welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الاَئمّة الاثنا عشر*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَئمّة الاثنا عشر

(1)

الاَئمّة الاثنا عشر


(2)

(3)

الاَئمة الاثناعشر

تعرف الشيعة الاِمامية بالفرقة الاثني عشرية، ومبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثني عشر إماماً من بني هاشم نصّ عليهم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كما هو معلوم للجميع، ثمّ نصّ كلّ إمام على الاِمام الذي بعده، بشكل يخلو من الشكّ والاِبهام.

لقد تضافر عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه يملك هذه الاَُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، وكما هو معلوم ومبسّط في كتب الشيعة بشكل لا يقبل الشك. إنّ هذه الروايات مع ما فيها من المواصفات لا تنطبق إلاّ على أئمّة الشيعة والعترة الطاهرة «وإذا كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها، ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزائنه، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته»(1)فتلزم علينا معرفتهم، كيف وهم أحد الثقلين اللَّذَين تركهما الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _، قدوة للاَُمّة ونوراً على جبين الدهر.

ونحن نحاول هنا أن نعرض في هذا الفصل موجزاً عن أحوالهم وحياتهم متوخّين الاختصار والاِيجاز فيما نورده، لاَنّ بسط الكلام عنهم يحتاج إلى تدوين موسوعة كبيرة، وقد قام بذلك لفيف من علماء الاِسلام فأثبتوا الشىء الكثير عن حياتهم وسيرتهم وأقوالهم، جزاهم الله عن الاِسلام وأهله خير الجزاء.


(1) اقتباس ممّا ذكره أمين الاِسلام الطبرسي في مقدّمة كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى: 3.

(4)

الاَئمّة الاثنا عشر في حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إنّ من تصفّح مصنّفات الحديث النبوي الشريف يجد أنّ هناك روايات تحدِّد وتعيِّن عدد الاَئمّة بعد الرسول وسماتهم، من دون ذكر لاَسمائهم، وهي أحاديث الاَئمّة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، وهي على وجه لا ينطبق إلاّ على من عيّنهم الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للخلافة والزعامة، ولذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة، والاِمعان فيها يرشد القارىَ إلى الحقّ، ويأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطىَ الاَمان والحقيقة.

ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص؛ فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً، وإليك البيان.

1 ـ روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كلّهم من قريش»(1)

2 ـ روى مسلم عنه أيضاً، قال : دخلت مع أبي على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسمعته يقول: «إنّ هذا الاَمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لاَبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».

3 ـ وروى عنه أيضاً، قال: سمعت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» ثمّ تكلّم النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».

4 ـ وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلاّ أنّه لم يذكر: «لا يزال أمر الناس ماضياً».

5 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لاَبي: ما قال؟ فقال: قال:


(1) صحيح البخاري 9 : 101، كتاب الاَحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف).

(5)

«كلّهم من قريش»(1)

6 ـ وروى مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لاَبي: ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».

7 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوم جمعة عشية رجم الاَسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(2)

8 ـ روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيّة، قلت لاَبي: يا أبتِ ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش»(3)

9 ـ روى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني، فقال: قال: «كلّهم من قريش».

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر(4)

10 ـ روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «يكون لهذه الاَُمّة اثنا عشر خليفة» ورواه عن 34 طريقاً(5)


(1) صحيح مسلم 6 : 3 .
(2) صحيح مسلم 6 : 3 ـ 4 .
(3) سنن أبي داود 2 : 207 كتاب المهدي ط مصر. وروى أيضاً نحوه بطريقين آخرين.
(4) صحيح الترمذي 2 : 45 ط سنة 1342هـ .
(5) مسند أحمد 5 : 86 ـ 108 .

(6)

11 ـ روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه، قال: كنت مع عمّي عند النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة» ثمّ قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّيـ وكان أمامي ـ : ما قال يا عمّ؟ قال: يا بني قال: «كلّهم من قريش»(1)

12 ـ وروى أيضاً بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر، قال: كنت عند رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسمعته يقول: «لا يزال أمر هذه الاَُمّة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة» وقال كلمة خفيت عليّ، وكان أبي أدنى إليه مجلساً منّي فقلت: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش».

13 ـ قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش»(2)

كما أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد شبَّه عدّة خلفائه بعدّة نقباء بني إسرائيل.

14 ـ فقد روى أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الاَُمّة من خليفة؟ فقال عبدالله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(3)

15 ـ ورواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة(4)

16 ـ وأورده المتقي الهندي في منتخب كنز العمّال عن أحمد والطبراني في المعجم


(1) المستدرك على الصحيحين (كتاب معرفة الصحابة) 3 : 617 ـ 618 (ط الهند).
(2) الصواعق: 189.
(3) مسند أحمد 1 : 398 .
(4) تاريخ بغداد 14 | 353 برقم 7673.

(7)

الكبير، والحاكم في المستدرك(1)

17 ـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء بسند حسن عن ابن مسعود: أنّه سئل كم يملك هذه الاَُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(2)

إلى غير ذلك من الاَحاديث الدالّة على أنّ الاَئمّة بعد النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ اثناعشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهمّ هو تعيين مصاديقها والاِشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ باستقصاء وحصر السمات الواردة في هذه الاَحاديث، وهذا ما يمكن إجماله بما يلي:

1 ـ لا يزال الاِسلام عزيزاً.

2 ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

3 ـ لا يزال الدين قائماً.

4 ـ لا يزال أمر الاَُمّة صالحاً.

5 ـ لا يزال أمر هذه الاَُمّة ظاهراً.

6 ـ كلّ ذلك حتّى يمضي فيهم اثنا عشر أميراً من قريش.

7 ـ وحتى يليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.

8 ـ وإنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.

وهذه السمات والخصوصيات لا تتمثّل مجتمعة إلاّ في الاَئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، وهذه الاَحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لاَهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَهل السماء، وسيوافيك تفصيل هذه


(1) منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5 : 312.
(2) تاريخ الخلفاء: ص10.

(8)

الاَحاديث الثلاثة.

فالاَئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، والذين ينادي بإمامتهم الشيعة الاِمامية، والذين أوّلهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنّهم هم المَثَل الاَعلى في الاَخلاق، والقمّة السامقة في العلم والعمل والتقوى والاِحاطة بالقرآن والسنّة، وبهم حفظ الله تعالى دينه وأعزّ رسالته.

وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق أنّ: «كلّهم تجتمع عليهم الاَُمّة» فهو على فرض الصحّة، فالمراد منه تجتمع على الاِقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و ـ على فرض الاِبهام ـ لا تمنع عن الاَخذ بمضامين الحديث.

هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حقّ هذه الاَحاديث، وكيف يؤوّلونها بالخلفاء القائمين بالاَمر بعد النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وإليك نصوص كلامهم:

1 ـ إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أُميّة!! وأوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدّتهم اثنا عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لاَنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبدالله بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبدالملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر ابن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام بن عبد الملك ثمّ الوليد بن يزيد ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمد(1)

وجوابه: أنّه لو كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأيّ فائدة في الاِخبار بذلك. ثمّ كيف يقول: إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل: «لا يزال هذا الدين عزيزاً


(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13: 212 ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدّتهم ثلاثة عشر.

(9)

منيعاً قائماً»، أو «أمر أُمّتي صالحاً». والعجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الاَُولى، وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية، وكان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير لا يقرّ بها صاحب ذرّة من الشرف والاِيمان.

2 ـ «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي»(1)وهذا من أغرب التفاسير؛ لاَنّ الاَخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ولاَجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبدالله بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الاَُمّة.

3 ـ ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض: أنّ المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، وعبد الملك، وأولاده الاَربعة، الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وعمر بن عبد العزيز بن سليمان ويزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك(2)

ولا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الاِسلام والدين وصار منيعاً وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق، وأباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها وأموالها وأنفسها بعد قتله لابن بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الحسين بن علي _ عليه السلام _ وأُخوانه وأبنائه وخيرة أصحابه، وسيَّر بنات رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سبايا دون حرمة لجدّهم إلى الشام من أرض كربلاء، فليت شعري


(1) المصدر نفسه 13: 213 ومثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدّة الاِسلام إلى يوم القيامة.
(2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 : 213، ولاحظ تاريخ الخلفاء: ص11.

(10)

ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنّة النبوية وتعاملهم معها؟ وكلّ الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه وما صرّحوا به.

وهل اعتزّ الاِسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه الحجّاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى(1)!

وكيف اعتزّ الدين بالوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات الله حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة: (واسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كلّ جَبّارٍ عَنيدٍ )(2)فألقاه ورماه بالسهام وأنشد:

تهدّدني بجبّار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل ياربّ مزّقني الوليد

ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودّت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شيء ولا يغفل عنها إلاّ السذج والبلهاء.

أقول: إنّ للكاتب القدير السيّد محمد تقي الحكيم كلاماً في هذه الاَحاديث يطيب لي نقله. قال: والذي يستفاد من هذه الروايات:

1 ـ أنّ عدد الاَُمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر وكلّهم من قريش.

2 ـ أنّ هؤلاء الاَُمراء معيّنون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بنيإسرائيل، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً )(3)


(1) تاريخ الخلفاء: 250 و غيره.
(2) إبراهيم: 15 .
(3) المائدة: 12 .

(11)

3 ـ أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاِسلامي أو حتى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم: «إنّ هذا الاَمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثناعشر خليفة» وأصرح من ذلك روايته الاَُخرى في نفس الباب: «لا يزال هذا الاَمر في قريش ما بقى من الناس اثنان».

إذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلاّ مع مبنى الاِمامية في عدد الاَئمّة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين وبقاؤهما حتّى يردا عليه الحوض.

وصحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الاَمر فيهم بقاء الاِمامة والخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية ؛ لاَنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمدّ سلطته من الله، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية؛ لاَنّ هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرّعاً، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولاّها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أُمويين وعباسيين ـ باتّفاق المسلمين.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الاَئمّة، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنّة ومن الموثوقين لديهم، ولعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاَحاديث، ومحاولة ملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاَقوال في توجيهها وبيان المراد منها.

والسيوطي ـ بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاَحاديث المشكلة ـ خرج


(12)

برأي غريب وهو أنّه وجد من الاثني عشر الخلفاء الاَربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في بني أُمية، وكذلك الظاهر لما أُوتيه من العدل، وبقي اثنان منتظران، أحدهما المهدي؛ لاَنّه من أهل بيت محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _. ولم يُبيّن المنتظر الثاني، ورحم الله من قال في السيوطي: إنّه حاطب ليل.


(13)

الاِمام الاَوّل:


أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _


إنّ الاِمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرَّف، ولقد قام لفيف من السنّة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات عن حياته، ومناقبه، وفضائله، وجهاده، وعلومه، وخطبه، وقصار كلماته، وسياسته، وحروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فالاَولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال، وإحالة القارىَ إلى تلك الموسوعات، بيد أنّنا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنّة فنقول:

هو أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين، وأوّل القوم إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأعظمهم مزيّة، وأقومهم بأمر الله، وأعلمهم بالقضية، وراية الهدى، ومنار الاِيمان، وباب الحكمة، والممسوس في ذات الله، خليفة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، الهاشمي، وليد الكعبة المشرّفة، ومُطهّرها من كل صنم ووثن، الشهيد في البيت الاِلـهي (مسجد الكوفة) في محرابه حال الصلاة سنة 40هـ.

وكلّ جملة من هذه الجمل، وعبارة من هذه العبارات، كلمة قدسيّة نبويّة أخرجها الحفّاظ من أهل السنّة(1).


(1) راجع مسند أحمد 1: 331 و5: 182 ـ 189، حلية الاَولياء 1: 62 ـ 68؛ الغدير 2: 33.

(14)

مكوّنات الشخصيّة الاِنسانية


تعود شخصية كلّ إنسان ـ حسب مايرى علماء النفس ـ إلى ثلاثة عوامل هامّة لكلّ منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها.

وكأنّ الشخصية الاِنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألّف من اتّصال هذه الاَضلاع الثلاثة بعضها ببعض، وهذه العوامل الثلاثة هي:

1 ـ الوراثة.

2 ـ التعليم والثقافة.

3 ـ البيئة والمحيط.

إنّ كلّ ما يتّصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الاِنسان عبر هذه القنوات الثلاث، وتنمو فيه من خلال هذه الطرق.

وإنّ الاَبناء لا يرثون منّا المال والثروة والاَوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه ولون العيون وكيفيات الجسم، بل يرثون كلّ ما يتمتّع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك.

فالاَبوان ـ بانفصال جزئي «الحويمن» و «البويضة» المكوّنين للطفل منهما ـ إنّما ينقلان ـ في الحقيقـة ـ صفاتهما ملخّصة إلى الخلية الاَُولى المكوّنة من ذينك الجزأين، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة.

ويشكّل تأثير الثقافة والمحيط، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الاِنسانية، فإنّ لهذين الاَمرين أثراً مهمّاً وعميقاً في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبليّة أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الاَبوين.


(15)

فإنّ في مقدور كل معلّم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار، فكم من بيئة حوّلت أفراداً صالحين إلى فاسدين، أو فاسدين إلى صالحين.

وإنّ تأثير هذين العاملين المهمّين من الوضوح بحيث لايحتاج إلى المزيد من البيان والتوضيح. على أننّا يجب أن لاننسى دور إرادة الاِنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة.


مكوّنات شخصيّة الاِمام علي _ عليه السلام _


لم يكن الاِمام علي _ عليه السلام _ بصفته بشراً بمستثنى من هذه القاعدة؛ فقد ورث الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ جانباً كبيراً من شخصيته النفسية والروحية والاَخلاقية من هذه العوامل والطرق الثلاثة، وإليك تفصيل ذلك:

1 ـ الاِمام علي _ عليه السلام _ والوراثة من الاَبوين:

لقد انحدر الاِمام علي من صلب والد عظيم الشأن، رفيع الشخصيّة هو أبوطالب، ولقد كان أبو طالب زعيم مكّة، وسيّد البطحاء، ورئيس بني هاشم، وهو إلى جانب ذلك،كان معروفاً بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف والمحبّة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدّس، والعقيدة التوحيديّة المباركة.

فهو الذي تكفّل رسول الله منذ توفّي جدّه وكفيله الاَوّل عبدالمطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره، وتولّى العناية به والقيام بشؤونه، وحفظه وحراسته في السفر والحضر، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لانظير لهما، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر تعاليمه بكل تضحية وفداء، و يتحمّل لتحقيق هذه الاَهداف العليا كلّ تعب


(16)

ونصب وعناء.

وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلّى موقفه هذا في كثير من أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله:

ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً * نبيّ كموسى والمسيح ابن مريم

وقوله:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً * رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب(1)

إنّ من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعاً في الشعب، ومقاطعتهم القاسية، من دافع غير الاِيمان العميق بالهدف والشغف الكبير بالمعنوية، الذي كان يتّصف به أبوطالب؛ إذ لا تستطيع مجرّد الوشائج العشائرية، وروابط القربى، أن توجِد في الاِنسان مثل هذه الروح التضحويّة.

إنّ الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة بحيث استقطبت اهتمام كلّ المحقّقين المنصفين والمحايدين، ولكن بعض المتعصّبين توقّف في إيمان تلك الشخصية المتفانية العظيمة، بالدعوة المحمدية، بينما تجاوز فريق هذا الحدّ إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قالوا بأنّه مات غير مؤمن.

ولو صحّت عُشر هذه الدلائل الدالّة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حقّ رجل آخر لما شكّ أحد في إيمانه فضلاً عن إسلامه، ولكن لايعلم الاِنسان لماذا لاتسطيع كل هذه الاَدلّة إقناع هذه الزمرة،و إنارة


(1) مجمع البيان 4: 37.

(17)

الحقيقةلهم؟!

هذا عن والد الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _.

وأمّا أُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الاِسلام والاِيمان برسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم.

إنّها المرأة الطاهرة التي لجأت ـ عند المخاض ـ إلى المسـجد الحـرام، وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول:

«يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت و(بحقّ) المولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي». فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت عليّاً هناك(1).

تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرّخين والمحدّثين الشيعة، وكذا علماء الاَنساب في مصنّفاتهم، كما نقلها ثلّة كبيرة من علماء السنّة وصرّحوا بها في كتبهم، واعتبروها حادثة فريدة، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل(2).

وقال الحاكم النيسابورى: وقد تواترت الاَخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة(3).

وقال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي: «وكون الاَمير كرّم الله وجهه، ولد في البيت، أمر مشهور في الدنيا ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه،


(1) كشف الغمّة 1: 60.
(2) مروج الذهب 2: 349، شرح الشفاء للقاضي عياض1: 151 وغيرهما، وقد أفرد العلاّمة الاُردوبادي رسالة في هذه المنقبة وسمّاها: عليّ وليد الكعبة.
(3) شرح عينية عبدالباقي العمري: 15.

(18)

كما اشتهر وضعه»(1).

2 ـ الامام عليّ وتربيته في حجر النبيّ: _ صلى الله عليه وآله وسلم _

وأمّا التربية الروحية والفكرية والاَخلاقية فقد تلقّاها علي _ عليه السلام _ في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة.

ولو أنّنا قسّمنا مجموعة سنوات عمر الاِمام _ عليه السلام _ إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الاَوّل من هذه الاَقسام الخمسة من حياته الشريفة، يؤلّف السنوات التي قضاها _ عليه السلام _ قبل بعثة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وانّ هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات؛ لاَنّ اللّحظة التي ولد فيها عليّ _ عليه السلام _ لم يكن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك، هذا مع العلم بأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد بعث بالرسالة في سنّ الاَربعين.

وعلى هذا الاَساس لم يكن الاِمام عليّ _ عليه السلام _ قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرسالة، وتوّج بالنبوّة.

إنّ أبرز الحوادث في حياة الاِمام عليّ _ عليه السلام _ هو تكوين الشخصية العلوية، وتحقّق الضلع الثاني من المثلّث الذي أسلفناه بواسطة النبيّ الاَكرم، وفي ظلّ ما أعطاه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لعليّ _ عليه السلام _ من أخلاق وأفكار؛ لاَنّ هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة، والقيّمة جدّاً،فشخصيّة الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقيّة تقبل كلّ لون، وهي مستعدّة لاَن ينطبع عليها كلّ صورة مهما كانت، وهذه الفترة من العمر تعتبر ـ بالتالي ـ خير فرصة لاَن ينمّي المربّون والمعلّمون فيها كلّما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيّبة وصفات كريمة، وفضائل أخلاقية نبيلة، ويوقفوا الطفل ـ عن طريق التربية ـ على


(1) الغدير 6: 22.

(19)

القيم الاَخلاقية والقواعد الاِنسانية وطريقة الحياة السعيدة، وتحقيقاً لهذا الهدف الساميّ تولّى النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنفسه تربية عليّ _ عليه السلام _ بعد ولادته، وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها عليّ _ عليه السلام _ إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلقيت من رسول الله حبّاً شديداً لعليّ حتّى أنّه قال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي» وكان _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يطهّر علياً في وقت غسله، ويوجره اللّبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويلاحظه ويقول: «هذا أخي، ووليّي، وناصري، وصفيّي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيّي، و زوج كريمتي، وأميني على وصيّتي، وخليفتي»(1).

ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتمّ توفير الضلع الثاني في مثلّث الشخصية (وهو التربية) بواسطته _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأن لا يكون لاَحد غير النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة.

وقد ذكر الاِمام عليّ _ عليه السلام _ ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال:

«وقد علمتم موضعي من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالقرابة القريبة، والمنزلة الخَصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره، ويَكنُفني في فراشه، ويمسُّني جسدَه، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه»(2).

النبي يأخذ عليّاً إلى بيته:

وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليّاً إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ألفت نظر نبيّه إلى ذلك.


(1) كشف الغمة 1: 60.
(2) نهج البلاغة، الخطبة (192) المسمّاة بالخطبة القاصعة.

(20)

قد ذكر المؤرّخون أنّه أصابت مكّة ـ ذات سنة ـ أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة، وكان أبوطالب ـ رضي الله عنه ـ ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم والضائقة والجهد والفاقة، فعند ذلك دعا رسول الله عمّه العباس إلى أن يتكفّل كل واحد منهما واحداً من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك؛ أخذ النبي عليّاً، وأخذ العباس جعفراً وتكفّل أمره، وتولّى شؤونه(1).

هكذا وللمرّة الاَُخرى أصبح عليّ _ عليه السلام _ في حوزة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _بصورة كاملة، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة، الشيء الكثير، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته،إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي.

وهذا هو الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ يشير إلى تلك الاَيام القيّمة وإلى تلك الرعاية النبويّة المباركة المستمرّة إذ يقول:

«ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به»(2).

عليّ في غار حراء

كان النبيّ ـ حتّى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوّة ـ يعتكف ويتعبّد في غار حراء شهراً من كلّ سنة، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل، وتوجّه إلى المسجد الحرام رأساً وطاف بالبيت سبعاً، ثم عاد إلى منزله.وهنا يطرح سؤال: ماذا كان شأن عليّ _ عليه السلام _ في تلك الاَيام التي كان يتعبّد ويعتكف فيها


(1) بحار الاَنوار 35: 44، وسيرة ابن هشام 1: 246.
(2) نهج البلاغة ـ شرح عبده ـ 2: 182.

(21)

رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في ذلك المكان مع ما عرفناه من حبّ الرسول الاَكرم له؟ هل كان يأخذ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عليّاً معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه؟

إنّ القرائن الكثيرة تدلّ على أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منذ أن أخذ علياً لم يفارقه يوماً أبداً؛ فهاهم المؤرّخون يقولون: كان عليّ يرافق النبيّ دائماً ولا يفارقه أبداً، حتّى أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليّاً معه(1).

يقول ابن أبي الحديد: وقد ذكر عليّ _ عليه السلام _ هذا الاَمر في الخطبة القاصعة إذ قال:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولايراه غيري»(2).

إنّ هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبيّ في حرّاء بعد البعثة الشريفة إلاّ أنّ القرائن السابقة وكون مجاورة النبيّ بحراء كانت في الاَغلب قبل البعثة، تؤيّد أنّ هذه الجملة، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة عليّ للنبيّ في حراء قبل البعثة.

إنّ طهارة النفسيّة العلوية، ونقاوة الروح التي كان عليّ _ عليه السلام _ يتحلّى بها، والتربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف عليّ _ عليه السلام _ ـ ومنذ نعومة أظفاره ـ ببصيرة نفّاذة وقلب مستنير، وأُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءَ ويسمع أمواجاً تخفى على الناس العاديين،و يتعذّر عليهم سماعها ورؤيتها، كما يصرّح نفسه بذلك إذ يقول:

«أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة»(3).

يقول الاِمام الصادق _ عليه السلام _:

«كان عليّ _ عليه السلام _ يرى مع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت».

وقد قال له النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: لولا أنّي خاتم الاَنبياء لكنتَ شريكاً في النبوّة، فإن


(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 208.
(2) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(3) المصدر نفسه.

(22)

لاتكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الاَوصياء وإمام الاَتقياء»(1).

ويقول الاِمام عليّ _ عليه السلام _: «لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، ثمّ قال له:

«إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ ولكنّك وزير»(2).

هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالاَخلاق والسجايا الرفيعة.

3 ـ البيئة الرسالية وشخصية الاِمام:

ولو أضفنا ذينك الاَمرين (أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة، وما تلقّاه في حجر النبيّ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة والاِسلام من أفكار وآراء رفيعة، وتأثّر عنها أدركنا عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب.

ومن هنا يحظى الاِمام عليّ _ عليه السلام _ بمكانة مرموقة لدى الجميع؛ مسلمين وغير مسلمين؛ لما كان يتمتّع به من شخصية سامقة، وخصوصيات خاصّة يتميّز بها.

وهذا هو ما دفع بالبعيد والقريب إلى أن يصف عليّاً بما لم يوصف به أحد من البشر، ويخصّه بنعوت، حرم منها غيره، فهذا الدكتور شبلي شميل المتوفّى سنة 1335هـ|1917م وهو من كبار المادّيين في القرن الحاضر يقول:

الاِمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الاَصل لا قديماً ولاحديثاً(3).

قال عمر بن الخطّاب:


(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 310.
(2) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(3) الاِمام على صوت العدالة الاِنسانية 1: 37.

(23)

«عقمت النساء أن يلدن مثل عليّ بن أبي طالب»(1).

ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف:

«وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كلّ زمن عليّاً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره»(2).

هذه الاَبعاد التي ألمحنا إليها هي الاَبعاد الطبيعية للشخصية العلوية.

البعد المعنوي لشخصيّة الاِمام _ عليه السلام _:

غير أنّ أبعاد شخصية الاِمام عليّ _ عليه السلام _ لاتنحصر في هذه الاَبعاد الثلاثة؛ فإنّ لاَولياءالله سبحانه بعداً رابعاً، داخلاً في هويّة ذاتهم، وحقيقة شخصيتهم، وهذا البعد هوالذي ميّزهم عن سائر الشخصيات وأضفى عليهم بريقاً خاصّاً ولمعاناً عظيماً.

وهذا البعد هو البعد المعنوي الذي ميّز هذه الصفوة عن الناس، وجعلهم نخبة ممتازة وثلّة مختارة من بين الناس؛ وهو كونهم رسل الله وأنبياءه، أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه.

نرى أنّه سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله: «قُلْ سُبْحان َربِّي هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَراً رَسُولاً»(3).

فقوله: «بَشَراً» إشارة إلى الاَبعاد البشرية الموجودة في كلّ إنسان طبيعيّ، وإن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالاً ولمعاناً.

وقوله: «رَسُولاً» إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي ميّزه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الناس وجعله


(1) الغدير 6: 38 ط النجف.
(2) الاِمام علي صوت العدالة الاِنسانية 1: 49.
(3) الاِسراء: 93.

(24)

معلّماً وقدوة للبشر، فلاَجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات الاِلهية على شخصية مركّبة من بعدين: طبيعي و إلهي ولا يقدر على توصيفها إلاّ بنفس ما وصفهم به الله سبحانه مثل قوله في شأن الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالاِنْجِيلِ يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَ الاَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ )(1)وقد نزلت في حقّ الاِمام أميرالمؤمنين _ عليه السلام _ آيات، ووردت روايات.

كيف وقد قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _»(2).

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالاَئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي»(3).

وقال الاِمام أحمد بن حنبل:

ما لاَحد من الصحابة من الفضائل بالاَسانيد الصحاح مثل ما لعليّ2(4).

وقال الاِمام الفخر الرازي:

من اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه(5).


(1) الاَعراف:57.
(2) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه 4: 410.
(3) أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية الاَولياء 1: 86.
(4) مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي: 163.
(5) تفسير مفاتيح الغيب 1: 205.

(25)

وقال أيضاً:

من اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار(1).

تسليط الضوء على شخصيته السامية:

لاعتب على اليراع لو وقف عند تحديد شخصيّة كريمة معنويّة خصّها الله تعالى بمواهب وفضائل، وكفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب، قال: كنت عند عبدالله ابن عباس فجاء أُناس من أبناء المهاجرين فقالوا له: يا بن عباس أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟

قال: ملىَ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة وقرابة من رسول اللّه(2).

روى عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزل في القرآن: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلاّ وعليّ _ عليه السلام _ رأسها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(3).

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ(4).

وقال ابن عباس: نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه(5).

نكتفي في ترجمة عليّ _ عليه السلام _ بكلمتين عن تلميذيه اللّذين كانا معه سرّاً وجهراً.

1 ـ قال ابن عباس ـ عندما سئل عن عليّ ـ: رحمة الله على أبي الحسن، كان


(1) المصدر نفسه: 204.
(2) شواهد التنزيل1: 108 ح 153.
(3) مسند أحمد1: 190، تاريخ الخلفاء: 171.
(4) الصواعق المحرقة، الباب التاسع، الفصل الثالث: 76.
(5) تاريخ الخلفاء: 172.

(26)

والله علم الهدى، وكهف التقى، وطود النهى، ومحلّ الحجى، وغيث الندى، ومنتهى العلم للورى، ونوراً أسفر في الدجى،وداعياً إلى المحجّة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، أتقى من تقمّص وارتدى، وأكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى، وصاحب القبلتين، وأبو السبطين، وزوجته خير النساء، فما يفوقه أحد، لم تر عيناي مثله، ولم أسمع بمثله، فعلى من أبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد(1).

2 ـ إنّ معاوية سأل ضرار بن حمزة بعد موت عليّ عنه، فقال: صف لي عليّاً، فقال: أو تعفيني؟ قال: صفه، قال: أو تعفيني؟ قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لابدّ فأقول ما أعلمه منه:

والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته،كان والله غزير الدمعة،طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه،يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.

كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لانكلّمه هيبة، ولانبتدئه عظمة، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين،لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، وكأنّي أسمعه وهو يقول: يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات


(1) ميزان الاعتدال 1: 484.

(27)

هيهات غرّي غيري، قد باينتك ثلاثاً لارجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كثير، آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: رحم الله أباالحسن! كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها؛ فلا ترقأ عبرتها ولايسكن حزنها(1).

هذه شذرات من فضائله، وقبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ من تلاعب الاَيدي.

غير أنّه لا يعرف عليّاً غير خالقه، وبعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _.


(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 18: 225 وغيره.

Website Security Test