welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : موسوعة طبقات الفقهاء/ج1*
نویسنده :اللجنة العلمية فى مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)*

موسوعة طبقات الفقهاء/ج1

(26)

الاِمام الثالث

الحسين الشهيد - عليه السّلام- (1)


(4 ـ 61 هـ)

ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد اللّه القرشي الهاشمي، المدني، ثالث أئمة أهل البيت الطاهر، سبط الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة.


*: مقتل أبي مخنف (لوط بن يحيى)، التاريخ الكبير 2|381، تاريخ المدينة المنورة 2|798، المعارف 124، أنساب الاَشراف 1|151، 155، و 3|157، تاريخ اليعقوبي 2|229 ـ 233، تاريخ الطبري 4|257 و 5|384، العقد الفريد 1|345 و 2|528، مروج الذهب 3|248، شرح الاَخبار في فضائل الاَئمّة الاَطهار 10|479 ـ 515، الاِرشاد 203 ـ 271، شواهد التنزيل انظر الفهارس، رجال الطوسي 71 ـ 81، تاريخ بغداد 1|141 ـ 143، مقتل الحسين للخوارزمي، مختصر تاريخ دمشق 7| ، مناقب آل أبي طالب 3|367 ـ 401، المنتظم 5|322 ـ 328، أُسد الغابة 2|18 ـ 22، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 210 ـ 262، اللهوف على قتلى الطفوف، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة - عليهم السلام - 2|212 ـ 285، ذخائر العقبى 118 ـ 151، وفيات الاَعيان 6|353، تهذيب الكمال 6|396 برقم 1323، سير أعلام النبلاء 3|280 و 4|35 ـ 40، الوافي بالوفيات 12|423 ـ 429، البداية والنهاية 8|152 ـ 212، الاصابة 1|331 ـ 334، الفصول المهمة 170 ـ 200، الصواعق المحرقة 135 ـ 207، الدر المنثور 2|227 ـ 233، بحار الاَنوار الجزء 44 و 45، عوالم العلوم للبحراني جزء الاِمام الحسين - عليه السّلام- ، معادن الحكمة في مكاتيب الاَئمّة - عليهم السلام - 2|31 ـ 51، ينابيع المودة 106، 115، 164، 169، فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3|205 ـ 273، بلاغة الحسين - عليه السّلام- لمصطفى محسن الموسوي الحائري، مشهد من حياة أئمّة الاِسلام للسبحاني.



(27)

ولد في الثالث أو الخامس من شعبان سنة أربع للهجرة، وجيء به إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه بكبش، وسمّاه حسيناً.

أحبّه جدُّه المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حبّاً جمّاً، وغمره بعطفه وحنانه.

وقد رويت في حقّه أحاديث كثيرة، منها:

قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : حسين مني وأنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الاَسباط(1)

وقال ـ وقد أخذ بيد الحسن والحسين ـ : هذان ابنـاي، فمـن أحبّهمــا فقـد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(2)

وقد تقدم في ترجمة أبيه علي، وأُمّه فاطمة، وأخيه الحسن - عليهم السلام - أحاديث تضمنت ذكره - عليه السّلام- .

روى الاِمام الحسين - عليه السّلام- عن: جدّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأبيه، وأُمّه، وأخيه الحسن - عليهم السلام - .

روى عنه: ابنه علي زين العابدين - عليه السّلام- ، وابنتاه: فاطمة، وسكينة، وابن أخيه زيد بن الحسن، وثوير بن أبي فاخته، وبشر بن غالب الاَسدي، والفرزدق الشاعر، وعامر الشَّعبي، وآخرون.

وكان الفرزدق قد لقي الحسين - عليه السّلام- وهو خارج من مكة إلى العراق، فسأله عن أشياء من نذور ومناسك (3)


1. الترمذي (3775)، وتهذيب الكمال: 6|402، وسير أعلام النبلاء: 3|283.
2. مختصر تاريخ دمشق: 7|120، و سير أعلام النبلاء: 3|284.
3. والفرزدق هو القائل للحسين - عليه السّلام- ، لما سأله عن الاَوضاع في العراق: قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك. بغية الطلب: 6|2613، وفي رحاب أئمة أهل البيت: المجلد 2|90.

(28)

وكان الحسين - عليه السّلام- حيث يوجد يلتفّ حوله الناس كالحلقة، هذا يستفتيه في أمر دينه، وهذا يأخذ من فقهه، وهذا يستمع إلى روايته، وهذا يسأله لحاجته، وقد وصفه معاوية لبعض من سأله عنه، فقال: إذا وصلت مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على روَوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد اللّه.

روي عن ابن عباس أنّه بينما هو يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الاَزرق، فقال له: يا ابن عباس، تفتي الناس في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبد؟ فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن علي جالساً ناحية، فقال: إليّ يابن الاَزرق، قال: لست إياك أسأل.

قال ابن عباس: يابن الاَزرق إنّه من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم. فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين:

يا نافع، إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج، طاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يابن الاَزرق: أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأُعرِّفه بما عرَّف به نفسه، لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس، قريب غير ملتصق، بعيد غير منتقص، يوحد ولا يُبعَّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

فبكى ابن الاَزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! ... ثم قال ابن الاَزرق ـ بعد حوار جرى بينهما ـ: لقد كنتم منار الاِسلام، ونجوم الاَحكام ـ يعني علياً والحسن والحسين - عليهم السلام - ـ (1)

وللاِمام الحسين - عليه السّلام- خطب ووصايا وأدعية وحكم واحتجاجات


1. مختصر تاريخ دمشق: 7|130، وبغية الطلب: 6|2585.

(29)

ورسائل رواها الموَرخون والمحدثون وأرباب المقاتل في كتبهم.

وله روايات في الفقه، وفي التفسير (1)

وكان موصوفاً بالفصاحة والبلاغة، خطب في يوم عاشوراء، وفي أشد الساعات بلاءً، فما تزعزع ولا اضطرب، بل خطب في جموع أعدائه بجنان قوي، ولسان طلق، حتى قال قائد الجيش عمر بن سعد: ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، واللّه لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر.

ولقد جمع الحسين - عليه السّلام- أكرم الصفات وأحسن الاَخلاق وأجل الفضائل علماً وزهادة وعبادة وشجاعة وسماحة وسخاءً وإباءً للضيم، ومقاومة للظلم.

قال السيد علي جلال الحسيني المصري في مقدمة كتابه «الحسين»: كان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيداً بعلمه مرشداً بعمله مهذباً بكريم أخلاقه، موَدياً ببليغ بيانه، سخياً بماله، متواضعاً للفقراء (2)

روى الموَرخون أنّه لما مات معاوية لم يكن ليزيد همّ حين ولي إلاّ بيعة النفر الذين أبوْا على أبيه الاِجابة إلى بيعته، فكتب إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ الحسين - عليه السّلام- وابن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً (3)، فامتنع الحسين، وسار إلى مكة (4) ومعه أخوته وبنو أخيه وجلّ أهل بيته، فوجّه


1. وردت رواياته - عليه السّلام- في كتب كثيرة منها: أمالي الصدوق، معاني الاَخبار، أمالي الطوسي، الاَشعثيات (الجعفريات)، وغيرها. ثم إنّ كثيراً من الروايات التي رويت عن الاِمامين الباقر والصادق «عليهما السلام» ، إنّما يرويانها بسندهما إلى الحسين - عليه السّلام- .
2. أعيان الشيعة: 1|585.
3. المنتظم: 5|322 ـ 323، وتاريخ ابن الاَثير: 4|14.
4. كما امتنع ابن الزبير عن البيعة، وسار إلى مكة، أما ابن عمر فقد أرسل إليه الوليد بن عتبة ليبايع، فقال: إذا بايع الناس بايعتُ، فتركوه وكانوا لا يتخوّفونه. وقيل: إنّه كان هو وابن عباس بمكة، فعادا إلى المدينة، فلما بايع الناسُ بايعا. ابن الاَثير: 4|17.

(30)

أهل الكوفة بكتبهم ورسلهم إلى الحسين - عليه السّلام- يدعونه إليهم، فبعث إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، فنزل دار المختار الثقفي، وأقبلت الناس على مسلم، فبايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسين بالاِقبال إلى الكوفة، وجعل الناس يختلفون إلى مسلم حتى عُلم مكانه، فبلغ النعمان بن بشير ذلك ـ وكان والياً على الكوفة من قبل معاوية، فأقرّه يزيد ـ فخطب الناس وحذرهم الخلاف، فاتهمه عبد اللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي أحد أعوان الاَمويين بالضعف، وكتب إلى يزيد بإرسال رجل قوي، فكتب يزيد إلى عبيد اللّه ابن زياد عهداً بولاية الكوفة، فلما دخل ابن زياد الكوفة خطب الناس وتوعّد العاصي بالعقوبة والمطيع بالاِحسان، فلما سمع مسلم بمجيء ابن زياد انتقل إلى دار هانىَ بن عروة المرادي، وكان أحد زعماء الشيعة ومن أشراف العرب، ثم حصلت أحداث كبيرة انتهت بمقتل هانىَ بن عروة، وتفرُّق الناس عن مسلم، وبقائه وحيداً، ثم القبض عليه وقتله.

وكان الاِمام الحسين - عليه السّلام- قد عزم على الخروج من مكة في الثامن من ذي الحجة سنة (60 هـ)، والتوجّه إلى العراق، ولم يكن بلغه قتل مسلم، لاِنّ مسلماً قتل في ذلك اليوم الذي خرج فيه، وكان قد أشار على الحسين - عليه السّلام- جماعة منهم ابن عباس وابن الحنفية وابن عمر في أن لا يخرج، فرفض الحسين كل دعوة منهم للقعود وعدم التحرك، وسار نحو العراق، فلما وصل إلى الثعلبية أتاه نبأ استشهاد مسلم وهانىَ، ولكن ذلك لم يَثنِهِ عن عزمه، فسار حتى لقيته طلائع الجيش الاَموي بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي (1)فاعترضه، وضيّق عليه، واضطره للنزول، فسأل الحسين - عليه السّلام- عن اسم هذه الاَرض، فقيل له أرض الطف، فقال: هل لها اسم غير هذا؟ قيل: اسمها كربلاء، فقال: «اللهم أعوذ بك من الكرب


1. وقد التحق الحرّ بعد ذلك بالحسين - عليه السّلام- وقاتل بين يديه حتى استشهد.

(31)

والبلاء». ثم قال: «ها هنا محطّ رحالنا، ومسفَك دمائنا، وهاهنا محل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - » (1)

وكان نزول الحسين - عليه السّلام- في كربلاء في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل جيشاً كبيراً بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، فنزل على مقربة من الحسين - عليه السّلام- ، ثم اتبعه ابن زياد بجيوش أُخرى، وبقي المعسكران في ذلك الموضع حتى العاشر من المحرم، اليوم الذي وقعت فيه الجريمة بقتل الحسين - عليه السّلام- والصفوة الاَخيار من أهل بيته وأصحابه الميامين.

وقد نقل الموَرخون وأرباب المقاتل تفاصيل تلك الملحمة الكبرى، والبطولات الفذّة التي أبداها الاِمام الحسين وأنصاره البررة في سبيل نصرةالحق، وإعلاء كلمة اللّه.

كما ألّف العلماء والفضلاء عشرات الكتب في عظمة ثورته - عليه السّلام- ، وأهدافها، وأبعادها، ونتائجها.

قال ابن أبي الحديد وهو يتحدث عن الحسين - عليه السّلام- : سيّد أهل الاِباء الذي علَّم الناس الحمية، والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنيّة.


1. وردت روايات كثيرة في إخبار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بما سيجري على ريحانته الحسين (عليه السّلام) ، منها:
قالت أُمّ سلمة: دخل الحسين على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ففزع، فقالت أم سلمة: مالك يا رسول اللّه؟ قال: إنّ جبريل أخبرني إنّ ابني هذا يُقتل وأنّه اشتدّ غضب اللّه على من يقتله. مختصر تاريخ دمشق: 7|224، وتهذيب الكمال: 6|409، وانظر سير أعلام النبلاء: 7|289 ـ 290، وفيه عدّة أحاديث في هذا المعنى.
كما رُوي أنّ الاِمام عليّ - عليه السّلام- نادى ـ لما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين ـ: صبراً أبا عبد اللّه، صبراً أبا عبد اللّه بشط الفرات، ثم روى - عليه السّلام- حديثاً عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في هذا الشأن. سير أعلام النبلاء: 7|288.


(32)

وقال السيد علي جلال المصري: ومع التفاوت الذي بلغ أقصى ما يتصور بين فئته القليلة وجيش ابن زياد في العدد والمدد، فقد كان ثباته ورباطة جأشه وشجاعته تحيّر الاَلباب، ولا عهد للبشر بمثلها، كما كانت دناءة أخصامه لا شبيه لها.

ومن أقوال الاِمام الحسين - عليه السّلام- : الناس عبيـد الدنيا، والدين لعـق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون.

وقال: لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي.

وقال للوليد بن عتبة: أيها الاَمير، إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله (1)

وقد رثى الشعراء الاِمام الحسين - عليه السّلام- فأكثروا، وجمع السيد محسن العاملي كتاباً في مختار مراثيه - عليه السّلام- من شعر المتقدمين والمتأخرين سماه «الدر


1. قال ابن كثير في البداية والنهاية: 8|233: وكان فيه أيضاً ـ يعني يزيد ـ إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الاَوقات، وإماتتها في غالب الاَوقات، ونقل في ص 222 من نفس الجزء عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: يزيد القرود، وشارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات.
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء»: ص 249 وهو يتحدث عن وقعة الحرّة في سنة ثلاث وستين: وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي، ونقل عن الذهبي قوله أنّه قال: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكر اشتدّ عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك اللّه في عمره.


(33)

النضيد في مراثي السبط الشهيد» بلغ عدد أبيات الطبعة الثالثة منه نحواً من ستة آلاف بيت.

وممّن رثاه سليمان بن قتَّة العدوي، فإنّه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، وقال:

مررتُ على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها حين حلّت

فلا يُبعد اللّه البيوت وأهلها * وإن أصبحت عنهم برغمي تخلّت

وكانوا رجاء ثم عادوا رزيّة * لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت

وإن قتيل الطفّ من آل هاشم * أذلّ رقاباً من قريش فذلّت

ألم تر أنّ الاَرض أضحت مريضةً * لفقد حسين والبلاد اقشعرّت

وقد أعولت تبكي السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلّت

وهي أبيات كثيرة (1)

وقال شاعر أهل البيت السيد حيدر الحلي (المتوفى 1304 هـ ) من قصيدة مطلعها:

تركتُ حشاكَ وسلوانَها * فخلِّ حشايَ وأحزانَها

ومنها:

كأنّ المنيّةَ كانت لديه * فتاة تواصل خلصانها

جَلتْها له البيض في موقفٍبه * أثكل السمرَ خرصانها


1. أُسد الغابة: 2|22، وغيره.

(34)

فبات بها تحت ليل الكفاح * طروب النقيبة جذلانها

وأصبح مشتجراً للرماحِ * تحلّي الدِّما منه مُرّانها

عفيراً متى عايَنَتْهُ الكُماة * يختطف الرعب ألوانها

فما أَجْلَت الحرب عن مثله * صريعاً يُجَبِّن شجعانها (1)


1. ديوان السيد حيدر الحلي: 108.

(35)

1

أبو رافع (1) ( ... ـ 40 هـ)

إبراهيم، وقيل: أسلم، مولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . من قبط مصر .

كان عبداً للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فلمّا أن بشّـر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بإسلام العباس أعتقه وزوّجه مولاته سلمى.

أسلم قديماً بمكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد أُحداً والخندق وخيبر وبقية المشاهد، ولم يشهد بدراً لاَنّه كان بمكة.

قال ابن الاَثير: قال أبو رافع مولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : خرجنا مع عليّ حين بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - برايته إلى خيبر، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه يهودي فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ باباً كان عند الحصن فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللّه عليه،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|73، الجرح والتعديل 2|149، معجم الطبراني الكبير 1|307 برقم 89، المستدرك للحاكم 3|597، رجال النجاشي 1|61، السنن الكبرى للبيهقي 2|151، الاستيعاب (ذيل الاصابة) 1|61، المغني والشرح الكبير 2|519، أُسد الغابة 1|77، سير أعلام النبلاء 2|16، الاصابة 4|68، تهذيب التهذيب 12|92، الدرجات الرفيعة 373، تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام للسيد حسن الصدر 279، أعيان الشيعة 2|104و 3|303، معجم رجال الحديث: 1|175 برقم 52.

(36)

ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (1)

وكان أبو رافع من خيار الشيعة، ومن أهل الفضل والعلم. لزم علياً - عليه السّلام- وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، وكان ابناه عبيد اللّه وعليّ كاتبي أمير الموَمنين (2) - عليه السّلام- .

عدّ من رواة حديث الغدير من الصحابة (3)

من آثاره: كتاب السنن والاَحكام والقضايا، وهو أوّل من جمع الحديث ورَتّبهُ بالاَبواب.

قال السيد حسن الصدر: وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتاب تدريب الراوي حيث زعم أنّ ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة.

روى عن أبي رافع: ولده عبيد اللّه، وحفيده الفضل بن عبيد اللّه، وأبو سعيد المقبري، وغيرهم.

توفّي في خلافة الاِمام علي - عليه السّلام- ، وقيل: توفّي بالكوفة سنة أربعين، وجاء في روايةٍ أنّه رجع مع الحسن - عليه السّلام- إلى المدينة بعد استشهاد عليّ - عليه السّلام- ، ولا دار له بها ولا أرض، فقسم له الحسن - عليه السّلام- دار علي - عليه السّلام- بنصفين، وأعطاه سنح أرض أقطعه إيّاها.


1. الكامل في التاريخ: 2|220 حوادث سنة 7هـ.
2. عبيد اللّه بن أبي رافع: من خواص علي - عليه السّلام- ، وشهد معه حروبه، وله كتاب قضايا أمير الموَمنين، وكتاب تسمية من شهد مع أمير الموَمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة، وثّقه ابن حجر في «التقريب» أمّا علي بن أبي رافع فكانت له صحبة مع علي - عليه السّلام- ، وجمع كتاباً في فنون من الفقه.انظر رجال السيد بحر العلوم: 1|206.
3. الغدير للعلاّمة الاَميني: 1|16 برقم 8.

(37)

2
أبو هُريرة الدَّوْسي (أبو هُريرة الدَّوْسي )
1

اختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال جمَّة، وقد غلبت عليه كنيته.

قال أبو عمر : اختلفوا في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافاً كثيراً لا يُحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاِسلام (2)

وكُني أبا هريرة لهرة صغيرة كان يحملها معه.

قال أبو هريرة: كنتُ أرعى غنم أهلي وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنّوني «أبا هريرة».


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|325، التاريخ الكبير 6|132، المعارف 158، المعرفة والتاريخ1|486، الكنى والاَسماء للدولابي 61، الجرح والتعديل 6|49، مشاهير علماء الاَمصار 35 برقم 46، المستدرك للحاكم 3|506، حلية الاَولياء 1|376، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 67 برقم 48، رجال الطوسي 23 برقم 23، الخلاف للطوسي 1|176، الاستيعاب 4|200، المنتظم 5|314، صفة الصفوة 1|685، أُسد الغابة 5|315، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4|63، تهذيب الكمال 34|366، سير أعلام النبلاء 2|578، تلخيص المستدرك 3|506، العبر للذهبي 1|46، مرآة الجنان 1|130، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنـة 58 هـ) ص 347، البداية والنهاية 8|107، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|370، الاصابة 4|208، تهذيب التهذيب 12|212، تقريب التهذيب 2|484، شذرات الذهب 1|63، تنقيح المقال 2|165 برقم 6727، أبو هريرة شيخ المضيرة، معجم رجال الحديث: 22|77 برقم 14902.
2. الاستيعاب: 4|1768 برقم: 3208.

(38)

ولم يُعرف شيء عن نشأة أبي هريرة ولا عن تاريخه قبل الاِسلام سوى أنّه نشأ يتيماً ضعيفاً.

قال أبو هريرة كما في ترجمته من كتاب «المعارف»:

«نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبُسرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إذا ركبوا فزوجنيها اللّه، فالحمد للّه الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً».

وقدم أبو هريرة المدينة ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في غزوة خيبر، فأسلم في سنة 7 هـ، ثمّ اتخذ سبيله إلى «الصُّفة» (1)لفقره وفاقته.

روى البخاري عنه أنّه قال: كنت استقرىَ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني.

وفي رواية لمسلم: كنتُ رجلاً مسكيناً أخدم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على ملء بطني.

بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين، فجعله العلاء موَذناً بين يديه.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن أبي بكر وكعب الاَحبار وعمر وعائشة.

حدّث عنه: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد المقبُري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وعبد اللّه بن رافع مولى أُمّ سلمة، وميمون بن مهران، وخلق كثير.

وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين ثمّ عزله.

روى ابن سعد بسنده عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال لي عمر: يا


1. الصُّفّة: موضع مظلّل في موَخرة مسجد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالمدينة من الناحية الشمالية، يأوي إليه أُناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، وكان إذا تعشّى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشّوهم.

(39)

عدوّ اللّه وعدوّ كتابه أسرقتَ مال اللّه؟ قال: فقلتُ: ما أنا بعدوّ اللّه ولا عدوّ كتابه ولكنّي عدوّ من عاداهما ولا سرقتُ مال اللّه، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ ! قال: قلتُ: يا أمير الموَمنين خيلي تناسلت وسهامي تلاحقت وعطائي تلاحق. قال: فأمر بها أمير الموَمنين فقُبضتْ. قال: فكان أبو هريرة يقول: اللّهمّ اغفر لاَمير الموَمنين.

وقد أجمع رواة الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على حين أنّه لم يصاحب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلاّ ثلاث سنين (1)، فقد بلغت مروياته ـ كما في مسند بقيّ بن مخلد ـ 4735 حديثاً روى البخاري منها 446. ولهذا أنكر الصحابة عليه كثرة روايته. فعن السائب بن يزيد قال:

سمعت عمر بن الخطاب يقول لاَبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو لاَُلحقنّك بأرض دوس، وقال لكعب الاَحبار: لتتركنّ الحديث عن الاَول أو لاَُلحقنّك بأرض القردة.

وروي أنّ عائشة تأوّلت أحاديث كثيرة عن أبي هريرة ووهمته في بعضها.

قال ابن قتيبة: وكانت عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الاَيام بها وبه (2)

ولما سمع الاِمام علي - عليه السّلام- أبا هريرة يقول: قال خليلي، وسمعتُ خليلي ـ يعني النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ قال - عليه السّلام- : متى كان خليلك؟! (3)

وعن الشعبي قال: حدّث أبو هريرة فردّ عليه سعد حديثاً فوقع بينهما كلام حتى أُرتجت الاَبواب بينهما.


1. ومنهم من ينزل بصحبته إلى سنة وتسعة أشهر باعتبار أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه مع ابن الحضرمي إلى البحرين، فتوفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو بالبحرين. انظر كتاب أبي هريرة لمحمود أبو ريّة المصري.
2. انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 39 ، 41.
3. انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 39 ، 41.

(40)

وجاء في «البداية والنهاية» أنّ الزبير حين سمع أحاديث أبي هريرة قال: صدق، كذب.

وكان أبو هريرة يروي عن كعب الاَحبار ويثق به، وقد بثّ هذا الاَخير في الدين الاِسلامي الكثير من الاِسرائيليات (1)لما لم تكن لكعب صحبة، فانّه ما كان يجروَ على نسبة ما يريد بثّه في الدين إلى النبيّ الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولذلك كان ينقل أخبار بني اسرائيل من العجائب والغرائب والاَوهام، فيسمعها مَن يسمعها ممن اغترّ به من الصحابة، ثم يروونها بعد لاَيٍ، أحاديث مسندة إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو أنّهم يتناقلون قول كعب بدون اسناد إليه، فيظن بعض التابعين ومَن بعدهم أنّها ممّا سمعوه عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ولكي نقف على حقيقة ذلك، نذكر هذين المثالين:

1ـ أخـرج ابن كثير في تفسير سـورة التكـوير أنّ عبد اللّه الداتاج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث فقال:

حدثنا أبو هريرة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «إنّ الشمس والقمر ثوران عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول اللّه وتقول ـ أحسبه قال ـ وما ذنبهما؟

وحديث الشمس والقمر هذا حدّث به كعب الاَحبار نفسه، فقد روى الطبري في تاريخه في ص 44 من ج1 أنّ ابن عباس بينا ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر، قال: وكان متكئاً فاحتفز ثمّ قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة عقيران فيقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً ثمّ قال: كذب كعب كذب كعب كذب كعب ثلاث مرات، بل هذه


1. انظر ترجمة «وهب بن منبه» في قسم التابعين من كتابنا لمعرفة ما قيل في حق كعب الاَحبار.

(41)

يهودية يريد ادخالها في الاِسلام ...

2ـ روى مسلم بسنده عن عبد اللّه بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بيدي فقال خلق اللّه عزّ وجلّ التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الاَحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاَربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم (عليه السّلام) بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل(1)

قال البخاري وابن كثير وغيرهما إنّ أبا هريرة قد تلقّى هذا الحديث عن كعب الاَحبار لاَنّه يخالف نص القرآن في أنّ خلق السموات والاَرض في ستة أيام.

وجاء في «البداية والنهاية»: قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس ـ أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ولا يميّز هذا من هذا ـ.

وقال إبراهيم النخعي: كان أصحابنا يدَعون من حديث أبي هريرة. وفي رواية الاَعمش عنه قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة.

وكان أبو هريرة من عامة الصحابة في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبي بكر وعمر، ثمّ أخذ يظهر في زمن عثمان ثمّ ذاع صيته أكثر في زمن معاوية، وقد غمره معاوية برفده وأعطيته، وكان مروان ينيبه عنه على ولاية المدينة (2) فلم يلبث أن


1. شرح صحيح مسلم للنووي: ج (17ـ 18) كتاب 50 باب 1، الحديث 2789.
2. جاء في «سير أعلام النبلاء» ... عن أبي رافع قال: كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً ببرذعة، وفي رأسه خُلبةٌ من ليف، فيسير، فيلقى الرجلَ فيقول: الطريق! قد جاء الاَمير. وربّما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الاَعراب، فلا يشعرون حتى يُلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان فيفرون، وربّما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العُراق للاَمير، فانظر فإذا هو ثريدة بزيت. والخلبة : واحد الخلب: الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن وغيرهما. والعُراق: العظم الذي أُخذ عنه معظم اللحم، أو الغَدْرة من اللحم.

(42)

تحوّل حاله من ضيق إلى سعة ومن فقر إلى ثراء.

جاء في «سير أعلام النبلاء» :عن ابن المسيب قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت فإذا أمسك عنه تكلّم.

وروى ابن سعد بسنده عن محمد، قال: تمخّط أبو هريرة وعليه ثوب من كتان ممشّق فتمخّط فيه فقال: بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني أخرّ فيما بين منبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وحجرة عائشة، يجيىء الجائي يرى أن بي جنوناً وما بي إلاّ الجوع، ولقد رأيتني وأنّي لاَجير لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أسوق بهم إذا ارتحلوا وأخدمهم إذا نزلوا، فقالت يوماً: لتردنّه حافياً ولتركبنّه قائماً، قال: فزوجنيها اللّه بعد ذلك فقلت لها:لتردنّه حافية ولتركبنّه قائمة!.

عُدّ أبو هريرة من المتوسطين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» إحدى وخمسين فتوى. وجمع الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي جزءاً سمّي «فتاوى أبي هريرة» (1)

قال الذهبي في سيره: وكان أبو هريرة يجهر في صلاتـه بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم».

وقال: خالـف ـ أي أبو هريرة ـ ابن عبـاس في عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها حيث حكم ابن عباس بأبعد الاَجلين، وحكم هو بوضع الحمل.

وجاء عن أبي هريرة أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة.

توفّي أبو هريرة سنة تسع وخمسين بقصره بالعقيق وحُمل إلى المدينة ودُفن بالبقيع وصلّـى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان يومئذ أميراً على المدينة.


1. الاَعلام للزركلي: 3|308.

(43)

3
أُبي بن كعب (1)
( ... ـ 30 هـ )

ابن قيس بن عُبيد الخزرجي النجّاري الاَنصاري، أبو المنذر.

شهد العقبة مع السبعين من الاَنصار، وشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان يكتب في الجاهلية، ولما أسلم كان من كتّاب الوحي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل.


* : الطبقات الكبرى لابن سعد 3|498 و 502، التاريخ الكبير 2|39، سنن ابن ماجة 1|185، المعارف 149، المعرفة والتاريخ 1|482، تاريخ اليعقوبي 2|138، سنن الترمذي 1|18، الجرح والتعديل 2|290، الثقات لابن حبان 3|5، مشاهير علماء الاَمصار 31 برقم 31، المستدرك للحاكم 3|302، حلية الاَولياء 1|250، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 65 برقم 44، الخلاف للطوسي 1|124، رجال الطوسي 4، الاستيعاب (ذيل الاِصابة) 1|28، طبقات الفقهاء للشيرازي 44، أسد الغابة 1|49، تهذيب الاَسماء واللغات 1|108، رجال ابن داود 35، رجال العلاّمة الحلي 22، تهذيب الكمال 2|262، سير أعلام النبلاء 1|389، العبر للذهبي 1|17 و 20، تذكرة الحفّاظ 1|16، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة (19)|191، الوافي بالوفيات 6|190، مرآة الجنان 1|75، البداية والنهاية 7|99، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|31، تقريب التهذيب 1|48، تهذيب التهذيب 1|187، طبقات الحفّاظ 14، شذرات الذهب 1|32، الدرجات الرفيعة 323، ذخائر المواريث 1|9 و 10، تنقيح المقال 1|44، تأسيس الشيعة 341، 323، أعيان الشيعة 2|455، معجم رجال الحديث 1|364 برقم 374.

(44)

عُدّ في فقهاء الصحابة، وفي الطبقة الا َُولى من المفسّـرين، وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو أوّل من ألّف في فضائل القرآن.

رُوي أنّ عثمان لما أراد أن يكتب المصاحف، أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة "والذين يكنزون الذهب والفضة ...(1)" فقال لهم أُبيّ: لتلحقنّها أو لاَضعنَّ سيفي على عاتقي. فألحقوها.

وقد عَدّ بعضهم أُبيّاً من الشيعة، ومن القائلين بتفضيل علي - عليه السّلام- . وكان قد حذّر المسلمين بعد وفاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من الفرقة، والاختلاف.

قال ابن أبي الحديد: إنّ القول بتفضيل علي - عليه السّلام- قول قديم، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين. وعدّ من الصحابة أُبيّ بن كعب.

روى أبو نعيم بسنده عن عتي بن ضمرة، قال: قال أُبيّ بن كعب: كنّا مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ووجوهنا واحدة، حتى فارقَنا فاختلفت وجوهنا يميناً وشمالاً.

وعن قيس بن عُباد، قال: قدمت المدينة ... فسمعته [أي أُبيّ] يقول: هلك أهل العقد وربّ الكعبة. قالها ثلاثاً. هلكوا وأهلكوا، أما إنّي لا آسى عليهم، ولكنّي آسى على مَن يهلكون من المسلمين. وفي رواية: هلك أهل العقدة وربّ الكعبة، ثمّ قال: لا آسى عليهم ـ ثلاث مرار ـ أمّا واللّه ما عليهم آسى، ولكن آسى على مَنْ أَضلّوا.

حدّث عنه بنوه محمد والطفيل وعبد اللّه، وأبو أيوب الاَنصاري، وعمر بن الخطاب، وأنس،وجُندب بن عبد اللّه البجلي، وسليمان بن صرد الخزاعي، وغيرهم.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» ثماني فتاوى.

توفّي سنة ثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل غير ذلك.


1. التوبة: 34 .

(45)

4

أسماء بنت أبي بكر (1)

( 27 ق. هـ ـ 73 هـ)

ابن أبي قحافة، أُمّ عبد اللّه، زوج الزبير بن العوام، وأُمّ عبد اللّه بن الزبير .

أسلمت قديماً بمكة وبايعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهاجرت إلى المدينة.

وكانت أسنّ من عائشة، وهي أُختها لاَبيها.

ذُكر أنّها شهدت اليرموك مع زوجها. ثمّ طلّقها الزبير فكانت عند ابنها عبد اللّه.

روت عدة أحاديث.

روى عنها ابناها: عبد اللّه وعروة، وأبو واقد الليثي، وفاطمة بنت المنذر بن


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 8|252، المحبّر 22و 54، المستدرك للحاكم 4|64، حلية الاَولياء 2|55، جمهرة أنساب العرب 122، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 93 برقم 95، الاِحكام في أُصول الاَحكام لابن حزم 2|88، السنن الكبرى 1|331، الاستيعاب 4|228 ذيل الاصابة، المغني والشرح الكبير 1|345، أسد الغابة 5|392، سير أعلام النبلاء 2|287، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 73هـ)|353، العبر للذهبي 1|60، الوافي بالوفيات 9|57، مرآة الجنان 1|151، البداية والنهاية 8|351، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 4|224، تهذيب التهذيب 12|397، تقريب التهذيب 2|589، كنز العمال 13|627، شذرات الذهب 1|80، موسوعة حياة الصحابيات 15.

(46)

الزبير، ومحمّد بن المنكدر، وآخرون.

وكانت فصيحة تقول الشعر.

عُدّت من المقلّين في الفتيا، ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» ثلاث فتاوى.

أخرج مسلم في صحيحه (1)عن مسلم القُرّي قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخّص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه أُم ابن الزبير تحدث أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رخّص فيها فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخّص رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيها.

أخرجه بهذا اللفظ من طريقين، ثمّ قال: فأمّا عبد الرحمن ففي حديثه (المتعة) ولم يقل (متعة الحج)، وأمّا ابن جعفر فقال: قال شعبة: قال مسلم (يعني القري) لا أدري متعة الحج أو متعة النساء.

أمّا أبو داود الطيالسي (ت 204) فقد أخرج في «مسنده» ص 227 عن مسلم القري قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت فعلناها على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

طال عمر أسماء وعميت وبقيت إلى أن قُتل ابنها عبد اللّه، ثمّ ماتت بعده بأيام يسيرة سنة ثلاث وسبعين. وقد ذكر الموَرخون خبرها مع الحجاج الثقفي بعد مقتل ابنها.


1. شرح صحيح مسلم للنووي: 8|473 برقم (1238) باب في متعة الحج.

(47)

5

أُسَيْد بن حُضَيْر (1)

( ... ـ 20 ، 21 هـ)

ابن سماك الاَنصاري الاَوسي الاَشهلي، قيل في كنيته ستة أقوال أشهرها أبو يحيى.

أسلم على يد مصعب بن عمير العَبْدريّ بالمدينة، وكان مصعب قد قدم المدينة قبل السبعين أصحاب العقبة الثانية.

شهد أسيد العقبة الثانية، وكان أحد النقباء الاثني عشر.

وقيل: كان إسلامه بعد العقبة الثانية.

شهد أُحداً وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ولم يشهد بدراً، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب فيما ذكره الواقدي.

ولما توفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اختلف بعض المهاجرين والاَنصار


* : الموطأ 501، الا َُم 4|15، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|603، التاريخ الكبير 2|47، سنن النسائي 7|33، الجرح والتعديل 2|310، مشاهير علماء الاَمصار 33 برقم 36، الثقات لابن حبان 3|6 ـ7، المستدرك للحاكم 3|287، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 96 برقم 103، رجال الطوسي 4، الاستيعاب 1|32 (ذيل الاصابة)، المنتظم 4|296، أسد الغابة 1|92، رجال العلاّمة الحلي 23، سير أعلام النبلاء 1|340، العبر للذهبي 1|18، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 206، الوافي بالوفيات 9|258، مرآة الجنان 1|76، البداية والنهاية 7|104، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 1|64، تهذيب التهذيب 1|347، تقريب التهذيب 1|78، كنز العمال 13|277، شذرات الذهب 1|31، جامع الرواة 1|106، ذخائر المواريث 1|17، تنقيح المقال 1|148 برقم 971.

(48)

في أمر الخلافة حين اجتمعوا في السقيفة وجرت بينهما أُمور، ثم قام عمر وأبو عبيدة فبايعا أبا بكر، ثمّ بايعه أيضاً بشير بن سعد الخزرجي.

ولما رأت الاَوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حُضير : واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم (1)

وكان لاَُسيد في تلك البيعة أثر عظيم، فكان أبو بكر يكرمه ولا يقدّم عليه أحداً من الاَنصار .

وفي سيرة ابن هشام 4|306: قال ابن إسحاق: ولما قُبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) انحاز هذا الحيّ من الاَنصار إلى سعد بن عبادة ... واعتزل عليّ (2)... وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الاشهل.

روى أسيد عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: كعب بن مالك، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم.

وعُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

رُوي أنّه كان يوَمّ قومه فاشتكى، فصلّـى بهم قاعداً فصلّوا وراءه قعوداً.

توفّي سنة عشرين، وقيل: احدى وعشرين، وحمل عمر بن الخطاب السرير حتى وضعه بالبقيع وصلّى عليه.


1. انظر تاريخ الطبري: 2|458 حوادث سنة 11.
2. لم يشهد الاِمام علي - عليه السّلام- السقيفة إذ كان دائباً في جهاز رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . فقالت الاَنصار أو بعض الاَنصار لا نبايع إلاّ علياً. قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ فبايعوه. انظر الكامل لابن الاَثير: 2|325 و 331 حديث السقيفة وخلافة أبي بكر.

(49)

6

أنس بن مالك (1)

( 10 ق هـ ـ 93، 91هـ)

ابن النضر بن ضمضم الاَنصاري الخزرجي، أبو حمزة، خادم رسول اللّه ص وصاحبه، وقد غزا معه غير مرّة.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأبي ذر ، وفاطمة الزهراء «عليها السّلام»، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي بكر، وسلمان الفارسي، وعمر بن الخطاب، وأمه أم سُليم بنت مِلحان، وآخرين.


*: الموطأ 29 برقم 55، الطبقات الكبرى لابن سعد 7|20، المحبر 31 و 344، التاريخ الكبير 2|27، صحيح البخاري 1|173، صحيح مسلم 5|126، سنن ابن ماجة 1|329، المعارف 174، سنن أبي داود 1|177، سنن الترمذي 2|153، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 54 برقم 25، الجرح والتعديل 2|286، اختيار معرفة الرجال 45، الثقات لابن حبان 3|4، مشاهير علماء الاَمصار 65 برقم 215، المستدرك للحاكم 3|573، السنن الكبرى للبيهقي 2|105، الخلاف للطوسي 1|122، رجال الطوسي 3، الاستيعاب 1|44، طبقات الفقهاء للشيرازي 51، المنتظم 6|303، أُسد الغابة 1|127، تهذيب الاَسماء واللغات 1|127، الرجال لابن داود 53، تهذيب الكمال 3|353، سير أعلام النبلاء 3|395، تذكرة الحفّاظ 1|44، العبر للذهبي 1|80، تاريخ الاِسلام للذهبي(سنة 393 هـ) 257، الوافي بالوفيـات 9|411، مرآة الجنان 1|182، البداية والنهاية 9|94، غاية النهاية 1|172 برقم 803، النجوم الزاهرة 1|224، الاصابة 1|84، تهذيب التهذيب 1|376، تقريب التهذيب 1|84، كنز العمال 13|286، شذرات الذهب 1|100، جامع الرواة 1|109، ذخائر المواريث 1|51 برقم 436، تنقيح المقال 1|154 برقم 1072، أعيان الشيعة 3|502، معجم رجال الحديث 3|239 برقم 1558.



(50)

روى عنه: ثابت البُناني، والحسن البصري، وسالم بن أبي الجَعد، والاَعمش، ومحمّد بن سيرين، وخلق كثير.

ومسنده ألفان ومائتان وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مئة وثمانين حديثاً.

وهو ممن كتم شهادته بحديث الغدير في علي - عليه السّلام- ، فدعا - عليه السّلام- عليه فابتلي بالبرص (1)

جاء في سير الاَعلام: قال يحيى بن سعيد الاَنصاري عن أُمّه: أنّها رأت أنساً متخلقاً بخلوق، وكان به برص، وعن أبي جعفر [الباقر ] - عليه السّلام- : كان أنس ابن مالك أبرص وبه وضح شديد.

وقال ابن قتيبة في معارفه: كان بوجهه برص. وذكر قوم: أنّ علياً ـ رضي اللّه عنه ـ سأله عن قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، فقال: كبرت سنّي ونسيت. فقال عليّ: إن كنت كاذباً فضربك اللّه ببيضاء لا تواريها


1. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت علياً ـ بالرحبة ـ ينشد الناس: من سمع رسول اللّه ص يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه يقول ... تاريخ بغداد للخطيب: ح14|236 ترجمة يحيى بن محمد الاَخباري . وأخرج الحاكم حديث الغدير عن زيد بن أرقم، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. المستدرك: 3|533 .

وأخرج البيهقي في مجمع الزوائد: 9|106 عن أحمد، والطبراني في الكبير ووثق رجاله ... عن زيد بن أرقم، قال: نشد عليٌّ الناس، فقال: أنشد اللّه رجلاً سمع النبي ص يقول: من كنت مولاه ... فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا بذلك، وكنتُ فيمن كتم، فذهب بصري. وفي رواية عنده: وكان عليٌّ دعا على من كتم. الغدير: 1|169 .

استنشدهم - عليه السّلام- بحديث الغدير بالرحبة في الكوفة في أيام خلافته.


(51)

العمامة (1). فكان أنس يقول: لا أكتم حديثاً سُئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة.

وكان أنس في مجلس ابن زياد في قصر الامارة بعد قتل الحسين - عليه السّلام- حين أذن للناس إذناً عاماً وأمر بإحضار رأس الحسين - عليه السّلام- ، وجعل يضرب ثناياه بالقضيب، فبكى أنس، وقال: كان أشبههم برسول اللّه.

وكان الحجاج الثقفي قد ختم في عنق أنس: هذا عتيق الحجاج! حتى ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان فيه.

قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف ممّا كان عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأصحابه إلاّ هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية: وهذه الصلاة قد ضيعت.

قال ابن كثير: يعني ما كان يفعله خلفاء بني أُميّة من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسّع.

ولاَنس في «الخلاف» 24 فتوى منها: الفرض في الطهارة الصغرى المسح على الرجلين، وروي عن جماعة من الصحابة وأنس القول بالمسح.

توفّي بقصره بالطف (على فرسخين من البصرة) في سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وتسعين، وقيل: سنة تسعين. وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.


1. قال العلاّمة الاَميني في غديره: 1|192: هذا نص ابن قتيبة في الكتاب، وهو الذي اعتمد عليه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 4|388 ... لكن اليد الاَمينة ... دسّت في الكتاب ما ليس منه، فزادت بعد هذه القصة ما لفظه: قال أبو محمد: ليس لهذا أصل. ذهولاً عن أنّ سياق الكتاب يُعرب عن هذه الجناية، ويأبى هذه الزيادة، إذ الموَلف يذكر فيه مصاديق كل موضوع ما هو المسلّم عنده، ولا يوجد من أوّل الكتاب إلى آخره حكمٌ في موضوع بنفي شيء من مصاديقه إلاّ هذه .

(52)

7

البَراء بن عازب (1)

( 10 ، 12 ق. هـ ـ 72 ، 71 هـ)

ابن الحارث الاَنصاري الحارثي، أبو عمارة ، وقيل: أبو الطفيل.

ردّه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم بدر استصغره، وأوّل مشاهده أُحد وقيل الخندق. وشهد غزوات كثيرة مع النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ثمّ نزل الكوفة بعده.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حديثاً كثيراً.

روى عنه: أبو جُحيفة السُّوائي، وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأبو عمر زاذان، وآخرون.

شهد فتح تسْتَـر، وهو الذي افتتح الرّي سنة أربع وعشرين في قول أبي عمرو الشيباني (2)


*: الا َُم 1|167، الطبقات الكبرى لابن سعد 4|364 و 166، التاريخ الكبير 2|117، المعارف 184، الجرح والتعديل 2|399، اختيار معرفة الرجال 44 و 45، مشاهير علماء الاَمصار 76 برقم 272، الثقات لابن حبّان 3|26، المعجم الكبير للطبراني 1|341، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 79 برقم 70، جمهرة أنساب العرب 1|34، الخلاف للطوسي 1|470، رجال الطوسي 8 و 35، تاريخ بغداد 1|177، الاستيعاب 1|143 (ذيل الاصابة)، المغني 1|167، أُسد الغابة 1|171، تهذيب الاَسماء واللغات 1|132، رجال ابن داود 54، رجال العلاّمة الحلي 24، تهذيب الكمال 4|34، سير أعـلام النبلاء 3|194 و 166، تـاريـخ الاِسلام للذهبي (سنة 71هـ) 300، العبر للذهبي 1|58، الوافي بالوفيات 10|104، مرآة الجنان 1|145، الجواهر المضيئة 2|425، تهذيب التهذيب 1|425، الاصابة 1|146، شذرات الذهب 1|77، تنقيح المقال 1|161، أعيان الشيعة 3|550، معجم رجال الحديث 3|275 برقم 1653.

. وقيل افتتحها حذيفة سنة 22 هـ ، وقيل افتتحها قَرَظة بن كعب الاَنصاري.


(53)

عُدّ من أصحاب الاِمام عليّ - عليه السّلام- ، وشهد معه حروبه، الجمل وصفّين والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب.

وهو أحد رواة حديث غدير خم (1)من الصحابة، رواه عنه غير واحد من التابعين مفصّلاً (2)

قال الخطيب البغدداي: وكان رسولَ عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة، ثمّ روى بسنده عن أبي الجهم قال: بعث عليُّ البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلمّـا أبوا سار إليهم.


1. روى ابن ماجة في «السنن»: 1|43 باب (11) في المقدمة، عن البراء قال: أقبلنا مع رسول اللّه ص في حجته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ فقال: «ألستُ أولى بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألست أولى بكل موَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «فهذا وليٌّ من أنا مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعاد مَن عاداه» وأخرجه أحمد بن حنبل في «المسند»: 4|281.

وحديث الغدير هذا قد شهد به القريب والبعيد، ورواه عدد كبير من الصحابة والتابعين، وأصفق علماء الفريقين على صحته وتواتره (انظر كتاب الغدير: 1|294) حتى أنّ سعد بن أبي وقاص حين غضب من معاوية ـ لمّا نال من أمير الموَمنين - عليه السّلام- ـ قال: تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّه يقول: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» و ... إلى آخر ما رواه ابن ماجة في الباب المذكور أعلاه.
2. رُوي عن طريق أهل السنّة أنّ البراء ممّن كتم الشهادة بحديث الغدير، فدعا عليه الاِمام - عليه السّلام- فعمي.

أقول: إنّ ولاء البراء لبني هاشم قديم، وهو الذي يقول ـ كما في أعيان الشيعة عن «السقيفة» للجوهري ـ: (إنّي لم أزل لبني هاشم محباً فلمّا قبض رسول اللّه ص تخوّفت أن تتمالاَ قريش على إخراج هذا الاَمر من بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه ص فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي ص في الحجرة... ) كما اتفق الرواة على أنّ البراء شهد مع أمير الموَمنين - عليه السّلام- مشاهده كلها، فلا يُعقل أن يشهدها وهو أعمى. ثم إنّه كان رسولَ الاِمام - عليه السّلام- إلى الخوارج بالنهروان ـ كما في رواية الخطيب ـ فبهذه القرائن وغيرها ولعدم الوثوق بسند رواية الكتمان والدعاء ـ كما قيل ـ يُستبعد أن يكون البراء ممن كتم الشهادة.


(54)

ذكره أبو إسحاق الشيرازي فيمن نُقل عنه الفقه من الصحابة (1) وعُدّ من المقلّين في الفتيا.

رُوي عن البراء أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سئل: ماذا يتقى من الضحايا، فأشار بيده وقال أربعـاً ـ وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ـ: العرجاء البيّن ظَلعها، والعوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البيِّن مرضُها ، والعجفاء التي لا تُنقي (2)

وعنه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: أيّما إمام سها فصلّى بالقوم وهو جنب فقد تمت صلاتهم ثم ليغتسل هو ثم ليعد صلاته فان كان بغير وضوء فمثل ذلك.

وعنه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صلّى يوم الاَضحى بغير أذان ولا إقامة.

توفّي البراء بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وقيل احدى وسبعين.


1. طبقات الفقهاء: 52.
2. السنن الكبرى: للبيهقي: 9|273 ـ 274. و «الظَّلَع» العرج والغمز. و (عجف) من باب تعب ضعف و (لا تُنقي) من أُنقي إذا صار ذا نِقي، والمعنى التي ما بقي لها مخ في عظامها من غاية العجف.

Website Security Test