welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(399)

الدعوة العامّة

كان قد انقضى ثلاث سنوات على بدء البعثة يوم عمد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى دعوة الناس عامة بعد دعوة عشيرته الاقربين.

فقد استطاع خلال السنوات الثلاث الاُولى من عمر الدعوة أن يهدي ـ من خلال الاتصالات السرية ـ مجموعة من الاشخاص إلى الإسلام ولكنّه دعا هذه المرّة وبصوت عال عامة الناس إلى دين التوحيد .

فقد وقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا ونادى بصوت عال: يا صباحاه (وهي كلمةٌ كانت العربُ تطلقها كلّما أحسَّت بخطر، أو بلغها نبأ مُرعب فكانت هذه الكلمة بمثابة جرس الخطر)(1)فلفت نداء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذا نظر الناس فاجتمع حوله جماعة من أبناء القبائل المختلفة وقالوا: له ما لَكَ؟

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أرأيتكم إن أخبرتكم أنَّ العدوّ مُصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدّقونني؟


1 - قال الجزري في النهاية: ج 2، ص 271: صعد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على الصفا وقال: يا صباحاه; هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة لانهم اكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح ويسمّون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه يقول: قد غشينا العدو.


(400)

قالوا: بلى.

قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

ثم قال: إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى اهله فجعل يهتف: واصباحاه(1) .

ولقد كانت قريش تعرف عن دينه بعض الشيء، قبل هذا ولكنها تملَّكها الخوفُ هذه المرة، وهي تسمعُ ذلك الانذار القوىّ فبادر أحد قادة الكفر إلى تبديد تلك المخاوف فوراً إذ قال لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : تبّاً لك، ألهذا دعوتنا؟، وتفرّق على أثرها الناس .

الثباتُ والإستقامة على طريق الهدف:

إن نجاح أىّ شخص مرهونٌ بأمرين:

الأول: الايمان بالهدف .

والثاني: الاستقامة والثبات والسعي الدائب لتحقيق ذلك .

إنَّ الإيمان هو المحرِّك الباطني والقوة الخفية الّتي تجر الإنسان شاء أم لم يشأ نحو الغاية الّتي يتوخاها، وتسهِّل عليه الصعاب، وتدعوه إلى العمل الدائب لتحقيق مقصوده، لأن شخصاً كهذا يعتقد إعتقاداً قويّاً بأنَّ سعادته، ومجده يتوقَّفان على ذلك .

وبعبارة اُخرى: إذا آمن انسان بأن سعادته ومجده يتوقفان على تحقيق هدف معيّن فانه سيندفع بقوة الإيمان نحو تحقيق ذلك الهدف، متجاوزاً كل الصعاب، ومتحدياً كل المشكلات في ذلك السبيل .

فالمريض الّذي يرى شفاءه في شرب دواء مرّ مثلا سيستسهل شُربه .

والغوّاص الّذي يعتقد إعتقاداً جازماً بأن ثمّة درراً غالية الثمن تحت أمواج البحر سيلقي بنفسه في قلب تلك الأمواج دونما خوف أو وجل، ليخرج منها بعد


1 - السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 194 .


(401)

دقائق ظافراً بأغلى الجواهر .

بينما إذا كان المريض أو الغوّاص يشكُّ في عمله، أو يعتقد بعدم فائدته، فانَّه لن يُقدمَ عليه قط واذاما أقدم فان عمله سيكون حينئذ مقروناً بالجهد والعناء .

فقوة الإيمان اذن هي الّتي تذلّل كل مُشكل، وتسهِّل كلَّ صعب .

غير أنه لا ريب في أنَّ الوصولَ إلى الهَدف لا يخلو من مشكلات و موانع، فلابدّ من السعي لرفع تلك الموانع، وإزالة تلكم المشكلات .

وقد قيل قديماً: أنَّ مع كل وردة أشواك، فكيف يمكن قطف وردة دون أن تُدمى أنامل القاطف بالأشواك المحيطة بها؟؟

هذا وقد بيّن القرآنُ الكريمُ هذه المسألة (وهي ان رمز السعادة هو: الإيمان بالهدف والثبات في طريق تحقيقه) في جملة قصيرة إذ قال:

(إنَّ الَّذيْن قالُوا ربُّنا اللّه ثُمَّ استقامُوا تتَنَزَّلُ عَليْهِمْ الْمَلائكة أنْ لا تَخافُوا وَ لا تَحزَنُوا وأبْشروا بِالجَنَّةِ الّتي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(1) .

ثَباتُ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

وَ صَبرُهُ:

لقد أدّت إتصالاتُ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الخاصّة. قَبل الدعوة العامة، وجهودُه الكبرى بعد الجهر بالدعوة، إلى ظهور و تكوين صفٍّ مرصوص من المسلمين في وجه صفوف الكفر، والوثنية .

فالَّذين دخَلُوا سرّاً في حوزة الإسلام والإيمان قبل الدعوة العامّة تعرَّفوا على المسلمين الجدد الذين لبُّوا داعي الإسلام بعد إعلان الرسالة، وشكّل القدامى والجدد جماعة قوية متعاطفة متحاببة، وكان ذلك بمثابة إنذار لأوساط الكفر والشرك والوثنية، أربكها وجعلها تشعر بالخطر .

على أنّ ضرب نهضة ناشئة والقضاء عليها كان أمراً سهلا لقريش، ولكنّ الّذي أرعب قريشاً ومنعها من توجيه مثل هذه الضربة هي أنَّ أفراد هذه


1 - فُصّلت: 30 .


(402)

الجماعة، وعناصر هذه النهضة لم يكونوا من قبيلة واحدة، ليمكن مواجهتها وضربُها بكلّ قوة، بل إنتمى من كل قبيلة إلى الإسلام، عددٌ من الأفراد، ومن هنا لم يكن إتخاذ أىّ قرار حاسم بحقّهم أمراً سهلا وبسيطاً .

من هنا قرّر سادة قريش وكبراؤها ـ بعد تداول الأمر في ما بينهم ـ أن يبدأوا بالقضاء على أساس هذه الجماعة، ومحرِّك هذا الحزب، والداعي إلى هذه العقيدة بمختلف الوسائل فيحاولوا ثنيه عن دعوته بالاغراء والتطميع تارة ويمنعوا من انتشار دينه بالتهديد والايذاء تارة اُخرى .

وقد كان هذا هو برنامج قريش وموقفها من الدعوة طيلة عشر سنوات وهي المدة المتبقية من سنوات البعثة من الفترة المكية، إلى ان قررت بالتالي قتله، ولكنه استطاع ان يبطل مُؤامرتهم بالهجرة إلى المدينة قبل أن يتمكنوا من القضاء عليه .

ولقد كان «أبوطالب» آنذاك زعيم بني هاشم ورئيسها المطلق، وكان رجلا طاهر القلب عالي الهمّة، شجاعاً، كريماً، وكان بيته ملجأ دافئاً للمحرومين والمستضعفين، وملاذاً أميناً للفقراء والأيتام، وكان يتمتع في المجتمع العربي ـ علاوة على رئاسة مكة و بعض مناصب الكعبة ـ بمكانة كبرى و منزلة عظيمة، وحيث أنّه كان كفيلا لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاة جدّه «عبدالمطلب»، لذلك حضر سادة قريش بصورة جماعية(1) عنده وقالوا له:

«يا أباطالب إن ابن أخيك قدسبّ آلهتنا، وعابَ دينَنا، وسفَّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فامّا أن تكفّه عنّا، وإما أن تخلّي بيننا و بينه» .

ولكن «أباطالب» قال لهم قولا رفيقاً وردَّهم ردّاً جميلا حكيماً، فانصرفوا عنه .

بيد أنَّ نفوذ الإسلام وانتشاره كان يتزايد باستمرار، وكانت جاذبيّة الدّين المحمَّدي، وبيان القرآن البليغ يساعدان على ذلك، فيترك اثره في الناس ،


1 - ادرج ابن هشام في سيرته: ج 1، ص 264 و 265 اسماءهم بالتفصيل .


(403)

وخاصة في الأشهر الحرم حيث تفد الحجيجُ على مكة من مختلف أنحاء الجزيرة، وكان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعرض دينه عليهم، فكانت أحاديثه الجذّابة، وكلماتُه البليغة، ودينُه المحبَّب تؤثر في قلوب كثير منهم، فيميلون إلى الإسلام ويقبلون دعوة الرسول .

وهنا أدرك طغاة مكة وفراعنتها أن «محمَّداً» قد بدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، واصبح له انصارٌ واتباعٌ في كثير منها، ممّا دفعهم مرّة اُخرى إلى الحضور عند «أبي طالب» حاميه الوحيد، وتذكيره بالإشارة والتصريح بالاخطار المحدقة باستقلال المكّيين وعقائدهم نتيجة نفوذ الإسلام وانتشاره فقالوا له أجمع:

يا أباطالب، إن لك سنّاً، وشَرفاً، ومنزلة فينا، وإنّا قد استنهيناك مِن ابن اخيك فلم تنهَه عنّا، وإنا واللّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتّى تكفه عنّا، أو ننازله وإيّاك في ذلك حتّى يهلك أحد الفريقين .

فأدرك حامي الرَّسول الوحيد ـ بذكائه وفطنته ـ أنّ عليه أن يصبرَ أمام جماعة ترى وجودها، ومصالحها في خطر، من هنا عَمد إلى مسالمتهم وملاطفتهم، ووعدَ بأن يبلغ ابن اخيه «محمَّد» كلامهم. وقد كان هذا محاولة من «أبي طالب» لتسكين غضب تلك الجماعة الغاضبة وإطفاء نائرتهم، وتهدئة خواطرهم، ليتمَّ معالجة هذه المشكلة ـ بعد ذلك ـ بطريقة أصحّ وأفضل .

ولهذا أقبل ـ بعد خروج تلك الجماعة من عنده ـ على إبن اخيه، وذكرَ له ما قال له القومُ، وهو يريد ـ بذلك ضمناً ـ إختبار إيمان «محمَّد» بهدفه، فكان الردُّ العظيمُ، والجوابُ الخالد الّذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الإسلام الاكبر «محمَّد» رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، حيث قال لعمّه بعد أن سمع مقالة قريش:

«يا عَمّ، واللّه لو وضعُوا الشَمْس في يميني، والقمرَ في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهرهُ اللّه، أو اهلكَ فيه، ما تركُته» .

ثم اغرورَقتْ عيناه الشريفتان بدموع الشوق والحب للهدف، وقام وذهب


(404)

من عند عمه.

وكان لتلك الكلمات الصادقة النافذة أثرٌ عجيب في نفس زعيم مكة وسيدها الوقور بحيث نادى ابن اخيه، وأظهر له استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه، والحدب عليه رغم كل المخاطر، والمتاعب الّتي كانت تكمن له إذ قال:

«إذهَبْ ياابْن أَخي فَقُلْ ما أحبَبْتَ فَواللّه لا اُسلمك لِشَيء أبداً» .

قريش تمشي إلى أبي طالب للمرّة الثالثة:

لقد أقلق انتشار الإسلام المتزايد قريشاً، ودفعها إلى التفكير في حيلة، فاجتمع أشرافها وسادتها للتشاور مرّة اُخرى وقالوا:

لعل كفالة أبي طالب لمحمَّد هي الّتي تدفعه إلى الدفاع عنه وحمايته والوقوف إلى جانبه في دعوته، فكيف لو مشوا إليه بأجمل فتيان مكة، وطلبوا منه أن يأخذه بدل «محمَّد» ويسلّمه اليهم ليروا فيه رأيهم، ولهذا مشوا إلى أبي طالب بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له:

يا أَبا طالب هذا عمارةُ بن الوليد أنهَدُ فتى في قريش وأجملُه، فخذهُ فلك عقلُهُ ونصرُه، واتخذه ولداً فهو لكَ، وأسلِمْ إليْنا ابن أخيكَ هذا، الّذي فرّق جماعة قومكَ، وَسفَّه أحلامَهُمْ فنقتله، فانما هو رجل برجل!!

فأجابهم أبوطالب وهو مستاء من هذه المساومة الظالمة :

«هذا واللّه لبئس ما تسومونني! أتعطوني إبنكم أغذُوهُ لكم، واعطيكم ابني تقتلونه، هذا واللّه ما لا يكون أبداً» .

فقال «المطعم بن عدي بن نوقل»: واللّه يا أباطالب لقد أنصفَك قومُك، فما أراك تريد أن تقبَل منهم شيئاً.

فأجابه أبوطالب قائلا: واللّه ما أنصفوني ولكنّك قد أجمَعتَ خُذْلاني، ومظاهرة القوم علىّ فاصنَعْ ما بدا لك(1) .


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 67 و 68، السيرة النبوية لابن هشام: ج 1، ص 266 و 267 .


(405)

قريش تحاولُ تطميع رسول اللّه!

ولما علمت قريش بأنه لا يمكن ارضاء «أبي طالب» بخذلان ابن اخيه «محمَّد»، فهو وإن كان لا يتظاهر بالإسلام، إلاّ أنهم يكنُّ لابن أخيه، وُدّاً عميقاً، ومحبة كبرى من هنا قرّروا بأنْ يتركوا مفاضوة، إلاّ أنهم فكّروا في خطة اخرى وهي أن يُحاولوا إثناء النبىّ عن المضىّ في دعوته بتطميعه بالمناصب، والهدايا، والأموال والفتيات الجميلات، ولهذا مشوا إلى بيت «أبي طالب» ودخلوا عليه ومحمَّد جالسٌ إلى جنبه فتكلّم متكلِّمهُمْ وقال: يا محمَّد انا بعثنا اليك لِنُكلَّمك، فانا واللّه لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومك ما ادخلت على قومه لقد شتمت الآباء، وعيبت الدين، وسببت الآلهة، وسفهت الاحلام، وفرقت الجماعة ولم يبق امر قبيح الاّ أتيته فيما بيننا وبينك فان كنت انما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون اكثر مالا، وان كنت انما تطلب الشرف فينا فنحن نسوّدك ونشرّفك علينا، وان كان هذا الّذي ياتيك تابعاً من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبك .

فقال ابوطالب لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون انك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟

فتكلم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: يا عم أُريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي اليهم بها العجم الجزية .

ففزعوا لكلمته، ولقوله فقال القوم كلمة واحدة: نعم وأبيك عشراً .

قالوا: فماهي، فقال أبوطالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟

قال: «لا اله الاّ اللّه» .

فكان هذا الرد مفاجئة قوية لذلك الفريق الّذي يأمل في صرف النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن هدفه، ولهذا قاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: (أجعَلَ الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب)(1) .


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 303، تاريخ الطبري: ج 2، ص 65 و 66 .


(406)

نماذجٌ من إيذاء قُريش وتعذيبها للمُسلمين:

يومَ صدَعَ رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما اُمر، وجَهر بدعوته للناس وأيس سادة قريش من قبوله لأىّ اقتراح من إقتراحاتهم بعد ما سمعوه يقول: «واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتّى يُظهِرَه اللّه أو أهلك دونه ما تركُته» بدأ في الحقيقة واحداً من أشدّ فصول حياته، واكثرها متاعبَ ومصاعبَ، لأن قريشاً كانت لا تزال إلى ذلك الوقت تراعي حرمته وتحترمه، وتسيطر على أعصابها، ولكنها عند ما فشلت في خططها لجرّه إلى مساومتها اضطرَّت إلى تغيير نهجها واُسلوبها معه لتقفَ دون إنتشار دينه مهما كلَّف من الثمن مستفيدة في هذا السبيل من كل الوسائل الممكنة .

من هنا قرّر سادة قريش بالاجماع أن يتوسَّلوا بسلاح الاستهزاء والسخرية، والإيذاء والتهديد، بهدف صرفه عن المضىّ في دعوته(1) .

ولا يخفى أن المصلح الّذي يفكر في هداية العالم البشرىّ كله يجب ان يتزود بقدر كبير من الصبر والتحمل، أمام جميع المشكلات والمتاعب، والمكاره والشدائد ليتغلب عليها شيئاً فشيئاً، كما كان دأب كل المصلحين الآخرين .

ونحن هنا نورد طرفاً من أذى قريش لرسول اللّه وأتباعه ليتضح مدى صبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وثباته، واستقامته على طريق الدعوة .

ولقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتمتع ـ مضافاً إلى العامل الروحي والمعنوىّ الباطني الّذي كان يساعده من الداخل أعني الإيمان والصبر والإستقامة والثبات ـ بعامل خارجىّ تولّى حراسته وحمايته وذلك حماية بني هاشم، وعلى رأسهم أبوطالب له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه عند ما عرف «ابوطالب» بعزم قريش القاطع على إيذاء إبن أخيه (محمَّد) دعا بني هاشم عامة، وطلب منهُم جميعاً حماية النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والقيام دونه، فلبَّوا نداء سيّدهم، وأجابوه


1 - راجع لمعرفة ابرز من كان يؤذي النبىّ والمسلمين المحبر: ص157 و 161 .


(407)

إلى ما دعاهم من حماية رسول اللّه وحراسته بعضٌ بدافع الايمان وآخر بدافع الرَحم، الاّ «أبولهب» ورجلان آخران انضموا إلى اعداء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولكن هذا السياج الدفاعىّ لم يقدر ـ مع ذلك ـ على صيانته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من بعض الحوادث المرّة، لأنّ قريشاً ألحقت به الأذى، وأنزلت به مكروهاً، كلما وجدته وَحيداً بعيداً عن أعين حُماته .

وإليك فيما يأتي بعض النماذج من ذلك الأذى:

1- مَرَّ «أبوجهل» برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه ببعض ما يُكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلّمه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومولاة لعبداللّه بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث «حمزة بن عبدالمطلب» رضي اللّه عنه أن أقبلَ متوشحاً قوسَه راجعاً من قَنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتّى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على ناد من قريش إلاّ وقف وسلَّم وتحدَّث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشدّ شكيمة .

فلما مرّ بالمولاة، وقد رجع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة (وتلك هي كنيته) لو رأيت ما لقي ابنُ أخيك محمَّد آنفاً من أبي الحكم بن هشام (وتعنى أبا جهل): وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبَّه، وبلَغَ منهُ ما يُكرَه، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فغضب «حمزة» لذلك، فخرج يسعى ولم يقف على أحد مُعِدّاً لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به .

فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم، فاقبل نحوه، حتّى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّهُ شجة منكرة، ثم قال: «أتشمته وأنا على دينه أقول ما يقول. فردَّ ذلك علىَّ أن استطعتَ» .

فقامت رجالٌ من بني مخزوم إلى «حمزة» لينصروا «أباجهل» فقال أبوجهل:


(408)

دعوا أبا عمارة فاني قد سبَبْتُ ابن أخيه سبّاً قبيحاً(1). وبهذا منع «أبو جهل» الّذي كان ممن يدرك خطورة مثل هذه المواقف من وقوع شجار وقتال .

إنَّ التاريخ الثابت والمسلَّم يشهد بأنّ وجودَ رجال ذوي بأس وقوة بين صفوف المسلمين مثل «حمزة» الّذي أصبح في ما بعد من كبار قادة الإسلام، قد كان له أثرٌ كبيرٌ في حفظ الإسلام، والحفاظ على حياة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودعم جماعة المسلمين، وتقوية جناحهم، فهذا ابن الاثير(2)يقول عن حمزة: لما اسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عزّ وامتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه .

من هنا أخذت قريش تفكّرُ في إعداد خطط اُخرى لمواجهة قضية الإسلام والمسلمين، سنذكرها في المستقبل .

هذا ويرى بعضُ المؤرّخين مثل ابن كثير الشامي(3) على أن رُدود فعل إسلام «أبي بكر» و «عمر» واثرهما لم تكن بأقلّ من تاثير إسلام «حمزة»، وانَّ الدين قوىَ جانبه باسلام هذين الرجلين، وكسَبَ المسلمون بذلك القوة والحريّة في العمل والتحرك، والحقيقة انه لا شك في انه لكل فرد تأثيره في تقوية ودعم الإسلام، إلاّ أنه لا يمكن ـ القولُ بحال بأن تأثير إسلام الشيخين كان يعدل تأثير إسلام «حمزة»، فإن «حمزة» ما انْ سمع بأن قريشاً أساءت إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الاّ وتوجه، من دون أن يُعرّج على أحد، إلى المسيء وانتقم منه في الحال أشدّ انتقام، ولم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه ومنع المسيء منه، ومن غضبه وانتقامه، بينما يكتب ابن هشام في سيرته عن «أبي بكر» امراً يكشف عن أن «أبابكر» يوم دخل في صفوف المسلمين لم يكن قادراً على حماية نفسه، ولا على الدفاع عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . واليك نصُّ الواقعة:

مرَّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذاتَ يوم على جماعة من قريش وهم جلوسٌ عندَ الحجر، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنتَ الّذي تقول:


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 291 و 292، تاريخ الطبري: ج 2، ص 72 .
2 - الكامل لابن الاثير: ج 2، ص 56 .
3 - البداية والنهاية: ج 2، ص 26 و 32 .


(409)

كذا و كذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم أنا الّذي اقولُ ذلك، فأخذ رجلٌ منهم بمجمع ردائه (وهم يقصدون قتله) فقام «أبوبكر» دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا يقول رَبّي اللّه؟ فانصرفوا عنه (ولم يقتلوه لأمر رأوه)، فرجع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى منزله، ورجع «أبوبكر» يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه(1) .

إن هذه الرواية التاريخية إذا دلّت على مشاعر الخليفة تجاه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنها تدل قبل أي شيء على عجزه وضعفه .

إنه يدلُّ على أنه لم يملك ذلك اليوم لا أية مقدرة بدَنية وروحية، ولا اية مكانة اجتماعية تُرهَب، وحيث أنَّ إلحاق الأذى بشخص رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان ينطوي ـفي نظر قريش ذلك على عواقب لا تحمد ـ لذلك تركوا رسولَ اللّه، وَوَجَّهُوا ضربتهم إلى رفيقه وصدعوا فرق رأسه .

ولو أنك قارنت بين هاتين الحادثتين وقايست بين موقف «حمزة» الشجاع وموقف الخليفة الأوّل هذا لاستطعت أن تقضي بسهولة بأنَّ عزة الإسلام وقوة المسلمين، وتعزيز موقفهم، وخوف الكفار كان يعود إلى الإسلام أىّ واحد من ذينك الرجلين؟

هذا وستقرأ في القريب العاجل كيفية إسلام «عمر». وسترى بأنَّ إسلامه ـ كاسلام صديقه ـ لم يزد هو الآخر من قدرة المسلمين الدفاعية، وأنهم بالتالي لم يعتزوا باسلامه.

فيوم أسلم «عمر» كادَ أن يُقتل لولا «العاص بن وائل السهمي» لأنه هو الّذي خاطب الذين قصدوا قتل «عمر» قائلا: رَجُلٌ اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون منه؟ أترونَ بني عَدِىّ بن كعب يسلمون لكم صاحبَهم هكذا، خلوُّا عن الرجل»(2) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 289 و 290، وقد ذكر الطبري في تاريخه: ج 2، ص 72 قصة صدع رأس أبي بكر بالتفصيل فراجع .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 349 .


(410)

إن هذه العبارة الّتي قالها «العاص» لانقاذ الخليفة الثاني من أيدي الذين اجتمعوا على قتله تفيد ـ بوضوح ـ أن الخوف من قبيلة «عمر» هو الّذي كان وراء تركهم إياه وعدم قتله، وقد كان دفاعُ القبائل عن أبنائها سنة فطرية وعادة متعارفة يومذاك وكان يتساوى فيها الكبير والصغير، والشريف والوضيع .

أجل إنَ بني هاشم هم كانوا ـ في الواقع ـ الحصن الحقيقي للمسلمين، وقد كان القسط الأكبر من هذا الأمر يتحمله «أبوطالب» وذووه، وإلاّ فانَّ الاشخاص الآخرين الذين كانوا ينضمُّون إلى صفوف المسلمين لم يكن لديهم القدرة على الدفاع عن أنفسهم، فكيف بالدفاع عن الإسلام وجماعة المسلمين ليقال بأن المسلمين اعتزوا بهم؟

أبوجهل يكمُن لرسول اللّه:

لقد أغضب تقدمُ الإسلام المطرد قريشاً بشدة فلم يمرُّ يوم دون أن يبلغهم نبأ عن انضمام واحد من أفراد قريش إلى صفوف المسلمين ولأجل هذا راح مرجل الغضب والحنق على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يغلي في نفوسهم، فهذا فرعون مكة «أبوجهل قال لقريش في مجلس من مجالسهم: يا معشر قريش إن محمَّداً قد أبى إلاّ ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آهلتنا، واني اُعاهِدُ اللّه لأَجلسنَّ له غداً بحجر ما اُطيق حمله فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسه .

فلما كان من غد أخذ «أبوجهل» حجراً كما وصَف ثم جلس لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينتظره، وغدا رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على عادته ووقف للصلاة بين الركن اليمانىّ والحجر الأسود، وغدت تلك الجماعة من قريش فجلست في انديتها تنتظر ما ابوجهل فاعلٌ، فلما سجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أحتمل «أبوجله» الحجر، ثم اقبل نحوه، حتّى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه، مَرعوباً وقذف الحجَر من يده، فقامت إليه رجالُ قريش وقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال بصوت ضعيف يطفح بالخوف والرعب: قمت إليه


(411)

لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة فلما دنوتُ منه عرضَ لي دونهُ مالا رأيتُ مثلَه حياتي،فتركتُه!!(1) .

إنه ليس من شك في أنَّ قوة غيبيّة أدركتْ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر اللّه تعالى في تلك اللحظة، وصوّرت ذلك المنظر الرهيب وحفظت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما وعده تعالى وعداً لا خلف فيه إذ قال: (إنّا كَفيْناكَ المُسْتَهْزئيْن)(2) .

وهناك نماذج كثيرةٌ من أذى قريش لشخص رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سجَّلها التاريخ في صفحاته، وقد عقد «ابن الأثير»(3) فصلا خاصّاً لهذا الموضوع ذكر فيه أسماء أعداء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الألدّاء، في مكّة، وبيّن أنواع ما كانوا يؤذُون به النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وما قد مرّ ذكره في الصفحات السابقة ما هو إلاّ أمثلة على ذلك، فقد كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يواجه في كل يوم نوعاً خاصاً من الأذى، والمضايقة .

فقد رُوي أنَّ النبىَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يطوف ذات يوم فشتمه «عقبة بن أبي معيط» وألقى عمامَته في عنقه، وجرّه من المسجد، فأخذوه من يده، خوفاً مِن بني هاشم(4) .

أبولهب يؤذي رسول اللّه:

ولقد تعرّض رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأذى لا مثيل له من جانب عمه «أبي لهب» وزوجته «اُم جميل» وقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يجاورهم، فلم يألوا جهداً في إزعاجه وإيذائه فكم من مرّة ومرة ألقيا الرماد


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 298 و 299 .
2 - الحجر: 95 .
3 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 47 كما وعقد المجلسي رحمه اللّه في البحار: ج 18 باباً خاصاً بعنوان: «باب المبعث واظهار الدعوة ومالقي صلّى اللّه عليه وآله من القوم» راجع من صفحة 148 إلى صفحة 243 .
4 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 293 نظيره .


(412)

والتراب على رأسه الشريف وثيابه. وكم من مرّة نشرت أم جميل الشوك على طريقه، أو جمعته باب بيته لتؤذيه عند الخروج .

ولا شك ان معارضَة انسباء النبي واقربائه لدعوته المباركة، وايذاؤهم اياه كان اكثر ايلاماً لنفسه الشريفة، واشد وقعاً عليها، حتّى اننا نجد القرآن يخص أبا لهب باللعن ويسميه بصورة خاصة مما يكشف عن هذه الحقيقة إذ يقول:

(تَبّتْ يَدا أبي لَهَب وَتَبَّ. مَا أغنى عَنهُ مَا لُهُ وَ ما كَسَبِ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبِ. وَ امْرأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ. في جِيْدها حَبْلٌ مِنْ مَسَد)(1) .

صبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

واستقامته:

ولكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يواجه كل ذلك الأذى وماشابهه من التحججات الّتي سنشير اليها بصبر عظيم، وثبات تتعجب منه الجبال الشماء، وذلك اولا إيماناً منه برسالته .

إيذاء المسلمين وتعذيبُهم!

يرجع تقدمُ الإسلام في مطلع عهد الرسالة إلى عوامل منها: ثبات رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه، وثباتُ اَتباعه وأنصاره .

ولقد تعرّفنا ـ في ما سبق ـ على أمثلة ونماذج من ثبات قائد الإسلام الاكبر وصبره، واستقامته في ما لقي من أذىً ومضايقة .

على أن ثبات أنصاره واتباعه الذين آمنوا في مكّة (مركز الحكومة الوثنية آنذاك) هو الآخر ممّا يدعو إلى الإعجاب ويستحق الاحترام. وسنذكر صمودَهم وثباتهم في حوادث ما بعد الهجرة في محله .

وأمّا هنا فنسلّطُ الضوء على حياة عدد من أتباع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القدامى الذين تحملوا أشد أنواع العذاب وكانوا يعيشون في المحيط المكي


1 - المسد: 1 ـ 5 .


(413)

حيث لم يكن ملجأ لهم يلجؤن إليه وهاجروا منه لأغراض الدعوة والتبليغ بعد أن تحملوا شيئاً كثيراً من الإيذاء والتِعذيب على أيدي المشركين والوثنين القساة .

1- بلال الحبشي:

كان أبواهُ ممّن اُسروا في الجاهلية وجيء بهم من الحبشة إلى جزيرة العرب ثم إلى مكة .

وأما بلال الّذي اصبح في ما بعد مؤذن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد كان غلاماً لـ «اُميّة بن خلف» الّذي كان من أشدّ أعداء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وحيث أنّ عشيرة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تولَّتِ الدِفاع عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحمايته ولم يمكن لاُميّة إلحاق الأذى برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عمد إلى تعذيب غلامه بلال الّذي أسلم، أمام الناس، بأشد أنواع الأذى والتعذيب إنتقاماً، وتشفياً .

فقد كان يطرح بلالا عارياً على الأحجار والصخور الملتهبة في الهاجرة، ويضع صخرة على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتّى تموت أو تكفر بمحمَّد، وتعبد الّلات والعزّى، فيقول وَهو في ذلك البلاء والمحنة الشديدة: أَحَدٌ أَحَدٌ(1) .

ولقد أثار ثباتُ هذا الغلام الأسود وجلدُهُ وصبرُه على أذى سيّده، إعجابَ الآخرين، حتّى أن «ورقة بن نوفل» مرّ عليه وهو يعذّب بذلك وهو يقول: أحَدْ أَحَدْ، اقبل على «اُميّة» ومن يصنع به ذلك من «بني جمح» فيقول: احلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنّه حناناً (أي لأجعلنَّ قبره متبركاً ومزاراً)(2) .

وربما زاد «اُميّة» من تعذيبه لبلال فربط حبلا بعنقه وترك الصبيان يديرون به في الازقة والسكك(3) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 317 و 318 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 318 .
3 - الطبقات الكبرى لابن سعد: ج 3، ص 233 .


(414)

وقد اُسِر «اُميّة» وابنه في معركة «بدر» وكانا أولَ من اُسِرا من المشركين، ولم يوافق بعضُ المسلمين على قتلهما ولكن بلالا قال: «رأسُ الكفر اُميّة بن خلف لا نجوتُ إنْ نجا». وأدّى اُصرارُ بلال على قتلهما إلى قتل اُميّة وابنه جزاء أعمالهما الظالمة .

2- آلُ ياسر رمز الصمود والمقاومة!

كان «عَمار» ووالداه من السابقين إلى الإسلام فهم أسلموا يوم كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتقي باصحابه ويدعو إلى الإسلام في بيت «الارقم بن أبي الارقم»، وعند ما عرف المشركون بانضمامهم إلى صفوف المسلمين عمدوا إلى إيذائهم وتعذيبهم ولم يألوا جهداً في ذلك أبداً .

فقد كان المشركون يخرجون «عماراً» واباه «ياسر» واُمَّه «سميه» في وقت الظهيرة إلى رمضاء مكة ليقضوا ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، وفوق الرّمال الملتهبة والصخور المتّقدة كأنها الجمرات .

وقد تكرّر هذا العذابُ مرّات عديدة حتّى أودى بحياة «ياسر» فقضى نحبَه على تلك الحال .

وقد خاشنت زوجتُه «سُميّة» أبا جَهل وكلمته في زوجها بغليظ القول، فطعنها اللعين برمح في قلبها فقضت ـ هي الاُخرى ـ نحبَها، وكانا أولَ شهيدين في الإسلام(1).

وقد آلم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ما شاهده من حالهما وهما يعذّبان بأشد أنواع العذاب فقال لهُما ولولدهما «عمّار» وهو يصبّرهم، والدموع تنحدر على خدّيه:

«صَبراً آلَ ياسِر فانّ موعدكم الجنة»(2) .


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 241 والسيرة الحلبية: ج 1، ص 300، السيرة الدحلانية بهامش السيرة .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 300، السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 238 و 239 .


(415)

وبعد أن قضى والدا «عمّار» نحبَهما تحت التعذيب بالغ المشركون القساة في تعذيب «عَمّار» وإيذائه والتنكيل به، وأخذوا يعذّبونه على نحو ما كانوا يعذّبون به بلالا، وهم يقصدون قتله، وإلحاقه بأبويه!! أو يتبرأ من دين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاضطر إلى أن يعطيهم ما يريدون ويظهر الرجوع عن الإسلام، إبقاء على نفسه، وتقيّة منهم فتركوه، وانصرفوا عن قتله، ولكنه سرعان ما ندم على فعله من التظاهر بترك الإسلام وتألّم من ذلك فجاء إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يبكي، فقال له النبىّ: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان قال: ان عادوا فعد، فنزلت الآية التالية في ايمان عمّار: (إنّما يَفتَري الكَذِب الذينَ لا يُؤمنُونَ بِآياتِ اللّه وَ اُوْلئكَ هُم الْكاذِبُونَ * مَنْ كَفَرَ بِاللّه منْ بَعْدِ إيمانِه إلاّ مَنْ اُكرهَ وَ قَلبهُ مُطْمئنٌ بِالإيمان)(1)(2) .

هذا وروي أنّ أباجهل حينما قصد تعذيب «آل ياسر» وكانوا أضعف من بمكة أمر بسوط ونار ثم سحبوا عماراً وأبويه على الأرض، فكان يكوي بطرف السيف والخنجر المحمى بالنار المشتعلة ابدانهم، ويضربهم بالسوط ضرباً شديداً .

وقد تكرّر هذا العمل القاسي كثيراً حتّى استشهد «ياسر» وزوجته «سُميّة» على أثر ذلك التعذيب المرير، ولكن دون أن يفتئا حتّى النفس الأخير عن مدح رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والاشادة بدينه .

ولقد أثار هذا المنظر المؤلم مشاعر فتيان من قريش فأقدموا ـ رغم عدائهم للإسلام ومشاركتهم لغيرهم من المشركين في بغض الرسول ـ على تخليص «عمار» الجريح المنهك عذاباً من براثن «أبي جهل» ليتمكن من مواراة أبويه الشهيدين.

3- عَبدُاللّه بن مسعود:

تشاور المسلمون في ما بينهم في مقرّهم السرّي في من يجهر بالقرآن على مسامع قريش، في المسجد الحرام لأنها لم تسمع منه شيئاً إذ قالوا: واللّه ما سَمِعَتْ قريشٌ


1 - النحل: 105 و 106 .
2 - الدّر المنثور: ج 4، ص 132 عند تفسير الآيتين المذكورتين .


(416)

هذا القرآن يجهر لها قط فمَنْ رَجُلٌ يُسمِعُهُموه؟

فأبدى «ابن مسعود» استعدادَه للقيام بهذه العملية الجريئة، وتلاوة القرآن على مسامع قريش في المسجد الحرام بصوت عال.

فقالُوا: إنّا نخشاهم عليك، إنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه .

قال: دَعوني فانَ اللّه سيمنعني .

ثم غدا «ابن مسعود» حتّى أتى المقامَ في وقت الضحى وقريش في انديتها حتّى قام عند المقام ثم قرأ: «بِسم اللّه الرّحمن الرّحيم» رافعاً بها صوته، «الرّحمان علّم القرآن» وهكذا استمر يقرأ بقية آيات تلك السورة المباركة .

فارعبت عبارات القرآن الفصيحة القوية قلوب سراة قريش، ولكي يمنعوا من تأثير هذا النداء الالهىّ العظيم قاموا إليه جميعاً وجعَلوا يضربونه في وجهه، وجعل هو يقرأ حتّى بلَغَ منها ماشاء اللّه أن يبلغ ثم عادَ إلى اصحابه وقد اُدْمِىَ وجهُه وجسمه، وهو مسرورٌ لإسْماع قريش كتاب اللّه تعالى وآياته المباركة(1) .

إنَّ الَّذين صَمَدوا في أشد الأيام وأصعبها في مطلع عهد البعثة منَ المسلمين الأوائل لا شك اكثر ممّن ذكرنا اسماءهم إلاّ أننا اكتفينا بهذا القدر رعاية للاختصار .

4- أبوذر: أوّل المجاهرين بالإسلام

كان «أبوذر» رابع أو خامس من أسلم(2)، وعلى هذا فهو من الذين أسلموا في الأيّام الاُولى من بزوغ شمس الإسلام وطلوع فجره، فإذَنْ هو من السابقين إلى الإسلام .

وقد صرح القرآنُ الكريمُ بأنّ للذين سبقوا إلى الإيمان برسول اللّه في بدء


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 314 .
2 - اُسد الغابة: ج 1، ص 301، الإصابة: ج 4، ص 64، الإستيعاب: ج 4، ص 62 .


(417)

بعثته وبالتالي فإنَ للسابقين عنداللّه تعالى مكانة عظيمة، ومقاماً لا يضاهى إذ قال تعالى:

(السابِقُونَ السابِقُونَ. اُوْلئكَ الْمُقَرَّبُونَ)(1) .

وقال تعالى فيهم أيضاً.

(والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الُمهاجِريْنَ وَ الأَنْصار وَ الَّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسان رَضيَ اللّه عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّلَهُمْ جَنّات تَجْري تَحْتهَا الأَنْهار خالِديْنَ فِيْها أبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ)(2) .

وقال تعالى كذلك في من آمن قبل فتح مكة وفضلهِم، ومكانتهم المعنوية المتفوقة على مَن أسلم بعدَ إعتزاز الإسلام، واشتداد أمره، وقيام دَوْلته يعني أنّهم ليسوا سواء .

(لا يَسْتوي مِنْكُمْ مِنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ اُوْلئكَ أَعْظمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذيْنَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتلُوا...)(3) .

أجل هذه هي مكانة السابقين في الاسلام وكان «ابوذر» منهم .

هذا مضافاً إلى أنَّه يُعَدُّ أول من نادى بالإسلام على رؤوس الأشهاد وفي الملأ من قريش .

فيومَ اسلم «أبوذر» كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يدعو الناس إلى الإسلام سرّاً، ولم تهيّأ بعدُ ظروفُ الجَهْر بالدعوة إلى هذا الدّين، فانَّ أتباع الإسلام والمؤمنين به لم يتجاوز عددُهم في ذلك اليوم عددّ الأصابع هم: النبىُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخمسة ممن آمنُوا به، وقبلوا دعوته، ومع ملاحظة هذه الإعتبارات والظروف لم يكن بدّ حسب الظاهر ـ من أن يُخفي «أبوذر» إسلامَه، ويعودَ إلى قبيلته من دون أن يعرف به أحدٌ في مكة .

ولكنَّ روحَ «أبي ذر» الطافحة بالإيمان والحماس أبت ذلك، وكأنه قد خُلِقَ لينهض في كل زمان ومكان ضدّ الظلم والطغيان، ويرفع عقيدته في وجه


1 - الواقعة: 10 ـ 11 .
2 - التوبة: 100 .
3 - الحديد: 10 .


(418)

الباطل وأهله، ويكافح الانحراف والاعوجاج أيّاً كان مصدرُه، وصاحبه. وأىُّ باطل اكبر من أن يُطأطِىء الناسُ أمامَ أصنام مصنوعة من الحجر، ويخضعوا أمام أوثان منحوتة من الخشب لا تضرُّ ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، ويسجدوا لها ويتخذوها آلهة دون اللّه الخالق الكبير المتعال؟؟

إنّه ليس في وسع «أبي ذر» أن يتحمَّل هذا المشهد البغيض المقرف!!

من هنا قال لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد أن مكث في مكة قليلا و قرأ شيئاً من القرآن: يا نبىّ اللّه ما تأمرني؟

قال: ترجعُ إلى قومك حتّى يبلُغك أمري .

فقال له: والّذي نفسي بيده لا أرجع حتّى أصرخ بالإسلام في المسجد .

قال: اني اخاف عليك أن تقتل .

قال: لابد منه وإن قُتِلتُ.

ثم دخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا اله إلاّ اللّه، وأنَّ محمَّداً عبدهُ ورسوله(1) .

إن التاريخ الإسلامي يشهد بأن هذا النداء كان أول نداء تحدّى جبروت قريش وشركها، وقد اطلقته حنجرة رجل غريب لا حامي له في مكة ولا نصير، ولا قوم ولا قريب .

وقد وقع ما توقّعه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فما أن دوى صوت ابي ذر في المسجد حتّى قام إليه رجال قريش، وهجموا عليه من كل جانب وضربوه بشدة حتّى صرع فأتاه العباس بن عبدالمطلب فأكبّ عليه في محاولة لانقاذه من الموت ـ بطريقة لطيفة ـ وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش! انتم تجار وطريقكم على غفار، فتريدون ان يقطع الطريق، فامسكوا عنه .

ونجحت محاولة «العباس» الانقاذية، وكفّت قريش عن ابي ذر .


1 - حلية الأولياء: ج 1، ص 158 و 159، الطبقات الكبرى: ج 4، ص 225، الاستيعاب: ج 4، ص 63، الاصابة: ج 4، ص 64، الدّرجات الرفيعة: ص 228 .


(419)

ولكن أباذر الشاب الشجاع، والطافح بالحيوية والحماس عاد اليوم الثاني فصنع مثل ما صنعه في اليوم الاول فضربوه حتّى صرع، فأكب عليه العباس، وقال لهم مثل ما قال في أول مرة فأمسكوا عنه.

ولا شك في انه لو لم يكن العباس لما نجى أبوذر من مخالف المشركين في اغلب الظن، ولكن أباذر لم يكن بذلك الرجل الّذي يتراجع عن هدفه بسرعة، ولهذا بدأ جهاده من جديد .

ففي يوم رأى امرأة تطوف بالبيت، وتدعو ساف و نائلة (وهما صنمان لقريش) وتسألهما ان يقضيا لها حاجاتها، فانزعج أبوذر من جهل تلك المرأة، ولكي يفهمها بانها تدعو صنمين لا يضران ولا ينفعان بل ولا يشعران قال: أنكحي أحدهما الاُخر. فغضبت المرأة لقول أبي ذر في الصنمين، وتعلقت به وقالت: انت صابئ، فجاء فتية من قريش فضربوه وجاء ناس من بني بكر فانقذوه منهم(1) .

قبيلةُ غِفار تعتنق الإسلام:

لقد أدرك رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قابليات تلميذه وناصره الجديد، وصلابته الخارقة في مكافحة الباطل، ولكن حيث ان الوقت لم يكن يحنْ بعد للدخول في مواجهة ساخنة مع المشركين لهذا أمره رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بان يلحق بقومه، ويدعوهم إلى الإسلام، قائلا له: «إلحق بقومك فاذا بلغك ظهوري فأتني» .

فعاد ابوذر إلى قومه، وأخذ يدعوهم إلى الإسلام ويكلمهم عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويدعوهم إلى نبذ الاصنام وعبادة اللّه الواحد، والتخلق بالاخلاق الرغيبة .

فاسلم أبواه، أولا، ثم اسلم نصف رجال قبيلته «غفار» ثم اختار البقية الإسلام بعد هجرة النبي إلى المدينة، ثم تبعتها قبيلة «أسلم» حيث وفدوا على


1 - الطبقات الكبرى: ج 4، ص 223 .


(420)

رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واعتنقوا الإسلام .

ثم التحق ابوذر بعد معركة بدر واُحد برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في المدينة وأقام فيها(1) .

وربما كان إيذاء المشركين للمسلمين المؤمنين برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتخذ طابع التهديد والترهيب وممارسة الضغط النفسي والاقتصادي والاجتماعي .

فقد كان ابوجهل إذا سمع بالرجل قد اسلم له شرف ومنعة أنّبه وأخزاه، وقال له: تركتَ دين أبيك وهو خير منك، لنُسَفِّهَنَّ حلمَك، ولنفيلنَّ رأيك، ولنضعنَّ شرفك .

وإن كان تاجراً قال له: لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك .

وإن كان ضعيفاً ضربَهُ، وأغرى به(2) .

وروي أيضاً أن «خبّاب بن الارت» صاحب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قيناً بمكة يعمل السيوف وكان قد باع من «العاص بن وائل» سيوفاً صنعها له حتّى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال يا خَبّاب: أليس يزعم «محمَّد» صاحبكم هذا الّذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلُها من ذهب وفضة أوثياب أوخدم، قال خبّاب: بلى، قال: فأنظِرني إلى يوم القيامة يا خبّاب حتّى أرجعَ إلى تلك الدار، فأقضيك هنالك حقَك فواللّه لا تكونُ وصاحبك يا خبّاب اشرَّ عنداللّه مني!!(3) .

أعداء النبي الألدّاء:

إن للتعرف على أعداء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخصومه الالدّاء، ومواقفهم دوراً هاماً في تحليل جملة من حوادث التاريخ الإسلامي الّتي وقعت


1 - الطبقات الكبرى: ج 4، ص 221 و 222 و 226، الدرجات الرفيعة: ص 225 و 226 و ص 229 و 230 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 320 .
3 - السيرة النبوية: ج 1، ص 357 .


(421)

بعد الهجرة النبوية .

ونحن نكتفي هنا بادراج اسماء طائفة منهم ونذكر شيئاً من خصوصياتهم.

1- «أبولهب»: عم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقد كان جاراً له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الَّذي لم يفتألحظة واحدة عن تكذيب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وايذاء المسلمين .

2ـ «الاسود بن عبد يغوث» وكان أحد المستهزئين وكان إذا وَجَد مسلما فقيراً لا يحميه أحدٌ قال مستهزءاً: هؤلاء ملوك الأَرض الذين يرثون ملك كسرى!!(1) .

ولم يمهله أجلُه ليرى باُم عينيه كيف ورث المسلمون أرض كسرى وقيصر، ووطأوا عرشهما.

3ـ «الوليد بن المغيرة» شيخ قريش وحكيمها الّذي كان يملك ثروة هائلة، وسوف نتحدث عنه وعن موقفه من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الفصل القادم .

4ـ «اُميّة» و «اُبىّ» ابنا خلف، وقد مشى «اُبي» هذا بعظم رميم إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذات يوم ففتّه في يده ثم نفخه نحو النبي وقال: أتزعم أن ربك يُحيي هذا بعد ماترى (أو بعد ما رمّ)؟ فنزل قولُ اللّه تعالى: (قُلْ يُحْيِيْها الَّذي أنشأَها أوَّلَ مرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلق عَليم)(2) .

وقد قتل إبنا خلف هذان في بَدْر.

5ـ «أبو الحكم بن هشام» الّذي سماه المسلمون لعناده وتعصُّبه الجاهل ضدّ الإسلام بأبي جهل، وقد قُتل هو الآخر في بدر أيضاً .

6ـ «العاص بن وائل» وهو والد «عمرو بن العاص»، وهو الّذي وصف رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالأبتر .


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 318 .
2 - بحارالأنوار: ج 18، ص 202، السيرة النبوية: ج 1، ص 361 و 362 .


(422)

7- «عقبة بن أبي معيط» الّذي كان من ألدّ اعداء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وأشدّ خصومه بغضاً له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكان لا يألو جهداً في مضايقة المسلمين ولا يترك فرصةً تمرّ دون إيذائهم!(1).

هؤلاءهم بعض أعداء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المبالغين في معاداته، وهناك غيرُهم كأبي سفيان ممن ذكر المؤرخون خصوصياتهم كاملة في مؤلفاتهم، وقد أعرضنا عن إدراجهم بأجمعهم هنا رعاية للاختصار .

عمر بن الخطاب يعتنق الإسلام:

لقد كان إسلام كل واحد من الذين أجابوا دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نابعاً من سبب معيَّن .

فربَّما أدَّت حادثةٌ صغيرةٌ إلى أن يعتنق فردٌ أو فريقٌ الإسلام، وينضمُّوا إلى صفوف المسلمين .

وقد اتّسمَ السَبَبُ الّذي آل إلى إسلام عمر ـ من بين جميع تلكم الاسباب والعلل ـ بطرافة تقتضي التوقف عنده في هذه الدراسة التاريخية التحليلية .

على أن التسلسل التاريخي، والتنظيم الوقائعي لاحداث الإسلام وان كان يقتضي منا ان نأتي على ذكر هذه الحادثة بعد هجرة صحابة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الحبشة، إلاّ أن الحديث حيث دار هنا حول صحابة النبي وكيفية اسلامهم ومواقفهم ناسب أن نشير هنا إلى كيفية إسلام الخليفة الثاني .

يقول ابن هشام: كان اسلام عمر ـ في ما بلغني ـ أن اُخته بنت الخطاب وكانت عند «سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل» وكانت قد أسلمت وأسلمَ بعلُها «سعيدُ بن زيد»، وهما مستخفيان باسلامهما من عمَر (وهؤلاء هم كلُ من أسلم من آل الخطاب) وكان خبّاب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يُقرئها القرأن .


1 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 47 و 51، وراجع أيضاً اُسد الغابة، والاصابة والاستيعاب وغيرها .


(423)

وكان «عمر» الّذي كانت بينه وبين المسلمين علاقات جداً سيئة(1) قد أزعجه ما أصابَ المجتمع المكي من تشتُّت وفرقة، وما لحق بقريش من المتاعب أثر ظهور الإسلام، من هنا عزم على أن يقضي على علة هذا الأمر باغتيال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والفتك به .

فخرج يوماً متوشحاً سيفَه يريد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورهطاً من أصحابه وقد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، ومع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عمّه «حمزة» بن عبدالمطلب و «ابوبكر» و «علي بن ابي طالب» في رجال من المسلمين يحفظونه ويحرسونه .

يقول «نعيم بن عبداللّه» وقد كان صديقاً حميماً لعمر: لقيت عمراً وهو متوشح سيفاً ويريد مكاناً فقلتُ له: أينَ تريد يا عمر؟

فقال: اُريد محمَّداً هذا الصابىء الّذي فرّق في أمر قريش، وسفّه أحلامها وعابَ دينها، وسبَّ آلِهتها، فأقتُله .

فقال له نعيم: واللّه لقد غرّتك نفسُك من نفسِك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلتَ محمَّداً أفلا ترجع إلى اهل بيتك فتقيم أمرَهم؟

قال: وأيُ أهل بيتي؟

قال: ختنُك وابنُ عمك «سعيد بن زيد» واختك «فاطمة بنت الخطاب» فقد واللّه أسلما، وتابعا محمَّداً على دينه فعليك بهما .

فأغضب هذا النبأُ عمر بشدة فانصرف عن الهدف الّذي كان يرمي إليه وعاد من توّه إلى بيت اُخته، فدخل على اُخته وختنه وعندهما «خبّاب بن الأرت» معه صحيفة فيها سورة «طه» يقرئُهما إياها، فلما سمعوا حسّ «عمر» تغيّب «خبّاب» في مخدع لهم، أوفي بعض البيت، واخفت «فاطمة بنت


1 - راجع السيرة النبوية: ج 1، ص 342 ـ 346 .


(424)

الخطاب» الصحيفة، وكان «عمر» قد سمع حين دنا إلى البيت قراءة «خبّاب» عليهما، فلما دخل قال: «ما هذه الهينمة(1) الّتي سمعت؟

قالا له: ما سمعتَ شيئاً.

قال: بلى واللّه، لقد اُخبرِتُ أنكما تابعتما محمَّداً على دينه .

وبطش بختنه «سعيد بن زيد» فقامت إليه اختُه «فاطمة بنت الخطاب» لتكفَّه عن زوجها فضربها فشجَّها .

فلما فعل ذلك قالت له اخته وختنُه: نعم قد اسلمنا وآمنّا باللّه ورسوله، فاصنعْ ما بدا لك .

فلما رأى «عمر» ما باُخته من الدَّم نَدمَ على ما صنع، فارعوى ورجع، وقال لاُخته: اعطيني هذه الصحيفة الّتي سمعتكم تقرأون آنفاً أنظرُ ما هذا الّذي جاء به محمَّد؟

فلما قال ذلك قالت له اُخته: إنّا نخشاك عليها. قال: لا تخافي وحلف لها بآلهته ليَرُدّنها إذا قرأها، اليها .

فلما قال ذلك طمعتِ في اسلامه، فقالت: يا اُخىّ، إنك نجسٌ على شِركك وانّه لا يمسُّها إلاّ الطاهر، فقامَ «عمر» فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها آياتٌ من سورة «طه» هي:

(طه * ما أنْزَلْنا عَليْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى * إلاّ تَذكَرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزيلا مِمَّن خَلقَ الأرْضَ وَ السَماواتِ العُلى * الرَّحمن عَلى العرش اْستوى * لَهُ ما في السَماواتِ وَ ما في الأرْض وَ ما بَيْنهما وَ ما تَحْتَ الثرى * وإنْ تَجهَر بالقَول فانَّه يَعلَمُ السِرَّ و أخفى)(2) .

ولقد تركت هذه الآياتُ المحكمة الفصيحة البليغة تأثيراً شديداً في نفس عمر فقال: ما احسن هذا الكلام؟

وقرر الرجلُ، الّذي كان قبل ثوان عدوَّ الإسلام الأول، أن يغيّر موقفه،


1 - الهينمة صوت كلام لا يُفهم .
2 - طه: 1 ـ 8 .


(425)

فتوجه من توّه إلى البيت الّذي ذكر له أنَّ فيه رسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجماعة من أصحابه وهو متوشح سيفَه، فضربَ عليهم الباب، فلمّا سَمِعُوا صوته قام رجلٌ مِن أصحاب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فنظر من خلل الباب فرآه متوشحاً السيفَ فرجَع إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو فزع وأخبرَ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما رأى، فقال حمزة: فائذن له، فان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه .

فقال رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إئذن له، فأذِنَ له الرجل، ونهض إليه رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى لقيه في الحجرة، فأخذ حجزته (وهو موضع شد الإزار) أو بمجمع ردائه ثم جَبذَهُ جبذَةً شديدةَ، وقال: ما جاء بك يابن الخطاب فواللّه ما أرى تنتهي حتّى ينزل اللّه بك قارعة؟!

فقال عمر: يا رسول اللّه جئتك لاؤمن باللّه وبرسوله وبماجاء من عنداللّه .

وهكذا اسلم «عمر» عند رسول اللّه وأصحابه وانضوى إلى صفوف المسلمين .

ثم ان ابن هشام روى رواية اُخرى في كيفية اسلام عمر من أراد الوقوف عليها راجعها في السيرة النبوية(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 343 ـ 346 .

Website Security Test