welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

(278)

أولادُ خديجة:

لا ريب في أنَّ وجودَ الأولاد في الحياة العائليّة ممّا يقوّي أواصر الوشيجة الزوجية، ويعمّق جُذُورها، ويمنح الجوَّ العائليّ بهاء، ورَوْنقاً، وجمالا خاصاً.

ولقد أنجبت «خديجةُ» لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ستة من الأولاد اثنين من الذكور، أكبرُهما «القاسم» ثم «عبدُاللّه» اللَّذان كانا يُدعَيان بـ : «الطاهر» و «الطيّب» واربعة من الإناث .

كتب ابن هشام يقول في هذا الصدد: اكبرُ بناته رُقيَّة ثم زيْنَبْ ثم اُمُّ كلثوم، ثم فاطمة.

فأما الذكور من أولاده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فماتوا قبل البعثة، وأما بناته فكلُّهن أدركنَ الإسلام(1) .

ورغم أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عُرفَ بصبره وجَلده في الحوادث والنوائب فربَما انعكست احزانه القلبية في قطرات دموعه الساخنة المنحدرة على خَدَّيه الشريفين في موت أولاده .

ولقد بلغ به الحزنُ والغمُ لموت ولده «إبراهيم» من زوجته ماريّة القبطية حداً لم يحدثْ لغيره من أولاده، إلاّ أنّه رغم ذلك الحزن الآخذ من قلبه مأخذاً لم يفتر لسانه عن حمداللّه وشكره حتّى أن اعرابياً اعترض عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما وجده يبكي على ولده قائلا: أولم تكن نهيت عن البكاء اجابه بقوله:

«انما هذا رحمة، ومن لا يَرحَم لا يُرحَم(2)» .

حَدْسٌ لا أساس له من الواقع!!

لقد كتبَ الدكتور هيكل في كتابه: «حياة محمَّد» يقول: «لا ريب أن


1 - مناقب ابن شهرآشوب: ج 1، ص 140، قرب الأسناد: 6 و 7، الخصال: ج 2، ص 37، بحارالأنوار: ج 22، ص 15 ـ 152. وقد ذكر البعض للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اكثر من ولدين، يراجع تاريخ الطبري ج 2، ص 35، بحارالأنوار: ج 22، ص 166.
2 - بحارالأنوار: ج 22، ص 151 .


(279)

خديجة عند موت كل واحد منهما (اي ولدي النبي: القاسم وعبداللّه) في الجاهلية توجَّهت إلى آلهتها الاصنام تسألها ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها»(1) .

إنَّ هذا الكلام لا يستند إلى أي دليل تاريخي، وليس هو بالتالي إلا حَدْسٌ باطل، وإدعاء فارغ ليس له من منشأ إلاّ أن أغلبية أهل ذلك العصر كانوا عبَدة أوثان، فلابُدّ ان خديجة كانت على منوالهم!!

في حين ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يبغض الأصنام والأوثان من بداية شبابه، وقد اتضح موقفُه منها أكثر في سفرته إلى الشام في أموال خديجة يوم قال لمن استحلفه باللات والعزى: «اليك عني، فما تكلَّمت العربُ بكلمة أثقل علىَّ من هذه» .

مع ذلك كيف يمكنُ القولُ بأنَ امرأة لبيبة عاقلة لم يكن شدةُ حبها وشغفها بزوجها موضعَ شك، أن تتوجَّه عند موت وَلديها إلى الاصنام التي كانت ابغض الأَشياء عند زوجها، وخاصة أن حبها لزوجها «محمَّد» وبل إقدامها على الزواج منه انما كان بسبب ما كان يتحلى به من ايمان ومعنوية، وصفات فاضلة، وملكات اخلاقية عالية، فهي قد سمعت عنه بأنه آخر نبىّ، وأنه خاتم المرسلين، فكيف والحال هذه يمكن ان يحتمل احد انها ـ مع هذا الاعتقاد ـ بثت شكواها وحزنها إلى الاوثان والاصنام؟؟!

دَعِىُّ رسول اللّه: زيد بن حارثة:

عند الحَجَر الاسود أعلن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تبنيه له... ذلك هو زيد بن حارثة .

وكان «زيدٌ» ممّن سباهُ العرب من حدود الشام، وباعُوه في أسواق مكة رقيقاً لأحد أقرباء «خديجة» يُدعى «حكيم بن حزام»، ولكن لا يُعرف كيف انتقل إلى «خديجة» في ما بعد؟


1 - حياة محمَّد: ص 128 .


(280)

يقول هيكل في كتابه «حياة محمَّد» في هذا الصدد «لقد ترك موتُ ولدَىْ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في نفس النبي اثراً عميقاً حتّى إذا جيء بزيد بن حارثة يُباعُ طلب إلى «خديجة» أن تبتاعه ففعلت ثم اعتقه وتبناه»(1) .

ولكن اكثر المؤرخين يقولون: ان «حكيم بن حزام» قد اشتراه لعمته «خديجة بنت خويلد»، وقد أحبَّه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لذكائه وطهره، فوهبته «خديجة» له عند زواجه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منها.

ففتش عنه والدُه «حارثة» حتّى عرف بمكانه في مكة، فقدمها، ودخل على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يأذن لزيد ليرحل معه إلى موطنه، فدعاه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخيّره بين المقام معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والرحيل إلى موطنه مع أبيه، فاختار المقام مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما وجد من خلقه، وحنانه، ولطفه العظيم فلما رأى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك اخرجه إلى الحجر واعتقه ثم تبناه على مرأى من الناس ومسمع قائلا: «يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني»(2) .

بدايةُ الخِلاف بَين الوثنيّين:

لقد أوجدت البعثة النبويّةُ خلافاً واختلافاً كبيراً في أوساط قريش وفرّقْت صفوفهم، غير أنّ هذا الاختلاف قد وُجدت أسبابُه وعواملُه، وظهرت بوادرُه وعلائمُه قبل البعثة المباركة .

فقد أبدى جماعةٌ من الناس في الجزيرة العربية استياءهم من دين العرب وانكروا عقائدهم الباطلة، وطالما كانوا يتحدثون عن قرب ظهور النبىّ العربىّ الّذي يتمُّ على يديه إحياء التوحيد .

وكان اليهود يتوعدون أهل الاصنام بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقولون:


1 - حياة محمَّد: ص 128 .
2 - الاصابة: ج 1، ص 545 و 456، اُسد الغابة: ج 2، ص 225 و 226 .


(281)

ليخرجنَّ نبىُّ فَليكسرن أصنامكم(1) .

وكتب ابن هشام يقول: كان اليهود يقولون للعرب: إنه قد تقارب زمان نبىّ يُبعث الآن نقتلكم معه قتلَ عاد وارم.

وكتب يقول أيضاً: وكانت الاحبار من اليهود، والرهبان من النصارى والكهّان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل مبعثه .

هذه الكلمات تُصوِّر انقضاء عهد الوثنية في نظرهم إلى درجة أن بعض القبائل أجابت النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما بُعثَ، ودعاهم اللّه، بينما احجمت اليهودُ عن الايمان به وبرسالته وبقيت على كفرها وجحودها لنبوته الّتي طالما بشرت بها .

وقد نزل فيهم قولُه تعالى:

(وَلَمّا جاءهُمْ كتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُصدِّقٌ لِما مَعهمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذينَ كَفرُوا فَلمّا جَاءهُمْ ما عَرفُوا كَفرُوا به فَلعْنَةُ اللّه عَلى الكافِرين)(2)(3).

أعمدةُ الوثنيّة تهتزُّ:

ولقد شهدَ أحدُ أعياد قريش حادثاً غريباً كان في نظر العقلاء وأصحاب الفكر الثاقب منهم بمثابة جرس إنذار اذِن باقتراب سقوط دولة الوثنيين، وإنهيار صروح الوثنيّة وعبادة الأصنام، وانقراضها .

فقد اجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، فتنحّى أربعةٌ ممن عُرفوا بالعلم ناحية، وأخذوا يتحدَّثون سرّاً، وأخذوا ينتقدون عبادة الأوثان والأصنام، وما عليه قومهم من فساد العقيدة.

فقال بعضهم لبعض: واللّه ما قومكم على شيء، لقد اخطأوا دين أبيهم


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 231 .
2 - البقرة: 89 .
3 - السيرة النبوية: ج 1، ص 221 .


(282)

إبراهيم!! ما حَجرٌ نُطيف به لا يسمعُ ولا يبصرُ، ولا يضرُ ولا ينفعُ، يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً...

وكان هؤلاء الأربعة هم:

1- «ورقة بن نوفل» الَّذي اختار النصرانية بعد أن طالعَ كُتُبَها، واتصل بأهلها .

2- «عبيداللّه بن جَحش» الّذي أسلمَ عند ظهور الإسلام، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة.

3ـ «عثمان بن الحويرث» الّذي قدم على قيصر ملك الروم، فتنصَّر.

4ـ «زيد بن عمرو بن نفيل» الّذي اعتزل الأوثان، وقال: اعبدُ رب إبراهيم(1) .

إن ظهور مثل هذا الاستنكار والجحد للأوثان والوثنية لا يعني أبداً أنَّ دعوة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تعقيباً لدعوة هذه الجماعة، واستمراراً لها!!

كيف يمكن أنْ نعتبر دعوة رسول اللّه العالمية مع ماانطوت عليه من أهداف كبرى، واستندت إليه من معارف وأحكام لا تُحصى، ردّة فعل لمثل هذا الحادث الصغير وتعبيراً عن مثل هذا الاستنكار المحدود؟

إن الحنيفية وهي سُنّة إبراهيم ودينه لم تكن قد مُحِيت كليّاً في الحجاز بعد ايام بعثة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل كان هناك لا يزال بعض الأحناف (وهم الذين كانوا على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ ) منتشرين في أنحاء الجزيرة العربية، إلاّ أن ذلك لا يعني أنّهم كانوا قادرين على التظاهر بعقيدتهم بين الناس، أو قيادة حركة، أو تربية أفراد على نهجهم، أو أن توجُّهاتهم التوحيدية كانت من القوة بحيث تستطيع أن تكون مصدر إلهام لقيم ومعارف وتعاليم وأحكام لِشخصيّة مثل رسول الإسلام «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلم يُنقَل عن هؤلاء سوى بعض الإعتقادات المعدودة المحدودة مثل الاعتقاد


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 225 .


(283)

بالمعاد واليوم الآخر، وشيء بسيط من البرامج الأخلاقية، وحتّى ما نقل عنهم من ابيات توحيدية لا يمكن تأكيد انتسابها إليهم، وانْ لم يمكن نفي ذلك أيضاً(1) .

فهل يمكن والحال هذه أن نعتبر الثقافة الإسلامية العظيمة، والمعارف العقلية العالية، والقوانين والتشريعات المفصلة، والانظمة الأَخلاقية والسياسية والإقتصادية الإسلامية، الشاملة الكاملة، كنتيجة لمتابعة اُولئك النفر المعدود من «الأحناف» الموحدين المنتشرين في انحاء مختلفة من بلاد الحجاز الذين كانت جلُ عقائدهم تتألف من مجرد الاعتقاد بوجود اللّه، واليوم الآخر وقضية أو قضيتين من قضايا الأخلاق؟!

نموذج آخر عن ضَعف قريش:

لم يكن يمض على عُمر فتى قريش اكثر من خمس وثلاثين عاماً يومَ واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، فأزال بحكمته ذلك التخاصم، ولقد كشفت هذه الحادثة عن مدى الإحترام الّذي كان فتى قريش «محمَّد» يحظى به لدى قريش، كما وتكشف عن قوة اعتقادهم بصدقه وأمانته .

واليك تفصيل هذه الحادثة:

إنحدر سيلٌ رهيب من جبال مكة المرتفعة نحو بيت اللّه المعظم «الكعبة المقدسة» فلم يسلم من هذا السيل بيت في مكة حتّى الكعبة المعظمة، الّتي تصدَّعتْ جدرانُها تصدعاً كبيراً بفعل ذلك السيل .

فعزمت قريشٌ على تجديد تلك البِنية المعظمة، ولكنها تهيّبت ذلك، وترددت في هدم الكعبة، فأقدم «الوليد بن المغيرة» وهدمَ ركنين منها على شيء من الخوف، فانتظر أهلُ مكة أن يحل به أمرٌ، ولكنهم لما رأوا «الوليد» لم يصبه


1 - ولقد نقل ابن هشام في كتابه: السيرة النبوية: ج 1، ص 222 ـ 232 طائفة من الأبيات والقصائد التوحيدية هذه; والّتي جاء في مطلع إحداها ما أنشده زيدُ بن عمرو بن نفيل:

أرَبّاً واحِداً أمْ أَلفُ ربٍّ * أدِينُ إذا تُقُسِمت الاُمورُ؟
عزلتُ اللات والعزّى جميعاً * كذلِكَ يفعل الجَلْد الصبُور (البصير)


(284)

غضب من الآلهة، اطمأنوا إلى أنه لم يرتكب قبيحاً، وأنه عمل ما فيه رضى آلهتهم، فاقدَمُوا جميعاً على هدم ما تبقى من الكعبة، واتفق أن تحطّمت سفينة قادمة من «مصر» في تجارة لرومىّ عند ميناء «جدة» بفعل الرياح والعواصف، فعلمت بذلك قريش، وأرسلت رجالا يبتاعون أخشابها ليستخدموها في بناء الكعبة المعظمة، وأوكلوا أمر نجارتها إلى نجّار قِبطىّ محترف كان يقطن «مكة».

ولما ارتفعت جدران الكعبة إلى قامة الرجل، وآن الأوان لوضع الحجر الأسود في محله من الركن وقع الاختلاف بين زعماء قريش، وتنازعوا في من يتولّى وضع الحجر الاسود في مكانه .

وتحالفت قبيلة «بني عبدالدار» مع «بني عَدىّ» على أن يمنعوا من أن ينال هذا الفخار غيرُهم، وعمدوا إلى اناء مملوء بالدم فوضعوا أيديهم فيه تاكيداً لذلك الميثاق .

من هنا تأخرت عملية البناء وتوقّفت خمسة أيام بلياليها، وكاد أن تنشب بينهم حربٌ دامية، وربما طويلة، فقد اجتمعت طوائف مختلف من قريش في المسجد الحرام وهي تنتظر حادثة خطيرة، فعمد ـ في الأخير - شيخ من شيوخ قريش يدعى «أبو اُميّة بن مغيرة المخزومي» من زعماء قريش وقال: يا معشر قريش، إجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَن يدخل من باب هذا المسجد(1) يقضي بينكم فيه» فقبلوا برايه اجمع، فكان أول داخل عليه فتى قريش «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمَّد.

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : هلم الىّ ثوباً، فأخذ الحجَر ووضعه فيه ثم قال:

«لتأخذْ كلُ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوهُ جميعاً»

ففعلوا حتّى إذا بغوا به موضعه من الركن وضعه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو بيده مكانه، وبهذا حال دون وقوع حوادث دامية كادت أن تقع بسبب تنازع قريش، واختلافها، وحلَّ الوفاق محل الشقاق بعد أن رضي الكلُ بحكمه .


1 - وفي رواية: أول من يدخل باب الصفا.


(285)

وإلى قضية التحكيم هذه يشير «هبيرة بن أبي وهب» في أبيات صوَّرت هذه الحادثة التاريخية الكبرى، إذ قال:

تشاجَرَتِ الأحياء في فَصْل خطة * جرت بينهم بالنَحس مِن بعد أسعد

تلاقَوابها بالبُغض بعد مَودَّة * وأوقد ناراً بينهم شرّموقد

فلما راينا الأمر قد جدَّ جدُّه * ولم يبقَ شيء غيرُ سلّ المهند

رضينا وقلنا العدل أولُ طالع * يجيء من البطحاء من غير موعد

ففا جأَنا هذا الامينُ محمَّدٌ * فقلنا رضينا بالأمين محمَّد

بخير قريش كلِها أمس شيمة * وفي اليوم مع ما يُحدثُ اللّه في غد

فجاء بأمر لم ير الناس مثلَه * أعمَّ وارضى في العواقب والبَدِ

وتلك يدٌ منهُ علينا عظيمة * يروبُ لها هذا الزمان ويعتدي(1)

أمينُ قَريشُ يَكْفُلُ عَليّاً:

أجدبت مكةُ وضواحيها سنة من السنين، وقل فيها الماء، وأصابت الناس أزمة شديدة، وكان أبوطالب ـ عليه السلام ـ كثير العيال، فعزم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أن يساعد عمه أباطالب، ويخفف عنه عبء العيال، فانطلق إلى عمه العباس وقال له: «إن أخاك أباطالب كثير العيال وقد أصابَ الناس ماترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفّفْ من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنتَ رَجلا» .

فكفل العباسُ جعفراً، وكفل رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليا ـ عليه السلام ـ .

يقول أبوالفرج الاصفهاني المؤرخ المعروف في هذا الصدد:


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 192 ـ 199 وفروع الكافي: ج 4، ص 217 و 218، والجدير بالذكر أنهم قالوا عند تجديد بناء الكعبة: «يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها مِن كسبكم إلاّ طيّبا، لا يدخلُ فيها مهر بغىّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد للناس» (البداية والنهاية: ج 2، ص 301) ولا شك أنّ هذه من بقايا تعاليم الأنبياء الّتي بقيت بينهم ولم تمح بالمرة .


(286)

وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ «علياً» من أبيه وهو صغير في سنة اصابت قريشاً وقحط نالهم، وأخذ حمزة جعفراً وأخذ العباس طالباً ليكفوا اباهم مؤونتهم ويخففوا عنهم ثقلهم، وأخذ هو (أي ابوطالب) عقيلا لميله كان إليه فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«اخترتُ مَن اختار اللّه لي عليكم: علياً»(1) .

إن هذه الحادثة وإن كانت في ظاهرها تعني ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اقدم على هذا الأمر ليساعِدَ عمَّه أباطالب في تلك الازمة، لكن الهدف الأعلى والأخير كان أمراً آخر وهو أنْ: يتربّى علي ـ عليه السلام ـ في حجر النبي، ويغتذي من مكارم اخلاقه ويتبعه في كريم افعاله .

ولقد اشار الإمام عليُّ ـ عليه السلام ـ نفسُه إلى هذا الموضوع بقوله:

«وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعي مِنْ رَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالقَرابَةِ القريبَة وَ المَنزِلَةِ الخَصيْصَة وضعني في حجره وَ أنا ولَد يَضمُّنِي إلى صَدْرهِ وَ يَكنفُني في فِراشِه... وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبعُهُ اتّباعَ الفَصِيْل أَثر امِّه يَرفَعُ لِي في كُلِّ يَوْم مِنْ أخْلاقِهِ عَلَماً وَ يأمُرُني بالإقتداء بِه»(2) .

ايمان النبي وآبائه وكفلائه قبل الإسلام:

تدلُ الدلائل التاريخيّة، القوية، فضلا عن الأدلة العقلية والمنطقية على أن النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يعبُدْ غير اللّه تعالى منذ وُلِدَ من اُمّة، والى أن رحل إلى ربه، بل وكان كفلاؤه مثل عبدالمطلب وأبي طالب مؤمنون موحِّدُونَ هم أيضاً

ايمان جده عبدالمطّلب:

وأما عبدالمطلب كفيل النبىّ الأوَّل فلا ننسى أنه عند ما قصد «أبرهة» هدم


1 - مقاتل الطالبيين: ص 26، الكامل في التاريخ: ج 1، ص 37، السيرة النبوية: ج 1، ص 245 ـ 247 باب (ذكر أن علىّ بن ابي طالب رضي اللّه عنه اول ذكر أسلم) .
2 - نهج البلاغة: الخطبة 192 .


(287)

الكعبة في جيش الفيل، نزل في جوف الليل إلى الكعبة وأخذ بحلقة بابها يَدْعوا اللّه ويقول مناجياً اللّه سبحانه .

«اللّهم أنيسَ المُسْتَوحشِين،ولا وحشة مَعكَ فالبيتُ بَيْتُكَ، والحرم حرمك والدارُ دارُك، ونحنُ جيرانُكَ، انَك تمْنَعُ عَنْه ما تشاء،وربّ الدّار اُولى بالدّار» .

ثم أنشأَ يقول:

يا ربّ لا أرجُو لَهُمْ سِواكا * ياربِّ فاْمنَعْ مِنْهُمُو حِماكا

إنَ عَدُوَّ الْبيْت مَنْ عاداكا * إمنَعْهُمُو إن يُخربوا فناكا(1)

وهذا يكشف بوضوح عن ايمان عبدالمطلب بالله تعالى، وتوكله عليه سبحانه، وانه كان الرجل الموحد الّذي لا يلتجىء في المصائب والمكاره إلى غير كهف اللّه، ولا يعرف الاّ باب اللّه على عكس ما كانت الوثنية عليه فان قومه كانوا يستغيثون بالاصنام المنصوبة حول الكعبة .

وممّا يدل على ايمانه ايضاً توسله لكشف غمته باللّه سبحانه فقد تتابعت على قريش سنون جدب ذهبت بالأموال، واشرفت الانفس واجتمعت قريش لعبدالمطلب، وعَلَوا جبل ابي قبيس ومعهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ محمَّد وهو غلام فتقدم عبدالمطلب وقال: لاهم (اي اللّهم) هؤلاء عبيدك واماؤك وبنو امائك، وقد نزل بنا ماترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر، فاشرفت على الانفس فأذهِب عنا الجدب، وائتنا بالحياء والخصب، فما برحوا حتّى سالت الأودية، وفي هذه الحالة تقول رقيقة:

بشيبة الحمد اسقى اللّه بلدتنا * وقد عدمنا الحيا وا جلوّذ المطر

إلى أن تقول:

مبارك الاُم يستسقى الغمام به * ما في الانام له عدل ولا خطر


1 - راجع القصة ومصادرها في ص 161 من هذا الكتاب، ولعبدالمطلب مواقف اُخرى مشابهة، وعديدة، راجع بصددها مفاهيم القرآن: ج 5، ص 136 ـ 140 .


(288)

وإلى هذه الواقعة يشير ابوطالب في قصيدة أولها:

ابونا شفيع الناس حين سقوا به * من الغيث رجاس العشير بكور

ونحن ـ سنين المحل ـ قام شفيعنا * بمكة يدعو والمياه تغور(1)

وقد نقل الشهرستاني هذه الواقعة في كتابه «الملل والنحل» قال: وممّا يدل على معرفته (أي عبدالمطلب) بِحال الرسالة وشرف النبوة ان اهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وامسك السحاب عنهم سنتين أمر اباطالب ابنه، ان يُحضر المصطفى محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاحضره ابوطالب، وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة، ورماه إلى السماء، وقال: يا رب بحق هذا الغلام، ورماه ثانياً وثالثاً وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلا، فلم يلبث ساعة أن السحاب وجه السماء وأمطر، حتّى خافوا على المسجد، وقال ايضاً: وببركة ذلك النور كان عبدالمطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الاخلاق، وينهاهم عن دنيات الاُمور.

وكان يقول في وصاياه: «انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم اللّه منه وتصيبه عقوبة»، إلى ان هلك رجل ظلوم حتف انفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبدالمطلب في ذلك، ففكر وقال: ان وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن باحسانه ويعاقب فيها المسيء باساءته(2) .

ان توسل عبدالمطلب باللّه سبحانه وتوليه عن الاصنام والاوثان، والتجاءه إلى رب الارباب آية توحيده الخالص، وايمانه باللّه وعرفانه بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها، فلو لم يكن له الاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة على ايمانه باللّه، وتوحيده له.

وقد اعترف المؤرخون لعبدالمطلب بهذا فقد قال اليعقوبي: «ورفض عبدالمطلب عبادة الاوثان والاصنام، ووحدَ اللّه عزّوجلّ ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن باكثرها، وجاءت السنة الشريفة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 131 ـ 133 .
2 - الملل والنحل: ج 2، ص 248 و 249 .


(289)

بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الابل في الدية، وان لا تنكح ذاتُ محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، والحدّ عليه، والقرعة، وان لا يطوف احد بالبيت عرياناً، واضافة الضيف وان لا ينفقوا إذا حجوا الاّ من طيب اموالهم، وتعظيم الاشهر الحُرُم، ونفي ذوات

الرايات(1) .

هذا وعن اُم أيمن «رضي اللّه عنها» قالت: كنتُ أحضن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (اي اقوم بتربيته وحفظه)، فغفلت عنه يوماً فلم ادر الاّ بعبدالمطلب قائماً على رأسي يقول «يا بركة» .

قلت: لبيك .

قال: أتدرين اين وجدتُ إبني؟

قلت: لا ادري .

قال: وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فان أهل الكتاب يزعمون انه نبىّ هذه الاُمة، وأنا لا آمن عليه منهم(2) .

وكان عبدالمطلب لا يأكل طعاماً الاّ يقول علىّ بابني (اي احضروه) ويجلسه بجنبه، وربما اقعده على فخذه، ويؤثره بأطيب طعامه .

ثم انه لما بلغ أجله اوصى إلى ابي طالب برسول اللّه وقال له: قد خلّفت في ايديكم الشرف العظيم الّذي تطؤون، به رقاب الناس وقال له أيضاً:

اُوصيك يا عبد مناف بعدي * بمفرد بعد ابيه فرد

فارقهُ وهو ضجيع المهد * فكنت كالاُم له في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد * فانت من أرجى بنيي بعدي

لدفع ضيم أو لشدّ عقدِ(3)

هذا هو عبدالمطلب، وتعوذه ببيت اللّه الحرام، ومواقفه بين قومه، وكلماته في


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 9 في بعض ماعدّه المؤرخ المذكور نظر .
2 - سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 64 .
3 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 10 .


(290)

المبدأ والمعاد وعطفه وحنانه على رسول الإسلام، واهتمامه برسالة خاتم النبيين، وهي بمجموعها من اقوى الشواهد على توحيده، وايمانه باللّه، واعترافه برسالة الرسول الكريم .

إيمان كفيله وعمه أبي طالب:

وهكذا كان حال كفيل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الثاني ابوطالب ـ عليه السلام ـ ، فان له مواقفَ بارزة وكثيرة قبل البعثة النبوية، وبعدها تكشف عن عمق أيمان شيخ الاباطح، وتوحيده .

ومن تلك المواقف استسقاؤه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في صباه:

فقد اصاب مكة قحطٌ شديدٌ في سنة من السنين فطلبت قريش من «أبي طالب» أن يستسقي لها فخرج ومعه غلامٌ ـ وهو رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كأنه شمسُ دجن تجلّت عنها سحابة قتماء وحوله اُغيلمةٌ، فأخذه «أبوطالب» فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام باصبعه (أي أشاربها إلى السماء) وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق، واغدودق وانفجر له الوادي، واخصب البادي والنادي .

ففي ذلك يقول ابوطالب ـ في مدح رسول اللّه ـ :

وابيضُ يُستَسقى الغمامُ بوجهه * ثمالُ اليتامى عِصْمةٌ لِلأرامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الهُلاكُ مِن آلِ هاشِم * فَهُمْ عِنْدهُ في نَعمة وَفَواضِل

وميزانُ عَدْل لا يَخيسُ شعيره * ووَزّانُ صِدْق وزنُه غير هائل(1)

وكل هذا يعرب عن توحيد كفيلي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الخالص، وايمانهما باللّه تعالى، ولو لم يكن لهما إلاّ هذين الموقفين لكفياهما دليلا وبرهاناً على كونهما مؤمنين موحدِين.


1 - شرح البخاري للقسطلاني: ج 2، ص 227، المواهب اللدنية: ج 1، ص 48، السيرة الحلبية: ج 1، ص 125، وللتوسع راجع الغدير: ج 7، ص 345 و 346، وقد ذكرنا مواقف ابي طالب الايمانية عند البحث عن شخصيته فراجع .


(291)

كما ان ذلك يدل ايضاً على أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نشأ وترعرع ونما في بيت كانت الديانة السائدة فيه هي توحيد اللّه، وعبادته وحده ورفض الاصنام والاوثان.

إيمان والدَي النبي الاكرم:

لقد نقلت عن عبداللّه والد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلمات وابيات تدل على ايمانه ومن ذلك ما نقله اهل السير عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه فقال رداً عليها:

أما الحرامُ فالمماتُ دونَه * والحِلّ لاحِلّ فاستبينُه

يحمي الكريمُ عرضَه ودينَه * فكيفَ بالأمر الّذي تبغينه(1)

وقد روي عن النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال: «لم أزلْ اُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أحرام الطاهرات» ولعل فيه ايعازاً إلى طهارة آبائه وامهاته من كل دنس وشرك(2)

واما الوالدة فيكفي في اثبات ايمانها ما رواه الحفاظ عنها عند وفاتها فانها (رضي اللّه عنها) خَرجت مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو ابن خمس أوست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جده وهم بنو عدي بن النجار ومعها ام ايمن «بركة» الحبشية، فاقامت عندهم، وكان الرسول بعد الهجرة يذكر اموراً حدثت في مقامه ويقول: «ان اُمي نزلت في تلك الدار، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إلىّ فنظر الىَّ رجلٌ من اليهود فقال: يا غلام ما اسمك؟ فقلت: أحمد، فنظر إلى ظهري، وسمعته يقول: هذا نبي هذه الاُمة، ثم راح إلى اخوانه فاخبرهم فخافت اُمّي علىِّ فخرجنا من المدينة، فلما كانت بالابواء توفيت ودُفنت فيها.

وروى ابو نعيم في دلائل النبوة عن اسماء بنت رهم قالت: شهدت آمنة اُمّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في علتها الّتي ماتت بها، ومحمَّد ـ عليه السلام ـ غلام يفع


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 46.
2 - سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 58 .


(292)

(اي يافع) له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها:

إن صحَّ ما أبصرتُ في المنام * فانت مبعوثٌ إلى الانام

فاللّه انهاكَ عن الاصنام * ان لا تواليها مع الاقوام

ثمّ قالت: كل حي ميت وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وانا ميتة وذكري باق وولدتُ طهراً .

وقال الزرقاني في شرح المواهب نقلا عن جلال الدين السيوطي تعليقا على قولها: وهذا القول منها صريح في انها كانت موحِّدة إذ ذكرت دين ابراهيم ـ عليه السلام ـ ، وبشرت ابنها بالاسلام من عنداللّه، وهل التوحيد شيء غير هذا، فان التوحيد هو الاعتراف باللّه وانه لا شريك له، والبراءة من عبادة الاصنام(1) .

ونلفت نظر القارىء الكريم هنا إلى ما قاله المرحوم الشيخ المفيد في كتابه «اوائل المقالات» في هذا الصدد:

اتفقت الإمامية على أن آباء رسول اللّه من لدن آدم إلى عبداللّه بن عبدالمطلب مؤمنون باللّه عزّوجلّ موحدون له، واحتجوا في ذلك بالقرآن والاخبار قال اللّه عزّوجلّ: «الّذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين»(2) .

ثمَّ إنّ هنا سؤالين هما:

1ـ هل كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة مُوحِّداً؟

2ـ بماذا وبأىِّ دين كان يتعبَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة؟

واليك الحديث في هاتين الجهتين:

ايمان النبي باللّه وتوحيده قبل البعثة:

إنَ الدلائل التاريخية ـ بالاضافة إلى البراهين العقلية والكلامية ـ تدل على انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قبل ان يبعثه اللّه بالإسلام، مؤمناً باللّه، موحّداً إياه، لم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً، وان ذلك من المسلمات .


1 - الاتحاف للشبراوي: ص 144; سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 57 .
2 - اوائل المقالات: ص 12 و 13 .


(293)

وهذا الامر وان كان أمراً مسلماً وواضحاً كوضوح الشمس إلا اننا نذكر بعض ما جاء في التاريخ الثابت الصحيح ليقترن ذلك الاتفاق بأصحّ الدلائل التاريخية:

اما بغضه للأَصنام وتجنبه للاوثان وما يكون من هذا القبيل فإليك بعض ما ذكره التاريخ الصحيح في هذا المجال:

1ـ جاء في حديث طويل: انَ النبىَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما تم له ثلاث سنين قال يوماً لوالدته (لمرضعته) حليمة السعدية: مالي لا أرى أخَوىَّ بالنهار، قالت له: يا بُنىّ انّهما يرعَيان غُنَيْمات.

قال: فمالي لا أخرج معهما، قالت له: أتحبُ ذلك؟ قال: نعم، فلما اصبَحَ محمَّد دهّنته (تقول حليمة) وكحّلته وعلّقتُ في عنقه خيطاً فيه جِزعٌ يمانىُّ، فنزعه ثم قال لاُمّه:

«مَهْلا يا امّاهُ فَاِنَّ مَعِيَّ مَنْ يَحفظني»(1) .

2ـ روي ان «بحيرا» الراهب قال للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سفرته الاولى مع عمّه أبي طالب إلى الشام: ياغلام اسألك بحق اللات والعزى الا أخبَرْتَني عما اسألك، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لا تسأَلْنِي باللات والعُزّى فواللّه ما ابغَضتُ شَيئاً بغضَهُما» قال الراهب: باللّه الا أخْبَرْتني عما أسالك عنه، قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : سَلْني عمّا بدالك(2) .

3ـ روي أنه قد وقع بين النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين رجل تلاح في سفرته الثانية إلى الشام للتجارة بأموال خديجة مع غلامها «ميسرة» بعد أن باع ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سلعته، فقال له الرجل: إحلِفْ باللات والعزى، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - المنتقى، الباب الثاني من القسم الثاني ـ للكازروني كما في البحار: ج 15، ص 392 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 154، السيرة النبوية: ج 1، ص 182 .


(294)

«ما حلفتُ بهما قطُّ، وإنّي لأمُرُّ فاُعرِضُ عنهما».

وفي رواية اُخرى:

«إليكَ عَني ثكلتْكَ امُّكُ فما تكلمت العربُ بكلمة اثقلَ علىَّ من هذه الكلمة» .

فقال الرجل: القولُ قولك. ثم قال لميسرة: هذا واللّه نبىُّ(1) .

واما عبادته للّه تعالى فقد أجمع المؤرخون على أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخلو بحراء كل عام شهراً يعبد فيه اللّه تعالى .

وقد قال الامام أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ في هذا المجال:

«وَ لَقَدْ كانَ يُجاورُ في كلِّ سَنة بحراء، فاراه وَ لا يراهُ غيري»(2) .

حتّى أن جبرئيل وافاهُ بالرسالة في ذلك المكان، وفي تلك الحال.

وقد صَرَّح بهذا أصحابُ الصحاح الستة أيضاً إذ قالوا:

«وَ كانَ يخلو بحراء فيتحنّثُ فيه، وهو التعبد في الليالي ذوات العدد»(3) .

كما ان الإمام اميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ وصف هذا المقطع من حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقوله:

«ولقد قرَن اللّه به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدُنْ أنْ كان فطيماً أعظم مَلك من ملائكته يسلكُ به طريق المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم، ليله ونهاره»(4) .

وجاء في الأخبار أنَّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حجّ قبل البعثة حجات عديدة وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش .

قال الإمامُ الصادقُ ـ عليه السلام ـ : في حديث ابن أبي يعفور:

«حج رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عشر حجَّات مُستتراً في كُلِّها»(5) .

وفي رواية: عشرين حجة (6) .


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 156، بحارالأنوار: ج 16، ص 18 .
2 - نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة 192 .
3 - صحيح البخاري: ج 1، ص 2، صحيح مسلم باب الايمان، مسند أحمد: ج 6، الحديث 233 .
4 - نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة رقم 192 .
(5) و (6) ـ وسائل الشيعة: ج 8، ص 88 أبواب وجوب الحج .


(295)

والسبب في هذا الاستتار هو أن قريش كانت قد اسقطت بعض مناسك الحج، والعمرة، فكانت تؤدّي الحج بصورة غير صحيحة وربما غيرت أشهر الحج احياناً لبعض الاعتبارات السياسية والمادية، وهو ما سمي بالنسيء وقد مرّ بيانه(1) .

ان هذه الوقائع وغيرها ـ وهي ليست بقليلة اصدق دليل على إيمانه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوحيده، إذ كيف يمكن أن يتنكَّب مثل هذه الشخصية الّتي نشأت وترعرعت في ذلك البيت الطاهر، وقرن اللّه به ملكاً يتولاه بالتربية والهداية عن جادة التوحيد .

ثم أن ممّا لا ريب فيه أن الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو افضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنص القرآن الكريم .

وقد صرح القرآن بان بعض الانبياء بلغوا درجة النبوة في الصغر، أو الصبا، ونزلت عليهم الكتب في تلك الفترات .

فَمثلا يقول القرآن الكريم عن يحيى بن زكريا: (يا يَحيى خُذ الكِتابَ بقوَّة وآتيْناهُ الحُكمَ صَبِي)(2) .

ثم يقول عن «عيسى بن مريم» عندما كان في المهد وكان وجوه القوم من بني اسرائيل قد استنكروا ولادته من غير اب، وطلبوا من «مريم البتول» ان توضح لهم الامر، وتبين لهم كيف حملت بعيسى؟!! فاشارت إلى المسيح ـ عليه السلام ـ أن كلِّموه وهو آنذاك في المهد لم يمض على ولادته سوى ايام معدودات; فنطق المسيح بفصاحة كبيرة وقال:

(إنّي عَبْدُاللّه آتانيَ الكِتابَ وَ جَعَلنِي نَبيّاً. وَ جَعلنِي مُباركاً أين ما كُنْتُ وَ أوصَاني بالصَلاة والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَي)(3) .

لقد بيَّن وليد «مريم» للناس اُصول دينه وفُروعه في فترة الطفولة والرضاعة، وأعلن لهم عن توحيده وايمانه باللّه سبحانه .


1 - راجع الصفحة 83 و 84 من هذا الكتاب .
2 - مريم: 12 .
3 - مريم: 30 و 31.


(296)

فهل يرضى ضميرك أيها القارىء الكريم أن يكون «يحيى» و «المسيح» ـ عليهما السلام ـ مؤمنين معلنين عن توحيدهما، وإيمانهما منذ طفولتهما، وصباهما، ويكون أفضل الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلق أجمعين إلى سِنّ الأربعين على غير إيمان، وتوحيد، مع أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان مشتغلا بالتعبّد في جبل «حراء» عند نزول ملاك الوحي عليه لأول مرة؟

واليك بعض ما قاله المؤرخون، والعلماء في هذا المجال استكمالا لهذا المبحث: قال ابن هشام: كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فاذا قضى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوفُ به سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتّى إذا كان الشهر الّذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة الّتي بعثه اللّه تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى «حراء» كما كان يخرج لجواره ومعه اهله حتّى إذا كانت الليلة الّتي اكرمه اللّه فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبرئيل ـ عليه السلام ـ بامر اللّه تعالى(1) .

وقال العلامة المجلسي: قد ورد في أخبار كثيرة انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يطوف، وانه كان يعبد اللّه في حراء وانه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاكل وغيره، وكيف يجوّز ذو مسكة من العقل على اللّه تعالى ان يهمل افضل انبيائه اربعين سنة بغير عبادة؟ والمكابرة في ذلك سفسطة(2) .

فايمان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوحيده قبل البعثة، اذن، أمرٌ مسلمٌ لا شبهة فيه، ولا غبار عليه .

ولكن بعض الكُتاب من المسيحيين ومن تبعهم، من المستشرقين وغيرهم، أبوا إلاّ أن ينتقصوا النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فادّعوا ضلالَهُ قبل البعثة،


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 236 .
2 - بحار الأنوار: ج 18، ص 280 .


(297)

وإنه كان على غير إيمان، أو توحيد، واستدلّوا لزعمهم الباطل هذا بما توهّموا أنه يدلّ على دعواهم من الآيات القرآنية، وأبرزها الآيات التالية:

1- (ألم يَجدكَ يتيماً فآوى. وَ وَجَدك ضالاّ فَهَدى)(1) .

2- (وثيابَكَ فَطهِّر. وَالرُّجْزَ فاهْجُرْ)(2) .

3- (و كَذلِكَ أوْحَينا إلَيْكَ رُوْحاً مِنْ أمْرنا ما كُنْتَ تَدري ما الكِتابُ ولا الإيمانُ وَلكِنْ جَعلَناهُ نُوراً نَهْدي بِه مَنْ نَشاء مِنْ عِبادِنا وإنَّكَ لَتهْدي إلى صِراط مستقيم)(3) .

(قُلْ لَوشاء اللّه مَا تَلَوتُه عَليْكُمْ وَ لا أدريكُمْ بِهِ فَقدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمراً مِنْ قَبلِه أفَلا تَعْقِلُون)(4) .

(وَ ما كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقى إلَيْكَ الْكِتابُ إلاّ رَحْمة مِنْ رَبِّك)(5) .

لقد استدل المستشرقون ومن لفّ لفهم ومن سبقهم أولحقهم من المخطّئة بهذه الآيات على ضلال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة، وسلب الايمان عنه، ولكنها لا تدل على ما يريدون، ولاجل تسليط الضوء على مقاصدهم نبحث عنها واحدة واحدة .

الايةُ الاُولى: الهداية بعد الضلالة:

ذكرالمفسرون لقوله تعالى: «وَوَجدَكَ ضالا فهدى» الّذي يشعر بهداية النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد الضلالة احتمالات عديدة، في معرض الاجابة على استدلال من استدل به لاثبات ضلال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة ولكن الحق ان يقال: أنّ الضال يُستعمل في عرف اللغة في موارد:

1- الضالّ: من الضلالة ضدّ الهداية والرشاد .

2- الضالّ: من ضلّ البعير إذا لم يعرف مكانه .


1 - الضحى: 6 و 7 .
2 - المدّثر: 4 و 5 .
3 - الشورى: 52 .
4 - يونس: 16 .
5 - القصص: 86 .


(298)

3- الضالّ: من ضلّ الشيء إذا ضؤل وخفى ذكره .

وتفسير الآية بأىّ واحدة من هذه المعاني لا يثبت ما يدعيه الذين يتمسكون بها لأثبات ضلال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة .

أما المعنى الأول فهو المقصود في كثير من الآيات قال سبحانه: (غَيْر المَغضوب عَليهم وَ لا الضالّين)(1) .

لكن الضلالة على نوعين:

النوع الأول ما تكون الضلالة فيه أمراً وجودياً في النفس يوجب ظلمة النفس ومنقصتها، مثل الكفر والشرك والنفاق، والضلالة بهذا المعنى قابلة للزيادة والنقصان قال سبحانه: (إنّما النَسِيء زيادةٌ في الكُفْر)(2) .

النوع الثاني ما تكون الضلالة فيه أمراً عدَمياً، وذلك عندما تكون النفس فاقدة للرشاد، وعندئذ يكون الإنسان ضالا بمعنى أنه غيرُ واجد للهداية من عند نفسه، وذلك كالطفل الّذي اشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير والشر، ويميز بين الصلاح والفساد فهو آنذاك ضالٌّ بمعنى أنه غير واجد للنور الّذي يهتدي به في سبل الحياة لا بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في نفسه وروحه .

والمراد من الضالّ في قوله تعالى «وَ وَجدكَ ضالا فَهَدى» لو كان ما يضادد الهداية فهو يهدف إلى النوع الثاني، فيكون المعنى انك في ابان عمرك كنت غير واجد للهداية من عند نفسك فهداك اللّه إلى اسباب السعادة وعرفك عوامل الشقاء، وهو اشارة إلى قانون الهي عام في حياة البشر انبياء واناساً ماديين، وهو ان هداية كل إنسان بل كل ممكن مكتسبة من اللّه قال سبحانه:(قالَ رَبُّنا الَّذي أعطى كُلَّ شيء خلْقَهُ ثمّ هَدى)(3) .

وعلى هذا الاساس فالآية تهدف إلى ذكر النعم الّتي انعم اللّه بها على نبيه الحبيب منذ ان استعد لها فآواه بعد ما صار يتيماً، وافاض عليه الهداية بعد ما كان


1 - الفاتحة: 7 .
2 - التوبة: 37 .
3 - طه: 50، وراجع الآيات: 2 و 3 من سورة الأعلى و 43 من سورة الأعراف و 78 من سورة الشعراء وغيرها .


(299)

فاقداً لها بحسب ذاته، وبحكم طبيعته، ويعود زمن هذه العناية الربانية بنبيه إلى مطلع حياته، واوليات عمره وايام صباه بقرينة ذكر ذلك بعد الايواء الّذي تحقق باليتم، وتمّ بجده عبدالمطلب فوقع في كفالته إلى ثمانية سنين، ويؤيد ذلك قولُ امام المتقين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ : «و لقد قَرنَ اللّه به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من لَدنْ أن كانَ فطيماً أعظمَ مَلك من ملائكته يسلكُ به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم ليله ونهاره»(1) .

وصفوة القول أن المراد بكونه ضالا هو أن لازم كون النبي ممكناً بالذات هو كونه فاقداً في ذاته لكل كمال وجمال، مفاضاً عليه كل جميل من جانب اللّه تعالى وهذا هو اشارة إلى مقتضى التوحيد الافعالي واين هذا من الضلالة المساوقة للكفر أو الشرك أوالفسق والعصيان؟!

ثم ان من المحتمل ان تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء إذا لم يُعرف مكانه» وفي الحديث «الحكمة ضالّة المؤمن» اي مفقودته، لاضدّ الهداية والرشاد، فيكون الضالّ بهذا المعنى منطبقاً على ما نقله أهلُ السير والتواريخ عن ماجرى للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايام صباه يوم ضلّ في شعاب مكة، وهو صغير فمنّ اللّه عليه إذ ردّه إلى جدّه، وقصته معروفة في كتب السير والتاريخ(2)ولولا رحمة اللّه سبحانه لادركه الهلاك ومات عطشاً أو جوعاً فشملتهُ العناية الالهية .

أو أن تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء إذا خفي وغاب عن الأعين» فالانسان الضال هو الإنسان المخفي ذكره، المسنىّ اسمُه لا يعرفه إلا القليل من الناس، ولا يهتدي كثير منهم إليه .

ولو كان هذا هو المقصود، كان معناه حينئذ انه سبحانه رفع ذكره، وعرّفه


1 - نهج البلاغة: من الخطبة 178 و المسماة بالقاصعة: ص 182 .

2 - لاحظ السيرة الحلبية: ج 1، ص 131 وغيره، وفي هذه القصة يروي عن حيدة بن معاوية العامري سمعت شيخاً يطوف بالبيت وهو يقول:

ياربّ ردّ راكبي محمَّداً * أردده ربّي واصطنع عندي يدا


(300)

للناس بعد ما كان خاملا ذكره منسياً اسمُه .

ويؤيد هذا الاحتمال قوله سبحانه في سورة الانشراح الّتي نزلت لتحليل ما ورد في سورة الضحى قائلا:

(المْ نشرَح لَك صَدرَك. وَوَضْعْنا عَنْكَ وزرَك. الّذي أنقَضَ ظهرَكَ. وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكرَك)(1) .

فرفع ذِكْره في العالم عبارة عن هداية الناس إليه ورفع الحواجز بينه، وبينهم وعلى هذا فالمقصود من «الهداية» هو هداية الناس إليه لا هدايته بعد ضلال، فكأنه قال: فوجدك ضالا، اي خاملا ذكرك، باهتا اسمُك، فهدى الناس اليك، وسيّر ذكرك في البلاد.

وإلى ذلك يشير الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ على ما في خبر ابن الجهم بقوله: «قال اللّه عزّوجلّ لنبيه محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ألم يجدك يتيماً فآوى) يقول «ألم يَجدْكَ» وحيداً فآوى إليك الناسَ (وَوَجَدكَ ضالاّ) يعني عند قومك «فَهَدى» أي هَداهُمْ إلى معرفَتِك»(2). قال الاستاذ الشيخ محمَّد عبده في هذا المجال:

لقد بُغِّضتْ إليه (أي إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) الوثنيّةُ من مبدأ عمره فعاجلته طهارةُ العقيدة، كما بادره حسنُ الخليقة، وما جاء في الكتاب من قوله: «وَ وَجدَكَ ضالاّ فَهدى» لا يُفهَم منه أنه كان على وثنية قبلَ الاهتداء إلى التوحيد، أو على غير السبيل القويم، قبل الخلق العظيم حاشَ للّه، إنّ ذلكَ لهوَ الإفكُ المُبِين(3) .

الآية الثانية: الامر بهجر الرجز

استدلّوا بقول اللّه تعالى «والرُجْزَ فاهجُرْ» على وجود ارضية لعبادة الصنم


1 - الإنشراح: 1 ـ 4 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 142 .
3 - رسالة التوحيد للشيخ محمَّد عبده: ص 135 و 136 .


(301)

والوثن في شخصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وذلك بتفسير الرجز بالصنم، والوثن، ويتضح بطلان هذا الادعاء والاستنباط إذا أمعنا في معاني واستعمالات هذه اللفظة في الكتاب العزيز .

ان الرجز استعمل في القرآن الكريم في معان ثلاثة: العذاب، القذارة، الصنم .

وقد استعمل الرجز (بكسر الراء) في تسع موارد في القرآن الكريم، وقد اُريد منه في جميعها العذاب إلاّ في مورد واحد: وهي: البقرة ـ 59، والاعراف ـ 134 (وجاءت اللفظة فيها مرتين) و 135 و 162 والانفال ـ 11 وسبأ ـ 5 والجاثية ـ 11 والعنكبوت ـ 34.

وجاء الرجز ـ بضمّ الراء ـ مرّة واحدة وهي الآية الّتي نحن بصددها هنا(1) .

وهذه الآية لا تدل على ما ذهب إليه الذين يزعمون بان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان على غير التوحيد قبل البعثة .

واليك بيان هذا الموضوع مفصلاً :

1- ان الرُجز لو كان بمعنى «العذاب» دَلّت الآية على هجر ما يستلزم العذابَ، فيكون الخطابُ حينئذ مسوقاً من باب التعليم، ومن باب «اياك أعني واسمعي يا جاره»، فيكون ظاهر الأمر هو مخاطبة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونهيه عما يستلزم العذاب، وارادة تعليم الاُمة مثل قول اللّه تعالى في خطابه للنبي (فلا تكوننّ ظهيراً للكافرين)(2). وقوله تعالى: (لئن أشركْتَ ليَحْبَطنَّ عَملُك)(3) فكما لا تدلّ الآية على وجود أرضية الشرك في شخصية النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كذلك لا تدل الآية على وجود أرضية التعرض للعذاب في شخصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

2- إن الرُجز لو كان بمعنى (القذارة) وهي تنقسم إلى مادية ومعنوية فيحتمل ان يكون المراد بناء على المعنى الأول اشارة إلى ما ورد في الروايات من


1 - المدَّثر: 5 .
2 - القصص: 86 .
3 - الزمر: 65 .


(302)

أنّ اباجهل جاء بشىء قذر، وأمر رجلا من قريش بالقائه على النبىّ، ففعل، فأمراللّه نبيه بتطهير ثوبه من الدنس .

ويحتمل ان تكون الآية دعوة إلى اجتناب الصفات الذميمة بناء على ارادة المعنى الثاني الفظة الرُجز فتكون الآية تعليماً للناس على النمط السابق، فلا تدل على اتصاف النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها.

3ـ الرُجز بمعنى الصنم، لنفترض أن المقصود منه في الآية هو الصنم، لكن لا بمعنى أنه وضعَ لذاك المعنى، وإنّما وضعَ اللفظُ لمعنى جامع يعمُّ الصنم والخمر والازلام لاشتراك الجميع في كونها رجزاً، ولأجل ذلك وصِف الجميع في مورد آخر بالرجس فقال تعالى: (إنَّما الخمْرُ و المَيْسرُ وَ الأنْصابُ وَ الأَزْلامُ رجسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ)(1) .

ولكن يجاب عن هذا أيضاً بأن النبىّ يوم نزلت الآية لم يكن عابداً للوثن بل كان مشمّراً عن ساعد الجدّ لتحطيم الاصنام ومكافحة عبدتها، فلا يصحّ أن يخاطَب من هذا شأنه بهجر الاصنام إلا على السبيل الّذي أشرنا إليه وهو توجيه الخطاب إلى النبىّ وإرادة الاُمة به لكون هذا النوع من الخطاب أبلغ في التأثير، لأنه سبحانه إذا خاطب أعزّ الناس إليه بهذا الخطاب فغيره أولى به .

الآية الثالثة: عدم علمه بالكتاب والايمان

قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إليْكَ رُوْحاً مِنْ أَمْرنا ما كُنْتَ تَدريْ ما الْكِتابُ وَ لاَ الإيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدي بِه مَنْ نَشاء مِنْ عِبادِنا و إنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراط مُستَقيم)(2) .

زعم جماعة دلالة هذه الآية ـ والعياذ باللّه ـ على أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان فاقداً للايمان قبل الايحاء إليه .

لكنَ حياته الشريفة المشرقة بالإيمان، والتوحيد، تفنّد تلك المقالة، فالتاريخ


1 - المائدة: 90 .
2 - الشورى: 52 .


(303)

يشهد على انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ بداية عمره إلى أن لاقى ربه مؤمناً موحداً وذلك امرٌ لاشك فيه، ولا شبهة تعتريه، وقد اجمع على ذلك أهلُ السير والتاريخ، وحتّى أن الاحبار والرهبان كانوا معترفين بانه نبىُّ هذه الاُمة، وخاتم النبيين، وكان يسمع تلك الشهادات منهم في فترات خاصة في «مكة» و «يثرب» و «بصرى» و «الشام»(1) وغيرها، فكيف والحال هذه يمكن ان يكون غافلاً عن الكتاب الّذي ينزل إليه أو يكون مجانباً للإيمان بوجوده سبحانه، و توحيده، والتاريخ المسلَّم الصحيح يؤكّد على عدم صدق ذلك الاستظهار من الآية الحاضرة .

فلابدّ إذن من الإمعان في مفاد الآية كما لابدّ ـ في تفسيرها ـ من الاستعانة بالآيات الواردة في ذلك المساق .

بعث النبيُ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهداية قومه أوّلا، وهداية جميع الناس ثانياً، بالآيات والبيّنات، ونخصُّ بالذكر منها: القرآن الكريم (معجزته الكبرى الخالدة) الّذي بفصاحته أخرسَ فرسان الفصاحة، وقادة الخطابة، وببلاغته قهر ارباب البلاغة وملوك البيان، وخلب عقولهم، وقد دعاهم إلى التحدي والمقابلة، فلم يكن الجواب منهم إلاّ اثارة الشكوك والتهم حوله، وحول ما جاء به، وعدم المعارضة بمثل القرآن قط.

فتارة قالوا: بانه يعلّمه بشر، واُخرى بأنه إفكٌ افتراه، واعانه عليه قوم آخرون وثالثة: بأنه أساطير الاولين، قد اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة واصيلا، قال سبحانه رداً على هذه التهم الّتي أشرنا إليها: (قُلْ نزّلَهُ رُوحُ القدُس مِنْ ربّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِتَ الَّذينَ آمَنُوا وَ هُدى وَ بُشْرَى لِلْمُسْلِميْنَ * وَ لَقْدَ نَعلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعلِّمُهُ بَشَرٌ لسانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إليه أعجَمىّ وَ هذا لسانٌ عَرَبىٌّ مُبِينٌ)(2).

وقال سبحانه (وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا إنْ هذا إلاّ إفكٌ افتراهُ وَ أعانَهُ عَلَيْهِ


1 - راجع السيرة النبوية والسيرة الحلبية وبحارالأنوار .
2 - النحل: 102 و 103 .


(304)

قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤوا ظُلْماً وزُورا. وَ قالُوا أساطيرُ الأَوَّلينَ اكتَتبَهَا فَهِي تُملى عَليْهِ بُكرَةً وَ أصيلا. قُلْ أنزَلَهُ الَّذي يَعْلَمُ السّرَّ في السَّماواتِ وَ الاَْرضِ إنه كانَ غَفُوراً رَحيماً)(1) .

والآية المبحوثة بصدد بيان هذا الأمر، وانه وحي سماويٌ لا افكٌ إفتراه، ولهذا بدأ كلامه بلفظة: «وَ كَذلِكَ أوْحَينا إليكَ» أي كما أنه سبحانه أوحى إلى سائر الانبياء باحدى الطرق الثلاثة الّتي بينها في الآية المتقدمة، أوحى إليك أيضاً روحاً من امره، وليس هذا كلامك وصنيعك، بل كلام ربك وصنيعه.

هذا مجمل الكلام في الآية ولاجل رفع النقاب عن مرماها نقدّم اموراً تسلط الضوء على الآية:

الأول: ان المراد من الروح في الآية هو القرآن وسمّي روحاً لانه قوام الحياة الاُخروية، كما ان الروح في الإنسان قوام الحياة الدنيوية، ويؤيد ذلك امورٌ :

أ ـ ان محور البحث الأصلي في سورة الشورى هو: الوحي والآيات الواردة فيها البالغ عددُها (53) آية تبحث عن ذلك المعنى بالمباشرة أوبغيرها .

ب ـ الآية الّتي تقدمت على تلك، تبحث عن الطرق الّتي يكلم بها سبحانه انبياءه ويقول: (وَ ما كانَ لِبَشر أن يكلِّمَهُ اللّه إلاّ وَحْياً أو مِن وَرَاء حِجَاب أو يُرسِلَ رَسُولا فَيُوحيَ بإذْنه ما يَشاء إنَّه علىُّ حكيم)(2) .

ج ـ انه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بلفظة: «وكذلك» أي كما أوحينا إلى من تقدم من الانبياء كذلك أوحينا اليك باحدى تلك الطرق «روحاً من أمرنا» ووجه الاشتراك بينه وبين النبيين هو الوحي المتجلي في نبينا بالقرآن وفي غيره بوجه آخر .

كل ذلك يؤيد ان المراد من الروح في الآية المبحوثة هو القرآن الملقى إليه .

نعم وردت في بعض الروايات ان المراد منه هو روح القدس، ولكنه لا ينطبق على ظاهر الآية، لان الروح بحكم كونه مفعولا لـ «أوحينا» يجب ان


1 - الفرقان: 4 ـ 6 .
2 - الشورى: 51 .


(305)

يكون شيئاً قابلا للوحي حتّى يكون موحى، وروح القدس ليس موحى بل هو الموحي (بالكسر) فكيف يمكن أن يكون مفعولا لـ «أوحينا»، ولأجله يجب تأويل الروايات إن صحّت اسنادها .

الثاني: إن هيئة «ما كنتَ» أو «ما كانَ» تُستعمل في نفي الإمكان والشأن قال سبحانه: (وَ ما كانَ لنَفْس أنْ تَموتَ إلاّ بإذْنِ اللّه)(1) وقال عزَّ اسمه: (ما كانَ المؤمنُونَ لِيَنِفرُوا كافّةً)(2).

وعلى ضوء هذا الاصل يكون مفاد قوله «ما كُنتَ تدري ما الكتابُ ولا الايمانُ» أنه لولا الوحيُ ما كان من شأنك أن تدري الكتابُ ولا الإيمان، فان وقفتَ عليهما فانّما هو بفضل الوحي وكرامته .

الثالث: أن ظاهر الآية هو أن النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان فاقداً للعلم بالكتاب، والدراية بالكتاب، وانما حصلت الدراية بهما في ظل الوحي وفضله فيجب إمعان النظر في الدراية الّتي كان النبي فاقداً لها قبل الوحي وصار واجداً لها بعده، فما تلك الدراية وذاك العلم؟

فهل المراد هو العلم بنزول الكتاب إليه اجمالا والايمان بوجوده وتوحيده سبحانه، أوالمراد العلم بتفاصيل ما في الكتاب، والاذعان بها كذلك؟

لا شك انه لا سبيل إلى الأول لأنّ علمه ـ اجمالا ـ بانه ينزل إليه الكتاب، أو ايمانه بوجود اللّه سبحانه كانا حاصلين قبل نزول الوحي إليه ولم يكن العلم بهما ممّا يتوقف على الوحي، فان الأحبار والرهبان كانوا واقفين على نبوّته ورسالته ونزول الكتاب إليه في المستقبل إجمالا، وقد سمع منهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في فترات مختلفة: أنه النبىّ الموعود في الكتب السماوية، وانه خاتم الرسالات والشرائع، فهل يصحّ أن يقال أن علمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بنزول كتاب عليه إجمالا كان بعد بعثته وبعد نزول الوحي، أو انه كان متقدماً عليه و على بعثته، ومثلُهُ الإيمان باللّه سبحانه، وتوحيده، إذ لم يكن الإيمان باللّه امراً


1 - آل عمران: 145 .
2 - التوبة: 122 .


(306)

مشكلا متوقفاً على الوحي، وقد كان الاحناف في الجزيرة العربية ومن جملتهم رجال البيت الهاشمي موحّدين مؤمنين مع عدم نزول الوحي اليهم .

فيتعين الاحتمال الثاني وهو أن العلم التفصيلي بمضامين الكتاب وما فيه من الاصول والتعاليم ثم الايمان والاذعان بتلك التفاصيل كانا متوقفين على نزول الوحي، ولولاه لما كان هناك علمٌ بها، ولا ايمان .

وبعبارة اُخرى: إنّ العلم والإيمان بالامور السمعية الّتي لا سبيل للعقل إليها مثل المعارف والاحكام والقصص ومجادلات الانبياء مع المشركين والكفار، وما نزل بساحة أعدائهم من إهلاك وتدمير، لا يحصلان إلاّ من طريق الوحي حتّى قصص الامم السالفة وحكاياتهم لتطرق الوضع والدّس إلى كتب القصّاصين، والصحف السماوية النازلة قبل القرآن .

* * *

تفسير الآية بآية اُخرى:

إن الرجوع إلى ما ورد في هذا المضمار من الآيات يوضح المراد من عدم درايته بالكتاب أوّلا، والإيمان ثانياً .

أما الأول: فيقول سبحانه:(تِلْكَ مِنْ انباء الغَيب نُوحيها إليْكَ مَا كُنتَ تَعْلمُها أنْتَ وَ لا قومُكَ مِنْ قَبلِ هذا فاصْبِرْ إنَّ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين)(1) فالآية صريحة في أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن عالماً بتفاصيل الأنباء، وقد وقف عليها من جانب الوحي، فعبّر عن عدم وقوفه عليها في هذه الآية بقوله: «ما كُنتَ تَعْلُمها اَنتَ و لا قومُكَ» وفي تلك الآية بقوله: «ما كُنْتَ تدري مَاالْكِتاب» والفرق هو ان «الكتاب» أعم من «أنباء الغيب» والأول يشتمل على الانباء وغيرها، وأما «الانباء» فانها مختصة بالقصص، والكل مشتركان في عدم العلم بهما قبل الوحي والعلم بهما بعده .


1 - هود: 49 .


(307)

واما الثاني فقوله سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بما اُنزل إلَيْهِ مِنْ رَبِّه وَ الْمُؤمنُونَ كلٌ آمَنَ باللّه وَ مَلائكَتِهِ وَ كُتُبه وَ رُسُلِهِ لا نفرِّق بَينَ أحد مَن رسلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أطعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إليْكَ الْمصيرُ)(1) فقوله: «آمَنَ الرسولُ بِما اُنزِلَ إليهِ» صريحٌ في أنّ متعلّق الإيمانِ الحاصل بعد الوحي، هو الايمان «بما اُنزل إليه» أعني تفاصيل الكتاب في المجالات المختلفة، لا الإيمان باللّه وتوحيده وعندئذ يرتفع الابهام في الآية الّتي تمسكت بها المخطئة ومن ينسبون عدم الإيمان باللّه وتوحيده إلى النبي قبل البعثة، ويتبيّن أن متعلق الإيمان المنفىّ في قوله: «ولا الإيمان» هو «ما اُنزل» لا الايمان بالمبدأ وتوحيده .

والحاصل إن هُنا شيئاً واحداً هو: «الايمان بما اُنزل من المعارف والاحكام والانباء» فقد نفىَ عنَه في الآية المبحوث عنها لكونها ناظرةً إلى فترة ما قبل البعثة، واثبت له في الآية الاُخرى لكونها ناظرة إلى ما بعد البعثة .

قال الطبرسي: «ما كُنتَ تدري ما الكتابُ» ما القرآن ولا الشرائع ومعالم الايمان(2) .

وقال الفخر الرازي: المراد من الايمان هو الاقرار بجميع ما كلّف اللّه تعالى به، وانه قبل النبوة ما كان عارفاً بجميع تكاليف اللّه تعالى بل انه كان عارفاً باللّه... ثم قال: صفات اللّه تعالى على قسمين: منها ما تمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا تمكن معرفته الا بالدلائل السمعية، فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة(3) .

وقال العلامة الطباطبائي في الميزان: ان الآية مسوقة لبيان ان ما عنده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي يدعو إليه انما هو من عنداللّه سبحانه لا من قِبَل نفسه، وإنما اُوتي ما اُوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة، فالمراد بعدم درايته بالكتاب هو عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية والشرائع العملية،فان ذلك هو الّذي اُوتي العلمُ به بعد النبوة والوحي، والمراد من عدم درايته الإيمان عدم تلبسه


1 - البقرة: 285 .
2 - مجمع البيان: ج 3، ص 88 و 89 .
3 - مفاتيح الغيب: ج 7، ص 410 .


(308)

بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة، وقد سمّي العمل ايماناً في قوله تعالى: (وَ مَا كانَ اللّه لِيُضيعَ إيمانَكُمْ)(1) والمراد الصلوات الّتي اتى بها المؤمنون إلى بيت المقدس قبل النسخ وتحويل القبلة، والمعنى ما كان عندك قبل وحي الروح علمُ الكتاب بما فيه من المعارف والشرائع ولا كنت متلبساً به ما انت متلبس به بعد الوحي من الالتزام التفصيلي والاعتقادي وهذا لا ينافي كونه مؤمناً باللّه، موحداً قبل البعثة صالحاً في عمله، فان الّذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب والالتزام بها اعتقاداً وعملا، لا نفي العلم والالتزام الاجماليين بالايمان باللّه، والخضوع للحق(2) .

الآية الرابعة: عدم رجائه إلقاء الكتاب اليه

قال تعالى: (وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا أن يُلْقى إلَيْكَ الْكِتابُ إلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهيراً لِلْكافِرين)(3) .

استدلّوا بأن ظاهر الآية نفىُ علمه بالقاء الكتاب إليه، فلم يكن النبيُ راجياً لذلك واقفاً عليه .

أقول: ان توضيح مفاد هذه الآية يتوقف على إمعان النظر في الجملة الاستثنائية اعني قوله: «الاّ رحمة مِنْ ربّك» حتّى يتضح المقصود، وقد ذكر المفسرون في توضيحها وجوها ثلاثة نأتي بها:

1- إن «إلاّ» استدراكية، وليست استثنائية فهي بمعنى «لكنَّ» لاستدراك مابقي من المقصود، وحاصل معنى الآية: «ما كنت يا محمَّد ترجو فيما مضى أن يوحي اللّه إليك ويشرّفك بإنزال القرآن عليك، إلاّ أن ربّك رحمك، وانعم به عليك واراد بك الخير» نظير قوله سبحانه: (وما كنْتَ بِجانِب الطُّور إذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمةً مِنْ رَبِّك)(4) اي ولكن رحمة من ربك خصّصك به وهذا هو المنقول


1 - البقرة: 143 .
2 - الميزان: ج 18 ص 80 .
3 - القصص: 86.
4 - القصص: 46 .


(309)

عن الفراء(1) .

وعلى هذا لم يكن للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اي رجاء لالقاء الكتاب إليه، وانما فاجأه الالقاء لأجل رحمة ربه .

ولكن لا يصار إلى هذا الوجه إلاّ إذا امتنع كون الاستثناء متصلا لكون الانقطاع على خلاف الظاهر .

2ـ ان يكون «إلاّ» للاستثناء لا للاستدراك وهو متصل لا منقطع، ولكن المستثنى منه جملة محذوفة معلومة من سياق الكلام، وهو كما في الكشاف: «وما القى اليك الكتاب إلاّ رحمة من ربك»(2) اي لم يكن لالقائه عليك وجهٌ إلاّ رحمة ربك، وعلى هذا الوجه ايضاً لا يُعلَم انه كان للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رجاء لالقاء الكتاب عليه وان كان الاستثناء متصلا .

وهذا الوجه بعيد أيضاً لكون المستثنى منه، محذوفاً مفهوماً من الجملة على خلاف الظاهر وانما يصار إليه إذا لم يصحّ ارجاعُه إلى نفس الجملة الواردة في نفس الآية كما سيبيَّن في الوجه الثالث .

3ـ أن يكون «إلاّ» استثناء من الجملة السابقة عليه اعني قوله: «وما كنت ترجو» ويكون معناه: ما كنت ترجو القاء الكتاب عليك إلاّ أن يرحمك اللّه برحمة فينعم عليك بذلك، فتكون النتيجة: ما كنت ترجو إلاّ على هذا(3) .

فيكون هنا رجاء منفياً، ورجاء مثبتاً، أما الأول فهو رجاؤه بحادثة نزول الكتاب على نسج رجائه بالحوادث العادية، فلم يكن ذاك الرجاء موجوداً .

واما رجاؤه به عن طريق الرحمة الالهية فكان موجوداً فنفيُ أحد الرجائين لا يستلزم نفي الآخر، بل المنفىّ هو الأول، والثابت هو الثاني وهذا الوجه هو الظاهر المتبادر من الآية.

وقد سبق منّا أن جملة «ما كنت» وما اشبهه تستَعمل في نفي الامكان ،


1 - مجمع البيان: ج 4، ص 296، مفاتيح الغيب: ج 6، ص 408 .
2 - الكشاف: ج 2، ص 487 و 488 .
3 - مفاتيح الغيب: ج 6، ص 498 .


(310)

والشأن، وعلى ذلك يكون معنى الجملة: لم تكن راجياً لأن يلقى اليك الكتاب، وتكون طرفاً للوحي، والخطاب الاّ من جهة خاصة، وهي أن تقع في مظلة رحمته وموضع عنايته، فيختارك طرفا لوحيه، ومخاطباً لكلامه، فالنبي بما هو انسان عادي لم يكن راجياً لأن ينزل إليه الوحيُ، ويلقى إليه الكتاب، وبما انه صار مشمولا لرحمته وعنايته، وصار انساناً مثالياً، قابلا لتحمل المسؤولية، وتربية الاُمة، كان راجياً به، وعلى ذلك فالنفي والاثبات غير واردين على موضع واحد .

وبهذا خرجنا بفضل هذا البحث الضافي أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان إنساناً مؤمناً موحّداً عابداً للّه ساجداً قائماً بالفرائض العقلية والشرعية مجتنباً عن المحرمات عالماً بالكتاب ومؤمناً به إجمالا وراجياً لنزوله إليه إلى أن بعث لانقاذ البشرية عن الجهل، وسوقها إلى الكمال .

الآية الخامسة: لو لم يشأ ما تلوته

قال سبحانه: (قُلْ لَوْ شاء اللّه ما تَلَوتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا ادْريكُمْ بِه فَقدْ لِبثتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبلِه أفلاَ تَعْقِلُون)(1)، والآية تؤكد أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان لابثاً في قومه، ولم يكن تالياً لسورة من سور القرآن، أو آية من آياته وليس هذا شيء ينكره القائلون بالعصمة، فقد اتفقت كلمتهم على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقف على ما وقف عليه من آي الذكر الحكيم من جانب الوحي،ولم يكن قبله عالماً به واين هذا من قول المخطئة من نفي الايمان منه قبلها .

وان اردت الاسهاب في تفسيرها فلاحظ الآية المتقدمة، فترى فيها اقتراحين للمشركين وقد اجاب القرآن عن أحدهما في الآية المتقدمة وعن الآخر في نفس هذه الآية واليك نصّها: (قالَ الَّذينَ لا يَرجُونَ لِقاءنا ائتِ بِقُرْآن غير هَذا أوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يكُونُ لِي أنْ اُبَدلَهُ مِنْ تِلقاء نفسي إنْ أتَّبعُ إلا ما يُوحى الىَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصيْتُ ربِّي عَذابَ يَوْم عَظيم)(2) .


1 - يونس: 16 .
2 - يونس: 15 .


(311)

اقترح المشركون على النبي أحد الأمرين:

1ـ الإتيان بقرآن غير هذا مع التحفظ على فصاحته وبلاغته .

2ـ تبديل بعض آياته مما فيه سبٌّ لآلهتهم وتنديدٌ بعبادتهم للاوثان والاصنام .

فأجابَ عن الثاني في نفس الآية بان التبديل عصيان للّه، وانه يخافُ من مخالفة ربه، ولا محيص له إلاّ إتباعُ الوحي من دون أنْ يزيدَ فيه أو ينقص عنه .

واجاب عن الأول في الآية المبحوث عنها بان ذلك أمر غير ممكن لأن القرآن ليس من صنعي وكلامي حتّى أذهب به وآتي بآخر، بل هو كلام اللّه سبحانه وقد تعلقت مشيئته بتلاوتي، ولو لم يشأ لما تلوته عليكم ولا ادراكُمْ به، والدليل على ذلك أني كنت لابثاً فيكم عُمُراً من قبل فما تكلمت بسورة أو بآية من آياته، ولو كان القرآن كلامي لبادرت إلى التكلم به، ايام معاشرتي السابقة معكم في المدة الطويلة، المديدة .

قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية: إن الأمر فيه إلى مشيئة اللّه لا إلى مشيئتي، فانما أنا رسول ولو شاء اللّه ان ينزل قرآناً غير هذا لأنزل، أو لم يشأ تلاوة هذا القرآنُ تلوتُه عليكم، ولا أدراكم به فاني مكثت عُمُراً من قبل نزوله، ولو كان ذلك الىّ وبيدي لبادرتُ إليه قبل ذلك وبدت من ذلك آثار ولاحت لوائحه(1) .

فكيف يمكنُ والحال هذه أن يكون مجانبا للإيمان باللّه وتوحيده، لاهياً عن عبادته وتقديسه .

هذا وفي هذا المجال حديث واسع اكتفَيْنا مِنه بهذا القدر، ومن أراد التوسع أن يراجع الجزء الخامس من مفاهيم القرآن ص 135 ـ 191 .

وأما الكلام في الجهة الثانية وهي: أنه بماذا وبأيّ دين كان يتعبَّدُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة، فقد وقع ذلك محطاً للبحث بين العلماء، وحيث انه لا ينطوي على فائدة كبرى، بعد أن تبين أنه كان قبل البعثة


1 - الميزان: ج 10، ص 26، ولاحظ المنار: ج 11، ص 320 .


(312)

مؤمناً، موحّداً، يعبُد اللّه، فإنّه يكفي أن نعرف أنه كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يلتزم بما ثبت له أنه شرع اللّه تعالى... وبما يؤدّي إليه عقله الفطري السليم، وأنه بالتالي كان مؤيداً مسدّداً، وأنه كان أفضل الخلق واكمَلَهم خَلقاً، وخلقاً، وعقلا، وانه كان يعمل حسب ما يُلهَم سواء اكان مطابقاً لشرع ما قبله أم مخالفاً وأن هاديه وقائده منذ صباه إلى ان بعث هو نفس هاديه بعد البعثة(1) .


1 - وللتوسّع والوقوف على الآراء المختلفة في هذا المجال راجع الجزء الخامس من مفاهيم القرآن: ص 135 ـ 191 .

Website Security Test