welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(426)


(427)

16
رأي قريش في القرآن

ان البحث حول حقيقة الاعجاز القرآني أمرٌ خارج عن اطار هدفنا في هذا الكتاب فذلك متروكٌ إلى الكتب الإعتقادية والكلامية .

ولكن الأبحاثَ التاريخيَّة تهدينا إلى أن القرآن الكريم كان من أكبر وأقوى اسلحة الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحيث خضع أمام فصاحته البالغة وحلاوة كلماته وقوة آياته، وعباراته، اساتذة الفصاحة والبلاغة واُمراء البيان والكلام، وعمالقة الكتابة والخطابة، واعترفوا برمَّتهم، وقضّهم وقضيضهم بأَنَّ القرآن الّذي جاء به محمَّد يحتل أعلى مكان في الفصاحة والبلاغة، وأنَّ مثل هذا الحديث لم يعرفه البشر ولم يعهد له التاريخ الانساني نظيراً .

فلقد كانت جاذبيّة «القرآن الكريم» وتأثير حديثه بحيث ترتعد عند استماع آياته فرائص أعدى اعدائه، وربما انهارت قواه، فبقي مدة طويلة، لا يقوى على حِراك، ولا يملك فعل شيء .

وفيما يلي نذكر بعض النماذج في هذا المجال:

حُكمُ الوَليد في القرآن:

كان «الوليدُ بن المغيرة» ممن يرجُع إليه العربُ لحل الكثير من مشاكلها ،


(428)

وكان ذاسنٍّ، وثروة كبيرة فيهم .

وعندما واجهت قريش مشكلة ظهور الإسلام وانتشاره في القبائل مشى فريقٌ منهم إلى الوليد يلتمسون منه حلا لهذا الأمر الّذي بات يهدّد كيان الزعامة المكيّة الجاهلية، وطلبوا منه أن يبيّن رأيه في القرآن الكريم وقالوا: هل هو سِحر امْ كهانة امْ حديث قد حاكَهُ بنفسه .

فاستنظرهم «الوليد» ليعطي رأيه فيه بعد أن يسمع شيئاً من القرآن، فأتى إلى الحجر حيث كان يجلس النبىُّ، ويتلو القرآن، فقال: يا محمَّد أنشدْني شعرك.

فقال النبىُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ما هو بشعر، ولكنّه كلام اللّه الّذي به بعث انبياءه ورسله .

فقال: اُتلُ علىّ منه، فقرأ عليه رسول اللّه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم» .

فلما سمع: الرحمان، استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى بالرحمان؟

قال. لا، ولكني أدعو إلى اللّه وهو الرحمان الرحيم ثم افتتح سورة «حم السجدة» فلما بلغ إلى قوله تعالى:

(فان أعرَضوا فَقلْ أنذَرتُكُمْ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) .

وسمعه الوليد، فاقشعر جلده، وقامت كل شعرة في راسه ولحيته، ثم قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش .

فقالت قريش: يا ابا الحكم صبا ابو عبد شمس إلى دين محمَّد، أما تراه لم يرجع الينا وقد قبل قوله، ومضى إلى منزله .

فاغتمت قريش من ذلك غماً شديداً وغدا عليه ابوجهل فقال: يا عم نكّست رؤوسنا وفضحتنا.

قال: وما ذاك يا ابن أخي؟

قال: صبوت إلى دين محمَّد.

قال: ما صبوتُ واني على دين قومي وآبائي، ولكني سمعت كلاماً صعباً


(429)

تقشعر منه الجلود فقال أبوجهل: أشِعر هو؟

قال: ما هو بشعر .

قال: فخطبٌ هي؟

قال: لا وان الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور، لا يشبه بعضُه بعضاً، له طلاوة .

قال: فكأنه هي؟

قال: لا.

قال: فما هو؟

قال: دعني افكر فيه .

فلما كان من الغد، قالوا: يا ابا عبد شمس ما تقول؟ قال: قولوا: هو سحر فانه أخذ بقلوب الناس فأنزل اللّه سبحانه فيه:

(ذَرْني وَ مَنْ خَلقْتُ وَحيداً * وَ جَعلْت لَهُ مَالا مَمْدُوداً * وَ بَنينَ شُهُوداً) إلى قوله: (عَليْها تِسْعَة عَشر)(1)(2) .

* * *

نموذَجٌ آخرٌ:

كان «عتبة بن ربيعة» من كبراء قريش واشرافها، ويوم أسلم «حمزة» وأصبح أصحاب رسول اللّه يزيدون ويكثرون اغتمّت قريش كلّها، وخشي زعماء المشركين ان ينتشر الإسلام اكثر من هذا فقال عتبة وهو جالس في نادي قريش يوماً، ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى «محمَّد» فاكلّمه وأعرض عليه اُموراً لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟


1 - المدثر: 11 ـ 30 .
2 - بحارالأنوار: ج 17، ص 211 و 212، إعلام الورى بأعلام الورى: ص 41 و 42 .


(430)

فقالوا: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلّمه .

فقام إليه «عتبة» حتّى جلس إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقال: يابن أخي إنك منّا حيث ما قد علمت من الشرف في العشيرة والمكان في النسب، وانك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرّقت به جماعتهم وسفّهت به أحلامَهم، وعبت به آلهتهم، ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني اُعرض عليك اُموراً تنظر فيها لعلّك تقبل منها بعضَها، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قل يا أبا الوليد اسمع .

قال: يا ابن أخي إن كنتَ إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون اكثرنا مالا، وان كنت تريد به شرفاً سَوَّدناك علينا حتّى لانقطع أمراً دونك، وإن كنتَ تريدُ به مُلكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الّذي يأتيك رئيّاً (وهو ما يتراءى للناس من الجنّ) تراه لا تستطيع ردَّهُ عن نفسك طلبنا لك الطبَّ، وبذَلنا فيه أموالنا حتّى نُبرئك منه فإنه ربّما غلب التابع على الرجل حتّى يداوي منه، حتّى إذا فرغ «عتبة»، ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يستمع منه قال: أقد فرغتَ يا أبا الوليد؟ قال: نعم قال: فاسمع منّي; قال: إفعل، قال:

(بِسم اللّه الرحمن الرَّحيم. حم * تَنْزيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرآناً عَربيّاً لِقَوْم يَعْلَمُونَ. بَشيراً وَ نَذيراً فَأَعْرضَ اكثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَ قالُوا قُلُوبُنا في أكنّة مِمّا تَدْعُونا إليْهِ)(1) .

ثم مضى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيها يقرؤها عليه، فلمّا سمعها منه «عتبة» أنصتَّ لها وألقى يديه خلفَ ظهره معتمداً عليهما يسمع منه وبقي على هذه مدة من الزمن صامتاً وكأنه قد سُلِبَ قدرة النطق، ثم انتهى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى السجدة فسجد ثم قال:

«قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنتَ وذاك» .


1 - فصلت: 1 ـ 5 .


(431)

فقام «عتبة» إلى أصحابه وقد تغيَّرت ملامحُه فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الّذي ذهبَ به!! فلما جَلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟

قال: ورائي اني قد سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللّه ليكوننَّ لقوله هذا الّذي سمعتُ منه نبأ عظيم، فان تصِبهُ العربُ فقد كفيتموه بغيركم، وان يظهر على العرب فمُلكه ملكُكُم، وعزُه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به.

فانزعجت قريشٌ من مقالة «عتبة» هذا وسخرت به وقالت: سحرَكَ واللّه يا ابا الوليد بلسانه!!

قال: هذا رأيي، فاصنَعوا ما بدا لكم(1).

هذان نموذجان من رأي كبار فصحاء العرب في العهد الجاهلىّ، في القرآن الكريم .

على أن هناك أمثلة ونماذج اُخرى كثيرة في هذا المجال .

تحججاتُ قريش العجيبة:

اجتمع «عتبة بن ربيعة»، و «شيبة بن ربيعة» و «أبوسفيان بن حرب» و «النضر بن الحارث»، و «أبو البختري»، و «الوليد بن المغيرة»، و «ابوجهل» و «العاص بن وائل» وغيرهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: إبعثوا إلى «محمَّد» فكّلِمُوه، وخاصموه حتّى تعذروا فيه، فبعثوا إليه; فجاءهم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سريعاً وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلَّمهم فيه بداء وانهم قد غَيَّروا مواقفهم، وكان يحبّ رشدهم وهدايتهم حتّى جلس إليهم.


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 293 و 294 .


(432)

فقالوا له: يا محمَّد إنّا قد بعثنا إليك لنكلّمكَ، وانّا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخلَ على قومه مثلَ ما أدخلتَ على قومك لقد شتمتَ الآباء، وعبتَ الدّين، وشتمت الآلهة... ومضوا يعددون أُموراً من هذا القبيل ثم اقترحوا عليه اُموراً ذكرها اللّه تعالى بتمامها في الآية 90 إلى 93 من سورة الإسراء حيث يقول حاكياً عن لسانهم:

(وَ قالُوا لن نُؤمن لَك حَتى

1- تفجُرَ لَنا مِنَ الأَرض يَنْبُوعاً.

2- أوْ تكون لك جَنَّةٌ مِن نَخيْل و عنَب فَتُفجّر الأَنْهارَ خِلالَها تفجيراً .

3- أوْ تُسقطَ السَماء كما زعَمْتَ عَلْينا كِسَفاً.

4- أوْ تأتي باللّه وَ الملائكة قبيلا .

5- أو يكُونَ لكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُف.

6- أوْ ترقى في السَماء ولن نؤمنَ لِرُقيِّكَ حَتّى تُنزِّلَ عَليْنا كِتاباً نَقْرؤُهُ)!!

* * *

وحيث أنَّ مضمون هذه الآيات هو عدم تلبية النبىّ لِمطالبِ قُريش حيث قال: (قُلْ سُبْحانَ اللّه رَبّي هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشراً رَسُولا) قد تذرع به المستشرقون للايقاع بالرسالة المحمَّدية لذلك نعمد هنا إلى توضيح مفاد هذه الآيات والعلل المنطقيّة لعدم تلبية النبىّ مطالب قريش ومقترحاتهم .

الجواب: إنَّ الأنبياء لا يأتون بالمعاجز في كل ظرف و زمان، فإن للاعجاز شروطاً خاصة لم تتوفر في هذه الاقتراحات، وهذه الشروط هي:

أولا: أن لا تكون المعجزة من الاُمور المستحيلة الّتي لا يمكن تحقّقها، فإنّ مثلَ هذه الاُمور خارجة عن إطار القدرة، ولا تتعلق بها مشيئة اللّه تعالى ولا مشيئة أىّ صاحب إرادة مطلقاً .

وعلى هذا الأساس إذا طلب الناسُ من النبىّ أمراً محالا، فقوبل طلبهم بعدم الاهتمام من قبل النبىّ لم يكن ذلك دليلا على إنكار صدور المعجزة على أيدي الأنبياء قط .


(433)

هذا الشرط لم يكن متوفراً في بعض مقترحات المشركين المذكورة (المقترح الرابع) فانهم طَلبوا من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ان يأتي لهم باللّه سبحانه وتعالى ليقابِلوه وجهاً لوجه، ويروه جهرة ومن قريب، ورؤية اللّه تعالى امر محال، لأن رؤيته تستلزم أن يكون سبحانه محدوداً بالزمان والمكان، وأن يكون جسماً وذا لون وصورة وهو تعالى منزهٌ عن المادّة ولوازم المادية .

بل حتّى مقترحُهم الثالث لو كان المقصود منه أن تسقط السماء عليهم (لا أن تسقط قطعة من الصخر على رؤوسهم و تقتلهم) فان ذلك هو أيضاً من المحالات إذ أن المشيئة الالهية تعلّقت بان يفعل اللّه هذا في نهاية العالم، والنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قد أخبر المشركين بهذا الأمر أيضاً كما يدل عليه قولُهم: «كما زعمتَ» .

إنَّ إنهدامَ المنظومة الشمسيّة وتبعثرَ النجوم وتساقطها وإن لم يكن في حد ذاته بالأمر المحال، ولكنّه ـ حسب المشيئة الإلهية الحكيمة وإرادته النافذة القاضية بأن يستمر النوع البشري، ويصل إلى مرحلة الكمال ـ يعدّ محالا، ولا يمكن أن يفعل حكيمٌ خلاف ما يقتضيه هدفه وغايته .

ثانياً: حيث أنّ الغاية المنشودة من اقتراح وطلب الإعجاز هو أن يستدِلّ به على صدق دعوى النبىّ، وصحة انتسابه إلى اللّه، وبالتالي يكون بدافع تحصيل سند على ارتباطه بعالم ما فوق الطبيعة، لذلك فان أىّ اقتراح ومطالبة بالمعجزة لا تتوفر فيها هذه الصفة يعني على فرض أن يلبىّ النبىُ طلبَهم ويأتي لهم بالمعجزة لا يكون ذلك دليلا على ارتباطه بعالم الغيب، فحينئذ لا معنى ولا موجب لأن يقوم النبىُّ بما لا يرتبط بشؤونه ولا يخدم هدفه .

وقد كانت بعض مقترحات المشركين المذكورة من هذا النوع، وذلك مثل تفجير ينبوع من الأرض، أو أن تكون له جَنّة من نخيل وعنب، أو أن يكون له بيتٌ من زخرف وذهب، فإنّ مثل هذه الاُمور لا تدل على نبوّة من يمتلكها إذ ما اكثر الذين يمتكلون واحدة من هذه الأشياء وليسوا مع ذلك بأنبياء، بل ربما يملكون اكثر من ذلك، ومع ذلك لا يشم فيهم رائحة الايمان فضلا عن النبوة .


(434)

فاذا لم ترتبط هذه الأشياء بمقام النبوّة، ولا تكون دليلا على صدق من يدّعيها كان الإتيان بها أمراً لغواً وعبثاً تعالى عنه مقام النبوّة، وجلّت عنه منزلة الأنبياء .

وقد يقال: إنَ هذه الاشياء(1) لا تدل على صدق دعوى النبي إذا حصلت عن طريق الأسباب العادية، ولكنّها لو حصلت بصورة غير عاديّة ولا متعارفة كانت ولا شك من المعاجز الالهية، ودلت على صدق النبي وصحة دعواه .

ولكنّ الظاهر أن هذه فكرةٌ باطلة لان المشركين كانوا يهدفون من اقتراحاتهم هذه أن يكون النبىُّ صاحب مال و ثروة، فقد كانوا يستبعدون أن يكون نبىُّ اللّه ورسولُه فقيراً لا يملك شيئاً من الثروة والمال، وكانوا يعتقدون أنّ الوحي الالهي يجب أن ينزل على رجل غنىّ ذي طول وحول، ولذلك قالوا مستغربين ومستنكرين:

(وَ قالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذا القُرانُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَريتين عَظِيم)(2)؟!!

أي لماذا لم ينزل هذا القرآن على رَجُل ثَرىّ من مكة أو الطائف .

وممّا يدلّ على أن الهدف كان هو أن يملك النبىُ مثل هذه الاُمور بأي طريق كان، ولو بالطريق العادىّ أنهم كانوا يريدون هذه الاشياء للنبىّ نفسه إذ قالوا:

(أوْ يكونَ لكَ بيتٌ مِنْ زُخْرُف)(3) .

وبعبارة اُخرى: كانوا يقولون إذا أنت لا تمتلك بستاناً أو بيتاً من ذهب فاننا لن نؤمن لك!!

ولو كان الهدف هو أن يحصل هذان الأمران بواسطة القدرة الغيبية لم يكن وجه حينئذ لقولهم: ما لم يكن «لَكَ» بيتٌ من زخرف، فاننا نؤمن بك بل كان يكفي أن يقولوا: إذا لم تحدِث وتوجد بيتاً وجنّة فاننا لن نؤمن لك .


1 - أي الامور الثلاثة المقترحة الينبوع والجنة والبيت من ذهب .
2 - الزخرف: 31 .
3 - الاسراء: 93 .


(435)

أمّا قولهم في مطلع اقتراحاتهم: «تُفجّرَ لَنا منَ الأَرض يُنبوُعاً» فان مقصودَهم لم يكن هو أن يستخرج لهم بالاعجاز ينبوعاً لينتفعوا به، بل يفعل ذلك لكي يؤمنوا به .

ثالثاً: انَ المقصود من المعجزة هو الاهتداء في ضوئها إلى صحّة دعوى النبىّ وصدق مقاله، والإيمان بمنصبه، والإعتقاد بمقامه، وعلى هذا إذا كان بين المقترحين للمعجزة من يكونُ الاتيان له بالإعجاز سبباً لإيمانه بالنبىّ، فحينئذ كان الاتيان بالمعجزة وتلبية اقتراحه أمراً مستحسناً، وغير مقبوح عقلا .

أما إذا كان المقترحون، يقترحون عناداً ولجاجاً، أو يطلبون ما يطلبونه لهواً وتسليةً كما يفعل الناس مع السحرة والمرتاضين فانَ منزلة الأنبياء أجلّ ـ حينئذ ـ من أن يلبىَّ مثلَ هذه المقترحات، ويستجيب لمثل هذه المطالب، وقد كانت بعض إقتراحات المشركين من هذا النمط .

فان مطالبتهم بأن يصعَدَ النبىُّ إلى السماء، أو أن يُنزل من السماء كتاباً يقرأونه لم يكن بهدف إكتشاف الحقيقة لأنهم لو كانوا ممن يهدف الوصول إلى الحقيقة فلماذا لم يكتفوا بمجرّد صعوده إلى السماء بل كانوا يصرّون على أن يضمَّ أمراً آخر إلى عروجه وصعوده (وهو أن ينزّل معه كتاباً)!!

ثم أنه يُستفاد من آيات اُخرى، غير هاتين الآيتين ايضاً، أنهم كانوا سيعاندون، ويصرون على كفرهم حتّى بعد نزول الكتاب عليهم من السماء كما يصرح بذلك قوله تعالى:

(وَ لَوْ نَزلنا عَلَيْكَ كِتاباً في قِرطاس فَلَمَسُوهُ بِأيْديْهِمْ لَقالَ الَّذينَ كَفرُوا إنْ هَذا إلاّ سِحْرٌ مُبِيْنٌ)(1).

فمن غير المستبعد أن يكون الكتابُ المنزّلُ في قرطاس إشارة إلى إقتراح المشركين الّذي جاء ضمن آيات سورة الاسراء أي قولهم: (أوْ تَرْقى في السَّماء وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقيِّك حَتّى تُنزِّلَ عَليْنا كِتاباً نقرأوه)(2) فقال اللّه سبحانه: حَتّى لَو


1 - الانعام: 7 .
2 - الأسراء: 93 .


(436)

فعلنا لهم ذلك لكفروا، واحجموا عن الإيمان .

رابعاً: إنَّ طلبَ المعجزة إنّما هو لأجل أن يستتبع الاتيانُ بها الإيمانَ بالرسالة والانضمام إلى صفوف المؤمنين، فاذا كانت نتيجةُ المعجزة هي إباء المقترحين استلزم ذلك نقض الغرض المنشود من المعجزة، وانتفاء فائدتها.

فاذا كان المقصود من سقوط السماء عليهم، هو نزول الصخور السماوية لابادتهم فان هذا الطلب لا يتفق أبداً مع هدف الإعجاز وهو من أوضح مصاديق نقض الغرض .

وبالتالي ينبغي أن نذكّر بنقطة وهي: أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على خلاف ما تصوّر المستدلّون بهذه الآية على نفي اية معجزة لرسول الإسلام ـ لم يصف نفسه بالعجز وعدم القدرة على الاتيان بالمعجزة بل أفاد بقوله: (سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشراً رَسُولا)(1) أمرين:

1ـ تنزيه اللّه، فهو بقوله: (سبحانَ ربّي) نزّه اللّه تعالى عن كل عجز ونقص كما نزّهه عن الرؤية ووصفه بالقدرة على كل شيء ممكن .

2- محدوديّة قدرة النبىّ، إذ بقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (هَلْ كُنْتُ إلا بَشراً رَسُولا) أفاد بأنه امرىء مأمور لا أكثر وأنه مطيعٌ لأمر اللّه وإرادته فهو يأتي بما يريد ربُّه، والأمرُ إلى اللّه كله، وليس للنبىّ أن يُلبّي أىَ طلب واقتراح بارادته .

وبعبارة اُخرى: ان الآية ركّزت في مقام الجواب على طلبهم بعد تنزيه اللّه عن العجز والرؤية على كلمتي: «البشر والرسول» والهدف هو انه: إذا أنتم قد طلبتم هذه الاُمور منّي من جهة إنني بشر، كان طلبكم هذا طلباً غير صحيح، لأن هذه الاُمور تحتاج إلى قدرة الهية .

وإن طلبتموها منّي من جهة اني نبىُّ رسولٌ فان النبي والرسولَ ما هو إلاّ إمرىء مأمورٌ يفعلُ ما ياذنُ به اللّه، وليس له ان يفعل ما يشاء هو دون إرادة اللّه تعالى .


1 - الأسراء: 93 .


(437)

وبهذا اتضح أن هذه الآيات لا تدلُّ على ما استدل به النافون لمعاجز النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وكان ممّا تَحججت به قريش على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انّهم قالوا:

لَوْ كانَ مُحمَّداً نبيّاً لشغَلته النبوةُ عن النساء ولأمكنه جمع الآيات (اي لأتته الآيات دفعة واحدة) ولأمكنه منعُ الموت عن اقاربه ولما مات أبوطالب وخديجة فنزل قولُه تعالى:

(وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيّة وَ ما كانَ لِرَسُولِ أنْ يأَتي بآية إلا باِذن اللّه لِكل أجل كِتاب. يمحو اللّه ما يشاء وَيُثبت وَ عِنْدَهُ اُمُّ الْكِتاب. وَ إنْ مّا نرينَّك بعضَ الَّذي نَعدُهُمْ أو نَتوفينَّكَ فَإنَّما عَليْكَ البَلاغُ وَ عَليْنا الْحِسابُ) .

وبذلك ردّ عليهم(1)(2).

الدوافع وراء معاداة قريش وعنادهم:

هذا القسم هو احدى النقاط الجديرة بالدراسة في تاريخ الإسلام، لأن المرء قد يسائل نفسه، لماذاترى كانت قريش تعارض رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أشدّ المعارضة رغم أنها كانت تعتبره الصادق الأمينَ ولم تعهد منه انحرافاً أو خطأ قط وكانت تسمع كلامَه الفصيح البليغ الّذي يأسر القلوب، وربما شاهدوا حدوث بعض الخوارق للعادة، الخارجة عن حدود القوانين الطبيعية على يديه .

إن لهذا التمرد والمعارضة يعود إلى علة أو علل عديدة هي:

1- حَسَدُهُمْ للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

لقد عارض رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخالفه فريقٌ ممن عارضه بسبب


1 - الرعد: 38 ـ 40 .
2 - بحارالأنوار: ج 19، ص 17 عن المناقب .


(438)

حسدهم له، فقد كانوا يتمنُّون أن يكونوا هم صاحب هذا المنصب، وصاحب هذه المنزلة .

فقد قال المفسِّرونَ عند قوله تعالى: (وَ قالُوا لَولا نُزِّلَ هذا الْقُرانُ عَلى رَجُل مِنَ القَريَتَيْنِ عَظيم)(1) أن «الوليد بن المغيرة» قال: أيُنزَّل على محمَّد واُترك وأنا كبير قريش وسيّدها ويترك «ابو مسعود عمرو بن عمير الثقفي» سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين فأنزل اللّه تعالى فيه الآية(2) .

وروى انه قال: واللّه لو كانت النبوّة حقاً لكنتُ أولى بها منكَ لأنَّنِي اكبرُ منكَ سناً وأكثر منكَ مالا(3) .

وكان «اُميّة بن أبي الصلت» من الذين كانوا يقولون هذا الكلام حول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان يتمنى كثيراً أن ينال هو هذا المقام ويحظى بهذا المنصب العظيم، ولم يتبع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى آخر حياته، وكان يؤلّب الناس عليه .

وقد سأل «الاخنسُ بن شريق» ـ وهو من أعداء رسول اللّه ـ أبا جهل يوماً يا ابا الحكم ما رأيك فيما سمعتَ من «محمَّد» ؟

فقال: ماذا سمعتُ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ، أطعَمُوا فأطعَمنا، وحَملوا فحمَلنا، وأعطوا فأعطينا حتّى إذا تجاذبنا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبىُّ يأتيه الوحيُ من السماء، فمتى تدركُ مثل هذه، واللّه لا نؤمنُ به أبداً ولا نصدّقه(4) .

هذه النماذج تُظهِرُ الحسد الّذي كان يحول بين زعماء قريش وساداتها وبين إتّباع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتصديقه، فَعثَوا على اللّه وتركوا أمره عياناً، ولجّوا فيما هم عليه من الكفر، وهناك نماذج وأمثلة اُخرى سجّلتها صفحات التاريخ أعرضنا عن إدراجنها هنا .


1 - الزخرف: 31 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 361 .
3 - بحارالأنوار: ج 18، ص 235 .
4 - السيرة النبوية: ج 1، ص 315 و 316 .


(439)

2- معارضة الدعوة الإسلامية لشهواتهم:

وكان لهذا العامل الأثر الاكبر في عتو قريش و معارضتها لدعوة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنهم كانوا أصحاب لهو ولعب، وفسق ومجون، ومثل هؤلاء الذين أمضوا سنوات عديدة على هذا النحو، دون ان يقيّدهم شيء من الحدود والقيود، وجَدوا دعوة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تخالف عاداتهم القديمة، وكان ترك مثل تلك العادة الّتي تتفق معه أهوائهم ورغباتهم النفسيّة أمراً يلازم النصب والعناء والجهد .

3- الخَوفُ مِن عُقُوبات اليوم الآخر:

إن سماع آيات العذاب الّتي تنذر الفَسقة والظالمين وتوعدهم بالعقوبات الثقيلة ارعب قلوبهم، وأقلق نفوسهم بشدة.

فعند ما كان رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتلو الآيات المتعلّقة بيوم القيامة وأوضاعه، وقضاياه في الاجتماعات والاماكن العامة، كان يحدث بذلك ضجةً كبرى في أوساطِهِم، فيهدم مجالس لهوهم، واُنسهم .

إنّ العربي الّذي كان يسلِّحُ نفسه بكل ما استطاع من سلاح ليدفع عن نفسه أىَ خطر محتمل، ويعمد إلى ممارسة القرعة ويتعاطى الانصاب والازلام ليحصل على لقمة عيشه، ويتفأل بالاحجار، ويتطيّر ويتشاءم بالطيور ويستدلُّ بحالاتها على حوادث وقَعت أوتقعُ، لم يكن على استعداد لأن يهدأ من دون ان يحصل على ضمان بعدم التعرض لما يخبر عنه «محمَّد» من عذاب وعقاب!!

من هنا كانوا يحاربون النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويخالفونه حتّى لا يسمعوا وعده ووعيد.

واليك بعض الآيات الّتي كانت تقلق بشدة نفوس المترفين من قريش:

(فَإذَا جَاءت الصّاخَّةُ. يَومَ يفرُّ المرْءُ مِن أخيه. وَ اُمِّه وأبيهِ. وَ صاحبِتِه وَ بَنيِه لِكُلِّ أمرىء مِنْهُمْ يَوْمَئذ شَأَنٌ يُغْنِيه)(1) .


1 - عبس: 33 ـ 37 .


(440)

وبينما كانوا يمدّون موائد اللهو والشراب في ظلال الكعبة ويحتسون كؤوس الخمر كانوا فجأة يسمعون هذه الآية:

(كُلّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدّلْناهُمْ جُلُوداً غَيرَها لِيذُوقْوا العَذابَ)(1).

فتلقي في نفوسهم رعباً عجيباً، وينتابهم الاضطراب الشديد حتّى أنهم كانوا يلقون بكؤوس الخمر جانباً ويتملكهم خوف شديدٌ لم يعرفوا له مثيلا.

4- الخَوفُ مِن القَبائل العَربية المشركَة:

قال «الحارث بن نوفل بن عبد مناف» لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : انا لنعلم أنَّ قولك حقٌ ولكن يمنُعنا أن نتبع الهُدى ونؤمن بك مخافةَ أن يتخطفنا العربُ من أرضنا (إن تركنا الوثنية التي تدين بها ويعتبروننا سَدنة لأوثانها) ولا طاقة لنابها. فنزل قوله تعالى يرد عليهم:

(وَ قالُوا إنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أرضنا أوَ لَمْ نُمكِّنْ لَهُمْ حَرماً آمِناً يُجبى إليه ثمراتُ كُلِّ شيء رزْقاً مِنْ لَدُنَّا)(2)(3) .

وهكذا كان تخوّف قريش من العرب إن هي تركت ما كان عليه العربُ من الوثنية والشرك أحد الاسباب لعتوهم وَ إعراضهم عن قبول الدعوة الإسلامية.

طائفةٌ مِن اعتراضات المشركين:

وربما اعترض المشركون على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قائلين: إن هذه الارض ليست بأرض الانبياء، وإنما ارضُ الأنبياء الشامُ فآت الشامَ(4).

وكان اكثر المشركين يقولون ـ وذلك بوحي من اليهود ـ لماذا لا ينزل القرآن على «محمَّد» دفعة واحدة كالتوراة والانجيل فحكى القرآن الكريم إعتراضهم


1 - النساء: 56 .
2 - القصص: 57.
3 - بحارالأنوار: ج 18، ص 236 .
4 - بحارالأنوار: ج 18، ص 198 .


(441)

هذا بنصه إذ قال:

(وَ قالَ الَّذيْنَ كَفرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَليْهِ الْقُرانُ جُمْلةً واحِدَةً) .

ثم قال تعالى ردّاً على إعتراضهم هذا:

(كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بهِ فُؤادَكَ)(1) .

إن القرآن يهتم بهذا الإعتراض، ويوضح مسألة «النزول التدريجي» للقرآن الكريم و يقطع الطريق على المستشرقين المغرضين ومن حذى حذوهم، بمنطقه المحكم، وبيانه القوىّ .

وها نحن نعمد هنا إلى إعطاء شيء من التوضيح لهذه المسألة ايضاً:

القُران و النُزُولُ التدريجىّ:

إن التاريخ القطعىّ لنزول القرآن وكذا مضامين آيات سوره تشهد بأن آيات القرآن الكريم وسوره نزلت تدريجاً .

فبمراجعة فاحصة لأوضاع مكة، والمدينة يمكن تمييز المكىّ من هذه الآيات عن مدنيّها .

فالآيات الّتي تتحدثُ عن مكافحة الشرك والوثنية ودعوة الناس إلى اللّه الواحد، والإيمان باليوم الآخر مكيّة، بينما تكون الآيات الّتي تدور حول الأحكام وتحثُّ على الجهاد والقتال مدنيّة، ذلك لأنّ الخطاب في البيئة المكيّة كان موجَّهاً إلى المشركين عَبدة الاوثان الذين كانوا ينكرون توحيدَ اللّه، واليوم الآخر، فهنا تكونُ الآيات الّتي تتحدث حول هذا الموضوع قد نزلت في هذه البيئة .

في حين كان الخطاب في المدينة المنورة موجّها إلى المؤمنين باللّه، وإلى جماعة اليهود والنصارى، وكان الجهاد والقتال في سبيل إعلاء كلمة اللّه هو الأعمال المهمّة الّتي بدأها رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وواصلها في هذه البيئة، من هنا تكون الآيات الّتي تتضمن الحديث حول الاحكام والفروع والقوانين، ويدور


1 - الفرقان: 32 .


(442)

الحديث فيها أيضاً حول عقائد اليهود والنصارى ومواقفهم وتتضمن الحثَّ ـ كذلك ـ على الجهاد والقتال والتضحية في سبيل اعلاء كلمة اللّه وإعزاز دينه، آيات مدنيّة .

إنّ كثيراً من الآيات ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالحوادث الّتي وقعت في زمن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهذه الحوادث هي الّتي تشكّل ما يسمّى بشأن أو أسباب النزول التي يكون الوقوفُ عليها مُوجباً لفهم مفاد الآية، وإيضاح مفادها، فان وقوع هذه الحوادث كان سبباً لنزول آيات فيها بالمناسبة .

على أن بعض الآيات الاُخرى نزلت جواباً على أسئلة الناس، ولرفع حاجاتهم في المجالات المختلفة .

والبعضُ الآخر منها نزلت لبيان المعارف والأحكام الالهية .

ولهذه الاسباب يمكن القولُ بان القرآن الكريم نزل على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تدريجاً لتدرّج موجبات النزول .

وقد صرَّح القرآن الكريم بهذا الامر أيضاً في بعض المواضع إذ قال:

(وَ قُرْاناً فَرَقْناهُ لِتَقْتَرأَهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْث)(1) .

وهنا يطرح هذا السؤال وهو: لماذا لم تنزل آياتُ القرآن كُلها على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جملة واحدة، ودفعة واحدة كما حدث ذلك للتوراة والإنجيل من قبل؟!

إنّ هذا السؤال لم يكن جديداً بل طرحه أعداء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومعارضوه في عصر الرسالة في صورة الاعتراض أيضاً حيث كانوا يقولون:

(لَوْلا نُزِّلَ عَليْهِ الْقُرانُ جُمْلَةً واحِدَة»(2) .

ويمكن تقرير و شرح هذا الاعتراض على نحوين:

1- إذا كان الإسلام ديناً إلهياً، وكان القرآن كتاباً سماوياً منزلا من جانب اللّه على رسوله، فلابدّ أن يكون ديناً كاملا، ومثل هذا الدين الكامل


1 - الاسراء: 106 .
2 - الفرقان: 32 .


(443)

يجب أن ينزل بواسطة ملائكة الوحي على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جملة واحدة من دون تدرّج ولا توقف في نزول الآيات، إذا لا مبرّر ولا داعىَ لأن ينزل دينٌ كاملٌ من جميع الجهات، مكمّل من حيث الاُصول والفروع والتشريعات والواجبات والسنن، على نحو التدريج في 23 عاماً، ولمناسبات مختلفة .

وحيث أن القرآن نزَلَ منجّماً، وبصورة متفرقة متناثرة، وعقيب طائفة من الأسئلة، أو وقوع حوادث و طروء حاجات في أزمنة مختلفة يمكن الحدس بان هذا الدين لم يكن كاملا من حيث الاُصول والفروع، وهو يتدرّج في التكامل ومثل هذاالدين الناقص الّذي يسير نحو كماله خطوة خطوة وبالتدريج لا يصحّ أن يوصَف بالدين الالهىّ.

2- إن آيات القرآن والتاريخ القطعي والمسلّم للتوراة والإنجيل والزّبور تحكي جميعها عن أن هذه الكتب السماوية اُعطيت إلى المرسلين بها في ألواح مكتبوة مدوّنة، فلما لم ينزل القرآن الكريم على هذا الغرار، كأن ينزل القرآن على «محمَّد» في لوح مكتوب كما نزل التوراة في الواح مكتوبة؟!

وحيث أن المشركين لم يكونوا يعتقدون بهذه الكتب السماوية قط، ولم يكن لهم على علم مسبق بكيفية نزولها، لذا يمكن القولُ بان مقصودهم من هذا الاعتراض كان هوالشكل الأول من هذا التوضيح، والّذي يتلخص في أنه لماذا لم ينزّل ملائكة الوحي آيات القرآن على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جملة واحدة، بل نزلت هذه الآيات عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فواصل زمنية متفاوتة، وبمناسبات و حسب وقائع مختلفة متدرّجة؟!

الأسرارُ المنطقيّة للنُزول التدريجي للقرآن:

ولقد كشف القرآنُ القناعَ ـ في معرض الردّ على إعتراض المشركين هذا ـ عن حِكَم وأسرار النزول التدريجىّ للقرآن الكريم .

واليك توضيح هذا القسم الّذي اشار إليه الكتاب العزيز بعبارة مقتضبة قصيرة:


(444)

1- إن الرسولَ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتحمَّل مسؤوليات كبرى، وان شخصية كهذه من الطبيعي ان يواجه مشاكلَ ومتاعَب باهضة وصعبة، ولا ريب أن تلك المشاكل والمتاعب توجب الكلل، وانخفاض مستوى النشاط مهما كانت الروحُ الّتي يتمتع بها الشخصُ عظيمة، وقويّة، في مثل هذه الحالة يكون تجديدُ الارتباط بالعالم الأعلى، وتكرّرُ نزول الملك من جانب اللّه تعالى باعثاً على تجدّد النشاط، وعاملا قوياً في بثّ القوة والحماس والمعنوية الفاعلة في نفس النبىّ وروحه، وبالتالي فان العناية والمحبّة الالهية الممتدّة لنبيّه ورسوله إنما تتجدد بتكرّر نزول الوحي عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من جانبه تعالى .

وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة النفسية الكبرى إذ قال:

(كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِه فُؤادَكَ)(1) .

2- ويمكن ان تكون الجملةُ المذكورة ناظرة إلى جهة اُخرى وهي: انَ المصالح التربوية والتعليمية تقتضي أن يتنزلَ القرآنُ الكريمُ على نحو التدريج ويُلقى إلى الناس على هذا الشكل ايضاً وذلك لان النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معلّم الاُمة، وطبيبُها الروحيُ الّذي بُعِث إلى الناس بالوصفات الالهية لتعليمهم، وهدايتهم ومعالجة أمراضهم وأدوائهم الاجتماعية والخلقيّة، والفكرية، وكُلِّفَ بأن يُطبِّق هذه الوصفات في حياتهم العملية، ومثل هذا يتطلب التدرّج لينفَع الدواء ـ حينئذ ـ وتنجعَ المعالجةُ .

إن أفضل وأنجح أساليب التربية هو أن يمتزج الجانب العملىّ بالجانب النظري في أيّة محاولة تربوية، وأن يطبق كل ما يدرسه الاستاذ بصورة عملية تطبيقية، ويعطي لما يلقيه من معلومات، صبغة تحقيقية، ويتجنَبَ بشدة إتصافَ أفكاره وآراءه بالطابع النظرىّ البحت .

فلو أن الاستاذ المتخصّص في الطبّ اكتفى بالقاء جملة من المعلومات الكليّة والاُسس العامة من الطبّ على طلابه في الصف حُرم النتائج المتوخّاة والغايات


1 - الفرقان: 32 .


(445)

المطلوبة من تعليم الطبّ، بشكل كامل .

أما إذا قَرنَ الاستاذ درسَه النظري بالإرشاد العملىّ وطبَّق ما ألقاه وبيّنه من أفكار ومعلومات في هذا المجال على جسم مريض راقد أمام الطلبة فانه سيحصل على نتائج أحسن، ويساعد الطلبة على فهم افضل للمواد الّتي درسوها في هذا المجال .

فلو أنَّ الآيات القرآنية الكريمة قد نزلت جملةً واحدة (والحال أن المجتمع الإسلامي لم يكن يحتاج إلى كثير منها) كان القرآن ـ حينئذ ـ فاقداً لهذه المزية التربوية الهامة الّتي أشرنا إليها قريباً في مثال تدريس الطب .

ان بيان الآيات الّتي يشعر الناس في انفسهم بعدم الحاجة إلى اخذها وتعلّمها، لا يترك التأثيرَ الباهرَ في القلوب، بينما إذا نزل ملائكة الوحي بآيات القرآن حسب حاجات الناس الّتي يشعرون فيها بضرورة تعلّمها لتضمِّنها الأحكامَ والاُصولَ والفروعَ الّتي يحتاجون إليها فانه لا شكَّ يكون لها في هذه الحالة تأثير أحسن وأقوى في قلوب الناس. كما سيكون لها ترسّخٌ اكبر في نفوسهم، وسيظهرُ الناس من انفسهم إستعداداً اكبر لاخذ ألفاظها ومعانيها، وفوق كل ذلك سيشعرون بنتائج هذه التعاليم عند تعليم النبىّ إيّاها لهم، وعندئذ تتحقق المقولة التربوية الّتي اشرنا إليها في ما سبق وهي اقتران كلام المربّي بالنتيجة لأن النظريات إتخذت طابعاً عملياً، ولم تكن مجرد نظريات لا ترتبط بالواقع .

ولكن يبقى هنا سؤالٌ آخر وهو: إذا كان نزولُ القرآن قد تحقَّق على نحو التدريج وتبعاً للاحتياجات والحوادث المختلفة، فان ذلك يستلزم انفصام العلاقات والروابط بين الآيات والسور، وهذا ينتج أن لا يهتم الفكر البشري بتعلّم وحفظ معارفها لتبعثرها، وتباعد أزمنتها وغياب علاقاتها، ولكن لو نزل القرآنُ جملة واحدة وتلاه ملائكة الوحي على رسول اللّه دفعة واحدة لرُوعيَت الروابطُ والعلاقات بين قضايا الوحي ولتضاعَفَت رغبةُ الناس واستعدادهم لأخذها وحفظها؟


(446)

ولقد أجاب القرآن الكريم ايضاً على هذا السؤال إذ قال: صحيح أن آيات القرآن الكريم نزلت على نحو التدريج تبعاً لطائفة من المقتضيات والموجبات إلاّ أن هذا النزول التدريجي لا يمنع ابداً من ترابط مطالبه، وارتباط مواضيعه بعضها ببعض، فان اللّه تعالى أفاض على هذه الآيات إِنسجاماً وترابطا خاصاً يمكن الإنسان من تعلمها وضبطها وحفظها إذا أعطى الموضوعَ قليلا من الإهتمام إذ قال تعالى:

(وَ رتّلناه تَرتيلا)(1) .

أي إنّنا أعطينا آيات القرآن نظاماً معيناً وترتيباً خاصاً .

أسرارٌ اُخرى لِنُزُول القرآن تدريجاً:

3- لقد واجَه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فترة رسالته ونبوّته فئات مختلفة من الناس: كالوثنيين، واليهود والمسيحيين الذين كان لكل فئة منهم ديناً خاصاً، وعقائد وتصورات خاصة حول المبدأ والمعاد، وغيرهما من المعارف العقلية .

وقد كانت اللقاءات المختلفة هذه توجب أن يعمد الوحي الالهىّ إلى توضيح وبيان عقائد هذه الفئات (وإن لم يكن مطلوباً ومقترحاً من قبلهم) ويقيم الأدلة والبراهين على بطلانها، وزيفها، هذا من جانب .

ومن جانب آخر كانت هذه اللقاءات في أزمنة متفاوتة، وأوقات مختلفة، لهذا لم يكن بدّ من أن ينزل الوحيُ الالهي تدريجاً، وفي الأوقات المختلفة، ويتصدى لبيان بطلان تلك العقائد والتصورات ويجيب على شبهات المخالفين واعتراضاتهم .

وربما كانت توجب هذه المواجهاتُ العقائدية إلى أن يطرحوا على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعض الاسئلة إمتحاناً واختباراً له وكان على النبىّ أن


1 - الفرقان: 32 .


(447)

يجيب عليها، وحيث أن هذه الاسئلة كانت تطرَح في أوقات مختلفة، لهذا لم يكن مناص من أن ينزل الوحيُ الالهيُ في الأوقات والأزمنة المختلفة، وعلى نحو التدريج .

هذا مضافاً إلى أن حياة النبي نفسَها كان حياة ثورة، ووقائع، وكان النبيُ يواجه باستمرار أحداثاً وقضايا يجب توضيح حكمها، وبيان المنهج فيها من جانب الوحي الالهي.

وربما كان الناس أنفسهم يواجهون في حياتهم اليومية حوادثاً واُموراً يرجعون فيها إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يطلبون منه الحكم الالهىّ فيها ويسألونه عما يجب إتخاذه من الموقف الشرعىّ في تلك الحوادث وما يشابهها .

وحيث أن هذه الحوادث، وما يترتب عليها من تساؤلات كانت تقع في اوقات مختلفة، وبمرور الزمن، لذلك لم يكن بد ايضاً من ان ينزل الوحيُ الالهىّ بالتدريج ليجيب على هذه الأسئلة أوّلا بأوّل .

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذه النقاط، وإلى نقاط اُخرى غيرها في قوله تعالى:

(ولا يَأْتُونَكَ بمَثَل إلا جِئناكَ بِالحَقِّ وَ أَحسَنَ تَفْسيراً)(1) .

4- إن للنزول التدريجىّ للقرآن الكريم وراء كل ذلك سراً آخر، وعلة اُخرى غفلوا عنها، ألاوهي: هداية الناس وتوجيه أنظارهم إلى منشأ هذا الكتاب، وأن القرآن ليس الاّ كتاباً سماوياً، ووحياً الهياً لا غير، ولا يمكن أن يكون من نسج العقل البشرىّ، لأن القرآن نزل خلال (23 عاماً) عبر طريق طويل من أنواع الحوادث والوقائع المسرة والمحزنة، المقرونة بالنصر والهزيمة، والنجاح والإخفاق، ولا شكَّ أن هذه الحالات المختلفة، والاحاسيس والمشاعر المتنوعة المتباينة، تترك أثراً عميقاً في نفس الإنسان، وروحه وعقله، ولا يمكن لإنسان واحد أن يتكلم بكلام من نوع واحد، وبنبرة واحدة، في حالتين


1 - الفرقان: 33 .


(448)

نفسيّتين متضادتين، فالكلام الصادر في حال الفرح والابتهاج والمسرة من اللسان أوالقلم، يختلف من حيث الفصاحة والبلاغة و جمال اللفظ وعمق المعنى اختلافاً بارزاً عن الكلام الصادر في حال الحزن والتعب، والاخفاق، والهزيمة .

بينما لا يوجد أي شيء من الاختلاف من حيث الألفاظ والمعاني بين آيات القرآن الكريم مع أنّها نزلت على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يمر بحالات مختلفة من الحزن والسرور والاخفاق والانتصار والسرّاء والضرّاء، والعسر والرخاء والجهد والنشاط، بل نجد تلك الآيات على نمط ونسق واحد من القوة والفصاحة والبلاغة، وجمال اللفظ وعمق المعنى بحيث يستحيل على أىّ بشر بلَغَ ما بلغ أن يعارض آية من آياته أو سورة من سوره، وكأنّ القرآن الكريم كمية من الفضّة المائعة خرجت من الاُتون جملة واحدة لا يوجد بين آياتها أىُ شيء من التفاوت والاختلاف، أو كأنّه جوهرة واحدة أولها كآخرها وآخرها كأولها .

ولعلّ الآية التالية الّتي تنفي أىّ نوع من أنواع الاختلاف في القرآن إذ تقول:

(وَلَو كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْر الله لَوَجَدُوا فيه إخْتِلافاً كثيراً)(1) اشارة إلى هذا السرّ.

إنَّ المفسرين اعتبروا هذه الآية ناظرة إلى نفي الاختلاف والتناقض بين مفاهيم الآيات ومفاداتها، ومقاصدها، في حين لا تنفي هذه الآية مجرّد هذا النوع من الاختلاف بل تقدّس القرآن المجيد وتنزهه من جميع انواع الاختلاف والتناقض الّذي هو من لوازم العمل والانتاج البشري .


1 - النساء: 82 .


(449)

17
إلى الحبشة

الهجرة الاولى

تُعتَبر هجرة فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة دليلا بارزاً على إيمانهم واخلاصهم العميق لدينهم، ولربهم وذلك لأن فريقاً من الرجال والنساء يقررون ـ وبهدف الحفاظ على عقيدتهم والتخلص من أذى قريش ومضايقتها والحصول على مكان آمن يقيمون فيه شعائرهم بحرية ويعبدون اللّه الواحد ـ مغادرة (مكة)، العربية التي ترزح تحت ظلام الوثنية، فلا يمكن أن يرفعوا نداء التوحيد عالياً في اية نقطة من نقاطها، ولا يمكنهم اقامة احكام الدين الحنيف فيها من دون خوف أووجل، وبعيداً عن الارهاب، ويفكرون، ويفكرون، وأخيراً يقودُهم التفكير إلى أن يفاتحوا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بهذه المسألة، ويطلبوا في ذلك رأي النبي الّذي يقوم دينه على مبدأ: (إنَّ أرضي واسعة فإيّاي فاعبُدُون)(1) .

لقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعرف أوضاع المسلمين المؤلمة جيداً، فقد كان هو يحظى بحماية بني هاشم، وكان الفتيان الهاشميون يحمونه ويحفظونه


1 - العنكبوت: 56 .


(450)

من كل اذى، ولكن الذين آمنوا به من الإماء والعبيد، ومن ليست لهم حماية من الأحرار المستضعفين الّذين كانوا يشكلون عدداً كبيراً من المسلمين السابقين كان يتعرضون لشتى صنوف العذاب والايذاء والمضايقة من قريش الّتي لم تأل جهداً، ولم تدخر وسعاً، ولم تفوّت فرصةً ولا وسيلةً لالحاق العنت والأذى بالمؤمنين برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولا يستطيع ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منعهم من ذلك .

وقد كان زعماء كل قبيلة يعمدون ـ للمنع من نشوب أىّ صِدام بين القبائل ـ إلى تعذيب من اسلم من ابناء قبيلتهم، وايذائه والتنكيل به، وقد مرت عليك نماذج وامثلة من أذى قريش وتعذيبها القاسي للمسلمين.

لهذه الأسباب عند ما طلب أصحابُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رأيه في الهجرة من مكة قال في جوابهم:

«لَوْ خَرجْتُمْ إلى أرض الحَبَشة فانَّ بِها مَلِكاً لا يُظلَمُ عِندَهُ أحَدٌ وهي أرضُ صِدْق حَتى يَجعَلَ اللّهُ لكُم فَرَجاً ممّا أنتُم فيهِ»(1) .

أجَل انَ مجتمعاً صالحاً يتسلَّم زمامَ الأمر فيه رجلٌ صالحٌ عادلٌ نموذج مصغّر من جنّة عدن بالنسبة إلى المسلمين المضطهدين في بلدهم بسبب عقيدتهم، وهو ما كان يريده ويتمناه أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليتمكنوا من القيام بشعائر دينهم فيه في جوٍّ من الطمأنينة والامن .

ولقد كان لكلام رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أثر قوىٌ في نفوسهم تلك الثلة المؤمنة الباحثة عن ارض تعبد فيها اللّه في أمان، بحيث لم يمض زمان إلاّ وقد شدّت رحالها وغادرت مكة ليلا في غفلة من الاجانب (المشركين) مشاة وركباناً، متجهةً نحو جدّة، للسفر عبر مينائها إلى ارض الحبشة .

وكان هذا الفريق يتألف من عشر أو خمسة عشر شخصاً بينهم أربعة من


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 321، تاريخ الطبري ج 2، ص 70، وبحارالأنوار: ج 18، ص 412 نقلا عن مجمع البيان للطبرسي .


(451)

النسوة المسلمات(1) .

والآن يجب أن نرى لماذا لم يذكر رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للمسلمين مناطقَ اُخرى للهجرة اليها، وانما ذكر الحبشة فقط .

ان سر هذا الاختيار هذا يتضح إذا درسنا أوضاع الجزيرة العربية وغيرها من المناطق آنذاك .

ان الهجرة إلى المناطق العربية الّتي كان سكانها من المشركين والوثنيين قاطبة كان أمراً محفوفاً بالخطر، فان المشركين كانوا سيمتنعون عن قبول المسلمين في أرضهم إرضاء لقريش أو وفاء وتعصباً لدين الآباء (الوثنيّة) .

وكذلك المناطق الّتي كان يقطنها المسيحيّون أو اليهود، من الجزيرة العربية لم تكن تصلح لهجرة المسلمين إليها هي الاُخرى لان تينك الطائفتين كانتا تتقاتلان فيما بينهما في صراع مذهبىّ وطائفي، فلم تكن الأوضاع لتسمح بأن يدخل طرفٌ ثالث في حلبة الصراع، هذا مضافاً إلى أن ذينك الفريقين (اليهود والنصارى) كانا يحتقران العنصر العربىّ أساساً، فكيفَ يمكن الهجرة إلى مناطقهم والتعايش معهم؟!

أما «اليمن» فقد كان تحت سيطرة الحكم الإيرانىّ الملكىّ، ولم تكن السلطاتُ الإيرانية آنذاك لتسمح باقامة المسلمين في ربوع «اليمن»، لما عُرف من نقمتها فيما بعد على الدعوة الإسلامية إلى درجة انه لما وصلت رسالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى «خسروبرويز» كتب إلى عامله على اليمن فوراً «احمل إلىَّ هذا الّذي يذكر أنه نبيٌّ، وبدأ اسمَه قبل اسمي، ودعاني إلى غير ديني»(2)!!.

وكذلك كانت «الحيرة» تحت الاستعمار والنفوذ الايرانىّ كاليمن .

وأمّا «الشام» فقد كانت بعيدة عن «مكة المكرمة»، هذا مضافاً إلى ان «اليمن» و «الشام» كانتا سوقين لقريش، وكانت تربُط قريش بسكان هاتين المنطقتين روابط وعلاقات وثيقة، فاذا كان المسلمون يلجأون إليها اُخرجوا منهما


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 70 .
2 - بحارالأنوار: ج 20، ص 382.


(452)

بطلب من قريش، تماماً كما طلبت من ملك الحبشة مثل هذا الطلب، ولكنه رفض طلبهم.

وقد كانت الرحلة البحرية ـ في تلك الآونة ـ وبخاصة برفقة النساء والاطفال رحلة شاقة جداً، من هنا كانت هذه الهجرة، وترك الحياة والمعيشة في الوطن دليلا قوياً على إخلاص اُولئك المهاجرين لدينهم وعمق ايمانهم به، وصدقه .

ولقد كان ميناء «جدة» آنذاك ميناء تجارياً عامراً كما هو عليه الآن، ومن حسن التوفيق أن هذه الثلة المهاجرة قد وصلت إلى هذا الميناء في الوقت الّذي كانت فيه سفينتان تجاريتان على اُهبة الاقلاع، والتوجه نحو الحبشة، فبادر المسلمون إلى ركوبها والسفر عليها دون تلكّؤ خشية لحاق قريش بهم والقبض عليهم، لقاء نصف دينار عن كل راكب .

وكان ذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول اللّه(1) .

ولما عرف المشركون بهجرة بعض المسلمين أمروا جماعةً من رجالهم بملاحقة اولئك المهاجرين واعادتهم إلى مكة فوراً، ولكن المسلمين المهاجرين كانوا قد غادروا شواطىء «جدة» قبل أن يدركهم الطلب(2) .

ومن الواضح أن ملاحقة مثل هذه الثلة الّتي لم تلجأ إلى أرض الغير إلاّ لأجل الحفاظ على عقيدتها والفرار من الفتنة لنموذج بارز من عتوّ قريش وعنادها .

فاولئك المهاجرون مؤمنون تركوا الأهل والوطن، واغمضوا الطرف عن المال، والتجارة، وخرجوا يطلبون أرضاً نائية يمارسون فيها شعائرهم بحرية، ومع ذلك لا يكف عنهم زعماء مكة وجبابرتها وطغاتها!!

اجل ان رؤساء «دارالندوة» بمكة واقطابها كانوا يعلمون جيداً أسرار هذه


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 412 نقلا عن مجمع البيان للطبرسي .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 321 ـ 323 .


(453)

الهجرة وآثارها من خلال بعض القرائن، والمؤشرات ولذلك كانوا يرددون فيما بينهم اُموراً سنذكرها في ما بعد.

هذا والجدير بالذكر أن اعضاء هذا الفريق المهاجر لم يكونوا من قبيلة واحدة بل كان كل واحد من هؤلاء العشرة ينتمي إلى قبيلة خاصة .

الهجرة الثانية إلى الحبشة:

ثم انه وقعت بعد هذه الهجرة هجرة اُخرى، وكان في مقدمة المهاجرين هذه المرة «جعفر بن أبي طالب». ابن عم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد تمت الهجرة الثانية في منتهى الحريّة، لأن المسلمين المهاجرين استطاعوا في هذه الهجرة ان يصطحبوا معهم نساءهم وأولادهم، بحيث بلغ عدد المسلمين في أرض الحبشة هذه المرة (83) .

هذا إذا لم نحص من وُلد في أرض الحبشة لهُم، والاّ كان العددُ اكثر من هذا الرقم .

ولقد وَجَدَ المسلمون المهاجرون ارضَ الحبشة كما وصفها رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهم: منطقة عامرة، وبيئة آمنة حرّة، تصلح لأَن يُعبد فيها اللّه تعالى بحرية وأمان .

تقول «اُم سلمة» الّتي تشرفت بالزواج من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ما بعد، عن تلك الارض: لما نزلنا أرضَ الحبشة جاوَرنا بها خير جار النجاشي، أمنّا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه .

كما أنه يُستفاد ممّا قاله بعض اولئك المهاجرين من الشعر في الحبشة، انهم أمنوا بأرض الحبشة، وحمدوا جوار النجاشي، وعَبدوا اللّه لا يخافون على ذلك أحداً.

ونحن نكتفي هنا بادراج بعض الأبيات من قصيدة مطوَّلة أنشأها «عبداللّه بن الحارث» في هذا الصدد:


(454)

يا راكباً بَلِّغن عَنّي مُغلْغَلة(1) * مَن كانَ يرجُو بلاغَ اللّه والدّينِ

كلَّ امرىء مِن عِباداللّه مضطَهد * ببَطنِ مكّة مقهور ومفتونِ

أنّا وجَدنا بِلادَاللّه واسعةً * تُنجِي مِنَ الذُلِّ والمخزاة والهون

فَلا تُقيموا عَلى ذُلِّ الحَياة وَخز * ي في المَماتِ وَعَيب غير مأمون(2)

ويقول ابن الاثير: وكان مسيرهم (إلى الحبشة) في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من اظهار الدعوة فاقاموا شعبان وشهر رمضان وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه بلغهم ان قريشاً اسلمت فعاد منهم قومٌ وتخلّف قومٌ(3) .

هذا ويمكن للقارىء الكريم أن يقف على تفاصيل هذا القسم في السيرة النبويّة لابن هشام(4) .

قريش توفد رجالا لاسترداد المسلمين:

عندما بلغ قريشاً وزعماء «مكة» ما أصبح فيه المسلمون المهاجرون من أمن وحرية، وما حصلوا عليه من حسن الجوار والطمأنينة والراحة في أرض الحبشة ثارت ثائرة الحسد والغيظ في قلوبهم، وتوجسوا خيفة من نفوذ المسلمين في الحبشة لأن أرض الحبشة قد أصبحت قاعدة قوية للمسلمين، وكانت الزعامةُ المكيةُ تتخوفُ من أن يجد أنصارُ الإسلام واتباعُه منفذاً إلى بلاط النجاشي زعيم الاحباش وملِكهم، ويُميلّوا قلبَه نحو الإسلام، ويكسبوا تاييده للمسلمين، فيؤول الامر إلى أن يعبّىء جيشاً كبيراً للقضاء على حكومة المشركين الوثنيين في شبه الجزيرة العربية، وعندها تكون الكارثة .

فاجتمع أقطابُ «دار الندوة» مرة اُخرى للتشاور في الأمر، فأستقرّ رأيهم على أن يبعثوا إلى البلاط الحبشىّ من يقدم إلى النجاشىّ ووزرائه وقواده هدايا


1 - المُغلغلَة: الرسالة ترسَل من بلد إلى بلد .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 351 ـ 353 .
3 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 52 و 53 .
4 - السيرة النبوية: ج 1، ص 354 ـ 362 .


(455)

مناسبة يستميلونهم بها ليستطيعوا من هذا الطريق التأثير على النجاشي ثم يتسنّى لهم بعد ذلك ان يقنعوه بضرورة إخراج المسلمين المهاجرين من أرضه أن يتهمونهم عنده بالسفاهة والجهل، وابتداع دين جديد منكر، والإرتداد عن دين الآباء والاجداد!!

ولكي تتحقق خطتهم هذه على أحسن وجه ويصلوا عن طريقها إلى افضل النتائج اختاروا من بينهم رجلين ماكرين اصبح احدُهما في ما بعد من دهاقنة السياسة وهما: «عمروُ بن العاص»، و «عبداللّه بن ابي ربيعة» وقال لهما كبير المؤتمرين في ذلك الدار: إدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشي فيهم، ثم قدّما إلى النجاشىّ هداياه، ثم سلاه أن يسلّمهم إليكما قبل أن يكلمهم .

فخرج موفَدا قريش حتّى قدما على النجاشي بعد أن تلقّيا هذه التعليمات.

وهناك في الحبشة دَفعا إلى كل بطريق من بطارقة النجاشيّ وقادة جيشه ووزرائه هديته، وقالا لكل بطريق منهم:

إنه قد ضوى(1) إلى بلد الملك منّا غُلمان سفهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يَدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدَع لا نعرفه نحن ولا انتم، وقد بعثنا إلى المِلِك لنكلّمه في أمرهم أشرافُ قومهم ليردَّهم اليهم فاذا كلَّمنا الملكُ فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلّمهم إلينا، ولا يكلّمهم، فان قومَهم أبصر بهم، واعلم بما عابوا عليهم .

فابدى اُولئك البطارقة والقادة والوزراء الطامعون الجهلة استعدادهم لمساعدة الرجلين في إنجاح مهمتهم .

ولما كان من غد دخلا على النجاشي وقدما هداياهما إليه فقبلها منهما ثم كلّماه فقالا له:

أيها الملك إنه قد ضَوى إلى بلدك منا غِلمان سفهاء، فارقوا دينَ قومهم ولم


1 - ضوى أىّ لجأ وأتى ليلا.


(456)

يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم اليهم، فهم أبصر بهم واعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

وما أن انتهى موفدا قريش من الكلام إلاّ وقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومُهم أبصرُ بهم، وأعلمُ بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .

فغضبَ النجاشىّ وكان رجلا حكيما عادلا وقال: لاها اللّه، إذن لا اُسلمهم إليهما، ولا يُكادُ قوم جاوَرُوني، ونَزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتّى أدعوَهم فاسألهم عما يقول هذان في أمرهم فان كانوا كما يقولان أسلمتُهُم اليهما، ورددتُهم إلى قومهم، وان كانوا على غير ذلك منعتهم منهما واحسنتُ جِوارَهم ما جاوروني .

ثم ارسل إلى أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المهاجرين إلى الحبشة فدعاهم من غير أن يعلمهم بما يريد منهم، فحضروا عنده، وكانوا قد قرّروا أن يكون متكلِّمُهم وخطيبهم: «جعفر بن أبي طالب» وقد قلِقَ بعضُ المسلمين لما قد سيقوله «جعفر» عند الملك، وبماذا سيكلّمهُ ويجيبُه، فسألوه عن ذلك فقال لهم جعفر: أقول واللّه ما علّمنا، وما امرنا به نبيُنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كائناً في ذلك ما هو كائن .

فالتفت النجاشيُ إلى «جعفر» وسأله قائلا:

ما هذا الدين الّذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا (به) في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر بن ابي طالب:

«أيُّها الملك، كنّا قوماً أهلَ جاهلية نعبُدُ الأَصنامَ، ونأكلُ الميتةَ، ونأتي الفواحش، ونقطعُ الارحام، ونسيءُ الجوار، ويأكلُ القوىّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث اللّه الينا رسولا منا، نعرف نسبَه وصدقه، وأمانته وعَفافه، فدعانا إلى اللّه لنوحِّدَه ونعبُدَه، ونخلَعَ ما كنّا نعبُد نحن وآباؤنا من دونه من


(457)

الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبدَ اللّه وحدَه، لا نشركُ به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدّقناه وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومُنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردُّونا إلى عبادة الاوثان من عبادة اللّه تعالى، وان نستحل ما كنّا نستحل من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلَم عندكَ ايها الملك» .

فأثّرت كلمات جعفر البليغة، وحديثه العذب تأثيراً عجيباً في نفس النجاشىّ بحيث اغرورقت عيناه بالدُموع، وقال: لجعفر هل معَك ممّا جاء به عن اللّه من شيء؟

فقال جعفر: نعم فقال له النجاشيّ: فاقرأهُ علىَّ، فقرأ عليه جعفر آيات من مطلع سورة مريم، واستمرَّ في قراءته، وبذلك بيّن نظرة الإسلام إلى «مريم» ـ عليها السلام ـ وطهارة جيبها، وإلى مكانة المسيح ـ عليه السلام ـ ، وعظمة شأنه، وجليل مقامه، فبكى النجاشيُ حتّى اخضلّت لحيتُه بالدموع وبكت اسقافتُه(1) حتّى بلّوا مصاحفهم بها حين ما سمعوا ما تلاه جعفر عليهم حول مريم والمسيح ـ عليهما السلام ـ .

وبعد صمت قصير ساد ذلك المجلس قال النجاشي:

«إن هذا والّذي جاء به عيسى ليخرجُ من مشكاة واحدة» وهو يقصد أن القرآن والإنجيل كلامُ اللّه وأنهما شيء واحدٌ .

ثم التفت إلى موفَدي قريش وقال لهما بنبرة قوية: انطلقا فلا واللّه لا اُسلِّمهم إليكما ولا يُكادون، فخرجا من عنده .


1 - الاساقفة; جمع اسقف: علماء النصارى .


(458)

وعند المساء تكلَم «عمرو بن العاص» ـ وكان إمرء خدّاعاً ما كرا ـ مع رفيقه «عبداللّه بن ربيعة» في الامر، وقال له: واللّه لآتيَنّ غداً عنهم بما استأصل به خضراءهم (وهو يعني أنه سيأتي بحيلة تقضي على جذور المهاجرين بالمرة) ولاُخبرنَّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. (أي على خلاف ما يعتقد النصارى في المسيح) .

فنهاه «عبداللّه» عن ذلك وقال: لا تفعل، فانّ لهم أرحاماً، وان كانوا خالفونا، ولم ينفع نهي عبداللّه له .

ولمّا كان من الغد دخلا على النجاشي مرة اُخرى فقال له «عمرو» متظاهراً هذه المرة بالدفاع عن عقيدة النصارى وهي دين الملك واهله، ومنتقداً رأي المسلمين.

أيها الملك، إنهم يقولون في «عيسى بن مريم» قولا عظيماً. فارسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه .

فارسل النجاشيُ اليهم ليسألهم عنه، وهو الملك المحنَّك الّذي لا يأخذ الأمور على ظواهرها، ومن غير تحقيق ودراسة، فأدرك المسلمون بفطنتهم أنه سيسألهم هذه المرة عن موقفهم من المسيح ـ عليه السلام ـ فاتفقوا أن يكون «جعفر» متكلمهم وخطيبهم وعندما سألوه عما سيجيب به الملك قال: أقول واللّه ما قال اللّه، وماجاءنا به نبيُنا .

فلما دخلوا على النجاشيّ قال لجعفر بن ابي طالب: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟

فقال جعفر: نقول فيه الّذي جاءنا به نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : هو عبداللّه ورسوله وروحه وكلمته القاها إلى مريم العذراء البتول .

فسرّ النجاشي لكلام جعفر ورضي به وقال: هذا واللّه هوالحق، واللّه ماعدا عيسى بن مريم ما قلتَ .

ولكنَّ حاشيته لم تَرضَ بهذا الكلام ولم تقبل بما قاله الملكُ، ولكنّه لم يعبأ بهم، وأيّد مقالة المسلمين، ومنحهم الحرية الكاملة، والأمان الكامل قائلا لهم:


(459)

اذهبوا فانتم آمنون في أرضي من سبّكم غُرمَ، من سبّكم غرمَ، ما اُحب أنّ لي دبراً من ذهب وإني آذيتُ رجلا منكم .

وردّ على موفَدي قريش هداياهما قائلا لهما: «ردّواعليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فواللّه ما أخذ اللّه مني الرشوة حين ردّ علىّ مُلكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فىَّ فاُطيعهم فيه» .

فخرج مبعوثا قريش مقبوحين مردوداً عليهما ما جاء به يجرّان اذيال الخيبة(1) .

* * *

وينبغي ان نسجّل هنا موقفا آخر من مواقف ابي طالب في تأييد المسلمين، ونصرة الدين الحنيف .

فقد أرسل «ابوطالب» أبياتاً للنجاشىّ يحثُّه على الدفع عن المهاجرين وحسن جوارهم وتلك الابيات هي:

ألا لَيتَ شِعري كيفَ في النأي جعفرٌ * وعمروٌ واعداء العدو: الأقاربُ؟

وهل نالتَ افعال(2) النجاشىّ جعفراً * وأصحابه أو عاق ذلك شاغبُ؟

تَعلّم، ابيتَ اللعنَ، انك ماجِدٌ * كريمٌ فلا يشقى لَديك المجانبُ

تعلّم بانَ اللّه زادك بسطةً * واسبابَ خير كلّها بك لازب

وأنك فَيضٌ ذوسجال غزيرة * يَنالُ الاُعادي نفعهُا والاقارب(3)

العَودةُ من الحبشة:

قلنا في ما مضى أنَّ المجموعة الاُولى من المهاجرين رجَعت من الحبشة إلى مكة لأنباء بلغتها عن إسلام قريش عامة وانضوائها تحت راية الإسلام. حتّى إذا دنوا من «مكة» بلغهم أنما كانوا تحدّثوا به من إسلام اهل مكة كان باطلا،


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 338، إمتاع الاسماع: ص 21، بحار الأنوار: ج 18، ص 414 و 415 .
2 - إحسان .
3 - السيرة النبوية: ج 1، ص 333 و 334 .


(460)

فلم يدخل منهم إلى «مكة» إلاّ قليل دخلوها مستخفين أو في جوار بعض الشخصيات القرشية بينما عاد الأكثرون من حيث جاؤوا .

وكان ممن دخل «مكة» بجوار، «عثمان بن مظعون» الّذي دخلها بجوار «الوليد بن المغيرة»(1)ولكنه كان يشاهد ما فيه أصحابُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من البلاء، والعذاب وهو يغدو ويروح في امان فتألّم لذلك ولم تطِق نفسه تحمُّلَ هذا الفَرق وقال: واللّه إن غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهلُ ديني يلقَون من البلاء والأذى في اللّه ما لا يصيبني لنقصٌ كبير في نفسي فمشى إلى «الوليد بن المغيرة» وردَّ عليه جواره ليواسي المسلمين ويشاركهم في آلامهم ومتاعبهم وقال: يا أبا عبد شمس وفَت ذِمّتُك، قد رَددْتُ إليك جوارَك.

قال: لِمَ يابن أخي؟ لعلَّه آذاك أحدٌ من قومي؟

قال: لا ولكني أرضى بجوار اللّه ولا اُريد أن أستجير بغيره .

فقال الوليد له: إذن فاردُد علىّ جوارى علانية كما أجرتُك علانيةً.

فانطلقا فخرجا حتّى أتيا المسجدَ، فقال «الوليدُ» مخاطباً من حضر مِن قريش: هذا عثمان قد جاء يردُّ علىّ جواري .

قال: صدق، قد وجدتُه وفيّاً كريمَ الجوار ولكنّي قد احببتُ أن لا استجيرَ بغيراللّه، فقد رردتُ عليه جواره(2) .

ثم لم يمض شيء مِنَ الوقت حتّى دخَلَ المسجدَ «لبيد» وكان شاعراً متكلِّما بارزاً من شعراء العرب ومتكلّميها ووقف في مجلس من قريش ينشدهم و «عثمان بن مظعون» جالس معهم فقال مِن جملة ما قال شعراً:

ألا كلُ شيء ما خلا اللّه باطلُ

فقال عثمان بن مظعون: صدقتَ فقال: لبيد:


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 369 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 370 .


(461)

وكلُ نعيم لا محالة زائلُ

قال عثمان: كذبت، نعيمُ الجنة لا يزول فاستثقل «لبيد» تكذيب عثمان وتحدّيه له في ذلك الجمع فقال: يا معشر قريش واللّه ما كان يؤذى جليسُكم، فمتى حدث هذا فيكم؟؟

فقال رجلٌ مِن القوم: إنَّ هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدنَ في نفسكَ من قوله .

فردّ عليه «عثمان» حتّى تفاقم الأمر بينهما فقام إليه ذلك الرجلُ فلطم عينه فخضّرها (واصابها)، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال: أما واللّه يا ابن أخي إن كانت عينُك عَمّا أصابها لغنيّة لقد كنت في ذمة منيعة (وهو يريد أنك لو بقيت في ذمتي وجواري لما اصابك ما أصابك) .

فقال عثمان رادّاً عليه: بل واللّه إن عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى مِثل ما أصابَ اُختَها في اللّه، واني لفي جوار من هو أعزُّ منكَ، واقدرُ يا أبا عبد شمس .

فقال له الوليد: هلمّ يا ابنَ أخي إن شئت فعُد إلى جوارك، فقال ابنُ مظعون: لا(1) .

وكانت هذه صورةٌ رائعةٌ من صور كثيرة لصمود المسلمين، وتفانيهمْ في سبيل العقيدة، وإصرارهم على النهج الّذي اختاروه، ومواساة بعضهم لبعض في أشدّ فترة من فترات التاريخ الإسلامي .

وفدٌ مسيحيٌ لتقصّي الحقائق يدخل مكة:

قدمَ على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو بمكة عشرون رجلا من النصارى حين بلغهم خبرُه من الحبشة، مبعوثين من قِبَل أساقفتها لتقصّي الحقائق بمكة، والتعرف على الإسلام. فوجدوا رسول اللّه في المسجد، فجلسوا إليه، وكلّموه وسألوه عن مسائل، ورجالٌ من قريش فيهم «أبوجهل» في أنديتهم حول الكعبة.


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 370 و 371 .


(462)

فلما فرغوا من مسألة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عما أرادوا دعاهم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى اللّه عزوجلّ وتلا عليهم آيات من القرآن الكريم، فكان لها من التأثير البالغ في نفوسهم بحيث عندما سمعوها فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له و آمنوا به وصدّقوه، بعد ما عرفوا منه ما كان يوصَف في كتابهم (الانجيل) من أمره .

فلما قامُوا عنه، ورأت قريش ما نتج عنه ذلك اللقاء استثقله «ابوجهل» فقال للنصارى الذين اسلموا معترضاً وموبّخاً: خيَّبكُمُ اللّه مِن ركب بعَثكُم مَن وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنّ مجالسُكم عنده حتّى فارقتُم دينكُم وصدَّقتموهُ بما قال، ما نعلمُ ركباً أحمقَ مِنكُم .

فأجابه اولئك بقولهم: سلامٌ عليكم لا نُجاهِلكم، لنا ما نحنُ عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً(1) .

وبذلك الكلام الرفيق الجميل ردّوا على فرعون مكة الّذي كان يبغي ـ كسحابة داكنة ـ حجب أشعة الشمس المشرقة، وحالوا دون وقوع صدام .

قريش توفد إلى يهود يثرب للتحقيق:

لقد ايقظ وفدُ نصارى الحبشة إلى مكة وما نجم عن لقائهم برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قريشاً ودفعهم إلى تكوين وَفد يتألف من «النضر بن الحارث» و «عُقبة بن ابي معيط» وغيرهما وإرسالهم إلى أحبار يهود المدينة ليسألونهم عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودينه .

فقال أحبارُ اليهود لمبعوثي قريش: سَلوا محمَّداً عن ثلاث نأمركم بهنَّ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسَل، وان لم يفعل فالرجلُ متقوّلٌ، فروا فيه رأيكم، سلوه:

1- عن فتية ذَهبوا في الدهر الأول (يعنون بهم أصحاب الكهف) ما كان


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 390 و 393 وقد نزلت في هذا الشأن الآيات 52 إلى 55 من سورة القصص .


(463)

من امرهم، فانه قد كان لهم حديثٌ عجيبٌ .

2- وعن رجل طوّاف (يعنون به ذا القرنين) قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وخبرُه؟

2- وعن الروح ماهي؟

فاذا أخبركم بذلك فاتبعوهُ، فانه نَبىّ، وان لم يفعل، فهو رَجُلٌ متقوِّلٌ فاصنَعوا في أمره ما بدا لكم .

فعادَ وفد قريش إلى «مكة» ولما قدموها قالوا لقريش ما سمعوه من أحبار اليهود .

فجاؤوا إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وطرحوا عليه الاسئلة الثلاثة السالفة. فقال رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : انتظر في ذلك وحياً .(1)

ثم نزل الوحيُ يحملُ إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأجوبة المطلوبة على تلك الاسئلة .

وقد ورَدَ الجواب عن السؤال عن الروح في الآية 85 من سورة الإسراء.

واُجيبَ على السؤالين الآخرين عن أصحاب «الكهف» وذي القرنين بتفصيل في سورة «الكهف» ضمن الآيات 9 ـ 28 و الآيات 73 ـ 93 .

وقدوردت تفصيلاتُ هذه الإجابات الّتي أجابَ بها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أسئلتهم في كتب التفسير .

ولابدَّ هنا من أن نُذكِّر القارىء الكريم بنقطة مفيدة وهي أنّ المراد من «الرّوح» في سؤال القوم ليس هو الرُّوح الإنسانية بل كان المراد هو جبرئيل الأمين، (بقرينة أنَّ المقترحين الاصليين لهذه الأسئلة: هم اليهود وكانوا يكرهون الروح الامين، ويعادونه)، وهو أمرٌ مبحوثٌ في محلِّه من كتب التفسير .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 300 ـ 302 .

Website Security Test