welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره

تاريخ
الفقه الإسلامي وأدواره

تأليف

العلامة المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

وبعد، فمن دواعي سرورنا في دار الاضواء أن نضع بين يدي القارىَ اللبيب هذه الدرة النفيسة والجوهرة الثمينة لمؤلف أعظم وأهم إنه الشيخ جعفر السبحاني ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي ما زال يرفد المكتبة الاِسلامية بروائع تحفه ، منها هذا الكتاب «تاريخ الفقه الاِسلامي وأدواره» كما ولا بد أن نشير إلى الكتاب القرين والمكمل لهذا وهو «مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه» وبهذا تزداد الفائدة ويعطي الموضوع حقه . في حين تصدينا لطبع الموسوعة ـ الفخمة ـ الموسومة بـ« موسوعة طبقات الفقهاء» والتي تقع في ثمان مجلدات ، ولنفس المؤلف ـ حفظه المولى ـ وهي موسوعة الاَولى من نوعها في هذا المضمار ، شاملة لكافة الفقهاء ، بترجمة وافية كافية .

وبالختام ليس لنا إلاّ أن نبتهل للعلي القدير أن يوفقنا للاِستمرار في إنجاز مثل هذه المؤلفات ، وبثها في الاَمة الاِسلامية لتفيد منها . والله من وراء القصد .

الاَربعاء 15 ذي القعدة 1419 هـ
الموافق 3 آذار 1999 م .
جعفر هادي الدجيلي


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

"وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ".

(التوبة ـ 122)


(4)



(5)

تمهيد

أدوار الفقه الاِسلامي


إنّ لكلّ علم هيكلاً عاماً له تعريفه وموضوعه ومسائله وغايته، وهذا ما يُتطرّق إليه في نفس العلم، وهناك جانب آخر يُدعى بتاريخ العلم، ويُهدف من وراء دراسته بيانُ مرحلة نشوئه ونضوجه وتكامله أو ما أُصيب به من نكسات على طول تاريخه.

وقد قام الباحثون ذوو الاختصاص بدراسة تاريخ أكثر العلوم، حتى تكامل وأصبح تاريخ كلّ علم موضوعاً مستقلاً وراء ذلك العلم، فهناك من يبحث في علم الطب مثلاً من منظار داخلي، وتثمر جهوده في نفس ذلك العلم، ولا تتجاوز عن حدوده، وهناك من يبحث فيه من منظار خارجي، وتنصبُّ جهوده في تاريخه، والمراحل التي مرّ بها وما أعقبه من نضوج وتكامل، وهذا ما يسمّى بتاريخ العلم.

إنّ التتبع في تاريخ العلوم يثبت أنّ كلّ علم يوم نشوئه لم يكن سوى مسائل معدودة لا تتجاوز عدد الاَصابع، ثمّ كثرت وتشعبت عبر الزمان تحت ظل عوامل كثيرة ساهمت في ازدهاره.

وقد انصبَّ الاهتمام في العصور الاَخيرة على تاريخ العلوم، و استعراض سيره التكاملي، فأصبح لكلّ علم بل لكل مسألة تاريخ خاص بها.


(6)

والباحث السابر في تاريخ العلوم حينما يواكب مراحلها التكاملية يقف على حقيقة وهي انّ البحث في العلوم والفهم العميق لها أمر لا ينفك عن دراسة تاريخها، إذ بها يقف على كافة أسرارها وخفاياها.

والتشريع الاِسلامي والفقه كغيره من العلوم لا يشذّ عن هذه القاعدة، فدراسة التشريع والفقه الاِسلامي غير دراسة تاريخهما.

نعم ثمة فرق بين التشريع والفقه، وإن غفل عنه معظم من كتب في تاريخهما.

أمّا الاَوّل، فيختص بما شرّع في العهد النبوي من الاَحكام طيلة 23 سنة، عن طريق الكتاب والسنّة في مجالي الاَحكام والاَخلاق ممّا يحتاج إليه الفرد المسلم، والاَُسرة المسلمة، والمجتمع المسلم في إطار العمل.

وأمّا الثاني، فهو حصيلة الجهود المضنية التي بذلها الفقهاء بعد رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما له صلة بالتشريع، فخلفوا وراءهم ثروة علمية فكرية تمثلت في فتاواهم وآرائهم.

وبما أنّ التشريع الاِسلامي كان منحصراً بفترة خاصة، فلا غرو أن يُقتصر تاريخ التشريع على تلك الفترة القصيرة، ما بين بعثة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى رحيله التي لا تتجاوز عن 23 عاماً، والتي أعقبها غلق باب الوحي والتشريع.

فعلى الباحث في تاريخ التشريع الاِسلامي أن يفصل بين تاريخ التشريع وتاريخ الفقه، ويعطي لكلّ حقّه، ففي تاريخ التشريع يستعرض الآيات والاَحاديث الكفيلة ببيان الاَحكام وأسباب النزول، وما يرجع إليهما من مختلف الجوانب.

وأمّا تاريخ الفقه، فقد بدأ في الفترة التي أعقبت وفاة رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ومرّ بأدوار مختلفة منذ عصر الصحابة والتابعين إلى عصر الفقهاء، وامتد إلى يومنا هذا.


(7)

فقامت نخبة من المحقّقين في القرون الاَخيرة ببذل جهود لتدوين تاريخ الفقه والتشريع الاِسلامي على وجه يُثير إعجاب القارىَ، لاَنّ كلّ واحد أخذ بجانب من جوانب تاريخ ذلك العلم، وهي بين مقتضب ومسهب. فشكر اللّه مساعيهم.

ولكن جهود الفقهاء في القرون الغابرة انصبّت على كتابة تراجم وسِيَـرٍ لفقهاء مختلف النحل، كان لها أثرها الاِيجابي في تصعيد نشاط كتابة تاريخ الفقه، إلاّ أنّها لا تتعدّى طور الترجمة، من دون إيعاز إلى أدوار الفقه، نذكر منها على سبيل الاختصار ما يلي:

فمن تراجم الشافعية:

1. «طبقات الفقهاء» لاَبي إسحاق الشيرازي (المتوفّى476هـ).

2. «طبقات الشافعية الكبرى» لاَبي نصر عبد الوهاب بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى771هـ).

3. «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (المتوفّى851هـ).

والاَخيران يعمّـان الفقهاء وغيرهم.

ومن تراجم الحنابلة:

1. «طبقات الحنابلة» للقاضي ابن أبي يعلى الفرّاء (المتوفّى526هـ).

2. «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (المتوفّى795هـ).

3. «المنهج الاَحمد في تراجم أصحاب الاِمام أحمد» لمجير الدين عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الرحمن العليمي(860 ـ 928هـ).


(8)

ومن تراجم المالكية:

1. «ترتيب المدارس» للقاضي عياض (المتوفّى544هـ).

2. «الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب» في تراجم المالكية، لبرهان الدين بن فرجون المالكي (المتوفّى779هـ).

3. «شجرة النور الزكية» لمحمد بن محمد مخلوف (المتوفّى1355هـ).

ومن تراجم الحنفية:

1. «الجواهر المضيّة»لابن أبي الوفاء (المتوفّى 775هـ).

2. «العوائد البهية في تراجم الحنفية» لمحمد اللكهنوي الهندي (المتوفّى1293هـ).

ومن تراجم الاِمامية:

1. «الرجال» لاَبي عمرو الكشي تلميذ العياشي من أعيان القرن الرابع.

2. «الرجال»لاَبي العباس النجاشي (المتوفّى450هـ).

3. «الرجال» لاَبي جعفر الطوسي (المتوفّى 460هـ).

4. «الفهرست» لاَبي جعفر الطوسي أيضاً.

5. «الخلاصة» للعلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ).

وغيرها من الكتب الموَلّفة في العصور اللاحقة.

وقد عرّف تاريخ التشريع والفقه الاِسلامي: بأنّه العلم الذي يبحث عن حالات الفقه الاِسلامي في عصر الرسالة ومابعده من العصور، وبيان الظروف التي أُنشئت فيها تلك الاَحكام، وبيان ما طرأ عليها، وعن سيرة الفقهاء والمجتهدين ، وما كان لهم من دور في تخريج تلك الاَحكام.


(9)

الحاجة إلى تاريخ الفقه

قد ذكرت لدراسة تاريخ الفقه فوائد علمية جمّة ، منها:

أ. الاطّلاع على الاَساليب الفقهية التي سار على ضوئها الفقهاء، وتنوعت بها مناهجهم ومسالكهم، فلا شكّ انّ الفقه بمختلف أساليبه يهدف إلى أمر واحد، وإنّما الاختلاف في المناهج المتّخذة في الاستنباط والاجتهاد للوصول إليه.

ب. معرفة العوامل التي ساهمت في تقدّم العلم وتطوّره.

ج. الوقوف على الاَسباب المُعيقة لتطوّر الركب الفقهي، كظهور الاَخبارية في القرن الحادي عشر والثاني عشر عند الشيعة، وكإقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع عند السنّة، بيد أنّ العوامل المُعيقة عند الطائفة الاَُولى لم تدم طويلاً، بل زالت بجهاد جهابذة فقهائهم، ولكن مازالت الآثار السلبية للعامل الثاني باقية بين أهل السنّة إلى يومنا هذا.

وثمة ميزة خاصة لتاريخ الفقه، وهو انّ تاريخه غير منفصل عن تاريخ التفسير والحديث، فإنّ الفقه الاِسلامي يستمد مادته من المصدرين الاَساسيين: الكتاب والسنّة، فعلى من يدوّن تاريخ الفقه الاِسلامي، الاِلمام بتاريخ نزول القرآن الكريم وأسبابه، وتصنيفه إلى آيات تهدف إلى بيان المعارف العقلية، إلى أُخرى تستعرض قصص الاَنبياء وسيرتهم وجهادهم ضدّ المشركين، إلى ثالثة تبيّن الاَحكام الشرعية التي تدور عليها رحى الفقه.

ثمّ إنّ مصادر التشريع والمنابع التي يستنبط منها الفقه ليست أمراً متفقاً عليه بين كلا الفريقين، فهناك منابع ومصادر اتّفقت عليها الكلمة، وهناك منابع تعد مصدراً عند طائفة دون أُخرى، فالسنّة تعتمد على القياس والاستحسان وغيرها، مع أنّ الشيعة تنكرها، فصار هذا باعثاً للباحثين في تاريخ التشريع


(10)

الاِسلامي إلى تخصيص فصول بغية بيان مصادر التشريع الاَصلية والتبعية. وقد مرّ تفصيلاً في الجزء الاَوّل.

لقد مرّت الحركة الفقهية بمراحل وأدوار مختلفة،والمهم على عاتق الباحث هو بيان تلك الاَدوار والمراحل.

المناهج المتّبعة في تاريخ الفقه

هناك منهجان متّبعان في تاريخ الفقه:

المنهج الاَوّل: ما تبنّاه الحجوي الثعالبي (1291ـ 1376هـ) (1) في كتابه «الفكر السامي» من تقسيم الفقه إلى أربعة أطوار.

الطور الاَوّل: طور الطفولية، وهو أوّل بعثة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أن توفي.

الطور الثاني: طور الشباب، وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.

الطور الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.

الطور الرابع: طور الشيخوخة والهرم، وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن. (2)

ويعد كتابه هذا مرجعاً لتاريخ الفقه الاِسلامي، وقد تبعه في هذا المنهج الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي» قائلاً: «الفقه


1 . هو محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي من المالكية السلفية في المغرب، ولد في فاس، ودرس في القرويين، تولّى مناصب حكومية رفيعة في عهد الحماية الفرنسية، توفّي بالرباط ودفن بفاس، له كتب مطبوعة أجلها «الفكر السامي في تاريخ الفقه» أربعة أجزاء و«ثلاث رسائل في الدين» و«النظام في الاِسلام» و«مختصر العروة الوثقى» ذكر فيه شيوخه ومن اتصل بهم. (الاَعلام:6|96).
2 . محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي: الفكر السامي:1|3.


(11)

كائن حي، و من أصدق أمارات الحياة، الحركة والنموّ، فلابدّ له إذن من أن يتحرّك ويتسع هنا وهناك، وليس هذا إلاّ التطوّر الذي ينال كل كائن حي وجد بعد أن لم يكن». (1)

فهذا المنهج يشبّه الفقه بالكائن الحي في مروره بأدوار أربعة، وهذا التقسيم وإن كان لا بأس به، إلاّ انّه لا ينطبق على الواقع، لاَنّ الفقه بعد عصر الضعف وطروء الشيخوخة والهرم أخذ بالانتعاش والتجدّد، وبدأت الحياة تدبّ فيه، خاصّة بعد ظهور فقهاء أخذوا على عاتقهم تجديد الحياة الفقهية بإنشاء مجامع فقهية، ومجالس إفتاء واجتهاد.

المنهج الثاني: ما قام به الشيخ محمد الخضري بك(1289ـ 1345هـ) (2) في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي» حيث صنّف أدوار الفقه طبقاً للاَسباب والاَحداث التي رافقت تكامله وارتقاءه،والتي اقترنت بأسماء جهابذة من الفقهاء الذين لعبوا دوراً هاماً في إغناء التراث الفقهي، ويعد «الخضري بك» من الكتّاب الاَوائل الذين كتبوا في تاريخ الفقه، فقد قال في مقدّمة كتابه:«فإنّي لم أحذ في هذا الكتاب حذو أحد سبقني في هذا الموضوع» كما و قسّم تاريخ الفقه إلى الاَدوار التالية:

1. التشريع في حياة رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - .

2. التشريع في عهد كبار الصحابة من سنة 11 إلى سنة 40 هجرية.


1 . الدكتور محمد يوسف موسى: تاريخ الفقه الاِسلامي:1|25.
2 . محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالخضري، فقيه، أُصولي، موَرّخ، أديب. ولد بالقاهرة، وتخرّج بمدرسة دارالعلوم، وعيّن قاضياً شرعياً في الخرطوم بالسودان، فمدرِّساً في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة مدّة 12 سنة، واستاذاً للتاريخ الاِسلامي في الجامعة المصرية، توفي بالقاهرة في 8 شوال عام 1345، من تصانيفه: أُصول الفقه، تاريخ التشريع الاِسلامي، نور اليقين في سيرة سيد المرسلين. (معجم الموَلّفين:10|295).


(12)

3. التشريع في عهد صغار الصحابة و التابعين لهم بإحسان، وهذا العهد ينتهي بانتهاء القرن الاَوّل من الهجرة.

4. التشريع في العهد الذي صار فيه الفقه علماً من العلوم، وظهر فيه نوابغ الفقهاء، والذين أُلقيت مقاليد الزعامة الدينية إليهم، وتلامذتهم الذين بيّنوا آراءهم من غير أن يكون لهذه النسبة أثر في استقلالهم الفقهي، وينتهي هذا الدور بانتهاء القرن الثالث.

5. التشريع في العهد الذي دخلت فيه المسائل الفقهية في دور الجدل، لتحقيق المسائل المتلقاة من الاَئمّة، وظهور المناظرة والجدل، وينتهي هذا العهد بانتهاء الدولة العباسية في بغداد وإغارة التتر على بلاد الاِسلام.

6. التشريع في عهد التقليد المحض إلى الآن. (1)

وقد تبعه الاَُستاذ المحقّق مصطفى الزرقاء في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال:

إنّ التتبّع التاريخي لحركة الفقه الاِسلامي يوحي بتقسيم المراحل التطورية التي مرّ بها هذا الفقه إلى سبعة أدوار:

1. عصر الرسالة.

2. عصر الخلفاء إلى منتصف القرن الاَوّل الهجري، حيث استتبَّ الاَمر للاَُمويين ونهج معظمهم بسياستهم الداخلية على وفق أهوائهم في الحكم لا على وفق الاَوامر الشرعية.

وهما يمثِّلان المرحلة التمهيدية للفقه الاِسلامي.

3. من منتصف القرن الاَوّل إلى أوائل القرن الثاني حيث استقل علم الفقه


1 . محمد الخضري بك: تاريخ التشريع الاِسلامي: 10.


(13)

وأصبح اختصاصاً ينصرف إليه، وتكوّنت المدارس الفقهية، أي الاجتهادات المسمّـاة بالمذاهب، وهذا الدور هو المرحلة التأسيسية في الفقه.

4. من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع حيث بلغ الفقه أوجه في الاجتهاد والتدوين والتفريع المذهبي، وتم فيه وضع أسس علم أُصول الفقه، وهذا الدور هو دور الكمال في الفقه الاِسلامي.

5. الدور الخامس من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد في أيدي التتار في منتصف القرن السابع. (1) وفيه نشطت حركة التحرير والتخريج والترجيح في المذاهب.

6. منذ منتصف القرن السابع إلى ظهور مجلّة الاَحكـام العدلية ـ التي تمَّ وضعها على يد لجنة من الفقهاء، وصدرت الاِرادة السنية السلطانية بالعمل بها في 26 شعبان عام 1293هـ ـ وهذا الدور هو دور الانحطاط الفقهي.

7. من عهد ظهور المجلة إلى اليوم. (2)

وقد تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم: الاَُستاذ محمد علي السايس في «تاريخ الفقه الاِسلامي» فقد بيّن الاَدوار بالنحو التالي:

1. الدور الاَوّل: التشريع في عصر الرسول.

2. الدور الثاني: التشريع في عصر الخلفاء الراشدين.

3. الدور الثالث: التشريع بعد عصر الخلفاء إلى أوائل القرن الثاني للهجرة.

4. الدور الرابع: التشريع في أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع


1 . وفي المصدر الرابع، وهو مصحّف.
2 . مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:1|146ـ147.


(14)

الهجري.

5. الدور الخامس: التشريع من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656هـ.

6. الدور السادس: من سقوط بغداد إلى الآن. (1)

وقد تبعه أيضاً الاَُستاذ مناع القطان في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي» وحيث إنّه يتحد مع ما سبق، فلا نطيل الكلام فيه.

نعم نقل تقسيماً آخر للفقه، رأيت من الواجب الاِشارة إليه:

الدور الاَوّل: عصر التشريع في عصر الرسول والخلفاء.

الدور الثاني: الدور التأسيسي للفقه، ويشمل النتاج الفقهي في العصر الاَُموي،والكلام حول مدرسة الحجاز والعراق.

الدور الثالث: دور النهضة الفقهية، وتأسيس المذاهب، وتدوين الحديث والفقه.

الدور الرابع: دور التقليد وسدّ باب الاجتهاد بعد أن استقرّت المذاهب.

الدور الخامس: دور اليقظة الفقهية وحركة الاِصلاح الديني في الوقت الحاضر لفتح باب الاجتهاد. (2)

كما وتبعه الدكتور عمر سليمان الاَشقر في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي».(3)


1 . محمد علي السايس: تاريخ الفقه الاِسلامي: 11.
2 . مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 25.
3 . عمر سليمان الاَشقر: تاريخ الفقه الاِسلامي: 40.


(15)

وقفة قصيرة مع كُتّاب تاريخ الفقه

نتقدّم بالشكر و التقدير إلى أصحاب الفضيلة الذين ساهموا مساهمة فعالة في تدوين تاريخ الفقه، وبيان مراحل نشوئه وتكامله منذ عصر الرسالة إلى يومنا هذا، وفي طليعتهم الشيخ الخضري بك حيث إنّه أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه، وتتابعت بعده الكتابات في هذا الصدد، فقد كشفوا النقاب عن وجه الحقيقة وخدموا الفقه الاِسلامي ببيان تاريخه وجذوره وأصالته واستطاعته على إدارة المجتمعات الاِنسانية في جميع الاَزمنة.

ومع التقدير الجزيل والاِكبار لجهودهم إلاّ أنّهم تطرّقوا إلى الفقه الاِسلامي من منظار ضيّق، وتصوّروا انّ الفقه هو الفقه السنّي لا غير، مع أنّ الفقه الاِسلامي حقيقة واحدة ولها مظاهر مختلفة، فالفقه السنّي مظهر من مظاهره،وله مظاهر أُخرى لا تقل عنه أهمية نشير إلى مظهرين منها:

الفقه الاِمامي الاثنا عشري

الفقه الاِمامي تراث فكري فقهي تمتد جذوره إلى عصر الرسالة، وهو حصيلة جهود أُمّة كبيرة من شيعة آل البيت، الذين لم يألوا جهداً في استنباط الاَحكام من الكتاب و السنّة، ومن أهمِّ ما يمتاز به هو سعة منابعه الحديثية بفضل العطاء الوافر للعترة الطاهرة والذي استمر من عصر الرسول إلى عام 260هـ، فيما يفقد الفقه السني هذا المنبع الواسع الزاخر المستمر.

كما انّ من أهمّ ميزاته هو صدوره عن لسان أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - الذين هم عيبة علم الرسول. و من هذه الشجرة الطيبة، الراسخة الجذور، أثمر الفقه الاِمامي،وامتاز عن غيره بأمرين:


(16)

أ. السعة و الشمول من جهة المنبع.

ب. النقاوة وصفاء المصدر.

فقد صنّف فقهاوَهم طيلة 14 قرناً موسوعات وكتباً ورسائل فقهية لا يحصيها إلاّاللّه سبحانه، فكان على هوَلاء الاَساتذة أن ينظروا إلى الفقه الاِسلامي من منظار واسع حتى يقفوا على الفقه الشيعي وميزاته وتاريخه وتطوّره وأدواره.

الفقه الزيدي

ألّف أئمّة المذهب الزيدي موسوعات وكتباً في الفقه الاِسلامي تعرب عن اتصال الفقه ودراسته في البيئات الزيدية، فإهمال هذا الجانب من الفقه تعسّف وعدول عن الحق.

* * *

وممّا يوَسف له قلة التدوين في تاريخ الفقه الشيعي، إلاّ انّه في الفترة الاَخيرة بُذلت محاولات قيّمة من قبل بعض الباحثين من الشيعة لتأليف كتب أو مقالات في هذا المضمار بغية سد هذا الفراغ و ملء هذه الثغرة، فكانت حصيلة نتاجهم كالتالي:

1. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، للعلاّمة الشيخ محمد مهدي الآصفي، طُبعت كمقدمة لكتاب «اللمعة الدمشقية» .

2. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، له أيضاً، طُبعت كمقدمة لكتاب «الرياض» .

3. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، المطبوع مع كتاب «الاَرض في الفقه الاِسلامي» للدكتور السيد حسين المدرسي الطباطبائي.

4. تاريخ الفقه الجعفري، للكاتب القدير السيّد هاشم معروف الحسني.


(17)

5. أدوار الفقه، للعلاّمة محمد إبراهيم الجناتي (بالفارسية).

6. تاريخ الفقه والفقهاء، للدكتور أبو القاسم الكرجي الطهراني (بالفارسية).

7. أدوار الفقه، لمحمود الشهابي أُستاذ في جامعة طهران (بالفارسية).

كلمة أخيرة

قد مضت كلمات الباحثين في تاريخ الفقه السنّي، وقد عرفت من خلالها انّ تاريخ التشريع، غير تاريخ الفقه وتتلخّص حصيلة ما ذكروه ـ مع الاختلاف الجزئي في بيانهم ـ في الاَدوار التالية:

عهد التشريع والوحي (من البعثة إلى الوفاة)


هذا الدور هو الدور التأسيسي للفقه، والموَسّس هو النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على لسان الوحي، وقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بفضل ما أُوحي إليه، القواعد والضوابط الفقهية الصالحة للتفريعات الكثيرة حسب الحاجات.

وقد أفرزنا هذا الدور عن بقية أدوار الفقه، وأسمينـاه بـ «العهد التأسيسي للفقه» لاَنّه يعدّ البذرة الاَُولى لظهور الفقه إلىحيّز الوجود، ولاَنّ الدور عبارة عن التطوّرات التي توالت على الفقه بعد وجوده فلا يعمُّ عصر التأسيس، وهذا ما نتطرّق إليه عند دراسة أدوار الفقه الشيعي فقط.

الدور الاَوّل: عصر الصحابة والتابعين (من رحيل النبي

- صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أوائل القرن الثاني)

لمّا لحق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بالرفيق الاَعلى واجه المسلمون أحداثاً لم يجدوا لها حلولاً في المصدرين الرئيسيين، ولذلك ابتكروا أساليب ظنية وإن


(18)

كانت بعضها مرفوضة عند أئمّة أهل البيت وشيعتهم.

وفي هذا الدور كثر تردّد الناس إلى الصحابة والتابعين بغية الوقوف على أجوبة المسائل الفقهية التي كانت في معرض ابتلائهم ـ حينها ـ أخذ النشـاط الفقهي يشق طريقه من خلال طرح الاَسئلة على مختلف الاَصعدة وصياغة الاَجوبة على ضوئها، على الرغم من عدم ظهور المذاهب الفقهية آنذاك، ودام هذا الدور إلى أوائل القرن الثاني.

الدور الثاني: عصر ظهور المذاهب الفقهية (أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع)


لقد أثمرت الجهود المضنية في هذا الدور إلى تأسيس مذاهب فقهية اتّسمت باسلوب خاص، كتب لبعضها البقاء إلى يومنا هذا وللآخر الفناء والاندثار، ودام هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع حيث بلغ الفقه السنّي فيه ذروته وفيه وضعت أُصول الفقه التي تهيِّىَ المجتهد للاستنباط، وهي بالنسبة إلى الفقه الاجتهادي كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة، فكما انّ الثاني يعين الفيلسوف على التفكير الصحيح في المسائل الفلسفية، فكذلك أُصول الفقه تعين المجتهد على الاستنباط الصحيح.

الدور الثالث: عصر توقف الحركة الاجتهادية (أوائل القرن الرابع إلى أواسط القرن السابع)


لمّا ظهرت المذاهب الفقهية في العراق و الشام ومصر والحجاز كان للبعض منها حظ وافر للبقاء والاستمرار، كالمذاهب الاَربعة، بفضل جهود دعاته وأتباعه الّذين سعوا في تكامله وارتقائه بكثرة التخريج والتفريع على وجه لم


(19)

يكن له مثيل في الاَعصار السابقة، فأُلّفت في هذه الفترة موسوعات فقهية كثيرة تحمل ذلك الطابع، وقد دام هذا الدور من أوائل القرن الرابع إلى أواسط القرن السابع الذي تزامن مع سقوط بغداد على أيدي التتر.

الدور الرابع: عصر الانحطاط الفقهي (أواسط القرن السابع إلى أواخر القرن الثالث عشر)


كانت نهاية القرن السادس والقرنان اللّذان أعقباه عصر البوَس والدمار وبالتالي شرّ القرون وأسوأها، فقد حلّت بالمسلمين فجائع ونكبات لم يُسجِّل التاريخ نظيرها لاَُمّة من الاَُمم، فبينما كانت الحروب الصليبية لا تزال طاحنة ومشتعلة في أواخر القرن السادس، يواجه فيها المسلمون الانتصارات تارة والاِخفاقات أُخرى، إذ بدأت الحملات الشرسة من جانب الشرق على يد التتار والمغول، فكانت نهاية الحروب الصليبية بداية للحروب الوثنية ممّا يعكس التعاون الوثيق بين الصليبية والوثنية على تدمير الحضارة الاِسلامية.

ولمّا استقرّ الحكم المغولي في الاَمصار الاِسلامية أخذ يحرّك دفّة العلم تجاه العلوم الطبيعية والرياضية وأخيراً العقلية، فصار الغور في هذه الموضوعات الشغل الشاغل لاَكثر العلماء في تلك الفترة، وقلّ الاهتمام والعناية بالفقه.

فأخذ الفقه بالضمور والخمود والاكتفاء بنقل ما في الكتب الفقهية للمذاهب دون مناقشة، ففقد الفقه على إثرها مقامه الشامخ في الاَوساط العلمية.

وكانت وظيفة الفقيه في تلك الاَعصار مجرّد تدريس المتون الفقهية والتحشية والتعليق عليها دون أن يخرج عن إطار المذهب الذي ينتحله.

واستمر الوضع على هذا المنوال إلى أواخر القرن الثالث عشر.


(20)

الدور الخامس: عصر إعادة النشاط الفقهي (أواخر القرن الثالث عشر وحتى يومنا هذا)


إنّ تلاقح الحضارتين الاِسلامية والغربية كان له أثر مهم في نشاط التقنين على الاَصعدة الثلاثة: المدني والجنائي والاِداري، فسار الفقه السنّي سيراً حثيثاً وراء تلك الحركة، وأخذ باستعادة نشاطه، وخلع ثوب الركود عن نفسه بفتح فروع فقهية في الجامعات و الموَسسات التعليمية، وعقد الموَتمرات ، كما وأُلّفت موسوعات فقهية، والركب بعدُ مادام سائراً.

هذه هي الاَدوار التي مرّ بها الفقه السني.

وأمّا الفقه الشيعي، فله أدوار سبعة لكلّ ميزته الخاصة به، وإليك الاِشارة إلى عنوان كل دور :

الدور الاَوّل : عصر النشاط الحديثي والاجتهادي (11ـ260هـ).

الدور الثانــي: عصر منهجة الحديث والاجتهاد(260ـ460هـ).

الدور الثالـث: عصر الركود (460ـ حوالي 600هـ).

الدور الرابــع: تجديد الحياة الفقهية (600ـ1030هـ).

الدورالخامـس: ظهور الحركة الاَخبارية(1030ـ 1180هـ).

الدور السادس: تصعيد النشاط الفقهي (1180ـ 1260هـ).

الدور السابــع: عصر الاِبداع الفقهي (1260ـ إلى وقتنا الحاضر).

ونبدأ أوّلاً بدراسة أدوار الفقه السنّي على وجه الاِيجاز:


(21)

أدوار الفقه السنّي

1

الدور الاَوّل

عصر الصحابة والتابعين

(من رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أوائل القرن الثاني)

ارتحل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الرفيق الاَعلى تاركاً للأُمّة الكتاب والسنّة، وجعل العترة الطاهرة هي المرجع في تفسير الكتاب وتبيين السنّة حيث قال - صلى الله عليه وآله وسلم - :«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».

ولكنَّ المسلمين افترقوا بعده إلى طائفتين، فمنهم من أخذ بالكتاب واقتصر من السنّة بما حفظه الصحابة بلفظه أو فعله، أو تقريره، ومنهم من أخذ بالكتاب والسنّة المروية ولم يقتصر عليهما بل رجع إلى أئمّة أهل البيت فيما يفسّرون به إجمال الكتاب وفيما يروون من سنّة النبي التي لم تصل إليهم عن طريق الصحابة.وبذلك انشقت عصا المسلمين وانقسموا إلى طائفتين مختلفتين، وبدأ الفقه ينهج منهجين، وينحو نحوين، وحيث إنّ غرضنا من وراء البحث هو تسليط الاَضواء على معالم الفقه السنّي، فنستعرضه بعد استعراض سير الفقه في عصر الصحابة والتابعين.

عاد المسلمون بعد رحيله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى القرآن والسنّة فيما يحتاجون إليه على صعيد الفقه والاَحكام العملية، ولمّا لم يجدوا حلولاً شرعية للحوادث المستجدة، دأبوا على علاج هذا الوضع بصياغة قواعد وضوابط تعينهم على وضع الحلول المناسبة،


(22)

وشكّلت فيما بعدُ النواةُ الاَُولى لنمو الفقه وتكامله على ضوء ما تصوّروه حلاً شرعياً، وكلّما تقدم بهم الزمان أينعت تلك الشجرة الفقهية وكثرت فروعها وثمارها دون أن تصب في قالب مذهب خاص.

وقبل استعراض أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا لابدّ أن نسلط الاَضواء على عدّة اصطلاحات وما ينطوي عليها من معانٍ ليتسنّى للقارىَ الكريم الوقوف عليها.

الفقه لغة واصطلاحاً

الفقه بمعنى الفهم، ويدلّ عليه قوله سبحانه، حكاية عن موسى - عليه السّلام - : "وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني* يَفْقَهُوا قَوْلِي "(1) أي يُفهم قولي.

وقال سبحانه في شأن الكفار: "فَمالِ هوَلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً" (2) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الفقه بمعنى الفهم وهو واضح لا يحتاج إلى بيان.

وقد غلب إطلاقه على لسان الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في علم الدين دون غيره من العلوم، قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : «نضَّر اللّه امرأً سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يُبلِّغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه». (3)

ومن المعلوم أنّ حديث الرسول لم يكن مختصاً بالفقه المصطلح عليه في عصورنا المتأخرة، بل يعمُّ كلَّ ما يوَثر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المجالات المختلفة.

كما أنّ لفظة الفقهاء قد استعملت بمعنى الفهماء في الدّين، روى البخاري


1 . طه: 27 ـ 28.
2 . النساء: 78.
3 . ابن الاَثير: جامع الا َُصول: 8|18 ح 5848.


(23)

في كتاب «مناقب الاَنصار» عن أنس بن مالك قال: قال ناس من الاَنصار حين أفاء اللّه على رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي رجالاً المائة من الاِبل، فقالوا: يغفر اللّه لرسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي قريشاً و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدّث رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - بمقالتهم، فأرسل إلى الاَنصار، فجمعهم في قبّة من أدمٍ ولم يدع معهم غيرهم، فلمّا اجتمعوا قام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟».

فقال فقهاء الاَنصار: أمّا روَساوَنا يا رسول اللّه فلم يقولوا شيئاً، وأمّا ناس منّا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر اللّه لرسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. (1)

وممّا يدلّ على أنّ الفقيه في الصدر الاَوّل بمعنى صاحب البصيرة في الدين، أنّ الحسين بن علي - عليهما السلام - وصف حبيب بن مظاهر الاَسدي بالفقيه، وكتب إليه من كربلاء وهو بالكوفة بالنحو التالي:

«من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر. أمّا بعد يا حبيب فإنّك تعلم قرابتنا من رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنت أعرف بنا من غيرك، وأنت ذو شيمة وغيرة، فلا تبخل علينا بنفسك يجازيك جدي رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم القيامة». (2)

وربّما يجعل اسم القرّاء مقابلاً لاسم الفقهاء، روى مالك في موطئه، عن يحيى بن سعيد، أنّ عبد اللّه بن مسعود قال لانسان:«إنّك في زمان كثير فقهاوَه، قليل قرّاوَه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيّع حروفه، قليل من يسأل، كثير من


1 . صحيح البخاري: 5|200 ح8، باب غزوة الطائف.
2 . مصطفى الحائري: بلاغة الحسين: 70.


(24)

يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويَقْصُـرون الخطبة، يُبدُّون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاوَه، كثير قرّاوَه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيّع حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدُّون أهواءهم قبل أعمالهم». (1)

وقد عرّف الفقيه في غير واحد من الروايات بالنحو التالي:

1. الفقيه الذي لا يُقنّط الناس من رحمة اللّه. (2)

2. الفقيه كل الفقيه الذي لم يقنط. (3)

وروى البخاري: أنّ عبد الرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بمنى في آخر حجّة حجّها عمر، فوجدني، فقال عبد الرحمن: يا أمير الموَمنين، إنّ الموسم يجمعُ رعاع الناس، وإنّي أرى أن تُمهل حتى تَقدم المدينة فإنّها دار الهجرة والسنّة، وتخلص لاَهل الفقه واشراف الناس و ذوي رأيهم. قال عمر: لاَقومَنَّ في أوّل مقام أقومُه بالمدينة. (4)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ لفظة الفقيه في الصدر الاَوّل أُطلقت على صاحب البصيرة في الدين، نعم، غلب استعمالها في القرن الثالث أو قبله في العارف بالاَحكام الشرعية الذي سبر أغوارها، وقد ذكر ابن خلدون«أنّ اسم القرّاء يطلق على أهل الفتيا والفقه من الصحابة». (5)

ويوَيده رواية الصدوق في أماليه، بسنده عن السكوني، عن الصادق عن


1 . مالك: الموطأ: 120، برقم 418، جامع الصلاة.
2 . البحار: 78|94.
3 . البحار: 78|74.
4 . صحيح البخاري: 5|85 ح5، باب مقدم النبي وأصحابه المدينة.
5 . مقدمة ابن خلدون: 2|1011.


(25)

آبائه - عليهم السلام - أنّه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي: الاَُمراء والقرّاء». (1)

الفتوى لغة واصطلاحاً

الفتوى هي الاسم من قولك: أفتاه في الاَمر: أبان له، ويقال أيضاً أفتيت فلاناً روَيا رآها: إذا عبّرتها له. ويقال أفتيته في مسألة إذا أجبته عنها.

ويقال: إنّ قوماً تفاتوا إليه: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه بالفتياء. (2)

وقال ابن الاَثير: إنّ أربعة تفاتوا إليه - عليه السّلام - أي تحاكموا، من الفتوى يقال: أفتاه في المسألة يفتيه، إذا أجابه، والاسم الفتوى. (3)

يتبين من خلال سرد تلك المعاني أنّ الفتوى بمعنى إجابة السوَال، قال سبحانه:"يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ" (4) أي يسألونك، فالاستفتاء هو السوَال عن الحكم والاِفتاء هو تبيينه.

قال سبحانه:"فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا" . (5)

وقال سبحانه: "فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُون" . (6)

كان الاِفتاء هو الاِجابة عن السوَال، فالكلمة جاءت بمعنى واحد في فتوى


1 . البحار: 75|340.
2 . لسان العرب: 15|147.
3 . النهاية: 3|411.
4 . النساء: 176.
5 . الصافات: 11.
6 . الصافات: 149.


(26)

الصحابة والتابعين والفقهاء، والجميع يجيبون عن السوَال ويفتون بالحكم، بيد أنّ إجابة الطائفتين الاَُوليين كانت تقتصر على الكتاب والسنّة غالباً، خلافاً لفتوى الفقهاء حيث يطعّموها بالاِمعان و النظر في مصادر التشريع أكثر ممّا عليه الصحابة والتابعون.

وقد واجه الفقهاء عبر تقدّم الزمان مستجدّات تتطلّب مزيد إمعان ونظر بغية الاِجابة عنها حتى أضحت الهوّة عميقة بين من تصدّى للاِفتاء في العصور الاَُولى ومن تصدّى له في العصور المتأخّرة، لا يجمعها سوى لفظ الاِفتاء مع اختلافهم في سعة التفكير وضيقه وقلّة القواعد المستفادة وكثرتها.

إنّ مقام الاِفتاء منصب خطير لا يتصدى له إلاّ من امتحن اللّه قلبه وشرح اللّه صدره، كيف و هو المنصب الذي تولاه هو سبحانه كما في الآية المباركة، وفي قوله: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهنَّ" . (1)

وممّا لا يشكّ فيه ذو مسكة انّ الاَُمّة الاِسلامية على مرِّ الاَجيال والاَعصار بحاجة ماسّة إلى الاِجابة عن أحكام الموضوعات سواء أكانت واردة في ظاهر الكتاب و السنّة الذي يفهمه من رجع إليهما أو كانت بحاجة إلى إمعان وتفكير.

ثمّ إنّ الذين بذلوا جهودهم في وضع الحلول لهذه المشاكل هم الصحابة ويليهم التابعون على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم في الفقه وفي حفظ الكتاب والسنّة وفطنتهم في ردّ الفروع إلى الاَُصول.

وإليك قائمة بأسماء الصحابة الذين أُخذت عنهم الفتيا، وكان لهم دور في ظهور الفقه على صعيد الحياة.


1 . النساء: 127.

Website Security Test