اصطحابه معه من متاعب .

إن ايمانه بابن أخيه كان عميقاً إلى درجة أنه أخذه إلى المصلّى واستسقى به، مقسماً به على اللّه تعالى أن يكشف العذاب عن قومه، ويرسل رحمته عليهم، فيستجيب اللّه دعاءه، وينزل عليهم غيثاً وافراً ممرعاً، بقيت قصته في ذاكرة التاريخ .

إنه ذلك الرجل الّذي لم يفتأ عن الحفاظ على حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لحظة واحدة، فهو الّذي تحمل في سبيله ثلاثة أعوام عجاف من الحصار الاقتصادي والاجتماعي الصعب، مؤثراً العيش في الشعب وفي شغاف الجبال والوديان القاحلة على زعامة قريش، ورئاسة مكة إلى ان أعيته تلك المحن والمتاعب ففقد بذلك صحته، وانحرف بذلك مزاجه، وتوفّي متأثراً بتلك المتاعب والمصاعب، والمشاق والمحن بعد نقض الصحيفة، وانتهاء الحصار، والعودة إلى المنازل بأيام معدودة!!

لقد كان إيمان «أبي طالب» برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قوياً وراسخاً إلى درجة أنه رضى بأن يتعرّض كل ابنائه لخطر القتل والاغتيال ليبقى «محمّد» ولا يمسُّه من أعدائه أي سوء، فكان يُضجِع ولده علياً في موضعه، حتّى إذا أرادوا إغتياله لا يصيبه شيء وهذا يعني أنه كان يقيه بنفسه وبأولاده .

وفوق هذا كلّه استعدَّ في يوم من الايام لأن يقتل كل زعماء قريش وأسيادها انتقاماً لمحمّد، وكان من الطبيعي أن يقتل في هذا العملية بنو هاشم كلُّهم أيضاً(1) .


1 - راجع الصفحة 522 من هذا الكتاب .


(528)

وصية أبي طالب عند وفاته

وعند وفاته قال لأولاده:

«اُوصيكم بمحمّد خيراً فانّه الأمينُ في قُريش وهو الجامعُ لكلّ ما اُوصيكم به، وقد جاءَ بأمر قبله الجَنان، وانكره اللِسان مخافة الشنئان، وأيم اللّه لكأنّي انظرُ إلى صعاليك العرب، وأهل البرّ في الاطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذناباً، ودُورُها خراباً، وضُعفاؤها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم منه أحظاهم عنده...» .

ثم ختم وصيته هذه بقوله:

يا معشر قريش كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، واللّه لا يسلك أحدٌ منكم سبيله الارشد، ولا يأخذ أحد بهديه الاّ سعد(1) .

نحن لا نشك في أن «أبا طالب» كان صادقاً في اُمنيّته هذه لأن خدماته الكبرى وتضحياته المتواصلة خلال عشر سنوات من بداية عهد الرسالة شاهدة على صدق مقاله، كما كان صادقاً في الوعد الّذي قطعه على نفسه لابن أخيه (محمّد) في مبدأ البعثة عندما جمع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أعمامه وعشيرته الأقربين ودعاهم إلى الإسلام فقال له ابوطالب:

«اُخرج يا ابن أخي فانّكَ الرفيعُ كعباً، والمنيع حزباً، والأعلى أباً.

واللّهِ لا يَسلِقُك لسانٌ الاسلَقتهُ ألسن حِداد، واجتذَبته سيوفُ حداد.

واللّهِ لَتَذلَنَّ لَكَ العربُ ذلَّ البُهم لحاضِنها»(2) .

* * *


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 351 و 352 .
2 - الطرائف تأليف السيد ابن طاووس: ص 85، نقلا عن كتاب غاية السؤول في مناقب آل الرسول تأليف ابراهيم بن علي الدينوري .

Website Security Test