welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الاَئمّة الاثنا عشر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَئمّة الاثنا عشر

(28)

تنصيب علي _ عليه السلام _ للاِمامة

لا شكّ في أنّ الدين الاِسلامي دين عالميّ، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الاَُمّة الاِسلامية من شؤون النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ما دام على قيد الحياة، وطبع الحال يقتضي أن يوكل مقام القيادة بعده إلى أفضل أفراد الاَُمّة وأكملهم.

إنّ في هذه المسألة؛ وهي أنّ منصب القيادة بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هل هو منصب تنصيصيّ تعيينيّ أو أنّه منصب انتخابيّ؟ اتّجاهين:

فالشيعة ترى أنّ مقام القيادة منصب تنصيصيّ، ولابدّ أن يُنصّ على خليفة النبيّ من السماء، بينما يرى أهل السنّة أنّ هذا المنصب انتخابيّ جمهوريّ؛ أي أنّ على الاَُمّة أن تقوم بعد النبيّ باختيار فرد من أفرادها لاِدارة البلاد.

إنّ لكل من الاتّجاهين المذكورين دلائل، ذكرها أصحابهما في الكتب العقائدية، إلاّ أنّ ما يمكن طرحه هنا هو تقييم ودراسة المسألة في ضوء دراسة وتقييم الظروف السائدة في عصر الرسالة؛ فإنّ هذه الدراسة كفيلة بإثبات صحّة أحد الاتّجاهين.

إنّ تقييم الاَوضاع السياسية داخل المنطقة الاِسلامية وخارجها في عصر الرسالة يقضي بأنّ خليفة النبىّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _لابدّ أن يعيَّـن من جانب الله تعالى، ولا يصحّ أن يوكل هذا إلى الاَُمّة؛ فإنّ المجتمع الاِسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي (الروم ـ الفرس ـ المنافقون) بشنّ الهجوم الكاسح، وإلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين.

كما أنّ مصالح الاَُمّة كانت توجب أن تتوحّد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسدّ الطريق على نفوذ العدو في جسم الاَُمّة الاِسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها.


(29)

وإليك بيان وتوضيح هذا المطلب:

لقد كانت الاِمبراطورية الرومانيّة أحد أضلاع الخطر المثلّث الذي يحيط بالكيان الاِسلامي، ويهدّده من الخارج والداخل، وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي القائد على الدوام، حتّى إنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة، والالتحاق بالرفيق الاَعلى.

وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدّت هذه المواجهة إلى استشهاد القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم: «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبد الله بن رواحة»، ولقد تسبّب انسحاب الجيش الاِسلامي بعد استشهاد القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الاِسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنة التاسعة للهجرة على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه أيّة مواجهة عسكرية، وقد استطاع الجيش في هذا الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد هيبته الغابرة، ويجدّد حياته السياسية.

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يقنع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فأعدّ قُبيل مرضه جيشاً كبيراً من المسلمين، وأمّر عليهم «أُسامة بن زيد»، وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام، والحضور في تلك الجبهة.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدّد الكيان الاِسلامي، فكان الاِمبراطورية الاِيرانية (الفارسية) وقد بلغ من غضب هذه الاِمبراطورية على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومعاداتها لدعوته، أن أقدم إمبراطور إيران «خسرو برويز» على


(30)

تمزيق رسالة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وتوجيه الاِهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه، والكتابة إلى واليه وعامله على اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، أو يقتله إن امتنع.

و«خسرو» هذا وإن قتل في زمن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ التي رزخت تحت استعمار الامبراطورية الاِيرانية ردحاً طويلاً من الزمان ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور أُولئك الملوك وتجبّـرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوة الجديدة (القوة الاِسلامية) لهم.

والخطر الثالث كان هو خطر حزب النفاق الذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس على تقويض دعائم الكيان الاِسلامي من الداخل إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخطر يقول في نفسه: إنّ الحركة الاِسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ورحيله، وبذلك يستريح الجميع(1).

ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الاَُمّة الاِسلامية من الداخل، وذلك عندما أتى علياً _ عليه السلام _ وعرض عليه أن يبايعه ضدّ من عيّنه رجال السقيفة، ليستطيع بذلك تشطير الاَُمّة الاِسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن من التصيّد في الماء العكر.

ولكنّ الاِمام علياً _ عليه السلام _ أدرك بذكائه البالغ نيّات أبي سفيان الخبيثة، فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونيّاته الشريرة:

«والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك ـ والله ـ طالما بغيت للاِسلام شرّاً. لاحاجة لنا في نصيحتك»(2).


(1) أشارت إلى ذلك الآية الكريمة 30 من سورة الطور: صأم يقولون شاعرٌ نتربّصُ به ريبَ المنونش.
(2) الكامل في التاريخ 2: 222، العقد الفريد 2: 249.

(31)

ولقد بلغ دور المنافقين التخريبي من الشدّة بحيث تعرّض القرآن لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، والاَنفال، والتوبة، والعنكبوت، والاَحزاب، ومحمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، والفتح، والمجادلة، والحديد، والمنافقون، والحشر.

فهل مع وجود مثل هؤلاء الاَعداء الخطرين والاَقوياء الذين كانوا يتربّصون بالاِسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول الله أُمّته الحديثة العهد بالاِسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّـن لهم قائداً دينياً سياسياً؟!!

إنّ المحاسبـات الاجتماعية تقول: إنّه كـان من الواجـب أن يمنـع رسـول الاِسلام بتعييـن قائـد للاَُمّة،... من ظهور أيّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده، وأن يضمن استمرار وبقاء الوحدة الاِسلامية بإيجاد حصن قويّ وسياج دفاعي متين حول تلك الاَُمّة.

إنّ تحصين الاَُمّة، وصيانتها من الحوادث المشؤومة، والحيلولة دون مطالبة كلّ فريق «الزعامة» لنفسه دون غيره، وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن ليتحقّق، إلاّ بتعيين قائد للاَُمّة، وعدم ترك الاَُمور للاَقدار.

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات أُخرى طرح رسول الاِسلام مسألة الخلافة في الاَيام الاَُولى من ميلاد الرسالة الاِسلامية، وظلّ يواصل طرحها والتذكير بها طوال حياته حتّى الساعات الاَخيرة منها، حيث عيّـن خليفته ونصّ عليه بالنصّ القاطع الواضح الصريح في بدء دعوته، وفي نهايتهاأيضاً.

وإليك بيان كلا هذين المقامين:


(32)

1 ـ النبوّة والاِمامة توأمان:

بغضّ النظر عن الاَدلّة العقلية والفلسفية التي تثبت صحّة الرأي الاَوّل بصورة قطعيّة، هناك أخبار وروايات وردت في المصادر المعتبرة تثبت صحّة الموقف والرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة وتصدّقه، فقد نصّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على خليفته من بعده في الفترة النبوية من حياته مراراً وتكراراً، وأخرج موضوع الاِمامة من مجال الانتخاب الشعبي والرأي العام.

فهو لم يعيّـن (ولم ينصّ على) خليفته ووصيّه من بعده في أُخريات حياته فحسب، بل بادر إلى التعريف بخليفته ووصيّه منذ بدء الدعوة يوم لم ينضو تحت راية رسالته بعدُ سوى بضعة عشر من الاَشخاص، وذلك يوم أُمر من جانب الله العليّ القدير أن ينذر عشيرته الاَقربين من العذاب الاِلـهي الاَليم، وأن يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يصدع برسالته للجميع، ويبدأ دعوته العامة للناس كافة.

فجمع أربعين رجلاً من زعماء بني هاشم وبني المطلّب، ثمّ وقف فيهم خطيباً فقال:

«أيّكم يؤازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتيفيكم؟»

فأحجم القوم، وقام عليّ _ عليه السلام _ وأعلن مؤازرته وتأييده له، فأخذ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ برقبته، والتفت إلى الحاضرين، وقال:

«إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم»(1).

وقد عرف هذا الحديث عند المفسّـرين والمحدّثين: بـ «حديث يوم الدار» و«حديث بدء الدعوة».


(1) تاريخ الطبري 2: 216، الكامل في التاريخ 2: 62 و 63، وقد مرّ مفصّلاً في هذه الدراسة فراجع.

(33)

على أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكتف بالنصّ على خليفته في بدء رسالته، بل صرّح في مناسبات شتّى في السفر والحضر، بخلافة عليّ _ عليه السلام _ من بعده، ولكن لا يبلغ شيء من ذلك في الاَهمية والظهور والصراحة والحسم ما بلغه حديث الغدير.

2 ـ قصة الغدير:

لمّا انتهت مراسم الحجّ، وتعلّم المسلمون مناسك الحجّ من رسول الله، قرّر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الرحيل عن مكّة، والعودة إلى المدينة، فأصدر أمراً بذلك، ولمّا بلغ موكب الحجيج العظيم إلى منطقة «رابغ»(1)التي تبعد عن «الجحفة»(2)بثلاثة أميال، نزل أمين الوحي جبرئيل على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _بمنطقة تدعى «غدير خم»، وخاطبه بالآية التالية:

(يأيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُك مِنَ النّاسِ )(3).

إنّ لسان الآية وظاهرها يكشف عن أنّ الله تعالى ألقى على عاتق النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مسؤولية القيام بمهمّة خطيرة، وأيّ أمر أكثر خطورة من أن ينصّب علياً _ عليه السلام _ لمقام الخلافة من بعده على مرأى ومسمع من مائة ألف شاهد؟!

من هنا أصدر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمره بالتوقّف، فتوقّف طلائع ذلك الموكب العظيم، والتحق بهم من تأخر.

لقد كان الوقت وقت الظهيرة، وكان المناخ حارّاً إلى درجة كبيرة جّداً، وكان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه والقسم الآخر منها تحت قدميه، وصنع للنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مظلّة، وكانت عبارة عن عباءة أُلقيت على أغصان شجرة (سمرة)، وصلّى


(1) رابغ تقع الآن على الطريق بين مكّة والمدينة.
(2) من مواقيت الاِحرام وتنشعب منها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين.
(3) المائدة: 67.

(34)

رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحاضرين الظهر جماعة وفيما كان الناس قد أحاطوا به صعد _ صلى الله عليه وآله وسلم _على منبر أُعدّ من أحداج الاِبل وأقتابها، وخطب في الناس رافعاً صوته، وهو يقول:

«الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إلـه إلاّ هو، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

أمّا بعد؛ أيّها الناس إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟»

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «ألستم تشهدون أن لا إلـه إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟»

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «وإنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

فنادى منادٍ: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، وما الثقلان؟

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «كتاب الله سبب طرف بيد الله، وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به؛ والآخر عترتي، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».

وهنا أخذ بيد عليّ _ عليه السلام _ ورفعها، حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه الناس أجمعون ثمّ قال:

«أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟»

قالوا: الله ورسوله أعلم.


(35)

فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه(1).

اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبّه، وابغض من بغضه، وأدر الحق معه حيث دار»(2).

فلمّا نزل من المنبر، استجازه حسّان بن ثابت شاعر عهد الرسالة في أن يفرغ ما نزل به الوحي في قالب الشعر، فأجازه الرسول، فقام وأنشد:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخمّ وأكرم بالنبيّ مناديا

يقول فمن مولاكم ووليّكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت وليّنا * ولم ترَ منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه * فكونوا له أنصار صدقٍ ومواليا

هناك دعا: اللّهمّ! وال وليّه * وكن للذي عادى عليّاً معاديا

مصادر الواقعة:

هذه هي واقعة الغدير استعرضناها لك على وجه الاِجمال، وهي بحقّ واقعة لايسوغ لاَحد إنكارها بأدنى مراتب التشكيك والقدح، فقد تناولها بالذكر أئمّة المؤرّخين أمثال: البلاذري، وابن قتيبة، والطبري، والخطيب البغدادي، وابن عبدالبرّ، وابن عساكر، وياقوت الحموي، وابن الاَثير، وابن أبيالحديد، وابنخلّكان، واليافعي، وابن كثير، وابن خلدون، والذهبي، وابن حجر


(1) لقد كرّر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لاَيّ التباس أو اشتباه.
(2) راجع للوقوف على مصادر هذا الحديث المتواتر موسوعة الغدير للعلاّمة الاَميني؛.

(36)

العسقلاني، وابن الصباغ المالكي، والمقريزي، وجلال الدين السيوطي، ونور الدين الحلبي إلى غير ذلك من المؤرّخين الذين جادت بهم القرون والاَجيال.

كما ذكره أيضاً أئمّة الحديث أمثال: الاِمام الشافعى، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلي الموصلي، والبغوي، والطحّاوي، والحاكم النيسابوري، وابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي، والكنجي، ومحبّالدين الطبري، والحمويني، والهيثمي، والجزري، والقسطلاني، والمتقي الهندي، وتاجالدين المناوي، وأبوعبدالله الزرقاني، وابن حمزة الدمشقي إلى غير ذلك من أعلام المحدّثين الذين يقصر المقال عن عدّهم وحصرهم.

كما تعرّض له كبار المفسرين، فقد ذكره: الطبري، والثعلبي، والواحدي ـ في أسباب النزول، والقرطبي، وأبو السعود، والفخر الرازي، وابن كثير الشامي، والنيسابوري، وجلالالدين السيوطي، والآلوسي، والبغدادي.

وذكره من المتكلّمين طائفة جمّة في خاتمة مباحث الاِمامة وإن ناقشوا نقضاً وإبراماً في دلالته كالقاضي أبي بكر الباقلاني في تمهيده، والقاضي عبد الرحمن الاِيجي في مواقفه، والسيد الشريف الجرجاني في شرحه، وشمس الدين الاَصفهاني في مطالع الاَنوار، والتفتازاني في شرح المقاصد، والقوشجي في شرح التجريد إلى غير ذلك من المتكلّمين الذين تعرّضوا لحديث الغدير وبحثوا حول دلالته ووجه الحجّة فيه.

واقعة الغدير ورمز الخلود:

أراد المولى عزّوجلّ أن يبقى حديث الغدير غضّاً طرياً على مرّ الاَجيال لم يُكدّر صفاء حقيقته الناصعة تطاول الاَحقاب، وكرّ الاَزمان، وانصرام الاَعوام، ويرجع ذلك إلى أُمور ثلاثة:


(37)

1 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد هتف به في مزدحم غفير يربو على عشرات الآلاف عند منصرفه من الحجّ الاَكبر، فنهض بالدعوة والاِعلان، وحوله جموع من وجوه الصحابة وأعيان الاَُمّة، وأمر بتبليغ الشاهد الغائب ليكونوا كافّة على علم وخبر بما تمّ إبلاغه.

2 ـ إنّ الله سبحانه قد أنزل في تلك المناسبة آيات تلفت نظر القارىَ إلى الواقعة عندما يتلوها وإليك الآيات:

أ ـ «يا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ»(1).

وقد ذكر نزولها في واقعة الغدير طائفة من المفسّـرين يربو عددهم على الثلاثين، وقد ذكر العلاّمة البحّاثة المحقّق الاَميني في كتاب « الغدير » نصوص عبارات هؤلاء، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إليه.

ب ـ «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِيناً»(2).

وقد نقل نزول الآية جماعة منهم يزيدون على ستّة عشر.

ج ـ «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ الله ذِي المَعارِج»(3).

وقد ذكر أيضاً نزول هذه الآية جماعة من المفسّـرين ينوف على الثلاثين، أضف إلى ذلك أنّ الشيعة عن بكرة أبيهم متّفقون على نزول هذه الآيات الثلاث في شأن هذه الواقعة(4).


(1) المائدة: 67.
(2) المائدة: 3.
(3) المعارج: 1ـ3.
(4) راجع في شأن نزول هذه الآيات كتاب الغدير 1: 214 و 217.

(38)

3 ـ إنّ الحديث منذ صدوره من منبع الوحي، تسابقت الشعراء والاَُدباء على نظمه، وإنشاده في أبيات وقصائد امتدّت رقعتها منذ عصر انبثاق ذلك النصّ في تلك المناسبة إلى عصرنا هذا، وبمختلف اللغات والثقافات، وقد تمكّن البحّاثة المتضلّع العلاّمة الاَميني من استقصاء وجمع كلّ ما نظم باللغة العربية حول تلك الحادثة، والمؤمّل والمنتظر من كافّة المحقّقين على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم استنهاض هممهم لجمع ما نظم وأُنشد في أدبهم الخاص.

وحصيلة الكلام: قلّما نجد حادثة تاريخية حظيت في العالم البشري عامّة، وفي التاريخ الاِسلامي والاَُمّة الاِسلامية خاصّة بمثل ما حظيت به واقعة الغدير، وقلّما استقطبت اهتمام الفئات المختلفة من المحدّثين والمفسّـرين والكلاميّين والفلاسفة والاَُدباء والكتّاب والخطباء وأرباب السير والمؤرّخين كما استقطبت هذه الحادثة، وقلّما اعتنوا بشيء مثلما اعتنوا بها.

هذا ويستفاد من مراجعة التاريخ أنّ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام كان معروفاً بين المسلمين بيوم عيد الغدير، وكانت هذه التسمية تحظى بشهرة كبيرة إلى درجة أنّ ابن خلّكان يقول حول «المستعلي ابن المستنصر»:

«فبويع في يوم غدير خمّ؛ وهو الثامن عشر من شهر ذيالحجّة سنة 487هـ»(1).

وقال في ترجمة المستنصر بالله، العبّاسي: «وتوفّي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذيالحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، قلت: وهذه هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، وهو غدير خمّ»(2).

وقد عدّه أبو ريحان البيروني في كتابه «الآثار الباقية ممّا استعمله أهل الاِسلام


(1) وفيات الاَعيان 1: 60.
(2) المصدر نفسه.

(39)

من الاَعياد»(1).

وليس ابن خلّكان، وأبو ريحان البيروني، هما الوحيدين اللّذين صرّحا بكون هذا اليوم هو عيد من الاَعياد، بل هذا الثعالبي قد اعتبر هو الآخر ليلة الغدير من الليالي المعروفة بين المسلمين(2).

إنّ عهد هذا العيد الاِسلامى، وجذوره ترجع إلى نفس يوم «الغدير»؛ لاَنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمر المهاجرين والاَنصار، بل أمر زوجاته ونساءه في ذلك اليوم بالدخول على عليّ _ عليه السلام _ وتهنئته بهذه الفضيلة الكبرى.

يقول زيد بن أرقم: كان أوّل من صافح النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعليّاً: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وباقي المهاجرين والاَنصار، وباقي الناس(3).

فالحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ .

شذرات من فضائله

يطيب لي أن أُشير إلى بعض خصائصه قياماً ببعض الوظيفة تجاه ما له من الحقوق على الاِسلام والمسلمين عامّة، فنقول: إنّ له خصائص لم يشاركه فيها أحد:

1 ـ ولادته في جوف الكعبة.

2 ـ احتضان النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ له منذ صغره.

3 ـ سبقه الجميع في الاِسلام.

4 ـ مؤاخاة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ له من دون باقي الصحابة.


(1) ترجمة الآثار الباقية: 395، الغدير 1: 267.
(2) ثمار القلوب: 511.
(3) راجع مصدره في الغدير 1: 270.

(40)

5 ـ حمله من قبل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على كتفه لطرح الاَصنام الموضوعة في الكعبة.

6 ـ استمرار ذريّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من صلبه.

7 ـ بصاق النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في عينيه يوم خيبر، ودعاؤه له بأن لا يصيبه حرّ ولا قرّ.

8 ـ إنّ حبّه إيمان وبغضه نفاق.

9 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ باهل النصارى به وبزوجته وأولاده دون سائر الاَصحاب.

10 ـ تبليغه سورة براءة عن النبىّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

11 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خصّه يوم الغدير بالولاية.

12 ـ إنّه القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني».

13 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خصّه بتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه.

14 ـ إنّ الناس جميعاً من أرباب الاَديان، وغيرهم ينظرون إليه كأعظم رجل عرفه التاريخ(1).


(1) قد استخرج هذه الخصائص الكاتب القدير محمّد جواد مغنية ـ رحمه الله ـ في كتابه: الشيعة والتشيّع: 234.

(41)

الاِمام الثاني:

أبو محمد الحسن بن علي المجتبى _ عليه السلام _


هو ثاني أئمّة أهل البيت الطاهر، وأوّل السبطين، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء، أُمّه فاطمة بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سيّدة نساء العالمين.

ولادته

ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة، وهو أوّل أولاد عليّ وفاطمة8.

نسب كان عليه من شمس الضحى * نور ومن فلق الصباح عمودا

وروي عن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الحسن بن علي8(1).

فلمّـا ولد الحسن قالت فاطمة لعليّ: سمّه، فقال: «ما كنت لاَسبق باسمه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _»، فجاء النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأُخرج إليه فقال: «اللّهمّ إنّي أُعيذه بك وولده من الشـيطـان الـرجيـم، وأذّن في أُذنه اليمني وأقام في اليسرى.


(1) ابن الصباغ المالكي (المتوفّى عام 855هـ): الفصول المهمّة: 152.

(42)

ألقابه _ عليه السلام _


أشهرها: التقيّ والزكيّ والسبط.

علمه _ عليه السلام _


يكفي أنّه كان يجلس في مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويجتمع الناس حوله فيتكلّم بما يشفي غليل السائل ويقطع حجج المجادلين. من ذلك ما رواه الاِمام أبو الحسن عليّ ابن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط: أنّ رجلاً دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصاً يحدّث عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل، قال: أخبرني عن (شاهد ومشهود) (1) فقال: «نعم، أمّا الشاهد فيوم الجمعة والمشهود فيوم عرفة».

فتجاوزه إلى آخر غيره يحدّث في المسجد، فسأله عن ( شاهد ومشهود ) قال: «أمّا الشاهد فيوم الجمعة، وأمّا المشهود يوم النحر».

قال: فتجاوزه إلى ثالث، غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث في المسجد، فسأله عن شاهد ومشهود، فقال: «نعم، أمّا الشاهد فرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعته عزّ وجلّ يقول: (يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناك شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً )(2)، وقال تعالى: (ذلِكَ يَومٌ مَجمَوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَومٌ مَشْهُودٌ ) »(3).

فسأل عن الاَوّل، فقالوا: ابن عبّاس، وسأل عن الثاني، فقالوا: ابن عمر،


(1) البروج: 3.
(2) الاَحزاب: 45.
(3) هود: 103.

(43)

وسأل عن الثالث، فقالوا: الحسن بن عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _(1).

زهده _ عليه السلام _

يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنّه _ عليه السلام _ قال: «إنّي لاَستحيي من ربّي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته» فمشى عشرين مرّة من المدينة إلى مكّة على قدميه.

وروي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضاً: أنّه _ عليه السلام _ خرج من ماله مرّتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرّات ماله وتصدّق به.

وكان _ عليه السلام _ من أزهد الناس في الدنيا ولذّاتها، عارفاً بغرورها وآفاتها، وكثيراً ما كان _ عليه السلام _ يتمثّل بهذا البيت شعراً:

يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها * إنّ اغتراراً بظلّ زائــلٍ حَمَقُ(2)

حلمه _ عليه السلام _


روى ابن خلّكان عن ابن عائشة: أنّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة ـ على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ـ فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابّة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فامتلاَ قلبي له بغضاً وحسدت عليّاً أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن عليّ بن أبي طالب؟ قال: «أنا ابنه»، قلت: فعل بك وبأبيك، أسبّهما، فلمّـا انقضى كلامي قال لي: «أحسبك غريباً»؟


(1) بحار الاَنوار 1: 13.
(2) ابن الصبّاغ المالكي، الفصول المهمّة: 154.

(44)

قلت: أجل، قال: «مِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آتيناك، أو إلى حاجة عاونّاكَ» قال: فانصرفت عنه وما على الاَرض أحبّ إليّ منه، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلاّ شكرته وخزيت نفسي(1).

إمامته _ عليه السلام _

يكفي في ذلك ما صرّح به النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من قوله: «هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا...».

وروت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين _ عليه السلام _ حين أوصى إلى ابنه الحسن _ عليه السلام _ وأشهد على وصيّته الحسين _ عليه السلام _ ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: «يا بنيّ إنّه أمرني رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن أُوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثمّ أقبل على ابنه الحسين _ عليه السلام _ فقال: وأمرك رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال: وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ فاقرأه من رسول الله ومنّيالسلام»(2).

روى أبو الفرج الاَصفهاني: أنّه خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير المؤمنين عليّ _ عليه السلام _ وقال: «قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاَوّلون بعمل، ولا يدركه


(1) ابن خلّكان، وفيات الاَعيان 2: 68.
(2) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى 1: 405 تحقيق مؤسسة آلالبيت:، ومن أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى الكافي 1: 297، وإثبات الهداة 2: 543 ـ 568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام.

(45)

الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسي بن مريم، ولقد توفّـي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيّة من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لاَهله».

ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه.

ثمّ قال: «أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودّتهم في كتابه إذ يقول: (ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً )(1)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».

قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة، فبايعوه(2).

وقال المفيد: كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتّب العمّال وأمّر الاَُمراء، وأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة، ونظر في الاَُمور(3).

وقال أبو الفرج الاَصفهاني: وكان أوّل شيء أحدثه الحسن[ _ عليه السلام _] أنّه زاد في المقاتلة مائة مائة، وقد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، وهو فعله يوم الاستخلاف، فتبعه الخلفاء بعد ذلك(4).


(1) الشورى: 23.
(2) مقاتل الطالبيين: 52.
(3) المفيد: الاِرشاد: 188.
(4) مقاتل الطالبيين: 55.

(46)

قال المفيد: فلمّـا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن، دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالاَخبار ويفسدا على الحسن الاَُمور، فعرف ذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام في الكوفة فأُخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فأُخرج وضربت عنقه(1).

صلحه _ عليه السلام _ مع معاوية

ثمّ إنّه استمرّت المراسلات(2)بين الحسن ومعاوية وانجرّت إلى حوادث مريرة إلى أن أدّت إلى الصلح واضطرّ إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية، فعقدا صلحاً وإليك صورته:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم.

على أنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم


(1) الارشاد للمفيد: 188، مقاتل الطالبيين: 52.
(2) ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين: 53 ـ 72 وبالاِمعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل، يتضح سرّ صلح الاِمام وتنازله عن الخلافة، فلم يطاع إلاّ أنّه أتم الحجّة عليهم، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين.

(47)

وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه.

على أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لاَخيه الحسين ولا لاَحد من أهل بيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غائلة سوء سرّاً وجهراً، ولا يخيف أحداً في أُفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان، وكفى بالله شهيداً(1).

ولمّا تمّ الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لاَتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ هاتين لا أفي بشيء منها له(2).

شهادته ودفنه _ عليه السلام _

لمّا نقض معاوية عهده مع الاِمام الحسن _ عليه السلام _، وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبوسفيان، وأُمّه هند، وهو طليق ابن طلقاء عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته، وما كان شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن عليّ8، فدسّ إليه السمّ، فمات بسببه.

فقد روي: أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الاَشعث ـ وكانت تحت الحسن _ عليه السلام _ ـ: إنّي مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن عليّ. وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمّت الحسن، فسوّغها المال ولم يزوّجها منه(3).

فلمّا دنا موته أوصى لاَخيه الحسين _ عليه السلام _ وقال: «إذا قضيت نحبي غسّلني


(1) ابن صبّاغ المالكي، الفصول المهمّة: 163.
(2) الارشاد للمفيد: 191.
(3) مقاتل الطالبيين: 73.

(48)

وكفّني واحملني على سريري إلى قبر جدّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك، وبالله أُقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم».

فلمّـا حملوه إلى روضة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يشكّ مروان ومن معه من بني أُميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _فتجمّعوا له ولبسوا السلاح، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أُحبّ!! وجعل مروان يقول: يا ربّ هيجاء هي خير من دعةٍ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة. ولاَجل وصيّة الحسن مضوا به إلى البقيع ودفنوه عند جدّته فاطمة بنت أسد(1).

وتوفّي الحسن وله من العمر (47) عاماً وكانت سنة وفاته سنة (50) من الهجرة النبويّة. والعجيب أنّ مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين: «أتحمل سريره؟! أما والله لقد كنت تجرّعه الغيظ» فقال مروان: إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(2).

فرح معاوية بموته:

ولما بلغ معاوية موت الحسن _ عليه السلام _ سجد وسجد من حوله وكبّـر وكبّـروا معه. ذكره الزمخشري في ربيع الاَبرار وابن عبد البرّ في الاستيعاب وغيرهما.

فقال بعض الشعراء:

أصبح اليوم ابن هند شامتاً * ظاهر النخوة إذ مات الحسنْ

يا ابن هند إن تذق كأس الردى * تكُ في الدهر كشيء لم يكنْ


(1) الارشاد: 193، كشف الغمة 1: 209، مقاتل الطالبيين: 74 ـ 75.
(2) مقاتل الطالبيين: 76.

(49)

لستَ بالباقي فلا تشمت به * كلّ حيّ للمنايا مرتهن(1)

هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة. وتركنا الكثير ممّا يرجع إلى جوانب حياته، خصوصاً ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول(2)فقد ذكر قسماً كبيراً من كلماته.


(1) الاَمين العاملي، في رحاب أئمّة أهل البيت: 43.
(2) الحرّاني الحسن بن شعبة، تحف العقول: 225 ـ 236.

(50)

الاِمام الثالث:


أبو عبد الله الحسين بن علي سيّد الشهداء _ عليه السلام _

هو ثالث أئمّة أهل البيت الطاهر، وثاني السبطين، وسيدي شباب أهل الجنّة، وريحانتي المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأحد الخمسة أصحاب الكساء، وسيّد الشهداء، وأُمّه فاطمة بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

ولادته _ عليه السلام _


ولد في المدينة المنوّرة في الثالث من شعبان سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، ولمّا ولد جيء به إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فاستبشر به، وأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، فلمّـا كان اليوم السابع سمّـاه حسيناً، وعقَّ عنه بكبش، وأمر أُمّه أن تحلق رأسه وتتصدّق بوزن شعره فضّة، كما فعلت بأخيه الحسن، فامتثلت3 ما أمرها به.

خصائصه _ عليه السلام _


إنّ حياة الاِمام الحسين من ولادته إلى شهادته حافلة بالاَحداث، والاِشارةـفضلاً عن الاِحاطة ـ إلى كلّ ما يرجع إليه يحتاج إلى تأليف مفرد، وقد أغنانا في ذلك ما كتبه المؤلّفون والباحثون عن جوانب حياته _ عليه السلام _، حيث تحدّثوا في مؤلّفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من جدّه وأبيه في حقّه، وعن علمه ومناظراته، وخطبه وكتبه وقصار كلمه، وفصاحته وبلاغته، ومكارم أخلاقه،


(51)

وكرمه وجوده، وزهده وعبادته، ورأفته بالفقراء والمساكين، وعن أصحابه والرواة عنه، والجيل الذي تربّى على يديه. وذلك في مؤلّفات قيّمة لا تعد ولاتحصى.

كفاحه وجهاده الرسالي:

غير إنّ للحسين _ عليه السلام _ وراء ذلك، خصّيصة أُخرى وهي كفاحه وجهاده الرسالي والسياسي الذي عُرِفَ به، والذي أصبح مدرسة سياسية دينيّة، لعلها أصبحت الطابع المميّز له _ عليه السلام _ والصبغة التي اصطبغت حياته الشريفة بها، وأُسوة وقدوة مدى أجيال وقرون، ولم يزل منهجه يؤثّر في ضمير الاَُمّة ووعيها، ويحرّك العقول المتفتّحة، والقلوب المستنيرة إلى التحرّك والثورة، ومواجهة طواغيت الزمان بالعنف والشدّة.

وها نحن نقدّم إليك نموذجاً من غرر كلماته في ذلك المجال حتّى تقف على كفاحه وجهاده أمام التيّارات الاِلحاديّة والانهيار الخلقي.

إباؤه للضيم ومعاندة الجور

لمّا توفّي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه بالاِمامة فاجتمعت الشيعة حوله، يرجعون إليه في حلّهم وترحالهم، وكان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه ما يكون من الاَحداث المهمّة التي لا توافق هوى السلطة الاَُموية المنحرفة، والتي قد تؤلّف خطراً جدّياً على وجودها غير المشروع، ولقد كان همّ هذه السلطة هو الاِمام الحسين _ عليه السلام _ لما يعرفونه عنه من موقف لا يلين ولا يهادن في الحقّ، ومن هنا فقد كتب مروان بن الحكم ـ وكان عامل معاوية على المدينة ـ: إنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن


(52)

عليّ وأنّه لا يأمن وثوبه، ولقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده.

ولمّا بلغ الكتاب إلى معاوية كتب رسالة إلى الحسين وهذا نصّها:

أمّا بعد؛ فقد انتهت إليّ أُمور عنك إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها، ولعمر الله إنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإنّ أحقَّ الناس بالوفاء من كان في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله لها...(1).

ولمّا وصل الكتاب إلى الحسين بن عليّ، كتب إليه رسالة مفصّلة ذكر فيها جرائمه ونقضه ميثاقه وعهده، نقتبس منها ما يلي:

«ألست قاتل حجر بن عديّ أخا كندة وأصحابه المصلّين، العابدين، الّذين ينكرون الظلم، ويستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الاَيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، جرأة على الله واستخفافاً بعهده؟

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونه، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال(2).

أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فتركت سنّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تعمّداً وتبعت هواك بغير هدي من الله، ثمّ سلّطته على أهل الاِسلام يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم،


(1) الاِمامة والسياسة 1: 163.
(2) أي قممها وأعاليها.

(53)

ويُسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الاَُمّة وليسوا منك.

أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين عليّـ صلوات الله عليه ـ فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ هو دين ابن عمّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف»(1).

هذا هو الحسين، وهذا هو إباؤه للضيم ودفاعه عن الحق ونصرته للمظلومين في عصر معاوية. وذكرنا هذه المقتطفات كنموذج من سائر خطبه ورسائله التي ضبطها التاريخ.


(1) الاِمامة والسياسة 1: 164.

(54)

الاِمام الحسين _ عليه السلام _ وكربلاء

رفضه البيعة ليزيد:

لمّا هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين _ عليه السلام _ بالبيعة له، فأنفذ الوليد إلى الحسين _ عليه السلام _ فاستدعاه، فعرف الحسين ما أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال: «اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه ولا تخافوا عليّ».

وصار _ عليه السلام _ إلى الوليد فنعى الوليد إليه معاوية، فاسترجع الحسين _ عليه السلام _ ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد بن معاويـة، فقال الحسين _ عليه السلام _: «إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّى أُبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس»، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين _ عليه السلام _: «فتصبح وترى رأيك في ذلك» فقال الوليد: انصرف على اسم الله تعالى، فقال مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين _ عليه السلام _ وقال: «أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت» ثمّ خرج(1).

وأصبح الحسين من غده يستمع الاَخبار، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه فقال: أبا عبد الله إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد، فقال: «وما ذاك قل أسمعْ» فقال: إنّي أرشدك لبيعة يزيد؛ فانّها خير لك في دينك وفي


(1) الاِرشاد: 200.

(55)

دنياك!! فاسترجع الحسين وقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الاِسلام السَّلام إذا بليت الاَُمّة براع مثل يزيد، ثمّ قال: يا مروان أترشدني لبيعة يزيد!! ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً من القول وزللاً، ولا ألومك؛ فإنّك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد، إليك عنّي يا عدوّ الله، فإنّا أهل بيت رسول الله الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدّي رسول الله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد»(1).

خروجه من مكّة ومكاتبة أهل الكوفة له:

ثمّ إنّ الحسين غادر المدينة إلى مكّة، ولمّا بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فاتّفقوا أن يكتبوا إلى الحسين رسائل وينفذوا رسلاً طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة؛ لاَنّ القوم قد بايعوه ونبذوا بيعة الاَمويّين، وألحّوا في ذلك الاَمر أيّما إلحاح، مبيّنين للاِمام _ عليه السلام _ أنّ السبل ميسّرة والظروف مهيّأة لقدومه، حيث كتب له وجهاؤهم من جملة ما كتبوه:

«أمّا بعد؛ فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنّدة».

ولما جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين _ عليه السلام _ أرسل ابن عمّه مسلم ابن عقيل ـ رضوان الله عليه ـ إلى الكوفة ممثّلاً عنه لاَخذ البيعة له منهم، وللتحقّق


(1) الخوارزمي، مقتل الحسين 1: 184 ـ 185.

(56)

من جدّية هذا الاَمر، ثمّ كتب إليهم: «أمّا بعد؛ فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ: أنّه قد اجتمع رأي ملَئِكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، وقرأته في كتبكم، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الاِمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله»(1).

ثمّ خرج الاِمام من مكة متوجّهاً إلى الكوفة يوم التروية أو يوماً قبله مع أهل بيته وجماعة من أصحابه وشيعته، وكان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة، وذلك قبل أن تنقلب الاَُمور على مجاريها بشكل لا تصدّقه العقول، حيث استطاع عبيد الله بن زياد بخبثه ودهائه، وإفراطه في القتل، أن يثبّط همم أهل الكوفة، وأن تنكث بيعة الاِمام الحسين _ عليه السلام _، ويقتل سفيره بشكل وحشيّ بشع.

ولمّا أخذ الاِمام _ عليه السلام _ يقترب من الكوفة استقبله الحرّ بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد الله بن زياد لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد، وإرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الاِمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحرّ بقوله: «أيّها الناس إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاّ حرم الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباده بالاِثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا


(1) المفيد، الارشاد: 204.

(57)

وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غَيَّر»(1).


(1) الطبري، التاريخ 4: 304 حوادث سنة 61هـ، ولمعرفة ما جرى على الاِمام وأهل بيته حتّى نزل أرض كربلاء راجع المقاتل.