welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(464)


(465)

18
الأسلحةُ الصَديئة
والاساليب الفاشلة

نظّمْ أسياد قريش صفوفهم لمكافحة عقيدة التوحيد، بعد أن أدركوا عقم المواقف المبعثرة من هذا الدّين وأهله .

فقد حاولوا في بداية الأمر أن يُثنُوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن المضىّ في مواصلة دعوته، وذلك بتطميعه بالمال والجاه وماشابه ذلك، ولكن لم يحصلوا من ذلك على شيء، فقد خيّب ذلك الرجلُ المجاهدُ ظنونهم فيه، وبدّد آمالهم في اثنائه عن هدفه بكلمته الخالدة المدوّية: «واللّه لو وَضعوا الشمس في يميني، والقَمر في يساري على أن أترك هذا الأمر لما فعلتُ» وهو يعني ان تمليكه العالم كلَه لا يثنيه عن هدفه ولا يصرفه عن تحقيق ما نُدِبَ إليه وارسل به .

فعمدوا إلى سلاح آخر هو التهديد والأذى، والتنكيل به وباصحابه وانصاره، ولكنهم واجهوا صمودَه وصمود أنصاره واصحابه، وثباتهم الّذي ادى إلى انتصار المؤمنين في هذا الميدان، وخيبة المشركين وهزيمتهم.

وقد بَلَغ من ثبات المسلمين على الطريق أنهم أقدموا على مغادرة الوطن، وترك الأهل والعيال، والهجرة إلى الحبشة فراراً بدينهم إلى اللّه، وسعياً وراء نشره وبثه في غير الجزيرة من الآفاق .

ولكن رغم إخفاق أسياد قريش المشركين في جميع هذه الجهات والميادين


(466)

وعجزهم عن استئصال شجرة التوحيد الفتية، وفشل جميع الأسلحة الّتي استخدموها للقضاء على الدين الجديد وأهله، لم تنته محاولاتهم الإجهاضيّة بل عمدوا هذه المرّة إلى استخدام سلاح جديد حسبوه أمضى من سوابقه .

وهذا السلاح هو سلاحُ الدعاية ضدّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لانه صحيحٌ أن ايذاء وتعذيب جماعة المؤمنين في «مكة» تمنع غيرهم من سُكان «مكّة» من الإنضواء إلى الإسلام إلاّ ان الحجيج الذين كانوا يسافرون إلى مكة في الأشهر الحرُم وكانوا يلتقون رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في جوّ من الأمن والطمأنينة خلال تلك المواسم كانوا يتأثَّرون بدعوة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويتزعزعُ اعتقادهم بالأوثان على الأقل، ان لم يؤمنوا بدينه، ولم يستجيبوا لدعوته، ثم إنهم كانوا ينقلون رسالة الإسلام وانباء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى مواطنهم، ومناطِقهم وكان ينتشر بذلك اسم رسول اللّه، وأنباء دينه في شتّى مناطق الجزيرة العربية، وكان هذا هو بنفسه ضربة قوية توجَّه إلى صرح الوثنية في مكة،وعاملا قوياً في انتشار عقيدة التوحيد، وسطوع أمره .

من هنا اتخذ سادةُ قريش اُسلوباً آخر، قاصدين بذلك الحيلولة دون انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وقطع علاقة المجتمع العربي به .

واليك فيما يأتي بيان تفاصيل هذا الاسلوب، وهذه الخطة:

1- الاتّهاماتُ الباطلة:

يمكن التعرف على شخصية أي واحد وتقييمها من خلال ما يرميه به اعداؤه من شتائم وسباب، وما يكيلون له من اتهامات ونسب، فَإن العدو يسعى دائماً إلى أن يتهم خصمَه بنوع من أنواع التهم ليُضِلَّ الناس، ويصرفهم عنه، وليتمكن بما يحوكُه حوله من أراجيف وأباطيل الحط من شأنه في المجتمع واسقاطه من الانظار والأعين .

ان العدوّ الذكىّ يسعى دائماً إلى أن ينسب إلى منافسه ما يُصدِّقه ولو فئة خاصة من الناس على الاقل، ويوجبُ شكَّهم في صدقه، ويتجنب تلك النِسَب


(467)

الّتي لا تصدَّق في شأنه، ولا تناسبُ اخلاقه وافعاله المعروفة عنه، ولا تمسه بشكل من الأشكال، لأنه سوف لا يَجني في هذه الحالة إلا عكسَ ما يقصد، وخلاف ما يريد .

ومن هنا يستطيع المؤرخُ المحققُ أن يتعرف على الشخصية الواقعية لمن يدرسه، وعلى مكانته الإجتماعية، وأخلاقه وسجاياه ولو من خلال ما ينسبُه الأعداء إليه، وما يكيلون له من أكاذيب وإفتراءات، ونسب باطلة واتهامات، لأنّ العدوّ الّذي لا يخاف أحداً لا يقصّرُ في كيل كلِّ تهمة تنفعُهُ وتخدمُ غرضَه إلى الطرف الآخر، ويستخدم هذا السلاح (أي سلاح الدعاية) ما استطاع، وما ساعدته معرفُته بالظروف، ودرايته بالفَرص .

فاذا لم ينسَب إليه أىُّ شيء من تلك النسب الباطلة فان ذلك إنما هو لأجل طهارة جيبه، ونقاء صفحته، وتنزُّه شخصيته عن تلك النسب، ولأنّ المجتمع لم يكن ليعبأ بها ولم يصدّقها في شأنه .

ولو أننا تصفّحنا اوراق التاريخ الإسلامي لرأينا أن قريشاً مع ما كانت تكنُّ من عداء، وتحِملُ من حِقد على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكانت تسعى بكل جهدها أن تهدم صرح الإسلام الجديد الظهور، وأن تحطّ من شأن مؤسسه وبانيه لم تستطع مع ذلك أن تستفيد من هذا السلاح، وتستخدمه كاملا.

فقد كانت تفكّر في نفسها: ماذا تقول في حق رسول اللّه؟ وماذاترى تنسب إليه؟؟

هل تتهمه بالخيانة المالية وها هم جماعة منهم قد ائتمنوه على أموالهم؟!(1) كما أن حياته الشريفة طوال الاربعين سنة الماضية جسدت امانته امام الجميع، فهو الامين بلا منازع؟

هل تتهمه بالجري والانسياق وراء الشهوة واللّذة؟ وكيف تقول في حقه مثل هذا الكلام مع أنه بدأ حياته الشبابية بالتزويج بزوجة كبيرة السنّ إلى درجة


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 62 .


(468)

مَا، وبقي معها حتّى لحظة انعقاد هذه الشورى في «دار الندوة» بهدف الدعاية ضدَه، ولم يُعهَد منه زلّة قدم في هذا السبيل قط؟!

وبالتالي بماذا تتهم محمَّداً الصادق الأمين، الطاهر العفيف، وأية تهمة ترى يمكن أن تُصدَّق في حقه، أو يحتمل الناس صدقها في شأنه ولو بنسبة واحد في المائة؟

لقد تحيَّر سادة «دار الندوة» وأقطابها في كيفية استخدام هذا السلاح، سلاح الدعاية ضدّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقرَّروا في نهاية الأمر أن يطرحوا هذا الأمر على صنديد من صناديد قريش ويطلبوا رأيه فيه، وهو «الوليد بن المُغيرة» وكان ذا سنّ فيهم، ومكانة، فقال لهم:

يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم وان وفود العرب ستقدَم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذّبُ بعضكم بعضاً، ويردُ قولُكم بعضُه بعضاً .

قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به .

قال: بل أنتم قولوا أسمَع .

قالوا: نقول كاهن.

قال: لا واللّه ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّانَ فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.

قالوا: فنقول: مجنون.

قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته .

قالوا: فنقول: ساحر.

فقال: ما هو بساحر لقد رأينا السحّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم .

وهكذا تحيَّروا في ما ينسبون إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وأخيراً اتفقوا على أن يقولوا: أنه ساحر جاء بقول هو سِحرٌ يفرق به بين المرء وابيه وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته .

ويدلُّ عليه ما أوجده من الخلاف والإنشقاق والتفرُّق بين أهل مكة الَّذين


(469)

كان يضرب بهم المثل في الوحدة والاتفاق(1) .

وقد ذكر المفسِّرون في تفسير سورة «المدثر» هذه القصة بنحو آخر فقالوا: لمّا اُنزل على رسول اللّه (حم تنزيلُ الْكِتاب...) قام إلى المسجد و «الوليد بن المغيرة» قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبىُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لاستماعه لقراءته، أعاد قراءة الآية، فتركت الآية في نفس الوليد تأثيراً شديداً فانطلق إلى منزله، ولم يخرج منه أيّاماً، فسخرت منه قريشٌ وقالت: صبأ ـ واللّه ـ الوليدُ ثم مشى رجال من قريش إليه وسألوه رأيه في قرآن محمَّد، واقترح كل واحد منهم أمراً، ولكنه رد عليها بالنفي جميعاً فقالت قريش إذن ما هو؟ فتفكر «الوليد» في نفسه ثم قال: ما هو إلاّ ساحرٌ أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله، ووُلده ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر(2) .

ويرى المفسرون أن الآيات التالية في شأنه إذ يقول اللّه تعالى:

(ذَرْني وَ مَنْ خَلقْتُ وَحيداً. وَجَعلْتُ لَهُ مالا مَمدُوداً. وَ بَنينَ شُهُوداً. وَ مَهَّدْتُ لَهُ تمهيداً. ثُمّ يَطْمَعُ أنْ أزيدَ. كَلا انّه كانَ لآياتِنا عَنيداً. سارْهقُهُ صَعُوداً. إنّه فكَّرَ وَ قدّر. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدّرَ. ثُمَّ نَظرَ. ثُمَّ عَبسَ وَ بَسرَ. ثُمَّ أَدْبَر وَاْستَكْبَرَ. فَقالَ إنْ هذا إلاّ سِحْرٌ يُؤْثَر... (إلى قوله:) فَما لَهُمْ عِنَ التَذكِرَة مُعْرضيْن. كأَنَّهُمْ حُمُرٌ مستنفِرة فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَة)(3) .

* * *

الإصرار في نسبة الجنون إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

يعتبر إتصاف النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واشتهاره بين الناس بالصدق والامانة وغيرها من مكارم الأخلاق منذ شبابه من مسلَّمات التاريخ .

وهو بالتالي أمرٌ اعترف به حتّى أعداؤه الالدّاء، فقد دانوا بفضله، وأقرُّوا


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 270 .
2 - مجمع البيان: ج 10، ص 386 و 387.
3 - المدثر: من 11 ـ 51 .


(470)

بأخلاقه الكريمة و سجاياه النبيلة، دون تلكؤ، ولا إبطاء .

وقد كانَ من أوصافه الحسنة البارزة ان جميع الناس كانوا يدعونه «الصادق» «الامين» وكانوا يثقون بأمانته ثقة كبرى(1) حتّى أن المشركين كانوا يودعون ما غلى من أموالهم عنده، واستمر هذا الأمر حتّى عشرة أعوام بعد دعوته العلنيّة .

وحيث أن دعوته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد ثقلت على المعاندين فاجتهدوا في أن يصرفوا عنه الناس بما ينسبون إليه من بعض النسب الّتي توجب سوء الظنّ به، ومن ثم إفشال دعوته، وحيث أنهم كانوا يعلمون أن النِسَبَ الاُخرى ممّا لا يقيم لها المشركون وزناً، لأنها امور بسيطة في نظرهم، من هنا رأوا بأن يتهمونه بالجنون، والزعم بان ما يقوله و يقرؤه ما هو إلاّ من نسج الخيال، ومن أثر الجنون الّذي لا يتنافى مع الزهد، والأمانة، وذلك تكذيباً لدعوته.

ثم عملت قريش على إشاعة هذه النسبة، واتخذت وسائل عديدة وما كرة لترويجها وبثّها بين الناس .

ومن شدّة مكرهم ومراءاتهم أنّهم كانوا يتخذون موقف المتسائل المحايد فيطرحون هذه التهمة في قالب الشك، والترديد إذ يقولون:

(أفترى على اللّه كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)(2) .

وهذه هي بعينها الحيلةُ الشيطانية الّتي يتوسَّل بها ويتستر وراءها أعداء الحقيقة دائماً عند ما يريدون تكذيب المصلحين العظام، واسقاط خطواتهم وافكارهم من الاعتبار، والحطّ من شأنها وأهميتها .

ويشير القرآنُ أيضاً إلى انّ هذا الاسلوب الماكر الذميم لم يكن مختصاً بالمعارضين في عهد الرسالة المحمَّدية، بل كان المعارضون في الأعصر الغابرة أيضاً يتوسلون بهذا السلاح لتكذيب الرسل، والانبياء إذ يقول عنهم:


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 62 عن عبيداللّه بن ابي رافع: كانت قريش تدعو محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الجاهلية الامين وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك كلُ من كان يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءته النبوة والرسالة والامر كذلك.
2 - سبأ: 8 .


(471)

(كَذلكَ مَا أتى الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتواصَوْا بِه بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ)(1) .

وتحدّث الاناجيلُ الحاضرة هي الاُخرى عن ان المسيح ـ عليه السلام ـ عندما وعظ اليهود قالوا: إنّ فيه شيطاناً، فهو يهذي فلماذا تسمعون إليه؟!(2) .

ومن المسلّم والبديهي أنَّ قريشاً لو كان في مقدورها أن تتهم رسولَ اللّه الصادق الأمين ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بغير هذا الاتهام وتنسب إليه غير هذه النسبة لما تأخرت عن ذلك، ولكن حياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المشرقة خلال الاربعين سنة الماضية، وسوابقه اللامعة في المجتمع المكىّ وغير المكي كانت تحول دون أن ينسبوا إليه شيئاً من تلك النسب القبيحة، الذميمة .

لقد كانت «قريش» مستعدة لأن تستخدم أي شيء ـ مهما صغر ـ ضد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فمثلا عند ما وجده أعداء الرسالة يجلس إلى غلام مسيحىّ يدعى «جبر» عند المروة، انطلقوا يستخدمون هذا الأمر ضدّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فوراً فقالوا: واللّه ما يُعلِّمُ محمَّداً كثيراً ممّا يأتي به الا «جبر» النصراني .

فردّ عليهم القرآن الكريمُ بقوله:

(وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعلِّمُه بَشَرٌ لِسانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمىّ وَ هذا لِسانٌ عَربيّ مُبِيْنٌ)(3).

(وَ قَدْ جاءهُم رَسولٌ مُبينٌ ثُمَّ تَولُوا عَنهُ وَ قالُوا معلَّمٌ مَجنُونٌ)(4) .

القرآن يرد على جميع الاتهامات:

وربما نسبوا إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الكهانة، والكاهن هو من يتصل بعناصر من الجن(5) أو الشياطين ويتلقى منهم اخباراً حول الماضي والمستقبل،


1 - الذاريات: 52 و 53 .

2 - انجيل يوحنا: الفصل 10، الفقرة: 20، والفصل 7، الفقرة 48 و 52 .
3 - النحل: 103 .
4 - الدخان: 13 و 14 .
5 - الجن كائن من الكائنات ومخلوق من مخلوقات اللّه تعالى وقد اخبر به القرآن الكريم في مواضع عديدة كما سميت احدى السور باسم الجن .


(472)

وكان هذا موجوداً قبل الإسلام كما ترويه كتب السير والتواريخ(1) .

وقد رد القرآن الكريم على هذه المقالة و هذا الزعم إذ قال تعالى:

(وَ لا بِقَولْ كاهِن قَليلا ما تَذكَّرُونَ)(2) كما ردّ ايضاً تهمة السحر، والكذب والافتراء والشعر إذ قال تعالى وهو يصف المتهمين تارة بالكفر واُخرى بالظلم:

(وَ عَجِبُوا أَنْ جاءهُمْ مُنْذرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرونَ هذا سَاحِرٌ كَذّابٌ)(3) .

وقال تعالى: (وَ قالَ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلاّ رَجُلا مَسْحُوراً)(4) .

وقال سبحانه متعجباً مِنهم: (قالُوا إنَّما أنتَ مِنَ المُسحَّرينَ)(5) .

وقال تعالى: (وَ قالُوا يا أيُّها الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمجْنُونٌ)(6) .

وقال سبحانه: (وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُون)(7) .

وقال عزّوجلّ: (فَذكِّر فَما أَنْتَ بِنعْمةِ رَبّكَ بِكاهِن وَ لا مَجْنُون)(8) .

وقال تعالى: (قالُوا إنّما أنْتَ مُفْتَر بل أكثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(9) .

وقال تعالى: (أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْر سُوَر مِثلِه)(10) .

وقال سبحانه: (وَ قالَ الّذينَ كَفَرُوا إنْ هذا إلاّ إفكٌ افْتَراهُ وَ أَعانَهُ عَليْهِ قَومٌ آخرونَ فَقدْ جاءوا ظُلماً وَ زُوراً)(11) .

وقال سبحانه: (أفتَرى عَلى اللّه كَذِباً أمْ بِهِ جِنَّةٌ)(12) .

وقال تعالى: (أَم يَقُولُونَ شاعِرٌ نَترَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُون)(13) .

وقال تعالى: (وَما عَلَّمْناهُ الشَّعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقران مُبِيْن)(14) .

وربما وصفوا القرآن بانه اضغاث احلام فردهم سبحانه بقوله .

(بَلْ قالُوا أضغاثُ أحْلام بلِ افْتراهُ بَلْ هُوَ شاعرٌ)(15) .


1 - راجع: بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 269 باب علم الكهانة والعرافة .
2 - الحاقة: 42 .
3 - ص: 4 .
4 - الفرقان: 8 .
5 - الشعراء: 153 .
6 - الحجر: 6 .
7 - التكوير: 22 .
8 - الطور: 29 .
9 - النحل: 101 .
10 - هود: 13 .
11 - الفرقان: 4 .
12 - سبأ: 8 .
13 - الطور: 30 .
14 - يس: 69 .
15 - الانبياء: 5 .


(473)

وهكذا نجدهم ذهبوا في استخدام سلاح الاتهام والتشويش على الشخصية المحمَّدية والرسالة الإسلامية كل مذهب، فمرة وصفوه بانه كاهن واُخرى بانه ساحر وثالثة بانه مسحور، ورابعة بانه مجنون وخامسة بانه معلّم وسادسة بانه كذاب وسابعة بانه مفتري وثامنة بانه مفترى أومجنون على سبيل الترديد وتاسعة بانه شاعر وعاشرة بان ما يقوله ما هو الاّ اضغاث احلام .

2- فكرةُ معارضة القرآن:

لم يُجدِ استخدام سلاح الإتهام ضد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفعاً، ولم يأت بالثمار الّتي كان يتوخاها المشركون منه، لأن الناس كانوا يُدركون بفطنتهم وفراستهم أن للقرآن جاذبيّة غريبة، وأنهم لم يسمعوا كلاماً حلواً، وحديثاً عذباً مثله .

ان لكلماته من العمق والعذوبة بحيث يتقبّلها كلُ قلب، وتسكن اليها كل نفس .

من هنا لم ينفع اتهام قريش لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالجنون وبأنَّ ما يقوله إن هو الاّ من نسج الخيال، ونتائج الجنون، شيئاً، فقررت أن تخطّط لتدبير آخر ظناً منهم بأنّ تنفيذه سيصرف الناس عنه، وعن الاستماع إلى كتابه، ألا وهو: معارضة القرآن الكريم .

فعمدت إلى «النضر بن الحارث» وكان من شياطين قريش، وممّن كان يؤذي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وينصب له العداوة، وكان قد قضى شطراً من حياته في الحيرة بالعراق وتعلّم بها أحاديث ملوك الفرس واحاديث «رُستم» و «إسفنديار» وقصصهم، وحكاياتهم، وأساطيرهم، وطلبوا منه أن يجمع الناسَ ويقص عليهم من تلكم الأساطير والحكايات يلهي بها الناس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويصرفهم عن الإصغاء إلى القرآن الكريم!!

فكان إذا جلس رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مجلساً فذكَّر الناس فيه باللّه، وحذر قومه ما أصاب مَن قبلَهم من الاُمم من نقمة اللّه، خَلفه «النضرُ» في مجلسه


(474)

إذا قام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم قال: أنا واللّه يا معشر قريش أحسنُ حديثاً منه فهلمَّ إليّ، فأنا اُحدِّثكم أحسنَ من حديثه .

ثم يحدّثهم عن ملوك الفرس و «رستم» و «اسفنديار» ثم يقول:

بماذا محمَّد أحسن حديثاً مني وما حديثه إلاّ أساطير الأَولين اكتتبهاكما اكتتبتُها؟(1).

وقد كانت هذه الخُطة حمقاء جداً إلى درجة أنها لم تدم إلاّ عدة ايام لا اكثر حتّى أن قريشاً سأمت من أحاديث «النضر» وسرعان ما تفرّقت عنه .

وقدنزل في هذا الشأن آيات هي:

(وَ قالُوا أساطيرُ الأَوَّليْنَ اكتتبها فهي تمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أصِيْلا * قُلْ أَنْزلَهُ الَّذيْ يعْلَمُ السِّرّ في السَماواتِ وَ الأَرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحيماً)(2) .

* * *

تحججات صبيانيّة و جاهليّة:

وربما جسَّدوا معارضتهم للدعوة المحمَّدية في صورة تحججات ومجادلات جاهليّة ومآخذ سخيفة اخذوها على رسول اللّه ورسالته، تنم عن تكبر وجهل، وعناد ولجاج طبعوا عليه .

وها نحن نذكر ابرزها:

أ ـ لماذا لم ينزل القرآن على ثرىّ من اثرياء مكة أو الطائف؟!

قال تعالى حاكيا قولهم:

(لَولا نُزِّلَ هذا الْقُرانُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَريَتَيْنِ عَظِيْم)(3).

ب ـ لماذا لم يرسل اليهم ملائكة ولماذا هو بشر؟!

قال تعالى عنهم:

(وَ مَا مَنَعَ النَّاسَ أن يُؤْمِنُوا إذْ جاءهُمْ الهُدى إلاّ أَنْ قالُوا أبعَثَ اللّه بَشَراً


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 300 و 358 .
2 - الفُرقان: 5 و 6 .
3 - الزخرف: 31 .


(475)

رَسُولا)(1) .

وقال تعالى حاكياً عنهم أيضاً:

(وَ قالُوا ما لِهذا الرَّسُول يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشي فِي الأَسْواقِ)(2) .

ج ـ انَّه يدعو إلى خلاف ما كان عليه الآباء، من الدين والعقيدة والسلوك؟

يقول عنهم سبحانه:

(وَ إذا قِيْلَ لَهُمْ تَعالَوْا إلى ما أَنْزَلَ الله وَ إلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْه آباءنا أو لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ)(3) .

د ـ تبديل الآلهة باله واحد .

قال اللّه عنهم:

(وَعَجِبُوا أَنْ جاءهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ * أَجعَلَ الآلِهَةَ إلهاً واحِداً إنْ هذا لِشَيء عُجابٌ)(4) .

هـ ـ القول بحشر الاجساد وتجدد الحياة في يوم القيامة .

قال تعالى عنهم:

(وَ قالُوا ءإذا ضَلَلْنا فِي الاْرْضِ ءإنّا لِفِي خَلْق جَدِيد)(5) .

و ـ لماذا ليس عنده مثل ماكان لدى موسى من المعجزات كالثعبان المنقلب من العصا، وقد توصل المشركون إلى هذا النمط من الاعتراض بسبب اتصالهم بأحبار اليهود.

يقول اللّه عنهم:

(فَلَمّا جاءهُمْ الْحقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا اُوتِيَ مِثْلُ ما اُوْتيَ مُوسى)(6).

ز ـ لماذا ليس معه ملك يُرى ويشاهَد ويحضر معه في كل مقام ومشهد.

قال تعالى:

(وَ قالُوا لَولا اُنْزلَ عَلَيْهِ مَلَكْ)(7) .


1 - الاسراء: 94 .

2 - الفرقان: 7 .
3 - المائدة: 104 .
4 - ص: 4 و 5 .
5 - السجدة: 10 .
6 - القصص: 48 .
7 - الانعام: 8 .


(476)

مقترحات عجيبة ومطاليب غريبة:

وكان المشركون إذا نفذت تحججاتهم واعتراضاتهم الواهية، وقوبلوا بردود قوية وقاطعة عليها عمدوا إلى طرح مقترحات سخيفة على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سياق معارضتهم لدعوته ونورد هنا ابرز تلك الاقتراحات ليعرف القارىء الكريم مدى معاناة النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من قومه:

لقد اقترحوا عليه:

1- ان يعبد اصنامهم سنة ويعبدوا إلهه سنة اُخرى وجعلوا ذلك شرطا لايمانهم بدعوته!!

فأنزل اللّه تعالى في ردّهم بسورة «الكافرون» :

(بِسْم اللّه الرَّحْمن الرَّحيم. قُلْ يا أَيُّها الْكافِرُونَ * لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ. وَ لا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ. لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِىَ دِيْنِ).

2- تبديل القرآن، فقد دفع نقدُ القرآن الكريم للوثنية، والازاء على الاصنام، دفعهم إلى ان يطلبوا من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يأتي لهم بقرآن آخر لا يحتوي على شجب عبادة الاوثان والازدراء بالاصنام، وابطالها .

قال اللّه تعالى عن فعلهم هذا:

(وَ إذا تُتْلى عَلَيْهِم آياتُنا بيِّنات قالَ الَّذيْنَ لا يَرْجُونَ لِقاءنا ائتِ بِقُرآن غَيْر هذا أوْ بَدّلهُ)(1) .

فردّ اللّه عليهم بقوله:

(قُلْ ما يَكُونُ لِيْ أَنْ اُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاء نَفْسِيْ إنْ اتّبعُ إلا ما يُوْحى إلَىَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْم عَظيْم)(2).

3- مطاليب مادية عجيبة!!


(1) و (2) يونس: 15 .


(477)

وقد عمدوا ـ بسبب عنادهم وعتوهم ـ إلى المطالبة باُمور لا ترتبط بهداية الناس، مثل مطالبته بان يفجر لهم ينابيع، أو يُسقط السماء على رؤوسهم قطعاً، أو يصعد إلى السماء، أو يأتي باللّه سبحانه وتعالى، أو غير ذلك من الاقتراحات والمطاليب الّتي كانت إما مستحيلة في نفسها أوتناقض غرض الدعوة!!

قال اللّه حاكياً عنهم ذلك:

(وَ قالُوا لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرضِ يُنْبُوعاً. أوْ تَكُون لَكَ جَنّةٌ مِنْ نَخيْل وَ عنَب فَتُفَجِّر الاْنهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أوْ تَأتِىَ بِاللّه وَ الْمَلائكةِ قَبِيلا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْت مِنْ زُخْرُف أوْ تَرْقى في السَّماء)(1) .

صبر النبىّ واستقامته وثباته:

ولقد قابل رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كل هذه التحججات الايذائية وما طرح مِنَ الاقتراحات المستحيلة بصبر عظيم وثبات هائل، ايماناً منه بدعوته، وحرصاً على ابلاغ رسالته، وبفعل التأييد الالهي من جانب .

يقول اللّه تعالى في هذا الصدد:

1- (فَاْصْبِرْ كَما صَبَرَ اُوْلوا العْزْم مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)(2) .

2- (وَاتّبِعْ ما يُوحْى إلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللّه وَ هُوَ خَيْرُ الحاكِميْن)(3) .

3- (وَاصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إلاّ بِاللّه وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)(4) .

4- (وَاصْبِرْ نَفْسكَ مَعَ الَّذيْنَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَداوَة وَ العَشِىِّ)(5) .

(فَاصْبِرْ لِحُكْم رَبّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوْت)(6).

6- (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلا)(7) .

* * *


1 - الاسراء: 90 ـ 93 .
2 - الاحقاف: 35 .
3 - يونس: 109 .
4 - النحل: 127 .
5 - الكهف: 28 .
6 - القلم: 48 .
7 - المزمل: 10 .


(478)

معاجز النبىّ لم تنحصر في القرآن:

وبالمناسبة لابد أن نذكر أن المشركين ومن حذى حذوهم من الكفار والمعارضين للرسالة الإسلامية كانوا يطالبون رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمعاجز وديات لا بدافع الرغبة في الايمان بدعوته بل بدافع اللجاج والعناد، وإلا فان معاجز النبىّ لم تنحصر في الكتاب العزيز، فقد اتى رسول اللّه بآيات ومعاجز كثيرة اُخرى غير القرآن، كان كل واحد منها يكفي للاقتناع برسالته، والايمان بصحة دعواه .

فالقرآن نفسه يشير إلى أبرز هذه المعاجز وهي:

1- شقّ القمر

فقد طلب المشركون من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يشق لهم القمر نصفين حتّى يؤمنوا به، فلمّا على ذلك لهم باذن اللّه كفروا به وقالوا انه سحر!!

يقول اللّه تعالى:

(إقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَ انشَقَّ الْقَمَرُ. وَ إنْ يَروْا آيَة يُعْرضُوْا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتمِرّ)(1).

2- المعراج

ان العروج برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والّذي سيأتي مفصلا هو الآخر معجزة من معاجزه القوية، وقد نطق بها القرآن بقوله:

(سُبْحانَ الَّذي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرام إلى الْمَسْجِدَ الأَقْصى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُريَهُ مِنْ آياتِنا إنَّه هُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيرُ)(2) .


1 - القمر: 1 و 2 .

2 - الاسراء: 1 .


(479)

3- مباهلة أهل الباطل

ان تقدم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع مَن خرج بهم إلى المباهلة، واحجام النصارى عن مباهلته، معجزة اُخرى من معاجزه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذه القضية إذ قال:

(فَمَنْ حاجَّكَ فِيْهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءكَ مِنَ العلم فَقُل تَعالوا نَدْعُ أَبْناءنا وَ أَبْناءكُمْ وَ نِساءنا وَ نِساءكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعلْ لَعْنَةَ اللّه عَلىَ الْكافِينَ)(1) .

وستأتي قصَّة المباهلة على نحو التفصيل في حوادث السنة العاشرة من الهجرة .

4- الاخبار بالمغيبات

فقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخبر عن اُمور غائبة كما يقول اللّه سبحانه حاكيا عنه:

(وَ اُنبِّئكُمْ بِما تأكلون وما تَدَّخِرُونَ فِيْ بُيُوتكُمْ)(2) .

هذا وقد أخبرت الاخبار والاحاديث عن معاجز كثيرة لرسول اللّه غير القرآن الكريم .


1 - آل عمران: 61 .
2 - آل عمران: 49، وقد اشار القرآن الكريم إلى موارد اُخرى من هذه القبيل.
فقد اخبر عن غلبة الروم بعد سنين: قال تعالى:
(الم غُلِبَتِ الرُّومُ * في أدْنى الأرْض وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَييغْلِبُونَ. في بِضْعِ سِنْينَ * للّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعدُ وَ يَومئذ يَفْرحُ الْمؤمنون) (الروم: 1 ـ 4).
واخبر عن هلاك ابي لهب قال تعالى:
(تَبَّت يَدا أبي لَهَب وَتَبّ... الخ) .
وأخبر عن هزيمة المشركين في بدر قال سبحانه:
(سيهزم الجمع ويولون الدبر) (القمر: 45) .


(480)

ومن هذه المعاجز ما ذكره الامام اميرالمؤمنين علّي بن أبي طالب ـ كما في نهج البلاغة ـ حول سؤال المشركين من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قلع شجرة بعروقها وجذورها ولما فعل ذلك وقال: «يا أيّتها الشجرة ان كنت تؤمنين باللّه واليوم الآخر، وتعلمين أني رسول اللّه فانقلعي بعروقك حتّى تقفي بين يدىّ باذن اللّه» .

فانقلعت بعروقها ولها دوّي عجيب ووقفت بين يدي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولكنهم كذّبوا وقالوا ساحر كذاب، علواً واستكباراً .

وقد صرح الامام في كلامه هذا أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أخبرهم بانهم لا يؤمنون وان ظهرت لهم المعجزة الّتي طلبوها، وان فيهم من يطرح في القليب (في معركة بدر) وان منهم من يحزّب الأحزاب (لمعركة الخندق)(1) .

اصرار النبىّ على هداية قريش:

بل كان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يحرص على هدايتهم وارشادهم وايقاظهم. فقد كان زعيم المسلمين وقائدهم يعلم جيداً بأن اعتقاد أغلبية الناس بالأوثان ما هو الاّ أمر نابع من تقليد الآباء، والجدود، أو اتباع أسياد القبيلة وكبرائها، وهو بالتالي لا يستند إلى جذور في أعماق الناس واُسس في عقولهم ونفوسهم .

من هنا فانَّ أىَّ انقلاب يحصل ويحدث في اوساط السادة والكبراء بان يؤمن أحدهم مثلا كان كفيلا بأن يحلّ الكثير من المشاكل .

من هنا كان ثمة إصرار كبير على جرّ «الوليد بن المغيرة» الّذي أصبح ابنه «خالد» في ما بعد من قادة الجيش الاسلامىّ والمشاركين في الفتوح الإسلامية إلى صف المؤمنين بالرسالة المحمَّدية، لأنّه كان أسنَّ مَن في قريش واكثرهم نفوذاً، وأعلاهُم مكانة، وأقواهم شخصية، وكان يُدعى حكيم العرب، وكانت العرب تحترم رأيه إذا اختلفت في أمر .


1 - نهج البلاغة: قسم الخطب الرقم 192 .


(481)

وقد كلّمه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم في ذلك وقد طمع في اسلامه، فَبينا هو في ذلك إذ مرَّ به «ابن اُم مكتوم»، فكلم رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجعل يستقرئه القرآن فشقَّ ذلك منه على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى أضجره، وذلك أنّه شغله عمّا كان فيه من أمر «الوليد». وما طمع فيه من اسلامه، فلمّا أكثر عليه انصرف عنه عابساً و تركه، فنزل قوله تعالى:

(عَبس وَ تَولّى. أنْ جَاءهُ الأَعْمى. وَ ما يدريْكَ لَعلَّهُ يَزَّكى. أوْ يَذَّكرُ فَتنْفَعُهُ الذِّكْرى. أَمَّا مَنِ اسْتَغنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَ ما عَلَيْكَ ألاّ يَزكّى. وَ أَمَّا مَنْ جاءكَ يَسْعى. وَ هُوَ يَخْشى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهّى. كَلا إنّها تَذْكِرَةٌ)(1) (2) .

وقد فنّد علماء الشيعة ومحقّقوهم هذه الرواية التاريخية، واستبعدوا صدور مثل هذا السلوك عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي امتَدحَهُ ربُّ العالمين بالخلق العظيم، ووصفه بالرأفة بالمؤمنين، وقالوا: ليس في الآيات ما يدل على أن الّذي عبَس وتولّى هو رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وقد روي عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ أنَ المراد رجلٌ من بني اُميَة، فإنّه عبس وتولّى عند ما حضر «ابنُ ام مكتوم» الأعمى عند رسول اللّه فنزلت هذه الآيات توبيخاً له(3).

* * *

3- تحريم استماع القرآن

كانت البرامجُ الواسعة الّتي دبرها الوثنيّون في «مكة» لمكافحة الإسلام والحيلولة دون انتشاره بين القبائل والجماعات، تُنفَّذ الواحدة تلو الآخرى، ولكن دون جدوى، ودون ان يكسب اصحابُها من ورائها أي نجاح، واية نتائج على


(1) السيرة النبوية: ج 1، ص 363 ـ 364 .
2 - عبس: 1 ـ 11 .
3 - مجمع البيان: ج 10، ص 437، وقد شرح العلامة الطباطبائي في المجلد 20 من تفسير الميزان عند تفسير سورة عبس شأن نزول هذه الآيات بصورة رائعة، وشكل بديع، واثبت بان فاعل عبس ليس رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا ينافي ذلك توجّه الخطاب في «وما يدريك» إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


(482)

المستوى المطلوب، فقد كانت تلك المؤامرات تفشل في كل مرة، ولا يجني المشركون منها سوى الخيبة والفشل، وسوى النتائج المعكوسة في أغلب الأحايين.

فقد مارسوا الدعاية ضد رسول اللّه فترة من الزمن ولكن لم يحالفهم التوفيقُ الكاملُ في ذلك، فقد وجدوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اكثر ثباتاً واستقامة في طريقه وأشدّ إصراراً على هدفه، وكانوا يرون باُم أعينهم بأن عقيدة التوحيد في انتشار مستمر ومتزايد، يوماً بعد يوم .

ولهذا قرَّر سادة قريش وزعماء «مكة» المشركون أن يمنعوا الناس عن سماع القرآن. ولكي تتحقق خطتهم هذه وتلبس ثوب الوجود بَثّوا جواسيسهم في كل انحاء مكة ومداخلها ليمنعوا من يفدُ اليها للحج أوالتجارة من الاتصال بمحمَّد، ومنعه بكل صورة ممكنة، عن الاستماع إلى القرآن، وأعلن مناديهم ما ذكره القرآن عند قوله تعالى:

(وَ قالَ الَّذينَ كَفرُوا لا تَسْمعُوا لِهذا الْقُرآن والْغوا فِيْه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)(1) .

لقد كان القرآن اقوى أسلحة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقد القى رعباً عجيباً في نفوس الاعداء واقضّ مضاجعهم .

وكان اشراف قريش وأسيادها يرون باُم أعينهم كيف أنَّ اعدى أعداء النبىَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (وهو أبوجهل) عندما مشى إليه ليستهزىء به، ويسخر منه، ما ان سمع آيات من القرآن، إلاّ وفقد السيطرة على نفسه، ولان قلبه، وأصبح من أصحابه ومؤيديه الأقوياء، ولهذا لم يكن أمام اُولئك الاسياد إلا أن يمنعوا من سماع القرآن منعاً باتا، ويحرموا التحدث إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تحريماً قاطعاً(2) .

ولهذا كان الرجل منهم إذا أراد أن يسمع من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعض ما يتلوه من القرآن وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فان رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهبَ خشيةَ أذاهُم فلم يستمع (3).


1 - فصّلت: 26 .
(2) و (3) السيرة النبوية: ج 1، ص 313 و 314 .


(483)

واضعوا القرار ينقضون قرارهم!!

ولكن من الطريف العجيب أن نفس الذين كانوا يمنعون الناس بشدة عن الاستماع إلى القرآن، وكانوا يعدون كل من يتجاهل قرار (تحريم الاستماع إلى القرآن) مخالفاً يتعرض للملاحقة والعقاب، نقضوا بعد أيام من إصدار هذا القرار قرارهم وانضمُّوا إلى صفوف المخالفين له في الخفاء .

فاذا بالذين يمنعون من سماع القرآن في العلن، يستمعون إليه في الخفاء!

واليك بعض ما جرى في هذا الصعيد:

خرج «أبوسفيان» و «أبوجهل» و «الاخنس» ليلة ليستمعوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يصلي من الليل في بيته، فاخذ كلُ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلٌ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا طلَعَ الفجرَ تفرَّقوا فجمعهم الطريقُ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ثم انصرفوا، حتّى إذا كانت الليلة الثانيةُ عاد كلُ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، حتّى إذا كانت الليلة الثالثة اخذ كلُ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتّى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتّى نتعاهد ألاّ نعود، فتعاهدوا على ذلك. ثم تفرّقوا(1) .

* * *

4- منع الاشخاص من الايمان برسول اللّه

بعد خطة (تحريم الاستماع إلى القرآن) بدأوا بتنفيذ خطة اُخرى وهي منع كل قريب وبعيد ممّن رغبوا في الإسلام وقدموا إلى مكة ليتعرفوا على النبىّ، وعلى ما اتى به من كتاب ودين، من الاتصال بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 315 .


(484)

فبثت قريش جواسيسها في الطرق المؤدية إلى مكة ليتصلوا بمن يلقونه من هؤلاء ويبادروا إلى منعه من الاتصال برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والايمان برسالته، بشتى الحيل والاساليب .

واليك نموذجين حيّين من هذا الامر .

1- «الاعشى»:

وكان من شعراء العهد الجاهلي البارزين، وكانت قصائده تتناقلها مجالس السَمر القرشية، وتتغنى بها محافل انسهم .

وقد بلغ «الاعشى» في كبره نبأ ما جاء به رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من التوحيد ومن تعاليم الإسلام العظيمة، وكان يعيش في منطقة نائية عن مكة، حيث لم تصل اليها أشعة الرسالة الإسلامية على وجه التفصيل بعد، ولكن ما قد سمع به من تعاليم الإسلام على نحو الاجمال قد اوجد في نفسه هياجاً خاصاً وحرّك مشاعره فأنشأ قصيدة مطوّلة يمدح فيها رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم خرج إلى مكة ليهديها إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو في نفس الوقت يريد الإسلام .

ورغم ان تلكم القصيدة لا تتجاوز أبياتُها 24 بيتاً، ولكنها تُعدّ من أفضل وافصح ما قيل من الشعر في الإسلام، وفي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في العهد النبوي ويوجد نصّها الكامل في «ديوان الأعشى» وقد قال فيها وهو يذكر بعض تعاليم الإسلام:

نَبيّاً يرى ما لا يَرون وذكرُه * أغار لعَمري في البلاد وأنجدا

فاياك والميتات لا تقربنّها * ولا تاخذن سَهماً حديداً لتفصدا

وذا النُصب المنصوب لا تُنسكُنَّه * ولا تعبد الأوثان واللّه فاعبُدا

ولا تقربنَّ حُرَّة كان سرُّها * عليك حراماً فانكحن اوتأبّداً

وذا الرحم القربى فلا تقطعنَّه * لعاقبة، ولا الاسير المقيِّدا

وسبِّح على حين العشيات والضحى * ولا تحمَد الشيطان واللّه فاحمدا


(485)

فلما كان بمكة أو قريباً منها اعترضه جواسيس قريش و رجالها فسألوه عن أمره وقصده فاخبرهم بانه جاء يريد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليسلم، وحيث أنهم كانوا يعرفون بأن «الاعشى» رجل يحب النساء والخمر حبّاً كبيراً لذلك عمدوا إلى الضرب على هذا الوتر لينفّروه من الإسلام فقالوا له: يا أبا بصير (وهي كنية الاعشى) إنه يحرم الزنا .

فقال الاعشى: واللّه ذلك لأمرٌ ما لي فيه من ارب .

فقالوا له: يا أبا بصير فانَّه يحرِّم الخمرَ.

فقال الأعشى ـ وقد صُدِمَ بهذا الخبر ـ أمّا هذه فواللّه في النفس منها لعلالات، ولكني منصرفٌ فاتروّى منها عامي هذا، ثم آتيه فاُسلم!! فانصرفَ فمات في عامه ذلك، ولم يَعُدْ إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .

2- الطُفيل بُن عَمرو الدوسىّ:

وهو الشاعر العربي الحكيم العذب اللسان، صاحب النفوذ والكلمة المسموعة في قبيلته .

يروى انه قدم «مكة» ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها، وكانت قريش تخشى ان يتصل بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيسلم.

ومن البديهي أن اسلام رجل مثله كان ممّا يشق على قريش جدّاً ولهذا مشى إليه رجالٌ منهم وقالوا له ـ محذرين ايّاه من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

يا طُفيل، إنك قدمت بلادَنا، وهذا الرجلُ الّذي بين أظهرنا قد اعضلَ بنا، وقد فرّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرّق بين الرجل وبين ابيه، وبين الرجل وبين اخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنَّ منه شيئاً .

ففعلت تحذيراتُ قريش فعلتَها في نفس الطفيل وهم يكرّرونها عليه بقوة


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 386 ـ 388 .


(486)

وإصرار، حتّى انه قرر ان لا يسمع من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شيئاً، ولا يكلّمه، وحشّى اُذنه ـ حين غدى إلى المسجد للطواف ـ قطناً، خوفاً من أن يبلغه شيء من قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو لا يريد ان يسمعه!!!

يقول الطفيل: فغدوت إلى المسجد فاذا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قائمٌ يصلي عند الكعبة، فقمتُ منه قريباً فسمعتُ كلاماً حسناً من غير اختيار مني فقلت في نفسي: واثكلَ اُمي، واللّه اني لرجل لبيبٌ شاعرٌ ما يخفى علىّ الحسَنُ من القبيح، فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما يقول، فان كان الّذي يأتي به حسناً قبلتُه، وان كان قبيحاً تركتُه؟

فمكثتُ حتّى انصرف رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى بيته فاتّبعته حتّى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمَّد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا، فواللّه ما برحوا يخوّفونني أمرُك حتّى سردت اُذني بكسرف لئلا اسمع قولك ثم اَبى اللّه إلاّ أن يُسمعني قولك فسمعتهُ قولا حسناً، فاعرض علىّ أمرك، فعرض علىِّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الإسلام وتلا علىّ القرآن، فلا واللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمتُ وشهدتُ شهادة الحق. ثم قلت: يا الله نبىّ إني امرؤ مطاعٌ في قومي وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام .

ثم يكتب ابن هشام قائلا: إن الطفيل لم يزل بارض «دوس» يدعوهم إلى الإسلام حتّى هاجر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى المدينة ومضى «بدر» و «اُحد» و «الخندق» فقدم على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمن أسلم معه من قومه وهم سبعون أوثمانون بيتاً ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخيبر فلحقوا جميعاً برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخيبر، وبقي مع النبىّ حتّى قُبِضَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم سار مع المسلمين ـ في زمن الخلفاء إلى «اليمامة» وشارك في معركتها وقُتِلَ فيها(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 382 ـ 385 .


(487)

19
اسطورة الغرانيق

قد يكون بين القرّاء من يودُّ التعرف على اسطورة «الغرانيق» الّتي رواها بعض مؤرّخي السنّة ومعرفة جذورها كما يودّ التعرف على الأيادي الخفية الّتي كانت وراء اختلاق هذه الاسطورة، وأمثالها من الأكاذيب، والمفتريات .

كان اليهودُ وبخاصّة أحبارهم ولا يزالون العدوّ رقم واحد للإسلام .

وقد عَمَد فريقٌ منهم ـ مثل «كعب الاحبار» وغيره ـ ممّن تظاهروا باعتناق الإسلام إلى تحريف الحقائق باختلاق الأكاذيب وجعل الأخبار المفتراة على لسان الانبياء(1) .

ولقد أدرج بعضُ المؤلفين المسلمين بعض هذه المفتريات في مؤلفاتهم وجعلوها في عداد الحديث والتاريخ الصحيح من دون تمحيصها والتحقيق فيها، ثقة بكل من أظهر الإسلام وتظاهر بالإيمان، وانضم إلى صفوف المسلمين!!

ولكنَّ اليوم حيث يجد العلماء فرصة اكبر للتحقيق في هذا النوع من الأحاديث والاخبار، والمنقولات والنصوص وبخاصة بعد أن توفّرت لديهم ، بفضل جهود طائفة من المحققين المسلمين القواعد والضوابط الكفيلة بتمييز


1 - وهي الّتي يُطلَق عليها الاسرائيليات وقد اُلّفَت في هذا المجال بعض الكتب .


(488)

الحسن عن القبيح، والصحيح عن السقيم، وفرز الحقائق التاريخية عن القصص الخياليّة، والروايات الاسطورية .

من هنا لا ينبغي لكاتب مسلم ملتزم أن يعتبر كل ما يراه في مصنّف تاريخىّ أو غير تاريخىّ متقدِّم أمراً صحيحاً مقطوعاً بسلامته، ويرويه في كتابه من دون دراسة وتحقيق، وتمحيص وتقييم .

ماهي اُسطورة الغرانيق؟!

يقولون: إن «الأسود بن المطلب» و «الوليد بن المغيرة» و «اُمية بن خلف» و «العاص بن وائل» وهم من زعماء قريش و اسيادها قالو لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

يا محمَّد هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبدُ فنشترك نحن وانت في الأمر!!

وقالوا ذلك رفعاً للاختلاف، وتضييقاً لشقّة الخلاف فأنزلَ اللّه سبحانه سورة الكافرين الّتي امر فيها نبيّه أن يقول في جوابهم:

(لا أعْبدُ ما تَعْبدُونَ. وَ لا أنتُم عابِدُونَ ما أعْبُد) .

ومع ذلك كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يرغب في أن يساوم قريشاً ويجاربهم وكان يقول في نفسه: ليت نزل في ذلك أمر يقرّبنا من قريش .

وذات يوم وبينما كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتلو القرآن عند الكعبة ويقرأ سورة «النجم» فلما بلغ قوله تعالى:

(أَفرَأَيْتُمْ الّلات وَ العُزّى. وَ مَناةَ الثّالِثَةَ الاُخْرى)(1) .

أجرى الشيطان على لسانِه الجُمْلتين التاليتين:

«تِلْكَ الْغَرانِيقُ الْعُلى مِنْها الشفاعَةُ تُرْتَجى» .

فقرأهما من دون إختيار، وقرأ ما بعدها من الآيات، ولمّا بلغ آية السجدة سجد هو ومن حضر في المسجد من المسلمين والمشركين أمام الاصنام، إلاّ


1 - النجم: 19 و 20 .


(489)

«الوليد» الّذي عاقه كبر سنه عن السجود!!

وفرح المشركون، وارتفعت نداءاتهم يقولون: لقد ذكر «محمَّد» آلهتنا بخير.

وانتشر نبأ هذه المصالحة والتقارب بين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمشركين، المهاجرين إلى الحبشة، فعاد على أثرها جماعة منهم إلى مكة، ولكنّهم ما أن كانوا على مشارف «مكة» إلاّ وعرفوا بأن الأمر تغير ثانية، وأن ملك الوحي نزل على النبىّ وأمره مرة اُخرى بمخالفة الاصنام ومجاهدة الكفار والمشركين، وأخبره بأن الشيطان هو الَّذي أجرى تينك الجملتين على لسانه، وانه لم يقله وأنه ليس من «الوحي» في شيء أبداً .

وعندئذ نزلت الآيات (52 ـ 54) من سورة «الحج» الّتي يقول اللّه تعالى فيها:

(وَ ما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لا نَبِىٍّ إلاّ إذا تَمنّى ألْقى الشَيْطانُ في اُمْنِيّتِه فَيَنْسَخُ اللّه ما يُلْقي الشيْطانَ ثم يُحكِمُ اللّه آياتِهِ وَ اللّه عَلِيمٌ حَكيْمٌ) .

(لِيَجْعَلَ ما يُلْقي الشَيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذين فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسيَةِ قُلُوبِهم، وإن الظّالِمينَ لَفِيْ شِقاق بَعِيْد وَ لِيَعْلَمَ الَّذينَ اُوتُوا العلْم أَنَّه الحقّ مِنْ رَبّك فيُؤمنُوا به فتُخبتُ لَهُ قُلُوبُهم وإنّ اللّه لَهادِ الَّذينَ آمَنُوا إلى صِراط مُسْتقيمْ) .

هذه هي خلاصة اُسطورة «الغرانيق» الّتي أوردها «الطبري» في تاريخه(1) ويذكرها ويردّدها المستشرقون المغرضون بشيء كبير من التطويل والتفصيل!!

محاسبة بسيطة لهذه الاسطورة

لنفترض أن «محمّداً» لم يكن نبياً مرسلا ولكن هل يمكن لأحد أن ينكر ذكاءه وحنكته، وفطنته وعقله .

فهل لعاقل فَطِن، محنَّك لبيب مثله أن يفعل مثل هذا ؟

ان الذكىّ اللبيب الّذي يجد انصاره يتكاثرون ويتزايدون يوماً بعد يوم


1 - تاريخ الطبري ج 2، ص 85 و 76 .


(490)

وتقوى صفوفهم اكثر فاكثر بينما تتفرقُ صفوفُ أعدائه ومناوئيه ويتناقص معارضوه وخصومُه، هل يقدم في مثل هذه الحالة على عمل يوجب ان يسيء الجميعُ ظنَهم به، ويشك الصديق والعدوُ في أمره؟!

هل تصدّق أنت أيها القاريء الكريم أن رجلا ترك جميع الأموال والمناصب الّتي عرضتها قريش عليه، في سبيل دينه الحنيف، وعقيدة التوحيد أن يصبح مرة اُخرى من دعاة الشرك، ومروّجي الوثنية؟؟!

إننا لن نصدّق بمثل هذا الاحتمال في حق مصلح أو سياسي عادي من الساسة والمصلحين فكيف برسول الله ونبيّه العظيم .

رأي العقل في هذه القصة:

1- إن العقل يحكم بان المرشدين الذين يبعثهم اللّه تعالى إلى البشرية لهدايتها وارشادها، وتزكيتها وتعليمها مصونون عن أي خطأ وزلل بقوة (العصمة) الّتي اُوتوها، إذ لو تعرض مثل هؤلاء إلى الخطأ والزلل في اُمور الدين لزالت ثقة الناس بهم وبكلامهم.

يجب علينا ان نقارن بين أمثال هذه القصص، وبين هذا الأصل العقائدىّ المنطقي ونعالج بواسطة معتقداتنا القوية المبرهَنة متشابهات التاريخ ومعضلاته .

إنّ من المسلَّم أن عصمة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تمنعه وتحفظه من أي نوع من هذه الحوادث في تبليغ رسالته السماوية .

2- ان هذه الاسطورة تقوم أساساً على أن النبىّ قد تعب من أداء مهمَّته الّتي ألقاها اللّه سبحانه عليه، وقد شقَّ عليه ابتعاد الوثنيّين عنه، فكان يبحث عن مخلَص من هذا الوضع المتعِب، يكون طريقاً ـ حسب تصوره ـ إلى إصلاح وضعهم!!

ولكن العقل يقضي بأن على الانبياء أن يكونوا صابرين حلماء أكثر ممّا يتصور، وأن يكونوا مضرب المثل عند الجميع في ذلك، فلا يُحدّثوا أنفسَهم بالتهرّب من المسؤولية وترك الساحة مطلقاً، مهما اشتدّت الظروف، وتأزّمت


(491)

الأحوال .

بينما لو صحّت هذه الرواية ـ الاسطورة ـ لكانت دليلا على أنَّ بَطلَ حديثنا قد فَقَد عنان الصبر وأفلت منه زمام الثبات والاستقامة وانه بالتالي تعب وملّ، وضني وكلّ، وهو أمرٌ لا ينسجم مع ما يحكم به العقل السليمُ في حق الأنبياء، كما لا يتفق كذلك مع ما عهدناه من سوابق رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومن مستقبله أبداً .

إن مختلق هذه الاسطورة لم يمرّ بخاطره وباله أنَّ القرآن الكريم شهد ببطلان هذه القصة، إذ يعد اللّه تعالى نبيه الكريم، بأن لا يتسرّب إلى القرآن أي شيء من الباطل إذ قال:

(لا يَاتِيه الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَديْه ولا مِنْ خَلفِه)(1) .

كما وعده أيضاً بأن يَصونه عبَر جميع أدوار البشرية من أي حادث سىّء إذ قال سبحانه:

(إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِكْرَ وَ اِنّا لَهُ لَحافِظُونَ)(2) .

ومع ذلك كيف يستطيع الشيطان الرجيم عدو اللّه أن ينتصر على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويسرّب إلى القرآن شيئاً باطلا، ويصبح القرآنُ الّذي تقوم معارفه وتعاليمه على أساس معاداة الوثنية ومحاربتها داعياً إلى الوثنية؟؟!!

إنه لأمر عجيبٌ جداً أن يفتري مختلِقُ هذه الاسطورة أمراً ضدَّ التوحيد في موضع قد كذّبه القرآنُ قبل هذا المكان بقليل إذ قال اللّه تعالى:

(وَ ما يَنْطِقُ عَنْ الْهَوى. إنْ هُوَ إلاّ وَحْىٌ يُوْحى)(3) .

فكيف يترك اللّه نبيّه ـ وقد وعده بهذا الوعد ـ من دون حفيظ، ويسمح للشيطان بأن يتصرف في قلبه وعقله ولسانه؟؟

إن هذه الأدلة العقلية إنما تفيد من يكون مؤمناً بنبوة محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورسالته .


1 - فصّلت: 42 .
2 - الحجر: 9 .
3 - النجم: 3 و 4 .


(492)

واما المستشرقون الذين لا يعتقدون بنبوته، ويعمدون إلى شرح ونقل وترديد أمثال هذه الأساطير للحطّ من شأن دينه ورسالته فلا تكفيهم هذه الدلائل، فلابدّ أن ندخل معهم في البحث من باب آخر .

تكذيب القِصَّة من طريق آخر

إنّ النصّ التاريخىّ يقول: إن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ هذه السورة، وكبار قريش واكثرهم من عمالقة الكلام، وأبطال الفصاحة والبلاغة العربية حضور في المسجد ومنهم «الوليد بن المغيرة»، متكلم العرب ومنطيقها المفوّه المعروف بينهم بالذكاء وحصافة العقل والنباهة، وقد سمعوا جميعاً هذه السورة إلى ختامها حيث سجد الجميع بسجدتها .

فكيف اكتفى هذا الجمعُ المؤسسُ للفصاحة والبلاغة الذين كانوا ينقدون كل ما يعرض عليهم نقداً دقيقاً؟

كيف اكتفوا بتينك الجملتين اللتين امتدحتا آلهتهم، وقد تضمنت الآيات السابقة عليهما، واللاحقة لهما على شتم آلهتم وتفنيدها، والازدراء بها بصورة صارخة و صريحة؟!

كيف تصور مختلق هذه الاكذوبة الفاضحة، تلك الجماعة أصحاب اللغة العربية وآباءها ونقّاد الكلام المعدودين عند العرب كلّها من عمالقة الفصاحة والبلاغة بلا منازع، والذين كانوا أعرف من غيرهم باشارات تلك اللغة، وكناياتها (فضلا عن تصريحاتها) .

كيف اكتفى هؤلاء بتينك العبارتين في امتداح آلهتهم، وغفلوا عما سبقها ولحقها من الذمّ لها والطعن الصارخ فيها؟

إنه لا يمكن قط أن نخدع العادّيين من الناس بهاتين الجملتين المحفوفتين بكلام مطوَّل يذم عقائدهم وسلوكهم فكيف بمن عُرف باللب، والحصافة، والحكمة والذكاء؟

وها نحن ندرج هنا الآيات المتعلّقة بالمقام ونترك أصفاراً (وفراغاً) في مكان


(493)

الجملتين اللتين اُدّعي اضافتهما، ثم نترك للقاريء نفسه أن يقيم بنفسه هل لتينَك الجملتين مكانٌ بين هذه الآيات (الّتي وردت في ذمّ الاصنام والقدح فيها): وإليك هذه الآيات:

(أفَرَ أَيْتُمُ الّلاتَ والعُزّى وَ مَناةَ الثالِثةَ الاُخرى...(1) أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَ لَهُ الاُنْثى تِلْكَ إذاً قِسْمَةً ضِيْزى * إنْ هِيَ إلاّ أسماء سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وَ آباؤُكم ما أنْزَلَ الله بِها مِنْ سُلْطان)(2) .

ثم هل يسمحُ إنسانٌ عادىّ لنفسه أن يكفَّ عن معاداة نبىٍّ هاجَمَ عقائدهُ طيلة عَشرة اعوام، وهدر إستقلاله وكيانه، وجرَّ عليه الشقاء بتسفيه أحلامه، وشتم آلهته، لعبارات متناقضة وكلام خليط من الذّم الكبير والمدح العابر .

دَليلٌ لغَوىٌّ على تفنيد هذه الاسطورة

يقول العلامةُ الجليلُ الشيخ محمَّد عبده: لم يُستعمَل لفظ الغرانيق في الآلهة أبداً لا في اللغة ولا في الشعر العربي(3) .

و «غرنوق» و «غَرنيق» اللذان جاءا في اللغة استعملا في نوع من طيور الماء أو الشابّ الجميل، ولا يَنطبق أىُ واحد من هذه المعاني على الآلهة .

وقد اعتبر احدُ المستشرقين يدعى «السيروليم مويير» قصة «الغرانيق» هذه من مسلَّمات التاريخ واستدل لها بقوله: لم يكن يمض على هجرة المهاجرين الاول إلى الحبشة اكثر من ثلاثة أشهر يوم صالح محمَّدٌ قريشاً فعادوا إلى مكة .

إن المسلمين الذين هاجَروا إلى تلك الأَرض وكانوا يعيشون في أمن وطمأنينة في جوار النجاشىّ إذا لم يكونوا يبلغهم نبأ مصالحة النبىّ لقريش لما عادوا إلى مكة للقاء بذويهم .

فاذن لابدَّ أَنَّ «محمَّداً» قد تذرَّع بشيء لمصالحة قريش، والتقرّب اليها،


1 - مكان الجملتين المزعومتين: تلك الغرانيق... إلى آخرها.
2 - النجم: 19 ـ 23 .
3 - نقله عنه القاسمي في تفسيره: ج 12، ص 55 ـ 56 .


(494)

وهذا الشيء هو قصة الغرانيق»!!(1) .

ولكن يجب أن نسأل هذا المستشرق المحترم:

أولا: لماذا يجب أن تكون عودة المهاجرين ناشئة عن نبأ صحيح حتماً .

إن النفعيين وذوي الأهواء والأغراض يسعون دائماً إلى بثّ عشرات بل مئات الأخبار الكاذبة بين جماعتهم لتحقيق مارب خاصّة لهم، فما الّذي يمنع من أن نحتمل أن هناك من افتعل خبر مصالحة النبىّ لقريش بهدف إرجاع المهاجرين من الحبشة إلى «مكة». وقد صدق بعض اُولئك المهاجرين هذا الخبر الكاذب فعادوا إلى أرض الوطن، بينما لم ينخدع الآخرون بها وبقوا في الحبشة ولم يعودوا إلى مكة؟؟

ثانياً: لنفترض أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يريد أن يصالح قريشاً، فهل يكونُ الطريق إلى السلام والمصالحة منحصراً في افتعال هاتين الجملتين .

ألم يكن إعطاء مجرَّد وَعد مناسب أو مجرّد السكوت عن عقائدهم كافياً لتهدئة خواطرهم، واجتذاب قلوبهم نحوه؟

وعلى كلّ حال فان عودة المهاجرين لا يكونُ دليلا على صحّة هذه الاُسطورة كما أن المصالحة، والتقارب غير متوقفين على النُطق بهاتين الجملتين .

والأعجب من هذا أن البعضَ تصوَّر الآيات (52 ـ 54 من سورة الحج) قد نزلت في قصة الغرانيق.

وحيث أن هذه الآيات قد وقعت ذريعة بأيدي المستشرقين ومرتكبي جريمة التحريف في التاريخ، فاننا نعمدُهنا إلى توضيح مفاد هذه الآيات، ونبين للقارىء بأنها تنظر إلى امر آخر، ولا ترتبط بهذه القصة بتاتاً.

وها هو نصُّ الآيات المشار إليها:

(وَ ما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لا نَبِىٍّ * إلا إذا تَمنّى ألْقى الشَيْطانُ في اُمْنِيَّتِه فَيَنْسَخُ اللّه ما يُلقي الشَيطانُ ثمَ يُحْكِمُ اللّه آياتِه، واللّه عَليمٌ حَكيمٌ *


1 - راجع حياة محمَّد: ص 165 و 166 .


(495)

ليَجْعَلَ ما يُلْقي الشَّيطانُ فِتْنَةً لِلَّذيْن فِي قُلُوبِهمْ مَرَضُ وَ الْقاسِيَة قُلُوبُهُمْ وَ إن الْظالِميْنَ لَفِي شِقاق بَعيْد وَ لِيَعْلَمَ الَّذينَ اُوْتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمنُوا بهِ فَتخبتَّ لَه قُلوبُهُم وَ أَنَّ اللّه لَهاد الَّذين آمنوا إلى صِراط مُسْتَقِيم) .

والآن يجب أن نبين مفاد الآيات ولنبدأ بالآية الاُولى :

انّ الآية الاُولى تذكِّرُ بثلاثة اُمور هي:

1- انَّ الأنبياء والرسل يتمنون .

2- انَّ الشيطانَ يتدخّل في تمنياتهم .

3- انّ اللّه يمحي آثار ذلك التدخّل .

وبتوضيح هذه النقاط الثلاث يتضح مفاد الآية والمراد منها .

واليك توضيح تلكم النقاط الثلاث:

1- ما هو المقصود من تمني الانبياء والرُسل

لقد كان الأنبياء والرسل يحبّون هداية اُممهم، ونشر دينهم وتعاليمهم فيها، وكانوا يدبّرون اُموراً ويخطّطون خططاً لتحقيق أهدافهم هذه، كما كانوا يتحملون في هذا السبيل كل المتاعب والمصاعب، ويثبتون في جميع المشكلات والمحن .

ولم يكن رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مستثنى عن هذه القاعدة، فقد كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخطط لتحقيق أهدافه كثيراً، ويهيّيء مقدمات ويبيّن القرآن هذه الحقيقة بقوله:

(وَ ما أرْسَلْنا مِنْ رَسُول وَ لا نبىّ إلاّ إذا تَمَنّى) .

فاتّضح إلى هنا المراد من لفظ تمنّى ولنشرح الآن النقطة الثانية .

2- ما هو المقصود من تدخّل الشيطان؟

إن تدخُّل الشيطان يمكن أن يتم على نحوين:

1- أن يوجد الشك والترديد في عزم الانبياء، ويوحي إليهم بأنَّ هناك


(496)

عوائق كثيرة تحول بينهم وبين أهدافهم، ولذلك لن يحرزوا نجاحاً في تحقيق تلك الأهداف .

2- بأن الأنبياء كلما مهّدوا لأمر وهيَّاوا له مقدّماته، وَ ظهرت منهم أمارات تدلُ على أنهم مقدِمون على تنفيذه فعلا أقام الشيطان ومن تبعه من شياطين الانس العراقيل والموانع في طريقهم، ليمنعوهم من الوصول إلى غاياتهم .

أما الاحتمالُ الأول فلا ينسجم لا مع الآيات القرآنية الاُخرى ولا مع الآية اللاحقة .

أمّا مِن جهة الآيات الاُخرى فلأنّ القرآن ينفي بصراحة لا صراحة فوقها أنه لا سلطان للشيطان على أولياء اللّه وعباده الصالحين (ولو بأن يصوّروا لهم بأنهم لن يقدروا على تحقيق آمالهم، وأهدافهم) إذ يقول:

(إن عِبادي لَيْسَ لك عَلَيْهِمْ سُلطانٌ)(1). ويقول أيضاً:

(إنَّه لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذيْنَ امَنُوا وَ عَلى رَبّهم يَتَوكَّلُونَ)(2) .

إن هذه الآيات، والآيات الاُخرى الّتي تنفي سلطان الشيطان على أولياء اللّه وعباده الصالحين، وتأثيره في قلوبهم ونفوسهم لخيرُ شاهد وأفضل دليل على أنَّ المقصودَ من تدخّل الشيطان في تمنيات الأنبياء لَيس بمعنى إضعاف عزيمتهم، وإرادتهم وتكبير الموانع والعراقيل في نظرهم .

أمّا من جِهَة الآيات المبحوثة فانَ الآية الثانية والثالثة تفسِّر وتشرح علّة التدخّل على النحو الآتي:

إننا نختبر بهذا العمل فريقين من الناس: الفريق الأول: الَّذين في قلوبهم مرض، والفريق الثاني: الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر .

يعني أنَّ تدخُّل الشيطان في أعمال الأنبياء عن طريق تحريك الناس ضِدَّهم وضدَّ أهدافهم يوجب مخالفة الفريق الأوّل ومعارضتهم للانبياء في حين يكون الأمر على العكس من ذلك في الفريق الثاني فانه يزيد من ثباتهم وصمودهم .


1 - الحجر: 42، الاسراء: 65 .
2 - النحل: 99 .


(497)

وان بيان أن لتدخل الشيطان في تمنيات الانبياء، مثل هذين الاثرين المختلفين (أي يحمل فريقا على المخالفة وفريقا آخر على الثبات والصمود) يفيد أن المراد بالتدخل هنا هو المعنى الثاني، يعني ان التدخل يحصل عن طريق تحريك الناس ضدّهم، وإلقاء الوساوس في قلوب أعدائهم، وخلق الموانع والعراقيل في طريقهم لا أنهم يتصرفون في نفوس الأنبياء وقلوبهم ويضعفون ارادتهم وعزمهم.

إلى هنا اتضح معنى تدخّل الشيطان في تمنيات الانبياء والرسل.

والآن حان الحين لتوضيح المطلب الآخر يعني محو آثار هذا التدخل .

3- ما هو المقصود من محو آثار التدخل؟

إذا كان معنى تدخّل الشيطان هو تحريك الناس وتأليبهم ضد الانبياء ليمنعوا الأنبياء والرسل من التقدم في أهدافهم، فان محو آثار التدخّل الشيطاني من قبل اللّه ـ حينئذ ـ يكون بمعنى ان اللّه يدفع عن أنبيائه ورسله كيد الشيطان ليتضح الحقُ للمؤمنين، ويكون إختباراً لمرضى القلوب كما يقول تعالى في آية اُخرى.

(إنّا لَنَنْصُر رُسُلَنا وَ الَّذيْنَ آمَنُوا فِي الحَياة الدّنْيا)(1) .

وخلاصة القول: أن القرآن يخبر ـ في هذه الآيات ـ عن سنة للّه قديمة في مجال الأنبياء وهي :

إن تَمنّي التقدم في الأهداف وتمنّي التوفيق في هداية الناس هو فعل الانبياء دائماً .
ثم يأتي الدور لتدخّل الشيطان وأتباعه من شياطين الإنس والجنّ، وذلك بايجاد الموانع والعقبات في طريق الأنبياء والرسل .

ثم يأتي من بعد ذلك حلول المدد الآلهي الغيبىّ بمحو و فسخ كلّ التدابير الشيطانية المضادّة لأهداف الانبياء المعرقِلة لتحقيق أمانيّهم .

وهذه هي إحدى السنن الالهية الثابتة الّتي جرت في جميع الاُمم السالفة .


1 - غافر: 51 .


(498)

إن تاريخ الأنبياء والرسل وقصصهم من نوح وإبراهيم وأنبياء بني إسرائيل وبخاصّة موسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ ، و تاريخ حياة الرّسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خير شاهد على هذا المطلب .

وينبغي إستكمالا لهذا البحث أن نقول: ولأجل ما ورد على هذه القصة الاُسطوية من مؤاخذات رفضها وفنّدها بعض المحققين من أهل السنة إذ قال بعد ذكرها على النحو الّذي ادرجها الطبري في تاريخه وأرسله ارسال المسلّمات:

وأهل الاُصول يدفعون هذا الحديث بالحجة .

ومن صحَّحهُ قال فيه أقوالا :

منها: ان الشيطان قال ذلك وأذاعه والرسول عليه الصلاة والسَّلام لم ينطق به .

(وذكر وجوهاً اُخرى ثم قال:) والحديث على ما خيّلت غير مقطوع بصحته(1) .


1 - راجع هوامش السيرة النبويَّة: ج 1، ص 364 .

Website Security Test