welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الاَئمّة الاثنا عشر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَئمّة الاثنا عشر

(58)

الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق:

رغم انّ الدافع الظاهري لهجرته _ عليه السلام _ إلى العراق كانت رسائل أهل الكوفة ورسلهم حتّى أنّ الاِمام احتجّ بها عندما واجه الحرّ بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما سألاه عن سرّ مجيئه إلى العراق فقال: «كتب إليَّ أهل مصركم هذا أن أقدم»(1). إلاّ أنّ السرّ الحقيقي لهجرته _ عليه السلام _ رغم إدراكه الواضح لما سيترتّب عليها من نتائج خطرة ستودي بحياته الشريفة ـ وهو ما وطّن نفسه _ عليه السلام _ عليه ـ يمكن إدراكه من خلال الاستقراء الشامل لمسيرة حياته، وكيفية تعامله مع مجريات الاَحداث.

إنّ الاَمر الذي لا مناص من الذهاب إليه هو إدراك الاِمام _ عليه السلام _ ما ينتجه الاِذعان والتسليم لتولّـي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين رغم ما عُرف عنه من تهتّك ومجون وانحراف واضح عن أبسط المعايير الاِسلامية، وفي هذا مؤشّـر خطر على عظم الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الاِسلامية، وابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي.

ومن هنا فكان لابدّ من وقفة شجاعة تعيد للاَُمّة جانباً من رشدها المضاع وتفكيرها المسلوب. إنّ الاِمام الحسين _ عليه السلام _ قد أعلنها صراحة بقوله لمّا طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد، حيث قال: «فعلى الاِسلام السلام إذا بليت الاَُمّة براع مثل يزيد» كما عرفت سابقاً.

نعم إنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي، قيل: يا رسول الله ومن هما؟ فقال: الفقهاء والاَُمراء»(2)، فإذا كان صلاح الاَُمّة وفسادها رهن صلاح الخلافة وفسادها، فقيادة مثل يزيد لا تزيد الاَمر إلاّ عيثاً وفساداً.

إنّ القيادة الاِسلامية بين التنصيص والشورى، ولم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الاَُمّة، وهذا ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين _ عليه السلام _ رسالة جاء فيها: أمّا بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الاَُمّة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها(3).

ولم يكن الولد (يزيد) فريداً في غصب حقّ الاَُمّة، بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف، وليس بخاف على أحد، وإلى تلك الحقيقة المرّة يشير الاِمام عليّ _ عليه السلام _ في كتاب له إلى معاوية، حيث يقول:

«فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الاَُمور، فقد سلكت مدارج أسلافك بادّعائك الاَباطيل واقتحامك غرور المين والاَكاذيب، وبانتحالك ما قد علا عنك، وابتزازك لما قد اختزن دونك فراراً من الحقّ وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ممّا قد وعاه سمعك، وملىَ به صدرك، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال المبين»(4).

هذا ونظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة، وتقديم نفسه


(1) الارشاد: 224 ـ 228.
(2) القمّي، سفينة البحار 2: 30 مادة أمر.
(3) ابن الاَثير، الكامل 2: 266 ـ 267، الارشاد: 203.
(4) نهج البلاغة | الكتاب 65.

(59)

وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم، مع علمه بأنّه وفقاً لما تحت يديه من الاِمكانات المادّية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات المادّية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أيّ ثورة فتيّة، نعم إنّ الاِمام الحسين _ عليه السلام _ كان يدرك قطعاً هذه الحقيقة، إلاّ أنّه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدّسة شجرة الاِسلام الوارفة التي يريد الاَُمويّون اقتلاعها من جذورها.

كما أنّ الاِمام _ عليه السلام _ أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الاَُمّة فجعلها حائرة متردّدة أمام طغيان الجبابرة وحكّام الجور، وأن تصبح ثورته مدرسة تتعلّم منها الاَجيال معنى البطولة والتضحية من أجل المبادىَ والعقائد، وكان كلّ ذلك بعد استشهاد الاِمام _ عليه السلام _، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

كان المعروف منذ ولادة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ أنّه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء وعرف المسلمون ذلك في عصر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ووصيّه، لذا كان الناس يترقّبون حدوث تلك الفاجعة، كما أنّ هناك الكثير من القرائن التي تدلّ بوضوح على حتميّة استشهاده _ عليه السلام _، ومن ذلك:

1 ـ روى غير واحد من المحدّثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في كربلاء أنّه قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _يقول: «إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين _ عليه السلام _(1).

2 ـ إنّ أهل الخبرة والسياسة في عصر الاِمام كانوا متّفقين على أنّ الخروج إلى العراق يكون خطراً كبيراً على حياة الاِمام _ عليه السلام _ وأهل بيته، ولاَجل ذلك أخلصوا له النصيحة، وأصرّوا عليه عدم الخروج، ويتمثّل ذلك في كلام أخيه محمّد بن الحنفيّة، وابن عمّه ابن عبّاس، ونساء بني عبدالمطّلب، ومع ذلك اعتذر لهم الاِمام


(1) الاِصابة 1: 81 | 266.

(60)

وأفصح عن عزمه على الخروج(1).

3 ـ لمّا عزم الاِمام المسير إلى العراق خطب وقال: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُـيّـر لي مصرع أنا أُلاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء فيملاَن منّي أكراشاً جُوَّفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»(2).

4 ـ لمّا بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين _ عليه السلام _ دخل عليه فلامه في المسير، ولما رآه مصرّاً عليه قبّل ما بين عينيه وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل(3).

5 ـ لمّا خرج الحسين _ عليه السلام _ من مكّة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: إلى أين يا بن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ ما أعجلك عن الموسم؟ قال: «لو لم أعجل لاَُخذْتُ، ثمّ قال له: أخبرني عن الناس خلفك» فقال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك(4).

6 ـ لما أتى إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن


(1) لاحظ المحاورات التي جرت بين الاِمام وهؤلاء في الاِرشاد: 201 ـ 202، مقاتل الطالبيين 109، اللهوف: 20 ط بغداد.
(2) اللهوف: 41.
(3) تذكرة الخواصّ: 217 ـ 218.
(4) الاِرشاد: 218.

(61)

يقطر، قال لاَصحابه: «لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرجٍ ليس عليه ذمام» فتفرّق الناس عنه، وأخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه. ومع ذلك فقد واصل _ عليه السلام _ مسيره نحو الكوفة، ولما مرّ ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان، فسأل الاِمام: أين تريد؟ فقال له الحسين _ عليه السلام _: «الكوفة» فقال الشيخ: أُنشدك لمّا انصرفت، فوالله ما تقدِمُ إلاّ على الاَسنّة وحدّ السيوف، فقال له الحسين: «ليس يخفى عليّ الرأي، وأنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره»(1).

في نفس النصّ دلالة على أنّ الاِمام كان يدرك ما كان يتخوّفه غيره، و أنّ مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل، ومع ذلك أكمل السير طلباً للشهادة من أجل نصرة الدين وردّ كيد أعدائه، وحتى لا تبقى لاَحد حجة يتذرّع بها لتبرير تخاذله وضعفه.

نعم لقد كان الحسين _ عليه السلام _ على بيّنة من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم، فلا شيء يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي أراد الاَُمويّون تقويضها، انظر إليه وهو يخاطب الحرّ بن يزيد الرياحي الذي يحذّره من مغبّة إصراره على موقفه حيث يقول له: «أفبالموت تخوّفني، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، وسأقول كما قال أخو الاَوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول، فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندَم وإن مِتُّ لم أُلمْ * كفى بك ذلاًّ أن تعيش وترغما»(2)


(1) الاِرشاد: 223.
(2) الاِرشاد: 225، الطبري في تأريخه 5: 204.

(62)

ثمّ إنّه كان لشهادة الحسين _ عليه السلام _ أثر كبير في إيقاظ شعور الاَُمّة وتشجيعها على الثورة ضدّ الحكومة الاَُموية التي أصبحت رمزاً للفساد والانحراف عن الدين، ولاَجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق والحجاز، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقّق هدفها في وقتها، ولكن كان لها الدور الاَساسي في سقوط الحكومة الاَُمويّة بعد زمان.

ولقد أجاد من قال: لولا نهضة الحسين _ عليه السلام _ وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يوم الطفّ لما قام للاِسلام عمود، ولا اخضرّ له عود، ولاَماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أوّل عهده في لحده. فالمسلمون جميعاً بل الاِسلام من ساعة قيامه إلى قيام الساعة رهين شكر للحسين _ عليه السلام _ وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ(1).

بلى، فلا مغالاة في قول من قال: إنّ الاِسلام محمّديّ الحدوث حسينيّ البقاء والخلود.

ترى أنّى للاِمام الحسين _ عليه السلام _ الاِذعان لحقيقة تسلّم يزيد مقاليد خلافة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، يزيد المنحرف الفاسد، عدوّ الله وعدوّ رسوله، الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عندما أُحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاَسلْ

لاَهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلّ

قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا قتل بدر فاعتدل

لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل(2)


(1) جنّة المأوى: 208 للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.
(2) البيتان الاَوّلان لابن الزبعرى، والثلاثة الاَخيرة ليزيد، لاحظ تذكرة الخواص: 235.

(63)

وأمّا بيان خروجه من مكة متوجّهاً إلى العراق والحوادث التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء، والتي استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصاً، ظمآنَ وعطشانَ، فهو خارج عن موضوع البحث. وقد أُلّفت فيه مئات الكتب وعشرات الموسوعات.

شهادته _ عليه السلام _


لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من الهجرة، وقيل يوم السبت، وكان قد أدرك من حياة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خمس أو ستّ سنوات، وعاش مع أبيه 36 سنة، ومع أخيه 46 سنة.

فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


(64)

الاِمام الرابع:

عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين _ عليه السلام _

هو رابع أئمّة أهل البيت الطاهر، المشهور بزين العابدين أو سيّدهم، والسجّاد، وذي الثفنات.

ولادته و جوانب من سيرته _ عليه السلام _

ولد في المدينة سنة 38 أو 37هـ.

قال ابن خلّكان: هو أحد الاَئمّة الاثني عشر ومن سادات التابعين. قال الزهري: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه. وفضائله ومناقبه أكثر من أن تحصى وتذكر، ولمّا توفّي دفن في البقيع في جنب عمّه الحسن في القبّة التي فيها قبر العباس ـ رضي الله عنه ـ(1).

ولقد تولّى الاِمامة بعد استشهاد أبيه الحسين _ عليه السلام _ في كربلاء، وللاطّلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي الرجوع إلى كتب الحديث والعقائد المتكفّلة بهذا الجانب المهم، وأخصّ منها بالذكر كتاب «الكافي» للكليني، و«الاِرشاد» للشيخ المفيد، و «كفاية الاَثر» للخزّاز، و «إثبات الهداة» للحرّ العاملي.

ومن أراد الاطّلاع على مناقبه وكراماته وفضائله في مجالات شتّى كالعلم،


(1) وفيات الاَعيان 3: 267 ـ 269.

(65)

والحلم، والجرأة والاِقدام، وثبات الجنان، وشدة الكرم والسخاء، والورع، والزهد، والتقوى، وكثرة التهجّد والتنفّل، والفصاحة والبلاغة، وشدّة هيبته بين الناس ومحبّتهم له، وتربيته لجيل عظيم من الصحابة والعلماء وقّفوا حياتهم في خدمة الاِسلام، وغير ذلك ممّا لا يسعنا التعرّض لها هنا، فعليه يطلب ذلك في الموسوعات المتعدّدة التي تعرّضت لذلك بالشرح والتفصيل.

إلاّ أنّا نكتفي هنا بجانب من سيرته _ عليه السلام _ تتعلّق بجملة محدّدة من الاَُمور:

1 ـ هيبته ومنزلته العظيمة:

لقد كان _ عليه السلام _ مهاباً جليلاً بين الناس بشكل كبير، حتّى أنّ هذه المنزلة العظيمة جعلت الاَُمراء والحكّام يحسدونه عليها، والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة ومتعدّدة، ومن ذلك:

لمّا حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الاَسود فلم يمكنه ذلك، وجاء عليّ بن الحسين8 فتوقّف له الناس، وتنحّوا حتّى استلم، فقال جماعة لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه (مع أنّه كان يعرفه أنّه عليّ بن الحسين _ عليه السلام _) فسمعه الفرزدق، فقال: لكنّي أعرفه، هذا عليّ بن الحسين زين العابدين، وأنشد هشاماً قصيدته التي منها هذه الاَبيات:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلّهم * هذا التقي النقي الطاهر العلمُ

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ

يُغضي حياء ويُغضى من مهابته * فما يكلّم إلاّ حين يبتسمُ

إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمّتهم * أو قيل من خير أهل الاَرض قيل همُ


(66)

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجدّه أنبياء الله قد خُتموا

وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجمُ

إلىآخر القصيدة التيحفظتها الاَُمّة وشطّرها جماعة من الشعراء. وقدثقل ذلك علىهشام فأمر بحبسه، فحبسوه بين مكّة والمدينة، فقال معترضاً على عمل هشام:

أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها

يقلّب رأساً لم يكن رأس سيّدٍ * وعيناً له حولاء بادٍ عيوبها

فأخرجه من الحبس فوجّه إليه علي بن الحسين8 عشرة آلاف درهم وقال: «اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به» فردّها الفرزدق وقال: ما قلت ما كان إلاّ لله، فقال له علي _ عليه السلام _: «قد رأى الله مكانك فشكرك، ولكنّا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه» وأقسم عليه فقبلها.

2 ـ زهده وعبادته ومواساته للفقراء:

أمّا زهده وعبادته ومواساته للفقراء، وخوفه من الله فغني عن البيان. فقد روي عنه _ عليه السلام _ أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه، فيقال: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ قال: «أتدرون بين يَدي من أُريد أن أقف».

من كلماته _ عليه السلام _: «إنّ قوماً عبدوا الله رياضة؛ فتلك عبادة العبيد، وأنّ قوماً عبدوه رغبة؛ فتلك عبادة التجّار، وأنّ قوماً عبدوه شكراً؛ فتلك عبادة الاَحرار».

وكان إذا أتاه سائل يقول له: «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة».

كان _ عليه السلام _ كثير الصدقات حريصاً عليها، و كان يوصل صدقاته ليلاً دون أن يعلم به أحد، وقد روي أنّه _ عليه السلام _ كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا يدرون من يأتيهم بالصدقات، ولما توفّي _ عليه السلام _ أدركوا ذلك.


(67)

وفي رواية: أنّه _ عليه السلام _ كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به ويقول: «صدقة السر تطفىَ غضب الربّ».

وفي رواية كان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتّى مات عليّ بن الحسين _ عليه السلام _(1).

وقال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت رجلاً أورع من فلان ـ وسمّى رجلاً ـ فقال له سعيد: أما رأيت عليّ بن الحسين؟ فقال: لا، فقال: ما رأيت أورع منه.

قال أبو حازم: ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين.

قال طاووس: رأيت عليّ بن الحسين8 ساجداً في الحجر فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيّب لاَسمعنّ ما يقول، فأصغيت إليه فسمعته يقول: «عُبيدُك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك» قال طاووس: فوالله ما دعوت بهنّ في كرب إلاّ كشف عنّي.

وكان يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فإذا أصبح سقط مغشيّاً عليه، وكانت الريح تميله كالسنبلة، وكان يوماً خارجاً فلقيه رجل فسبّه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال لهم علي _ عليه السلام _: «مهلاً كفّوا» ثمّ أقبل على ذلك الرجل فقال له: «ما سُترَ عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟» فاستحيى الرجل فألقى إليه _ عليه السلام _ خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنّك من أولاد الرسل(2).


(1) تذكرة الخواصّ: 294.
(2) كشف الغمّة 2: 292 ـ 293.

(68)

ثروته _ عليه السلام _ العلمية

أمّا الثروة العلمية والعرفانية، فهي أدعيته التي رواها المحدّثون بأسانيدهم المتضافرة، والتي جمعت بما سمّي بالصحيفة السجّادية المنتشرة في العالم، فهي زبور آلمحمد، ومن الخسارة الفادحة أنّ إخواننا أهل السنّة ـ إلاّ النادر القليل منهم ـ غير واقفين على هذا الاَثر القيّم الخالد.

نعم، إنَّ فصاحة ألفاظها، وبلاغة معانيها، وعلوّ مضامينها، وما فيها من أنواع التذلّل لله تعالى والثناء عليه، والاَساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه، أقوى شاهد على صحّة نسبتها إليه، وإنّ هذا الدرّ من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، وتعدّد أسانيدها المتّصلة إلى منشئها، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتّصلة، إلى زين العابدين(1).

وقد أرسل أحد الاَعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلاّمة الشيخ الجوهري الطنطاوي (المتوفّى عام 1358هـ) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «ومن الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الاَثر القيّم الخالد في مواريث النبوّة وأهل البيت، وإنّي كلّما تأمّلتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق»(2).

وكانالمعروف بين الشيعة هو الصحيفة الاَُولى التيتتضمّن واحداً وستّين دعاء في فنون الخير وأنواع السؤال من الله سبحانه، والتي تعلّم الاِنسان كيف يلجأ إلى ربّه في الشدائد والمهمّـات، وكيف يطلب منه حوائجه، وكيف يتذلّل ويتضرّع له، وكيف يحمده ويشكره. غير أنّ لفيفاً من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلاّمة السيد محسن الاَمين العاملي1.


(1) في رحاب أئمّة أهل البيت 3: 414.
(2) مقدّمة الصحيفة بقلم العلاّمة المرعشي1: 28.

(69)

ولقد قام العلاّمة الحجة السيّد محمد باقر الاَبطحي ـ دام ظلّه ـ بجمع جميع أدعية الاِمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد، وقال في مقدّمته:

وحريّ بنا القول إنّ أدعيته _ عليه السلام _ كانت ذات وجهين: وجهاً عبادياً، وآخر اجتماعياً يتّسق مع مسار الحركة الاِصلاحية التي قادها الاِمام _ عليه السلام _ في ذلك الظرف الصعب. فاستطاع بقدرته الفائقة المسدّدة أن يمنح أدعيته ـ إلى جانب روحها التعبّدية ـ محتوىً اجتماعياً متعدّد الجوانب، بما حملته من مفاهيم خصبة، وأفكار نابضة بالحياة، فهو _ عليه السلام _ صاحب مدرسة إلهيّة، تارة يعلّم المؤمن كيف يمجّد الله ويقدّسه، وكيف يلج باب التوبة، وكيف يناجيه وينقطع إليه، وأُخرى يسلك به درب التعامل السليم مع المجتمع فيعلّمه أُسلوب البرّ بالوالدين، ويشرح حقوق الوالد، والولد، والاَهل، والاَصدقاء، والجيران، ثمّ يبيّـن فاضل الاَعمال وما يجب أن يلتزم به المسلم في سلوكه الاجتماعي، كلّ ذلك بأُسلوب تعليميّ رائع وبليغ.

وصفوة القول: إنّها كانت أُسلوباً مبتكراً في إيصال الفكر الاِسلامي والمفاهيم الاِسلامية الاَصيلة إلى القلوب الظمأى، والاَفئدة التي تهوى إليها لترتزق من ثمراتها، وتنهل من معينها، فكانت بحقّ عملية تربوية نموذجية من الطراز الاَوّل، أسّسبناءها الاِمامالسجاد _ عليه السلام _ مستلهماًجوانبهامنسيرالاَنبياء وسنن المرسلين(1)

ومن أدعيته _ عليه السلام _ في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة، ومنه:

«اللّهمَّ هذا يوم عرفةَ، يومٌ شرَّفتهُ وكرَّمتهُ وعظَّمتهُ، نَشَـرتَ فيهِ رحمتَكَ، وَمَننتَ فيهِ بعفوك، وأجزلتَ فيهِ عطيتكَ، وتفضَّلتَ بهِ على عبادِك.

اللّهمَّ وأنا عبدك الذي أنعمتَ عليهِ قَبلَ خَلقِكَ لهُ، وبعدَ خَلقِكَ إيّاهُ، فَجَعَلتَهُ مِمَّن هَديتَهُ لدينِكَ، وَوفَّقتَهُ لَِحقّك، وعصمتَهُ بِحَبلِكَ، وأدْخَلتَهُ في حِزبِكَ، وأَرْشَدتَهُ لموالاةِ أوليائِكَ ومعاداةِ أعدائِكَ».


(1) الصحيفة السجّادية الجامعة: 13.

(70)


رسالة الحقوق:

إنّ للاِمام عليّ بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق، أوردها الصدوق في خصاله(1)بسند معتبر، ورواها الحسن بن شعبة في تحف العقول(2) مرسلة، وبين النقلين اختلاف يسير.

وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، يذكر الاِمام فيها حقوق الله سبحانه على الاِنسان، وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج، ثمّ يذكر حقوق الاَفعال، من الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والهدي... التي تبلغ خمسين حقّاً، آخرها حقّ الذمّة.

كما روى الحفّاظ وتلاميذ مدرسته أحاديث وحكماً مختلفة جليلة حوَتها بطون الكتب المختلفة، جمع الكثير منها العلاّمة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الاَنوار من مختلف المصادر، فراجع.

شهادته _ عليه السلام _


توفّي بالمدينة عام 95 أو 94هـ، يوم السبت الثاني عشر من محرّم. وقيل الخامس والعشرين منه.


(1) الخصال: 564 ـ 570 في أبواب الخمسين.
(2) تحف العقول: ص 183 ـ 195.

(71)

الاِمام الخامس:

أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر _ عليه السلام _


هو خامس أئمّة أهل البيت الطاهر، المعروف بالباقر، وقد اشتهر به لبقره العلم وتفجيره له. قال ابن منظور في لسان العرب: لقّب به؛ لاَنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسّع فيه(1).

أقوال العلماء فيه _ عليه السلام _

وقال ابن حجر: سمّي بذلك لاَنّه من بقر الاَرض؛ أي شقّها، وإثارة مخبّآتها، ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبّآتها كنوز المعارف وحقائق الاَحكام، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه(2).

وقال ابن كثير: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وسمّي بالباقر لبقره العلوم، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوّة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدال والخصومات(3).

وقال ابن خلّكان: أبو جعفر محمّد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد


(1) لسان العرب 4: 74.
(2) الصواعق المحرقة: 201.
(3) البداية والنهاية 9: 309.

(72)

الاَئمّة الاثني عشر في اعتقاد الاِماميّة، وهو والد جعفر الصادق. كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر؛ لاَنّه تَبقَّر في العلم؛ أي توسّع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لاَهل التُّقىوخير من لبّى على الاَجبُلِ(1) ولد بالمدينة غرّة رجب سنة 57هـ وقيل 56هـ، وتوفّي في السابع من ذي الحجّة سنة 114هـ، وعمره الشريف 57 سنة. عاش مع جدّه الحسين _ عليه السلام _ 4 سنين، ومع أبيه _ عليه السلام _ بعد جدّه _ عليه السلام _ 39 سنة، وكانت مدة إمامته _ عليه السلام _ 18 سنة(2).

وأمّا النصوص الدالّة على إمامته من أبيه وأجداده والتي ذكرها المحدّثون والمحقّقون من علمائنا الاَعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني ـ رضي الله عنه ـ وغيره.

وقال ابن سعد: محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة، كان عالماً عابداً ثقة، وروى عنه الاَئمّة أبو حنيفة وغيره.

قال أبو يوسف: قلت لاَبي حنيفة: لقيت محمّد بن علي الباقر؟ فقال: نعم وسألته يوماً فقلت له: أراد الله المعاصي؟ فقال: «أفيعصى قهراً»؟ قال أبو حنيفة: فما رأيت جواباً أفحم منه.

وقال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب، ويعني الحكم بن عيينة، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه.

وذكر المدائني عن جابر بن عبد الله: أنّه أتى أبا جعفر محمّد بن علي إلى الكتّاب وهو صغير فقال له: رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يسلّم عليك، فقيل لجابر: وكيف هذا؟ فقال: كنت جالساً عند رسول الله والحسين في حجره وهو يداعبه فقال: «يا جابر يولد


(1) وفيات الاَعيان 4: 174.
(2) إعلام الورى بأعلام الهدى: 264 ـ265.

(73)

مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثمّ يولد له ولد، اسمه محمّد، فإن أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام».

وذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد نقل القصّة: أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لجابر: «وإن لاقيته فاعلم أنّ بقاءك في الدنيا قليل» فلم يعش جابر بعد ذلك إلاّ ثلاثة أيّام. ثمّ قال: هذه منقبة من مناقبه باقية على ممر الاَيـّام، وفضيلة شهد له بها الخاصّ والعام(1).

وقال المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين8 في علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ (2).

وروى عنه معالم الدين بقيّة الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وسارت بذكر كلامه الاَخبار وأُنشدت في مدائحه الاَشعار...(3).

قال ابن حجر: صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة(4).

مناظراته


وأمّا مناظراته مع المخالفين فحدّث عنها ولا حرج، وقد جمعها العلاّمة الطبرسي في كتاب الاحتجاج(5).


(1) ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 302 ـ 303، الفصول المهمّة: 215 ـ 216.
(2) الارشاد: 262.
(3) الفصول المهمّة: 210 نقله عن إرشاد الشيخ المفيد: 261، فلاحظ.
(4) الصواعق المحرقة 301.
(5) الاحتجاج 2: 54 ـ 69.

(74)

قال الشيخ المفيد في الاِرشاد: وجاءت الاَخبار: أنّ نافع بن الاَزرق(1)جاء إلى محمّد بن عليّ، فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام. فقال له أبو جعفر في عرض كلامه: «قل لهذه المارقة، بم استحللتم فراق أمير المؤمنين، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله بنصرته؟ فسيقولون لك: إنّه حكَّم في دين الله، فقل لهم: قد حكَّم الله تعالى في شريعة نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجلين من خلقه فقال: صفابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يُريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهماش، وحكَّم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سعد بن معاذ في بني قريـظة فحكم فيهم بما أمضاه الله، أوما علمتم أنَّ أمير المؤمنين إنَّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه، واشترط ردّ ما خالف القرآن في أحكام الرجال، وقال حين قالوا له: حكّمت على نفسك من حكم عليك؟ فقال: ما حكّمت مخلوقاً وإنّما حكّمت كتاب الله. فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن، واشترط ردّ ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان»؟ فقال نافع بن الاَزرق: هذا والله كلام ما مرّ بسمعي قط، ولا خطر منّي ببال، وهو الحقّ إن شاء الله.

ثمّ إنّ الشيعة الاِمامية أخذت كثيراً من الاَحكام الشرعية عنه وعن ولده البارّ جعفر الصادق _ عليه السلام _ وحسب الترتيب المتداول في الكتب الفقهيّة، حيث روي عنه _ عليه السلام _ الكثير من الروايات الفقهيّة التي تناولت مختلف جوانب الحياة، وللاطلاع على ذلك تراجع كتب الفقه وموسوعاته المختلفة.

وأمّا ما روي عنه في الحِكَم والمواعظ، فقد نقلها أبو نعيم الاَصفهاني في حلية الاَولياء، والحسن بن شعبة الحرّاني في تحفه(2).


(1) الارشاد: 265، ولعلّ المناظر هو عبد الله بن نافع بن الاَزرق؛ لاَنّ نافعاً قتل عام 65 من الهجرة وللاِمام عندئذ من العمر دون العشرة، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الاِمام مع عبد الله بن نافع فلاحظ 4: 201.
(2) حلية الاَولياء 3: 180 ـ 235 وفي بعض ما نقل عنه تأمّل ونظر. والحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول: 284 ـ 300.

(75)

وقد توفّي الاِمام محمّد الباقر _ عليه السلام _ عام 114هـ، ودفن في البقيع إلى جنب قبر أبيه، ومن أراد البحث عن فصول حياته في شتّى المجالات فليراجع الموسوعات التي تحفل بها المكتبات العامّة والخاصّة.


(76)

الاِمام السادس:


أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق _ عليه السلام _

هو الاِمام السادس من أئمّة أهل البيت الطاهر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولقّب بالصادق لصدقه في مقاله، وفضله أشهر من أن يذكر.

ولادته وخصائصه _ عليه السلام _

ولد عام 80هـ، وتوفّي عام 148هـ، ودفن في البقيع جنب قبر أبيه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعم جدّه الحسن بن عليّ ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه!(1).

قال محمّد بن طلحة: هو من عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة،وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسِّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّيّة الرسالة. نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الاَئمّة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الاَنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيّوب


(1) وفيات الاَعيان 1: 327 رقم الترجمة 31.

(77)

السجستاني(1)لا وغيرهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها(2).

ذكر أبو القاسم البغّاء في مسند أبي حنيفة: قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سئل: من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّىَ لي من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبوجعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لاَبي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة. قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبيعبدالله من مسائلك، فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربّما تابعنا وربّما تابعهم، وربّما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على الاَربعين مسألة، فما أخلّ منها بشيء. ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(3).

عن مالك بن أنس: جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأت عين، ولاسمعت أُذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً(4).


(1) في الاَصل أيّوب السختياني والصحيح ما ذكرناه (منه).
(2) كشف الغمّة 2: 368.
(3) بحار الاَنوار 47: 217 ـ 218؛ أسد حيدر، الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 4: 335 نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للمكّي 1: 173؛ جامع مسانيد أبي حنيفة 1: 252؛ تذكرة الحفّاظ للذهبي 1: 157.
(4) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 53 نقلاً عن التهذيب 2: 104 والمجالس السنيّة ج5.

(78)

وعن عمرو بن بحر الجاحظ (مع عدائه لاَهل البيت): جعفر بن محمّد الذي ملاَ الدنيا علمه و فقهه، ويقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب(1).

مناقبه _ عليه السلام _

وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدّ الحاصر، ويَحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الاَحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الاَفهام عن الاِحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه(2).

وقال ابن الصبّاغ المالكي: كان جعفر الصادق _ عليه السلام _ من بين إخوته خليفة أبيه، ووصيّه، والقائم بالاِمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل، وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقلوا عنه من الحديث.

إنّك إذا تتبّعت كتب التاريخ والتراجم والسير تقف على نظير هذه الكلمات وأشباهها، كلّها تعرب عن اتّفاق الاَُمّة على إمامته في العلم والقيادة الروحيّة، وإن اختلفوا في كونه إماماً منصوصاً من قبل الله عزّ وجلّ، فذهبت الشيعة إلى الثاني نظراً إلى النصوص المتواترة المذكورة في مظانّها(3).


(1) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 55 نقلاً عن رسائل الجاحظ: 106.
(2) كشف الغمّة 2: 368.
(3) لاحظ الكافي 1: 306 ـ 307.

(79)

حياته العلميّة _ عليه السلام _


ولقد امتدّ عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83هـ إلى سنة 148هـ. فقد أدرك طرفاً كبيراً من العصر الاَُموي، وعاصر كثيراً من ملوكهم، وشاهد من حكمهم أعنف أشكاله، وقضى سنوات عمره الاَُولى حتّى الحادية عشرة من عمره مع جدّه زين العابدين، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر ونشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما وتنمو مواهبه وتربّى تربيته الدينية، وتخرّج من تلك المدرسة الجامعة فاختصّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114هـ، واتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلميّة في المدينة ومكّة والكوفة وغيرها من الاَقطار الاِسلامية.

وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الاِمام بظهور الحركات الفكريّة، ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الاِسلامي، وأهمها عنده هي حركة الغلاة الهدّامة، الذين تطلّعت رؤوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بثّ روح التفرقة بين المسلمين، وترعرت بنات أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الاِسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بثّ تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الاِسلامي، فكانوا يبثّون الاَحاديث الكاذبة ويسندونها إلى حملة العلم من آلمحمد، ليغروا بها العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي الاتصال بأبي جعفر الباقر ويروي عنه الاَحاديث المكذوبة، فأعلن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كذبه والبراءة منه، وأعطي لاَصحابه قاعدة في الاَحاديث التي تروي عنه، فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة».

ثمّ إنّ الاِمام قام بهداية الاَُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء


(80)

والاَفكار، واشتعلت فيه نار الحرب بين الاَُمويين ومعارضيهم من العباسيين، ففي تلك الظروف الصعبة والقاسية استغلّ الاِمام الفرصة فنشر من أحاديث جدّه، وعلوم آبائه ما سارت به الركبان، وتربّى على يديه آلاف من المحدّثين والفقهاء. ولقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات ـ على اختلاف آرائهم ومقالاتهم ـ فكانوا أربعـة آلاف رجل(1). وهذه سمة امتاز بها الاِمام الصادق عن غيره من الاَئمّة ـ عليه و عليهم السلام ـ.

إنّ الاِمام _ عليه السلام _ شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _بعد الغفلة التي استمرّت إلى عام 143هـ(2)حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف وتسرّبت إلى السنّة، العديد من الروايات الاسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الاِسلام من الصليبيين والمجوس، بالاِضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء السلطة ومرتزقة البلاط الاَُموي.

ومن هنا فقد وجد الاِمام _ عليه السلام _ أنّ أمر السنّة النبويّة قد بدأ يأخذ اتّجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد _ عليه السلام _ للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة، وتفنيد الآراء الدخيلة على الاِسلام والتي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم.

إنّ تلك الفترة كوّنت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبويّة، وخلطاً فاضحاً في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الاِمام _ عليه السلام _ كان بحقّ سفينة النجاة من هذا المعترك العسر.

إنّ علوم أهل البيت: متوارثة عن جدّهم المصطفى محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، الذي أخذها عن الله تعالى بواسطة الاَمين جبرئيل _ عليه السلام _، فلا غرو أن تجد الاَُمّة ضالّتها فيهم:،


(1) الارشاد: 270، المناقب لابن شهر آشوب 4: 257.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ـ خلافة المنصور الدوانيقي، فقد حدّد تاريخ التدوين بسنة 143هـ.

(81)

وتجد مرفأ الاَمان في هذه اللجج العظيمة، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلّ يحدّث عن مجاهيل ونكرات ورموز ضعيفة ومطعونة، أو أسانيد مشوّشة، تجد أنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام _ يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب، وحديث عليّ حديث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ».

بيد أنّ ما يثير العجب أن تجد من يعرض عن دوحة النبوّة إلى رجال قد كانوا وبالاً على الاِسلام وأهله، وتلك وصمة عار وتقصير لا عذر فيه خصوصاً في صحيح البخاري.

فالاِمام البخاري مثلاً يروي ويحتج بمثل مروان بن الحكم، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم، ويعرض عن الرواية عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _!!

أمّا الاَوّل: فهو الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين على لسان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأمّا الثاني: فهو الخارجي المعروف الذي أثني على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، وأمّا الثالث: فكان ينتقص عليّاً وينال منه، ولست أدري لمَ هذا الاَمر؟ إنّه مجرد تساؤل.

إنّ للاِمام الصادق وراء ما نشر عنه من الاَحاديث في الاَحكام التي تتجاوز عشرات الآلاف، مناظرات مع الزنادقة والملحدين في عصره، والمتقشّفين من الصوفيّة، ضبط المحقّقون كثيراً منها، وهيفي حد ذاتها ثروة علميّة تركها الاِمام _ عليه السلام _، وأمّا الرواية عنه في الاَحكام فقد روى عنه أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث.

حتّى أنّ الحسن بن عليّ الوشّاء قال: أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمّد(1).


(1) الرجال للنجاشي: 139 برقم 79.

(82)

وأمّا ما أُثر عنه من المعارف والعقائد فحدّث عنها ولا حرج، ولا يسعنا نقل حتى القليل منها، ومن أراد فليرجع إلى مظانّـها(1).

يقول «سيد أمير علي» بعد النقاش حول الفرق المذهبيّة والفلسفيّة في عصر الاِمام:

«ولم تتخذ الآراء الدينيّة اتّجاهاً فلسفياً إلاّ عند الفاطميّين، ذلك أنّ انتشار العلم في ذلك الحين أطلق روح البحث والاستقصاء، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامّة في كلّ مجتمع من المجتمعات، والجدير بالذكر أنّ زعامة تلك الحركة الفكريّة إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة، والتي أسّسها حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالاِمام جعفر والملقّب بالصادق، وكان رجلاً بحّاثة ومفكّراً كبيراً جيد الاِلمام بعلوم ذلك العصر، ويعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفيّة الرئيسيّة في الاِسلام.

ولم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهيّة فحسب(2) بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاّب الفلسفة من الاَنحاء القصيّة، وكان الاِمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفيّة في مدينة البصرة، وواصل بن عطاء مؤسّس مذهب المعتزلة من تلاميذه، الذين نهلوا من معين علمه الفيّاض وقد عرف واصل والاِمام العلوي بدعوتهما إلى حرية إرادة الانسان...(3).

وأمّا حِكَمه وقصار كلمه، فلاحظ تحف العقول، وأمّا رسائله فكثيرة منها رسالته إلى النجاشي والي الاَهواز، ومنها: رسالته في شرائع الدين نقلها الصدوق في الخصال، ومنها: ما أملاه في التوحيد للمفضّل بن عمر، إلى غير ذلك من


(1) الاحتجاج 2: 69 ـ 155، التوحيد للصدوق، وقد بسطها على أبواب مختلفة.
(2) كأبي حنيفة ومالك.
(3) مختصر تاريخ العرب، تعريب: عفيف البعلبكي: 193.

(83)

الرسائل التي رسمها بخطّه(1).

نتف من أقواله

ونقتطف من وصاياه وكلماته الغزيرة وصية واحدة وهي وصيته لسفيان الثوري:

«الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وترك حديث لم تُرْوَه(2)، أفضل من روايتك حديثاً لم تحصِه».

«إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه»(3).

من أقوال العلماء المحدِّثين فيه _ عليه السلام _


ونختم هذا البحث بما قاله أبو زهرة في هذا المجال:

إنّ للاِمام الصادق فضل السبق، وله على الاَكابر فضل خاصّ، فقد كان أبوحنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الاِمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، وكان له فضل الاَُستاذية على أبيحنيفة فحسبه ذلك فضلاً.

وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري، وكثير من التابعين،


(1) ولقد جمع أسماء هذه الرسائل السيّد الاَمين في أعيانه 1: 668.
(2) أي لم تروه عن طريق صحيح، والفعل مبني للمجهول.
(3) اليعقوبي، التاريخ 3: 115.

(84)

وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممّن جعل الله له الشرف الذاتي والشرف الاِضافي بكريم النسب، والقرابة الهاشمية، والعترة المحمّديّة(1).

وبما كتبه الاَُستاذ أسد حيدر إذ قال:

كان يؤمّ مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الاَقطار النائية، لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة، والبصرة، وواسط، والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها، ومن كلّ قبيلة من بني أسدّ، ومخارق، وطي، وسليم، وغطفان، وغفار، والاَزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبة، ومن قريش، ولا سيّما بني الحارث بن عبد المطلب، وبني الحسن بن الحسن بن عليّ(2).

وفاته

ولمّا توفّي الاِمام شيّعه عامّة الناس في المدينة، وحُمِل إلى البقيع، ودفن في جوار أبيه وجدّه8، وقد أنشد فيه أبو هريرة العجلي قوله:

أقول وقد راحوا به يحملونه * على كاهل من حامليه وعاتقِ

أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى * ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهقِ

غداة حثا، الحاثون فوق ضريحه * تراباً وأولى كان فوق المفارقِ

فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.


(1) محمد أبو زهرة، الاِمام الصادق: 30.
(2) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 38 نقلاً عن كتاب جعفر بن محمد، لسيد الاَهل.

Website Security Test