welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الاَئمّة الاثنا عشر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَئمّة الاثنا عشر

(112)

الاِمام الحادي عشر:


أبو محمّد الحسن بن علي العسكري _ عليه السلام _

أبو محمّد الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد، أحد أئمّة أهل البيت، والاِمام الحادي عشر، الملقب بالعسكري، ولد عام 232هـ(1)، وقال الخطيب في تاريخه(2) وابن الجوزي في تذكرته(3): أنّه ولد عام 231 هـ وأشخص والده إلى العراق سنة 236هـ وله من العمر أربع سنين وعدّة شهور، وقام بأمر الامامة والقيادة الروحية بعد شهادة والده، وقد اجتمعت فيه خصال الفضل، وبرز تقدّمه على كافة أهل العصر، واشتهر بكمال الفعل والعلم والزهد والشجاعة(4)، وقد روى عنه لفيف من الفقهاء والمحدّثين يربو عددهم على 150 شخصاً(5). وتوفّي عام 260هـ ودفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء.

وخلّف ابنه المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت، وشدّة طلب السلطة، واجتهادها في البحث عن أمره، ولكنّه سبحانه حفظه من شرار أعدائه كما حفظ سائر أوليائه كإبراهيم الخليل وموسى الكليم، فقد خابت السلطة في طلبهما والاعتداء عليهما.

وقد اشتهر الاِمام بالعسكري لاَنّه منسوب إلى عسكر، ويراد بها سرّ من


(1) الكليني الكافي 1: ص 503.
(2) الخطيب تاريخ بغداد 7: 366.
(3) ابن الجوزي تذكرة الخواص: ص 322.
(4) المفيد، الارشاد: ص 335.
(5) العطاردي، مسند الاِمام العسكري وقد جمع فيه كلّما روي عنه وأُسند إليه.

(113)

رأى التي بناها المعتصم، وانتقل إليها بعسكره، حيث أشخص المتوكل أباه عليّاً إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر فنُسب هو وولده إليها (1). قال سبط ابن الجوزي: كان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جدّه ومن جملة مسانيده حديث في الخمر عزيز.

ثمّ ذكر الحديث عن جدّه أبي الفرج الجوزيّ في كتابه المسمّى بـ «تحريم الخمر»، ثمّ ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري وهو يسند الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب وهو يقول: «أشهد بالله لقد سمعت محمّداً رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنّه قال: سمعت الله يقول: شارب الخمر كعابد الوثن»(2).

ولقد وقع سبط ابن الجوزي في الاشتباه عندما توهّم أنّ اسناد الاِمام _ عليه السلام _ هذا الحديث إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مختص بهذا المورد، ولكن الحقيقة غير ذلك، فإنّ أحاديث أهل البيت مروية كلّها عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فهم لا يروون في مجال الفقه والتفسير والاَخلاق والدعاء إلاّ ما وصل إليهم عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن طريق آبائهم وأجدادهم، ومروياتهم لا تعبّر عن آرائهم الشخصية، فمن قال بذلك وتصوّر كونهم مجتهدين مستنبطين، فقد قاسهم بالآخرين مّمن يعتمدون على آرائهم الشخصية، وهو في قياسه خاطىء؛ منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس، ولم يحضروا مجلس أحد من العلماء، ولا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم، فما يذكرونه من علوم ورثوها من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وراثة غيبية لا يعلم كنهها إلاّ الله سبحانه والراسخون في العلم.


(1) ابن خلّكان، وفيات الاَعيان 2: 94.
(2) تذكرة الخواص: ص 324.

(114)

وهذا الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام _ يبيّن هذا الاَمر بوضوح لا لبس فيه، حيث يقول: «إنّ حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ»(1).

وروى حفص بن البختري، قال: قلت لاَبي عبدالله الصادق _ عليه السلام _ أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك، فقال: «ما سمعته منّي فاروه عن أبي، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _»(2).

فأئمّة المسلمين على حد قول القائل:

ووال أُناساً نقلهم وحديثهم * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

ولقد عاتب الاِمام الباقر _ عليه السلام _ سلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة حيث كانايأخذان الحديث منالناس ولايهتمان بأحاديث أهل البيت، فقال لهما: «شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهلَ البيت».

ورغم أنّ الخلفاء العباسيين قد وضعوا الاِمام تحت الاِقامة الجبرية وجعلوا عليه عيوناً وجواسيساً، ولكن روى عنه الحفّاظ والرواة أحديثاً جمّة في شتى المجالات، بل يروى أنّ الاِمام _ عليه السلام _ ورغم كلّ ذلك كان على اتّصال مستمر بالشيعة الذينكان عددهميقدر بعشرات الملايين، وحيثكانلامرجع لهم سوى الاِمام _ عليه السلام _.

كما أنّ الكلام عن أخلاقه وأطواره، ومناقبه وفضائله، وكرمه وسخائه، وهيبته وعظمته، ومجابهته للخلفاء العباسيين بكل جرأة وعزّة وما نقل عنه من الحكم والمواعظ والآداب، يحتاج إلى تأليف مفرد وكفانا في ذلك علماؤنا الاَبرار، بيد أنّا نشير إلى لمحة من علومه.


(1) الارشاد: ص 274.
(2) وسائل الشيعة ج 18، الباب الثامن من أبواب صفات القاضي، الحديث 86.

(115)

1 ـ لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسّرين فضربوا يميناً وشمالاً، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها فى أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولاً، ولكن الاِمام _ عليه السلام _ عالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها للطبع، فقال: «كذبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا سحر مبين تقوّله، فقال الله: (الم * ذلِكَ الكتابُ ) أي: يا محمّد، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة اليي منها «ألف»، «لام»، «ميم» وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّه لا يقدرون عليه بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبعْضٍ ظَهِيرا )(1)(2).

وقد روي هذا المعنى عن أبيه الاِمام الهادي _ عليه السلام _(3).

2 ـ كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشك في طريق المسلمين فيقولون إنّكم تقولون في صلواتكم: (اهدنا الصِّراط المُستقيم ) أو لستم فيه ؟ فما معنى هذه الدعوة؟ أو أنّكم متنكّبون عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الاِمام الآية قاطعاً لشغبهم فقال: «أدِم لناتوفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمالنا».

ثمّ فسّر الصراط بقوله: «الصراط المستقيم هو: صراطان: صراط في الدينا وصراط في الآخرة، أمّا الاَوّل فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل، وأمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة


(1) الاِسراء: 88.
(2) الصدوق، معاني الاَخبار: ص 24، وللحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.
(3) الكليني: الكافي ج 1 كتاب العقل والجهل الحديث: ص 20، 24 ـ 25.

(116)

الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنّة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنّة»(1)،

وكان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الاِمام العسكري ونسبوا إلى الاَئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء، ولاَجل ذلك يركّز الاِمام على أنّ الصراط المستقيم لكل مسلم هو التجنّب عن الغلو والتقصير.

3 ـ ربّما تغتر الغافل بظاهر قوله سبحانه: (صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيهِم ) ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والاَولاد وصحّة البدن، وإن كان كلّ هذا نعمة من الله، ولكنّ المراد من الآية بقرنية قوله: (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِم ولا الضَّالِّين )(2) هو نعمة التوفيق والهداية، ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يفسّر هذا الاِنعام بقوله: «قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ يُطِع اللهَ والرَّسُولَ فَأُولِئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّينَ والصَّديقينَ والشُّهداءِ وَالصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولِئكَ رَفيقاً ) ثمّ قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ظاهرة»(3).

4 ـ لقد تفشّت آنذاك فكرة عدم علمه سبحانه بالاَشياء قبل أن تخلق، تأثراً بتصورات بعض المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان، فسأله محمّد بن صالح عن قول الله: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ )(4)فقال: «هل يمحو إلاّ ما كان وهل يثبت إلاّ مالم يكن»؟

فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي: إنّه لا يعلم الشيء حتى يكون، فنظرإليَّ شزراً، وقال: «تعالى الله الجبّار العالم بالشيء قبل كونه، الخالق


(1) الصدوق معاني الاَخبار: ص 33.
(2) الفاتحة: 7.
(3) المصدر نفسه: 36.
(4) الرعد: 39:

(117)

إذ لا مخلوق، والربّ إذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه»(1).


(1) المسعودي، اثبات الوصية: ص 241.

(118)

الاِمام الثاني عشر:


المهدي ابن الحسن المنتظر _ عليه السلام _


هو أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري الحجّة، الخلف الصالح، ولد _ عليه السلام _ بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله من العمر عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله الحكم صبيّاً كما حدث ليحيى، حيث قال سبحانه: (يايَحْيى خُذِ الِكتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبيّاً )(1)،

وجعله إماماً وهو طفل، كما جعل المسيح نبيّاً وهو رضيع قال سبحانه عن لسانه وهو يخاطب قومه: (إنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الِكتابَ وَجَعَلَني نَبيّاً )(2).

اتّفق المسلمون على ظهور المهدي في آخر الزمان لاِزالة الجهل والظلم، والجور، ونشر أعلام العدل، وإعلاء كلمة الحق، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون، فهو بإذن الله ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله، ويلغي الاَخلاق والعادات الذميمة، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الاَهواء، ويقطع أُواصر التعصّبات القومية والعنصرية، ويمحي أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الاَُمّة وافتراق الكلمة، ويحقّق الله سبحانه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

1 ـ (وعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالحِاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهمْ وَليُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْركُونَ بي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعَدَ ذلِكَ فَأولِئكَ)


(1) مريم: 12.
(2) مريم: 30.

(119)

هُمُ الفاسِقُونَ )(1).

2 ـ (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلىَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةًوَنَجْعَلهُمُ الوراثِينَ )(2).

3 ـ (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذَّكْرِ أنَّ الاَرْضَ يَرِثُها عِباديَ الصّالِحُونَ )(3).

وتشهد الاَُمّة بعد ظهوره _ عليه السلام _ عصراً ذهبياً لا يبقى فيه على الاَرض بيت إلاّ ودخلته كلمة الاِسلام، ولا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة «لا إله إلاّ الله» بكرة وعشياً.

أقول: لقد تواترت النصوص الصحيحة والاَخبار المروية من طريق أهل السنّة والشيعة المؤكدة على إمامة أهل البيت _ عليه السلام _، والمشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل، وأنّ آخر هؤلاء الاَئمّة هو الذي يملاَ الاَرض ـ في عهده ـ عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ أحاديث الاِمام الثاني عشر الموسوم بالمهدي المنتظر قد رواها جملة من محدثي السنَّة في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي (المتوفّى عام 297هـ)، وأبيداود (المتوفّى عام 275هـ) وغيرهم؛ حيث أسندوا رواياتهم هذه إلى جملة من أهل بيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وصحابته، أمثال علي ابن أبيطالب _ عليه السلام _، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر _ عليه السلام _ وأُمّ سلمة زوجة الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وغيرهم:

1 ـ روى الاِمام أحمد في مسنده عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لو لم يبق من الدهر إلاّ


(1) النور: 55.
(2) القصص: 5.
(3) الاَنبياء: 105.

(120)

يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملاَها عدلاً كما ملئت جوراً»(1).

2 ـ أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود: أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي»(2).

3 ـ أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»(3).

4 ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي»(4).

إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه حتّى قال الدكتور عبدالباقي: إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو روايين، إنّها مجموعة من الاَحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح(5).

هذا هو المهدي الذي اتّفق المحدّثون والمتكلّمون عليه، وإنّما الاختلاف بين الشيعة والسنّة في ولادته، فالشيعة ذهبت إلى أنّ المهدي الموعود هو الاِمام الثاني عشر الذي ولد بسامراء عام 255هـ واختفى بعد وفاة أبيه عام 260هـ، وقد تضافرت عليه النصوص من آبائه، على وجه ما ترك شكّاً ولا شبهة(6)ووافقتهم جماعة من علماء أهل السنّة، وقالوا بأنّه ولد وأنّه محمّد بن الحسن العسكري.


(1) مسند أحمد 1: 99، 3: 17 و 70.
(2) جامع الاَُصول 11: 48 برقم 7810.
(3) جامع الاَُصول 11: 48 برقم 7812.
(4) المصدر نفسه برقم 7810.
(5) الدكتور عبدالباقي، بين يدي الساعة 123.
(6) اقرأ هذه النصوص في كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق: ص 360 ـ 381هـ ترى فيه النصوص المتضافرة على أنّ المهدي الموعود هو ولد الاِمام أبو محمّد الحسن العسكري وأنّ له غَيبة.

(121)

نعم كثير منهم قالوا: بأنّه سيولد في آخر الزمان، وبما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، فمن رجع إلى روايات أئمّة أهل البيت في كتبهم يظهر له الحق، وأنّ المولود للاِمام العسكري هو المهدي الموعود.

ومّمن وافق من علماء أهل السنّة بأنّ وليد بيت الحسن العسكري هو المهدي الموعود:

1 ـ كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي الشافعي في كتابه « مطالب السؤول في مناقب آل الرسول». وقد أثنى عليه من ترجم له مثل اليافعي في «مرآة الجنان» في حوادث سنة 652هـ.

قال ـ بعد سرد اسمه ونسبه ـ: «المهدي الحجّة، الخلف الصالح المنتظر، فأمّا مولده فبسر من رأى، وأمّا نسبه أباً فأبوه الحسن الخالص» ثمّ أورد عدّة أخبار واردة في المهدي من طريق أبي داود، والترمذي ومسلم، والبخاري وغيرهم، ثمّ ذكر بعض الاعتراضات بالنسبة إلى أحواله _ عليه السلام _ من حيث الغيبة وطول العمر وغير ذلك، وأجاب عنها جميعاً، ثمّ قال رادّاً على تأويل البعض لهذه الروايات بأنّها لا تدلّ على أنّه محمّد بن الحسن العسكري قائلاً: بأنّ الرسول لما وصفه وذكر اسمه ونسبه وجدنا تلك الصفات والعلامات موجوده في محمّد بن الحسن العسكري علمنا هو المهدي.

2 ـ أبو عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في كتابيه: «البيان في أخبار صاحب الزمان» و «كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب».

3 ـ نور الدين علي بن محمّد بن الصباغ المالكي في كتابه: «الفصول المهمّة في معرفة الاَئمّة».

4 ـ الفقيهالواعظ شمسالدينالمعروف بسبطابنالجوزيفي«تذكرة الخواص».

إلى غير ذلك من علماء وحفّاظ ذكر أسماءهم وكلماتهم السيد الاَمين في أعيان


(122)

الشيعة وأنهاها إلى ثلاثة عشر، ثمّ قال: والقائلون بوجود المهدي من علماء أهل السنّة كثيرون، وفيما ذكرناه منهم كفاية، ومن أراد الاستقصاء فليرجع إلى كتابنا «البرهان على وجود صاحب الزمان» ورسالة « كشف الاَستار» للشيخ حسين النوري(1).

وقد كان الاعتقاد بظهور المهدي في عصر الاَئمّة الهداة أمراً مسلّماً، حتى أنّ شاعراً مثل دعبل الخزاعي ذكره في قصيدته التي أنشدها لعلي بن موسى الرضا _ عليه السلام _ فقال:

خروج إمام لا محالة قائم * يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات

ولمّا وصل دعبل إلى هذين البيتين بكى الرضا _ عليه السلام _ بكاءً شديداً ثمّ رفع رأسه، فقال له: «يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدريمن هذا الاِمام ومتى يقوم»؟

فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أنّي سمعت بخروح إمام منكم يطّهر الاَرض من الفساد، ويملاَها عدلاً كما ملئت جور.

فقال: «يا دعبل، الاِمام بعدي محمّد ابني (الجواد) وبعد محمّد ابنه علي (الهادي)، وبعد علي ابنه الحسن (العسكري)، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملاَها عدلاً كما ملئت جوراً، وأمّا متى؟ فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي _ عليه السلام _ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله الساعة لا يجليها لوقتها إلاّ


(1) أعيان الشيعة 2: 64 ـ 75.

(123)

هو، ثقلت في السماوات والاَرض لا تأتيكم إلاّ بغتة(1).

ثمّ إنّ للمهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ غيبتين صغرى وكبرى، كما جاءت بذلك الاَخبار عن أئمّة أهل البيت، أمّا الغيبة الصغرى فمن ابتداء إمامته إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء وعدم نصب غيرهم، وقد مات السفير الاَخير علي بن محمّد السمري عام 329هـ، ففي هذه الفترة كان السفراء يرونه وربّما رآه غيرهم ويصلون إلى خدمته وتخرج على أيديهم توقيعات منه إلى شيعته في أُمور شتّى.

وأمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الاَُولى إلى أن يقوم بإذن الله تعالى.

وأمّا من رأى الحجّة في زمان أبيه وفي الغيبة الصغرى وحتى في الكبرى، فحدّث عنه ولا حرج، وقد أُلّفت في ذلك كتب أحسنها وأجملها: « كمال الدين» للصدوق، و«الغيبة» للشيخ الطوسي.

فنذكر هنا بعض من رآه في صباه:

فيمن رأى المهدي في بيت الاِمام العسكري:

إنّ هناك لفيفاً من أصحاب الاِمام العسكري رأوا الاِمام المهدي في أيام صباه، ووالده بعد حي. وها نحن نذكر من الكثير شيئاً قليلاً حتى لا يرتاب المنصف في ولادته:

1 ـ روى يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي _ عليه السلام _ هو جالس على دكّان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: من صاحب هذا الاَمر؟ فقال: ارفع الستر. فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشرة أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفين،


(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة 2: 372.

(124)

معطوف الركبتين، في خدّه الاَيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبيمحمد ثمّ قال لي: هذا صاحبكم(1).

2 ـ روى إبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري قال: لما همّ الوالي عمر بن عوف بقتلي غلب عليَّ خوف عظيم، فودعت أهلي وتوجهت إلى دار أبي محمّد لاَُودّعه، وكنت أردت الهرب، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره وضيائه وكاد ينسيني ما كنت فيه، فقال: يا إبراهيم لا تهرب فإنّ الله سيكفيك شره، فازداد تحّيري، فقلت لاَبي محمّد: يا سيدي يا بن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من هذا وقد أخبرني بما كان في ضميري؟ فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي(2).

3 ـ روى أحمد بن إسحاق قال: قلت لاَبي محمد الحسن العسكري: يا ابن رسول اللهفمن الاِماموالخليفة بعدك؟ فنهض _ عليه السلام _ مسرعاًفدخلالبيتثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّهسمّيرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكنيّه،الذي يملاَالاَرض قسطاًوعدلاًكماملئتجوراً وظلماً(3)

4 ـ روى أبو الحسين الحسن بن وجناء قال: حدثني أبي عن جده أنّه كان في دار الحسن بن علي _ عليه السلام _ فكبستنا الخيل وفيها جعفر بن علي الكذّاب واشتغلوا بالنهب والغارة وكانت همّتي في مولاي القائم _ عليه السلام _، قال: فإذا أنا به، قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه وهو _ عليه السلام _ ابن ست سنين فلم يره أحد حتى غاب(4).


(1) الصدوق، كمال الدين 2: 407 الباب 38 الحديث 2.
(2) الحر العاملي، إثبات الهداة 3: 700، الباب 33، الحديث 136.
(3) الصدوق، كمال الدين 2: 384 الباب 38 الحديث 1.
(4) المصدر نفسه، 2: 473 الباب 43 الحديث 25.

(125)

5 ـ روى عبدالله بن جعفر الحميري قال: سألت أبا عمر عثمان بن سعيد العمري (أحد وكلاء الاِمام أيام غيبته) فقلت له: هل أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد _ عليه السلام _؟ فقال: أي والله ورقبته مثل ذا ـ أومأ بيده ـ فقلت له: فبقيت واحدة؟ فقال لي: هات. قلت: الاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك...(1).

6 ـ روت حكيمة بنت الاِمام محمد الجواد قالت: بعث إليَّ أبو محمّد الحسن بن علي _ عليه السلام _ فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجّته في أرضه. ثمّ إنّ حكيمة عمة الاِمام العسكري تتحدث عن ولادة الاِمام المهدي وتقول: فصممته إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف، فصاح بي أبو محمد _ عليه السلام _: هلمّ إليَّ ابني يا عمة، فجئت إليه... (2).

7 ـ ورى كامل بن إبراهيم فقال: دخلت على سيدي أبي محمد _ عليه السلام _ إذ نظرت إليه على ثياب بيض ناعمة فقلت في نفسي: ولي الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب، ويأمرنا بمواساة إخواننا وينهانا عن لبس مثله، فقال الاِمام: يا كامل وحسر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن، فقال: هذا لله وهذا لكم، فجاءت الريح، فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: يا كامل بن إبراهيم. فاقشعررت من ذلك، والهمت أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: جئت إلى وليّ الله وحجّته تريد أن تسأل: لا يدخل الجنة إلاّ من عرف معرفتك وعرف مقالتك... إلى أن قال: فنظر إليَّ أبو محمّد وتبسّم وقال: يا كامل بن إبراهيم، ما جلوسك وقد أبانك المهدى والحجّة من بعدي بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه. قال: فنهضت وقد أخذت الجواب الذي أسررته في


(1) الكافي 1: 329 الحديث 1.
(2) الصدوق، كمال الدين 2: 424 الباب 42 الحديث 1.

(126)

نفسي من الاِمام المهدي ولم ألقه بعد ذلك(1).

هذه نماذج ممّن رأى الاِمام المهدي بعد ولادته، وقبل غيبته ذكرناه ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام في المقال.

أسئلة مهمّة حول المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ

إنّ القول بأنّ الاِمام المهدي لا يزال حياً يرزق منذ ولادته عام 255 هجرية إلى الآن، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر من الله سبحانه، أثار أسئلة حول حياته وإمامته، نذكر رؤوسها:

1 ـ كيف يكون إماماً وهو غائب، وما الفائدة المرتقبة منه في غيبته؟

2 ـ لماذا غاب؟

3 ـ كيف يمكن أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟

4 ـ ماهي أشراط وعلائم ظهوره؟

هذه أسئلة أُثيرت حول الاِمام المهدي منذ أن غاب، وكلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها، وقد قام المحققون من علماء الاِمامية بالاِجابة عليها في مؤلّفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها، غير أنّ الاِحالة لما كانت غير خالية عن المحذور، نبحث عنها على وجه الاِجمال، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال.

الاَوّل: كيف يكون إماماً وهو غائب؟ وما فائدته؟

إنّ القيادة والهداية والقيام بوظائف الاِمامة، هو الغاية من تنصيب الاِمام، أو اختياره، وهو يتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء الاَُمة، مشاهداً لهم، فكيف يكون


(1) الشيخ الطوسي، الغَيبة: 148؛ كشف الغمة 3: 289 عن الخرائج، وغيرهما من المصادر.

(127)

إماماً قائداً، وهو غائب عنهم؟!

والجواب: على وجهين نقضاً وحلاً.

أمّا النقض: فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أولياء الله، وأنّهم بين ظاهرٍ قائم بالاَُمور ومُختَفٍ قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إنّ كتاب الله العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الاَئمّة والاَولياء والقادة للاَُمّة: وليّ غائب مستور، لا يعرفه حتى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى _ عليه السلام _ بقوله: (فَوَجَدا عَبْداً مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْماً * قالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) الآيات(1).

ووليّ ظاهر باسط اليد، تعرفه الاَُمّة وتقتدي به.

فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربّما يكون غائباً، ولكنّه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أُمّته، بل يتصرّف في مصالحها ويرعى شؤونها، من دون أن يعرفه أبناء الاَُمّة.

فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الولي إمّا ولي حاضر مشاهَد، أو غائب محجوب.

وإلى ذلك يشير الاِمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ، يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن طالب _ عليه السلام _ فأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصحر، تنفَّس الصعداء، وكان مما قاله: «اللّهم، لا تخلو الاَرض من قائم لله بحجّةٍ، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلاّ تبطل حُجج الله وبيِّناته»(2).

وليست غيبة الاِمام المهدي، بِدعاً في تاريخ الاَولياء، فهذا موسى بن عمران،


(1) الكهف: 65 ـ 82.
(2) نهج البلاغة بتعليقات عبده 3: 186 قصار الحكم، الرقم 147.

(128)

قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً، وكان نبيّاً وليّاً، يقول سبحانه:

(وواعَدنا موسى ثلاثينَ لَيلةً وأتمناها بِعَشرٍ فَتمَّ ميقاتُ ربِّهِ أربعينَ لِيلةً وقالَ مُوسى لاَخيهِ هارونَ اخلُفني في قومي وأصلح ولا تتّبعْ سبيلَ المفسدين )(1).

وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه: (وذا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُمات أن لا إِله إلاّ أنت سُبحانك إِنّي كُنْتُ من الظَّالمين * فاستجبنا له ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكذلك نُنْجي المُؤْمنين )(2).

أولم يكن موسى ويونس نيَّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الاَبصار، ويعيش بعيداً عن قومه؟

فالجواب في هذا المقام، هو الجواب في الاِمام المهدي _ عليه السلام _ وسيوافيك ما يفيدك من الانتفاع بوجود الاِمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.

وأمّا الحلّ: فمن وجوه:

الاَوّل: إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته، لايدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالسائل جَعَلَ عدم العلم طريقاً إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الاِسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، ولا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الاَُمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.

وعلى ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة


(1) الاَعراف: 142.
(2) الاَنبياء: 87 ـ 88.

(129)

كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته.

الثاني: إنّ الغَيبَة لا تلازم عدم التصرف في الاَُمور، وعدم الاستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، ولم يَعْلَم أصحاب السفينة بتصرّفه، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية علمه. كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للاِمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. ويؤيد ذلك مادلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلتّ على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث: المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته، وأمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الاَُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الاَُمّة بواسطتهم.

الرابع: لا يجب على الاِمام أن يتولّى التصرّف في الاَُمور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره على التصرف في الاَُمور كما فعل الاِمام المهدي ـ أرواحنا له الفداء ـ في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالاَحكام، للقضاء وتدبير الاَُمور، وإقامة الحدود، وجعلهم حجة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان الاَحكام، ودفع الشبهات، وبكل ما يتوقّف عليه نظم أُمور الناس(1).


(1) المراد من الغيبة الصغرى، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ منذ وفاة والده عام 260هـ إلى عام 329هـ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الاَربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، وولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري.

والمراد من الغيبة الكبرى: غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق أشخاص معينين، وحلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول، كما جاء في توقيعه الشريف: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيهاإلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عيلكم، وأنا حجّة الله عليهم» (كمال الدين، الباب 45، ص 484).


(130)

وإلى هذه الاَجوبة أشار الاِمام المهدي _ عليه السلام _ في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقوله: «وأمّا وجهُ الانتفاع بي في غَيبتي، فكالانتفاع بالشَّمسِ إذا غيّبَها عن الاَبصارالسحاب»(1).

الثاني: لماذا غاب المهدي ؟

_ عليه السلام _

إنّ ظهور الاِمام بين الناس، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتب عليه في زمن الغيبة، فلماذا غاب عن الناس، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده، وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

الجواب:

أنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض والحل:

أمّا النقض: فبما ذكرناه في الاِجابة عن السؤال الاَوّل، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته، لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة، بل هو المتعّين.

وأمّا الحلّ: فإنّ أسباب غيبته، واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات، فإنّ الاِمام المهدي _ عليه السلام _ هو آخر الاَئمة الاثني عشر الذين وعد بهم


(1) الصدوق: كمال الدين، الباب 45، ص 485 الحديث 4. وقد ذكر العلاّمة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحار الاَنوار ج 52 الباب 20 ص 93 ـ 94.

(131)

الرسول، وأناط عزّة الاِسلام بهم، ومن المعلوم أنّ الحكومات الاِسلامية لم تُقدِّرْهُم، بل كانت لهم بالمرصاد، تلقيهم في السجون وتريق دماءهم الطاهرة بالسيف أو السمّ، فلو كان ظاهراً، لاَقدموا على قتله، إطفاءً لنوره، فلاَجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكن مستوراً عن أعين الناس، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه، إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره، بعد حصول استعدادٍ خاص في العالم لقبوله، والانضواء تحت لواء طاعته، حتى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الاَُمم جمعاء من توريث الاَرض للمستضعفين.

وقد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة، روى زرارة قال: سمعت أبا جعفر (الباقر _ عليه السلام _) يقول: إنّ للقائم غَيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف. قال زرارة: يعني القتل.

وفي رواية أُخرى: يخاف على نفسه الذبح(1).

وسيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره.

الثالث: الاِمام المهدي وطول عمره:

إنّ من الاَسئلة المطروحة حول الاِمام المهدي، طول عمره في فترة غَيبته، فإنّه ولد عام 255هـ، فيكون عمره إلى العصر الحاضر أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

الجواب:

من وجهين، نقضاً وحلاًّ.

أمّا النقض: فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الاَنبياء عاش قرابة ألف سنة،


(1) لاحظ كمال الدين، الباب 44، ص 281 الحديث 8 و9 و10.

(132)

قال تعالى: (فَلَبِثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسينَ عاماً )(1).

وقد تضمّنت التوارة أسماء جماعة كثيرة من المعمّرين، وذكرت أحوالهم في سِفْر التكوين(2).

وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين، ككتاب «المعمّرين» لاَبي حاتم السجستانى، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب «كمال الدين»(3)، والعلاّمة الكراجكي في رسالته الخاصّة، باسم « البرهان على صحة طول عمر الاِمام صاحب الزمان»(4)، والعلاّمة المجلسي في البحار(5)، وغيرهم.

وأمّا الحلّ: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه: (وَما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(6)، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء.

وبعبارة أُخرى: إنّ الحياة الطويلة إمّا ممكنة في حد ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعيّن الاَوّل، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه، لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الاِنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة، وأنّ موت الاِنسان في فترة متدنية، ليس لقصور


(1) العنكبوت: 14.
(2) التوراة، سفر التكوين، الاِصحاح الخامس، الجملة 5، وذكر هناك أعمار آدم، وشيث ونوح، وغيرهم.
(3) كمال الدين: ص 555.
(4) الكراجكي، البرهان على طول عمر صاحب الزمان، ملحق بـ«كنز الفوائد»، له. أيضاً الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمرين ص 114 ـ 155، ط دار الاَضواء، بيروت 1405هـ.
(5) بحار الاَنوار ج 51، الباب 14، ص 225 ـ 293.
(6) الاَنعام: 91.

(133)

الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، ولو أمكن تحصين الاِنسان منها بالاَدوية والمعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

وهناك كلمات ضافية من مَهَرة علم الطب في إمكان إطالة العمر، وتمديد حياة البشر، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة(1).

وبالجملة، اتّفقت كلمة الاَطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحّة، توجب طول العمر، فكلّما كثرت العناية برعاية تلك الاَُصول، طال العمر، ولاَجل ذلك نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، أقلّ من السابق، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، وما هو إلاّ لرعاية أُصول الصحّة، ومن هنا أُسّست شركات تضمن حياة الاِنسان إلى أمد معلوم تحت مقرّرات خاصة وحدود معيّنة، جارية على قوانين حفظ الصحّة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحّة من كلّ وجه، طال عمره إلى ما شاء الله.

وإذا قرأت ما تُدَوِّنه أقلام الاَطباء في هذا المجال، يتّضح لك معنى قوله سبحانه: (فَلَوْلا أنّه كانَ مِنَ المُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَومِ يُبْعَثونَ )(2).

فإذا كان عيش الاِنسان في بطون الحيتان، في أعماق المحيطات، ممكناً إلى يوم البعث، فكيف لا يعيش إنسان على اليابسة، في أجواء طبيعية، تحت رعاية الله وعنايته، إلى ما شاء الله؟

الرابع: ماهي علائم ظهوره؟

_ عليه السلام _

إذا كان للاِمام الغائب، ظهورٌ بعد غيبة طويلة، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علامات وأشراط تخبر عن ظهوره، فما هي هذه العلامات؟


(1) لاحظ مجلة المقتطف، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين.
(2) الصافات: 143و144.

(134)

الجواب:

إنّ ما جاء في كتب الاَحاديث من الحوادث والفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين:

قسم هو من أشراط الساعة وعلامات دنوّ القيامة.

وقسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

وربّما وقع الخلط بينهما في الكتب، ونحن نذكر القسم الثاني منهما، وهو عبارة عن أُمور عدّة، منها:

1 ـ النداء في السماء.

2 ـ الخسوف والكسوف في غير مواقعهما.

3 ـ الشقاق والنفاق في المجتمع.

4 ـ ذيوع الجور والظلم والهرج والمرج في الاَُمّة.

5 ـ ابتلاء الاِنسان بالموت الاَحمر والاَبيض.

6 ـ قتل النفس الزكية.

7 ـ خروج الدجّال.

8 ـ خروج السفياني.

وغير ذلك مما جاء في الاَحاديث الاِسلامية(1).

هذه هي علامات ظهوره، ولكن هناك أُمور تمهّد لظهوره، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى إبرزها:

1 ـ الاستعداد العالمي: والمراد منه أنّ المجتمع الاِنساني ـ وبسبب شيوع الفسادـ يصلإلىحدّ، يقنطمعهمن تحقّق الاِصلاح بيد البشر، وعنطريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة، وأنّ ضغط الظلم والجور على الاِنسان يحمله عن أن يُذعن ويُقرّ بأنّ الاِصلاح لا يتحقّق إلاّ بظهور إعجاز إلهي، وحضور قوّة غيبية، تدمّر كلّ تلك التكتلات البشرية الفاسدة، التي قَيّدَتْ بسلاسلها أعناق البشر.

2 ـ تكامل العقول: إنّ الحكومة العالمية للاِمام المهدي _ عليه السلام _ لا تتحقّق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للاَعداء، وإنّما تتحقّق برغبة الناس إليها، وتأييدهم لها، لتكامل عقولهم ومعرفتهم.

يقول الاِمام الباقر _ عليه السلام _ في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم: «إذا قام قائمنا، وَضَعَ الله يده على رؤوس العباد، فيجمع بها عقولهم، تكتمل به أحلامهم»(2).

فقوله _ عليه السلام _: «فيجمع بها عقولهم»، بمعنىأنّ التكامل الاجتماعي يبلغ بالبشر إلى الحدّ الذي يَقْبَلُ فيه تلك الموهبة الاِلهية، ولن يترصّد للثورة على الاِمام والانقلاب عليه، وقتله أو سجنه.

3 ـ تكامل الصناعات: إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلاّ بتكامل الصناعات البشرية، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه، وتعاليمه وقوانينه في يوم واحد، وزمنٍ واحدٍ.

قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _: «إنّ المؤمنَ في زمان القائم، وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق»(3).

4 ـ الجيش الثوري العالمي: إنّ حكومة الاِمام المهدي، وإن كانت قائمة على تكامل العقول، ولكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر وفعّال، يُمَهِّد الطريق للاِمام _ عليه السلام _ ويواكبه بعد الظهور إلى تحقّق أهدافه وغاياته المتوخّاة.

حصيلة البحث

هؤلاء هم أئمّة الشيعة وقادتهم بل أئمّة المسلمين جميعاً، وكيف لا يكونون كذلك؟ وقد ترك رسول الله بعد رحلته الثقلين وحثّ الاَُمّة على التمسّك بهما وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»(4).

ولكن المؤسف أنّ أهل السنّة والجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب الله العزيز على أقوال أئمّة أهل البيت وهم قرناء القرآن وأعداله والثقل الآخر من الثقلين، وإنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم ولا يشقّون غبارهم، نظراء مجاهد بن جبر ( المتوفّى عام 104هـ)، وعكرمة البربري (المتوفّى عام 104هـ)، وطاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 106هـ) وعطاء بن أبي رباح (المتوفّى عام 114هـ)، ومحمّد بن كعب القرظي (المتوفّى عام 118هـ)، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة والمكانة العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت ـ صلوات الله عليهم ـ...

فالاِسلام عقيدة وشريعة، والنجاة عن الضلال ـ حسب مفاد حديث الثقلين ـ هو الرجوع إليهما، وأمّا غيرهما فإن رجع إليهما فنعم المطلوب وإلاّ فلا قيمة له، أمّا الصحابة والتابعون، فلا يعتد برأيهم إلاّ إذا كان مأخوذاً عن كتابه سبحانه أو سنّة نبيّه، وليس حديث أئمّة أهل البيت إلاّ إشراقاً خالداً لحديث جدّهم الاَكرم وسنّته.

Website Security Test