welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : موسوعة طبقات الفقهاء/ج1*
نویسنده :اللجنة العلمية فى مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)*

موسوعة طبقات الفقهاء/ج1

موسعة
طبقات الفقهاء

الجزء الأوّل

في أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين

تأليف

اللجنة العلمية فى مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

إشراف

العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني


(ب)

بسم الله الرحمن الرحيم


(ت)

   (وَمَا كَانَ الْمؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

(التوبة ـ 122)

الاِمام الثالث


(ج)

تاريخ الفقه الإسلامي
و
طبقات الفقهاء

بقلم : جعفر السبحاني

الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة تعني الإيمان باللّه وصفاته وأفعاله والتي تدور عليها رحى الإيمان والكفر، والمطلوب فيها هو الإذعان.

والشريعة هي ـ حسب اللغـة ـ المـورد الذي يُقصد منـه الماء للشرب، واستعيرت للطريقة الالهية فكما انّ الماء سبيل لحياة الأبدان، كذلك مورد الدين سبيلٌ لحياة النفوس وريّ العقول، قال سبحانه: (لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً) (المائدة/48) وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَة مِنَ الأَمْرِفَاتَّبِعها) (الجاثية/8).

وفي التعبير عن الطريقة الالهية بالشريعة إشارة واضحة إلى أنّ جوهر الدين والأحكام شيء واحد بلّغها رسلُه إلى عباده، والاختلاف إنّما هو في المورد، فكلّ أُمّة ترد المورد العذب فانّها تُشْفي به غليلها، وتُحيي به نفوسها وتروي به عقولها بقدر ما عندها من الاستعداد والقابلية، فصارت الشرائع السماوية فيضاً جارياً منه


(ح)

سبحانـه على مرّ العصور حتى آلت إلى شريعـة استجمعت كلّ عناصر الخلود، ألا وهي شريعة الإسلام، قال سبحانه:(شَرََعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بهِ نُوحاً وَالّذي أَوحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصّينا به إِبراهيمَ وَمُوسى وَعيسى أَن اقيمُوا الدّين (1) وَلاتَتفَرّقُوا فيه كبرُ على المشركين ما تَدْعُوهُمْ إِليه) (الشورى/13).

***

و إذا كان الإسلام عقيدة وشريعة فقد أخذ المتكلّمون على عاتقهم خدمة العقيدة بما بذلوه من الجهود الحثيثة في صيانتها عن التحريف والزيغ والزلل، كما أخذ الفقهاء الكبار على ذِمّتهم حفظ الشريعة بدراسة الكتاب والسنة واستنطاقهما للاجابة على الحوادث التالدة والمستجدَّة حتى أغنَوا الأُمّة الإسلاميةَ عن التطفُّل على موائد الآخرين، وأثبتوا أنّ الفقه الإسلامي ذو مادة حيوية تفي بمتطلبات الأُمّة إلى يوم القيامة.

ولقد كان للجهود المكرَّسة من قِبَلِ الفقهاء الافذاذ، والعلماء الجهابذة صدى كبيرٌ على الصعيد الفقهي، حيث ساهمتْ تلك الجهود في دفع عَجَلة الفقه نحوَ الأمام وارتقائه إلى المنزلة التي هو عليها، ومواصلة الحركة في سبيل التوسعة والتكامل.

وقد حفل تاريخ الفقه الإسلامي بموسوعات ضخمة ومؤلفات عظيمة، زخرت بتراجمهم وسِيَرهم لتخليد ذكراهم وتثمين خدماتهم التي قدّموها إلى الشريعة الحنيفة، وقام بها غير واحد من مؤرخي الفقهاء حسب ما اتيح لهم من المنابع والمصادر، وكان لها أثر إيجابي في تاريخ الفقه.


1- قوله سبحانه:" أَنْ أَقِيمُوا الدّين " بيان للموصول في" ما وصّى" .


(خ)

فأُلّفت في طبقات الشافعية من الفقهاء وغيرهم الكتب التالية:

1. طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي(476هـ).

2. طبقات الشافعية للقاضي ابن شهبة(ت/851هـ)

كما أُلفت في تراجم الحنابلة الأسفار التالية:

1. طبقات الحنابلة للقاضي ابن أبي يعلى الفراء (ت/526).

2. الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (ت/795).

3. المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لمجير الدين عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان العليمي (860 ـ 928).

كما أُلفت في تراجم المالكية الكتب التالية:

1. ترتيب المدارك للقاضي عياض (ت/544).

2. شجرة النور الزكية لمحمد بن محمد مخلوف (ت/1355).

3. الديباج المذهّب في معرفة أعيان المذهب لبرهان الدين ابن فرحون المالكي (ت/779).

كما ألفت في تراجم الحنفية:

1. الجواهر المضيئة لابن أبي الوفاء (ت/775).

2. الفوائد البهية في تراجم الحنفية لمحمد اللكنهوي الهندي (ت/1293).

هذا بعض ما ألف في تراجم أعيان المذاهب الأربعة وحيث إنّ المذاهب الفقهيّة أوسع من المذاهب الأربعة فهناك مذاهب فقهية أُخرى كالإمامية والزيدية.


(د)

فقد ألف غير واحد من الإمامية والزيديّة كتباً ورسائل في تراجم علمائهم وبينوا طبقاتهم بصورة مسهبة.

و نرى ذلك الاهتمام من مؤرخي الشيعة الإمامية، فقد ألفوا في ذلك المضمار كتباً ورسائل وموسوعات أشهرها:

1. الفهرست لأبي العباس النجاشي (372ـ450).

2. الرجال لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي (385ـ460).

3. الفهرست له ـ قدّس اللّه سرّه ـ.

4. الطبقات للبرقي من أعلام القرن الرابع.

5. الرجال لأبي عمرو الكشي من أعلام القرن الرابع.

6. معالم العلماء لابن شهر آشوب (488ـ 588).

7. الفهرست لمنتجب الدين الرازي(ت بعد /585).

وغيرها من الكتب والموسوعات التي يقف عليها الباحث في المكتبة الإسلامية والعربية كما وأُلفت في عصرنا هذا موسوعتان في طبقات الشيعة نذكرهما على الوجه التالي:

1. طبقات الفقهاء لأُستاذنا المحقّق السيد حسين البروجردي (1292ـ 1380).

2. طبقات الشيعة لشيخنا المجيز آغا بزرگ الطهراني (1293ـ 1389) مؤلف كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة في 25 جزءاً.


(ذ)

وللزيدية طبقات فقهاء نذكر منها على سبيل المثال:

1. تراجم الرجال للشيخ أحمد بن عبد اللّه الجنداري.

2. الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية، لحسام الدين حميد بن أحمد المحلى.

غير انّ الذي يمكن أن نقوله هو: انّ تلك الموسوعات الضخمة التي صُنفت في التراجم اقتصرت كلّ طائفة منها على سرد أسماء فقهاء نحل معينة دون أن تتعداها إلى بقية النحل، مع انّ جلّ الفقهاء من مختلف النحل هم حماة الشريعة .

و لما لم نعثر على كتاب ينظر إلى الفقهاء العظام بنظرة شمولية عامة، خامرتني فكرة تأليف كتاب في هذا المضمار يضم سيرة وحياة أكثر الفقهاء من عامة الطوائف، حتى أقوم بجزء من الواجب تجاه خدماتهم، ولما كان المشروع ضخماً وكبيراً، لذلك فقد ساورتني فكرة تشكيل لجنة تتصدى لهذا الموضوع.

وقد استغرق هذا الأمر جلّ اهتمامي حتى أُتيحت لي فرصة تشكيل لجنة عِلمية تضم كافة الاختصاصات لتنفيذ هذا المشروع، وكانت حصيلة جهودهم المباركة هذه الموسوعة التي يزفّها الطبع إلى القراء الكرام.

***

معايير الفقاهة:

لما كانت الغاية من تأليف هذه الموسوعة هي الوقوف على سيرة الفقهاء وتراجمهم منذ رحيل الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يومنا هذا، لذا اقتضت الحاجة تعيين وبيان معايير للفقاهة ليتم على ضوئها فرز الفقيه عن غيره.


(ر)

وقد درستِ اللجنةُ الموضوع دراسةً عميقةً، وكان حصيلتها انّ المعيار المتَّخذ في هذا المجـال هو أحـد الأُمور العشرة التالية، فمن توفر فيه أحدها أو أكثرها عُدّ فقيهاً، وجاءت ترجمته في الموسوعة، وتلك الأُمور هي عبارة عن :

1. أن يكون له تأليف في الفقه أو شرح لكتاب فقهي أو تعليقة عليه أو ما أشبه ذلك.

2. إذا تولّى منصباً فقهياً كالافتاء أو القضاء أو التدريس.

3. إذا نُقِلت فتاواه في الكُتب الفقهية وإن لم نقف على كتاب له.

4. إذا صرَّح المؤرخون وأهل السِيَر بفقاهته.

5. إذا نُقِلَت عنه رواياتٌ فقهيةٌ في مختلف الأبواب خاصة إذا كان بصورة الاستفسار ، والاستفتاء.

6. إذا قام بتفسير القرآن الكريم أو خصوص آيات الأحكام بشكل يعرب عن فقاهته.

7. إذا وصفه الأعلام بكونه جامعاً للعلوم والفنون.

8. إذا قام بجمع وتدوين روايات فقهية، بتبويب خاص.

9. إذا أُجيز من قِبَل الاعلام المجتهدين وصرح أُولئك الأعلام بفقاهته واجتهاده.

10. إذا وُصف بكلمات معربة عن إلمامه بالفقه والاشتغال به.

وقد جعلت اللجنة تلك المعايير نصب عينها لفرز الفقهاء عن غيرهم، وقد واجهت منذ البداية صعوبات جمةً في تأليف الموسوعة أهمها أنّ الركب الفقهي لم يزل سائراً نحو الأمام عند الشيعة منذ رحيل الرسول وحتى يومنا هذا، وإن توالت عليه اخفاقات ونجاحات ولكن الطابَع العام الذي تميز به هو تطوره


(ز)

وارتقاؤه في مدارج الصعود.

وأمّا الركب الفقهي عند أهل السنة فقد كان نَشِطاً ودؤوبا في سيره نحو الأمام إلى أواسط القرن السابع حتى انتابه الجمود والركود نتيجة اغلاق باب الاجتهاد وساد على أثرها الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الأفكار عن تلمّس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام إلى الحفظ الجاف، والاكتفاء بتقبّل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة ، وأُلزِمَ الفقهاء على اتباع أحد المذاهب الأربعة فقط وإن يروا الحقَ على خلافه، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان في القرون السابقة وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معيَّن من رجال مذهبه فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان مريدُالفقه يدرس القرآن والسنة وأُصول الشرع ومقاصده.

وقد أصبحت المؤلفات الفقهية ـ إلاّالقليل ـ بعد اغلاق باب الاجتهـاد اختصاراً لما وُجِد من المؤلفات السابقة أو شرحاً له فانحصر العملُ الفقهي في ترديد ما سَبَق، ودراسة الألفاظ وحفظها كما صرح بذلك الأُستاذ مصطفى الزرقا أحمد.

فإذا كان حال الفقه والفقهاء بعد منتصَف القَرن السابع على ما وَصَفه ذلك المحقّق لم تجد اللجنةُ محيصاً من اتباع أُسلوب آخر في معرفة الفقهاء في تلك الفترة الزمانية وهو الاقتصار على المشهورين من الفقهاء والأُصوليّين الذين لهم كتب قيمة في الفقه ، أو اشتهروا بالفقاهة، وهذه الثلة وإن كانت قليلةً إلاّ أنّها تركت بصمات واضحة على الصعيد الفقهي.

قال المقريزي: استمرت ولاية الفقهاء الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهبٌ يُعرفُ من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة


1- مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام:1/186.


(س)

وعُودي من تمذهب بغيرها، وأُنكر عليه ولم يُوَلّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلِّداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب إتباع هذه المذاهب، وتحريم ما عداها وا لعمل على هذا إلى اليوم.

***

الحاجة إلى معرفة طبقات الفقهاء:

انّ الحاجة من وراء تدوين هذه الموسوعة عبارة من الأُمور التالية:

أوّلاً: انّ الفقه الإسلامي ذو وحدة مترابطة من عصر الرسول إلى يومنا هذا، بمعنى انّ المسلمين حفظوا ذلك التراث واستثمروه.

ثانياً: الوقوف على سيرة الفقهاء العظام، والعلماء الجهابذة عبْر التاريخ لغاية الاطلاع على جهودهم التي بذلوها في سبيل إرساء هذا الصرح الشامخ.

ثالثاً: تمييز الفقيه عن المتفقه الذي صنعته أيدي السياسة وعدّته من الفقهاء وهو ليس بفقيه.

رابعاً: انّ استعراض سيرتهم والنشاط الذي قاموا به في إبداء بعض القواعد والمسائل الفقهية، يؤدِّى إلى الوقوف على جذور الكثير من المسائل والقواعد ، والاستعانة بها على فهم تلك المسائل عن كَثب.

خامساً: الوقوف من خلال تراجمهم على مكانتهم ومدى نبوغهم في الفقه، وبذلك يستقطب الفقيه ثقة الفقيه الآخر بفكره وفقهه.

هذه الفوائد ترتجى من دراسة طبقات الفقهاء بشكل عام، كما وأنّ الذي


1- الخطط: 2/333، الحوادث الجامعة، ص 216.


(ش)

دعى المشرفَ واللجنة إلى القيام بهذا العمل وراء تلك الفوائد أُمور :

أوّلاً: الحاجة الماسة إلى مثل هذا التأليف، ولم يكن هناك ما يقوم مقامه.

ثانياً: تقريب الخُطى بين المسلمين، وارائة جهود جميع الفقهاء دون فرق بين السني والشيعي لانّ الجميع خدموا الدين الحنيف شكر اللّه مساعيهم.

ثالثاً: إزالة الأخطاء المتفشية من قِبَلِ الكُتّاب المعاصرين حول تاريخ الفقه الشيعي وفقهائهم ونذكر شيئاً ليكون نموذجاً لما لم نذكر:

ذكر الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه «الفقه الإسلامي وأدلّته» انّ مؤسس فقه الشيعة الإمامية هو محمد بن حسن بن فروخ الصفار القمي المتوفى عام 290 وأنّه المؤسس الحقيقي له في كتابه «بشائر الدرجات في علوم آل محمد».

وقد تقدمه أوّل كتاب للإمامية في الفقه لموسى الكاظم (عليه السّلام) كتبه إجابة عن مسائل وُجِّهت إليه تحت اسم الحلال والحرام.

ثمّ كتب ابنه علي الرضا (عليه السّلام) كتاب فقه الرضا.

ثمّ جاء بعد ابن فروخ الاعرج، محمد بن يعقوب الكليني فألف كتابه الكافي في علم الدين.

و هذه الكتب الأربعة الأساسية للشيعة....

هذا كلامه ولو أردنا أن نعقب عليه مفصّلاً لأحوجنا إلى مقال مسهب والمجال لا يسع لذلك، بل نشير إلى شيء قليل في كلامه:

1. انّ فقه الشيعة كأُصولها يرجع إلى عصر الرسول وما تلاه من عصر الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) وأولاده المعصومين (عليهم السّلام) خاصة الإمامين الصادق والباقر (عليهما السلام) اللّذين شيّدا معالم هذا المذهب على صعيدي العقيدة


1- الدكتور و هبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدّلته:1/43.


(ص)

والشريعة وقد تربى في احضانهما العديد من المتكلمين والفقهاء والمجتهدين قبل ابن فروخ بسنين متمادية، وقد أُلف في عصرهما كتب كثيرة في كافة المجالات.

2. انّ ما ألفه الشيخ الأقدم محمد بن الحسن الصفار هو «بصائر الدرجات» لابشائر الدرجات و هو ليس كتاباً فقهياً كما ادّعاه بل هو كتاب روائي ، ينقل أحاديث أئمّة أهل البيت بأسانيد مستقلة تنتهي إليهم في مختلف الأبواب.

3. انّ كتاب الحلال والحرام إنّما هو لعبد اللّه بن سنان الراوي عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السّلام) و هو يستعرض جميع الأبواب سوى الصلاة.

كما انّ لعبد اللّه بن مسكان كتاباً بهذا الاسم أيضاً ويروي عن الإمام الكاظم (عليه السّلام) (2).

4. انّ فقه الرضا ليس كتاباً للإمام الرضا (عليه السّلام) و إنّما هو لفقيه من فقهاء الشيعة والأغلب انّه نفس كتاب الشرائع لعلي بن بابويه(ت329).

5. انّ الكتب الأربعة للشيعة عبارة عن:

أ. «الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني (ت329).

ب. «من لا يحضره الفقيه» تأليف محمد بن علي بن بابويه الصدوق (ت381).

ج. «تهذيب الأحكام» تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت460).

د. «الاستبصار فيما اختلف فيه الأخبار» له أيضاً (قدس سره) .

هذا بعض ما يمكن أن يقال فيما ذكره الكاتب عن فقه الشيعة ومؤسسه فإذا كان هذا حال مؤلفنا الدكتور وهبة الزحيلي و هو ممن له صلة وثيقة بالأوساط


1- الطهراني: الذريعة:3/125.

2- الطهراني: الذريعة:7/61.


(ض)

العلمية في داخل سوريا وخارجها فكيف حال غيره ممن هو بعيد عن هذه الأجواء.

و أمّا بالنسبة إلى فهارس الموسوعة فستوافيك فهارس كلّ جزء في آخره ولكننا نوقف القارئ على وجه الإجمال على أنّ الجزء الأوّل يحتوي على تراجم الصحابة والتابعين الذين أخذت عنهم الفتيا ورُويت عنهم أحاديث الأحكام، والجزء الثاني: على فقهاء القرن الثاني، وهكذا خصصنا لفقهاء كلّ قرن جزءاً مستقلاً.

هذا ويوصف الصحابة والتابعين بـ «أصحاب الفتيا» وأمّا غيرهم بـ «الفقهاء»، وقد تابعنا في هذا الاصطلاح الدارج في الكتب الفقهية.

ونحن وإن خصصنا لكل قرن جزءاً، وأتينا بالتراجم حسب ترتيب حروف أسمائهم، ولكن لم تفتنا الاشارة إلى طبقاتهم في نفس القرن، وذلك بتخصيص فهرس خاص للمترجمين حسب وفياتهم، اضافة إلى فهرس خاص حسب أسمائهم، وبذلك استوفينا كلتا الميزتين: سهولة المراجعة والتنظيم حسب الطبقات.

وقد ذكرنا في فهرس المترجمين حسب الحروف أيضاً من اشتُهر منهم بلقبه أو كنيته أو غير ذلك، ليسهل على القارئ الرجوع إليهم في مختلف الموارد.

أهم مميزات هذا الكتاب:

1. أوردنا المعلومات الرئيسة التي تدل على فقاهة المترجم، ومكانته العلمية، في صورة بين البسط والإيجاز.

2. إنّ عنايتنا لم تُقصر على إيراد ما يتعلق بفقاهة المترجم، من تقلّد منصب فقهي، أو تصنيف كتاب، أو غير ذلك مما ورد ذكره آنفاً في معايير الفقاهة، بل


(ط)

ذكرنا أيضاً ـ ويإيجاز ـ ضروباً من الأخبار والوقائع التاريخية التي تناسب المقام، وطُرفاً من الشعر والحكم والمواعظ.

3. أضفنا إلى كل مترجم تاريخ وفاته على وجه التحديد أو على وجه التقريب، هذا مع إمكانية ذلك، ومع العدم فإننا إضطررنا إلى تثبيت السنة التي كان فيها المترجم حياً، أو ما هو قريب منها، وقد أهملنا التاريخ في حال تعذّر الوصول إلى ذلك.

كما نبّهنا إلى جملة من أوهام المؤرخين وأصحاب المعاجم الرجالية في هذا المجال.

4. حقّقنا في الحالات التي يتماثل فيها إسما فقيهين أو يتقّاربا وناقشنا اختلاف العلماء في القول بالاتحاد أو التغاير، واخترنا ما انتهى إليه تحقيقنا مدعماً بالأدلّة والمؤيّدات.

5. أمسكنا عن ذكر الذّموم الموجّهة للمترجم، إلاّ إذا اتّفقت كلمة العلماء أو أكثرهم على ذمّه، واكتفينا بإظهار فقاهة المترجم والكشف عن آثاره العلمية وأحواله.

6. ألقينا الضوء على جمع من الفقهاء الذين جاء ذكرهم في كتب التراجم مختصراً، من خلال الاستعانة بمصادر مختلفة، فصارت لهم في كتابنا هذا تراجم وافية.

كما عمدنا إلى ترجمة عدد من الفقهاء الواقع ذكرهم في أسانيد الروايات، ولم تكن لهم في الكتب تراجم مستقلة ذات شأن.

7. التعريف ببعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم عَرَضاً، وكذلك الأماكن والبلدان والأنساب، وغير ذلك مما جاء ذكره في سياق الكتاب.


(ظ)

تنبيه مهم:

إنّ من يستقرئ القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة يجد أنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) منزلة خاصة، ومقاماً سامياً.

فهم الذين عنتهم الآية المباركة: (إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَ يُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً) (1).

وهم الذين جعلهم رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عِدلَ القرآن و الثّقل الثاني في قوله: «تركتُ فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً» (2).

وقد حثّ رسول اللّهص على الإقتداء و التمسّك بهم، و الأخذ من نمير علومهم، لأنّهم قُرناء الكتاب طهراً، و علماً و حكمة، و نوراً و خصّهمص بالعلوم والمعارف (فتميزوا بذلك عن بقية العلماء لأنّ اللّه أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراًو شرّفهم بالكرامات الباهرة،و المزايا المتكاثرة» (3).

وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) :

لا يُقاس بآل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من هذه الأُمة أحد،ولا يسوّى بهم من جَرَتْ نعمتُهم عليه أبداً. هم أساس الدين، و عماد اليقين. إليهم يفيء الغالي، و بهم يلحق التالي، و لهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة (4).


1- الأحزاب/33.

2- سنن الترمذي:5/622 كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، الحديث 3786، مسند أحمد 3/14، و 17، و ج5/182، و 189. قال ابن حجر في «الصواعق المحرقة»: ص 228: و لهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع و عشرين صحابياً.

3- ابن حجر، الصواعق المحرقة:151.

4- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/138، الخطبة 2.


(ع)

وعلى ضوء ذلك، فإنّ ما أُثر عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) من أحكام لم يكن نابعاً من اجتهادهم، و إنّما هو من كتاب اللّه و سنّة رسوله، التي علّمها رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمير المؤمنين علياً (عليه السّلام) ، و علمها عليّ أولاده.

و لما كان أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، هم المنهل الصافي الذي يرجع إليه المسلمون في أخذ الأحاديث والأحكام، فقد آثرنا أن نزيِّن موسوعتنا هذه بذكرهم، لا باعتبارهم مفتين و مجتهدين كما ذكرنا آنفاً، و إنّما لكونهم ألسنة الصدق، ومعادن العلم ، و تراجمة القرآن والسنّة.

و لما كانوا أيضاً بهذه المنزلة والمكانة المتميّزة، فقد فضّلنا تقديم تراجمهم (عليهم السّلام) على سائر تراجم الفقهاء، و ذلك وفق العصر الذي عاش فيه كل إمام.

وفي خاتمة المطاف أرفع شكري الجزيلَ وثنائي الجميلَ إلى أصحاب الفضيلة على ما تحمّلوه من العناء الطويل وبذلوه من الجهد المتواصل، لانجاح هـذا المشروع باخلاص ومثابـرة، وهـم ـ بحق ـ أعلام الفِكـر وأصحاب القلـم ونبارس العلم ومشاكيه، أعني بهم:

1. العلاّمة الحجّة السيد محمد حسين المدرسي اليزدي.

2. العلاّمة الحجّة الثبت السيد محمد كاظم المدرسي اليزدي (1).

3. العلاّمة الحجّة المتتبع السيد محمد كاظم حكيم زاده.

4. الكاتب القدير الأُستاذ حيدر محمد البغدادي (أبو أسد) (2).

5. العلاّمة الحجّة السيد أحمد الفاضلي البيارجمندي.


1- وهو ـ حفظه اللّه ـ أوّل من طرحتُ الموضوعَ عليه واستقبله برحابة صدره، وله مواقف مشكورة في تأليف هذه الموسوعة.

2- وقد بذل أقصى جهوده في التحقيق، وتحمّل عناء التتبّع والتدقيق.


(غ)

6. العلاّمة الحجّة الشيخ يحيى الصادقي المازندراني.

7. العلاّمة الحجّة الشيخ قاسم شيرزاده الآقبلاغي.

8. الفاضل الحجة محمد الشويلي.

ولا يفوتنا أن نثمن ونقدر جهود الاستاذين الجليلين:

1. العلاّمة الحجة محمد هادي به القمشه اي.

2. الاستاذ المهندس جعفـر حسـون قاسـم الساعدي.

لما بذلاه من جهود مضنية في ترتيب وتنظيم وإخراج هذه الموسوعة بهذه الحلة الأنيقة فجزاهما اللّه خير الجزاء.

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السّلام)
للدراسات والبحوث الإسلامية
تحريراً في 3 صفر المظفرعام 1418هـ
جعفر السبحاني


موسوعة

طبقات الفقهاء



(2)

أشرف على تأليف هذه الموسوعة اشرافاً عاماً :

سماحة العلاّمة المحقق الشيخ جعفر السبحاني (دام ظله)

اللجنة العلمية الّتي ساهمت في تأليف هذه الموسوعة:

السيد محمد حسين المدرسي اليزدي.

والسيد محمد كاظم المدرسي اليزدي.

والسيد محمد كاظم حكيم زاده.

والاستاذ حيدر محمد البغدادي.

والسيد أحمد الفاضلي.

والشيخ يحيى الصادقي.

والشيخ قاسم شيرزاده.

والشيخ محمد الشويلي.



(3)

القسم الاَوّل

في

أصحاب الفتيا من الصحابة

وهم ثمانون


(4)


(5)

الاِمام الاَوّل

عليّ أمير الموَمنين (1) - عليه السّلام-

(10 قبل المبعث ـ 40 هـ)

ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلـب بن هاشم، أميـر الموَمنيـن


*: المعيار والموازنة للاِسكافي، صحيح البخاري 5|22 ـ 24، باب مناقب علي - عليه السّلام- ، وقعة صفين لنصر بن مزاحم، السيرة لابن هشـام 4|190و 1|376 ـ 379، صحيح مسلم4|1870 ـ 1875، باب فضائل علي - عليه السّلام- ، الغارات لاَبي إسحاق الكوفي 261، أنساب الاَشراف للبلاذري 2|89، المعارف لابن قتيبة 117 ـ 127، تاريـخ اليعقـوبي 2|102 و 3|167 ـ 204، سنن الترمــذي 5|632 ـ 643، خصائـص النسـائي، العقد الفريد انظر الفهارس، الكافي للكليني 1|292 و 452، مروج الذهب 3|93 ـ 180، خصائص الاَئمّة للسيد الرضي، الاِفصاح في إمامة أمير الموَمنين - عليه السّلام- للمفيد، الاِرشاد للمفيد، الجمل للمفيد، المستدرك على الصحيحين 3|107 ـ 146، الفضائل لابن شاذان، النور المشتعل من كتاب ما نزل من القرآن في علي - عليه السّلام- لاَبي نعيم الاصبهاني، حلية الاَولياء 1|61 ـ 87، التفضيل للكراجكي، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، تاريخ بغداد 1|133، الاستيعاب 3|26 ـ 68، مناقب آل أبي طالب لابن المغازلي، مناقب آل أبي طالب للخوارزمي، أسنى المطالب للجوزي الشافعي، فرائد السمطين لابراهيم بن محمد الجويني الجزء الاَوّل، اليقين في امرة أمير الموَمنين - عليه السّلام- للسيد ابن طاووس، أُسد الغابة 4|16 ـ 41، ترجمة الاِمام علي في تاريخ دمشق لابن عساكر في ثلاثة أجزاء، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1|21 ـ 30، البداية والنهاية 7|333، الاصابــة 2|501 ـ 503، الفصول المهمة 29 ـ 136، تاريخ الخلفاء للسيوطي 185 ـ 206، كنز العمال 13|104 ـ 197، بحار الاَنوار ج35 ـ ج42، عوالم العلوم والمعارف والاَحوال 15|13، أعيان الشيعة 1|323 ـ 562، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي الجـزء الاَوّل، الغديـر 1|14 ـ 151، الصواعق المحرقة 115 و 135، الاِمام علي صوت العدالة الانسانية لجورج جرداق، المرتضى للندوي ـ سيرة أمير الموَمنين علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ـ ، علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة لعبد الكريم الخطيب، علي وبنوه لطه حسين.

(6)

أبو الحسن القرشي الهاشمي، أخو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ووصيّه، ووارث علمه، وصهره على ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبو السبطين.

ولد في الكعبة المشرّفة في الثالث عشر من رجب قبل المبعث بعشر سنين، واختاره النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ حين أصابت قريشاً أزمة وعلي في مطلع صباه ـ من بين أولاد أبي طالب، واتّخذه ولداً، فترعرع في كنفه، ولازمه طول حياته حتى في تلك الاَيام التي كان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يعتكف فيها في غار حراء، فتخلّق بأخلاقه، واقتدى به في أقواله وأفعاله، ونهل من نمير علمه.

قال علي - عليه السّلام- : وقد علمتم موضعي من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمّني عَرفه ...، ولقد كنت اتّبعه اتباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاِسلام غير رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة.

ولما بُعث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان عليّ أوّل من أسلم، وكان قبل ذلك قد كرم اللّه وجهه من السجود لصنم، وله - عليه السّلام- مواقف خالدة في الذبِّ عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ونصرته، ففي حصار الشِّعب كان أبوه أبو طالب سيد البطحاء ينيمه في فراش رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فينام مواجهاً للخطر ، طيّبة بذلك نفسه، ولما هاجر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى المدينة أمر علياً - عليه السّلام- أن ينام في فراشه، وأوصاه بأداء أماناته، ففعل ذلك.

وكان - عليه السّلام- قطب الرحى في كل معارك الاِسلام: بدرٍ وأحد والخندق وخيبر وسائر المشاهد التي أبلى بها البلاء العظيم، وقام فيها المقام المحمود، حتى استقر الدين وضرب بجرانه الاَرض.

قال ابن أبي الحديد: ومقاماته في الحروب مشهورة تضرب بها الاَمثال إلى


(7)

يوم القيامة، فهو الشجاع الذي ما فرّ في موقف قطّ، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة واحتاج إلى الثانية، فكانت ضرباته وترا.

وقد نزلت في أمير الموَمنين - عليه السّلام- خاصة، وفي أهل البيت عامّة، آيات كثيرة تحدثت عن فضلهم ومقامهم وقدسيتهم.

فمن الآيات التي نزلت في أهل البيت: آية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودة (1)، وغيرها.

وأمّا الآيات النازلة في علي - عليه السّلام- ، فهي كثيرة، بلغت في قول ابن عباس ثلاثمائة آية (2).

أخرج مسلم بسنده عن عائشة، قالت: خرج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غداة، وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: "إنّما يُريدُ اللّه ليُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ وَيُطَّهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" (3)(4)

وروى الموَرّخون والمفسرون والمحدّثون حادثة (المباهلة) وهي: أنّ وفداً من نصارى نجران جاء ليحاجج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ويحاوره، فأنزل اللّه سبحانه: "فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبناءَنَا


1. عدّ ابن حجر في الصواعق المحرقة هذه الآيات من جملة الآيات الواردة في أهل البيت - عليهم السلام - .
2. عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية، وعنه قال: ما نزل في أحد من كتاب اللّه ما نزل في عليّ. مختصر تاريخ دمشق: 18|11.
3. الاَحزاب: 33.
4. صحيح مسلم (2424) في فضائل الصحابة، باب فضائل أهل البيت. وهذا الحديث المعروف بحديث الكساء، رُوي في كل من: مسند أحمد: 6|298 و 304، الترمذي: (3205) و (3787)، والمستدرك على الصحيحين: 3|147 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، سير أعلام النبلاء: 3|254.

(8)

وأبناءَكُمْ وَنِسَاءَنا ونِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه على الكاذِبينَ" (1)" وأمر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يدعو علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً ويخرج بهم إلى الوادي، وأن يدعو النصارى أبناءهم ونساءهم ويخرجوا معهم ثم يدعوا اللّه بأن ينزل العذاب على الكاذبين.

أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما نزلت هذه الآية "ندع أبناءنا وأبناءكم" دعا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - علياً، وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هوَلاء أهلي (2)

ووردت في شأن الاِمام علي - عليه السّلام- طائفة من الاَحاديث التي أبرزت مكانته ومنزلته الخاصة عند اللّه وعند رسوله، ودعت الا َُمّة إلى حبّه وولائه، والرجوع إليه والاَخذ عنه، واتّباع سَننه ومنهاجه.

فمن هذه الاَحاديث:

قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعلي - عليه السّلام- : أنت أخي في الدنيا والآخرة(3)

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم خلّفه على المدينة في غزوة تبوك: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي (4)

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم خيبر: لاَعطين الراية غداً رجلاً يفتح اللّه على يديه


1. آل عمران: 61.
2. مسلم: 7|119 (باب فضائل علي)، مختصر تاريخ دمشق: 17|300، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 200.
3. أسد الغابة: 4|16، تاريخ الخلفاء: 201، قال: أخرجه الترمذي.
4. ابن سعد 3|24، والبخاري: 5|19 (باب مناقب علي بن أبي طالب)، ومسلم: 7|119 (باب فضائل علي)، وخصائص النسائي: 4، ومختصر تاريخ دمشق: 17|344 و 347. قال السيوطي: وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث أسماء بنت قيس، وأُم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. تاريخ الخلفاء: 200.

(9)

يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، ثم دعا باللواء فدعا علياً وهو يشتكي عينيه فمسحهما ثم دفع إليه اللواء ففتح (1)

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : عليّ مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي (2)

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعلي: إنّه لا يحبّك إلاّ موَمن ولا يبغضك إلاّ منافق (3)

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه (4).

روى عليّ - عليه السّلام- عن النبي كثيراً.

روى عنه: ابناه الحسن والحسين «عليهما السلام» ، والاَحنف بن قيس التميمي، والبراء ابن عازب الاَنصاري، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وجابر بن سَمُرة، وجارية بن قدامة السعدي، وأبو ساسان الحضين بن المنذر الرَّقاشي، وحنش بن عبد اللّه الصنعاني، وحبّة بن جوين العُرَني، وزِرّ بن حُبيش الاَسدي، وزيد بن أرقم الاَنصاري، ومالك بن الحارث الاَشتر النخعي، وعبد اللّه بن مسعود، وابنه محمد ابن الحنفية، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر الطيار، وعبد الرحمان بن أبزى الخزاعي، والاَصبغ بن نباتة الحنظلي، وأبو الاَسود الدوَلي، وسعيد بن المسيب، وأبو هريرة، وصعصعة بن صوحان العبدي، وأبو سعيد الخدري، ومُطرِّف بن عبد اللّه ابن الشِّخّير، وأبو ليلى الاَنصاري، وطائفة من الصحابة والتابعين.


1. البخاري: 5|18، ومسلم: 7|19 (باب فضائل علي)، وخصائص النسائي: 4، وأُسد الغابة: 4|21، ومختصر تاريخ دمشق: 17|325.
2. مختصر تاريخ دمشق: 17|348.
3. مسند أحمد: 1|95، 138، تاريخ بغداد: 14|426، وروى مسلم عن علي - عليه السّلام- قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الاَمي إليّ أنّه لا يحبني إلاّ موَمن ولا يبغضني إلاّ منافق. تاريخ الخلفاء: 201، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه: 2|255، وأحمد في مسنده: 1|84.
4. الاستيعاب لابن عبد البرّ: ترجمة علي بن أبي طالب، والاستيعاب: 3|38 هامش الاصابة، و أُسد الغابة: 4|22.

(10)

وكان أعلم الناس بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1)في الحديث والفقه والتفسير والكلام وغيرها، أغدق عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من بحر عطائه، وأفاض عليه من علوم النبوة وأسرارها، ما جعله باب مدينة علم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان مرجعاً لجميع الصحابة، ولم يرجع إلى أحد قط، وكان الخلفاء يستشيرونه، ويرجعون إليه في مشكلات الحكم والقضاء، فيرشدهم - عليه السّلام- ويهديهم إلى الحل، حتى اشتهر عن عمر بن الخطاب أنّه كان يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن (2)، ولم يقل أحد سلوني قبل أن تفقدوني غير علي (3) - عليه السّلام- .

قال ابن أبي الحديد: أشرف العلوم العلم الاِلهي (يعني: علم التوحيد) لاَنّ شرف العلم بشرف المعلوم أشرف الموجودات، ومن كلامه اقتُبس وعنه نُقل ومنه ابتدأ ... وبعده علم الفقه وهو - عليه السّلام- أصله وأساسه وكل فقيه في الاِسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ... فقد عرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه، وقد روى العامة والخاصة قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أقضاكم عليّ» (4) والقضاء هو الفقه فهو إذاً أفقههم، وروى الكل انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضياً: «اللهم اهد قلبه وثبّت لسانه»، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين. وأضاف ابن


1. قيل لعطاء بن أبي رباح: أكان في أصحاب محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أعلم من علي؟ قال: لا واللّه لا أعلم. أُسد الغابة: 4|22. وقالت عائشة: علي أعلم الناس بالسنّة. وقال ابن مسعود: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب. مختصر تاريخ دمشق: 18|25، 26.
2. قال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن، أُسد الغابة: 4|22 ـ 23، وتهذيب الكمال: 20|485.
3. قال سعيد بن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب. أُسد الغابة: 4|22.
4. قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أصحابه: أقضاهم علي بن أبي طالب. وقال عمر: علي أقضانا. الاستيعاب: 3|38، 39 هامش الاصابة .

(11)

أبي الحديد: وعلم تفسير القرآن عنه أخذ ومنه فرع وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لاَنّ أكثره عنه وعن عبد اللّه بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه وأنّه تلميذه وخريجه وقيل له أين علمك من علم ابن عمك؟ قال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. قال: وعلم النحو والعربية وقد علم الناس كافة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الاَسود الدوَلي جوامعه وأصوله ....

وكان أمير الموَمنين - عليه السّلام- إمام الفصحاءوسيد البلغاء، وما أُثر عنه وجُمع من كلامه كنهج البلاغة، أدلّ دليل على ذلك.

أما فضائله ومناقبه فهي أكثر من أن تُحصى، (وقد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمج معها التعرّض لذكرها والتصدي لتفصيلها) (1)

جُمعت في صفاتك الاَضـدادُ * فلهذا عَزَّتْ لك الاَندادُ

زاهد حاكم حليم شجاع * ناسك فاتك فقير جواد

شيم ما جُمعن في بشر قطّ * ولا حاز مثلهن العباد

خُلُق يُخجل النسيم من اللطف * وبأس يذوب منه الجمادُ

لو رأى مثلك النبي لآخـا * هُ وإلاّ فأخطأ الانتقادُ (2)

رُوي أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما قضى نسكه في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، وقفل راجعاً إلى المدينة أنزل اللّه تعالى عليه: "يا أَيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ما أُنْزِلَ إليَكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رسالَتَهُ واللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ" (3)فنزل


1. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 1|16.
2. للشاعر صفي الدين الحلي عبد العزيز بن سرايا (المتوفى 750 هـ). أعيان الشيعة: 8|22.
3. المائدة: 67.

(12)

رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في الموضع المعروف بغدير خم ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً قائظاً شديد الحرّ، فنادى في الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس، ثم قال: ألستُ أولى بكم من أنفسكم، قالوا: اللّهمّ بلى، قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله (1).

وما أن توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سنة إحدى عشرة، واشتغل علي - عليه السّلام- وأهل البيت بتجهيزه، حتى عقدت الاَنصار وبعض المهاجرين


1. أخرج حديث الغدير جمع كبير من الحفّاظ والمحدّثين، وذكره الموَرخون والمفسرون في كتبهم وأفرده بالتأليف آخرون، واتفق الفريقان على صحته وتواتره، وشهد به ستة عشر صحابياً، وفي رواية لاَحمد ابن حنبل ثلاثون صحابياً في زمن خلافة علي - عليه السّلام- ، ومع كل هذا يقول الدكتور بشار عواد معروف محقق «تهذيب الكمال» في معرض تعليقه على هذا الحديث (ج 20|484): ليس في كل طرق هذا الحديث طريق صحيح، وقد تقدم أنّه لم يكن هذا الحديث معروفاً حتى نعق به ناعق من خراسان. أقول: لقد خرج هذا الدكتور أكثر من مرّة عن نطاق التحقيق العلمي النزيه، وجرّه الهوى البغيض إلى إنكار الاَحاديث الصحيحة في مناقب علي - عليه السّلام- ، فهو مع اعترافه ـ في قوله الآنف ـ بصحة بعض طرق حديث الغدير، يردّد وبدون وعي مقولة الجاهل الحاقد.

إنّ حديث الغدير قد روي بطرق كثيرة جداً، وليس هو منحصراً في طريق واحد حتى يقال إنّه لم يكن معروفاً حتى نعق به ناعق من خراسان (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلاّ كذباً) (الكهف:5) قال ابن حجر في «الصواعق المحرقة» ص 42، الشبهة الحادية عشرة: (انّه حديث صحيح لامرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لاَحمد أنّه سمعه من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته). وألف الطبري (ت 310 هـ) كتاباً سماه «الولاية في طريق حديث الغدير» رواه فيه من نيف وسبعين طريقـاً. قال ابن كثير في «البدايـة والنهايـة»: 11|157: وقـد رأيـت له ـ يعني للطبري ـ كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلدين ضخمين . وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: 14|277: جمع ـ الطبري ـ طرق حديث غدير خمّ، في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. انظر حديث الغدير في: مسند أحمد: 4|370، 281، وسنن ابن ماجة: 1|43 باب (11) المقدمة، وتاريخ بغداد: 14|236، والحاكم: 3|533 وصححه ووافقه الذهبي، ومجمع الزوائد: 9|104، والاستيعاب: 3|36 هامش الاصابة.



(13)

اجتماعاً في سقيفة بني ساعدة، وبعد مناقشات حادّة، بادر عمر إلى بيعة أبي بكر بالخلافة، وطلب من الحاضرين مثل ذلك، فتمّ الاَمر لاَبي بكر.

أمّا عليّ - عليه السّلام- (ومعه بنو هاشم وعدد من كبار المهاجرين) فقد ظل متمسكاً بحقه في الخلافة للنصوص الواردة في ذلك عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كحديث الغدير المار الذكر وغيره، وأمسك يده مدّة، حتى نجمت أحداث هدّدت الاِسلام والا َُمّة، فبايع.

قال - عليه السّلام- : فامسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاِسلام يدعون إلى محق دين محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فخشيت إن لم أنصر الاِسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيام قلائل .

ولما قُتل عثمان بن عفان في سنة خمس وثلاثين بويع علي - عليه السّلام- بالخلافة، ثم نكث طلحة والزبير البيعة وسارا ومعهما عائشة إلى البصرة، فكانت معركة الجمل، وتلتها معركة صفين مع معاوية بن أبي سفيان ومعه أهل الشام، والتي انتهت بخدعة رفع المصاحف واضطرار الاِمام - عليه السّلام- إلى التحكيم، ثم معركة النهروان مع الخوارج.

وبهذه المعارك الثلاث التي خاضها أمير الموَمنين - عليه السّلام- يتحقق إخبار الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعلي - عليه السّلام- بقتالهم، فعن علي بن ربيعة، قال: سمعت علياً على منبركم هذا يقول: عهد إليّ رسول اللّه أن أقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين (1).

وعن أبي سعيد الخدري، قال: أمرنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقلنا: يا رسول اللّه أمرتنا بقتال هوَلاء فمع من؟ فقال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر (2)


1. أُسد الغابة: 4|33، ومختصر تاريخ دمشق: 18|54 و 55.
2. أُسد الغابة: 4|33، ومختصر تاريخ دمشق: 18|54 و 55.

(14)

استشهد أمير الموَمنين - عليه السّلام- ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكان عبد الرحمان بن ملجم قد ضربه بسيفه، وهو في مسجد الكوفة ليلة التاسع عشر من الشهر نفسه.

فمضى - عليه السّلام- (شهيد الحق والعظمة والعدالة، تاركاً وراءه أروع الاَمثلة من البطولات والتضحيات والاستخفاف بالدنيا وأمتعتها وعشاقها، وقضى وهو يخاطب الدنيا و خيراتها التي كانت تحت قدميه: يا دنيا غرّي غيري فلقد طلقتك ثلاثاً، لا وصية لي فيك) (1)

وقد أُلفت في خصائص الاِمام علي - عليه السّلام- وفضائله كُتب كثيرة، وتناول سيرته العطرة العلماء والفضلاء، وأشاد بذكره الباحثون والكتّاب المسلمون وغير المسلمين، وجمعٌ من المستشرقين.

قال الباحث الفرنسي البارون «كارّا ديفو»: وعليّ هو ذلك البطل الموجَع المتألم والفارس الصوفي والاِمام الشهيد ذو الروح العميقة التي يكمن في مطاويها سرّ العذاب الاِلهي (2)

وقال الفيلسوف الاِنكليزي «كارليل»: أما علي، فلا يسعنا إلاّ أن نحبه ونتعشقه فإنّه فتى شريف القدر، عالي النفس، يفيض وجدانه رحمة وبرّاً، ويتلظى فوَاده نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنها شجاعة ممزوجة برقة وعطف ورأفة وحنان جدير بها فرسان الصليب في القرون الوسطى، وقد قُتل بالكوفة غيلة، وإنّما جنى ذلك على نفسه بشدة عدله حتى إنّه حسب كل إنسان عادلاً مثله(3).

وقال الاَديب والكاتب الكبير جورج جرداق: هل عرفت من الخلق عظيماً،


1. هاشم معروف الحسني، سيرة الاَئمة الاثني عشر: القسم الاَوّل|506.
2. جورج جرداق، الاِمام علي صوت العدالة الاِنسانية: 5|233.
3. المصدر نفسه: 5|235 ـ 236.

(15)

يلتقي مع المفكرين بسموّ فكرهم ومع الخيّرين بحبهم العميق للخير، ومع العلماء بعلمهم، ومع الباحثين بتنقيبهم، ومع ذوي المودة بموداتهم، ومع الزهاد بزهدهم، ومع المصلحين بإصلاحهم، ومع المتألمين بآلامهم، ومع المظلومين بمشاعرهم وتمرّدهم، ومع الاَدباء، بأدبهم، ومع الاَبطال ببطولاتهم، ومع الشهداء بشهادتهم، ومع كل انسانية بما يشرّفها ويرفع من شأنها ....

وماذا عليك يا دنيا لو حشّدت قواك فأعطيت في كل زمن علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره (1)


1. المصدر السابق: 1|47.

(16)

سيدة نساء العالمين

فاطمة الزهراء - عليها السلام - (1)

(5 بعد المبعث ـ 11 هـ)

بنت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، تكنى أُمَّ أبيها، وتلقّب بالزهراء، وبالبتول، وبالصدّيقة الكبرى، وأُمّها خديجة بنت خويلد.

ولدت بمكة المكرمة بعد مبعث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بخمس سنين ـ وهو المشهور بين علماء الشيعة ـ وقيل بسنتين، وقيل بسنة واحدة، وأكثر علماء أهل السنّة تروي أنّها ولدت قبل البعثة بخمس سنين. لكن أهل البيت أدرى بما فيه.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 8|19، رجال البرقي 61، صحيح مسلم 4|11902 ـ 11906 (كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة (عليها السّلام) )، تاريخ الخلفاء الراشدين لابن قتيبة 1|12، المعارف 84، سنن الترمذي 5|663 برقم 3787 و 698 ـ 701، الكافي 1|458 (باب مولد الزهراء (عليها السّلام) )، الاِرشاد 187، المستدرك للحاكم 3|146 ـ 164، حلية الاَولياء 2|39، مسند أحمد 6|282، إعلام الورى بأعلام الهدى 147، المناقب للخوازرمي 3|341، تهذيب الكمال 35|247 برقم 7899، أُسد الغابة في معرفة الصحابة 5|519، تذكرة الخواص لسبط بن الحوزي 275، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة 2|74، تاريخ الاِسلام (عهد الخلفاء الراشدين) 43، سير أعلام النبلاء 2|118 برقم 18، تهذيب التهذيب 12|440، الاِصابة في معرفة الصحابة 4|365، كنز العمال 13|674 ـ 687، بحار الاَنوار الجزء 43، عوالم العلوم للبحراني جزء (فاطمة الزهراء «عليها السّلام» )، أعيان الشيعة 1|306، ينابيع المودة 1|299، 205، 309، موسوعة حياة الصحابيات 620، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى 47، سيرة الاَئمّة الاثني عشر 1|69.

(17)

وكانت ولادتها في يوم الجمعة في العشرين من جمادى الآخرة.

نشأت في بيت النبوة، ونعمت بعطف وحنان والديها الكريمين ورضعت حب الاِيمان، ومكارم الاَخلاق، ولم تلبث ـ وهي صغيرة ـ أن فقدت أُمّها وعمّ أبيها المحامي أبا طالب في عام واحد، فانصرفت ترعى أباها، وتتولى خدمته، وتشاركه همومه في حمل الرسالة، وتميط عنه الاَذى الذي يلحقه من سفهاء قريش، ولفرط حنانها عليه وحبِّها له كناها: (أُمّ أبيها).

وكانت هي إحدى الفواطم التي هاجر بهن عليّ - عليه السّلام- من مكة إلى المدينة بعد هجرة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إليها، وتقدّم لخطبتها عدّة من الرجال فردّهم رسول اللّه ردّاً جميلاً، قائلاً لهم: انتظر بها القضاء (1) ثم زوّجها من عليّ - عليه السّلام- ، وذلك في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.

قالت الدكتورة بنت الشاطىَ: لقد آثر اللّه الزهراء بالنعمة الكبرى، فحصر في ولدها ذرية نبيّه المصطفى، وحفظ بها أشرف سلالة عرفتها البشرية منذ كانت، كما كرّم اللّه علياً فجعل من صلبه نسل خاتم الاَنبياء، فكان له من هذا الشرف مجد الدهر وعزة الاَبد(2)

وقد ورد في فضل فاطمة «عليها السّلام» ، أحاديث كثيرة تعرب عن عظيم منزلتها، وسموّ مقامها، منها:

عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: فاطمة بضعة مني،


1. روى ابن سعد أنّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: يا أبا بكر انتظر بها القضاء ... ثم إنّ أبا بكر قال لعمر: اخطب فاطمة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . فخطبها فقال له مثل ما قال لاَبي بكر: انتظر بها القضاء. الطبقات الكبرى: 8|19.
2. سيرة الاَئمّة الاثني عشر: 1|97 نقلاً عن تراجم سيدات بيت النبوة لبنت الشاطىَ.

(18)

فمن أغضبها أغضبني (1)

وعن حذيفة أنّه سمع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: هذا ملك لم ينزل قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلِّم عليَّ، ويبشّـرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة، وأنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة (2)

وعن عائشة أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال وهو في مرضه الذي توفي فيه: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الا َُمّة، وسيدة نساء الموَمنين (3)

وعن أبي هريرة، قال: نظر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم (4)

وقد مرّ في ترجمة الاِمام علي - عليه السّلام- أنّها «عليها السّلام» من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً، وأنّها أحد من أخرجهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ليباهل بهم نصارى نجران.

وكانت الزهراء «عليها السّلام» من أحبّ الناس إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . وكان يقوم لها إن دخلت عليه ويهشّ لها ويرحِّب بها، وكان إذا أراد السَّفر كان آخر عهده بفاطمة، وإذا رجع كان أوّل عهده بها.

روي عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه، قال: كان أحب النساء إلى رسول اللّه


1. البخاري: 5|21 باب مناقب قرابة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومنقبة فاطمة «عليها السّلام» .
2. مسند أحمد: 5|391، والمستدرك على الصحيحين: 3|151 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وسير أعلام النبلاء: 3|252.
3. المستدرك على الصحيحين: 3|156 صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
4. مسند أحمد : 2|442، المستدرك على الصحيحين: 3|149 وحسّنه الحاكم، ووافقه الذهبي، وتاريخ بغداد: 7|137، وسير أعلام النبلاء: 3|257 ـ 258.

(19)

فاطمة ومن الرجال عليّ (1)

وعن عائشة قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) من فاطمة، وكان إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها، ورحّب بها، وكذلك كانت هي تصنع به (2)

روت الزهراء عن أبيها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنها: ابناها: الحسن والحسين «عليهما السلام» ، وأُمّ سلمة، وعائشة، وسلمى أُمّ رافع زوج أبي رافع، وأنس بن مالك، وآخرون.

وقد عُرفت بصدق لهجتها، وعبادتها، وورعها، وحفظها للسرّ، لم تحفل بزخارف الدنيا ومظاهرها، صابرة عند البلاء، شاكرة عند الرخاء.

قال الكاتب الكبير عباس العقاد: إنّ في كل دين صورة للاَنوثة المقدسة يتخشع بتقديسها الموَمنون، كأنّما هي آية اللّه من ذكر وأُنثى، فإذا تقدّست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الاِسلام لا جرم أن تتقدّس صورة فاطمة البتول (3).

وكانت الزهراء فصيحة، بليغة، عالمة بالكتاب والسنّة.

وكانت النسوة يقبلن على بيتها، فتفيض عليهن من علمها.

روي أنّ امرأة جاءت تسأل فاطمة مسائل فأجابتها فاطمة عن سوَالها الاَوّل، وظلت المرأة تسألها حتى بلغت أسألتها العشرة، ثم خجلت من الكثرة، فقالت: لا


1. المستدرك على الصحيحين: 3|155 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
2. أبو داود (5217) في الاَدب، والترمذي (3871) في المناقب، والمستدرك على الصحيحين: 3|154 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
3. عن سيرة الاَئمّة الاثني عشر: 1|151.

(20)

أشق عليك يا ابنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . فقالت فاطمة: هاتي وسلي عما بدا لك، إنّي سمعت أبي يقول: إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيُخلع عليهم من الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدِّهم في إرشاد عباد اللّه (1)

ولما توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حزنت الزهراء «عليها السّلام» حزناً شديداً، ولم تزل باكية العين محترقة القلب حتى توفيت «عليها السّلام» .

وكانت قد وقفت بعد وفاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - موقفاً حازماً من الخلافة، ومن إرثها وحقّها في فدك، وخطبت في المسجد في جمع من المهاجرين والاَنصار، وتحدثت عن فضائل علي - عليه السّلام- ، ومواقفه الخالدة في الاِسلام، ونعت عليهم إسناد الاَمر إلى غيره.

وجرت بعد ذلك خطوب، ذكرها الموَرخون في كتبهم، عانت بسببها الزهراء «عليها السّلام» أشد معاناة، ولزمت الفراش.

ولما أحست بدنو أجلها استدعت أمير الموَمنين فأوصته أن يواري جثمانها في غسق الليل، وأن لا يحضر جنازتها أحد من الذين ظلموها.

وقد اختلف في مدة بقائها بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقيل: ثلاثة أشهر، وقيل خمسة وسبعون يوماً، وقيل غير ذلك.

قال البخاري: دفنها زوجها علي ليلاً، ولم يوَذن أبا بكر، وصلّى عليها.

ووقف علي - عليه السّلام- على قبرها، وقال: السلام عليك يا رسول اللّه عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللّحاق بك، قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري، ورقّ عنها تجلّدي، ألا وإنّ في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، إنّا للّه وإنا إليه راجعون، لقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهّد، إلى أن يختار لي اللّه دارك التي أنت فيها مقيم.


1. المجالس السنية: 2|95 المجلس الرابع عشر.

(21)

الاِمام الثاني

الحسن المجتبى (1) - عليه السلام -

(3 ـ 50 هـ)

ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو محمد القرشي الهاشمي، المدني، ثاني أئمّة أهل البيت الطاهر، سبط الرسول الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وريحانته، وسيد شباب أهل الجنّة.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 1|475 و 4|62، فضائل الصحابة لاَحمد بن حنبل 2|776 ـ 779، مسند أحمد بن حنبل 1|199 و 5|44، التاريخ الكبير 2|286، صحيح البخاري 4|24 (باب الصلح)، تاريخ المدينة المنورة لابن شبة النميري 1|107، سنن ابن ماجة 1|51، 52، الاِمامة والسياسة 1|150، 159، 160، تاريخ اليعقوبي 2|213 ـ 215، و 225 ـ 228، تاريخ الطبري 4|121 ـ 124، العقد الفريد 2|67 و 3|155 و 4|264، الكافي 7|207، التنبيه والاَشراف 360، مروج الذهب 3|19، مقاتل الطالبيين 29 ـ 50، تحف العقول 225 ـ 236، المستدرك للحاكم 3|168 ـ 176، الارشاد 191 ـ 199، رجال الطوسي 66، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 2|18 ـ 140، تاريخ بغداد 1|138 ـ 140، مختصر تاريخ دمشق 7|5 برقم 1، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4|2 ـ 46، الكامل في التاريخ 3|402، 404، 406، 460، أُسد الغابة 2|9 ـ 15، جامع الا َُصول من أحاديث الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - 10|19، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 176 ـ 194، وفيات الاَعيان 2|65 ـ 69، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة «عليهم السلام» 2|136 ـ 211، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى 118 ـ 143، تهذيب الكمال 6|220 ـ 275 برقم 1248، سير أعلام النبلاء 3|245 ـ 279، الوافي بالوفيات 12|107 ـ 110، البداية والنهاية 8|34 ـ 46، و 16 ـ 20، الاصابة 1|327 ـ 330، تهذيب التهذيب 2|259 ـ 301، الفصول المهمة 151 ـ 166، تاريخ الخلفاء للسيوطي 71، بحار الاَنوار 43|237 و 44|173، فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3|205، مشهد من حياة أئمّة الاِسلام 14 ـ 22، بحوث في الملل والنحل 6|443.



(22)

ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وجيء به إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه بكبش، وسمّاه حسناً، وكنّاه أبا محمّد.

وكان شبيه جدّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

خصّه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأخاه الحسين بحبٍ وحنان غامر، ورويت في حقِّه أحاديث كثيرة، منها:

قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للحسن: اللّهم إنّي أُحبُّه، فأَحِبَّه وأحِبَّ من يُحبُّه (1)

وقال ـ في الحسن والحسين «عليهما السلام» ـ: هما ريحانتاي من الدنيا (2)

وقال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة (3)

وقد مرّت في ترجمة أبيه علي، وأُمّه الزهراء «عليهما السلام» أحاديث تضمّنت ذكر الحسن - عليه السّلام- .

روى الاِمام الحسن - عليه السّلام- عن: جدِّه المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن أبيه، وأُمّه «عليهما السلام» .

روى عنه: ابنه الحسن بن الحسن، وسويد بن غَفَلة، وأبو الحوراء السعدي، والشَّعبي، وأصبغ بن نباتة، والمسيّب بن نَجَبة، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، ومحمد بن سيرين، وجماعة.

وكان يجلس في مجلس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يحدّث فيه، ويجتمع الناس حوله، وكان إذا تكلّم أخذ بمجامع قلوب سامعيه، وودّوا أن لا يسكت، وكان معاوية يقول لمن يريد أن يخاصم الحسن - عليه السّلام- : لا تفعل فإنّهم قوم ألهموا الكلام (4).


1. تهذيب تاريخ دمشق: 4|205، سير أعلام النبلاء: 3|250 وفيه : صححه الترمذي.
2. صحيح البخاري: 5|27 باب مناقب الحسن والحسين، سنن الترمذي (3770).
3. تاريخ بغداد: 11|90، وحلية الاَولياء: 5|71، وسير أعلام النبلاء: 3|251 وفيه : (صححه الترمذي) وغيرها.
4. وفيات الاَعيان: 2|68.

(23)

وقد نُقلت عنه خطب وكلمات وحكم ووصايا ورسائل، وله احتجاجات ومناظرات تدلّ على بعد نظره وثاقب فكره، وعمق وعيه للاَمور والقضايا.

وكان معتَمداً عند أبيه - عليه السّلام- ، حائزاً على محبّته وثقته، متفانياً في سبيل قضيته (1)، وكان أمير الموَمنين - عليه السّلام- يحيل إليه بعض المسائل التي ترد عليه، ويبتدره هو بالاَسئلة أحياناً، ليُظهرَ فضله وعلمه وعلوَّ مقامه (2) وكان يُرسله في المهام الجليلة، فينجزها على أحسن وجه، فقد بعثه مراراً إلى عثمان بن عفان لما اشتكى الناس إلى عليّ - عليه السّلام- أمره(3)، وبعثه إلى الكوفة، وبعث معه عمار بن ياسر، فعزل أبا موسى الاَشعري الذي كان يثبّط الناس عن أمير الموَمنين في قتال أصحاب الجمل، واستنفر الناس للجهاد، فنفروا، وجاء إلى أبيه بعشرة آلاف مقاتل.

وكان الاِمام الحسن - عليه السّلام- من أوسع الناس صدراً وأسجحهم خلقاً، زاهداً، عابداً، عظيم الخشوع، وكان أحد الاَجواد المشهورين، حجّ خمساً وعشرين حجة ماشياً، والنجائب تُقاد معه، وخرج من ماله مرتين، وقاسم اللّه تعالى مالَه ثلاث مرات، وكان إذا توضأ ارتعدت فرائصه، واصفرّ لونه.

وكان شجاعاً، مقداماً، خاض مع أبيه حروب الجمل وصفين والنهروان، واقتحم بنفسه الاَخطار، حتى قال أمير الموَمنين - عليه السّلام- ـ وقد رآه يتسرّع إلى الحرب في بعض أيـام صفين ـ: أملكوا عني هذا الغلام لا يهدّني، فإني أنفس بهذين ـ يعني الحسن والحسين «عليهما السلام» ـ على الموت، لئلاّ ينقطع نسل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


1. قال الاِمام علي - عليه السّلام- في وصيته للاِمام الحسن - عليه السّلام- : «ووجدتك بعضي، بل وجدتك كلّـي، حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني).
2. جعفر مرتضى العاملي: الحيـاة السياسيـة للاِمام الحسـن - عليه السّلام- : 101 ـ 106، وتهذيب الكمـال: 6|238 وفيه أسئلة علي - عليه السّلام- .
3. قال ابن عبد ربه: كان علي كلما اشتكى الناس عثمان أرسل ابنه الحسن إليه، فلما أكثر عليه قال له: إنّ أباك يرى أنّ أحداً لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل،فكُفّ عنّا، فلم يبعث عليّ ابنه في شيء بعد ذلك. العقد الفريد: 4|308 ما نقم الناس على عثمان.

(24)

ولما استشهد الاِمام علي - عليه السّلام- في شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، صعد الاِمام الحسن - عليه السّلام- المنبر، وخطب الناس، وتحدّث عن فضائل أبيه، ثم قام ابن عباس بين يديه، فقال: معاشر الناس، هذا ابن نبيّكم، ووصيّ إمامكم، فبايعوه، فاستجاب الناس، وبادروا إلى البيعة له بالخلافة، ثم نزل من المنبر، فرتّب العمال وأمّر الاَمراء، وزاد المقاتلة مائة مائة، ثم كتب إلى معاوية بالشام يدعوه إلى الدخول في البيعة، وترك البغي والشقاق، من أجل صلاح المسلمين، وحقن دمائهم، فلم يُجب معاوية إلى ذلك، بل أصرّ على المجابهة، وقاد جيشاً عظيماً، وقصد العراق، فلما بلغ ذلك الاِمام الحسن - عليه السّلام- ، حثّ الناس على الجهاد، وسار بجيشه لملاقاة معاوية، ثم جرت أحداث بعد ذلك، لا يسع المجال ذكرها، وآل الاَمر بالاِمام الحسن - عليه السّلام- إلى عقد الصلح مع معاوية اضطراراً، وقد بسط العلماء والكتّاب البحث في تحليل أسباب الصلح وأهدافه، ونتائجه، فلتراجع في مظانها.

ولكون هذا الصلح من القضايا المهمة في تاريخ المسلمين، وبسبب ما أُثير حوله من شبهات من بعض المغرضين، يحسن بنا أن نُشير إلى ما ذكره ابن الاَثير في الكامل، لعله يكشف جانباً من الواقع السيء الذي أكره الاِمام - عليه السّلام- على قبول الصلح.

قال: لما راسل معاوية الحسن في تسليم الاَمر إليه، خطب فقال: إنّا واللّه ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنّما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ... ألا إنّ معاوية دعانا لاَمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللّه عزّ وجلّ بضبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضى، فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية (1)

أقول: ومع هذه الروحية المهزومة، والرغبة عن الجهاد، والاِخلاد إلى الدنيا،


1. الكامل في التاريخ: 3|406 (سنة 41 هـ).

(25)

كيف يتأتى للقائد أن يقتحم بهم الميادين، ويخوض غمرات الجهاد.

ولما تم الصلح أقام الحسن - عليه السّلام- ، بالكوفة أياماً، ثم خرج إلى المدينة، فأقام بها إلى أن توفي، وكانت مدة خلافته ستة أشهر وأياماً.

ومما أُثر عن الاِمام - عليه السّلام- من المواعظ والحكم:

قال ـ وقد دعا بنيه وبني أخيه ـ : يا بَنيّ وبني أخي، إنّكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويَه أو يحفظه، فليكتبه، ويجعله في بيته (1)

وقال: من اتكل على حسن اختيار اللّه له لم يتمنّ أنّه في غير الحالة التي اختارها اللّه تعالى له (2)

وقال: مَن أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة، وأخاً مستفاداً، وعلماً مستطرفاً، ورحمة منتظرة، وكلمة تدلّ على الهدى، أو تردّه عن ردى، وترك الذنوب حياءً، وخشية (3)

توفّي - عليه السّلام- مسموماً سنة خمسين، وقيل: تسع وأربعين، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع.

قال ثعلبة بن أبي مالك: شهدنا حسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع، فلقد رأيت البقيع لو طرحت إبرة ما وقعت إلاّ على إنسان (4)

روي أنّ معاوية لما أراد البيعة لابنه يزيد، لم يكن شيء أثقل من أمر الحسن ابن علي وسعد بن أبي وقاص، فدسّ إليهما سماً فماتا منه.

وكان الذي تولى ذلك من الحسن زوجته جعدة بنت الاَشعث بن قيس.


1. تهذيب تاريخ دمشق: 4|222.
2. تحف العقول: 236، مختصر تاريخ دمشق: 7|29.
3. تحف العقول: 238.
4. تهذيب الكمال: 6|256.


(26)

الاِمام الثالث

الحسين الشهيد - عليه السّلام- (1)


(4 ـ 61 هـ)

ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد اللّه القرشي الهاشمي، المدني، ثالث أئمة أهل البيت الطاهر، سبط الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة.


*: مقتل أبي مخنف (لوط بن يحيى)، التاريخ الكبير 2|381، تاريخ المدينة المنورة 2|798، المعارف 124، أنساب الاَشراف 1|151، 155، و 3|157، تاريخ اليعقوبي 2|229 ـ 233، تاريخ الطبري 4|257 و 5|384، العقد الفريد 1|345 و 2|528، مروج الذهب 3|248، شرح الاَخبار في فضائل الاَئمّة الاَطهار 10|479 ـ 515، الاِرشاد 203 ـ 271، شواهد التنزيل انظر الفهارس، رجال الطوسي 71 ـ 81، تاريخ بغداد 1|141 ـ 143، مقتل الحسين للخوارزمي، مختصر تاريخ دمشق 7| ، مناقب آل أبي طالب 3|367 ـ 401، المنتظم 5|322 ـ 328، أُسد الغابة 2|18 ـ 22، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 210 ـ 262، اللهوف على قتلى الطفوف، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة - عليهم السلام - 2|212 ـ 285، ذخائر العقبى 118 ـ 151، وفيات الاَعيان 6|353، تهذيب الكمال 6|396 برقم 1323، سير أعلام النبلاء 3|280 و 4|35 ـ 40، الوافي بالوفيات 12|423 ـ 429، البداية والنهاية 8|152 ـ 212، الاصابة 1|331 ـ 334، الفصول المهمة 170 ـ 200، الصواعق المحرقة 135 ـ 207، الدر المنثور 2|227 ـ 233، بحار الاَنوار الجزء 44 و 45، عوالم العلوم للبحراني جزء الاِمام الحسين - عليه السّلام- ، معادن الحكمة في مكاتيب الاَئمّة - عليهم السلام - 2|31 ـ 51، ينابيع المودة 106، 115، 164، 169، فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3|205 ـ 273، بلاغة الحسين - عليه السّلام- لمصطفى محسن الموسوي الحائري، مشهد من حياة أئمّة الاِسلام للسبحاني.



(27)

ولد في الثالث أو الخامس من شعبان سنة أربع للهجرة، وجيء به إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأذّن في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه بكبش، وسمّاه حسيناً.

أحبّه جدُّه المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حبّاً جمّاً، وغمره بعطفه وحنانه.

وقد رويت في حقّه أحاديث كثيرة، منها:

قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : حسين مني وأنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الاَسباط(1)

وقال ـ وقد أخذ بيد الحسن والحسين ـ : هذان ابنـاي، فمـن أحبّهمــا فقـد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(2)

وقد تقدم في ترجمة أبيه علي، وأُمّه فاطمة، وأخيه الحسن - عليهم السلام - أحاديث تضمنت ذكره - عليه السّلام- .

روى الاِمام الحسين - عليه السّلام- عن: جدّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأبيه، وأُمّه، وأخيه الحسن - عليهم السلام - .

روى عنه: ابنه علي زين العابدين - عليه السّلام- ، وابنتاه: فاطمة، وسكينة، وابن أخيه زيد بن الحسن، وثوير بن أبي فاخته، وبشر بن غالب الاَسدي، والفرزدق الشاعر، وعامر الشَّعبي، وآخرون.

وكان الفرزدق قد لقي الحسين - عليه السّلام- وهو خارج من مكة إلى العراق، فسأله عن أشياء من نذور ومناسك (3)


1. الترمذي (3775)، وتهذيب الكمال: 6|402، وسير أعلام النبلاء: 3|283.
2. مختصر تاريخ دمشق: 7|120، و سير أعلام النبلاء: 3|284.
3. والفرزدق هو القائل للحسين - عليه السّلام- ، لما سأله عن الاَوضاع في العراق: قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك. بغية الطلب: 6|2613، وفي رحاب أئمة أهل البيت: المجلد 2|90.

(28)

وكان الحسين - عليه السّلام- حيث يوجد يلتفّ حوله الناس كالحلقة، هذا يستفتيه في أمر دينه، وهذا يأخذ من فقهه، وهذا يستمع إلى روايته، وهذا يسأله لحاجته، وقد وصفه معاوية لبعض من سأله عنه، فقال: إذا وصلت مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على روَوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد اللّه.

روي عن ابن عباس أنّه بينما هو يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الاَزرق، فقال له: يا ابن عباس، تفتي الناس في النملة والقملة، صف لي إلهك الذي تعبد؟ فأطرق ابن عباس إعظاماً لقوله، وكان الحسين بن علي جالساً ناحية، فقال: إليّ يابن الاَزرق، قال: لست إياك أسأل.

قال ابن عباس: يابن الاَزرق إنّه من أهل بيت النبوة، وهم ورثة العلم. فأقبل نافع نحو الحسين، فقال له الحسين:

يا نافع، إنّ من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس، سائلاً ناكباً عن المنهاج، طاعناً بالاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل، يابن الاَزرق: أصف إلهي بما وصف به نفسه، وأُعرِّفه بما عرَّف به نفسه، لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس، قريب غير ملتصق، بعيد غير منتقص، يوحد ولا يُبعَّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال.

فبكى ابن الاَزرق، وقال: يا حسين ما أحسن كلامك! ... ثم قال ابن الاَزرق ـ بعد حوار جرى بينهما ـ: لقد كنتم منار الاِسلام، ونجوم الاَحكام ـ يعني علياً والحسن والحسين - عليهم السلام - ـ (1)

وللاِمام الحسين - عليه السّلام- خطب ووصايا وأدعية وحكم واحتجاجات


1. مختصر تاريخ دمشق: 7|130، وبغية الطلب: 6|2585.

(29)

ورسائل رواها الموَرخون والمحدثون وأرباب المقاتل في كتبهم.

وله روايات في الفقه، وفي التفسير (1)

وكان موصوفاً بالفصاحة والبلاغة، خطب في يوم عاشوراء، وفي أشد الساعات بلاءً، فما تزعزع ولا اضطرب، بل خطب في جموع أعدائه بجنان قوي، ولسان طلق، حتى قال قائد الجيش عمر بن سعد: ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، واللّه لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر.

ولقد جمع الحسين - عليه السّلام- أكرم الصفات وأحسن الاَخلاق وأجل الفضائل علماً وزهادة وعبادة وشجاعة وسماحة وسخاءً وإباءً للضيم، ومقاومة للظلم.

قال السيد علي جلال الحسيني المصري في مقدمة كتابه «الحسين»: كان إذا أقام بالمدينة أو غيرها مفيداً بعلمه مرشداً بعمله مهذباً بكريم أخلاقه، موَدياً ببليغ بيانه، سخياً بماله، متواضعاً للفقراء (2)

روى الموَرخون أنّه لما مات معاوية لم يكن ليزيد همّ حين ولي إلاّ بيعة النفر الذين أبوْا على أبيه الاِجابة إلى بيعته، فكتب إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أن يأخذ الحسين - عليه السّلام- وابن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً (3)، فامتنع الحسين، وسار إلى مكة (4) ومعه أخوته وبنو أخيه وجلّ أهل بيته، فوجّه


1. وردت رواياته - عليه السّلام- في كتب كثيرة منها: أمالي الصدوق، معاني الاَخبار، أمالي الطوسي، الاَشعثيات (الجعفريات)، وغيرها. ثم إنّ كثيراً من الروايات التي رويت عن الاِمامين الباقر والصادق «عليهما السلام» ، إنّما يرويانها بسندهما إلى الحسين - عليه السّلام- .
2. أعيان الشيعة: 1|585.
3. المنتظم: 5|322 ـ 323، وتاريخ ابن الاَثير: 4|14.
4. كما امتنع ابن الزبير عن البيعة، وسار إلى مكة، أما ابن عمر فقد أرسل إليه الوليد بن عتبة ليبايع، فقال: إذا بايع الناس بايعتُ، فتركوه وكانوا لا يتخوّفونه. وقيل: إنّه كان هو وابن عباس بمكة، فعادا إلى المدينة، فلما بايع الناسُ بايعا. ابن الاَثير: 4|17.

(30)

أهل الكوفة بكتبهم ورسلهم إلى الحسين - عليه السّلام- يدعونه إليهم، فبعث إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، فنزل دار المختار الثقفي، وأقبلت الناس على مسلم، فبايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسين بالاِقبال إلى الكوفة، وجعل الناس يختلفون إلى مسلم حتى عُلم مكانه، فبلغ النعمان بن بشير ذلك ـ وكان والياً على الكوفة من قبل معاوية، فأقرّه يزيد ـ فخطب الناس وحذرهم الخلاف، فاتهمه عبد اللّه بن مسلم بن سعيد الحضرمي أحد أعوان الاَمويين بالضعف، وكتب إلى يزيد بإرسال رجل قوي، فكتب يزيد إلى عبيد اللّه ابن زياد عهداً بولاية الكوفة، فلما دخل ابن زياد الكوفة خطب الناس وتوعّد العاصي بالعقوبة والمطيع بالاِحسان، فلما سمع مسلم بمجيء ابن زياد انتقل إلى دار هانىَ بن عروة المرادي، وكان أحد زعماء الشيعة ومن أشراف العرب، ثم حصلت أحداث كبيرة انتهت بمقتل هانىَ بن عروة، وتفرُّق الناس عن مسلم، وبقائه وحيداً، ثم القبض عليه وقتله.

وكان الاِمام الحسين - عليه السّلام- قد عزم على الخروج من مكة في الثامن من ذي الحجة سنة (60 هـ)، والتوجّه إلى العراق، ولم يكن بلغه قتل مسلم، لاِنّ مسلماً قتل في ذلك اليوم الذي خرج فيه، وكان قد أشار على الحسين - عليه السّلام- جماعة منهم ابن عباس وابن الحنفية وابن عمر في أن لا يخرج، فرفض الحسين كل دعوة منهم للقعود وعدم التحرك، وسار نحو العراق، فلما وصل إلى الثعلبية أتاه نبأ استشهاد مسلم وهانىَ، ولكن ذلك لم يَثنِهِ عن عزمه، فسار حتى لقيته طلائع الجيش الاَموي بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي (1)فاعترضه، وضيّق عليه، واضطره للنزول، فسأل الحسين - عليه السّلام- عن اسم هذه الاَرض، فقيل له أرض الطف، فقال: هل لها اسم غير هذا؟ قيل: اسمها كربلاء، فقال: «اللهم أعوذ بك من الكرب


1. وقد التحق الحرّ بعد ذلك بالحسين - عليه السّلام- وقاتل بين يديه حتى استشهد.

(31)

والبلاء». ثم قال: «ها هنا محطّ رحالنا، ومسفَك دمائنا، وهاهنا محل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - » (1)

وكان نزول الحسين - عليه السّلام- في كربلاء في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل جيشاً كبيراً بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، فنزل على مقربة من الحسين - عليه السّلام- ، ثم اتبعه ابن زياد بجيوش أُخرى، وبقي المعسكران في ذلك الموضع حتى العاشر من المحرم، اليوم الذي وقعت فيه الجريمة بقتل الحسين - عليه السّلام- والصفوة الاَخيار من أهل بيته وأصحابه الميامين.

وقد نقل الموَرخون وأرباب المقاتل تفاصيل تلك الملحمة الكبرى، والبطولات الفذّة التي أبداها الاِمام الحسين وأنصاره البررة في سبيل نصرةالحق، وإعلاء كلمة اللّه.

كما ألّف العلماء والفضلاء عشرات الكتب في عظمة ثورته - عليه السّلام- ، وأهدافها، وأبعادها، ونتائجها.

قال ابن أبي الحديد وهو يتحدث عن الحسين - عليه السّلام- : سيّد أهل الاِباء الذي علَّم الناس الحمية، والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنيّة.


1. وردت روايات كثيرة في إخبار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بما سيجري على ريحانته الحسين (عليه السّلام) ، منها:
قالت أُمّ سلمة: دخل الحسين على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ففزع، فقالت أم سلمة: مالك يا رسول اللّه؟ قال: إنّ جبريل أخبرني إنّ ابني هذا يُقتل وأنّه اشتدّ غضب اللّه على من يقتله. مختصر تاريخ دمشق: 7|224، وتهذيب الكمال: 6|409، وانظر سير أعلام النبلاء: 7|289 ـ 290، وفيه عدّة أحاديث في هذا المعنى.
كما رُوي أنّ الاِمام عليّ - عليه السّلام- نادى ـ لما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين ـ: صبراً أبا عبد اللّه، صبراً أبا عبد اللّه بشط الفرات، ثم روى - عليه السّلام- حديثاً عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في هذا الشأن. سير أعلام النبلاء: 7|288.


(32)

وقال السيد علي جلال المصري: ومع التفاوت الذي بلغ أقصى ما يتصور بين فئته القليلة وجيش ابن زياد في العدد والمدد، فقد كان ثباته ورباطة جأشه وشجاعته تحيّر الاَلباب، ولا عهد للبشر بمثلها، كما كانت دناءة أخصامه لا شبيه لها.

ومن أقوال الاِمام الحسين - عليه السّلام- : الناس عبيـد الدنيا، والدين لعـق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون.

وقال: لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الاِصلاح في أُمّة جدي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي.

وقال للوليد بن عتبة: أيها الاَمير، إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح اللّه وبنا ختم، ويزيد فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله (1)

وقد رثى الشعراء الاِمام الحسين - عليه السّلام- فأكثروا، وجمع السيد محسن العاملي كتاباً في مختار مراثيه - عليه السّلام- من شعر المتقدمين والمتأخرين سماه «الدر


1. قال ابن كثير في البداية والنهاية: 8|233: وكان فيه أيضاً ـ يعني يزيد ـ إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الاَوقات، وإماتتها في غالب الاَوقات، ونقل في ص 222 من نفس الجزء عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: يزيد القرود، وشارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات.
وقال السيوطي في «تاريخ الخلفاء»: ص 249 وهو يتحدث عن وقعة الحرّة في سنة ثلاث وستين: وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي، ونقل عن الذهبي قوله أنّه قال: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكر اشتدّ عليه الناس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك اللّه في عمره.


(33)

النضيد في مراثي السبط الشهيد» بلغ عدد أبيات الطبعة الثالثة منه نحواً من ستة آلاف بيت.

وممّن رثاه سليمان بن قتَّة العدوي، فإنّه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السّلام) بثلاث، فنظر إلى مصارعهم، وقال:

مررتُ على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها حين حلّت

فلا يُبعد اللّه البيوت وأهلها * وإن أصبحت عنهم برغمي تخلّت

وكانوا رجاء ثم عادوا رزيّة * لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت

وإن قتيل الطفّ من آل هاشم * أذلّ رقاباً من قريش فذلّت

ألم تر أنّ الاَرض أضحت مريضةً * لفقد حسين والبلاد اقشعرّت

وقد أعولت تبكي السماء لفقده * وأنجمها ناحت عليه وصلّت

وهي أبيات كثيرة (1)

وقال شاعر أهل البيت السيد حيدر الحلي (المتوفى 1304 هـ ) من قصيدة مطلعها:

تركتُ حشاكَ وسلوانَها * فخلِّ حشايَ وأحزانَها

ومنها:

كأنّ المنيّةَ كانت لديه * فتاة تواصل خلصانها

جَلتْها له البيض في موقفٍبه * أثكل السمرَ خرصانها


1. أُسد الغابة: 2|22، وغيره.

(34)

فبات بها تحت ليل الكفاح * طروب النقيبة جذلانها

وأصبح مشتجراً للرماحِ * تحلّي الدِّما منه مُرّانها

عفيراً متى عايَنَتْهُ الكُماة * يختطف الرعب ألوانها

فما أَجْلَت الحرب عن مثله * صريعاً يُجَبِّن شجعانها (1)


1. ديوان السيد حيدر الحلي: 108.

(35)

1

أبو رافع (1) ( ... ـ 40 هـ)

إبراهيم، وقيل: أسلم، مولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . من قبط مصر .

كان عبداً للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فلمّا أن بشّـر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بإسلام العباس أعتقه وزوّجه مولاته سلمى.

أسلم قديماً بمكة، وهاجر إلى المدينة، وشهد أُحداً والخندق وخيبر وبقية المشاهد، ولم يشهد بدراً لاَنّه كان بمكة.

قال ابن الاَثير: قال أبو رافع مولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : خرجنا مع عليّ حين بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - برايته إلى خيبر، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم فضربه يهودي فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ باباً كان عند الحصن فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللّه عليه،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|73، الجرح والتعديل 2|149، معجم الطبراني الكبير 1|307 برقم 89، المستدرك للحاكم 3|597، رجال النجاشي 1|61، السنن الكبرى للبيهقي 2|151، الاستيعاب (ذيل الاصابة) 1|61، المغني والشرح الكبير 2|519، أُسد الغابة 1|77، سير أعلام النبلاء 2|16، الاصابة 4|68، تهذيب التهذيب 12|92، الدرجات الرفيعة 373، تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام للسيد حسن الصدر 279، أعيان الشيعة 2|104و 3|303، معجم رجال الحديث: 1|175 برقم 52.

(36)

ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (1)

وكان أبو رافع من خيار الشيعة، ومن أهل الفضل والعلم. لزم علياً - عليه السّلام- وشهد معه حروبه، وكان صاحب بيت ماله بالكوفة، وكان ابناه عبيد اللّه وعليّ كاتبي أمير الموَمنين (2) - عليه السّلام- .

عدّ من رواة حديث الغدير من الصحابة (3)

من آثاره: كتاب السنن والاَحكام والقضايا، وهو أوّل من جمع الحديث ورَتّبهُ بالاَبواب.

قال السيد حسن الصدر: وقد وهم الحافظ الجلال السيوطي في كتاب تدريب الراوي حيث زعم أنّ ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة.

روى عن أبي رافع: ولده عبيد اللّه، وحفيده الفضل بن عبيد اللّه، وأبو سعيد المقبري، وغيرهم.

توفّي في خلافة الاِمام علي - عليه السّلام- ، وقيل: توفّي بالكوفة سنة أربعين، وجاء في روايةٍ أنّه رجع مع الحسن - عليه السّلام- إلى المدينة بعد استشهاد عليّ - عليه السّلام- ، ولا دار له بها ولا أرض، فقسم له الحسن - عليه السّلام- دار علي - عليه السّلام- بنصفين، وأعطاه سنح أرض أقطعه إيّاها.


1. الكامل في التاريخ: 2|220 حوادث سنة 7هـ.
2. عبيد اللّه بن أبي رافع: من خواص علي - عليه السّلام- ، وشهد معه حروبه، وله كتاب قضايا أمير الموَمنين، وكتاب تسمية من شهد مع أمير الموَمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة، وثّقه ابن حجر في «التقريب» أمّا علي بن أبي رافع فكانت له صحبة مع علي - عليه السّلام- ، وجمع كتاباً في فنون من الفقه.انظر رجال السيد بحر العلوم: 1|206.
3. الغدير للعلاّمة الاَميني: 1|16 برقم 8.

(37)

2
أبو هُريرة الدَّوْسي (أبو هُريرة الدَّوْسي )
1

اختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال جمَّة، وقد غلبت عليه كنيته.

قال أبو عمر : اختلفوا في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافاً كثيراً لا يُحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاِسلام (2)

وكُني أبا هريرة لهرة صغيرة كان يحملها معه.

قال أبو هريرة: كنتُ أرعى غنم أهلي وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنّوني «أبا هريرة».


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|325، التاريخ الكبير 6|132، المعارف 158، المعرفة والتاريخ1|486، الكنى والاَسماء للدولابي 61، الجرح والتعديل 6|49، مشاهير علماء الاَمصار 35 برقم 46، المستدرك للحاكم 3|506، حلية الاَولياء 1|376، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 67 برقم 48، رجال الطوسي 23 برقم 23، الخلاف للطوسي 1|176، الاستيعاب 4|200، المنتظم 5|314، صفة الصفوة 1|685، أُسد الغابة 5|315، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4|63، تهذيب الكمال 34|366، سير أعلام النبلاء 2|578، تلخيص المستدرك 3|506، العبر للذهبي 1|46، مرآة الجنان 1|130، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنـة 58 هـ) ص 347، البداية والنهاية 8|107، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|370، الاصابة 4|208، تهذيب التهذيب 12|212، تقريب التهذيب 2|484، شذرات الذهب 1|63، تنقيح المقال 2|165 برقم 6727، أبو هريرة شيخ المضيرة، معجم رجال الحديث: 22|77 برقم 14902.
2. الاستيعاب: 4|1768 برقم: 3208.

(38)

ولم يُعرف شيء عن نشأة أبي هريرة ولا عن تاريخه قبل الاِسلام سوى أنّه نشأ يتيماً ضعيفاً.

قال أبو هريرة كما في ترجمته من كتاب «المعارف»:

«نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبُسرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدو إذا ركبوا فزوجنيها اللّه، فالحمد للّه الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً».

وقدم أبو هريرة المدينة ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في غزوة خيبر، فأسلم في سنة 7 هـ، ثمّ اتخذ سبيله إلى «الصُّفة» (1)لفقره وفاقته.

روى البخاري عنه أنّه قال: كنت استقرىَ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني.

وفي رواية لمسلم: كنتُ رجلاً مسكيناً أخدم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على ملء بطني.

بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع العلاء ابن الحضرمي إلى البحرين، فجعله العلاء موَذناً بين يديه.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن أبي بكر وكعب الاَحبار وعمر وعائشة.

حدّث عنه: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد المقبُري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وعبد اللّه بن رافع مولى أُمّ سلمة، وميمون بن مهران، وخلق كثير.

وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين ثمّ عزله.

روى ابن سعد بسنده عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال لي عمر: يا


1. الصُّفّة: موضع مظلّل في موَخرة مسجد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالمدينة من الناحية الشمالية، يأوي إليه أُناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، وكان إذا تعشّى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشّوهم.

(39)

عدوّ اللّه وعدوّ كتابه أسرقتَ مال اللّه؟ قال: فقلتُ: ما أنا بعدوّ اللّه ولا عدوّ كتابه ولكنّي عدوّ من عاداهما ولا سرقتُ مال اللّه، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ ! قال: قلتُ: يا أمير الموَمنين خيلي تناسلت وسهامي تلاحقت وعطائي تلاحق. قال: فأمر بها أمير الموَمنين فقُبضتْ. قال: فكان أبو هريرة يقول: اللّهمّ اغفر لاَمير الموَمنين.

وقد أجمع رواة الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على حين أنّه لم يصاحب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلاّ ثلاث سنين (1)، فقد بلغت مروياته ـ كما في مسند بقيّ بن مخلد ـ 4735 حديثاً روى البخاري منها 446. ولهذا أنكر الصحابة عليه كثرة روايته. فعن السائب بن يزيد قال:

سمعت عمر بن الخطاب يقول لاَبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو لاَُلحقنّك بأرض دوس، وقال لكعب الاَحبار: لتتركنّ الحديث عن الاَول أو لاَُلحقنّك بأرض القردة.

وروي أنّ عائشة تأوّلت أحاديث كثيرة عن أبي هريرة ووهمته في بعضها.

قال ابن قتيبة: وكانت عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الاَيام بها وبه (2)

ولما سمع الاِمام علي - عليه السّلام- أبا هريرة يقول: قال خليلي، وسمعتُ خليلي ـ يعني النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ قال - عليه السّلام- : متى كان خليلك؟! (3)

وعن الشعبي قال: حدّث أبو هريرة فردّ عليه سعد حديثاً فوقع بينهما كلام حتى أُرتجت الاَبواب بينهما.


1. ومنهم من ينزل بصحبته إلى سنة وتسعة أشهر باعتبار أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه مع ابن الحضرمي إلى البحرين، فتوفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو بالبحرين. انظر كتاب أبي هريرة لمحمود أبو ريّة المصري.
2. انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 39 ، 41.
3. انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 39 ، 41.

(40)

وجاء في «البداية والنهاية» أنّ الزبير حين سمع أحاديث أبي هريرة قال: صدق، كذب.

وكان أبو هريرة يروي عن كعب الاَحبار ويثق به، وقد بثّ هذا الاَخير في الدين الاِسلامي الكثير من الاِسرائيليات (1)لما لم تكن لكعب صحبة، فانّه ما كان يجروَ على نسبة ما يريد بثّه في الدين إلى النبيّ الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولذلك كان ينقل أخبار بني اسرائيل من العجائب والغرائب والاَوهام، فيسمعها مَن يسمعها ممن اغترّ به من الصحابة، ثم يروونها بعد لاَيٍ، أحاديث مسندة إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو أنّهم يتناقلون قول كعب بدون اسناد إليه، فيظن بعض التابعين ومَن بعدهم أنّها ممّا سمعوه عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ولكي نقف على حقيقة ذلك، نذكر هذين المثالين:

1ـ أخـرج ابن كثير في تفسير سـورة التكـوير أنّ عبد اللّه الداتاج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث فقال:

حدثنا أبو هريرة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «إنّ الشمس والقمر ثوران عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول اللّه وتقول ـ أحسبه قال ـ وما ذنبهما؟

وحديث الشمس والقمر هذا حدّث به كعب الاَحبار نفسه، فقد روى الطبري في تاريخه في ص 44 من ج1 أنّ ابن عباس بينا ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر، قال: وكان متكئاً فاحتفز ثمّ قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة عقيران فيقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً ثمّ قال: كذب كعب كذب كعب كذب كعب ثلاث مرات، بل هذه


1. انظر ترجمة «وهب بن منبه» في قسم التابعين من كتابنا لمعرفة ما قيل في حق كعب الاَحبار.

(41)

يهودية يريد ادخالها في الاِسلام ...

2ـ روى مسلم بسنده عن عبد اللّه بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بيدي فقال خلق اللّه عزّ وجلّ التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الاَحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاَربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم (عليه السّلام) بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل(1)

قال البخاري وابن كثير وغيرهما إنّ أبا هريرة قد تلقّى هذا الحديث عن كعب الاَحبار لاَنّه يخالف نص القرآن في أنّ خلق السموات والاَرض في ستة أيام.

وجاء في «البداية والنهاية»: قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلّس ـ أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ولا يميّز هذا من هذا ـ.

وقال إبراهيم النخعي: كان أصحابنا يدَعون من حديث أبي هريرة. وفي رواية الاَعمش عنه قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة.

وكان أبو هريرة من عامة الصحابة في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبي بكر وعمر، ثمّ أخذ يظهر في زمن عثمان ثمّ ذاع صيته أكثر في زمن معاوية، وقد غمره معاوية برفده وأعطيته، وكان مروان ينيبه عنه على ولاية المدينة (2) فلم يلبث أن


1. شرح صحيح مسلم للنووي: ج (17ـ 18) كتاب 50 باب 1، الحديث 2789.
2. جاء في «سير أعلام النبلاء» ... عن أبي رافع قال: كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً ببرذعة، وفي رأسه خُلبةٌ من ليف، فيسير، فيلقى الرجلَ فيقول: الطريق! قد جاء الاَمير. وربّما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الاَعراب، فلا يشعرون حتى يُلقي نفسه بينهم، ويضرب برجليه، فيفزع الصبيان فيفرون، وربّما دعاني إلى عشائه، فيقول: دع العُراق للاَمير، فانظر فإذا هو ثريدة بزيت. والخلبة : واحد الخلب: الحبل الرقيق الصلب من الليف والقطن وغيرهما. والعُراق: العظم الذي أُخذ عنه معظم اللحم، أو الغَدْرة من اللحم.

(42)

تحوّل حاله من ضيق إلى سعة ومن فقر إلى ثراء.

جاء في «سير أعلام النبلاء» :عن ابن المسيب قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت فإذا أمسك عنه تكلّم.

وروى ابن سعد بسنده عن محمد، قال: تمخّط أبو هريرة وعليه ثوب من كتان ممشّق فتمخّط فيه فقال: بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني أخرّ فيما بين منبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وحجرة عائشة، يجيىء الجائي يرى أن بي جنوناً وما بي إلاّ الجوع، ولقد رأيتني وأنّي لاَجير لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أسوق بهم إذا ارتحلوا وأخدمهم إذا نزلوا، فقالت يوماً: لتردنّه حافياً ولتركبنّه قائماً، قال: فزوجنيها اللّه بعد ذلك فقلت لها:لتردنّه حافية ولتركبنّه قائمة!.

عُدّ أبو هريرة من المتوسطين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» إحدى وخمسين فتوى. وجمع الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي جزءاً سمّي «فتاوى أبي هريرة» (1)

قال الذهبي في سيره: وكان أبو هريرة يجهر في صلاتـه بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم».

وقال: خالـف ـ أي أبو هريرة ـ ابن عبـاس في عدة الحامل المتوفّى عنها زوجها حيث حكم ابن عباس بأبعد الاَجلين، وحكم هو بوضع الحمل.

وجاء عن أبي هريرة أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة.

توفّي أبو هريرة سنة تسع وخمسين بقصره بالعقيق وحُمل إلى المدينة ودُفن بالبقيع وصلّـى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان يومئذ أميراً على المدينة.


1. الاَعلام للزركلي: 3|308.

(43)

3
أُبي بن كعب (1)
( ... ـ 30 هـ )

ابن قيس بن عُبيد الخزرجي النجّاري الاَنصاري، أبو المنذر.

شهد العقبة مع السبعين من الاَنصار، وشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان يكتب في الجاهلية، ولما أسلم كان من كتّاب الوحي لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) .

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل.


* : الطبقات الكبرى لابن سعد 3|498 و 502، التاريخ الكبير 2|39، سنن ابن ماجة 1|185، المعارف 149، المعرفة والتاريخ 1|482، تاريخ اليعقوبي 2|138، سنن الترمذي 1|18، الجرح والتعديل 2|290، الثقات لابن حبان 3|5، مشاهير علماء الاَمصار 31 برقم 31، المستدرك للحاكم 3|302، حلية الاَولياء 1|250، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 65 برقم 44، الخلاف للطوسي 1|124، رجال الطوسي 4، الاستيعاب (ذيل الاِصابة) 1|28، طبقات الفقهاء للشيرازي 44، أسد الغابة 1|49، تهذيب الاَسماء واللغات 1|108، رجال ابن داود 35، رجال العلاّمة الحلي 22، تهذيب الكمال 2|262، سير أعلام النبلاء 1|389، العبر للذهبي 1|17 و 20، تذكرة الحفّاظ 1|16، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة (19)|191، الوافي بالوفيات 6|190، مرآة الجنان 1|75، البداية والنهاية 7|99، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|31، تقريب التهذيب 1|48، تهذيب التهذيب 1|187، طبقات الحفّاظ 14، شذرات الذهب 1|32، الدرجات الرفيعة 323، ذخائر المواريث 1|9 و 10، تنقيح المقال 1|44، تأسيس الشيعة 341، 323، أعيان الشيعة 2|455، معجم رجال الحديث 1|364 برقم 374.

(44)

عُدّ في فقهاء الصحابة، وفي الطبقة الا َُولى من المفسّـرين، وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو أوّل من ألّف في فضائل القرآن.

رُوي أنّ عثمان لما أراد أن يكتب المصاحف، أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة "والذين يكنزون الذهب والفضة ...(1)" فقال لهم أُبيّ: لتلحقنّها أو لاَضعنَّ سيفي على عاتقي. فألحقوها.

وقد عَدّ بعضهم أُبيّاً من الشيعة، ومن القائلين بتفضيل علي - عليه السّلام- . وكان قد حذّر المسلمين بعد وفاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من الفرقة، والاختلاف.

قال ابن أبي الحديد: إنّ القول بتفضيل علي - عليه السّلام- قول قديم، قد قال به كثير من الصحابة والتابعين. وعدّ من الصحابة أُبيّ بن كعب.

روى أبو نعيم بسنده عن عتي بن ضمرة، قال: قال أُبيّ بن كعب: كنّا مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ووجوهنا واحدة، حتى فارقَنا فاختلفت وجوهنا يميناً وشمالاً.

وعن قيس بن عُباد، قال: قدمت المدينة ... فسمعته [أي أُبيّ] يقول: هلك أهل العقد وربّ الكعبة. قالها ثلاثاً. هلكوا وأهلكوا، أما إنّي لا آسى عليهم، ولكنّي آسى على مَن يهلكون من المسلمين. وفي رواية: هلك أهل العقدة وربّ الكعبة، ثمّ قال: لا آسى عليهم ـ ثلاث مرار ـ أمّا واللّه ما عليهم آسى، ولكن آسى على مَنْ أَضلّوا.

حدّث عنه بنوه محمد والطفيل وعبد اللّه، وأبو أيوب الاَنصاري، وعمر بن الخطاب، وأنس،وجُندب بن عبد اللّه البجلي، وسليمان بن صرد الخزاعي، وغيرهم.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» ثماني فتاوى.

توفّي سنة ثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقيل غير ذلك.


1. التوبة: 34 .

(45)

4

أسماء بنت أبي بكر (1)

( 27 ق. هـ ـ 73 هـ)

ابن أبي قحافة، أُمّ عبد اللّه، زوج الزبير بن العوام، وأُمّ عبد اللّه بن الزبير .

أسلمت قديماً بمكة وبايعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهاجرت إلى المدينة.

وكانت أسنّ من عائشة، وهي أُختها لاَبيها.

ذُكر أنّها شهدت اليرموك مع زوجها. ثمّ طلّقها الزبير فكانت عند ابنها عبد اللّه.

روت عدة أحاديث.

روى عنها ابناها: عبد اللّه وعروة، وأبو واقد الليثي، وفاطمة بنت المنذر بن


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 8|252، المحبّر 22و 54، المستدرك للحاكم 4|64، حلية الاَولياء 2|55، جمهرة أنساب العرب 122، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 93 برقم 95، الاِحكام في أُصول الاَحكام لابن حزم 2|88، السنن الكبرى 1|331، الاستيعاب 4|228 ذيل الاصابة، المغني والشرح الكبير 1|345، أسد الغابة 5|392، سير أعلام النبلاء 2|287، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 73هـ)|353، العبر للذهبي 1|60، الوافي بالوفيات 9|57، مرآة الجنان 1|151، البداية والنهاية 8|351، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 4|224، تهذيب التهذيب 12|397، تقريب التهذيب 2|589، كنز العمال 13|627، شذرات الذهب 1|80، موسوعة حياة الصحابيات 15.

(46)

الزبير، ومحمّد بن المنكدر، وآخرون.

وكانت فصيحة تقول الشعر.

عُدّت من المقلّين في الفتيا، ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» ثلاث فتاوى.

أخرج مسلم في صحيحه (1)عن مسلم القُرّي قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخّص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه أُم ابن الزبير تحدث أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رخّص فيها فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخّص رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيها.

أخرجه بهذا اللفظ من طريقين، ثمّ قال: فأمّا عبد الرحمن ففي حديثه (المتعة) ولم يقل (متعة الحج)، وأمّا ابن جعفر فقال: قال شعبة: قال مسلم (يعني القري) لا أدري متعة الحج أو متعة النساء.

أمّا أبو داود الطيالسي (ت 204) فقد أخرج في «مسنده» ص 227 عن مسلم القري قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت فعلناها على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

طال عمر أسماء وعميت وبقيت إلى أن قُتل ابنها عبد اللّه، ثمّ ماتت بعده بأيام يسيرة سنة ثلاث وسبعين. وقد ذكر الموَرخون خبرها مع الحجاج الثقفي بعد مقتل ابنها.


1. شرح صحيح مسلم للنووي: 8|473 برقم (1238) باب في متعة الحج.

(47)

5

أُسَيْد بن حُضَيْر (1)

( ... ـ 20 ، 21 هـ)

ابن سماك الاَنصاري الاَوسي الاَشهلي، قيل في كنيته ستة أقوال أشهرها أبو يحيى.

أسلم على يد مصعب بن عمير العَبْدريّ بالمدينة، وكان مصعب قد قدم المدينة قبل السبعين أصحاب العقبة الثانية.

شهد أسيد العقبة الثانية، وكان أحد النقباء الاثني عشر.

وقيل: كان إسلامه بعد العقبة الثانية.

شهد أُحداً وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ولم يشهد بدراً، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب فيما ذكره الواقدي.

ولما توفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اختلف بعض المهاجرين والاَنصار


* : الموطأ 501، الا َُم 4|15، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|603، التاريخ الكبير 2|47، سنن النسائي 7|33، الجرح والتعديل 2|310، مشاهير علماء الاَمصار 33 برقم 36، الثقات لابن حبان 3|6 ـ7، المستدرك للحاكم 3|287، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 96 برقم 103، رجال الطوسي 4، الاستيعاب 1|32 (ذيل الاصابة)، المنتظم 4|296، أسد الغابة 1|92، رجال العلاّمة الحلي 23، سير أعلام النبلاء 1|340، العبر للذهبي 1|18، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 206، الوافي بالوفيات 9|258، مرآة الجنان 1|76، البداية والنهاية 7|104، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 1|64، تهذيب التهذيب 1|347، تقريب التهذيب 1|78، كنز العمال 13|277، شذرات الذهب 1|31، جامع الرواة 1|106، ذخائر المواريث 1|17، تنقيح المقال 1|148 برقم 971.

(48)

في أمر الخلافة حين اجتمعوا في السقيفة وجرت بينهما أُمور، ثم قام عمر وأبو عبيدة فبايعا أبا بكر، ثمّ بايعه أيضاً بشير بن سعد الخزرجي.

ولما رأت الاَوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حُضير : واللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم (1)

وكان لاَُسيد في تلك البيعة أثر عظيم، فكان أبو بكر يكرمه ولا يقدّم عليه أحداً من الاَنصار .

وفي سيرة ابن هشام 4|306: قال ابن إسحاق: ولما قُبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) انحاز هذا الحيّ من الاَنصار إلى سعد بن عبادة ... واعتزل عليّ (2)... وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الاشهل.

روى أسيد عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: كعب بن مالك، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم.

وعُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

رُوي أنّه كان يوَمّ قومه فاشتكى، فصلّـى بهم قاعداً فصلّوا وراءه قعوداً.

توفّي سنة عشرين، وقيل: احدى وعشرين، وحمل عمر بن الخطاب السرير حتى وضعه بالبقيع وصلّى عليه.


1. انظر تاريخ الطبري: 2|458 حوادث سنة 11.
2. لم يشهد الاِمام علي - عليه السّلام- السقيفة إذ كان دائباً في جهاز رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . فقالت الاَنصار أو بعض الاَنصار لا نبايع إلاّ علياً. قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة ـ رضي اللّه عنها ـ فبايعوه. انظر الكامل لابن الاَثير: 2|325 و 331 حديث السقيفة وخلافة أبي بكر.

(49)

6

أنس بن مالك (1)

( 10 ق هـ ـ 93، 91هـ)

ابن النضر بن ضمضم الاَنصاري الخزرجي، أبو حمزة، خادم رسول اللّه ص وصاحبه، وقد غزا معه غير مرّة.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأبي ذر ، وفاطمة الزهراء «عليها السّلام»، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي بكر، وسلمان الفارسي، وعمر بن الخطاب، وأمه أم سُليم بنت مِلحان، وآخرين.


*: الموطأ 29 برقم 55، الطبقات الكبرى لابن سعد 7|20، المحبر 31 و 344، التاريخ الكبير 2|27، صحيح البخاري 1|173، صحيح مسلم 5|126، سنن ابن ماجة 1|329، المعارف 174، سنن أبي داود 1|177، سنن الترمذي 2|153، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 54 برقم 25، الجرح والتعديل 2|286، اختيار معرفة الرجال 45، الثقات لابن حبان 3|4، مشاهير علماء الاَمصار 65 برقم 215، المستدرك للحاكم 3|573، السنن الكبرى للبيهقي 2|105، الخلاف للطوسي 1|122، رجال الطوسي 3، الاستيعاب 1|44، طبقات الفقهاء للشيرازي 51، المنتظم 6|303، أُسد الغابة 1|127، تهذيب الاَسماء واللغات 1|127، الرجال لابن داود 53، تهذيب الكمال 3|353، سير أعلام النبلاء 3|395، تذكرة الحفّاظ 1|44، العبر للذهبي 1|80، تاريخ الاِسلام للذهبي(سنة 393 هـ) 257، الوافي بالوفيـات 9|411، مرآة الجنان 1|182، البداية والنهاية 9|94، غاية النهاية 1|172 برقم 803، النجوم الزاهرة 1|224، الاصابة 1|84، تهذيب التهذيب 1|376، تقريب التهذيب 1|84، كنز العمال 13|286، شذرات الذهب 1|100، جامع الرواة 1|109، ذخائر المواريث 1|51 برقم 436، تنقيح المقال 1|154 برقم 1072، أعيان الشيعة 3|502، معجم رجال الحديث 3|239 برقم 1558.



(50)

روى عنه: ثابت البُناني، والحسن البصري، وسالم بن أبي الجَعد، والاَعمش، ومحمّد بن سيرين، وخلق كثير.

ومسنده ألفان ومائتان وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مئة وثمانين حديثاً.

وهو ممن كتم شهادته بحديث الغدير في علي - عليه السّلام- ، فدعا - عليه السّلام- عليه فابتلي بالبرص (1)

جاء في سير الاَعلام: قال يحيى بن سعيد الاَنصاري عن أُمّه: أنّها رأت أنساً متخلقاً بخلوق، وكان به برص، وعن أبي جعفر [الباقر ] - عليه السّلام- : كان أنس ابن مالك أبرص وبه وضح شديد.

وقال ابن قتيبة في معارفه: كان بوجهه برص. وذكر قوم: أنّ علياً ـ رضي اللّه عنه ـ سأله عن قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، فقال: كبرت سنّي ونسيت. فقال عليّ: إن كنت كاذباً فضربك اللّه ببيضاء لا تواريها


1. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت علياً ـ بالرحبة ـ ينشد الناس: من سمع رسول اللّه ص يقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه» فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه يقول ... تاريخ بغداد للخطيب: ح14|236 ترجمة يحيى بن محمد الاَخباري . وأخرج الحاكم حديث الغدير عن زيد بن أرقم، وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. المستدرك: 3|533 .

وأخرج البيهقي في مجمع الزوائد: 9|106 عن أحمد، والطبراني في الكبير ووثق رجاله ... عن زيد بن أرقم، قال: نشد عليٌّ الناس، فقال: أنشد اللّه رجلاً سمع النبي ص يقول: من كنت مولاه ... فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا بذلك، وكنتُ فيمن كتم، فذهب بصري. وفي رواية عنده: وكان عليٌّ دعا على من كتم. الغدير: 1|169 .

استنشدهم - عليه السّلام- بحديث الغدير بالرحبة في الكوفة في أيام خلافته.


(51)

العمامة (1). فكان أنس يقول: لا أكتم حديثاً سُئلت عنه في عليّ بعد يوم الرحبة.

وكان أنس في مجلس ابن زياد في قصر الامارة بعد قتل الحسين - عليه السّلام- حين أذن للناس إذناً عاماً وأمر بإحضار رأس الحسين - عليه السّلام- ، وجعل يضرب ثناياه بالقضيب، فبكى أنس، وقال: كان أشبههم برسول اللّه.

وكان الحجاج الثقفي قد ختم في عنق أنس: هذا عتيق الحجاج! حتى ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان فيه.

قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف ممّا كان عليه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأصحابه إلاّ هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية: وهذه الصلاة قد ضيعت.

قال ابن كثير: يعني ما كان يفعله خلفاء بني أُميّة من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسّع.

ولاَنس في «الخلاف» 24 فتوى منها: الفرض في الطهارة الصغرى المسح على الرجلين، وروي عن جماعة من الصحابة وأنس القول بالمسح.

توفّي بقصره بالطف (على فرسخين من البصرة) في سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وتسعين، وقيل: سنة تسعين. وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.


1. قال العلاّمة الاَميني في غديره: 1|192: هذا نص ابن قتيبة في الكتاب، وهو الذي اعتمد عليه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 4|388 ... لكن اليد الاَمينة ... دسّت في الكتاب ما ليس منه، فزادت بعد هذه القصة ما لفظه: قال أبو محمد: ليس لهذا أصل. ذهولاً عن أنّ سياق الكتاب يُعرب عن هذه الجناية، ويأبى هذه الزيادة، إذ الموَلف يذكر فيه مصاديق كل موضوع ما هو المسلّم عنده، ولا يوجد من أوّل الكتاب إلى آخره حكمٌ في موضوع بنفي شيء من مصاديقه إلاّ هذه .

(52)

7

البَراء بن عازب (1)

( 10 ، 12 ق. هـ ـ 72 ، 71 هـ)

ابن الحارث الاَنصاري الحارثي، أبو عمارة ، وقيل: أبو الطفيل.

ردّه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم بدر استصغره، وأوّل مشاهده أُحد وقيل الخندق. وشهد غزوات كثيرة مع النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . ثمّ نزل الكوفة بعده.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حديثاً كثيراً.

روى عنه: أبو جُحيفة السُّوائي، وعدي بن ثابت، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأبو عمر زاذان، وآخرون.

شهد فتح تسْتَـر، وهو الذي افتتح الرّي سنة أربع وعشرين في قول أبي عمرو الشيباني (2)


*: الا َُم 1|167، الطبقات الكبرى لابن سعد 4|364 و 166، التاريخ الكبير 2|117، المعارف 184، الجرح والتعديل 2|399، اختيار معرفة الرجال 44 و 45، مشاهير علماء الاَمصار 76 برقم 272، الثقات لابن حبّان 3|26، المعجم الكبير للطبراني 1|341، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 79 برقم 70، جمهرة أنساب العرب 1|34، الخلاف للطوسي 1|470، رجال الطوسي 8 و 35، تاريخ بغداد 1|177، الاستيعاب 1|143 (ذيل الاصابة)، المغني 1|167، أُسد الغابة 1|171، تهذيب الاَسماء واللغات 1|132، رجال ابن داود 54، رجال العلاّمة الحلي 24، تهذيب الكمال 4|34، سير أعـلام النبلاء 3|194 و 166، تـاريـخ الاِسلام للذهبي (سنة 71هـ) 300، العبر للذهبي 1|58، الوافي بالوفيات 10|104، مرآة الجنان 1|145، الجواهر المضيئة 2|425، تهذيب التهذيب 1|425، الاصابة 1|146، شذرات الذهب 1|77، تنقيح المقال 1|161، أعيان الشيعة 3|550، معجم رجال الحديث 3|275 برقم 1653.

. وقيل افتتحها حذيفة سنة 22 هـ ، وقيل افتتحها قَرَظة بن كعب الاَنصاري.


(53)

عُدّ من أصحاب الاِمام عليّ - عليه السّلام- ، وشهد معه حروبه، الجمل وصفّين والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب.

وهو أحد رواة حديث غدير خم (1)من الصحابة، رواه عنه غير واحد من التابعين مفصّلاً (2)

قال الخطيب البغدداي: وكان رسولَ عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقة، ثمّ روى بسنده عن أبي الجهم قال: بعث عليُّ البراء بن عازب إلى أهل النهروان يدعوهم ثلاثة أيام فلمّـا أبوا سار إليهم.


1. روى ابن ماجة في «السنن»: 1|43 باب (11) في المقدمة، عن البراء قال: أقبلنا مع رسول اللّه ص في حجته التي حجّ، فنزل في بعض الطريق فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد عليّ فقال: «ألستُ أولى بالموَمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألست أولى بكل موَمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: «فهذا وليٌّ من أنا مولاه، اللّهمّ والِ مَن والاه، وعاد مَن عاداه» وأخرجه أحمد بن حنبل في «المسند»: 4|281.

وحديث الغدير هذا قد شهد به القريب والبعيد، ورواه عدد كبير من الصحابة والتابعين، وأصفق علماء الفريقين على صحته وتواتره (انظر كتاب الغدير: 1|294) حتى أنّ سعد بن أبي وقاص حين غضب من معاوية ـ لمّا نال من أمير الموَمنين - عليه السّلام- ـ قال: تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّه يقول: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» و ... إلى آخر ما رواه ابن ماجة في الباب المذكور أعلاه.
2. رُوي عن طريق أهل السنّة أنّ البراء ممّن كتم الشهادة بحديث الغدير، فدعا عليه الاِمام - عليه السّلام- فعمي.

أقول: إنّ ولاء البراء لبني هاشم قديم، وهو الذي يقول ـ كما في أعيان الشيعة عن «السقيفة» للجوهري ـ: (إنّي لم أزل لبني هاشم محباً فلمّا قبض رسول اللّه ص تخوّفت أن تتمالاَ قريش على إخراج هذا الاَمر من بني هاشم فأخذني ما يأخذ الواله العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول اللّه ص فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند النبي ص في الحجرة... ) كما اتفق الرواة على أنّ البراء شهد مع أمير الموَمنين - عليه السّلام- مشاهده كلها، فلا يُعقل أن يشهدها وهو أعمى. ثم إنّه كان رسولَ الاِمام - عليه السّلام- إلى الخوارج بالنهروان ـ كما في رواية الخطيب ـ فبهذه القرائن وغيرها ولعدم الوثوق بسند رواية الكتمان والدعاء ـ كما قيل ـ يُستبعد أن يكون البراء ممن كتم الشهادة.


(54)

ذكره أبو إسحاق الشيرازي فيمن نُقل عنه الفقه من الصحابة (1) وعُدّ من المقلّين في الفتيا.

رُوي عن البراء أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سئل: ماذا يتقى من الضحايا، فأشار بيده وقال أربعـاً ـ وكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) ـ: العرجاء البيّن ظَلعها، والعوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البيِّن مرضُها ، والعجفاء التي لا تُنقي (2)

وعنه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: أيّما إمام سها فصلّى بالقوم وهو جنب فقد تمت صلاتهم ثم ليغتسل هو ثم ليعد صلاته فان كان بغير وضوء فمثل ذلك.

وعنه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صلّى يوم الاَضحى بغير أذان ولا إقامة.

توفّي البراء بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وقيل احدى وسبعين.


1. طبقات الفقهاء: 52.
2. السنن الكبرى: للبيهقي: 9|273 ـ 274. و «الظَّلَع» العرج والغمز. و (عجف) من باب تعب ضعف و (لا تُنقي) من أُنقي إذا صار ذا نِقي، والمعنى التي ما بقي لها مخ في عظامها من غاية العجف.



(55)

8

بُرَيْدَة بن الحُصَيْب (1)

( ... ـ 62 ، 63هـ)

ابن عبد اللّه بن الحارث الاَسلمي، في كنيته أقوال: أبو عبد اللّه، أبو ساسان، أبو سهل، أبو الحُصيب.

قيل: إنّه أسلم عام الهجرة إذ مرّ به النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مهاجراً بالغَميم، ثمّ قدم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعد أُحد، فشهد معه غزوة خيبر، والفتح، وكان معه اللواء (لواء قومه أسلم)، واستعمله النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على صدقات قومه، وبعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حين أراد غزوة تبوك يستنفرهم إلى عدوّهم، ولم يزل بعد وفاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مقيماً بالمدينة حتى فتحت البصرة ومُصّرت فتحوّل إليها، ثمّ خرج منها ـ فيما قيل ـ غازياً إلى خراسان في زمن عثمان، فأقام بمرو ونشر بها العلم حتى مات.

أمّا ابن الاَثير فذكر أنّ زياداً ولّى الربيع بن زياد الحارثي على خراسان أوّل سنة احدى وخمسين وسيّـر معه خمسين ألفاً بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم: بُريدة بن الحُصيب، وأبو برْزة ولهما صحبة، فسكنوا خراسان (2)


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|241، التاريخ الكبير 2|141، المعارف 170، الجرح والتعديل 2|424، اختيار معرفة الرجال 38 و 94، مشاهير علماء الاَمصار 100 برقم 414، الثقات لابن حبان 3|29، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 91 برقم 91، المستدرك للحاكم 3|110، السنن الكبرى للبيهقي 3|283، الخلاف للطوسي 1|656، رجال الطوسي 10 و 35، الاستيعاب 1|177 (ذيل الاصابة)، طبقات الفقهاء للشيرازي 52، المغني والشرح الكبير 2|226، الرجال لابن داود 55، رجال العلاّمة الحلي 27، سير أعلام النبلاء 2|469، الجواهر المضيئة 2|417، الاصابة 1|150، الدرجات الرفيعة 400، شذرات الذهب 1|70، تنقيح المقال 1|166 برقم 1261، أعيان الشيعة 3|559.
1. الكامل في التاريخ: 3|489 حوادث سنة 51.

(56)

وفي الاصابة: انّ الباوردي أورده ـ أي بُرَيْد الاَسلمي ـ في الصحابة من طريق ضعيفة عن عبيد اللّه بن أبي رافع فيمن شهد صفّين من الصحابة مع عليّ وقتل بها. قال وفيه يقول عليّ:

جزى اللّه خيراً عصبة أَسلمية * حسان الوجوه صُـرّعوا حول هاشمِ (1)

بُرَيْد وعبد اللّه منهم ومنقذ(2) * وعروة وابنا مالك في الاَكارمِ

قال: وهذا إن صح غير بريدة بن الحصيب الاَسلمي لاَنّه تأخّر بعد ذلك بزمن طويل.

حدّث بُريدة عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

حدّث عنه ابناه: سليمان، وعبد اللّه، وأبو نَضْـرة العبدي، والشعبي، وآخرون.

عُدّ من أصحاب الاِمام علي - عليه السّلام- . وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (3).

روى النسائي بسنده عن بريدة، قال: بعثنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى اليمن مع


1. هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، المعروف بالمِرقال، ابن أخي سعد بن أبي وقاص: صحابي خطيب فارس شجاع، شهد القادسية مع «سعد» وأُصيبت عينه يوم اليرموك فقيل له «الاَعور» وفتح جلولاء، وكان من مخلصي أصحاب علي - عليه السّلام- ، وكان صاحب رايته في صفين، وكان يحمل على أهل الشام مراراً، ويقاتل قتالاً شديداً حتى استشهد ـ رحمه اللّه ـ في آخر أيام صفين. الكامل لابن الاَثير: سنة 37 هـ، الاَعلام: 8|66.
2. ورد اسم (يزيد) بدل (بُريد) في رواية نصر بن مزاحم في كتاب وقعة صفين ص 356، وكذلك أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 9|35. والاَبيات ـ كما في النهج ـ هي:

جزى اللّه خيراً عصبة أسلمية * صباحَ الوجوه صُـرّعوا حول هاشم

يزيد وسعدان وبشر ومعبد * وسفيان وابنا معبد ذي المكارم

وعروة لا يبعد نثاه وذكره * إذا اختُرطت يوماً خفاف الصوارم 3. الغدير: 1|20 برقم 19.


(57)

خالد بن الوليد وبعث علياً ـ رضي اللّه عنه ـ على جيش آخر وقال: إن التقيتما فعليّ ـ كرم اللّه وجهه ـ على الناس وإن تفرقتما فكل واحد منكما على جنده، فلقينا بني زبيد من أهل اليمن فظفر المسلمون على المشركين فقاتلنا المقاتلة وسبينا الذريّة، فاصطفى عليّ جارية لنفسه من السبي، وكتب بذلك خالد بن الوليد إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأمرني أن أنال منه، قال: فدفعت الكتاب إليه ونلت من عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ فتغيّر وجه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال: لا تبغضن يا بريدة لي علياً فإنّ علياً منّي وأنا منه وهو وليّكم بعدي (1)

وروى الحاكم بسنده عنه، قال: كان أحب النساء إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فاطمة ومن الرجال علي (2)

وقال بريدة: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغد أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، وقتل محمود بن مسلمة، فرجع الناس، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لاَدفعنّ لوائي غداً إلى رجل يحبُّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله، لن يرجع حتى يُفتح له». فبتنا طيّبةً أنفسنا أنّ الفتح غداً، فصلّى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صلاة الغداة، ثمّ دعا باللواء، وقام قائماً، فما منّا من رجل له منزلة من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلاّ يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولتُ أنالها، فدفعتُ رأسي لمنزلةٍ كانت لي منه، فدعا عليّ بن أبي طالب وهو يشتكي عينه، قال: فمسحها ثمّ دفع إليه اللواء، وقال بريدة: إنّه كان صاحب مَرْحب(3).

توفّي بريدة بمرو سنة اثنتين وستين، وقيل: ثلاث وستين، ورُوي أنّه أوصى أن يوضع في قبره جريدتان.


1. خصائص أمير الموَمنين علي بن أبي طالب| 23.
2. المستدرك على الصحيحين: 3|155. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ـ أي البخاري ومسلم ـ وصححه الذهبي في تلخيصه.
3. مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 5|180 الترجمة 85. ومرحب هو الفارس اليهودي الذي قتله أمير الموَمنين - عليه السّلام- . انظر الطبري: 2|300 حوادث سنة 7 هـ.

(58)

9

بلال الحبشي (1)

( ... ـ 20، 21هـ)

بلال بن رَباح الحبشي، مولى أبي بكر، وأُمّه حَمامة. وفي كنيته أقوال: أبو عبد اللّه، وأبو عبد الكريم، وأبو عمرو.

كان من السابقين إلى الاِسلام، ومن المستضعفين من الموَمنين، وكان يُعذّب ليرجع عن دينه، وكان الذي يعذّبه أُميّة بن خلف، يُلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره إذا حميت الشمس وقت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتُلقى على صدره، ويقول له: اكفر بربّ محمّد، فيقول بلال: أحدٌ أحد.

هاجر إلى المدينة، وآخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي رويحة الخثعمي، وقيل: آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث.

وشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


*: الموطأ 325 برقم 1047، الا َُم للشافعي 1|32 و 223، الطبقات الكبرى 3|232، التاريخ الكبير 2|106، صحيح مسلم 3|177، الجرح والتعديل 2|395، مشاهير علماء الاَمصار 85 برقم 323، الثقات لابن حبان 3|28، المعجم الكبير للطبراني 1|336، المستدرك للحاكم 3|282، حلية الاَولياء 1|147، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 103 برقم 116، رجال الطوسي 8، الخلاف للطوسي 3|253، الاستيعاب 1|145، صفة الصفوة 1|434، معجم البلدان 3|315، أُسد الغابة 1|206، تهذيب الاَسماء واللغات 1|136، تهذيب الكمال 4|288، سير أعلام النبلاء 1|347، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 201، العبر للذهبي 1|18، مرآة الجنان 1|75، البداية والنهاية 7|104، الجواهر المضيئة 2|417، الاصابة 1|169، تهذيب التهذيب 1|502، تقريب التهذيب 1|110، الدرجات الرفيعة 362، كنز العمال 13|305، شذرات الذهب 1|31، ذخائر المواريث 1|114، أعيان الشيعة 3|601، معجم رجال الحديث 3|364 برقم 1887.



(59)

وهو أوّل من أذّن لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . علّمه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الاَذان (1)، فكان يوَذن له في السفر والحضر. ولم يوَذن لاَحد بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ثمّ خرج بعد وفاة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى الشام، فأقام بها.

روي أنّ بلالاً رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟ فانتبه حزيناً، فركب إلى المدينة فأتى قبر النبيوجعل يبكي عنده، ويتمرّغ عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبّلهما ويضمّهما، فقالا له: نشتهي أن توَذن في السحر، فعلا سطح المسجد، فلما قال: اللّه أكبر اللّه أكبر، ارتجّت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، زادت رجّتها، فلما قال: أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه، خرج النساء من خدورهن، فما رئي أكثر باكياً ولا باكيةً من ذلك اليوم.

وجاء في تفسير المنار (2) أنّ عمر كتب إلى أبي عبيدة، وهو في جيش خالد على الشام يولّيه إمارة الجيش، ويعزل خالداً عنها. فكتم أبو عبيدة الاَمر، ولما أبطأ على عمر الجواب كتب إلى أبي عبيدة ثانية يأمره فيه بأن يقرأه على ملاَ من المسلمين، وفيه الاِذن بأن يعتقل خالد بعمامته ويحاسبه، فهابه أبو عبيدة، ولكنّه لما قرأ الكتاب، قام بلال الحبشي، وحلّ عمامة خالد واعتقله بها وحاسبه. قال صاحب التفسير: فانظروا ماذا فعل هدى الاِسلام بهوَلاء الكرام، يقوم مولى من الفقراء إلى السيد القرشي العظيم والقائد الكبير، فيعقله بعمامته على أعين الملاَ ....

عُدّ بلال من المقلّين في الفتيا من الصحابة. ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة ، وهي:

الاَضحية سنّة موَكّدة لمن قدر عليها وليست بواجبة، وبها قال من الصحابة: أبو بكر و... وبلال.

توفّي بدمشق سنة عشرين، وقيل: احدى وعشرين، وقيل غير ذلك، وهو ابن بضع وستين سنة، ولا عقب له. ودفن عند الباب الصغير.


1. من لا يحضـره الفقيه للشيخ الصَّدُوق أبي جعفر محمد بن علي (ت 381): الجزء 1، باب الاَذان والاقامة، الحديث 872.
2. تفسير المنار: 4|37 مختصراً.

(60)

10


جابر بن عبد اللّه (1)

( ... ـ 78، 74 هـ)

ابن عمرو بن حرام الاَنصاري الخزرجي، أبو عبد اللّه.

شهد العقبة الثانية مع السبعين من الاَنصار، وكان أصغرهم يومئذ، وشهد المشاهد كلّها، إلاّ بدراً وأُحد، حيث خلّفه أبوه فيهما على أخواته، وكن تسعاً أو سبعاً، واستشهد أبوه يوم أُحد، وقد ورد أنّه شهد بدراً.

وكان من المكثرين في الحديث الحافظين للسنن.


*: الطبقات الكبرى (ابن سعد) 2|372، المحبر 298، التاريخ الكبير 2|207، المعارف 173، الجرح والتعديل 2|492، رجال الكشي 40، مشاهير علماء الاَمصار 30 برقم 25، الثقات (ابن حبّان) 3|51، المعجم الكبير للطبراني 2|180 برقم 188، سنن الدار قطني 1|83، المستدرك للحاكم 3|564، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 46 برقم 12، جمهرة أنساب العرب 359، السنن الكبرى للبيهقي 1|56، الخلاف للطوسي 1|78، الاستيعاب 1|222 (ذيل الاصابة)، المغني والشرح الكبير 1|107، أُسد الغابة 1|256، الكامل في التاريخ 4|447، تهذيب الاَسماء واللغات 1|142، تهذيب الكمال 4|443، سير أعلام النبلاء 3|189، تذكـرة الحفّاظ 1|43، تاريـخ الاِسلام للذهبي (سنة 78 هـ) 377، الوافي بالوفيات 11|27 برقم 45، مرآة الجنان 1|158، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|198، الاصابة 1|214، تهذيب التهذيب 2|42، تقريب التهذيب 1|122، شذرات الذهب 1|84، ذخائر المواريث 1|28، تنقيح المقال 1|199، أعيان الشيعة 4|45، معجم رجال الحديث 4|11 برقم 2018، قاموس الرجال 2|310.



(61)

روى عن: النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعليّ - عليه السّلام- ، وفاطمة الزهراء «عليها السّلام» ،ومعاذ بن جبل، وعلي بن الحسين السجاد «عليهما السلام» ، ومحمد بن علي الباقر «عليهما السلام» ، وآخرين.

روى عنه: سالم بن أبي الجعد، وأبو حمزة الثمالي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير، وسعيد بن المسيب، وآخرون.

وقد وقع ـ في الكتب الاَربعة ـ في اسناد عدة من الروايات عن الرسولوالاَئمة - عليهم السلام - تبلغ أكثر من تسعة وعشرين مورداً (1)

شهد وقعة صفين مع الاِمام علي - عليه السّلام- وكان منقطعاً إلى أهل البيت «عليهم السلام» حيث عُدّ من أصحاب عليّ والحسن والحسين والسجاد والباقر «عليهم السلام» ، وهو الذي أخبره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأنّه سيبقى حتى يرى رجلاً من ولده، اسمه محمد يبقر العلم بقراً،وأمره أن يقرئه السلام (2)

قال ابن الاَثير: في هذه السنة [سنة 40 هـ] بعث معاويـة بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف، فسار حتى قدم المدينة ـ إلى أن قال: ـ فأرسل إلى بني سلمة فقال: واللّه ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه! فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال لها: ماذا ترين؟ إنّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيتُ أن أُقتل. قالت: أرى أن تبايع ... فأتاه جابر فبايعه (3)

وعن سهل الساعدي، قال: كنّا بمنى فجعلنا نُخبر جابر بن عبد اللّه، ما نرى من إظهار قُطف الخزّ والوشي ـ يعني السلطان وما يصنعون ـ فقال: ليت سمعي قد


1. وقع بعنوان (جابر بن عبد اللّه) في اسناد أحد عشر مورداً، وبعنوان (جابر بن عبد اللّه الاَنصاري) في اسناد سبعة عشر مورداً، وبعنوان (جابر الاَنصاري) في اسناد رواية واحدة، كما وقع بعنوان (جابر) في اسناد روايات أُخرى. انظر «معجم رجال الحديث».
2. انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 23|78 ترجمة محمد بن علي الباقر، وفيه قول جابر: يا محمد إنّ رسول اللّه ص يقرأ عليك السلام.
3. الكامل في التاريخ: 3|383 حوادث سنة أربعين.

(62)

ذهب كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره.

وكان جابر يفتي بالمدينة، وله حلقة في المسجد النبوي يوَخذ عنه العلم، وكان من أجلاّء المفسرين، وكُفّ بصره في آخر عمره. وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (1)

أورد له الشيخ الطوسي في «الخلاف» إحدى عشرة فتوى منها:

القهقهة لا تنقض الوضوء سواء كانت في الصلاة أو في غيرها.

رُوي عن جابر انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سافر في رمضان فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأمره، فأمره أن يفطر، ثم دعا النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بإناء فوضعه على يده ثم شرب والناس ينظرون (2)

توفي جابر سنة ثمان وسبعين، وقيل: أربع وسبعين، وقيل غير ذلك، وهو يومئذ ابن أربع وتسعين فيما قيل، وكان آخر من شهد العقبة الثانية موتاً.

وهو أوّل من زار قبر الحسين - عليه السّلام- ، فقد ورد كربلاء بصحبة التابعي عطية بن سعد العوفي، في العشرين من صفر، بعد مُضيّ أربعين يوماً على استشهاده (عليه السّلام) .

روي أنّه لما دنا من القبر، خرّ مغشيّاً عليه، فلما أفاق، قال: يا حسين، ثلاثاً، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه. ثم قال: وأنّى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفُرّق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنّك ابن النبيين، وابن سيد الموَمنين، ...، وخامس أصحاب الكساء (3)


1. الغدير: 1|21.
2. المستدرك على الصحيحين للحاكم: 1|433 كتاب الصوم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأورده الذهبي في تلخيصه.
3. منتهى الآمال لعباس القميّ: 1|786 ـ 788.

(63)

11


جَبَلة بن عمرو الاَنصاري (1)

( ... ـ كان حياً 50 هـ)

جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة الاَنصاريّ (2) المدنيّ، أخو أبي مسعود (3) البدري الاَنصاري.

شهد وقعة صفين مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- ، وسكن مصر.

روى عنه: سليمان بن يسار، وثابت بن عبيد.

قال سليمان بن يسار: كان جبلة بن عمرو فاضلاً من فقهاء الصحابة.

روى البخاري في تاريخه وابن السكن من طريق بكير بن الاَشجّ عن سليمان بن يسار أنّهم كانوا في غزوة في المغرب مع معاوية ـ يعني ابن خديج ـ فنفل الناس ومعه أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلم يردّ ذلك غير جبلة بن عمرو الاَنصاري.

لم نظفر بتاريخ وفاته، إلاّ أنّه كان حيّاً في سنة خمسين، وهي السنة التي غزا فيها معاوية بن خديج إفريقية.


*: ثقات ابن حبان 3|58، رجال الطوسي 37 برقم 6، الاستيعاب 1|235 برقم 317، أُسد الغابة 1|269، الاصابة 1|225 برقم 1081، تنقيح المقال 1|207 برقم 1622، أعيان الشيعة 4|66، معجم رجال الحديث 4|35 برقم 2057، قاموس الرجال 2|346.
1. وصفه بعضهم بالساعدي، وهذا وهم، فالساعدي هو: جبلة بن عمرو بن أوس بن عامر بن ثعلبة، الذي منع من دفن عثمان في البقيع. انظر الاصابة: 1|225 برقم 1080.
2. الآتي ترجمته برقم 64.

(64)

12

أبو ذرّ الغفاري (1)

( ... ـ 32 هـ)

اختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور المحفوظ: جُندب بن جنادة.

كان أحد السابقين الاَوّلين، قدم على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو بمكة فأسلم، ثم رجع إلى بلاد قومه بأمر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فكان يسخر بآلهتهم.

وكان يتألّه في الجاهلية ويوحّد، ولا يعبد الاَصنام.


*: الا َُم 1|123، الطبقات الكبرى لابن سعد 2|354، التاريخ الكبير 2|221، المعارف 142، اختيار معرفة الرجال 6 و 24،مشاهير علماء الاَمصار 30 برقم 28، الثقات لابن حبّان 3|55، المستدرك للحاكم 3|337، حلية الاَولياء 1|352 و 156، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 68 برقم 49، الخلاف للطوسي 1|388، رجال الطوسي 13 و 36، الفهرست للطوسي 45، الاستيعاب 1|214، معالم العلماء 32، صفة الصفوة 1|584، المغني والشرح الكبير 1|7510، أُسد الغابة 5|187، رجال ابن داود 67، رجال العلاّمة 36، تهذيب الكمال 33|294، سير أعلام النبلاء 2|46، العبر للذهبي 1|24، تذكرة الحفّاظ 1|17، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 32هـ) 405، الوافي بالوفيات 11|193، مرآة الجنان 1|88، البداية والنهاية 7|171، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|89، الاصابة 4|63، تهذيب التهذيب 12|90، كنز العمال 13|311، شذرات الذهب 1|39، الدرجات الرفيعة 225، تنقيح المقال 1|234 برقم 1967، تأسيس الشيعة 281، أعيان الشيعة 4|225، الغدير: 8|292، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 8|252، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، معجم رجال الحديث: 4|164 برقم 2385.



(65)

ولما هاجر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، هاجر أبو ذر إلى المدينة، وكان حامل راية غفار يوم حنين.

قيل: خرج إلى الشام في زمن عثمان، وقيل: بعد وفاة أبي بكر، وكان يقدم حاجاً ويسأل عثمان الاِذن في مجاورة قبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فيأذن له في ذلك (1). قال ابن أبي الحديد: والذي عليه أكثر أرباب السيرة، وعلماء الاَخبار والنقل انّ عثمان نفى أبا ذر أوّلاً إلى الشام.

وأصل هذه الواقعة: انّ عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاَموال، واختص زيد بن ثابت بشيء منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: "بشر الكافرين بعذاب أليم" ويتلو قول اللّه عزّ وجلّ: "والذين يكنزون الذهب والفضة ..." .

ورُفع ذلك إلى عثمان، ثم جرت بينهما أُمور، فقال له عثمان: إلحق بالشام. فأخرجه إليها.

وكان أبو ذر يقوم بالشام فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة اللّه، ويروي عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ما سمعه منه في فضائل أهل بيته - عليهم السلام - ويحضهم على التمسك بعترته.

ولما بنى معاوية الخضراء بدمشق، قال أبو ذر: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الاسراف. وكان يقول:

واللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها، واللّه ما هي في كتاب اللّه، ولا سنّة نبيه،


1. قال السيد الحسن العاملي: وليس ذلك بصواب. وما كان أبو ذر ليترك المدينة مهاجر رسول اللّه ص ومسجده ومجاورة قبره اختياراً ويذهب إلى الشام فيجاور بني أُمية.

(66)

واللّه إنّي لاَرى حقاً يُطفأ، وباطلاً يحيى، وصادقاً يُكذَّب، وأثَرَة بغير تُقى، وصالحاً مستأثَراً عليه.

وشكى منه معاوية، فاستقدمه عثمان، ثم نفاه من المدينة إلى الرَّبذة.

ولما أُخرج إلى الرَّبذة، أمر عثمان، فنودي في الناس أن لا يكلّم أحد أبا ذر ولا يشيّعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به، فخرج به، وتحاماه الناس إلاّ علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ، وعقيلاً أخاه، وحسناً وحسيناً «عليهما السلام» ، وعمّـاراً، فهم خرجوا معه يشيعونه، فقال عليّ - عليه السّلام- :

«يا أبا ذر انّك غضبت للّه، فارجُ مَنْ غَضبتَ له. إنّ القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عمّـا منعوك.

وستعلم مَن الرابح غداً، والاَكثر حُسّداً، ولو انّ السموات والاَرضين كانتا على عبد رتقاً، ثم اتقى اللّه لجعل اللّه له منهما مخرجاً.

لا يوَنسنَّك إلاّ الحق، ولا يوحشنّك إلاّ الباطل، فلو قبِلت دنياهم لاَحبّوك، ولو قرضت منها لاَمَّنوك» (1)

وكان أبو ذر رأساً في الزهد والصدق، والقول والعمل، قوّالاً بالحق، لا تأخذه في اللّه لومة لائم.

قيل له: ألم ينهك أمير الموَمنين [عثمان] عن الفتيا؟ قال: لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ على أن أترك كلمة سمعتها من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لاَنفذتها قبل أن يكون ذلك.


1. قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وقد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة.

(67)

روي عن بريدة، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّ اللّه عزّ وجلّ أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنّه يحبهم: علي وأبو ذر والمقداد وسلمان.

وعن عبد اللّه بن عمرو: قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (1)

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة.

روي عن أبي ذر أنّه قال: أوصاني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بسبع: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن لا أسأل أحداً شيئاً، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مُرّاً، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في اللّه لومة لائم، وأوصاني أن أستكثر من قول لا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم فانّها من كنوز الجنّة.

توفي بالربذة في سنة اثنتين وثلاثين، وشهد دفنه عبد اللّه بن مسعود، صادفه وهو مقبل من الكوفة في رهط من أهل العراق عُمّـاراً، واستهلّ ابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك (2).


1. وأخرجه الحاكم عن أبي ذر وصححه، وأقرّه الذهبي، وأخرجه أيضاً عن أبي الدرداء وصحّحه، وأقرّه الذهبي. المستدرك: 3|342 .
2. طبقات ابن سعد: 4|235.

(68)

13

جرير بن عبد اللّه (1)

( ... ـ 51 ، 54 هـ)

ابن جابر البَجَلي القَسْـري، أبو عمرو ، وقيل: أبو عبد اللّه.

قدم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في العام الذي توفّي فيه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فبايعه وأسلم.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن عمر بن الخطاب.

روى عنه ابناه: أيوب والمنذر، وأنس بن مالك، وشهر بن حوشب، والشعبي، وغيرهم.

عُدّ من المقلّين من الصحابة فيما رُوي عنه من الفتيا.

شهد حرب القادسية، ثم نزل الكوفة.

ولما قدم أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- الكوفة بعد وقعة الجمل، كتب إلى جرير ـ وكان عاملاً لعثمان على هَمَدان ـ يدعوه إلى البيعة، فكتب إليه جرير


*: وقعة صفين لنصر بن مزاحم 18 و 32، الطبقات الكبرى لابن سعد 6|22، التاريخ الكبير 2|211، المعارف 166، الكنى والاَسماء للدولابي 84، الجرح والتعديل 2|502، اختيار معرفة الرجال 584، مشاهير علماء الاَمصار 76 برقم 275، الثقات لابن حبّان 3|54، المعجم الكبير للطبراني 2|290، المستدرك للحاكم 3|464، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 48 برقم 14، جمهرة أنساب العرب 139، رجال الطوسي 13 و 36، الاستيعاب 1|243، صفة الصفوة 1|740، اللباب 1|121، أسد الغابة 1|279، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3|70، تهذيب الاَسماء واللغات 1|147، الرجال لابن داود 61، رجال العلاّمة الحلي 36، تهذيب الكمال 4|533، سير أعلام النبلاء 2|530، العبر للذهبي 1|740، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد معاوية) 185، الوافي بالوفيات 11|75، البداية والنهاية 8|57، الجواهر المضيئة 2|416، تهذيب التهذيب 2|73، تقريب التهذيب 1|127، تنقيح المقال 1|210 برقم 1714، أعيان الشيعة 4|71.



(69)

جواب كتابه بالطاعة (1) ثم أقبل إلى الكوفة فبايعه.

بعثه الاِمام علي - عليه السّلام- رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والاَنصار من طاعته، فلما قدم جرير على معاوية ماطله واستنظره (2) وكتب معاوية إلى علي - عليه السّلام- أن يجعل له الشام ومصر جباية، وألاّ يجعل لاَحد من بعده في عنقه بيعة. فكتب الاِمام - عليه السّلام- إلى جرير:

أمّا بعد: فانّما أراد معاوية ألاّ يكون لي في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحبّ وأراد أن يُريثك ويبطئك حتى يذوق أهل الشام، وأنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا حينئذ بالمدينة فأبيت ذلك عليه، ولم يكن اللّه ليراني اتخذ المضلّين عَضُداً، فإنّ بايعك الرجل، وإلاّ فأقبل والسلام.

وكان معاوية يدافع جريراً بالبيعة حتى ذاق الشام ـ حسب تعبير الاِمام (عليه السّلام) ـ . ثمّ قدم جرير على أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، وأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام على قتاله، ويُروى أنّ مالك الاَشتر عنّف جريراً، وأزرى عليه موقفه من معاوية، فخرج جرير إلى قرقيسياء (3)فيما قيل، ولم يشهد صفّين.

توفّي بقرقيسياء، وقيل بالشَّراة (السراة) (4)في سنة إحدى أو أربع وخمسين.


1. وذكر ابن أبي الحديد أنّ جريراً قام في أهل همدان خطيباً ـ بعد ورود كتاب عليّ - عليه السّلام- إليه ـ ثم قال:

أتانا كتاب عليٍّ فلم * نرُدّ الكتاب بأرض العجَمْ

ولم نعصِ ما فيه لما أتى * ولما نُذمَّ ولما نُلَمْ

فصلى الاله على أحمد * رسول المليك تمام النعمْ

رسول المليك ومن بعده * خليفتنا القائم المُدَّعَمْ

علياً عنيتُ وصيَّ النبيّ * نجالد عنه غواةَ الاَُمم

له الفضل و السبق والمكرمات * وبيتُ النبوة لا يُهتضم 2. انظر تاريخ الطبري: 3|560 طبع موَسسة الاَعلمي.
3. وهي بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ وعندها مصب الخابور في الفرات. معجم البلدان.
4. الشَّـراة: صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول. والشراة أيضاً جبل شامخ من دون عُسفان. أمّا السّـراة: فهي الجبال والاَرض الحاجزة بين تهامة واليمن، وهي باليمن أخص.


(70)

14


أبو قتادة الاَنصاري (1)

( ... ـ 54 هـ)

الحارث بن رِِبْعي السُّلمي، وقيل في اسمه: النعمان، وقيل عمرو، واشتهر بكنيته.

شهد أُحداً، وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، واختُلف في شهوده بدراً.

وكان في جيش خالد بن الوليد في زحفه إلى البطاح. قال ابن خلكان: وقدم ـ يعني مالك بن نُوَيرة اليربوعي ـ على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيمن قدم من العرب فأسلم، فولاه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صدقة قومه ... إلى آخر ما روى عن موقفه مع


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|15، المحبر 122، التاريخ الكبير 2|258، الجرح والتعديل 3|74، الكنى والاَسماء للدولابي 48، مشاهير علماء الاَمصار 33 برقم 39، الثقات لابن حبّان 3|73، المعجم الكبير للطبراني 3|239، المستدرك للحاكم 3|480، الاحكام لابن حزم 2|89، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 94 برقم 98، جمهرة أنساب العرب 360، رجال الطوسي 26، الخلاف للطوسي 1|413، الاستيعاب 4|161، صفة الصفوة 1|647، ا لمغني والشرح الكبير 2|10، أسد الغابة 5|274، تهذيب الاَسماء واللغات 2|265، تهذيب الكمال 34|194، سير أعلام النبلاء 2|449، العبر للذهبي 1|43، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 52هـ) ص 340، مرآة الجنان 1|128، البداية والنهاية 8|70، تهذيب التهذيب 12|204، تقريب التهذيب 2|463، الاصابة 4|158، كنز العمال 13|617، الدرجات الرفيعة 351، تنقيح المقال 1|244 برقم 2075، أعيان الشيعة 4|305.



(71)

خالد بن الوليد يوم البطاح، وأنّهما تجاولا في الكلام طويلاً، فقال له خالد: إنّي قاتلك ... وكان عبد اللّه بن عمر وأبو قتادة الاَنصاري حاضرين فكلّما خالداً في أمره، فكره كلامهما (1) ولما قَتلَ خالد مالكاً وتزوّج امرأته، غضب أبو قتادة لفعلة خالد، وتركه منصرفاً إلى أبي بكر في المدينة، مقسماً أن لا يكون أبداً في لواء عليه خالد.

وقد نزل أبو قتادة الكوفة، وشهد مع أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- حروبه كلّها.

قيل: واستعمله علي - عليه السّلام- على مكة ثم عزله بقُثم بن العباس.

رُوي أنّ معاوية قدم المدينة، فلقيه أبو قتادة، فقال: تلقّاني الناس كلهم غيرَكم يا معشر الاَنصار، فما منعكم؟ قالوا: لم يكن لنا دوابّ، قال: فأين النواضح؟ قال أبو قتادة: عقرناها في طلب أبيك يوم بدر ....

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

إذا أدرك مع الاِمام ركعتين أو ركعة في الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة كان ما أدركه معه أوّل صلاته يقرأ فيها بالحمد وسورة ويقضي آخره.

وكان قليل الحديث. حدّث عنه: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وآخرون.

قيل له: مالك لا تحدّث عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما يحدّث عنه الناس؟ فقال سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: من كذب عليّ فليشهد لجنبه مضجعاً من النار.

وعن أبي سعيد الخدري، قال: أخبرني من هو خـير منّي ـ أبو قتادة ـ أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال لعمّـار : «تقتلك الفئة الباغية».

توفّي بالمدينة في سنة أربع وخمسين، وقيل: توفّي بالكوفة في سنة أربعين، وصلّـى عليه الاِمام علي - عليه السّلام- .


1. وفيات الاَعيان: 6|12 ترجمة وَثيمة بن الفرات.

(72)

15


حُذيفة بن اليَمان (1)

( ... ـ 36هـ)

واسم اليمان: حُسَيْل، ويقال حِسْل بن جابر العَبْسي، أبو عبد اللّه.

قيل: وكان حسيل قد أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الاَشهل فسمّي اليمان لحلفه لليمانية وهم الاَنصار.

وكان حذيفة من أجلاّء الصحابة وخيارهم وفقهائهم وشجعانهم.

أسلم قديماً، وآخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين عمار بن ياسر، وشهد المشاهد كلّها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدا بدر.

عن حذيفة، قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلاّ أنّي خرجت أنا وأبي، فأخذَنا كفّار قريش، فقالوا: إنّكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريد إلاّ المدينة، فأخذوا العهد علينا لننصرفنّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأخبرنا النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: «تفي بعهدهم ، ونستعين اللّه عليهم». ثم شهد هو وأبوه أُحداً، فقُتل أبوه يومئذ، قتله بعض الصحابة خطأ، فتصدّق حذيفة عليهم بديَتِه.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|527، التاريخ الكبير 3|95، اختيار معرفة الرجال 6 و 36 و 38 و 94، مشاهير علماء الاَمصار 74 برقم 267، الثقات لابن حبّان 3|80، المعجم الكبير للطبراني 3|161، المستدرك للحاكم 3|137، حلية الاَولياء 1|270، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 47 برقم 13، رجال الطوسي 16و 37، الخلاف للطوسي 1|266، الاستيعاب 1|377 (ذيل الاصابة)، أسد الغابة 1|391، الكامل في التاريخ 3|287، تهذيب الاَسماء واللغات 1|153، رجال العلاّمة الحلّي 60، تهذيب الكمال 5|495، سير أعلام النبلاء 2|361، تاريخ الاِسلام (عهد الخلفاء)491، الوافي بالوفيات 11|327، مرآة الجنان 1|100، الاصابة 1|317، تهذيب التهذيب2|219، كنز العمال13|343، شذرات الذهب1|32، الدرجات الرفيعة 282، أعيان الشيعة 4|591، معجم رجال الحديث 4|245 برقم 2618.



(73)

وقد ندبه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ بعد قتل علي - عليه السّلام- عمرو بن عبد ود العامري في وقعة الخندق ـ ليجسَّ له خبر المشركين، فدخل بينهم وجاءه بخبرهم.

وامتاز حذيفة بمعرفة المنافقين. أسرَّ اليه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأسمائهم، وأعلمه بالفتن الكائنة في هذه الا َُمة، وكان عمر بن الخطاب لا يصلّـي على ميت حتى يصلّـي عليه حذيفة، يخشى أن يكون من المنافقين.

روي أنّه لما عاد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من غزوة تبوك وانحدر في العقبة، وكانت ليلة مُظـلمة، وأراد جماعة من المنافقين اثنا عشر أو أربعة عشر رجلاً أن ينفروا الناقة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، كان حذيفة قد أخذ بزمامها يقودها وعمار يسوقها، فبرقت حتى رآهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وحذيفة وعرفهم حذيفة بأعيانهم، فعند ذلك هربوا ودخلوا في غمار الناس.

شهد حذيفة فتح العراق والشام وبلاد فارس، ونزل الكوفة بعد تمصيرها وكان له بها حلقة يحدث فيها.

ولاّه عمر على المدائن، ولما بلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي - عليه السّلام- قال ـ وكان عليلاً ـ: اخرجوني وادعوا الصلاة جامعة، فوضع على المنبر ... ثم قال: أيُّها الناس إنّ الناس قد بايعوا علياً، فعليكم بتقوى اللّه وانصروا علياً وآزروه، فواللّه إنّه لعلى الحق آخراً وأوّلاً، وانّه لخير من مضى بعد نبيّكم ومن بقي إلى يوم القيامة.

وكان حذيفة موالياً للاِمام علي - عليه السّلام- ، مقدماً له، وقد أوصى ابنيه سعيد وصفوان بملازمة أمير الموَمنين واتباعه، فكانا معه بصفّين واستشهدا بين يديه.

عُدّ من المقلّين في الفتيا ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» ثماني فتاوى.

روى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة جارية بن ظفر اليمامي بسنده عنه: إنّ داراً كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظراً ثم هلكا، فادّعى عقب كل منهما أنّ الحظار له واختصم عقباهما إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأرسل حذيفة بن اليمان ليقضي بينهما، فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القُمْط تليه، ثمّ رجع


(74)

فأخبر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: أصبت أو أحسنت.

عن النزال بن سبرة، قال: كنا مع حذيفة في البيت، فقال له عثمان: يا أبا عبد اللّه ما هذا الذي يبلغني عنك؟ قال: ما قلته؟ فقال له عثمان: أنت أصدقهم وأبرهم، فلما خرج قلت له: يا أبا عبد اللّه ألم تقل ما قلت؟ قال: بلى ولكن اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه.

ومن كلام حذيفة: ذهب النفاق فلا نفاق، إنّما هو الكفر بعد الاِيمان، اليوم شر منهم على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، كانوا يومئذ يكتمونه وهم اليوم يظهرونه.

وقال: إيّاكم ومواقف الفتن، قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد اللّه؟ قال: أبواب الا َُمراء. يدخل أحدكم على الاَمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه.

توفّي سنة ست وثلاثين.

عن بلال بن يحيى، قال: لما حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين يوماً قال لنا: أوصيكم بتقوى اللّه والطاعة لاَمير الموَمنين علي بن أبي طالب(1).

1


الحسن بن علي بن أبي طالب «عليهما السلام»

انظر ترجمته في ص 21

17


الحسين بن علي بن أبي طالب «عليهما السلام»

انظر ترجمته في ص 26


1. مستدرك الحاكم: 3|380 ، وذكره الذهبي في تلخيصه.

(75)

18


أبو أيوب الاَنصاري (1)

( ... ـ 52 هـ)

خالد بن زيد بن كُليب الخزرجي النجاري، أبو أيوب الاَنصاري.

شهد العقبة الثانية، وعليه نزل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حين قدم المدينة مهاجراً، وشهد بدراً وأُحداً والخندق وسائر المشاهد.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين مصعب بن عمير.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن أُبي بن كعب.

روى عنه: البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معد يكرب، وسعيد بن المسيب، وآخرون.


*: الموطأ 131، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|484، التاريخ الكبير 3|136، المعارف 56، الجرح والتعديل 3|331، اختيار معرفة الرجال رقم الحديث 76و77 و 78، و 95، الثقات لابن حبّان 3|102، مشاهير علماء الاَمصار 49 برقم 120، المستدرك 3|457، حلية الاَولياء 1|361، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 66 برقم 45، رجال الطوسي 18 و 40 الخلاف للطوسي 1|101 م 48، تاريخ بغداد 1|153، الاستيعاب 1|404، أسد الغابة 5|143، رجال ابن داود 87، رجال العلاّمة الحلي 65، تهذيب الكمال 33|59، العبر 1|40، سير أعلام النبلاء 2|402، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 52هـ) 328، الوافي بالوفيات 13|251، مرآة الجنان 1|124، البداية والنهاية 8|60، الجواهر المضيئة 2|415، تهذيب التهذيب 3|90، كنز العمال 13|614، شذرات الذهب 1|57، الدرجات الرفيعة 314، أعيان الشيعة 6|283، الكنى والاَلقاب لعباس القمي: 1|13، الاَعلام 2|295.



(76)

وكان مخلصاً في ولاء أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- ، مختصاً به، وشهد معه حروب الجمل وصفّين والنهروان، وكانت معه راية أمان في وقعة النهروان فمن خرج من عسكر الخوارج إلى رايته كان آمناً، وله موعظة لاَهل الكوفة وتحريضهم على الثبات في نصرة الاِمام علي - عليه السّلام- .

روى الحاكم عن شعبة، قال: قلت للحكم: أشَهِدَ أبو أيوب مع علي صفّين؟ قال: لا، ولكن شهد معه قتال أهل النهر.

قال ابن العديم (1) كذا قال الحاكم، والصحيح أنّه شهدها مع علي وأكثر الحفّاظ والاَئمّة على ذلك.

وقال ابن الكلبي وابن إسحاق والواقدي وأبو القاسم البغوي إنّه شهد صفّين.

وقيل: ما كان ليتخلّف عن علي وهو من خاصّته.

روي أنّ أبا أيوب قدم على معاوية، فأجلسه معه على السرير، وحادثه، وقال: يا أبا أيوب، مَن قتل صاحب الفرس البلقاء التي جعلتْ تجول يوم كذا وكذا؟ قال: أنا، إذ أنت وأبوك على الجمل الاَحمر معكما لواء الكفر. فنكّس معاوية، وتنمّر أهل الشام، وتكلّموا. فقال معاوية: مه! وقال: ما نحن عن هذا سألناك.

وكان أبو أيوب يخالف مروان، فقال له مروان: ما يحملك على هذا؟ قال: إنّي رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصلّي الصلوات فان وافقته وافقناك، وان خالفته خالفناك.

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب


1. بغية الطلب في تاريخ حلب: 7|3029 ترجمة خالد بن زيد.

(77)

«الخلاف» ثلاث فتاوى منها:

لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط إلاّ عند الاضطرار، لا في الصحارى ولا في البنيان.

روى الحاكم انّ عبد اللّه بن عباس والمسور بن مخرمة اختلف في المحرم يغسل رأسه بالماء من غير جنابة، فأرسلا إلى أبي أيوب الاَنصاري، وهو في بعض مياه مكة يسألانه عن ذلك.

غزا أبو أيوب أيام معاوية أرض الروم مع يزيد بن معاوية سنة اثنتين وخمسين، وقيل: خمسين، وقيل غير ذلك، فتوفي عند مدينة القسطنطينية، ودفن بالقرب من سورها.


(78)

19


خَبّاب بن الاَرتّ (1)

( 36 ق هـ ـ 37 ، 39 هـ)

ابن جندلة بن سعد ، أبو عبد اللّه ، وقيل: أبو يحيى.

سبي في الجاهلية، فبيع بمكة، وهو قديم الاِسلام.

وكان من المستضعفين الذين يُعذّبون بمكة ليرجع عن دينه، ألبسوه الدرع الحديد وصهروه في الشمس، فبلغ من الجهد ما شاء أن يبلغ من حرّ الحديد والشمس، فصبر ولم يعط الكفّار ما سألوه، فجعلوا يلصقون ظهره بالرضف حتى ذهب لحم متنه.

وفيه وفي جماعة من فقراء الموَمنين أنزل اللّه تعالى: "ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغدوةِ والعَشِـىِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ" (2)


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|164، التاريخ الكبير 3|15، الجرح والتعديل 3|359، مشاهير علماء الاَمصار 76 برقم 273، المستدرك للحاكم 3|381، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 60 برقم 34، السنن الكبرى للبيهقي 6|135، الخلاف للطوسي 3|5 طبع جماعة المدرسين، رجال الطوسي 19، الاستيعاب 1|423، المغني والشرح الكبير 5|581، معجم البلدان 1|176، أُسد الغابة 2|98، تهذيب الكمال 8|219، سير أعلام النبلاء 2|323، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 37هـ) 562، الجواهر المضيئة 2|417، الاصابة 1|416، تهذيب التهذيب 3|133، تقريب التهذيب 1|221، شذرات الذهب 1|47، تنقيح المقال 1|395 برقم 3639، أعيان الشيعة 6|304، معجم رجال الحديث 7|44 برقم 4238.
1. الاَنعام: 52 .

(79)

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين جبر بن عتيك، وقيل: آخى بينه وبين تميم مولى خراش بن الصمة.

وعدّه في «الاستيعاب» ممن فضّل علياً على غيره.

رُوي أنّه جاء إلى عمر، فقال عمر: أدنُه فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلاّ عمار بن ياسر، فجعل خباب يُريه آثاراً في ظهره ممّا عذّبه المشركون.

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة:

المزارعة بالثلث والربع والنصف أو أقل بعد أن يكون بينهما مشاعاً جائزة، وبه قال في الصحابة ... خباب بن الاَرَتّ.

وقد نزل خباب الكوفة، وتوفّي بها في خلافة الاِمام علي - عليه السّلام- سنة سبع وثلاثين، ولم يشهد صفّين، كان مريضاً، وطال به المرض فمنعه من شهودها، ولما رجع أمير الموَمنين من صفّين، مرّ بقبره، فقال:

يرحم اللّه خباب بن الاَرت فلقد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وقنع بالكفاف، ورضي عن اللّه، وعاش مجاهداً (1)

وقيل: توفّي سنة تسع وثلاثين، بعد أن شهد صفّين والنهروان، وصلّى عليه علي - عليه السّلام- ودفن بظهر الكوفة وكان يوم مات ابن ثلاث وسبعين.


1. شرح نهـج البلاغة لابن أبي الحديـد: 18|171. وروى الطبراني في المعجم الكبير: 4|56 من طريق زيد بن وهب أنّه لما رجع عليٌّ من صفين، مرّ بقبر خباب، فقال: رحم اللّه خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتُلي في جسمه أحوالاً، ولن يضيع اللّه أجر من أحسن عملاً.

(80)

20


خُزيمة بن ثابت (1)

(... ـ 37 هـ)

ابن الفاكه بن ثعلبة الاَنصاري الخَطْمي، أبو عمارة، ذو الشهادتين.

سُمّي ذا الشهادتين لاَنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - جعل شهادته كشهادة رجلين.

شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وكان حامل راية بني خطْمة يوم الفتح، وشهد موَتة.

وهو من جملة الصحابة الذين استشهدهم الاِمام عليّ - عليه السّلام- بالكوفة، فشهدوا جميعاً أنّهم سمعوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه».

وكان من كبار جيش الاِمام عليّ. شهد معه وقعتي الجمل وصفّين.


*: الطبقات الكبرى (ابن سعد) 4|378، المعرفة والتاريخ 1|380، الجرح والتعديل 3|381، اختيار معرفة الرجال 52، مشاهير علماء الاَمصار 77 برقم 277، الثقات 3|107، المعجم الكبير للطبراني 4|83، المستدرك للحاكم 3|385، جمهرة أنساب العرب 334، رجال الطوسي 19 و 40، الاستيعاب 1|416، صفة الصفوة 1|293، أُسد الغابة 2|114، تهذيب الاَسماء واللغات 1|175، تهذيب الكمال 8|243، سير أعلام النبلاء 2|485، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 564، الوافي بالوفيات 13|310، مرآة الجنان 1|101، البداية والنهاية 7|322، الاصابة 1|425، تهذيب التهذيب 3|140، كنز العمال 13|379، شذرات الذهب 1|45، الدرجات الرفيعة 310، تنقيح المقال: 1|397 برقم 3678، أعيان الشيعة 6|318 و 8|374، معجم رجال الحديث: 7|47.



(81)

وممّا روي عنه من الشعر يوم الجمل:

أعائشُ خلّي عن عليّ وعيبه * بما ليس فيه إنّما أنتِ والده

وصيّ رسول اللّه من دون أهله * وأنتِ على ما كان من ذاك شاهده

وحمل يوم صفّين وهو يقول:

قد مرّ يومان وهذا الثالث * هذا الذي يلهث فيه اللاهثُ

هذا الذي يبحث فيه الباحث * كم ذا يُرجّي أن يعيش الماكث

الناس موروث ومنهم وارث * هذا عليٌّ مَن عصاهُ ناكث

فقاتل حتى قُتل ـ رحمه اللّه ـ.

قال صاحب الاصابة: روى ابن عساكر في تاريخه من طريق الحكم بن عتيبة أنّه قيل له: أشَهِدَ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين الجمل؟ فقال: لا ، ذاك خزيمة بن ثابت آخر ومات ذو الشهادتين في زمن عثمان. هكذا أورده من طريق سيف صاحب الفتوح، وقال الخطيب في الموضح: أجمع أهل السير أنّ ذا الشهادتين قتل مع علي وليس سيف بحجة إذا خالف ... وجزم الخطيب بأنّه ليس في الصحابة من يسمّى خزيمة واسم أبيه ثابت سوى ذي الشهادتين.

أقول: ونفى ابن أبي الحديد أيضاً وجود صحابي آخر اسمه خزيمة بن ثابت سوى ذي الشهادتين وأضاف: وإنّما الهوى لا دواء له.

روى بعضهم أنّ خزيمة بن ثابت كان كافاً سلاحه حتى قُتل عمار، فسلّ سيفه، وقاتل حتى قُتل.

أقول: وهذا لا يصحّ أيضاً، وما ذكره الموَرخون من مواقفه وأشعاره يشهد


(82)

بخلاف ذلك، ثمّ كيف يكفّ سلاحه، ويبقى متفرجاً في المعارك، وهو معدود من كبار أصحاب عليّ - عليه السّلام- ، وله في التعبير عن موالاة الاِمام عليّ - عليه السّلام- ومعرفة حقّه وفضله شعر كثير (1) وهل أنّ خزيمة ممّن تأخذه الريبة لمكان عمار ولا تأخذه لمكان عليّ (2) - عليه السّلام- ؟!

حدّث عن خزيمة: ابنه عُمارة، وأبو عبد اللّه الجدلي، وعمرو بن ميمون الاَودي، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وجماعة.

استشهد في صفّين في الواقعة المعروفة بوقعة الخميس، سنة سبع وثلاثين.


1. روى الحاكم في مستدركه: 3|114 بسنده عن الاَسود بن يزيد النخعي. قال: لما بويع عليّ بن أبي طالب على منبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال خزيمة بن ثابت ـ وهو واقف بين يدي المنبر ـ:

إذا نحن بايعناً عليّاً فحسبُنا * أبو حسن مما نخاف من الفتنْ

وجدناه أولى الناس بالناس إنّه * أطبّ قريش بالكتاب وبالسننْ

وإن قريشاً ما تشقّ غباره * إذا ما جرى يوماً على الضمّر البدنْ

وفيه الذي فيهم من الخير كله * وما فيهم كل الذي فيه من حسنْ 2. قال ابن أبي الحديد: عجباً لقوم تأخذهم الريبة لمكان عمار ولا تأخذهم لمكان عليّ بن أبي طالب.


(83)

21

دِحية الكلبي (1)

( ... ـ كان حياً بعد 40 هـ)

دِحية بن خليفة بن فروة الكلبي.

أوّل مشاهده الخندق، وقيل أُحد، وكان يُضرب به المثل في حسن الصورة فيما قيل.

روي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه إلى قيصر رسولاً سنة ست في الهدنة.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: عبد اللّه بن شداد بن الهاد، وعامر الشعبي، ومنصور الكلبي، وآخرون.

وقد شهد اليرموك، ونزل دمشق وسكن المِزّة، وعاش إلى زمن معاوية.

عدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|249، التاريخ الكبير 3|254، الجرح والتعديل 3|439، مشاهير علماء الاَمصار 94 برقم 380، الثقات لابن حبّان 3|117، الاِحكام لابن حزم 2|89، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 94 برقم 99، السنن الكبرى للبيهقي 4|241، الاستيعاب 1|463، تهذيب الاَسماء واللغات 1|185، أُسد الغابة 2|130، وفيات الاَعيان 3|449، تهذيب الكمال 8|473، سير أعلام النبلاء 2|550، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 50هـ) 48، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 1|463، تهذيب التهذيب 3|206.



(84)

رُوي عن منصور الكلبي أنّ دحية بن خليفة خرج من قرية بدمشق إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان ثمّ إنّه أفطر وأفطر معه أناس، فكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: واللّه لقد رأيت أمراً ما كنت أظن أنّي أراه، إنّ قوماً رغبوا عن هدى رسول اللّه وأصحابـه ـ يقول ذلك للذين صاموا ـ ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (1)


1. قال البيهقي بعد إيراد هذه الرواية: قال «الليث»: الاَمر الذي اجتمع الناس عليه أن لا يقصروا الصلاة ولا يفطروا إلاّ في مسيرة أربعة برد ـ في كل بريد اثنا عشر ميلاً. ثم علل البيهقي قول دحية: «رغبوا عن هدى رسول اللّه ص وأصحابه» بقوله: أي في قبول الرخصة لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه واللّه أعلم.أمّا المسافة ـ عند فقهاء الشيعة الاِمامية ـ التي بجب على المسافر التقصير معها في الصلوات الرباعية فهي بريدان، وهما ثمانية فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع إنسان عادي، أي أربعة وعشرون ميلاً، علماً أنّ كل سفر يجب قصر الصلاة فيه يجب قصر الصوم وبالعكس. ولصلاة المسافر شروط أُخرى ذكرها الفقهاء في كتبهم، انظر (شرائع الاِسلام| 369) لاَبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن، المعروف بالمحـقق الحلي (ت 676 هـ) و (اللمعة الدمشقية: 1|101) لمحمّد بن جمال الدين مكي العاملي، المعروف بالشهيد الاَوّل (استشهد سنة 786هـ).


(85)

22

رافع بن خديج (1)

(12 ق هـ ـ 74 ، 73 هـ)

ابن رافع الاَنصاري الاَوسي ، أبو عبد اللّه، وقيل: أبو خَديج.

ردّه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن القتال يوم بدر لصغر سنّه، ثمّ شهد أُحداً والخندق وبقية المشاهد، وأصابه سهم يوم أُحد، فانتزعه، فبقي النصل في لحمه إلى أن مات، ورُوي أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «أنا أشهد لك يوم القيامة».

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن عمّه ظهير بن رافع.

روى عنه: ابن عمر ، والسائب بن يزيد، وابنه رِفاعة بن رافع، وحفيده عَباية بن رِفاعة، وآخرون.

عُدّ من أصحاب الاِمام عليّ - عليه السّلام- وشهد معه وقعة صفّين.


*: المحبر 411، التاريخ الكبير 3|299، الجرح والتعديل 3|479، مشاهير علماء الاَمصار 31 برقم 29، الثقات لابن حبّان 3|121، المستدرك للحاكم 3|561، جمهرة أنساب العرب 340، رجال الطوسي 19 و 41، الخلاف للطوسي 1|665 م 438، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 78 برقم 68، الاستيعاب 1|483، المنتظم 6|143، المغني والشرح الكبير 2|247، أُسد الغابة 2|151، سير أعلام النبلاء 3|181، مرآة الجنان 1|155، الجواهر المضيئة 2|416، البداية والنهاية 9|6، تهذيب التهذيب 3|229، الاصابة 1|483، شذرات الذهب 1|82، تنقيح المقال 1|422 برقم 3938، أعيان الشيعة 6|447، معجم رجال الحديث 7|157 برقم 4486.



(86)

وكان من المقلّين في الفتيا من الصحابة، وكان ممن يفتي بالمدينة زمن معاوية وبعده، وهو الذي أخبر ابن عمر بنهي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن كراء المزارعة (1)، وكان عريف قومه بالمدينة.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

يُكره التنفّل يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها إلى الزوال للاِمام، وأمّا المأموم فلا يكره له ذلك إذا لم يقصد التنفّل لصلاة العيد.

توفّي بالمدينة سنة أربع أو ثلاث وسبعين.


1. راجع الحكاية في ترجمة عبد اللّه بن عمر بن الخطاب.

(87)

23

أُم حبيبة (1)

(17 قبل البعثة ـ 44 هـ)

رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب.

هاجرت مع زوجها عبيد اللّه بن جحش الاَسدي، أسد خزيمة من مكة إلى أرض الحبشة، فافتتن عبيد اللّه وتنصّـر بها، ومات على النصرانية، فلمّـا قدمت أُمّ حبيبة المدينة تزوّجها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

واختلف فيمن ولي عقدة النكاح، فقيل عثمان بن عفان، وقيل خالد بن سعيد بن العاص، وقيل: بل زوّجها إياه النجاشي وهي بأرض الحبشة.

قيل إنّ أُمّ حبيبة لما جاء أبوها إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ليوَكد عقد الهدنة، دخل عليها فمنعته أن يجلس على فراش رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لمكان الشرك.

روت عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن زينب بنت جحش.


*: الا َُم 2|151، الطبقات الكبرى لابن سعد 8|96، الجرح والتعديل 9|461، الثقات لابن حبّان 3|131، المستدرك للحاكم 4|20، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 69 برقم 51، الخلاف للطوسي 6|287 م 64، الاستيعاب 4|296 و 421، المغني والشرح الكبير 3|227، أُسد الغابة 5|574، تهذيب الاَسماء واللغات 2|358، تهذيب الكمال 1|203، سير أعلام النبلاء 2|218، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 44هـ)12، الاعلام بوفيات الاَعلام 1|32 برقم 99، تهذيب التهذيب 1|419، الاصابة 4|300، شذرات الذهب 1|54.

(88)

روى عنها: معاوية، وابنتها حبيبة، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السّمان، وآخرون.

ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

يستحب أن يتطيب للاحرام سواء كانت تبقى رائحته أم لا .

أخرج البلاذري من طريق خالد بن حرب قال: لجأ بنو أُمية يوم قتل عثمان إلى أُمّ حبيبة فجعلت آل العاص وآل أبي العاص وآل أُسيد في كندوج وجعلت سائرهم في مكان آخر، ونظر معاوية يوماً إلى عمرو بن سعيد يختال في مشيته فقال: بأبي وأُمّي أُمّ حبيبة، ما كان أعلمها بهذا الحيّ حين جعلتك في كندوج؟ (1) توفّيت أُمّ حبيبة بالمدينة سنة أربع وأربعين، وقيل اثنتين وأربعين.



1. نقلناه من كتاب الغدير للعلاّمة الاَميني: 9|198، و (كندوج) شبه المخزن في البيت.

(89)

24

الزبير بن العوّام (1)

( ... ـ 36هـ)

ابن خويلد القرشي الاَسدي، أبو عبد اللّه.

ابن عمة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صفية بنت عبد المطلب، وهو زوج أسماء بنت أبي بكر أُخت عائشة.

هاجر إلى الحبشة ولم يُطل الاِقامة بها.

وشهد المشاهد كلّها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان أحد الستّة الذين اختارهم عمر بن الخطاب للخلافة.

بايع الاِمام عليّاً - عليه السّلام- ، ثم استأذنه هو وطلحة في الخروج إلى العمرة،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|100، التاريخ الكبير 3|409، المعارف 127، الجرح والتعديل 3|578، اختيار معرفة الرجال 70 و 133، مشاهير علماء الاَمصار 25 برقم 9، المعجم الكبير للطبراني 1|118، المستدرك للحاكم 3|359، حلية الاَولياء 1|89، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 56 برقم 28، جمهرة أنساب العرب 121، الخلاف للطوسي 2|264، رجال الطوسي 19، الاستيعاب 1|560، المنتظم 5|107، أُسد الغابة 2|196، رجال ابن داود 96، تهذيب الكمال 9|319، سير أعلام النبلاء 1|41، العبر للذهبي 1|27، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 36هـ) 496، الوافي بالوفيات 14|180، البداية والنهاية 7|260، تهذيب التهذيب 3|318، تقريب التهذيب 1|259، الاصابة 1|526، كنز العمال 13|204، شذرات الذهب 1|42، تنقيح المقال 437 برقم 4205، أعيان الشيعة 7|44، معجم رجال الحديث: 7|215 برقم 4654.

(90)

فأذن لهما، فالتحقا بعائشة، ونكثا البيعة. وساروا إلى البصرة بحجة الطلب بدم عثمان، فكانت معركة الجمل.

قال له الاِمام عليّ في ساحة المعركة: أتطلب منّي دم عثمان وأنت قتلته؟! سلّط اللّه على أشدنا عليه اليوم ما يكره (1) وذكّره قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : لتقاتلنّ عليّاً وأنت له ظالم. قيل: فانصرف عن القتال إلى وادي السباع، ونزل ليصلّي فأتاه ابن جرموز وقتله.

وقيل: إنّه أراد الاعتزال، ولكن ابنه عبد اللّه عيّـره بالجبن وقال له: ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أنّ تحتها الموت فجبنت، فأحفظه حتى أرعد وغضب ... وقام في الصف معهم ... وقُتل الزبير فزعموا أنّ ابن جرموز لهو الذي قتله (2).

وجاء في رواية أُخرى: ... فاقتتلوا صدر النهار مع طلحة والزبير وفي وسطه مع عائشة وتزاحف الناس (3) وروي أيضاً: ... فواللّه ما فجأها [أي عائشةج إلاّ الهزيمة، فمضى الزبير لسَننه في وجهه فسلك وادي السباع (4)

ترك الزبير من العروض خمسين ألف ألف درهم، ومن العين خمسين ألف ألف درهم.

روى أحاديث يسيرة. حدّث عنه بنوه عبد اللّه ومصعب وعروة، ومالك بن أوس بن الحَدَثان، وآخرون.

له في مسند بقيّ بن مخلد ثمانية وثلاثون حديثاً.

نقل عنه في «الخلاف» عشر فتاوى، منها:

لا ترث أُمّ الاَب مع الاَب.

قُتل في سنة ست وثلاثين وعمره ست أو سبع وستون.


1. تاريخ الطبري: 3|520، 519، 524، 518 في حوادث سنة 36 هـ.
2. تاريخ الطبري: 3|520، 519، 524، 518 في حوادث سنة 36 هـ.
3. تاريخ الطبري: 3|520، 519، 524، 518 في حوادث سنة 36 هـ.
4. تاريخ الطبري: 3|520، 519، 524، 518 في حوادث سنة 36 هـ.

(91)

25


زياد بن لبيد (1)

( ... ـ 41 هـ)

ابن ثعلبة بن سنان الاَنصاريّ الخزرجيّ البياضيّ، أبو عبد اللّه المدنيّ.

شهد العقبة مع السبعين من الاَنصار (2) وخرج إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بمكة فأقام معه حتى هاجر - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهاجر معه، فكان يقال له مهاجريّ أنصاري.

ثم شهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلّها، واستعمله رسول اللّهعلى حضرموت، وولي قتال أهل الردّة باليمن حين ارتدّ أهل النجير مع الاَشعث بن قيس حتى ظفر بهم، وبعث بالاَشعث إلى أبي بكر في وثاق.

وكان من فقهاء الصحابة، لبيباً، شاعراً، مجاهراً بالحقّ، صُلباً فيه، وكان ممن يدعون إلى إنزال القصاص بعبيد اللّه بن عمر بن الخطاب لقتله الهرمزان، وينكر على عثمان بن عفان عفوه عنه، وله في ذلك شعر منه:


*: تاريخ خليفة 74، طبقات خليفة 170 برقم 618، المحبر لابن حبيب 126، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|598، التاريخ الكبير 3|344 برقم 1163، ثقات ابن حبان 3|141، الجرح والتعديل 3|543، المستدرك على الصحيحين 3|590، جمهرة أنساب العرب 356، مسند أحمد 4|160، الاستيعاب 1|545، أُسد الغابة 2|217، تهذيب الكمال 9|506، تاريخ الاِسلام (حوادث 41 ـ 60) 52، تهذيب التهذيب 3|382، تقريب التهذيب 1|270، الاصابة 1|540 برقم 2864، أعيان الشيعة 7|80، قاموس الرجال 4|222.
2. قال ابن سعد: كان لما أسلـم يكسر أصنام بني بياضة هو وفَرْوة بن عمرو. الطبقات الكبرى: 3|598.

(92)

ألا يا عبيـدَ اللّه مالك مهربٌ * ولا ملجأٌ من ابن أروى ولا خَفَر

أصبتَ دماً واللّه في غـير حلِّهِ * حراماً وقتلُ الهرمزان له خَطَرْ

على غير شيء غيرَ أنْ قال قائلٌ * أتتّهمــون الهرمـزان على عمر (1)

وقد صحب زياد الاِمام علياً - عليه السّلام- ، وشهد معه وقعة الجمل، وله فيها شعر، منه (وهو من شعر صدر الاِسلام الذي استشهد به ابن أبي الحديد في كون علي - عليه السّلام- وصيّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ):

كيف ترى الاَنصار في يوم الكلب * إنّا أُناس لا نبالي من عطب

ولا نبالي في الوصيّ من غضب * وإنّما الاَنصار جدٌّ لا لعب

توفي زياد في أوّل زمن معاوية، وقيّد ابن قانع وفاته في سنة إحدى وأربعين.


1. انظر بقية شعره في عبيد اللّه، وشعرَه في عثمان في تاريخ ابن الاَثير: 3|75.

(93)

2


زيد بن أرقم (1)

( ... ـ 66، 68هـ)

ابن زيد بن قيس الخزرجي الاَنصاري .

اختُلف في كنيته، فقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو أُنيْسة .

لم يشهد أُحداً لصغره. روي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ردّ يوم أُحد نفراً من الصحابة استصغرهم، فلم يشهدوا القتال، منهم: زيد بن أرقم، فجعلهم حرساً للذرارِي والنساء بالمدينة.

وأوّل مشاهده الخندق، وقيل: المُرَيْسيع، وشهد موَتة رديف عبد اللّه بن رواحة، وكان يتيمياً في حجر ابن رواحة.

وهو الذي رفع إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قول عبد اللّه بن أُبي بن أبي سلول رأسِ المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الاَعزُّ منها الاَذل، فأكذبه


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|18، التاريخ الكبير 3|385، المعرفة والتاريخ 1|303، الجرح والتعديل 3|554، رجال الكشي 38، مشاهير علماء الاَمصار 80 برقم 296، الثقات لابن حبّان 3|139، المعجم الكبير للطبراني 5|164، المستدرك للحاكم 3|532، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 79 برقم 69، الخلاف للطوسي 1|675 م 448، رجال الطوسي 20و 41 و 68 و 73، الاستيعاب 1|537، تهذيب الاَسماء واللغات 1|199، أُسد الغابة 2|219، الرجال لابن داود 99، رجال العلاّمة الحلي 74، تهذيب الكمال 10|9، سير أعلام النبلاء 3|165، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 68هـ) 63، الوافي بالوفيات 15|22، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 1|542، تهذيب التهذيب 3|394، شذرات الذهب 1|74، الدرجات الرفيعة 447، جامع الرواة 1|340، تنقيح المقال 1|461، أعيان الشيعة 7|87.

(94)

عبد اللّه ابن أُبي وحلف، فأنزل اللّه تصديق زيد.

وقد نزل زيد الكوفة، وابتنى بها داراً في كندة، وشهد مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- صِفّين، وهو معدود في خاصة أصحابه، وقيل: شهد مع عليّ المشاهد [أي الجمل وصفّين والنهروان].

وهو أحد رواة حديث الغدير، رُوي عنه بنحو عشرة طرق.

عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول اللّه ص من حجة الوداع، ونزل غدير خمّ (1) أمر بدوحات فقممن، فقال: كأنّي قد دعيتُ فأجبت، إنّي قد تركتُ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض، ثم قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ مولاي، وأنا مولى كل موَمن، ثم أخذ بيد عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ ، فقال: من كنتُ مولاه فهذا وليُّه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه (2)

حدّث عن زيـد: أبو الطُّفيل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وطاووس، والنَّضر ابن أنس، وآخرون.

وعُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة.

توفّي سنة ست أو ثمان وستين.


1. هو موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة.
2. رواه الحاكم في مستدركه: 3|109 وقال: هذا الحديث صحيـح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. وذكره الذهبي في تلخيصه وأخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الكبير (الحديث 4969). وروى الطبراني (ت 360هـ) بسنده عن أبي الضحى عن زيد بن أرقم، قال: سمعت رسول اللّه يقول يوم غدير خم: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه (الحديث 4983). ولاَبي جعفـر محمد بن جرير الطَبَـريّ (ت 310 هـ) كتاب (الولاية في طرق حديث الغدير) رواه فيه من نيّف وسبعين طريقاً. الغدير للاَميني: 1|152. قال ابن كثير في ترجمة أبي جعفر الطبري: وقد رأيت له كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلدين ضخمين. البداية والنهاية: 11|157. وقال الكنجي الشافعي عند ذكر حديث الغدير: جمع الحافظ الدارقطني (ت 385 هـ) طرقه في جزء. كفاية الطالب ص 15.

(95)

27


زيد بن ثابت (1)

( 11 ق . هـ ـ 45 هـ)

ابن الضحاك الاَنصاري الخزرجي النجّاري، أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة، وقيل: أبو عبد الرحمن.

استصغره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم بدر فردّه، ويقال إنّه شهد أُحداً، وقيل لم يشهدها وإنّما كانت الخندق أوّل مشاهده.

قيل: وكان أبو بكر قد أمره أن يجمع القرآن في الصحف فكتبه فيها، فلما اختلف الناس في القرآن زمن عثمان، أمر زيداً أنّ يملي المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس.

وجاء في حديث أنس بن مالك: إنّ زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|358، التاريخ الكبير 3|380، المعرفة والتاريخ 1|353، مشاهير علماء الاَمصار 29 برقم 22، الثقات لابن حبّان 3|135، المعجم الكبير للطبراني 5|106، المستدرك للحاكم 3|421، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 43 برقم 6، رجال الطوسي 19، الخلاف للطوسي 1|123، الاستيعاب 1|532، طبقات الفقهاء للشيرازي 46، أسد الغابة 2|222، تهذيب الاَسماء واللغات 1|200، رجال ابن داود 99، تهذيب الكمال 10|24، سير أعلام النبلاء 2|426، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 51هـ) ص 53، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|296، تذكرة الحفّاظ 1|30، تهذيب التهذيب 3|399، الاصابة 1|543، شذرات الذهب 1|54، جامع الرواة 1|341، تنقيح المقال 1|461، أعيان الشيعة 7|93، معجم رجال الحديث 7|336 برقم 4839.

(96)

على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من الاَنصار. وقد عارضه قوم بحديث ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت أنّ أبا بكر أمره في حين مقتل القرّاء باليمامة بجمع القرآن، قال: فجعلت أجمع القرآن من العسب والرقاع وصدور الرجال حتى وجدت آخر آية مع رجل يقال له خزيمة أو أبو خزيمة.

قالوا: فلو كان زيد قد جمع القرآن على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لاَملاه من صدره وما احتاج إلى ما ذكر (1)

وقيل: إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمره أن يتعلم كتابة يهود، قال: فانّي لا آمنهم .

وقد استخلفه عمر بن الخطاب على المدينة ثلاث مرات، وكان عثمان يستخلفه على المدينة إذا حجّ. وكان على بيت المال لعثمان.

قال ابن عبد البر: كان عثمان يحب زيد بن ثابت، وكان زيد عثمانياً، ولم يكن فيمن شهد شيئاً من مشاهد عليّ من الاَنصار، وكان مع ذلك يفضله ويظهر حبه (2).

روي انّه لما كانت سنة (34 هـ ) كتب أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعضهم إلى بعض: أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يرون ويسمعون وليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلاّ نُفير: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت (3)


1. انظر الاستيعاب لابن عبد البر (الترجمة 840). ولقد أشبع السيد أبو القاسم الخوئي في كتاب «البيان في تفسير القرآن» ص 240 هذا الموضوع بحثاً وتحليلاً وأشار إلى جملة من تناقضات أحاديث جمع القرآن، ونظراً لاَهمية البحث فقد أوردنا بعض ما جاء فيه في آخر الترجمة.
2. الاستيعاب: ترجمة زيد بن ثابت برقم (840).
3. تاريخ الطبري: 3|375 طبع موَسسة الاَعلمي، تاريخ ابن الاَثير: 3|150.

(97)

روى يعقوب بن سفيان بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّي تارك فيكم خليفتي كتاب اللّه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض (1)

روى زيد بن ثابت عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن عمر وعثمان.

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (2)

روى عنه: ابناه خارجة وسليمان، وأنس بن مالك ، والقاسم بن حسان العامري، وسعيد بن المسيب، وعبد اللّه بن عمر، وآخرون.

وكان فقيهاً مفتياً.

عُد من المكثرين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» ثلاثين فتوى، منها:

إذا التقى الختانان ولم ينزل لم يجب الغسل.

أخرج البيهقي (السنن الكبرى: 6|133) بسنده عن ثابت بن الحجاج عن زيد أنّه قال: نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن المخابرة. قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الاَرض بنصف أو ثلث أو ربع.


1. كتاب المعرفة والتاريخ: 1|537. وروى في الصفحة نفسها عن زيد بن أرقم عن نبيّ اللّه ص قال: أنّي تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ورواه أيضاً من طريق أبي سعيد الخدري.
2. قال العلاّمة الاَميني في «الغدير: 1|37): رواه عنه ابن عقدة في حديث الولاية، وأبو بكر الجعابي في نخبه، وعدّه الجزري الشافعي في (أسنى المطالب ص 4) ممّن روى حديث الغدير.وقال ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 7|61): وأمّا حديث (من كنتُ مولاه، فعليٌّ مولاه) فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً، وقد استودعها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح حسان.

(98)

وأخرج في الصفحة 22 من الجزء 8 عن مكحول انّ عبادة بن الصامت ـ رضي اللّه عنه ـ دعا نبطياً يمسك له دابته عند بيت المقدس، فأبى، فضربه فشجّه، فاستعدى عليه عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ فقال: يا أمير الموَمنين أمرته أن يمسك دابتي فأبى وأنا رجل فيّ حدّة فضربته، فقال: اجلس للقصاص، فقال زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك؟ فترك عمر ـ رضى اللّه عنه ـ القود وقضى عليه بالدية.

وكان ابن عباس يرد على زيد قوله في الفرائض، فمن ذلك قوله:

إن شاء، أو قال: من شاء باهلته، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً أعدل من أن يجعل في مال نصفاً و نصفاً وثلثاً، هذا النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ (1)".

وقوله: ألا يتقي اللّه زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أبا الاَب أباً(2).

اختلف في وقت وفاة زيد، فقيل: مات سنة خمس وأربعين، وقيل: اثنتين، وقيل سنة ثلاث وأربعين، وقيل: بل مات في سنة احدى أو اثنتين وخمسين وقيل غير ذلك.


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20|25، 27. و (عالج): موضع به رمل معروف. وقد روى البيهقي في «السنن الكبرى»: 6|253 أنّ أوّل من أعال الفرائض زيد بن ثابت، وروى عن ابن عباس أنّ أوّل من أعال الفرائض عمر بن الخطاب.
2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20|25، 27. و (عالج): موضع به رمل معروف. وقد روى البيهقي في «السنن الكبرى»: 6|253 أنّ أوّل من أعال الفرائض زيد بن ثابت، وروى عن ابن عباس أنّ أوّل من أعال الفرائض عمر بن الخطاب.والذي يذهب إليه الشيعة الاِمامية أنّ السهام لا تعول، أي لا تزيد على الفروض الستة التي ذكرها اللّه تعالى في القرآن الكريم وهي الثلثان والنصف والثلث والربع والسدس والثمن، وبه قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ... وعن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام- قال: إنّ السهام لا تعول. انظر «تهذيب» الاَحكام للشيخ الطوسي 9| الحديث 958، كتاب الفرائض والمواريث.

(99)

فكرة عن جمع القرآن

أ ـ روى الحسن: انّ عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب اللّه، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنّا للّه، وأمر بالقرآن فجُمع، فكان أوّل من جمعه في المصحف.

ب ـ روى ابن شهاب أنّ أنس بن مالك حدّثه انّ حذيفة قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام ... فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ... فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ... فأمر زيد بن ثابت وعبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف.

روى مصعب بن سعد، قال: قام عثمان يخطب الناس، فقال: أيُّها الناس عهدكم بنبيّكم منذ ثلاث عشرة سنة وأنتم تمترون في القرآن، تقولون قراءة أُبيّ وقراءة عبد اللّه ... قال عثمان : فليمل سعيد، وليكتب زيد.

روى أبو المليح قال: قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصاحف: تملي هذيل وتكتب ثقيف.

ج ـ روى عطاء: أنّ عثمان لما نسخ القرآن من المصاحف أرسل إلى أُبي بن كعب فكان يملي على زيد بن ثابت، وزيد يكتب، ومعه سعيد بن العاص يعربه.

د ـ أخرج ابن اشنه عن الليث بن سعد قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر،


(100)

وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب إلاّ بشهادة عدلين....

انّ أحاديث جمع القرآن متناقضة في أنفسها، فقد روي أنّ الجمع كان في زمن أبي بكر حين مقتل القرّاء باليمامة، وروي أنّه كان في زمن عمر، ثمّ اختلفت الروايات فيمن عيّـن عثمان للكتابة، فقيل إنّه عيّن زيداً وابن الزبير وسعيداً، وعبد الرحمن بن الحرب، وقيل: عيّن زيداً للكتابة وسعيداً للاملاء، وقيل: عيّن ثقيفاً للكتابة وهذيلاً، وجاء في رواية أُخرى: أنّ المملي أُبي بن كعب، وأنّ سعيداً كان يعرب ما كتبه زيد.

تعارض روايات الجمع: انّ هذه الروايات معارضة بما دلّ على أنّ القرآن كان قد جمع وكتب على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . روى قتادة، قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟ قال: أربعة كلّهم من الاَنصار أُبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.

وذكر الشعبي هوَلاء الاَربعة فيمن جمع القرآن من الاَنصار وزاد: أبو الدرداء وسعد بن عبيد.

ولعل قائلاً يقول: إنّ المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا التدوين، وهذا القول دعوى لا شاهد عليها، أضف إلى ذلك أنّ حفّاظ القرآن على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كانوا أكثر من أن تُحصى أسماوَهم فكيف يمكن حصرهم في أربعة أو ستة؟ وصفوة القول: إنّه مع هذه الروايات كيف يمكن تصديق أنّ أبا بكر كان أوّل من جمع القرآن بعد خلافته؟ وإذا سلمنا بذلك فلماذا أمر زيداً وعمر بجمعه من اللخاف والعسب وصدور الرجال، ولم


(101)

يأخذه من عبد اللّه ومعاذ وأُبيّ وقد أُمروا بأخذ القرآن منهم (كما في رواية مسروق(1)) .

ثمّ إنّ لفظ الكتاب أُطلق على القرآن في كثير من آياته الكريمة وفي قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» وفي هذا دلالة على أنّه كان مكتوباً مجموعاً. لاَنّه لا يصح اطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور. بل لا على ما كُتب في اللخاف والعسب والاكتاف إلاّ على نحو المجاز والعناية، والمجاز لا يُحمل اللفظ عليه من غير قرينة، فانّ لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي، ولا يُطلق على المكتوب إذا كان مجزّءاً فضلاً عمّـا إذ لم يُكتب، وكان محفوظاً في الصدور.

مخالفة أحاديث الجمع للاِجماع: إنّ هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أنّ القرآن لا طريق لاثباته إلاّ التواتر، فهذه الروايات تقول: إنّ اثبات آيات القرآن حين الجمع منحصر بشهادة شاهدين، ولست أدري كيف يجتمع القول بصحّة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن بالبيّنة مع القول بأنّ القرآن لا يثبت إلاّ بالتواتر ؟!


1. عن مسروق عن عبد اللّه بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ص : «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأُبيّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة. سير أعلام النبلاء: 1|445 وفي هامشه: أخرجه البخاري (4999) في فضائل القرآن: باب القراء من أصحاب النبي.

(102)

28

أبو طلحة الاَنصاري (1)

( ... ـ 34 ، 32هـ)

زيد بن سهل بن الاَسود بن حرام الخزرجي النجاري، أبو طلحة الاَنصاري.

شهد العقبة الثانية، وكان أحد النقباء، ثمّ شهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكان من الرماة المذكورين من الصحابة.

وهو زوج أُمّ سُليم بنت ملحان أُمّ أنس بن مالك.

له أحاديث.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|504 ، 507، المحبر 73، التاريخ الكبير 3|381، المعارف 154، المعرفة والتاريخ 1|300، الجرح والتعديل 3|564، الثقات لابن حبّان 3|137، المعجم الكبير للطبراني 5|91، المستدرك للحاكم 3|351، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 66 برقم 46، الخلاف للطوسي 1|122 م 63 طبع جماعة المدرسين. رجال الطوسي 21، الاستيعاب 4|113، المنتظم 5|46، أُسد الغابة 2|232 و 5|234، تهذيب الكمال 10|75، العبر للذهبي 1|25، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 425، سير أعلام النبلاء 2|27، الوافي بالوفيات 15|31، الجواهر المضيئة 2|415، تهذيب التهذيب 3|414، الاصابة 4|114، تقريب التهذيب 1|275، شذرات الذهب 1|40، جامع الرواة 1|342، تنقيح المقال 1|465، أعيان الشيعة 2|370 و 7|100، الكنى والاَلقاب للقمي 1|113، معجم رجال الحديث 7|341 برقم 4856.

(103)

روى عنه ربيبه أنس بن مالك، وابنه عبد اللّه (1)بن أبي طلحة، وابن عباس، وغيرهم.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وقيل بينه وبين الاَرقم ابن أبي الاَرقم. وهو الذي حفر قبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولحده.

قال له عمر بن الخطاب لما اختار الستة للشورى: اختر خمسين رجلاً من الاَنصار فاستحث هوَلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم، ولما اجتمع هوَلاء الستّة كان أبو طلحة يحجبهم (2)

عدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتويين.

رُوي أنّه كان لا يرى بابتلاع البَـرَد للصائم بأساً. ويقول: ليس بطعام ولا شراب (3)

وكان يقول: بأن أكل ما مسّته النار ينقض الوضوء.

وقيل: كان أبو طلحة بعد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يفطر إلاّ في سفر أو مرض.

توفّي في المدينة سنة أربع وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: ركب البحر غازياً فمات فيه. وقال المدائني: مات سنة احدى وخمسين.


1. وهو أخو أنـس بن مالك لاَُمّه، وأُمّهما أُمّ سُليم، شهد مع الاِمام علي - عليه السّلام- صفين، ثم استشهد بفارس وقيل مات بالمدينة في زمن الوليد بن عبد الملك، وهو الذي جاء في الحديث من أن ابناً لاَبي طلحة مات فكتمته أُمّ سليم، وتصنّعت له حتى أصابها، ثم أخبرته وقالت: إنّ اللّه كان أعارك عارية فقبضها، فاحتسِب ابنك. فأخبر النبي ص بذلك، فقال: بارك اللّه لكم في ليلتكم، فولدت غلاماً، فلما حُمل إلى النبي ص حنّكه وسماه عبد اللّه. انظر أُسد الغابة: 3|188.
2. انظر الكامل في التاريخ لابن الاَثير: 3|67 ذكر قصة الشورى.
3. جاء في هامش سير أعلام النبلاء: قال البزار عقب اخراجه للحديث في مسنده برقم (1022): لا نعلم هذا الفعل إلاّ عن أبي طلحة .

(104)

29

زينب بنت أبي سَلَمة (1)

( ... ـ 73 هـ)

واسم أبي سَلَمة عبد اللّه بن عبد الاَسد بن هلال المخزومية، ربيبة النبيمن أُمّ الموَمنين أمّ سلمة.

وُلدت بالحبشة، وكان أبوها هاجر بأمِّها إلى هناك، ثم أُصيب أبوها في وقعة أحد بسهم في عضده، فداواه فبرىَ منه، ثم انتقض عليه، فمات منه في جمادى الآخرة سنة أربع للهجرة، فتزوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أُمَّها في أواخر شوال من السنة ذاتها.

روت زينب عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وروت أيضاً عن: أُمِّها، وزينب بنت جحش، وعائشة، وأمّ حبيبة.

روى عنها: ابنها أبو عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، وعراك بن مالك، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وآخرون.


1. الطبقات الكبرى لابن سعد 8|461، المحبر 402، المعرفة والتاريخ 1|226، ثقات ابن حبان 3|145، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 112 برقم 134، رجال الطوسي 33 برقم 15، الاستيعاب 4|312، أُسد الغابة 5|468، تاريخ الاِسلام 405 برقم 173 (حوادث 61 ـ 80)، سير أعلام النبلاء 3|200 برقم 42، الوافي بالوفيات 15|61 برقم 71، البداية والنهاية 8|353، تهذيب التهذيب 12|421، تقريب التهذيب 2|600 برقم 2، الاصابة 4|310، تنقيح المقال 3|78، أعيان الشيعة 7|133، معجم رجال الحديث 23|190 برقم 15627، قاموس الرجال 10|441.

(105)

وكانت كأمِّها أم سَلَمة من أخلص الناس في ولاء الاِمام عليٍّ - عليه السّلام- .

قال أبو رافع الصائغ: غضبت عليّ امرأتي، فقالت زينب بنت أبي سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة، فذكر قصة.

وقال: كنتُ إذا ذكرت امرأة فقيهة بالمدينة ذكرت زينب بنت أبي سلمة.

رُوي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نضح في وجهها ماءً، فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت.

ولزينب ابنان قتلا في يوم الحرَّة.

توفّيت سنة ثلاث وسبعين.


(106)

30

السائب بن يزيد (1)

( 2، 3 هـ ـ 91 ، 94 هـ)

ابن سعيد الكندي المدني، أبو يزيد.

وهو المعروف بابن أُخت نَمِـر ، اختُلف في نسبه فقيل: كناني ليثي وقيل: كندي وقيل: أزدي، وقيل: إنّه هذلي وهو حليف أُمية بن عبد شمس.

ولد في السنة الثانية، وقيل: الثالثة من الهجرة.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن سعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، وعمر بن الخطاب، وطلحة، وغيرهم.

روى عنه: يحيى بن سعيد الاَنصاري، وإبراهيم بن عبد اللّه بن قارظ، وابنه عبد اللّه بن السائب، وآخرون.


*: التاريخ الكبير 4|150 برقم 2286، المعرفة والتاريخ 1|358، تاريخ اليعقوبي 1|228 (فقهاء أيام معاوية بن أبي سفيان)، الجرح والتعديل 4|241 برقم 1031، الثقات لابن حبّان 3|171، مشاهير علماء الاَمصار 52 برقم 141، المعجم الكبير للطبراني 7|145 برقم 668 وفيه مات سنة 91 ويقال 82، جمهرة أنساب العرب 167 و 428، الاستيعاب 2|104(ذيل الاصابة)، طبقات الفقهاء للشيرازي 65، أُسد الغابة 2|257، تهذيب الاَسماء واللغات 1|208 برقم 197، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ابن منظور 9|201 برقم 93، تهذيب الكمال 10|193، تاريخ الاِسلام للذهبي 251 (حوادث ووفيات 81 ـ 100)، سير أعلام النبلاء 3|437 برقم 80، الوافي بالوفيات 15|104 برقم 150، مرآة الجنان 1|180، الاصابة 2|12 برقم 3077، تهذيب التهذيب 3|450 برقم 839، تقريب التهذيب 1|99، شذرات الذهب 1|99.

(107)

عدّه اليعقوبي من فقهاء أيام معاوية بن أبي سفيان.

رُوي عن ابن شهاب عن السائب أنّه كان يعمل مع عبد اللّه بن عتبة بن مسعود على عشور السوق في عهد عمر بن الخطاب؛ فكنّا نأخذ من النبط نصف العشر مما تجروا به من الحنطة، فقال ابن شهاب: فحدثتُ به سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب فقال: لقد كان عمر يأخذ من القُطْنيّة (1)العشور، ولكن إنّما وضع نصف العُشر يسترضي النبط للحمل إلى المدينة.

وعن السائب بن يزيد قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم زيدَ في صلاة الحضر وأقرّت صلاة السفر (2)

توفّي سنة إحدى وتسعين، وقيل أربع وتسعين، وقيل سبع وتسعين وقيل غير ذلك.


1. القُطنية ـ بالضم والكسر ـ : النبات، وحبوب الاَرض، أو ما سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو هي الحبوب التي تُطبخ، أو هي خضر الصيف.
2. ذكره الهيثمي (ت 807) في «مجمع الزوائد»: 2|155.

(108)

31


سعد بن عبادة (1)

( ... ـ 15 ، 14هـ)

ابن دُلَيْم الاَنصاري الخزرجي الساعدي، أبو ثابت، وقيل: أبو قيس. قال ابن الاَثير: والاَوّل أصحّ.

شهد العقبة، وكان أحد النقباء، واختلف في شهوده بدراً، وشهد سائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

قال ابن عبد البر: كان سيّداً في الاَنصار مقدّماً وجيهاً، له رئاسة وسيادة يعترف قومه له بها.

وكان يكتب في الجاهلية بالعربية ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل. وكان جواداً مطعاماً، يطعم الوفود الوافدين على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وكان لسعد وأبيه وجده وولده قيس أُطُم يُنادى عليه كل يوم: من أحب


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|613، التاريخ الكبير 4|44، الجرح والتعديل 4|88، اختيار معرفة الرجال 110، مشاهير علماء الاَمصار 28 برقم 20، الثقات لابن حبّان 3|148، المستدرك للحاكم 3|254، الخلاف للطوسي 3|335، الاستيعاب 2|32، أُسد الغابة 2|283، تهذيب الاَسماء واللغات 1|212، تهذيب الكمال 10|277، سير أعلام النبلاء 1|270، العبر للذهبي 1|15، تاريـخ الاِسلام للذهبي (سنة 14هـ) 132، الوافي بالوفيات 15|150، تهذيب التهذيب 3|475، الاصابة 2|27، كنز العمال 13|404، شذرات الذهب 1|28، الدرجات الرفيعة 325، تنقيح المقال 2|16.

(109)

الشحم واللحم فليأت، ورُوي أنّ رسول اللّه قال في قيس بن سعد: «إنّه من بيت جود».

ولما أراد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يُعطي ـ يوم الخنـدق ـ عُيينة بن حصن ثلث تمر المدينة، لينصرف بمن معه من غطفان، ويخذّل الاَحزاب أبى عيينة إلاّ أن يأخذ النصف، فأرسل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فشاورهما في ذلك. فقالا: يا رسول اللّه إن كنت أمرت بشيء فافعله وامضِ له، وإن كان غير ذلك فواللّه لا نعطيهم إلاّ السيف. فقال رسول اللّه ص : لم أوَمر بشيء، ولو أمرتُ بشيء ما شاورتكما، وانّما هو رأي أعرضه عليكما. فقالا: واللّه يا رسول اللّه ما طمعوا بذلك منّا قطّ في الجاهلية، فكيف اليوم؟ وقد هدانا اللّه بك وأكرمنا وأعزّنا واللّه لا نعطيهم إلاّ السيف، فسُـرّ بذلك رسول اللّه ص وقال لعيينة ومن معه: ارجعوا فليس بيننا وبينكم إلاّ السيف، ورفع بها صوته.

عن ابن عباس، قال: كان لواء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع عليّ، ولواء الاَنصار مع سعد بن عبادة.

حدّث سعد عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . وهو أحد رواة حديث الغدير: (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) من الصحابة (1)

حدّث عنه بنوه: قيس (2)وسعيد وإسحاق، وحفيده شرحبيل بن سعيد، وابن عباس، وأبو أمامة بن سهل، وغيرهم.


1. الغدير 1|42: للعلاّمة الاَميني. وفيـه: روى الحـديث عنه أبو بكـر الجعـابي في نخب المناقب.
2. قيس بن سعد: صحابي جليل، من دهاة العرب، ذوي الرأي والنجدة، وشهرته بالدهاء مع تقيّده المعروف بالدين تُثبت له الاَولوية والتقدّم بين دهاة العرب. وكان يقول: لولا أنّي سمعت رسول اللّه ص يقول: «المكر والخديعة في النار» لكنت من أمكر هذه الاَُمّة.لاحظ ترجمته في ص 229.

(110)

ومن المسائل الفقهية التي نقلت عنه: أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى بالشاهد الواحد ويمين المدعي في الاَموال.

وروي عن سعد: أنّ أُمّه ماتت وعليها نذر، فسألتُ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأمرني أن أقضيهُ عنها.

ذكر الموَرخون (1) أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما قُبض اجتمعت الاَنصار في سقيفة بني ساعدة يريدون أن يولّوا الاَمر سعد بن عبادة، وكان مريضاً فخطبهم ودعاهم إلى أن يشدّوا أيديهم بهذا الاَمر، فأجابوا ، ثمّ ترادوا الكلام فقالوا: فإن أبى المهاجرون وقالوا: نحن أولياوَه وعشيرته، فقال قوم من الاَنصار: فنقول: منّا أمير و منكم أمير، فقال سعد: هذا أوّل الوَهَن.

ولما تمّ الاَمر لاَبي بكر وحُُمل سعد إلى منزله، وأبى أن يبايع، بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فأبى، وأراد عمر أن يكرهه عليها، فأشار إليه بشير بن سعد ألاّ يفعل وأنّه لا يبايع حتى يُقتل ولا يُقتل حتى يُقتل معه ولده وعشيرته، فتركوه، فكان لا يصلّـي بصلاتهم ولا يجمّع بجماعتهم، ولم يبايع أبا بكر ولا عمر، ثمّ خرج إلى الشام فمات بحَوْران سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: أربع عشرة.

ويقال: قتلته الجنّ لاَنّه بال قائماً في الصحراء ليلاً وَرَوَوْا بيتين من شعر قيل إنّهما سُمعا ليلة قتله ولم يُرَ قائلهما:

نحن قتلنا سيّد الخــز * رج سعدَ بنَ عباده

ورميناه بسهمينِ فلم نخطىَ فوَاده


1. انظر تاريخ الطبري: 2|455 حوادث سنة 11، الكامل لابن الاَثير: 2|325 حديث السقيفة وخلافة أبي بكر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6|3.

(111)

قال ابن أبي الحديد: ويقول قوم: إنّ أمير الشام (1)يومئذ كَمَنَ لَهُ مَن رماه ليلاً وهو خارج إلى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعة الاِمام، وقد قال بعض المتأخّرين في ذلك:

يقولون سعد شكّت الجنُّ قلبه * ألا ربما صححتَ دينكَ بالغدرِ

وما ذنب سعد أنّه بال قائماًولكنّ * سعداً لم يبايع أبا بكرِ

وقد صبرتْ من لذة العيش أنفس * وما صبرت عن لذة النهي والاَمر(2)


1. وأمير الشام يومئذ: يزيد بن أبي سفيان، وهو أخو معاوية. توفّي يزيد بالطاعون سنة (18هـ) .
2. شرح نهج البلاغة: 10|111 ذكر سعد بن عبادة ونسبه.

(112)

32

سعد بن أبي وقاص (1)

(... ـ 55 هـ)

واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزُّهري، أبو إسحاق.

أسلم قديماً، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً والمشاهد بعدها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

ولاّه عمر بن الخطاب قتال فارس، ففتح مدائن كسرى، والقادسية.

نزل الكوفة وجعلها خططاً لقبائل العرب، ووليها لعمر، فشكاه أهلها فعزله، وأعاده عثمان فوليها يسيراً ثمّ عزله بالوليد بن عقبة، فعاد إلى المدينة، فأقام بها، ثمّ فقد بصره.


* : الطبقات الكبرى لابن سعد 3|137ـ 149، التاريخ الكبير 4|43، المعارف 140، اختيار معرفة الرجال 39، المستدرك 3|116، 156، 308، حلية الاَولياء 1|92، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 44 برقم 9، رجال الطوسي 20، الخلاف للطوسي 112 و 216 و 448 و 453 و ... تاريخ بغداد 1|144، الاستيعاب 2|18 (ذيل الاصابة)، طبقات الفقهاء للشيرازي 52، 57، أُسد الغابة 2|290، تهذيب الاَسماء واللغات 1|213، رجال ابن داود 101، تهذيب الكمال 34|391، العبر 1|43، سير أعلام النبلاء 1|92، الوافي بالوفيات 15|144، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|147، تهذيب التهذيب 3|483، تقريب التهذيب 1|289 و 290، الاصابة 2|30، كنز العمال 13|312، شذرات الذهب 1|61، تنقيح المقال 2|12، أعيان الشيعة 7|220 و 226، الغدير 6|201.

(113)

وكان سعد أحد الستة الذين رشّحهم عمر للخلافة بعده.

ولما بويع أمير الموَمنين - عليه السّلام- بالخلافة، تخلّف عن بيعته ولم يشهد الجمل وصفّين، مع أنّه كان يعرف فضل الاِمام - عليه السّلام- ويروي هو بنفسه أحاديث الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في حقّه - عليه السّلام- .

ففي صحيح مسلم 7|119 (باب فضائل علي بن أبي طالب) قال سعد ابن أبي وقاص: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول لعليّ: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر : لاَُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسولَه، ويحبُّه اللّهُ ورسولُه، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا علياً ... ولما نزلت الآية: "فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ" (1)دعا رسول اللّهعليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهمّ هوَلاء أهلي.

قال ابن عبد البَـرّ: سئل عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ عن الذين قعدوا عن بيعته والقيام معه فقال: أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.

ولما قعد سعد عن بيعة الاِمام - عليه السّلام- ونصرته، طمع معاوية فيه وفي عبد اللّه ابن عمر ومحمد بن مسلمة. قال ابن عبد البَـرّ: فكتب إليهم يدعوهم إلى عونه والطلب بدم عثمان، فأجابه كل واحد منهم ينكر عليه مقالته ويُعرِّفه أنّه ليس بأهل لما يطلبه. ثمّ ذكر في جواب سعد أبيات منها:

معاوي داوَك الداء العَياءُ * وليس لما تجيىَ به دواء

أيدعوني أبو حسن عليٌّ * فلم أرددْ عليه بما يشاء

وقلتُ له اعطني سيفاً بصيراً * تميز به العداوة والولاء

أتطمع في الذي أعيا عليّاً * على ما قد طمعتَ به العفاء

ليوم منه خير منك حيّاًوميتاً، * أنت للمرء الفداء


1. آل عمران: 61 .

(114)

قيل: أمّا قعود سعد عن القتال مع عليّ - عليه السّلام- بزعم أنّها فتنة، فليس معذوراً فيه فإنّه مخالفة لقوله تعالى: "فقاتلوا التي تبغي ..." (1)ولقول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «عليّ مع الحقّ والحق مع علي يدور معه حيثما دار» (2)ولذلك قاتل مع عليّ - عليه السّلام- ابن أخي سعد هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وابنه عبد اللّه بن هاشم، وبالغا في إخلاص الولاء فقتل هاشم معه يوم صفّين.

روى سعد جملة من الاَحاديث عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وروى عنه: ابن عباس، وعائشة، وابن عمر، والسائب بن يزيد، وغيرهم.

عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة.

عن عبد الرحمان بن المسور، قال: خرجت مع أبي وسعد وعبد الرحمان بن الاَسود بن عبد يغوث عام أذرح فوقع الوجع بالشام فأقمنا بـ «سرغ» خمسين ليلة، ودخل علينا رمضان فصام المسور وعبد الرحمان وأفطر سعد وأبى أن يصوم، فقلت: يا أبا إسحاق أنت صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وشهدت بدراً وأنت تفطر وهما صائمان؟ قال: أنا أفقه منهما.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» ثلاثاً وعشرين فتوى، منها:

المزارعة بالثلث والربع والنصف أو أقل أو أكثر بعد أن يكون بينهما مشاعاً جائزة.

مات سعد في قصره بالعقيق (على عشرة أميال من المدينة) وحُمل إليها وذلك في سنة خمس وخمسين وقيل: ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك.

قيل: والاَوّل هو الصحيح.


1. الحجرات: 9.
2. أخرج الحاكم في مستدركه: 3|124 عن أُمّ سلمة عن النبي ص : «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض». قال الحاكم: هذا حديث صحيح ... ولم يخرجاه. وأورده الذهبي في تلخيصه مصرّحاً بصحته. ورواه ابن عساكر في تاريخه. مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 18|45 ترجمة علي بن أبي طالب.



(115)

33


أبو سعيد الخُدْري (1)

( 10 ق هـ ـ 74هـ)

سعد بن مالك بن سنان الاَنصاري الخزرجي، أبو سعيد الخدري.

شهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعُدّ من الاَصفياء من أصحاب أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- . ورد المدائن في حياة حذيفة بن اليمان، وبعد ذلك مع عليّ بن أبي طالب لما حارب الخوارج بالنهروان.

قال ابن الاَثير في حوادث سنة (39 هـ): فيها أَرسلَ معاوية يزيدَ بن شجرة الرهاوي في ثلاثة آلاف فارس إلى مكة وعامل عليّ عليها قثم بن العباس، فخطب


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|374، المحبّر 291 ، 429، التاريخ الكبير 4|44 برقم 1910، المعارف 153، الجرح والتعديل 4|93، اختيار معرفة الرجال 38 و 40، مشاهير علماء الاَمصار 30 برقم 26، الثقات لابن حبّان 3|150، حلية الاَولياء 1|369، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 67برقم 47، رجال الطوسي 20 و 43، الخلاف للطوسي 1|124 و 319 و 449 و466 طبع جماعة المدرسين، تاريخ بغداد 1|180، الاستيعاب 4|89، طبقات الفقهاء للشيرازي 51، المنتظم 6|144، أُسد الغابة 2|289 و 5|211، تهذيب الاَسماء واللغات 2|237، رجال العلاّمة الحلي 189، تهذيب الكمال 10|294، سير أعلام النبلاء 3|168، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 60هـ) 551، العبر 1|61، تذكرة الحفّاظ 1|44، الوافي بالوفيات 15|148، مرآة الجنان 1|155، البداية والنهاية 9|4، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|192، الاصابة 2|32، تهذيب التهذيب 3|479، شذرات الذهب 1|81، الدرجات الرفيعة 396، جامع الرواة 1|352 و 356، تنقيح المقال 2|10 و 20، أعيان الشيعة 2|354 و 7|227، الكنى والاَلقاب للقمي 82، معجم رجال الحديث 8|47 برقم 4999.

(116)

قثم أهل مكة ودعاهم لحرب الشاميين فلم يجيبوه، فعزم على مفارقة مكة ومكاتبة أمير الموَمنين، فنهاه أبو سعيد الخدري عن مفارقة مكة، وقال له: أقِم، فإن رأيت منهم القتال وبك قوة، وإلاّ فالمسير عنها أمامك، فأقام وقدم ابن شجرة واستدعى أبا سعيد الخُدري،وقال له:إنّي أُريد (1)الالحاد في الحرم ولو شئت لفعلت لما في أميركم من الضعف فقل له يعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها أنا، ويختار الناس من يصلّي بهم، فقال أبو سعيد لقثم ذلك فاعتزل وصلّى بالناس شيبة بن عثمان(2)

قيل: وهذا يدل على عقل ثابت ورأي ثاقب ومكانة في الناس لاَبي سعيد.

وكان الاِمام الحسين - عليه السّلام- يقول في معركة الطفّ بكربلاء لما احتجّ عليهم بقول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»: فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، وإن كذبتموني فإنّ فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، وعدّ جماعة من الصحابة، فيهم أبو سعيد الخُدري.

روى أبو سعيد عن النبيّ حديثاً كثيراً، وروى عنه: جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وزيد بن ثابت، وعبد اللّه بن عباس، وسعيد بن المسيّب، وأبو أُمامة بن سهل بن حنيف، وآخرون. وكان أحد الفقهاء المفتين بالمدينة.

عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف»، ثماني فتاوى، منها:

إذا التقى الختانان ولم ينزل لا يجب الغسل.

توفّي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل غير ذلك.


1. كذا في المصدر. والصحيح: «لا أُريد» بقرينة قوله «ولو شئت».
2. وأضاف ابن الاَثير: فلما قضى الناس حجهم رجع يزيد إلى الشام، وأقبل خيل عليّ فأخبروا بعود أهل الشام، فتبعوهم، وعليهم معقل بن قيس [الرياحي] فأدركوهم وقد رحلوا عن وادي القرى، فظفروا بنفر منهم فأخذوهم أسارى وأخذوا ما معهم ورجعوا بهم إلى أمير الموَمنين، ففادى بهم أسارى كانت له عند معاوية.

(117)

34


سلمان الفارسي (1)

(... ـ 35، 34 هـ)

كان يُسمّي نفسه سلمان الاِسلام، ويُعرف بسلمان الخير، ويكنّى: أبا عبد اللّه، أصله من رامهرمز، وقيل من اصفهان، وقالوا: رحل يطلب دين اللّه تعالى إلى الشام، فالموصل، فنصيبين، فعمورية، ثمّ سمع بأنّ نبياً سيبعث، فقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب، فاستخدموه ثمّ استعبدوه وباعوه حتى وقع إلى المدينة، فسمع بخبر الاِسلام، فقصد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأظهر إسلامه. وحديث


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 7|319، تاريخ خليفة 143، الطبقات لخليفة 33 برقم 22، المحبر 75، التاريخ الكبير 4|135، المعارف 154، الكنى والاَسماء للدولابي 78 و 861، الجرح والتعديل 4|296، اختيار معرفة الرجال 484 و 6، الثقات لابن حبان 3|157، مشاهير علماء الاَمصار 76 برقم 274، المستدرك للحاكم 3|598، المعجم الكبير للطبراني 6|212، حلية الاَولياء 1|185، ذكر أخبار اصبهان 1|48، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 84 برقم 79، الخلاف للطوسي 3|244، فهرست الطوسي 80، رجال الطوسي 20 و43، تاريخ بغداد 1|163، الاستيعاب 2|53، معالم العلماء 57، أُسد الغابة 2|328، تهذيب الاَسماء واللغات 1|226، الرجال لابن داود 105، رجال العلاّمة الحلّي 84، تهذيب الكمال 11|245، سير أعلام النبلاء 1|505، دول الاِسلام 1|17، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 510، الوافي بالوفيات 15|309، مرآة الجنان 1|100، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|60، تهذيب التهذيب 4|137، تقريب التهذيب 1|315، كنز العمال 13|421، شذرات الذهب 1|44، الدرجات الرفيعة 198، أعيان الشيعة 7|279، تنقيح المقال 2|45، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1|332، الغدير 1|44 و 11|126، معجم رجال الحديث 8|186 برقم 5338.

(118)

إسلامه ذكره كثير من المحدّثين.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي الدرداء وقيل بينه وبين أبي ذر، وأوّل مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، ثمّ شهد بقية المشاهد.

رُوي أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما أمر المسلمين بحفر الخندق احتج المهاجرون والاَنصار في سلمان، فقال المهاجرون: سلمان منّا، وقالت الاَنصار: سلمان منّا، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «سلمان منّا أهل البيت». وإلى ذلك أشار أبو فراس الحمداني (ت 357 هـ):

هيهات لا قَرَّبت قربى ولا رحمٌ * يوماً إذا أقصت الاَخلاق والشِّيَمُ

كانت مودّة سلمان لهم رَحِماً * ولم يكن بين نوحٍ وابنه رَحِمُ

روي عن أنس، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: عليّ وعمار وسلمان» (1)

وعن أبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام- ، قال: «قال رسول اللّه ص: إنّ اللّه تعالى أمرني بحب أربعة، ثمّ قال: علي بن أبي طالب،والمقداد بن الاَسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي» (2)

حدّث سلمان عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعليّ - عليه السّلام- .

حدّث عنه: أبو سعيد الخدري، وأنس، وابن عباس، وأبو عثمان النَّهدي وغيرهم.

وكان فقيهاً، عالماً بالشرائع، لبيباً، زاهداً، متقشّفاً.


1. وفي حلية الاَولياء: اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي والمقداد وعمار وسلمان.
2. وأخرجه الترمذي وحسّنه عن ابن بريدة عن أبيه. المناقب (3720) . وأخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة سلمان.

(119)

روي عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال لاَبي الدرداء: «سلمان أفقه منك».

وروي عن أبي البختري عن عليّ أنّه سُئل عن سلمان فقال: علم العلم الاَوّل والعلم الآخر، ذاك بحر لا يُنزف، وهو منّا أهل البيت.

وفي رواية زاذان عن عليّ - عليه السّلام- : سلمان الفارسي كلقمان الحكيم.

وعن أُمّ الموَمنين عائشة، قالت: كان لسلمان مجلس من رسول اللّهبالليل حتى كاد يغلبنا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

ولاّه عمر بن الخطاب المدائن، فأقام بها إلى أن توفّي. وكان إذا خرج عطاوَه تصدّق به. ينسج الخوص ويأكل خبز الشعير من كسب يده.

أخرج أبو نعيم بسنده عن أبي البختري، قال: جاء الاَشعث بن قيس وجرير بن عبد اللّه، فدخلا على سلمان في خصٍّ، فسلّما وحيّياه، ثم قالا: أنت صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟ قال: لا أدري، فارتابا، قال: إنّما صاحبه من دخل معه الجنة ....

وكان سلمان من شيعة عليّ - عليه السّلام- وخاصته، شديدَ التحقّق بولائه، وهو أحد رواة حديث الغدير (1)وقد كتب إليه أمير الموَمنين قبل أيام خلافته كتاباً جاء فيه:

أمّا بعد، فانّما مَثَلُ الدنيا مَثَلُ الحيّة، ليّنٌ مَسُّها، قاتلٌ سُمُّها، فاعرض عمّا يعجبك فيها، لقلّة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها، وتصرّف حالاتها، وكن آنَسَ ما تكون بها، أحذَر ما تكون منها، فانّ صاحبها كلما اطمأنّ فيها إلى سرور، أشخصته عنه إلى محذور، أو إلى إيناسٍ أزالته عنه إلى إيحاش (2).


1. قال العلاّمة الاَميني: أخرج الحديث بطريقه الحافظ ابن عقدة في حديث الولاية، والجعابي في نخبه، والحمويني الشافعي في الباب الثامن والخمسين من فرائد السمطين، وعدّه شمس الدين الجزري الشافعي في أسنى المطالب : ص 4 من رواة حديث الغدير. الغدير: 1|44.
2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 18|34.

(120)

عُدّ سلمان من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، وله في مسألة الصيد فتوى واحدة ذكرها الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» وجاءت أيضاً في السنن الكبرى وكتاب المغني والشرح الكبير. وقيل: هو أوّل من صنّف في الآثار، صنّف كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روي أنّ أبا الدرداء ـ وكان يسكن الشام ـ كتب إلى سلمان: أمّا بعد فانّ اللّه رزقني بعدك مالاً ونزلت الاَرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: أمّا بعد فانّك كتبت إليّ أنّ اللّه رزقك مالاً وولداً فاعلم أنّ الخير ليس بكثرة المال والولد ولكن الخير أن يكثر حلمك وأن ينفعك علمك وكتبت إليّ أنّك نزلت الاَرض المقدسة وأنّ الاَرض لا تعمل لاَحد، إعمل كأنّك تُرى، واعدد نفسك من الموتى.

رُوي أنّ سلمان خطب فقال: الحمد للّه الذي هداني لدينه بعد جحودي . ألا أنّ لكم منايا تتبعها بلايا فانّ عند عليّ - عليه السّلام- علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ... ثمّ قال: أمّا واللّه لو وليتموها عليّاً لاَكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ... أنزلوا آل محمد منكم منزلة الرأس من الجسد بل منزلة العينين من الرأس.

توفّي بالمدائن سنة خمس وثلاثين وقيل: أربع وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وقبره معروف يُزار إلى اليوم، وأنّ البلدة المسماة اليوم سلمان پاك في جوار المدائن ـ بالعراق ـ منسوبة إلى صاحب الترجمة وانّ كلمة ( پاك) بالباء المثلثة فارسية معناها (الطاهر) (1)


1. جاء في معجم البلدان| مادة مدائن: فأمّا في وقتنا هذا فالمسمّى بهذا الاسم بليدة شبيهة بالقرية بينها وبين بغداد ستة فراسخ وأهلها فلاحون يزرعون ويحصدون، والغالب على أهلها التشيع على مذهب الاِمامية، وبالمدينة الشرقية قرب الاِيوان قبر سلمان الفارسي ـ رضي اللّه عنه ـ.

(121)

35


سَلَمة بن الاَكوع (1)

( ... ـ 74هـ)

سلمة بن عمرو بن الاَكوع الاَسلمي ، أبو إياس، وقيل: أبو مسلم.

واسم الاَكوع: سنان بن عبد اللّه، ويقول جماعة أهل الحديث سلمة بن الاَكوع، ينسبونه إلى جده.

شهد الحديبيـة (سنـة 6هـ) وبايع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - تحت الشجرة، وغزا معه سبع غزوات على ما رُوي عنه، وكان شجاعاً رامياً عدّاءً.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: ابنه إياس، والحسن بن محمد بن الحنفية، ومولاه يزيد بن أبي


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|305، التاريخ الكبير 4|69، مشاهير علماء الاَمصار 42 برقم 80، الثقات لابن حبّان 1|168، المعجم الكبير للطبراني 7|6، المستدرك للحاكم 3|562، جمهرة أنساب العرب 240، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 103 برقم 115، الخلاف للطوسي 1|377، رجال الطوسي 20 و 43، الاستيعاب 2|86، المنتظم 6|145، أُسد الغابة 2|333، تهذيب الاَسماء واللغات 1|229، تهذيب الكمال 11|301، سير أعلام النبلاء 3|326، العبر 1|62، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 74هـ) ص 317، دول الاِسلام 1|54، الوافي بالوفيات 15|321، مرآة الجنان 1|155، البداية والنهاية 9|7، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 2|65، تهذيب التهذيب 4|150، شذرات الذهب 1|81، أعيان الشيعة 7|290 .

(122)

عبيد وآخرون.

وهو أحد رواة حديث الغدير (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) من الصحابة (1)

رُوي أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه يوم خيبر إلى الاِمام عليّ - عليه السّلام- وكان رمِداً، فجاء به يقوده، فمسح النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عينيه فبرأ، ثمّ رفع إليه اللواء ففتح اللّه على يديه (2)

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة، وعدّه في «رجاله» من أصحاب عليّ - عليه السّلام- .

وقد ذكروا أنّه خرج إلى الربذة بعد قتل عثمان، وإذا صحّ أنّه استوطنها بعد قتل عثمان، فانّه يدل ـ كما قيل ـ على أنّه لم يصحب علياً - عليه السّلام- بعد قتل عثمان، ولم يقاتل معه وهو ينافي كونه من أصحابه.

روى الطبراني باسناده عن سعيد المقبري أنّ ابن عباس وعروة بن الزبير اختلفا في المتعة، فقال عروة: هي زنى، وقال ابن عباس: وما يدريك يا عُريّة؟ فمر بهما سلمة بن الاَكوع، فسأله ابن عباس، فقال: غرب بنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -


1. الغدير: للعلاّمة الاَميني: 1|44. قال: يروي عنه ابن عقدة باسناده في حديث الولاية .
2. انظر السنن الكبرى للبيهقي: 9|131. قال البيهقي: أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر عن عكرمة بن عمار.وأخرج البخاري حديث الراية عن سلمة بن الاَكوع وسهل بن سعد، وإليك نص حديثه: عن سهل أنّ رسول اللّه ص قال يوم خيبر: «لاَعطينَ هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللّه على يديه يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله» قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها فلما أصبح الناس غدَوا على رسول اللّه ص كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتى فبصق رسول اللّه ص في عينيه ودعا له فبرأ حتى لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال عليّ: يا رسول اللّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فو اللّه لاَن يهدي اللّه بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. صحيح البخاري: 5|171 مطابع الشعب.وأخرج أحمد بن حنبل (المسند: 1|99): عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن علي - عليه السّلام- : لاَعطين الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله ليس بفرّار، فتشرف لها أصحاب النبي، فأعطانيها.

(123)

ثلاثة أشهر، كنت أخرج مع الجيش، فأُقيم حيث يقيمون وأُمسي حين يمسون ، فقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من شاء فليستمتع من هذه النساء».

وأخرج البخاري في صحيحه (3|51) برقم (5117 ، 5118) عن جابر ابن عبد اللّه وسلمة ابن الاَكوع قالا: خرج علينا منادي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فنادى إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد أذن لكم فاستمتعوا يعني متعة النساء.

وقد عدّ محمد بن حبيب البغدادي (ت 245هـ) سلمة بن الاَكوع ممن كان يرى المتعة من أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1)

أقول: الروايتان الآنفتان، وما ذكره محمد بن حبيب، يثبت أنَّ سلمة بن الاَكوع كان ممن يقول بحلّية المتعة وعدم نسخها، وبذلك يظهر عدم صحّة ما روي عنه من أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رخّص في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها (2)

ثمّ إنّ عبد الواحد بن زياد قد وقع في اسناد هذه الرواية، وعبد الواحد هذا له مناكير، وضعّفه يحيى في رواية (3)

عن يزيد عن سلمة أنّه كان يسخن له الماء فيتوضأ. وأنّه أكل حيْساً ثمّ جاءت الصلاة فقام إلى الصلاة ولم يتوضأ.

توفّي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وستين، وقد رُوي أنّه عاد إلى المدينة قبل أن يموت بليالٍ.


1. المحبّـر: ص 289.
2. مسند أحمد بن حنبل: 4|55.
3. ميـزان الاعتدال: 2|672 برقم 5287. قال الذهبي: احتجّا به في الصحيحين، وتجنّبا تلك المناكير التي نقمت عليه. قال القطان: ما رأيته يطلب حديثاً بالبصرة ولا بالكوفة قط، وكنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أُذاكره حديث الاَعمش لا يعرف منه حرفاً، وقال الفلاّس: سمعت أبا داود يقول: عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها الاَعمش فوصلها بقول: حدثنا الاَعمش، حدثنا مجاهد كذا وكذا.

(124)

3


سَهْل بن حُنيف (1)

( ... ـ 38 هـ)

ابن واهب بن العُكيم الاَنصاريّ الاَوسيّ، أبو ثابت (2)المدنيّ، والي المدينة المنوّرة.

شهد بدراً والمشاهد كلها، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت (3) وجعل ينضح بالنبل عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : نبِّلوا سهلاً فإنّه سهل.


*: تاريخ خليفة 135، 144، 149، 152، طبقات خليفة 153 برقم 547 و 228 برقم 926، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|471 و 6|15، المحبّـر 290، التاريخ الكبير 4|97 برقم 2090، رجال البرقي 4، المعارف 165، الثقات لابن حبان 3|169، الجرح والتعديل 4|195 برقم 839، رجال الكشي 38 برقم 5، رجال الطوسي 43 برقم 3، و 20 برقم 4، أُسد الغابة 2|364، تهذيب الاَسماء واللغات 1|227، رجال ابن داود 180 برقم 733، تهذيب الكمال 12|184 برقم 2610، تاريخ الاِسلام 595 (عهد الخلفاء الراشدين)، سير أعلام النبلاء 2|325، الوافي بالوفيات 16|7 برقم 5، تهذيب التهذيب 4|251، الاصابة 2|86 برقم 3527، نقد الرجال 165 برقم 5، شذرات الذهب 1|48، جامع الرواة 1|392، بهجة الآمال 4|510، تنقيح المقال 2|74 برقم 5393، أعيان الشيعة 7|320، معجم رجال الحديث 8|335 برقم 5626، قاموس الرجال 5|23، الاَعلام للزركلي 3|142.
2. وقيل أبو سعد، وأبو سعيد، وأبو عبد اللّه، وغير ذلك.
3. بايع رسول اللّه ص على الموت ثمانية، هم: عليّ، والزبير، وطلحة، وأبو دُجانة، والحارث بن الصمّة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف. الغدير: 7|205 نقلاً عن الامتاع للمقريزي: ص 132.

(125)

له عدة أحاديث.

حدّث عنه ابناه: أبو أمامة، وعبد اللّه، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، ويُسيْـر بن عمرو، وعُبَيْد بن السّبّاق، وآخرون.

وكان من المخلصين في محبّة أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، ومن المقدِّمين له (1) ذا علم وعقل ورئاسة وفضل.

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (2)

ولاّه عليّ - عليه السّلام- المدينة (3)حين خرج منها إلى البصرة لقتال أصحاب الجمل، ثم كتب إليه أن يلحق به، فلحق به، ثم شهد معه وقعة صفين، فكان من أمرائها.

ذكر نصر بن مزاحم أنّ علياً - عليه السّلام- بعث سهل بن حنيف على خيل البصرة، وقال ابن الاَثير: على جند البصرة.

وقيل: إنّه - عليه السّلام- ولاّه أيضاً بلاد فارس.

توفّي بالكوفة بعد مرجعه من صفين سنة ثمان وثلاثين، وصلّـى عليه الاِمام عليّ - عليه السّلام- ، وتألّم لفقده، وقال فيه كلمته المشهورة: لو أحبّني جبل لتهافت.

قال الشريف الرضي: ومعنى ذلك أنّ المحبة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه، ولا يفعل ذلك إلاّ بالاَتقياء الاَبرار المصطفين الاَخيار، وهذا مثل قوله - عليه السّلام- : مَن أحبّنا فليستعد للفقر جلباباً.


1. لا يصحّ ما ذُكر من أنّ النبيّ ص آخى بين عليّ وسهل بن حنيف، فإنّ النبيّ ص ـ كما هو متواتر ـ اصطفى علياً أخاً له في حادثتي الموَاخاة كلتيهما. راجع الموَاخاة بين النبي ص وعلي - عليه السّلام- في «الغدير»: 3|111.
2. انظر حديثه في أُسد الغابة: 3|307.
3. وأخطأ الزركلي في «الاَعلام» حين قال: استخلفه عليّ على البصرة في وقعة الجمل. والصواب أنّه استخلف أخاه عثمان بن حنيف بعد أن بويع له - عليه السّلام- بالخلافة، وقد ذكر الزركلي نفسه في ترجمة عثمان أنّ أنصار عائشة حين قدموا البصرة دعوا عثمان إلى الخروج معهم، فامتنع فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، ثم لحق بعلي - عليه السّلام- وحضر وقعة الجمل. الاَعلام: 4|205.

(126)

37


سهل بن سعد (1)

(... ـ 91هـ)

ابن مالك الساعدي الخزرجي الاَنصاري ، أبو العباس.

رأى النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وسمع منه، وذُكر أنّه شهد المتلاعنَين عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان أبوه من الصحابة الذين توفّوا في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وطال عمر سهل حتى أدرك الحجاج بن يوسف الثقفي، وفي سنة أربع وسبعين أرسل إليه الحجاج وقال له: ما منعك من نصر أمير الموَمنين عثمان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثمّ أمر به فختم في عنقه بالرصاص، وختم أيضاً في عنق أنس بن مالك، حتى ورد عليه كتاب عبد الملك فيه، وختم في يد جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، يريد إذلالهم بذلك وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم.

وقال الاِمام الحسين - عليه السّلام- يوم كربلاء لما احتجّ على جيش عمر بن سعد


*: تاريخ خليفة 23 و 24، الطبقات لخليفة 167 برقم 606، الكنى للدولابي 1|82، الجرح والتعديل 4|198، مشاهير علماء الاَمصار 48 برقم 114، الثقات لابن حبّان 3|168، المستدرك للحاكم 3|571، جمهرة أنساب العرب 366، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 82 برقم 75، الخلاف للطوسي 1|665، رجال الطوسي 20 و 43، الاستيعاب 2|94، المنتظم 6|302، أُسد الغابة 2|366، تهذيب الاَسماء واللغات 1|238، تهذيب الكمال 12|188، سير أعلام النبلاء 3|422، العبر للذهبي 1|79، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 91هـ) 383، الوافي بالوفيات 16|11، مرآة الجنان 1|180، البداية والنهاية 9|88، الاِصابة 2|87، تهذيب التهذيب 4|252، شذرات الذهب 1|99، تنقيح المقال 2|76 برقم 5397، الغدير 1|45، 176 و 185، 2|40.

(127)

بقول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق، وإن كذبتموني فإنّ فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، وعدّ جماعة من الصحابة فيهم سهل بن سعد الساعدي (1)

روى سهل عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث، وروى عن أُبي بن كعب.

روى عنه: أبو هريرة، وسعيد بن المسيب، وابنه عباس بن سهل، وابن شهاب الزهري، وغيرهم.

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة، حيث شهد لعلي - عليه السّلام- بحديث الغدير يوم المناشدة (2)

عُدّ سهل من المقلّين في الفتيا من الصحابة. ومن فتاواه: يكره التنفّل يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها إلى الزوال للاِمام. وأمّا المأموم فلا يكره له ذلك إذا لم يقصد التنفّل لصلاة العيد.

توفّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وهو من أبناء المائة، وقيل: توفّي سنة ثمان وثمانين. وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة.


1. الكامل في التاريخ: لابن الاَثير: 4|62 ذكر مقتل الحسين في سنة 61 هـ.
2. تاريخ هذه المناشدة كان في أوّل خلافة الاِمام علي - عليه السّلام- . روى أحمد بن حنبل في مسنده: 4|370 عن أبي الطفيل، قال: جمع علي ـ رضي اللّه تعالى عنه ـ الناس في الرحبة ثم قال لهم: أنشد اللّه كل امرىَ سمع رسول اللّه ص يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام، فقام ثلاثون من الناس وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس: أتعلمون أنّي أولى بالموَمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه ...قال ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد: 9|104: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر ابن خليفة وهو ثقة. وجاء في ص 106: وعن زياد بن أبي زياد قال: سمعت علي بن أبي طالب ينشد الناس فقال: أنشد اللّه رجلاً مسلماً سمع رسول اللّه ص يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام اثنا عشر بدرياً فشهدوا. قال الهيثمي بعد ذكر هذا الحديث: رواه أحمد ورجاله ثقات.

(128)

38

شدّاد بن أوس (1)

( 17 هـ . ق ـ 58 هـ)

ابن ثابت الاَنصاري الخزرجي النجاري، أبو يعلى ، وقيل: أبو عبد الرحمن.

هو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

قيل: لم يصحّ أنّه شهد بدراً، وقيل: إنّ أباه كان بدرياً واستشهد في أُحد .

قدم شداد دمشق والجابية، وسكن بيت المقدس، وروى عنه أهل الشام، وكان شهد اليرموك.

روى عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: أبو إدريس الخولاني، وعبد الرحمن بن غَنْم، وابنه يعلى، وآخرون.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 7|401، التاريخ الكبير 4|224، المعرفة والتاريخ 1|356، الجرح والتعديل 4|328، مشاهير علماء الاَمصار 85 برقم 325، الثقات لابن حبّان 3|385، المستدرك للحاكم 3|506، حلية الاَولياء 1|264، الخلاف للطوسي 1|263، رجال الطوسي 21، الاستيعاب 2|134، المغني والشرح الكبير 1|392، معجم البلدان 2|763، الكامل في التاريخ 1|462، أُسد الغابة 2|387، تهذيب الكمال 12|389، العبر للذهبي 1|45، سير أعلام النبلاء 2|460، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 58 هـ) 164، الاصابة 2|138، تهذيب التهذيب 4|315، تقريب التهذيب 1|347، شذرات الذهب 1|64، ذخائر المواريث 1|266، أعيان الشيعة 7|333.

(129)

عن أبي الدرداء، قال: إنّ لكل أُمّة فقيهاً، وإنّ فقيه هذه الاَُمّة شداد بن أوس.

قال الذهبي في (سيره): لا يصحّ [أي ما روي عن أبي الدرداء].

عدّه أبو إسحاق الشيرازي فيمن نُقل عنه الفقه من الصحابة (1) وأورد له الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

الشفق: الحمرة، فإذا غابت بأجمعها فقد دخل وقت العشاء الآخرة.

وأخرج ابن ماجة عن شداد وغيره أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: المرأة إذا قتلت عمداً لا تُقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم تُرجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها.

ذكر ابن عساكر أنّ معاوية قال لشداد: أنا أفضل أم عليّ؟ وأيّنا أحب إليك؟ قال: عليٌّ أقدم منك هجرة، وأكثر مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى الخير سابقة، وأشجع منك نفساً، وأسلم منك قلباً، وأمّا الحبّ فقد مضى عليٌّ، وأنت اليوم أرجى منه (2).

توفّي بفلسطين سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وأربعين، وقيل غير ذلك.


1. طبقات الفقهاء ص 52.
2. مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 10|280.

(130)

39

أبو أمامة الباهلي (1)

( ... ـ 86 هـ)

صُدَي بن عَجلان، غلبت عليه كنيته.

رُوي أنّه بايع تحت الشجرة.

سكن مصر ثم انتقل إلى حمص من الشام فسكنها ومات بها.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأكثر حديثه عند الشاميين.

روى عنه: خالد بن معدان، ومحمد بن زياد الاَلهاني، وأبو غالب حزوّر، وسليمان بن حبيب المحاربي، وآخرون.


1. الطبقات الكبرى لابن سعد 7|411، المحبر 291، التاريخ الكبير 4|326 برقم 3001، المعارف 174، الجرح والتعديل 4|454 برقم 2004، مشاهير علماء الاَمصار 86 برقم 327، الثقات لابن حبّان 3|195، المعجم الكبير للطبراني 8|105، المستدرك للحاكم 3|641، جمهرة أنساب العرب 1|247، رجال الطوسي 65 برقم 44، الاستيعاب 2|191 ذيل الاصابة، صفة الصفوة 1|733 برقم 113، أُسد الغابة 3|16 و 5|138، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 11|76، تهذيب الكمال 13|158، العبر للذهبي 1|74، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 86هـ) 25، سير أعلام النبلاء 3|359، مرآة الجنان 1|177، البداية والنهاية 9|66 و 78، الجواهر المضيئة 2|416، النجوم الزاهرة 1|213، الاصابة 2|175 برقم 4059، تهذيب التهذيب 4|420، تقريب التهذيب 1|366 برقم 93، مجمع الرجال للقهبائي 3|212، شذرات الذهب 1|96، تنقيح المقال 2|98 برقم 5761، الاَعلام 3|203، معجم رجال الحديث 9|103 برقم 5910.

(131)

وهو أحد رواة حديث الغدير (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) من الصحابة(1)

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الاِمام عليّ - عليه السّلام- وقال: وضع عليه معاوية الحرس ليلاً لئلاّ يهرب إلى عليّ.

ذكر نصر بن مزاحم (2)(ت212) أنّ أبا أمامة وأبا الدرداء دخلا على معاوية وكانا معه فقالا: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فواللّه لهو أقدم منك سلماً وأحقّ بهذا الاَمر منك وأقرب من النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فعلام تقاتله؟ فقال: أقاتله على دم عثمان (3)...ثمّ ذكر قدومهما إلى الاِمام عليّ - عليه السّلام- ثم قال: فرجع أبو أمامة، وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئاً من القتال.

عُدّ أبو أمامة من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

سئل عن كتاب العلم، فقال: لا بأس بذلك.


1. الغدير للعلاّمة الاَميني: 1|45.
2. وقعة صفين: ص 190. مطبعة المدني. وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (رقم الترجمة 1449) أنّ أبا هريرة وأبا الدرداء كانا رسولي معاوية إلى عليّ - عليه السّلام- . انظر ترجمة عبد الرحمن بن غنم في كتابنا هذا| قسم التابعين، فلنا هناك كلام حول ذلك.
3. لقد خذله معاوية في أثناء الحصار، وتربّص به الدوائر، ولم يكن الطلب بدمه إلاّ وسيلة للوثوب إلى الخلافة، وقد أشار الاِمام علي - عليه السّلام- إلى ذلك فكتب إليه: فأمّا إكثارك الحِجاج في عثمان وقتلته فانّك انّما نصرتَ عثمان حيث كان النصر لك، وخذلتَه حيث كان النصر له. شرح نهج البلاغة لمحمد عبده: 2|62.وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب|باب الكنى| الترجمة (3054). محاورة بين الصحابي أبي الطفيل الكناني ومعاوية، قال له معاوية: كنتَ فيمن حصر عثمان؟ قال: لا ، ولكنّي كنتُ فيمن حضر. قال: فما منعك من نصره؟ قال: وأنت فما منعك من نصره إذ تربّصتَ به ريب المنون، وكنت مع أهل الشام وكلهم تابع لك فيما تريد؟ فقال له معاوية: أوَ ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ قال: بلى ولكنّك كما قال أخو جعف:لا ألفينَّك بعد الموت تندبُنيوفي حياتي ما زوّدتني زاداً

(132)

رُوي عن أبي أمامة أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: كل صلاة لا يُقرأ فيها بأُمّ الكتاب فهي خِداج (1)

وجاء في كفاية الطالب - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - 190 للكنجي الشافعي: عن أبي أمامة أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: أعلم أُمّتي بالسنّة والقضاء بعدي عليّ بن أبي طالب (2)

قال أبو أمامة: الموَمن في الدنيا بين أربعة: بين موَمن يحسده، ومنافق يُبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان قد يوكَل به.

توفّي سنة ست وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين.


1. كنز العمال: 7|437 الحديث (19663) للمتقي الهندي (ت 975). و (الخِداج): النقصان.
2. نقلناه من «الغدير» للعلاّمة الاَميني: 2|44.

(133)

40

طلحة بن عبيد اللّه (1)

( 26 ق هـ ـ 36 هـ)

ابن عثمان بن عمرو القرشي التيمي ، أبو محمد.

كان من السابقين إلى الاِسلام، ومن المهاجرين الاَوّلين.

شهد المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ما عدا بدراً فإنّه غاب عنها في تجارة له بالشام. وقد شلّت اصبعه يوم أُحد.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين سعيد بن زيد، وقيل: بينه وبين أُبي بن كعب، وقيل: بينه وبين كعب بن مالك.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|214، المحبّر 355، التاريخ الكبير 4|344، المعارف 133، المعرفة والتاريخ 1|276، الكنى والاَسماء للدولابي 52 و 86، الجرح والتعديل 4|471، مشاهير علماء الاَمصار 25 برقم 8، المعجم الكبير للطبراني 1|109، المستدرك للحاكم 3|368، حلية الاَولياء 1|87، الاحكام لابن حزم 2|88، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 57 برقم 29، الخلاف للطوسي 2|63، رجال الطوسي 22، الاستيعاب 2|210، صفة الصفوة 1|130، المغني والشرح الكبير 2|550، تهذيب الاَسماء واللغات 1|251، الرياض النضرة 2|249، تهذيب الكمال 13|412، سير أعلام النبلاء 1|23، العبر للذهبي 1|27، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 522، الوافي بالوفيات 16|472، مرآة الجنان 1|97، البداية والنهاية 7|258، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|342، الاصابة 2|220، تهذيب التهذيب 5|20، تقريب التهذيب 1|379، كنز العمال 13|198، شذرات الذهب 1|43، تنقيح المقال 2|109، معجم رجال الحديث 9|167، برقم 6015.

(134)

وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة بعده.

وكان ميّالاً إلى عثمان، فانحاز إليه، واختاره للخلافة. وأغدق عليه عثمان الاَموال حتى بلغت غلّته بالعراق أربعمائة ألف وبالسّـراة عشرة آلاف ديناراً.

ثم أخذ يوَلب الناس على عثمان، وكان من أشدّ المحرّضين عليه.

وكان أوّل من بايع الاِمام علياً بعد مقتل عثمان طائعاً.

قال الذهبي في سيره: وكان طلحة أوّل من بايع علياً، أرهقه قتلة عثمان، وأحضروه حتى بايع.

أقول: هذا غير صحيح، ولم يرو لنا التاريخ أنّ أحداً أُكره على بيعة أمير الموَمنين - عليه السّلام- وقد تخلّف عن بيعته جماعة منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه ابن عمر ، ومحمّد بن مسلمة، بَيْد أنّهم لم يجبروا على البيعة بالقوّة والاِكراه.

وقد نكث طلحة بيعته، والتحق بعائشة في مكة، وأخرجها هو والزبير صوب البصرة، بحجة الطلب بدم عثمان !!!

قُتل في معركة الجمل، قتله مروان بن الحكم فيما قيل.

رُوي عن مروان، أنّه قال حين رمى طلحة بسهم: هذا أعان على عثمان ولا أطلب بثأري بعد اليوم.

حدّث عن طلحة: بنوه يحيى وموسى وعيسى، والسائب بن يزيد، وغيرهم.

له في مسند بقيّ بن مخلد بالمكرر ثمانية وثلاثون حديثاً.

عدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة.

وله في «الخلاف» فتوى واحدة: لا تجب الزكاة في شيء مما يخرج من الاَرض إلاّ الاَجناس الاَربعة ... وليس في الخضروات صدقة.

قتل في سنة ست وثلاثين عن اثنتين وستين سنة.


(135)

41


عائشة بنت أبي بكر (1)

( ... ـ 58 هـ)

ابن أبي قحافة ، أُمّ الموَمنين، زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، تزوّجها - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في السنة الثانية بعد الهجرة.

وفيها وفي حفصة نزل قوله تعالى: "انْ تَتُوبا إلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيهِ فَإنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلَ وَصالِحُ الموَمِنِينَ والملائِكَةُ بَعْدَ ذلكَ ظَهِيرٌ " (2) (3).


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|374، اختيار معرفة الرجال 57و 67و 70 و 91 و141، المستدرك للحاكم 4|3، حلية الاَولياء 2|43، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 40 برقم 1، الخلاف للطوسي 1|609 طبع جامعة المدرسين. رجال الطوسي 32، الاستيعاب 4|345، طبقات الفقهاء للشيرازي 47، أُسد الغابة 5|501، وفيات الاَعيان 3|16، تهذيب الكمال 35|227 برقم 7885، سير أعلام النبلاء 2|135، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 41 ـ 60 هـ) 244، الاِعلام بوفيات الاَعلام 1|38 برقم 137، البداية والنهاية 8|95، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 4|349، تهذيب التهذيب 12|433، كنز العمال 13|693، شذرات الذهب 1|9 و 61.
1. التحريم: 4.
2. قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: (إن تتوبا إلى اللّه) : خطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما والتوبة من التعاون على رسول اللّه ص بالاِيذاء. (فقد صغت قلوبكما) أي عدلت ومالت عن الحق، وهو حق الرسول عليه الصلاة والسلام.وانظر تفسير الطبري في تفسير سورة التحريم.

(136)

روت عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث كثيرة، وروت عن: أبيها، وسعد، وعمر، وغيرهم.

روى عنها: ابنا أُختها عبد اللّه وعروة ابنا الزبير بن العوام، وزيد بن خالد الجهني، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو بردة بن أبي موسى الاَشعري، وسعيد بن المسيب، وطائفة.

وكان لعائشة دور متميز في الحياة السياسية في زمن عثمان وما بعده، وكانت قطب الرحى في معركة الجمل.

قال أصحاب السير والاَخبار: إنّها أرجفت بعثمان، وأنكرت عليه كثيراً من أفعاله، وكانت تثير الناس عليه بإخراج شعر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وثوبه (1) وتحثّهم على مقته، ولم تعدل عن رأيها هذا حتى بعد الاجهاز عليه، ولكنّها غيّرت رأيها، لما انفلت الاَمر عن طلحة ـ وكانت تحرص على تأميره ـ وبويع أمير الموَمنين - عليه السّلام- الذي لم يكن لها معه هوى، فبكت على عثمان، وأظهرت الاَسف على قتله، ورجعت إلى مكة بعد ما خرجت منها، ونهضت ثائرة تطلب بدمه، ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم، وتوجهوا نحو البصرة.

قالوا: إنّ عائشة لما أرادت المضي إلى البصرة مرت بالحوأب فسمعت نباح الكلاب، فقالت: إنّا للّه ما أراني إلاّ صاحبة القصة؛ وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد أنذرها وحذّرها عن خصوص واقعة الجمل.

فقد أخرج أحمد بن حنبل في «مسنده» 6|52، 97 من طريق قيس قال: لما


1. قال أبو الفدا في «تاريخه»: كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه وكانت تخرج قميص رسول اللّه ص وشعره وتقول: هذا قميصه لم يبل وقد بُلي دينه. نقلناه من «الغدير»: 9|79، وانظر «الكامل» لابن الاَثير: 3|206 تجد المحاورة بينها وبين ابن أُمّ كلاب بشأن قتل عثمان، وقوله لها: واللّه إنّ أوّل من أمال حرفه لاَنت، ولقد كنتِ تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر.

(137)

أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلاّ أنّي راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللّه عزّ وجلّ ذات بينهم. قالت: إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال لها ذات يوم: كيف بإحداكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب (1)

ولما قدم طلحة والزبير وعائشة البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان: من عائشة أُمّ الموَمنين، حبيبة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان:

أمّا بعد؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ.

فكتب إليها: أمّا بعد فأنا ابنك الخالص لئن اعتزلت ورجعت إلى بيتك، وإلاّ فأنا أوّل من نابذك (2)

وقال زيد: رحم اللّه أُمّ الموَمنين! أُمرت أن تلتزم بيتها وأُمرنا أن نقاتل، فتركت ما أُمرت به وأمرتنا به، وصنعت ما أُمرنا به ونهتنا عنه.

قال ابن خلكان: فتوجهوا إليها ـ أي إلى البصرة ـ فأخذوا عثمان بن حنيف عامل عليّ بها، فهمّوا بقتله، فناشدهم اللّه وذكّرهم صحبته لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأُشير بضربه أسواطاً، فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه ثمّ حبسوه، وقتلوا خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من


1. وأخرجه الحاكم في «مستدركه»: 3|120.
2. الكامل لابن الاَثير: 3|216. وزيد بن صوحان العبدي: من خواص عليّ من الصلحاء الاَتقياء (شذرات الذهب: 1|44). وهو أحد الشجعان الروَساء من أهل الكوفة، قُطعت شماله يوم نهاوند. وقاتل مع أمير الموَمنين - عليه السّلام- يوم الجمل حتى استشهد، وهو أخو صعصعة بن صوحان الخطيب المشهور الذي وصفه أمير الموَمنين - عليه السّلام- بالخطيب الشحشح. والشحشح: الماهر في خطبته، الماضي فيها.

(138)

أعماله، فلما بلغ علياً مسيرهم خرج مبادراً إليهم واستنفر أهل الكوفة ثمّ سار بهم نحو البصرة.

ولما انتهت المعركة بمقتل طلحة والزبير وهزيمة أصحاب الجمل، جهز أمير الموَمنين - عليه السّلام- عائشة وأمر أخاها محمد بن أبي بكر ـ وكان من أصحابه (عليه السّلام) ـ بالخروج معها، فكان وجهها إلى مكة، فأقامت إلى الحج ثم رجعت إلى المدينة.

عُدّت عائشة من المكثرين من الصحابة فيما رُوي عنها من الفتيا. ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» خمساً وخمسين فتوى منها:

من طلع الفجر عليه يوم الجمعة وهو مقيم لا يجوز له أن يسافر إلاّ بعد أن يصلّـي الجمعة.

وأخرج مالك بن أنس أنّ عائشة كانت تبعث بالرجال إلى أُختها أُمّ كلثوم وإلى بنات أخيها، فيرضعوا منهن (1). وبهذا تستبيح أُمّ الموَمنين بعد تلك الرضاعة مقابلتهم بدون حجاب، لاَنّهم على رأيها أصبحوا من محارمها.

توفّيت بالمدينة سنة ثمان وخمسين وصلّـى عليها أبو هريرة.


1. «الموطأ»: 2|605. وذكر أنّ نساء النبي ص أنكرن عليها ذلك، كما روى في الباب نفسه عن عبد اللّه بن مسعود قوله: لا رضاعة إلاّ ما كان في الحولين. وعن عبد اللّه بن عمر: لارضاعة إلاّ لمن أرضع في الصغر ولا رضاعة لكبير. وعن سعيد بن المسيب: لا رضاعة إلاّ ما كان في المهد وإلاّ ما أنبت اللحم والدم.

(139)

42


أبو عُبيدة ابن الجَرّاح (1)

( 40 ق . هـ ـ 18 هـ)

عامر بن عبد اللّه بن الجراح بن هلال القرشي الفهري المكي، اشتهر بكنيته والنسبة إلى جَدِّه.

شهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وذكره بعضهم فيمن هاجر إلى الحبشة.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين سعد بن معاذ.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث معدودة.


*: الا َُم 1|189، الطبقات الكبرى لابن سعد 7|384، تاريخ خليفة 28، الطبقات لخليفة 65 برقم 159، التاريخ الكبير 6|444، الجرح والتعديل 6|325، مشاهير علماء الاَمصار 27 برقم 13، الثقات لابن حبّان 2|217، المعجم الكبير للطبراني 1|154، المستدرك للحاكم 3|262، حلية الاَولياء 1|100، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 61 برقم 37، رجال الطوسي 26، الخلاف للطوسي 1|609، الاستيعاب 4|120، صفة الصفوة 1|365، المنتظم 4|261، أُسد الغابة 3|84 و 5|249، الكامل في التاريخ 2|325، تهذيب الاَسماء واللغات 2|259، تهذيب الكمال 14|52، سير أعلام النبلاء 1|5، العبر للذهبي 1|16، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 18هـ) 171، الوافي بالوفيات 16|575، البداية والنهاية 7|96، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|243، تهذيب التهذيب 5|73، تقريب التهذيب 1|388، كنز العمال 13|214، شذرات الذهب 1|29، ذخائر المواريث 3|206، تنقيح المقال 2|114، معجم رجال الحديث 9|199 برقم 6093.

(140)

حدّث عنه: أبو أُمامة الباهلي، والعِرباض بن سارية، وعبد الرحمن بن غَنْم وآخرون.

وكان أحد أركان يوم السقيفة في بيعة أبي بكر، وقال فيه أبو بكر ـ لما احتدم الجدال بين الاَنصار وجماعة من المهاجرين حول أمر الخلافة ـ: قد رضيتُ لكم أحد الرجلين فبايعوا أيهما شئتم: عمر ، وأبا عبيدة بن الجرّاح.

أخرج الطبري باسناده عن عمرو بن ميمون الاَودي أنّ عمر بن الخطاب لما طُعن، قيل له: يا أمير الموَمنين لو استخلفت؟ قال: من استخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً استخلفته فإن سألني ربّي، قلت: سمعت نبيّك يقول: إنّه أمين هذه الاَُمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته فإن سألني ربّي، قلت: سمعت نبيّك يقول: إنّ سالماً شديد الحب للّه ... ثمّ قال: فخرجوا ثمّ راحوا فقالوا: يا أمير الموَمنين لو عهدتَ عهداً فقال: قد كنت أجمعتُ بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولّي رجلاً أمْرَكم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى عليّ، ورهقتني غشية فرأيت رجلاً دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضّة ويانعة فيضمّه إليه ويصيّره تحته فعلمتُ أنّ اللّه غالب أمره ومتوفٍّ عمر، فما أريد أن أتحملها حيّاً وميّتاً، عليكم هوَلاء الرهط (1)

يُلاحظ أنّ الخليفة يرى الحديثين في فضل الرجلين حجة لاستخلافهما، مع أنّه ورد في الكتاب والسنّة الكثير من المناقب في عليّ - عليه السّلام- التي توَهّله للاستخلاف، فقد نطق القرآن بعصمته، ونزلت فيه آية التطهير ، (2)عدّه الكتاب


1. تاريخ الطبري: 3|292 في حوادث سنة 23، قصة الشورى.
2. قال أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة علي - عليه السّلام- : لما نزلت (إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا) (الاَحزاب|33) دعا رسول اللّه ص فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً ـ رضي اللّه عنهم ـ في بيت أُمّ سلمة وقال: اللّهمّ إنّ هوَلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

(141)

نفسَ النبي الاَقدس - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1)

لقد تمنّى الخليفة حياة سالم بن معقل مولى أبي حذيفة وكان من عجم الفرس، ويراه أهلاً للاستخلاف في حين أنّ الخليفة نفسه احتجّ يوم السقيفة على الاَنصار بقول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : الاَئمّة من قريش. فكيف يكون لمولى أبي حذيفة قسطاً من الخلافة؟! (2)

ذكر الموَرّخون أنّ أبا بكر حين جهّز أُمراء الاَجناد، بعث أبا عبيدة وغيره لفتح الشام، ولما رأى المسلمون مطاولة الروم استمدوا أبا بكر، فكتب إلى خالد ـ وكان قد سيّره لغزو العراق ـ ليُنجدَ مَن بالشام، وأمّره على الاَُمراء كلّهم، وحاصروا دمشق، وتوفّي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد واستعمل على الكل أبا عبيدة.

عُدّ أبو عبيدة من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة، وهي:

من طلع الفجر عليه يوم الجمعة وهو مقيم يجوز له أن يسافر قبل أن يصلّي الجمعة.

توفّي في طاعون عَمَواس، وكان طاعون عمواس بأرض الاَردن وفلسطين سنة ثمان عشرة، ويقال إنّ عمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس.


1. قال تعالى: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكافرين) (آل عمران|61).
2. انظر «الغدير»: 5|361.

(142)

43


أبو الطُّفَيْــل (1)

(3 ـ 100 هـ ، بعد المائة)

عامر بن واثلة الكناني.

أدرك من حياة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثماني سنين.

نزل الكوفة، وصحِبَ الاِمام عليّاً - عليه السّلام- وكان متشيعاً فيه ويفضّله. ثمّ أقام بمكة.

وكان فاضلاً عاقلاً، فصيحاً شاعراً، حاضر الجواب. شهد المشاهد مع علي - عليه السّلام- وكان من مخلصي أنصاره.

روي أنّه تقدم أمام الخيل يوم صفّين وهو يقول: طاعنوا وضاربوا، ثمّ حمل وهو يقول:


*: الموطأ 347، الا َُم 7|130، الطبقات الكبرى لابن سعد 5|457، التاريخ الكبير 6|446، المعرفة والتاريخ 1|295، الجرح والتعديل 6|328، اختيار معرفة الرجال 94 و 123، مشاهير علماء الاَمصار 64 برقم 214، الثقات لابن حبّان 3|291، المستدرك للحاكم 3|618، رجال الطوسي 25 و 69 و 98، الخلاف للطوسي 1|305، تاريخ بغداد 1|198، الاستيعاب 4|115، أُسد الغابة 5|233، رجال ابن داود 113، رجال العلاّمة الحلي 242، تهذيب الكمال 14|79، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 100هـ) ص 526، العبر للذهبي 1|89، سير أعلام النبلاء 3|467، الوافي بالوفيات 16|584، مرآة الجنان 1|207، البداية والنهاية 9|199، الجواهر المضيئة 2|426، النجوم الزاهرة 1|243، الاصابة 4|113، تهذيب التهذيب 5|82، تقريب التهذيب 1|389، شذرات الذهب 1|118، مجمع الرجال للقهبائي3|241، جامع الرواة 1|428، تنقيح المقال 2|117، تأسيس الشيعة 186، أعيان الشيعة 7|408، الكنى والاَلقاب للقمي 1|111، الذريعة 1|317، معجم رجال الحديث 9|203 برقم 6108.

(143)

قد صابرتْ في حربها كنانه (1) * واللّه يَجزيها به جنانه

من أُفرغَ الصبرُ عليه زانه * أو غلب الجبنُ عليه شانه

أو كفَر اللّه فقد أهانه * غداً يَعَضّ من عصى بنانه

وقدم أبو الطفيل يوماً على معاوية، فقال له: كيف وَجْدُك على خلِيكَ أبي الحسن؟ قال: كوجْد أُمّ موسى على موسى، وأشكو إلى اللّه التقصير.

وقال له معاوية: كنتَ فيمن حصر عثمان؟ قال: لا، ولكنّي كنت فيمن حضرهُ. قال: فما منعك من نصره؟ قال: وأنت فما منعك من نصره إذ تربصت به ريب المنون، وكنت مع أهل الشام، وكلّهم تابع لك فيما تريد. فقال له معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟ قال: بلى، ولكنّك كما قال أخو جعف:

لا أُلفينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادا

وكان أبو الطفيل قد خرج مع المختار وحارب قتلة الاِمام الحسين - عليه السّلام- ثمّ أفلت بعد مقتل المختار.

عُدّ من أصحاب الاِمامين الحسن وعليّ بن الحسين زين العابدين «عليهما السلام» .

حدّث عن: الاِمام عليّ، ومعاذ بن جبل، وأبي بكر، وابن مسعود، وعمر، وغيرهم.

حدّث عنه: حبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير المكي، وآخرون.

وله في «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

الجدة ترث وابنها (ابن الميت) حي.

توفّي سنة مائة. وقيل: بعد المائة. وهو آخر من مات ممن رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


1. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 5|244: قد ضاربت في حربها كنانه.



(144)

44


عُبادة بن الصامت (1)

( 38 ق هـ ـ 34 هـ)

ابن قيس الاَنصاري الخزرجي، أبو الوليد.

شهد العقبة الا َُولى والثانية، وكان أحد النقباء.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي مرثد الغنوي.

وشهد بدراً وسائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان يُعلّم أهل الصُّفّة القرآن. وهو ممّن جمع القرآن في زمن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

استعمله رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على بعض الصدقات، ووجّهه عمر بن الخطاب إلى الشام ليعلّم أهلها القرآن ويفقّههم في الدين، فأقام بحمص، ثم انتقل


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|546، المحبر 71 و 270، التاريخ الكبير 6|92، الجرح والتعديل 6|96، اختيار معرفة الرجال 38، الثقات لابن حبّان 3|302، مشاهير علماء الاَمصار 87 برقم 334، المستدرك للحاكم 3|354، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 55 برقم 26، الخلاف للطوسي 1|263 م 6، رجال الطوسي 23 برقم 24، الاستيعاب 2|441، أسد الغابة 3|106، تهذيب الاَسماء واللغات 1|256، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 11|301، تهذيب الكمال 14|183، سير أعلام النبلاء 2|5، العبر للذهبي 1|26، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 422، الوافي بالوفيات 16|618، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|260، تهذيب التهذيب 5|111، تقريب التهذيب 1|395، شذرات الذهب 1|40، كنز العمال 13|554، الدرجات الرفيعة 362، ذخائر المواريث 1|270، تنقيح المقال 2|125 برقم 6192، الغدير 7|264 و 265، معجم رجال الحديث 9|222 برقم 6157.

(145)

إلى فلسطين.

وكان عُبادة يُنكر على معاوية ـ أيام ولايته على الشام ـ أحداثاً وأُموراً عَمِل فيها بخلاف السنّة النبوية الشريفة، وله في ذلك معه مواقف مشهورة.

روي أنّ معاوية خالف في شيء أنكره عليه عبادة في الصرف، فأغلظ له معاوية في القول، فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك فقبّح اللّه أرضاً لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه.

وعن عبيدة بن رفاعة، قال: إنّ عبادة بن الصامت مرت عليه قِطارة وهو بالشام، تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان. فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: ألا تمسك عنّا أخاك عبادة بن الصامت؟ أمّا بالغدوات فيغدوا إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسك عنّا أخاك ... فقال أبو هريرة: يا عبادة ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حُمِّل فانّ اللّه تعالى يقول: "تِلكَ أُُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكُمْ ما كَسَبْتُمْ" (1) قال: يا أبا هريرة، لم تكن معنا إذ بايعنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على السمع والطاعة ... وعلى الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في اللّه لا تأخذنا في اللّه لومة لائم ... فلم يكلّمه أبو هريرة بشيء، فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: إنّ عبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإمّا أن يكفّ عبادة وإمّا أن أخلّـي بينه وبين الشام، فكتب عثمان إلى فلان أن أرحِلْه إلى داره من المدينة ... فلم يُفجأ عثمان به إلاّ وهو قاعد في جانب الدار،


1. البقرة: 141 .

(146)

فالتفت إليه، فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة ... فقال: إني سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أبا القاسم يقول: سيلي أُموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما يعرفون، فلا طاعة لمن عصى اللّه فلا تضلّوا بربكم فوالذي نفس عبادة بيده إنّ فلاناً لمن أُولئك، فوالذي نفس عبادة بيده إنّ فلاناً لمن أولئك. فما راجعه عثمان بحرف.

وروي أنّ عبادة كان مع معاوية، فأذّن يوماً، فقام خطيب يمدح معاوية، ويُثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده، فحشاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عبادة: إنّك لم تكن معنا حين بايعنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالعقبة ... أن نقوم بالحق حيث كنّا، لا نخاف في اللّه لومة لائم، وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا رأيتم المدّاحين، فأحثوا في أفواههم التراب».

حدّث عن عبادة: أبو أُمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وأبو مسلم الخولاني وجبير بن نفير، وكثير بن مرّة، وآخرون.

عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» ثلاث فتاوى، منها:

الشفق الحمرة، فإذا غابت بأجمعها فقد دخل وقت العشاء الآخرة.

مات بفلسطين سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قيل: ودفن بالقدس، وقبره بها إلى اليوم معروف.


(147)

45


العباس بن عبد المطلب (1)

( 3 ،2 قبل عام الفيل ـ 32 هـ)

ابن هاشم بن عبد مناف ، أبو الفضل، عمّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، من أكابر قريش في الجاهلية والاِسلام.

ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وقيل: بسنتين.

سئل العباس: أنت أكبر أو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟ قال: رسول اللّه أكبر منّي، ووُلدتُ قبله.

وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر مكرهاً، وأُسر يومئذ فيمن أُسر، ثمّ


*: الطبقات الكبرى 4|5ـ33، المحبر 16 و 46 و 63، التاريخ الكبير 7|2، المعارف 70 و 72، المعرفة والتاريخ 1|295، الكنى والاَسماء للدولابي 48، الجرح والتعديل 6|210، اختيار معرفة الرجال 112 برقم 179، مشاهير علماء الاَمصار 27 برقم 16، الثقات لابن حبّان 3|288، المستدرك للحاكم 3|321 ـ 334، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 72 برقم 56، رجال الطوسي 23، الاستيعاب 3|94، المنتظم 5|35، أُسد الغابة 3|109، تهذيب الاَسماء واللغات 1|257، رجال ابن داود 114، رجال العلاّمة الحلي 118، تهذيب الكمال 14|225، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 373، سير أعلام النبلاء 2|78، الوافي بالوفيات 16|629، مرآة الجنان 1|85، البداية والنهاية 7|168، الجواهر المضيئة 2|417، الاصابة 2|263، تهذيب التهذيب 5|122، تقريب التهذيب 1|397، كنز العمال 13|502، شذرات الذهب 1|38، جامع الرواة 1|432، الدرجات الرفيعة 79، تنقيح المقال 2|126، أعيان الشيعة 7|418.

(148)

فدى نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث (1) وذُكر أنّه أسلم عُقيب ذلك .

وقيل: أسلم قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه، وذلك بيِّن في حديث الحجاج بن علاط أنّه كان مسلماً يسـرّه ما يفتح اللّه على المسلمين، ثمّ أظهر إسلامه يوم فتح مكة.

وقيل: إنّ إسلامه قبل بدر. وكان يكتب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أخبار المشركين.

قال العلاّمة جعفر السبحاني: إنّ مسألة اشتراك العباس في غزوة بدر من مشكلات التاريخ وغوامضه فهو من الذين أسرهم المسلمون في بدر. فهو من جانب يشارك في الحرب، ومن جانب آخر يحضر في بيعة العقبة، ويدعو أهل المدينة إلى حماية النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ونصرته.

فكيف يكون هذا؟

إنّ الحلّ يكمن في ما قاله أبو رافع (2)غلام العباس نفسه: كان العباس قد


1. ذكر المفسرون أنّ الآية الكريمة: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاَسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يوَتكم خيراً ممّا أُخذ منكم ويغفر لكم) (الاَنفال: 70) نزلت في العباس وأصحابه. روى الطبري في تفسيره: أنّ العباس قال: فيّ نزلت (ما كان النبي أن يكون له أسرى ...) فأخبرت النبي بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذها منّي فأبى فأبدلني اللّه بها عشرين عبداً كلهم تاجر، مالي في يديه.وقالوا في تفسير: (إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً) أي إسلاماً وإخلاصاً أو رغبة في الاِيمان وصحة نية. راجع «مجمع البيان في تفسير القرآن» لاَبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت 458 هـ) وهو من أكابر علماء الاِمامية. و «جامع البيان في تفسير القرآن» لاَبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ).
2. إشارة إلى ما روي عنه: كنتُ غلاماً للعباس وكان الاِسلام قد دخلنا فأسلم العباس وأسلمت أُمّ الفضل وأسلمت وكان العباس يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر ... فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته اللّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزة ... إلى آخر الرواية. سيرة ابن هشام ص 646.

(149)

أسلم ولكنّه كان يهاب قومه ويكره خلافهم، ويكتم إسلامه مثل أخيه أبي طالب لاقتضاء المصالح الاِسلامية ذلك. ومن هذا الطريق كان يساعد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ويخبره بمخططات العدو ونواياه وتحرّكاته واستعداداته كما فعل ذلك في معركة «أُحد» أيضاً فقد كان أوّل من أخبر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بتحرّك قريش وخططهم واستعداداتهم(1)

وكان العباس ـ كما قال واصفوه ـ من أطول الرجال وأحسنهم صورة وأبهاهم وأجهرهم صوتاً، وكان محسناً إلى قومه، سديد الرأي، واسع العقل. وقد ولي السقاية بعد أبي طالب ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ (2)

شهد وقعة حُنين، وكان ممن ثبت فيها حين حمي الوطيس وانهزم الناس، وأمره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يهتف: يا أصحاب بيعة الشجرة.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث. وهو أحد رواة حديث الغدير (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه) من الصحابة (3)

روى عنه: عبد اللّه، وعبيد اللّه، وكثير، وهم أبناوَه، ومالك بن أوس بن الحدثان، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وآخرون.


1. سيد المرسلين: 2|89.
2. ذكر المفسرون أنّ العباس افتخر بالسقاية، وشيبة بن عثمان بالعمارة، والاِمام علي - عليه السّلام- بالاِسلام والجهاد، فنزل قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن باللّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللّه لا يستوون عند اللّه واللّه لا يهدي القوم الظالمين) (التوبة| 19) . راجع تفسير الطبري (ت 310): 10|68، وتفسير الفخر الرازي (ت606): 16|11، وتفسير القرطبي (ت 671): 4|91.
3. أخرج الحديث بطريقه ابن عقده، وعدّه الجزري في «أسنى المطالب» من رواة حديث الغدير . والجزري هو شمس الدين الجزري الشافعي (ت 823) روى في «أسنى المطالب» حديث الغدير بثمانين طريقاً. راجع كتاب الغدير : 1|48، 298.

(150)

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة.

رُوي أنّه قال لاَمير الموَمنين علي - عليه السّلام- لما قُبض النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أبسط يدك أبُايعك فيقال: عمّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بايع ابن عمّ رسول اللّه ص ويبايعك أهل بيتك، فانّ هذا الاَمر إذا كان لم يُقل. فقال له عليّ: ومن يطلب هذا الاَمر غيرنا؟ (1) توفّي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، وكان قد كُفّ بصره في آخر عمره.


1. الاِمامة والسياسة : لابن قتيبة: 1|4. و (لم يُقل): من الاِقالة لا من القول.

(151)

4


عبد الرحمن بن أبْزَى الخزاعي (1)

( ... ـ حدود 80 هـ)

قيل: له صحبة ورواية وفقه.

وهو مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وكان كاتباً له.

رُوي أنّ عمر بن الخطاب قدم مكة فاستقبله نافـع ـ وكان عامله عليها ـ واستخلف على أهل مكة عبد الرحمن بن أبزى، فغضب عمر حتى قام في الغرز وقال: استخلفت على آل اللّه عبد الرحمن بن أبزى؟ قال: إنّي وجدته أقرأهم لكتاب اللّه وأفقههم في دين اللّه فتواضع لها عمر وقال: لقد سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: إنّ اللّه سيرفع بالقرآن أقواماً ويضع به آخرين.

وحدث عبد الرحمن عن: أُبي بن كعب، وعمر بن الخطاب، وعمار بن ياسر، وآخرين.


*: الا َُم 1|110، الطبقات الكبرى لابن سعد 5|462، المحبر 379، مسند أحمد 3|406 و 407، التاريخ الكبير 5|245، المعرفة والتاريخ 1|291، الجرح والتعديل 5|209، الثقات لابن حبّان 5|98، الاستيعاب 2|409، المغني والشرح الكبير 1|539، أُسد الغابة 3|278، تهذيب الاَسماء واللغات 1|293، تهذيب الكمال 16|501، سير أعلام النبلاء 3|201، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 80 هـ) 471، الوافي بالوفيات 18|99، غاية النهاية 1|361، تقريب التهذيب 1|472، الاصابة 2|381، تهذيب التهذيب 6|132، ذخائر المواريث 2|222.

(152)

حدّث عنه: إبناه عبد اللّه وسعيد، وأبو إسحاق السبيعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وآخرون.

سكن الكوفة، وكان عامل أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- على خراسان في قول بعضهم (1).

رُوي عن عبد الرحمن أنّه قال: ألا أُريكم صلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟ فقلنا: بلى، فقام فكبّـر، ثمّ قرأ، ثمّ ركع فوضع يديه على ركبتيه حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمّ رفع حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمّ سجد حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمّ رفع حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمّ سجد حتى أخذ كل عضو مأخذه، ثمّ رفع فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الا َُولى، ثمّ قال: هكذا صلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

قيل: توفّي في حدود الثمانين.


1. الكامل في التاريخ: لابن الاَثير: 3|374، في حوادث سنة 38 هـ .

(153)

47


عبد الرحمن بن عوف (1)

( 10 بعد الفيل ـ 32 هـ)

ابن عبد عوف القرشي الزهري ، أبو محمد.

كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فسماه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عبد الرحمن، وهو ابن عم سعد بن أبي وقاص، وصهر عثمان بن عفان لاَنّه تزوّج أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أُخت عثمان لاَُمّه.

ولد بعد الفيل بعشر سنين، وهاجر إلى أرض الحبشة في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر، وآخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبن سعد بن الربيع الاَنصاري حين هاجر إلى المدينة.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|124، تاريخ خليفة 123، المحبر 65، التاريخ الكبير 5|240، الكنى والاَسماء للدولابي 10، الجرح والتعديل 5|247، مشاهير علماء الاَمصار 26 برقم 12، الثقات لابن حبان 2|253، المعجم الكبير للطبراني 1|126، المستدرك للحاكم 3|306، حلية الاَولياء 1|98، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 60 برقم 35، السنن الكبرى للبيهقي 7|176، رجال الطوسي 22، الخلاف للطوسي 3|338، الاستيعاب 2|385، صفة الصفوة 1|349، أُسد الغابة 3|313، تهذيب الاَسماء واللغات 1|300، الرياض النضرة 4|307، تهذيب الكمال 17|324، سير أعلام النبلاء 1|68، العبر للذهبي 1|24، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 390، الوافي بالوفيات 18|210، مرآة الجنان 1|86، البداية والنهاية 7|170، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|408، تهذيب التهذيب 6|244، تقريب التهذيب 1|494، شذرات الذهب 1|38، ذخائر المواريث 2|225، تنقيح المقال 2|146 برقم 6407، الغدير 8|284، معجم رجال الحديث: 9|341 برقم 6421.

(154)

شهد بدراً وما بعدها من المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: أنس بن مالك، والمِسْوَر بن مخرمة وهو ابن أُخته، وبنوه إبراهيم وحميد وعمرو ومصعب وأبو سلمة، وآخرون.

وقدم «الجابية» مع عمر بن الخطاب فكان على الميمنة. وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة، بل جعله رئيساً على مجلس الشورى والمقدَّم عليهم جميعاً إذ قال: وإذا اختلفتم فكونوا في الشق الذي فيه عبد الرحمن ابن عوف.

وقد لعب عبد الرحمن دوراً كبيراً في إقصاء الاِمام عليّ - عليه السّلام- عن الخلافة بشرطه الذي اشترطه عليه بالاَخذ بسنّة الشيخين، فلم يقبل - عليه السّلام- هذا الشرط وقبله عثمان، فبايعه.

ذكر ابن عبد ربّه الاَندلسي (1)في حديث بيعة عثمان أنّ عمار بن ياسر قال لعبد الرحمن بن عوف: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد ابن الاَسود: صدق عمار إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا، قال ابن أبي سرح(2): إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان ... فشتم عمار ابن أبي سرح، وقال: متى


1. العِقد الفريد: 4|279. طبع دار الكتاب العربي. وأخرج نحوه الطبري في «تاريخه» في قصة الشورى: 3|294 طبع موَسسة الاَعلمي.
2. عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وهو أخو عثمان من الرضاعة. أسلم قبل الفتح وهاجر ثم ارتدّ مشركاً، فلما كان يوم الفتح أمر رسول اللّه ص بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة، ففرّ إلى عثمان فغيّبه حتى أتى به إلى رسول اللّه ص فاستأمنه فصمت رسول اللّه ص طويلاً ثم قال: نعم، فلما انصرف عثمان قال رسول اللّه لمن حوله: ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. توفّي سنة 37 أو 36. انظر «أسد الغابة»: 3|173 .

(155)

كنت تنصح المسلمين؟ فتكلّم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار: أيها الناس إنّ اللّه أكرمنا بنبيّنا وأعزّنا بدينه، فأنّى تصرفون هذا الاَمر عن بيت نبيّكم؟ ثمّ ذكر ابن عبد ربّه قول علي - عليه السّلام- لعبد الرحمن لما بايع عثمان: حبوته محاباة، ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، أما واللّه ما وليتَ عثمان إلاّ ليردّ الاَمر إليك، واللّه كل يوم هو في شأن، فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلاً !فإنّي قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحداً، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، قال المقداد: أما واللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد واللّه لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئت كنت أردت بذلك اللّه فأثابك اللّه ثواب المحسنين، ثمّ قال المقداد: ما رأيت مثل ما أُوتي (1)أهل هذا البيت بعد نبيّهم، إنّي لاَعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول أنّ أحداً أعلم منه ولا أقضى بالعدل ولا أعرف بالحق، أما واللّه لو أجد أعواناً. قال عبد الرحمن: يا مقداد اتق اللّه فإنّي أخشى عليك الفتنة.

يقول الموَرّخون: إنّ عبد الرحمن ندم أشد الندم لما رأى عثمان أعطى المناصب والولايات إلى أقاربه وحاباهم بالاَموال الطائلة فدخل عليه وعاتبه، وبالغ في الاِنكار عليه، وهجره وحلف أن لا يكلمه أبداً حتى أنّه حوّل وجهه إلى الحائط لما جاءه عثمان عائداً له في مرضه، وأوصى أن لا يصلّي عليه عند وفاته، فصلّى عليه الزبير (2)


1. وفي لفظ المسعودي: وقام المقداد فقال: «ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم» فقال له عبد الرحمن بن عوف: «وما أنت وذلك يا مقداد» فقال: «إنّي واللّه لاَحبهم لحب رسول اللّه ص إياهم وإنّ الحق معهم وفيهم ...» انظر مروج الذهب: 3|86 برقم 1599. طبع المطبعة الكاثوليكية في بيروت.
2. انظر العقد الفريد لابن عبد ربه: 4|350، وشرح نهج البلاغة: للشيخ محمد عبده: 1|30، وتاريخ أبي الفدا : 1|166 كما ذكر ذلك صاحب «الغدير» : 9|86.

(156)

عُدّ عبد الرحمن بن عوف من المتوسطين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا. ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» خمس فتاوى منها:

ـ قال قبيصة بن جابر الاَسدي: كنت محرماً فرأيت ظبياً فرميته فأصبته فمات، فوقع في نفسي من ذلك، فأتيت عمر بن الخطاب أسأله فوجدتُ إلى جنبه عبد الرحمن بن عوف فسألت عمر فالتفت إلى عبد الرحمن فقال: ترى شاة تكفيه؟ قال: نعم، فأمرني أن أذبح شاة.

ـ كلما جاز أن يستباح بالعارية جاز أن يستباح بعقد الاجارة.

ـ الاَيمان تغلظ بالمكان والزمان وهو مشروع.

أخرج أحمد بن حنبل في المسند 1|190 عن ابن عباس أنّه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع، قال: فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما، فقال عمر: سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلّى أم ثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلّى أم ثلاثاً فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً ثمّ يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين.

توفّي عبد الرحمن بن عوف سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، ودفن بالبقيع. وترك ثروة ضخمة وأموالاً طائلة.

قال ابن سعد: ترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجُرف على عشرين ناضحاً. وقال: أصاب «تُماضر بنت الاَصبغ» ربع الثمن فأُخرجت بمائة ألف، وهي إحدى الاَربع [أي من زوجاته].


(157)

48


أبو حُمَيْد الساعدي الاَنصاري المدني (1)

(... ـ 60، 59 هـ)

اختلف في اسمه، فقيل: عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، وقيل: عبد الرحمن ابن عمرو بن سعد، وقيل: المنذر بن سعد بن المنذر.

قيل: إنّه شهد أُحداً وما بعدها من المشاهد.

روى عنه: جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وعباس بن سهل بن سعد الساعدي، وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم.

وذكر الذهبي أنّه من فقهاء أصحاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

رُوي أنّ أبا حميد الساعدي كان في عشرة من أصحاب رسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - منهم أبو قتادة. فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، كان رسول اللّه إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمّ يقرأ حتى يقرّ كلُّ عظم في موضعه معتدلاً ثم يقرأ ثم يكبّـر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع (ثمّ ذكر كيفية الركوع والسجدتين) فقال: ثمّ يصنع في الركعة الاَُخرى مثل ذلك (2)

توفّي سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين.


*: الجرح والتعديل 5|237، مشاهير علماء الاَمصار 41 برقم 77، الثقات لابن حبّان 3|249، السنن الكبرى للبيهقي 2|137، الخلاف للطوسي 1|367 م 125، الاستيعاب 4|42 ذيل الاصابة، طبقات الفقهاء للشيرازي 52، المغني والشرح الكبير 1|577، أُسد الغابة 5|174، تهذيب الكمال 33|264، سير أعلام النبلاء 2|481، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 60هـ) 337، مرآة الجنان 1|131، الاصابة 4|47، تهذيب التهذيب 6|184، شذرات الذهب 1|65.
1. وليس فيما يرويه أبو حُميد أنّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» وضع يده اليمنى على اليسرى.

(158)

49


عبد اللّه بن جعفر الطيّار (1)

( 1 ـ 80 هـ)

ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، أبو جعفر القرشيّ، الهاشميّ، المدنيّ، ابن أخي الاِمام عليّ - عليه السّلام- ، وصهره على ابنته زينب «عليها السّلام» .

ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وكفله النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعد استشهاد أبيه جعفر في غزوة موَتة (8 هـ).

روى عن: النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن الاِمام علي - عليه السّلام- ، وعن أمّه أسماء بنت عميس.

روى عنه: ابناه: إسحاق، وإسماعيل، والحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عوف، وعامر الشَّعبي، وابن خالته عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وآخرون.


*: تاريخ خليفة 184، التاريخ الكبير 5|7 برقم 11، المعارف 119، الثقات لابن حبان 3|207، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 71 برقم 54، رجال الطوسي 23 برقم 9، تهذيب الكمال 14|367، الكامل في التاريخ 4|456، أُسد الغابة 3|133، تهذيب الاَسماء واللغات 1|263 برقم 292، رجال ابن داود 200 برقم 830، مختصر تاريخ دمشق 12|72 برقم 62، رجال العلامة الحلي 103 برقم 2، سير أعلام النبلاء 3|456، تاريخ الاِسلام (حوادث 61 ـ 80) 428 برقم 187، الوافي بالوفيات 17|107 برقم 93، مرآة الجنان 1|161، البداية والنهاية 9|35، تهذيب التهذيب 5|170، نقد الرجال 196 برقم 65، مجمع الرجال 3|271، جامع الرواة 1|478، تنقيح المقال 2|173 برقم 6784، معجم رجال الحديث 10|137، 148، قاموس الرجال 5|408، الاَعلام للزركلي 4|74، وغيرها من المصادر وهي كثيرة.

(159)

وكان كبير الشأن جليل القدر، لسناً بليغاً، جواداً كريماً، وأخباره في الجود كثيرة مشهورة، وكان يسمّى بحر الجود، ويقال: إنّه لم يكن في الاِسلام أسخى منه.

عدّه ابن حزم في أصحاب الفتيا، ووصفه الذهبي بالسيّد العالم.

رُوي أنّ أسماء بنت عميس ذكرت للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يُتم أولاد جعفر، فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : العَيْلة تخافين عليهم، وأنا وليُّهم في الدنيا و الآخرة؟

وكان عبد اللّه بن جعفر فيمن شهد صفّين مع الاِمام - عليه السّلام- ، وكان أحد الاَمراء فيها، وكان عليّ - عليه السّلام- ينهاه والحسنَ والحسينَ والعباسَ بن ربيعة وعبدَ اللّه ابن العباس عن مباشرة الحرب، ضنّاً بهم على القتل.

وكان شديد التعظيم للاِمامين الحسن والحسين «عليهما السلام» ، وله مواقف في الذبِّ عنهما أمام محاولات معاوية للنيل منهما، يوم كان يمهّد للبيعة لابنه يزيد (1).

ولما عزم الاِمام الحسين - عليه السّلام- على النهوض لمقارعة الظالمين، وخرج من مكة قاصداً الكوفة، بعث عبد اللّه بن جعفر إليه كتاباً مع ابنيه عون ومحمد، أعرب فيه عن حبِّه له واعتزازه به، وقال فيه: إن هلكتَ اليوم طُفىَ نور الاَرض، فإنّك علم المهتدين، ورجاء الموَمنين (2) فكان عون ومحمد من المستشهدين بين يدي الحسين - عليه السّلام- بكربلاء.

قال إبراهيم بن صالح: عوتب عبد اللّه بن جعفر على السخاء، فقال: يا هوَلاء إنّي عوّدت اللّه عادةً، وعوّدني عادة، وإني أخاف إن قطعتها قطعني.

توفّي سنة ثمانين، وقيل: أربع وثمانين، وقيل غير ذلك.


1. راجع الاِمامة والسياسة لابن قتيبة: 158، 164.
2. تاريخ الطبري: 4|291، والكامل لابن الاَثير: 4|40.

(160)

50


عبد اللّه بن الزبير (1)

(1، 2 ـ 73 هـ)

ابن العوام القرشي الاَسدي، أبو خُبيب، وقيل: أبو بكر .

ولد في السنة الاَُولى أو الثانية من الهجرة، وهو أوّل مولود في الاِسلام للمهاجرين.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن: أبيه وأبي بكر وعائشة وعمر وغيرهم.

روى عنه: أخوه عروة، وابناه عامر وعباد، وعمرو بن دينار ، وآخرون.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|294، تاريخ خليفة 39، الطبقات لخليفة 406 برقم 1987، التاريخ الكبير 5|6، المعرفة والتاريخ1|243، تاريخ الطبري 5|29، الجرح والتعديل 5|56، مروج الذهب3|272، مشاهير الاَعلام والاَمصار 55 برقم 154، الثقات لابن حبّان 3|212، المستدرك للحاكم 3|547، حلية الاَولياء 1|329، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 49 برقم 16، رجال الطوسي 23|10، الخلاف للطوسي 1|403 و 377 و 319 طبع جامعة المدرسين، الاستيعاب 2|291 ذيل الاصابة، طبقات الفقهاء للشيرازي 50، صفة الصفوة 1|764، المنتظم 6|124، أُسد الغابة 3|161، الكامل في التاريخ 4|348، تهذيب الاَسماء واللغات 1|266، وفيات الاَعيان 3|71، تهذيب الكمال 14|508، سير أعلام النبلاء 3|363، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 75 هـ) 435، العبر للذهبي 1|60، الوافي بالوفيات 17|172، فوات الوفيات 2|171، البداية والنهاية 8|337، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|419، النجوم الزاهرة 1|189، الاصابة 2|301، تهذيب التهذيب 5|213، تقريب التهذيب 1|415، شذرات الذهب 1|79، مجمع الرجال 3|282، جامع الرواة 1|484، تنقيح المقال 2|181، الاَعلام 4|87، معجم رجال الحديث 10|186 برقم 6859، بغية الطلب 1|253.

(161)

وقد عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» ثماني فتاوى.

شهد فتح افريقية في زمن عثمان، وشهد وقعة الجمل مع أبيه وخالته عائشة، وهو الذي زيّن لها المسير إلى البصرة.

ولما تراءى الجمعان في الجمل، قال الاِمام عليّ - عليه السّلام- للزبير: قد كنّا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا (1) وذكّره أشياء، ولما عزم الزبير على اعتزال المعركة بعدما ذكّره الاِمام عليّ - عليه السّلام- بحديث النبي ص وإعلامه بأنّه سيقاتل عليّاً وهو له ظالم، عيّره ابنه بالجبن واتهمه بالخوف وقال له: ولكنّك خشيت رايات ابن أبي طالب وعلمتَ أنّها تحملها فتية أنجاد وأنّ تحتها الموت الاَحمر فجبنتَ، فأحفظه ذلك وقال: إنّي حلفتُ أن لا أُقاتله، قال: كفِّر عن يمينك وقاتله، فاعتق غلامه مكحولاً وقيل سرجس (2)

ويذكر الموَرخون أنّ ابن الزبير كان يبغض بني هاشم، وقد بلغ من بغضه لهم أنّه ترك الصلاة على محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أربعين جمعة ويقول: إنّه لا يمنعني من ذكره إلاّ أن تشمخَ رجال بآنافها.

ولما مات معاوية بن أبي سفيان (سنة 60 هـ) وتولّـى يزيد الاَمر، كتب إلى والي المدينة أن يأخذ الاِمام الحسين - عليه السّلام- وابن الزبير وابن عمر أخذاً ليس فيه رخصة، فخرج الاِمام الحسين - عليه السّلام- وابن الزبير إلى مكة، وامتنعا أن يبايعا ليزيد.

وكان ابن الزبير يأتي الحسين - عليه السّلام- فيمن يأتيه بمكة، ولا يزال يشير عليه


1. وجاء في شرح نهج البلاغة: 20|103 أنّ أمير الموَمنين - عليه السّلام- قال: ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشوَوم عبد اللّه. وذكر ابن عبد ربه في الاستيعاب | ترجمة ابن الزبير، هذا القول للاِمام علي - عليه السّلام- إلاّ أنّه لم يذكر لفظة المشوَوم.
2. انظر الكامل في التاريخ لابن الاَثير: 3|240.

(162)

بالرأي وهو أثقل خلق اللّه على ابن الزبير، لاَنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين باقياً بالبلد.

ولما عزم الاِمام الحسين - عليه السّلام- على المسير إلى الكوفة، قال له عبد اللّه بن العباس: لقد أقررتَ عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، ثمّ خرج ابن عباس من عنده فمرّ بابن الزبير فقال: قرّت عينك يا ابن الزبير ثم قال:

يا لكِ من قنبرة بمعمرِ * خلا لكِ الجو فبيضي واصفري

ونقّري ما شئتِ أن تنقّري

هذا حسين يخرج إلى العراق وعليك بالحجاز (1)

وفي سنة (63هـ) وجّه يزيد بن معاوية مسلمَ بن عقبة المُرّي في جيش من أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ سار إلى مكة، فدخل مسلم المدينة وعبث فيها وأسرف في القتل، ثمّ خرج فلما كان في بعض الطريق مات، فاستخلف حُصين بن نُمير الكندي، فمضى إلى مكة فقاتل بها ابن الزبير أياماً، ثمّ بلغه موت يزيد، فرحل هو وأصحابه نحو دمشق.

وعقيب موت يزيد بن معاوية دعا ابن الزبير لنفسه بالخلافة، فحكم الحجاز والعراق واليمن وخراسان.

ثمّ دعا ابنَ عباس ومحمد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية ومَن معه من أهل بيته وشيعته ليبايعوه فامتنعوا، فأكثر الوقيعة في محمّد بن الحنفية وذمَّه.

فلما ظهر المختار الثقفي بالكوفي عام (66 هـ) خاف ابن الزبير أن يتداعى


1. انظر تاريخ الطبري: 4|288 حوادث سنة (60 هـ) .

(163)

الناس إلى الرضا بابن الحنفية، فألحّ عليه وعلى أصحابه في البيعة له، فحبسهم في الشِّعب وتوّعدهم بالقتل والاحراق وأعطى اللّه عهداً إن لم يبايعوا أن ينفّذ فيهم ما توعّدهم، وضرب لهم في ذلك أجلاً.

فأرسل المختار أبا عبد اللّه الجدلي في أربعة آلاف، فلما كانوا ببعض الطريق تعجّل منهم ثمانمائة حتى دخلوا مكة، فكبّـروا تكبيرة سمعها ابن الزبير فهرب إلى دار النـدوة، ويقـال تعلّق بأستـار الكعبـة وقـال: أنا عائـذ اللّه، ثمّ استخلصوا محمّد بن الحنفية ومن كان معه ـ وكان ابن الزبير قد أعدّ لهم الحطب ليحرقهم ـ ثمّ استأذنوه في قتل ابن الزبير فقال ـ رحمه اللّه تعالى ـ: إنّي لا استحلّ القتال في الحرم(1) ذكر ابن عبد البرّ أنّ عبد اللّه بن الزبير: كان كثير الصلاة، كثير الصيام، شديد البأس، كريم الجدات والاَُمّهات والخالات إلاّ أنّه كانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة، لاَنّه كان بخيلاً ضيّق العطن، سيّىَ الخلق، حسوداً كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة ونفى عبد اللّه بن عباس إلى الطائف(2).

وفي سنة (65 هـ) توفّي مروان بن الحكم، فقام بأمر الشام ابنه عبد الملك، فسار إلى العراق في سنة (71 هـ) لقتال مصعب ابن الزبير، فاستولى عبد الملك على العراق.

ولما قتل عبد الملك مصعباً وأتى الكوفة، وجّه منها الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش من أهل الشام لقتال عبد اللّه بن الزبير، فحاصره ثمانية أشهر وقيل غير ذلك، ولم تزل الحرب بينهما إلى أن انتهت بمقتل ابن الزبير في مكة بعد أن تفرّق عنه عامة أصحابه وذلك في سنة ثلاث وسبعين.


1. انظر الكامل في التاريخ: 4|249 ـ 251. وسير أعلام النبلاء: 4|118 ترجمة محمد بن الحنفية، وفيه: فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد العوفي. وجاء في مروج الذهب: 3|275 أنّ أبا عبد اللّه الجدلي نفسه كان قائد هذه المجموعة.
2. الاستيعاب: 3|906 ترجمة عبد اللّه بن الزبير.

(164)

51


عبد اللّه بن العباس (1)

(3 ق هـ ـ 68 هـ)

ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو العباس المدني، ابن عم رسول اللّه .

- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -

وُلد في الشِّعب بمكة وبنو هاشم محصورون، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن عليّ - عليه السّلام- وأُبي بن كعب، وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، وعمر بن الخطاب، وبُريدة بن الحصيب الاَسلمي، وطائفة.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|365، التاريخ الكبير 5|2، المعارف 73، المعرفة والتاريخ 1|217، رجال البرقي 2، الجرح والتعديل 5|116، الثقات لابن حبّان 3|248، مشاهير علماء الاَمصار 28 برقم 17، المعجم الكبير للطبراني 10|232، المستدرك للحاكم 3|533، حلية الاَولياء 1|314، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 43 برقم 7، رجال الطوسي 22 برقم 6، تاريخ بغداد 1|173، الاستيعاب 2|342 ـ 349، طبقات الفقهاء للشيرازي 39 و 42 و 46 و 48 و 49، صفة الصفوة 1|314، أُسد الغابة 3|192، تهذيب الاَسماء واللغات 1|274، رجال ابن داود 121 برقم 880، رجال العلاّمة الحلي 103، تهذيب الكمال 15|154، سير أعلام النبلاء 3|331، العبر 1|56، تذكرة الحفّاظ 1|40، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 68 هـ) 148، نكت الهميان 180، الوافي بالوفيات 17|231، مرآة الجنان 1|143، البداية والنهاية 8|298، الجواهر المضيئة 2|415، تهذيب التهذيب 5|276، تقريب التهذيب 1|425، الاصابة 2|322ـ 326، شذرات الذهب 1|25، مجمع الرجال للقهبائي 4|24، جامع الرواة 1|494، تنقيح المقال 2|191 برقم 6921، أعيان الشيعة 8|55ـ 57، الاَعلام 4|95، معجم رجال الحديث 10|229 برقم 6943، قاموس الرجال 6|3.

(165)

روى عنه: سعيد بن جُبير، وأبو أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الشعثاء جابر ابن زيد، وعكرمة، وآخرون.

وكان فقيهاً مفتياً محدثاً عالماً بالتفسير، وهو أوّل من أملى في تفسير القرآن عن الاِمام عليّ - عليه السّلام- وكان يسمّى البحر والحَبْـر لغزارة علمه.

رُوي عنه أنّه قال: دعاني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فمسح على ناصيتي وقال: اللّهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب.

وكان خطيباً مصقعاً ومناظراً قديراً، وكان عمر يدنيه ويشاوره مع كبار الصحابة، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات.

عُدّ من المكثرين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» 201 فتوى، وكان ممن ثبت على القول بإباحة المتعة وعدم نسخها.

قال عطاء: ما رأيت مجلساً قط كان أكرم من مجلس ابن عباس، وإنّ أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه، كلّهم يصدرهم في واد واسع.

وكان ابن عباس محباً لعليّ - عليه السّلام- ملازماً لطاعته في حياته وبعد مماته، وكان تلميذه وخرّيجه، قيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط (1)

وإلى هذا المعنى أشار محمود البغدادي، فقال:

وأفصحَ عبد اللّه عن كُنهِ موقفٍ * وذلك حبْـر ثاقبُ الفكر عَيْلَمُ

ألا إنّ علمي للوصي كقطرةٍ * إلى البحر ما لابن الفواطم توأمُ (2)


1. مقدمة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1|19.
2. من قصيدة طويلة له، مطلعها:

اُحبُّ وإنّ الحبّ صابٌ وعلقمُ * وأيقنت أنّـي منذ أحببــتُ أُظلَمُ


(166)

وقد شهد ابن عباس مع الاِمام علي - عليه السّلام- حروبه كلّها الجمل وصفين والنهروان، وولاّه أمير الموَمنين البصرة بعد ظفره بأصحاب الجمل، وكان يُعدّه لمهام الاَُمور فقد أرسله إلى أُمّ الموَمنين بعد حرب الجمل فكان له في ذلك المقام المشهود، وأراده للحكومة يوم صفّين، فأبى أهل الجباه السود العمي القلوب، وبعثه إلى الخوارج يوم النهروان فاحتجّ عليهم بأبلغ الحجج، وله في نصرة علي - عليه السّلام- وأبنائه مواقف مشهورة.

جاء في شرح نهج البلاغة 5|179: وأمّا اليوم الخامس ـ أي من أيام صفّين ـ فانّه خرج فيه عبد اللّه بن عباس، فخرج إليه الوليد بن عقبة ... فأرسل إليه عبد اللّه بن العباس أن ابرز إليّ، فأبى أن يفعل، وقاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالاً شديداً.

ومن شعره في أمير الموَمنين - عليه السّلام- :

وصي رسول اللّه من دون أهله * وفارسُه إن قيل هل من مُنازلِ

فدونكه إن كنت تبغي مهاجراً * أشمَّ كنصل السيف عَيْـر حَلاحلِ (1)


1. عَيْـر القوم: سيدهم، والحَلاحل بالفتح جمع حُلاحل بالضم، وهو الشجاع. وروى الحاكم في مستدركه (3|132) بسنده عن عمرو بن ميمون في حديث طويل، قال: إنّي لجالس عند ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إمّا أن تقوم معنا وإمّا أن تخلو بنا من بين هوَلاء ، قال فقال ابن عباس: بل أنا أقوم معكم. قال وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى قال: فابتدأوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لاَحد غيره، وقعوا في رجل قال له النبي ص : لاَبعثن رجلاً لا يخزيه اللّه أبداً يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله، ثم قال: قال ابن عباس: وقال له رسول اللّه ص : أنت ولي كل موَمن بعدي وموَمنة، ثم قال: قال ابن عباس: وقال رسول اللّه ص : من كنت مولاه فانّ مولاه عليّ ... قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة، وصححه الذهبي في تلخيصه .

(167)

وكان يلقى معاوية بقوارع الكلم، قال له يوماً معاوية: ما بالكم تصابون بأبصاركم يا بني هاشم؟ فقال له: كما تصابون في بصائركم يا بني أُمية. وعمي هو وأبوه وجده.

وكان يمسك بركاب الحسن والحسين «عليهما السلام» إذا ركبا.

ولما أبى الحسين - عليه السّلام- أن يبايع ليزيد، وأراد أن يسير من مكة إلى العراق، قال له ابن عباس:

أقم بهذا البلد فانّك سيد أهل الحجاز، فإنْ أبيتَ فسر إلى اليمن ... فقال له الحسين - عليه السّلام- :

يا ابن عم إنّي واللّه لاَعلم أنّك ناصح مشفق ولكنّني قد أزمعت وأجمعت على المسير (1).

ولما خرج الحسين - عليه السّلام- إلى الكوفة اجتمع ابن عباس وعبد اللّه بن الزبير بمكة، فضرب ابن عباس جنب ابن الزبير وتمثّل:

يا لكِ من قُبَّـرة بمَعْمَـرِ * خلا لكِ الجو فبيضي واصفري

ونقّري ما شئت أن تُنقّري

خلا لك واللّه يا ابن الزبير الحجاز، فقال ابن الزبير: واللّه ما ترون إلاّ أنّكم أحقُّ بهذا الاَمر من سائر الناس، فقال له ابن عباس: إنّما يرى من كان في شك، فأمّا نحن من ذلك فعلى يقين (2)

ومن كلام ابن عباس:


1. تاريخ الطبري: 4|288 حوادث سنة (60 هـ) .
2. مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 12|325 ترجمة عبد اللّه بن عباس.

(168)

لو أنّ العلماء أخذوا العلم بحقّه لاَحبهم اللّه عزّ وجلّ والملائكة والصالحون من عباده، ولَهابَهم الناس لفضل العلم وشرفه.

وقال:

ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلاّ أنزلته أحد ثلاثة منازل: إن كان فوقي عرفتُ له قدره، وإن كان نظيري تفضّلتُ عليه، وان كان دوني لم أحفِل به.

وقال:

أكرم الناس عليَّ جليسي، إنّ الذباب ليقع عليه فيوَذيني.

وكان بين ابن عباس وبين ابن الزبير منافرات شديدة، رواها الموَرخون في كتبهم. ولما دعا ابن الزبير لنفسه بالخلافة، أبى ابن عباس أن يبايعه، فأخرجه من مكة إلى الطائف فتوفّي بها سنة ثمان وستين. ولما دُفن قال محمّد بن الحنفية: اليوم مات ربّانيّ هذه الاَُمّة.


(169)

52


أبو بكر بن أبي قحافة (1)

( 2 ، 3 بعد عام الفيل ـ 13 هـ)

عبد اللّه بن عثمان بن عامر القرشي التّيمي.

ولد بمكة بعد عام الفيل بسنتين أو ثلاث.

وكان من السابقين إلى الاِسلام، وآخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين عمر بن الخطاب، وهاجر مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وصحبه في الغار.

شهد بدراً وسائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


*: طبقات ابن سعد 3|169، المحبر 278، التاريخ الكبير 3|1، تاريخ المدينة المنورة 2|665، المعارف 98 و 104، الاِمامة والسياسة 1|20، تاريخ اليعقوبي 1|113 و 128، تاريخ الطبري 2|613 و 623، الجرح والتعديل 5|111، حلية الاَولياء 1|28، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 45 برقم 10، الاحكام في أُصول الاَحكام لابن حزم 2|88، الاستيعاب 2|234 و 249، طبقات الفقهاء للشيرازي 36، المنتظم 4|115، أُسد الغابة 3|205 و 224، الكامل في التاريخ 2|58 و 325 و 425، تهذيب الاَسماء واللغات 2|181 و 191، وفيات الاَعيان 3|64، الرياض النضرة 1|73 و 268، العبر 1|13، تذكرة الحفّاظ 1|2، تاريخ الاِسلام للذهبي السيرة النبوية 136 وعهد الخلفاء الراشدين 21، أعلام الموقعين 1|12، الوافي بالوفيات 17|305، مرآة الجنان 1|65، البداية والنهاية 5|214 و 223 و 6|305 و7|18، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|333، تهذيب التهذيب 5|315، تقريب التهذيب 1|432، طبقات الحفّاظ 13، شذرات الذهب 1|24، سيرة الحلبي 3|455 و 496، أعيان الشيعة 1|429، الغدير 7|87 و 329 و 8|30 و 60، الاَعلام للزركلي 4|102.

(170)

ولما نزلت سورة براءة في سنة تسع للهجرة، دفعها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى أبي بكر، حتى إذا كان ببعض الطريق، أرسل علياً ـ رضي اللّه عنه ـ فأخذها منه ثم سار بها، فوجد أبو بكر في نفسه، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : لا يوَدي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي (1)

وفي سنة احدى عشرة أمر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الناس بالتهيوَ لغزو الروم، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والاَنصار إلاّ عبّأه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالجيش، وأجمع أهل السير والاَخبار على أنّ أبا بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وغيرهم كانوا في الجيش، ثم مرض - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلما أصبح ووجدهم متثاقلين، خرج إليهم فحضّهم على السير وعقد اللواء لاسامة بيده الشريفة، فجعلوا يودعونه ويخرجون إلى العسكر بالجرف، ثم ثقل - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في مرضه فجعل يقول: جهزوا جيش اسامة، انفذوا جيش اسامة، يكرر ذلك، ثم رجع اسامة وعمرو أبو عبيدة، فانتهوا إليه وهو يجود بنفسه، فتوفّي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في ذلك اليوم، فرجع الجيش إلى المدينة، ولما تمّ الاَمر لاَبي بكر سيّر الجيش بقيادة أُسامة بن زيد ـ وتخلّف عنه جماعة ممن عبّأهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في جيشه ـ فشنّ الغارة على أهل أُبنى.

ولما توفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اجتمع الاَنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد ابن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، وحدث بين الطرفين خلاف طويل وعريض، ثم قال أبو بكر: إنّي قد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة، فقام عمر فبايع أبا بكر، فقالت الاَنصار أو


1. أخرجه النسائي في «الخصائص» ص 91 بسنده عن سعد. وأخرجه أيضاً عن أنس، وجابر، وعن الاِمام علي - عليه السّلام- وفيه: أنّ رسول اللّه ص بعث بـ «براءة» إلى أهل مكة مع أبي بكر. ثم اتبعه بعلي. فقال له: خذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكة، قال: فلحقته وأخذت الكتاب منه، فانصرف أبو بكر كئيباً، فقال: يا رسول اللّه ص أنزل فيّ شيء؟ قال: لا إلاّ أنّي أُمرتُ أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي.

(171)

بعض الاَنصار لا نبايع إلاّ علياً (1) ثم تمت البيعـة لاَبي بكر، والتي قـال عنها عمر :

كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه.

ولم يشهد الاِمام علي - عليه السّلام- وسائر أوليائه من بني هاشم وغيرهم البيعة، ولم يدخلوا السقيفة، بل كانوا منصرفين إلى خطبهم الفادح برسول اللّهوقيامهم بالواجب من تجهيزه.

قال ابن الاَثير في «أسد الغابة» :وتخلّف عن بيعته [أي بيعة أبي بكر] علي وبنو هاشم والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الاَنصاري (2).

وكان لاَبي بكر مع الزهراء البتول «عليها السّلام» في قضية فدك وغيرها مواقف أدّت إلى غضبها وهجرانها له، حتى توفيت «عليها السّلام» وهي غاضبة عليه كما أخرج ذلك البخاري (3) وغيره.


1. تاريخ الطبري: 2|443 ذكر الاَخبار الواردة باليوم الذي توفّـي فيه رسول اللّه ص .
2. إنّ الذين وقفوا إلى جانب الاِمام علي - عليه السّلام- كانوا من أعيان المهاجرين والاَنصار كعمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الاَسود، وسلمان الفارسي، والعباس بن عبد المطلب، وحذيفة ابن اليمان، وغيرهم، وكانوا يعتقدون بحقه - عليه السّلام- في الخلافة من خلال مواقف النبي ص وتصريحاته العديدة فيه في مختلف المناسبات، والتي ختمها بقوله ص في حجة الوداع، وقد أخذ بيد علي - عليه السّلام- : من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه ... وقد رُوي هذا الحديث بطرق كثيرة جداً تجدها مبثوثة في تراجم الصحابة.
3. روى ذلك في صحيحه عن عائشة في باب فرض الخمس، ورواه أيضاً في كتاب المغازي في غزوة خيبر، قال: فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفّيت وعاشت بعد النبي ص ستة أشهر فلما توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يوَذِن بها أبا بكر وصلّـى عليها ... وقد روى البخاري في باب مناقب فاطمة «عليها السّلام» بسنده عن المسور بن مخرمة أنّ رسول اللّه ص قال: فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني.

(172)

وفي أيام أبي بكر افتُتحت بلاد الشام وقسم كبير من العراق.

وكان قليل الرواية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1) فاتفق له الشيخان على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بواحد.

روى عنه: عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم.

وعُدّ من المتوسطين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» أربعاً وأربعين فتوى منها:

انّه كان يرى جواز تولية المفضول على من هو أفضل منه.

وكان أبو بكر يقول برأيه في العديد من المسائل والاَحكام، فقد سئل عن الكلالة التي نزل بحكمها القرآن فقال:

إنّي سأقول فيها برأيي، فان يك صواباً فمن اللّه، وان يك خطأ فهو منّي ومن الشيطان (2).

وجاء في «سنن البيهقي»: 6|246 عن أبي سعيد الخدري، قال: إنّ أبا بكر ـ رضى اللّه عنه ـ كان ينزل الجد بمنزلة الاَب. (يعني أنّه كان يحجب الاِخوة بالجد كما أنّ الاَب يحجب الاِخوة والاَخوات).

توفّي أبو بكر بالمدينة في سنة ثلاث عشرة، ولما حضره الموت استخلف عمر ابن الخطاب.


1. وجمع ابن كثير حديث أبي بكر في اثنين وسبعين حديثاً وسمى مجموعة «مسند الصدّيق» واستدرك ما جمعه ابن كثير جلال الدين السيوطي فأنهى أحاديثه إلى مائة وأربعة، علماً أنّ جملة منها ما ليس بحديث وإنّما هو قول، كقوله: شاور رسول اللّه في أمر الحرب ... وقوله: إنّ رسول اللّه ص أهدى جملاً لاَبي جهل. ومنها ما هو محكوم عليه بالوضع كقوله: إنّما حرّ جهنم على أُمّتي مثل الحمّـام. انظر الغدير: 7|108.
2. سنن البيهقي: 6|234.



(173)

53


عبد اللّه بن عمر (1)

(10 ، 11 ق هـ ـ 73 ، 74 هـ)

ابن الخطاب القرشي العدوي ، أبو عبد الرحمن.

أسلم بمكة مع إسلام أبيه، وهاجر مع أبيه وأُمّه إلى المدينة، وهو ابن عشر، أو إحدى عشرة سنة، وردّه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن القتال يوم أُحد لصغر سنّه، وأجازه يوم الخندق كما روي عنه، وشهد فتح مكة. ومولده ووفاته فيها.

قال الخطيب: خرج إلى العراق، فشهد يوم القادسية، ويوم جلولاء، وما بينهما من وقائع الفرس، وورد المدائن غير مرّة.


*: الموطأ لمالك 1|149، الطبقات الكبرى لابن سعد 4|142، المحبر 24، التاريخ الكبير 5|2، المعرفة والتاريخ 1|249، الكنى والاَسماء للدولابي 80، الجرح والتعديل 5|107، مشاهير علماء الاَمصار 37 برقم 55، الثقات لابن حبان 3|209، المعجم الكبير للطبراني 1|342، المستدرك للحاكم 3|556، حلية الاَولياء 1|292، الاِحكام لابن حزم 2|87، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 42 برقم 5، تاريخ بغداد 1|171، الاستيعاب 2|333، طبقات الفقهاء للشيرازي 50، المنتظم 6|133، أُسد الغابة 3|227، الكامل في التاريخ 4|363، تهذيب الاَسماء واللغات 1|278، وفيات الاَعيان 3|28، الرياض النضرة 2|423، تهذيب الكمال 15|332، سير أعلام النبلاء 3|203، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 73هـ) 453، العبر للذهبي 1|61، الوافي بالوفيات 17|362، مرآة الجنان 1|154، البداية والنهاية 9|5، غاية النهاية 1|437، النجوم الزاهرة 1|192، تهذيب التهذيب 5|328، تقريب التهذيب 1|435، الاصابة 2|338، كنز العمال 13|475، شذرات الذهب 1|81، الغدير 10|3، الاَعلام 4|108.

(174)

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن: أبيه، وأُخته حفصة أُمّ الموَمنين، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر، وآخرين.

روى عنه: الحسن البصري، والسائب والد عطاء، وسعيد بن المسيب، ونافع، وعروة بن الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.

وهو أحد أكثر الصحابة رواية عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وقد نقل عنه مالك بن أنس في «الموطأ» كثيراً من أحاديثه، واعتمد عليه في أكثر أحكامه.

روي عن مالك أنّ أبا جعفر المنصور قال له: خذ بقوله ـ يعني ابن عمر ـ وإنْ خالف علياً وابن عباس !!

وكان ابن عمر ممّن امتنع عن بيعة أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- ، وكان رأيه ـ كما يقول ابن حجر ـ انّه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس (1)... ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع النا(2) عليه .

لقد امتنع ابن عمر عن بيعة علي - عليه السّلام- التي أجمع عليها المسلمون، (وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياه أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسرت إليها الكعاب) (3) فأي اجماع حصل في التاريخ على خليفة كالذي حصل لعلي - عليه السّلام- ، وهذا ابن حجر نفسه يقول: (كانت بيعة علي


1. فتح الباري لابن حجر: 5|19.
2. نفس المصدر: 13|165. وذكر الآبي (ت 421) في نثر الدر: 2|90 أنّ ابن عمر استأذن على الحجاج ليلاً، فقال له الحجاج: ما جاء بك؟ قال: ذكرتُ قول النبي ص : «من مات وليس في عنقه بيعة لاِمام مات ميتة جاهلية» فمدّ إليه رجله، فقال: خذ فبايع، أراد بذلك الغضّ منه.
3. من خطبة للاِمام علي - عليه السّلام- وصفَ فيها بيعة الناس له. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13|3.

(175)

بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والاَنصار وكل من حضر وكتب ببيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلاّ معاوية في أهل الشام) (1)

ثمّ ما الذي يبرر بيعته لمعاوية الذي شق عصا الطاعة، ونازع الاِمام في أمر لا يحلّ له (2)، وتسبب في حرب ضروس راح ضحيتها عدد كبير من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان (3)

ثمّ أي إجماع وقع على بيعة يزيد المعروف بالخلاعة والمجون، وقد نبذه صلحاء الاَُمّة وبقية المهاجرين والاَنصار، ومنهم سيد شباب أهل الجنة الحسين - عليه السّلام- ، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن الزبير، وكل من سار معهم ورأى رأيهم.

عُدّ ابن عمر في المكثرين من الفتيا من الصحابة. ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» 167 فتوى.

قال مروان بن الحكم لما طلب الخلافة وذكروا له ابن عمر: ليس ابن عمر


1. فتح الباري: 7|586.
2. تحدث عمر بن الخطاب عن الخلافة فقال: ليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء. أسد الغابة: 4|387 ترجمة معاوية بن أبي سفيان.وكتب الاِمام علي - عليه السّلام- إلى معاوية: واعلم أنّك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الاِمامة، ولا يدخلون في الشورى. الاِمامة والسياسة ص 87، والعقد الفريد 4|136 أخبار علي ومعاوية.
3. قُتل في هذه الحرب المعروفة بصفين سبعون ألفاً، منهم من أصحاب عليّ خمسة وعشرون ألفاً، ومن أصحاب معاوية خمسة وأربعون ألفاً، معجم البلدان: 3|414 مادة (صفين). ومن الصحابة الذين استشهدوا مع علي - عليه السّلام- بصفين: عمار بن ياسر، خزيمة بن ثابت الاَنصاري (ذو الشهادتين)، عبد اللّه بن بُديل بن ورقاء الخزاعي، عبد اللّه بن كعب المرادي، أبو الهيثم مالك بن التيهان، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال وغيرهم كثير. الغدير: 9|362.

(176)

بأفقه منّي. ولكنه أسنّ، وكانت له صحبة.

وقال الشعبي: كان ابن عمر جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه.

روى المحدّثون موارد عديدة من أوهام وأغلاط ابن عمر في الحديث، حتى أنّ عائشة استدركت عليه عدة أحاديث، كما عارضته في عدّة فتاوى.

قال ابن عمر: إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مرّ بقبر فقال: إنّ هذا ليعذّب الآن ببكاء أهله عليه، فقالت عائشة: غفر اللّه لاَبي عبد الرحمن إنّه وهل، إنّ اللّه تعالى يقول: "ولا تزر وازرة وزر أُخرى" (1)إنّما قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّ هذا ليعذّب الآن وأهله يبكون عليه.

وقال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الشهر تسع وعشرون وصفق بيديه مرتين ثمّ صفق الثالثة وقبض إبهامه. فقالت عائشة: غفر اللّه لاَبي عبد الرحمن انّه وهل، إنّما هجر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نساءه شهراً، فنزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول اللّه نزلت لتسع وعشرين؟ فقال: إنّ الشهر يكون تسعاً وعشرين(2)

وأخرج مُسلم من طريق نافع انّ ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . وفي امارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافة معاوية انّ رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فدخل عليه وأنّا معه فسأله فقال: كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينهى عن كراء المزارع. فتركها ابن عمر بعد، وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج إنّ رسول اللّه نهى عنها (3) وكان ابن عمر يفتي النساء إذا أحرمن أن


1. الاَنعام: 164، الاِسراء: 15، وفاطر: 18.
2. مسند أحمد بن حنبل: 2|31.
3. صحيح مسلم: 10|202 باب كراء الاَرض ط 30، دار احياء التراث العربي، وأخرجه ابن ماجة: 2|87، وأبو داود في سننه: 2|259 الحديث 3394.

(177)

يقطعن الخفّين حتى أخبرته عائشة [بنت أبي عبيد] عن عائشة إنّها تفتي النساء أن لا يقطعن فانتهى عنه (1)

توفّي ابن عمر سنة ثلاث أو أربع وسبعين.

وقيل في سبب موته أنّ عبد الملك لما أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شقّ عليه ذلك فأمر رجلاً معه حربة كانت مسمومة فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمرّ الحربة على قدمه فمرض منها ثم مات.

روي أنّه قال لمّا احتُضر: ما أجد في نفسي شيئاً إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب. وفي لـفظ: ما آسى على شيء، إلاّ أنّي لم أُقاتل الفئة الباغية(2)


1. السنن الكبرى للبيهقي: 5|52.
2. روى الحاكم في مستدركه: 3|115 بسنده عن حمزة بن عبد اللّه بن عمر أنّه بينما هو جالس مع عبد اللّه بن عمر إذ جاءه رجل من أهل العراق فقال: يا أبا عبد الرحمن إنّي واللّه لقد حرصت أن اتسمت بسمتك وأقتدي بك في أمر فُرقة الناس، واعتزل الشرّ ما استطعت وإنّي أقرأ آية محكمة قد أخذت بقلبي فأخبرني عنها. أرأيت قول اللّه عزّ وجلّ: (وإن طائفتان من الموَمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاَُخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيَ إلى أمر اللّه فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إنّ اللّه يحب المقسطين) أخبرني عن هذه الآية، فقال عبد اللّه: ما لك ولذلك انصرف عنّي. فانطق حتى توارى عنّا سواده، وأقبل علينا عبد اللّه بن عمر، فقال: ما وجدت في نفسي من شيء في أمر هذه الآية، وما وجدت في نفسي أنّي لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني اللّه عزّ وجلّ. قال الحاكم: هذا باب كبير قد رواه عن عبد اللّه بن عمر جماعة من كبار التابعين وإنّما قدمت حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري واقتصرت عليه لاَنّه صحيح على شرط الشيخين.

(178)

54


عبد اللّه بن عمرو بن العاص (1)

( ... ـ 65 ، 63هـ)

ابن وائل السهمّي القرشي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن.

أسلم قبل أبيه فيما ذُكر، وهاجر إلى المدينة بعد سنة سبع، ويقال: كان اسمه العاص فسمّاه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عبد اللّه.

روى عن النبي، وعن: معاذ بن جبل، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وآخرين. وروى عن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم، واعتنى بذلك.

قال ابن حجر: إنّ عبد اللّه بن عمرو كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدّث منها فتجنّب الاَخذ عنه لذلك كثير من


*: الطبقات لابن سعد 2|373، تاريخ خليفة 115، الطبقات لخليفة 6 برقم 149، المحبر 293، التاريخ الكبير 5|5، المعارف 163، المعرفة والتاريخ 1|251، الجرح والتعديل 5|116، رجال الكشي 35 برقم 71، الثقات لابن حبّان 3|210، المستدرك للحاكم 3|526، حلية الاَولياء 1|283، جمهرة أنساب العرب 163، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 52 برقم 22، رجال الطوسي 23، الخلاف للطوسي 3|701 | 345 ـ 2|88 (طبع جماعة المدرسين)، الاستيعاب بذيل الاصابة 2|338، طبقات الفقهاء للشيرازي 50، أُسد الغابة 3|233، تهذيب الاَسماء واللغات 1|281، مختصر تاريخ ابن عساكر 13|194 برقم 47، تهذيب الكمال 15|357 برقم 3450، تاريخ الاِسلام (سنة 61 ـ 80 هـ) 41، سير أعلام النبلاء 3|79، تذكرة الحفاظ 1|41، العبر 1|53، غاية النهاية 2|439 برقم 1835، الاصابة 2|343 برقم 4847، تهذيب التهذيب 5|337، تقريب التهذيب 1|436، شذرات الذهب 1|73، جامع الرواة 1|498، تنقيح المقال 2|226، معجم رجال الحديث 10|271 برقم 7038.

(179)

أئمّة التابعين (1)

وكان يكتب عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أقواله فنهته قريش عن ذلك. روى أحمد بن حنبل عنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أُريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنّك تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بشر يتكلّم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منّي إلاّ حقّ» (2)

وقد شهد عبد اللّه مع أبيه فتح الشام، وشهد معه وقعة صفّين، فكان على ميمنة جيش معاوية.

عن حنظلة بن خويلد العنزي، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار ـ رضي اللّه عنه ـ ، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد اللّه ابن عمرو: ليطب به أحدُكما نفساً لصاحبه، فانّي سمعت رسول اللّهيقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية: يا عمرو ألا تغني عنّا مجنونك، فما بالك معنا؟ قال: إنّ أبي شكاني إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: «أطع أباك ما دام حياً» فأنا معكم ولست أُقاتل.

وقد ذُكر أنّه ندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية وأنّه كان يقول: مالي ولصفّين؟ مالي ولقتال المسلمين؟ واللّه لوددتُ أنّي متُّ قبل هذا بعشر سنين.

وجاء في: «أُسد الغابة» عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه أنّه كان في مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في حلقة فيها أبو سعيد الخدري وعبد اللّه بن عمرو بن العاص فمرّ الحسين ابن عليّ فسلّم، فردّ القوم السلام، فسكت عبد اللّه حتى فرغوا فرفع صوته، وقال: عليكم السلام ورحمة اللّه وبركاته ثمّ أقبل على القوم فقال: ألا أُخبركم بأحب أهل الاَرض إلى أهل السماء، قالوا: بلى، قال: هو هذا


1. فتح الباري: 1|167.
2. المسند: 2|162 وأخرجه أبو داود في سننه برقم (3646) من كتاب العلم.

(180)

الماشي، ما كلّمني منذ ليالي صفّين ولاَن يرضى عنّي أحب إليّ من أن يكون لي حمر النعم ...، ثمّ قال: إنّ عبد اللّه دخل على الحسين ليعتذر إليه فقال الحسين: أعلمت يا عبد اللّه أنّي أحب أهل الاَرض إلى أهل السماء؟ قال: أي وربّ الكعبة، قال: فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفّين فواللّه لاَبي كان خيراً منّي، قال: أجل ... ثمّ ذكر بأنّه اعتذر بأنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال له: أطع عمرواً.

أقول: ليت ابن عمرو التزم بكلمته هو، وأخذ بما ينصح به الآخرين، ذلك أنّ رجلاً سأله عن تكليفه تجاه معاوية وهو يخالف أحكام الكتاب، فقال: أطعه في طاعة اللّه واعصه في معصية اللّه (1)

وإذا كان يطيع رسول اللّه في قوله: «أطع أباك» فلم لا يطيعه في قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

عُدّ من فقهاء الصحابة. وقيل: كان يفتي في الصحابة.

نقل عنه الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب «الخلاف» ثلاث عشرة فتوى، منها: يجب الغسل على من غسّل ميتاً، وبه قال الشافعي في البويطي، وهو قول علي - عليه السّلام- وأبي هريرة، وذهب ابن عمرو وابن عباس و... إلى أنّ ذلك مستحبّ.

توفّي عبد اللّه في سنة خمس وستين، وقيل: ثلاث وستين، وقيل غير ذلك.


1. روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبد اللّه بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنّا مع رسول اللّه ص في سفر ... فاجتمعنا إلى رسول اللّه ص فقال: ... ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. فدنوتُ منه فقلت له: انشدك اللّه أنت سمعت هذا من رسول اللّه ص ؟ فأهوى إلى اذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته اذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا واللّه يقول: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنّ اللّه كان بكم رحيماً) قال: فسكت ساعة ثم قال: اطعه في طاعة اللّه وأعصه في معصية اللّه. صحيح مسلم: 12|474 باب كتاب الامارة (الحديث 1844) . ورواه البيهقي في سننه: 8|169.

(181)

55


أبو موسى الاَشعري (1)

( ... ـ 44 هـ)

عبد اللّه بن قيس بن سليم بن حضّار التميمي، أبو موسى الاَشعري.

ولد في زبيد (باليمن)، وقدم هو وأُناس من الاَشعريين على رسول اللّهبعد فتح خيبر، ولم يكن من مهاجرة الحبشة على قول الاَكثر، وانّما وافق قدومهم قدوم جعفر الطيار وأصحابه من أرض الحبشة.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن: أبي بكر، ومعاذ بن جبل، وأُبيّ بن كعب، وعمر ابن الخطاب، وابن مسعود، وآخرين.

روى عنه: بُريدة بن الحُصيب، وأبو سعيد الخدري، والاَسود بن يزيد، وأبو وائل شقيق بن سَلَمة، وغيرهم.


1. وقعة صفين 533 ـ 538، الطبقات الكبرى لابن سعد 2|344، المحبّر 124، التاريخ الكبير 5|22، المعارف 151، المعرفة والتاريخ 1|267، الجرح والتعديل 5|138، مشاهير علماء الاَمصار 65 برقم 216، الثقات لابن حبّان 3|221، المستدرك للحاكم 3|464، حلية الاَولياء 1|256، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 48 برقم 15، الخلاف للطوسي 1|108، الاستيعاب 2|363، طبقات الفقهاء للشيرازي 44، المنتظم 5|251، أُسد الغابة 3|245، رجال ابن داود 122، تهذيب الكمال 15|446، سير أعلام النبلاء 2|380، تذكرة الحفّاظ 1|23، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 41 ـ 60 هـ) 139، العبر للذهبي 1|37، الوافي بالوفيات 17|407، مرآة الجنان 1|120، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|126، تهذيب التهذيب 5|362، الاصابة 2|351، شذرات الذهب 1|29، تنقيح المقال 2|203.

(182)

وقد عُدّ في الفقهاء المقرئين.

ولاّه عمر بن الخطاب البصرة، وهو الذي فتح تُستَـر، ولما ولي عثمان أقرّه على البصرة، ثمّ عزله، فانتقل إلى الكوفة، ثمّ ولاّه عثمان الكوفة، ولم يزل عليها إلى أن قُتل عثمان، فأقرّه الاِمام علي - عليه السّلام- .

ولما كانت وقعة الجمل، وأرسل علي - عليه السّلام- إلى أهل الكوفة لينصروه، كان أبو موسى يخذّل الناس عن نصرة أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، ويأمرهم بوضع السلاح والكفّ عن القتال، فعزله الاِمام - عليه السّلام- ، فأقام بالكوفة إلى أن كان التحكيم، وقصته في أمر التحكيم واجتماعه بعمرو بن العاص مشهورة.

روى الطبري أنّ عمرو بن العاص لما رأى أمر أهل العراق قد اشتد في وقعة صفّين، وخاف في ذلك الهلاك، قال: نرفع المصاحف ثمّ نقول ما فيها حكم بيننا ... فرفع أهل الشام المصاحف بالرماح، فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ ... فقال علي [ - عليه السّلام- ]: عباد اللّه امضوا على حقّكم وصدقكم في قتال عدوّكم، فانّ معاوية وعمرو بن العاص ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرَفُ بهم منكم قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشر رجال ... فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة معهما من القرّاء الذين صاروا خوارج بعد ذلك:

يا عليّ أجب إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ إذا دُعيت إليه ... ولما اختار أهل الشام عمرو بن العاص، قال الاَشعث بن قيس: قد رضينا بأبي موسى الاَشعري.

فقال علي ] - عليه السّلام- [: فانّكم قد عصيتموني في أوّل الاَمر فلا تعصوني الآن، إنّي لا أرى أن أُوليه، ولكن هذا ابن عباس، فلم يقبلوا، فقال: إنّي أجعل الاَشتر، فرفضوا .


(183)

فقال - عليه السّلام- : اصنعوا ما أردتم، فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل القتال (1) ولما اجتمع بعمرو بن العاص واتفقا، تقدّم أبو موسى فقال: إنّي قد خلعت علياً ومعاوية، فولّوا من رأيتموه لهذا الاَمر أهلاً، فقال عمرو: إنّ هذا خلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية ... فقال أبو موسى: مالك لا وفقك اللّه غدرتَ وفجرتَ إنّما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فقال عمرو: إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً ... (2)

وهرب أبو موسى بعد ذلك إلى مكة.

ولما رجع الاِمام علي - عليه السّلام- إلى الكوفة، قام في الناس خطيباً ـ حيث اجتمع الخوارج ونزلوا حروراء ـ فقال:

الحمد للّه وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، أمّا بعد فانّ المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر، ولكن أبيتم إلاّ ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:


1. هكذا جاء في الرواية. ولكن رُوي أنّ أبا موسى حضر صفين مع الاِمام عليٌّ - عليه السّلام- ، وممّا يوَكد صحة هذه الرواية قول الاِمام - عليه السّلام- في شأن الحكمين: «ألا وإنّ القوم اختاروا لاَنفسهم أقربَ القوم ممّا يُحبّون، وانّكم اخترتم لاَنفسكم أقرب القوم ممّا تكرهون وإنّما عهدكم بعبد اللّه بن قيس بالاَمس، يقول: إنّها فتنة فقطّعوا أوتاركم، وشيّموا سيوفكم، فإن كان صادقاً فقد أخطأ بمسيره غيرَ مُستكرَه، وان كان كاذباً فقد لَزِمَتْهُ التُّهمة، فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه ابن عباس، وخذوا مَهلَ الاَيام، وحوطوا قواصيَ الاِسلام» قال ابن أبي الحديد: وما طلبه اليمانيون من أصحاب علي - عليه السّلام- ليجعلوه حكماً كالاَشعث بن قيس وغيره إلاّ وهو حاضر معهم في الصف، ولم يكن منهم على مسافة، ولو كان على مسافة لما طلبوه، ولكان لهم فيمن حضر غناء عنه، ولو كان على مسافة لما وافق عليّ - عليه السّلام- على تحكيمه، ولا كان علي - عليه السّلام- ممّن يحكّم من لم يحضر معه. انظر شرح النهج: 13|309.
2. تاريخ الطبري: 5|51 حوادث سنة 37. باختصار.

(184)

أمرتهم أمري بمنعرج اللِّوى * فلم يستبينوا الرّشدَ إلاّ ضُحى الغَدِ

ألا إنّ هذين الرجليْن اللذَيْن اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما وأحيا ما أمات القرآن، واتّبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من اللّه، فحكما بغير حجة بيّنة، ولا سنّة ماضية، واختلفا في حكمها، وكلاهما لم يُرشد، فبرىَ اللّه منهما ورسوله وصالح الموَمنين (1)

أخرج الفسوي من طريق محمد بن عبد اللّه بن نمير، حدثني أبي، عن الاَعمش، عن شقيق، قال: كنّا مع حذيفة جلوساً، فدخل عبد اللّه وأبو موسى المسجد فقال: أحدهما منافق، ثمّ قال: إنّ أشبه الناس هدياً ودَلاً وسمتاً برسول اللّه ص عبد اللّه.

وذكره الذهبي في «سيره» أيضاً.

عُدّ أبو موسى من المتوسطين من الصحابة فيما رُوي عنه من الفتيا. ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» ثلاث عشرة فتوى.

توفّي سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين.


1. المصدر السابق: 56.

(185)

5


عبد اللّه بن مسعود (1)

( ... ـ 32، 33 هـ)

ابن غافل الهُذَلي المكي ، أبو عبد الرحمن، حليف بني زُهرة.

كان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث ابن زهرة. أسلم ابن مسعود قديماً. وهو أوّل من جهر بالقرآن بمكة فيما قيل.

هاجر إلى الحبشة الهجرة الاَُولى، وقدم إلى مكة على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثمّ هاجر إلى المدينة.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين الزبير بن العوام بمكة في الموَاخاة الا َُولى، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل بالمدينة بعد الهجرة في الموَاخاة الثانية.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|150، المعارف 144، الجرح والتعديل 5|149، اختيار معرفة الرجال 38 برقم 78، مشاهير علماء الاَمصار 29 برقم 21، الثقات لابن حبّان 3|208 ـ 209، المستدرك للحاكم 3|312، حلية الاَولياء 1|144، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 42 برقم 4، رجال الطوسي 23 برقم 8، الخلاف للطوسي 96، و110 و 112 و...، الشافي للسيد المرتضى 4|212، تاريخ بغداد 1|147، الاستيعاب 2|308، طبقات الفقهاء للشيرازي 43، أسد الغابة 3|256، الكامل في التاريخ 3|136، تهذيب الاَسماء واللغات 1|288، رجال ابن داود 123 برقم 906، تهذيب الكمال 16|121، العبر للذهبي 1|24، سير أعلام النبلاء 1|461، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 32هـ) 379، الوافي بالوفيات 17|604، مرآة الجنان 1|87، الجواهر المضيئة 2|415، غاية النهاية 1|458 برقم 1914، النجوم الزاهرة 1|89، الاصابة 2|360، تهذيب التهذيب 6|27، طبقات الحفّاظ 14، كنز العمال 13|460، شذرات الذهب 1|38، مجمع الرجال 4|51، جامع الرواة 1|507، تنقيح المقال 2|215 برقم 7072، الغدير 8|99 و 117، معجم رجال الحديث 10|322 برقم 7160.

(186)

شهد بدراً وأُحداً وبيعة الرضوان وسائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو الذي أجهز على أبي جهل في وقعة بدر.

روى عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: أبو سعيد الخدري، وعمران بن حُصين، وأبو هريرة، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وزرّ بن حُبيش، وآخرون.

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة، وقد أخرج الحافظ ابن مردويه (1) باسناده عنه نزول آية التبليغ في علي - عليه السّلام- يوم الغدير (2) ورواه عنه السيوطي في «الدر المنثور» ج2 ص 298 (3)

روي أنّ ابن مسعود شهد الصلاة على فاطمة سيدة النساء - عليه السّلام- ودفنها.

بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليعلمهم أُمور دينهم وبعث عمار بن ياسر أميراً، وكتب إليهم: انّهما من النجباء من أصحاب محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما.

روي انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من سرّه أن يقرأ القرآن غضّاً كما أُنزل فليقرأ على قراءة ابن أُمّ عبد».


1. وهو أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني المتوفّى 410 هـ. قال فيه الذهبي في «تذكرة الحفاظ»: 3|1050: الحافظ الثبت العلامة، وعمل المستخرج على صحيح البخاري وكان قيماً بمعرفة هذا الشأن بصيراً بالرجال طويل الباع مليح التصانيف.
2. وآية التبليغ هي قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته واللّه يعصمك من الناس انّ اللّه لا يهدي القوم الكافرين) (المائدة|67). فعن ابن مسعود: بلّغ ما أُنزل اليك من ربّك ـ إنّ علياً مولى الموَمنين. وأخرج ابن مردويه أيضاً عن أبي سعيد الخدري. وابن عباس نزول هذه الآية في الاِمام علي - عليه السّلام- . قال: فأخذ ـ أي النبي ص ـ بعضد عليّ ثم خرج إلى الناس فقال: أيها الناس ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: اللّهمّ من كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ والِ من والاه، وعاد من عاداه ....
3. انظر «الغدير» : 1|53 ، 216.

(187)

وكان ابن مسعود يُعرف باسم أُمّه أُمّ عبد بنت عبد ودّ.

أخرج الحاكم عن حَبّة العُرني أنّ ناساً أتوْا علياً فأثنوا على عبد اللّه بن مسعود فقال: أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: مَن قرأ القرآن، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنّة.

وأخرج ابن سعد عن زيد بن وهب أنّ عمر بن الخطاب قال فيه: كُنَيف مُلىَ علماً (1).

عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود، فقال: كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعد ما قرأت من فيّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بضعاً وسبعين سورة، وإنّ زيداً مع الغلمان له ذوَابتان ؟!

وكان ابن مسعود من الناقمين على عثمان، وقد امتنع أن يمنح للوليد بن عقبة من بيت مال الكوفة يوم كان عليه، وألقى مفاتيح بيت المال، وكان يتكلّم بكلام لا يدعه وهو: إنّ أصدق القول كتاب اللّه وأحسن الهدي هدي محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وشرّ الاَُمور محدثاتها وكل محدَث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فكتب الوليد في حقه إلى عثمان، فكتب إليه يأمره بإشخاصه، فأخذه عثمان أخذاً شديداً وهجره ومنعه عطاءه، وأَمر به فأُخرج من مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إخراجاً عنيفاً (2)


1. وفي رواية الحاكم: كيف ملىَ علماً؟ و «كُنَيْف»: تصغير كنف، وهو الوعاء، وهو تصغير تعظيم كقول الحُباب بن المنذر: انا جُذيْلها المُحكّك، وعُذيْقها المُرَجَّب.
2. انظر «أنساب الاَشراف» للبلاذري: 5|36. وقد نقلناه من «الغدير» : 9|3. وذكر ابن عبد ربّه الاَندلسي في رواية عن عبد اللّه بن سنان، قال: خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد، وكان على بيت مال الكوفة وأمير الكوفة عقبة بن أبي مُعيط فقال: يا أهل الكوفة فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب من أمير الموَمنين ولم يكتب لي بها براءة. قال: فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك، فنزعه عن بيت المال. ثم قال ابن عبد ربه: وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لاَُمّه وكان عامله على الكوفة، فصلّـى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: إن شئتم زدتكم. العقد الفريد: 4|306، 307 طبع دار الكتاب العربي.

(188)

وقد شهد ابن مسعود في رهط من أهل العراق عُمّـاراً جنازة أبي ذر الغفاري بالربذة ـ وكان عثمان قد نفاه إليها ـ فاستهل عبد اللّه يبكي ويقول: صدق رسول اللّه: تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك (1)

عُدّ من المكثرين من الصحابة فيما روي عنه من الفتيا. ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» خمساً وأربعين ومائة فتوى.

وهو من القائلين ببقاء المتعة على إباحتها (2)

وكان هو وعمر يوجبان الوضوء بمسّ المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمّم(3)

روى ابن سعد باسناده عن زرّ عن عبد اللّه انّه كان يصوم الاثنين والخميس.


1. أُنظر الطبقات الكبرى لابن سعد: 4|234 في ترجمة أبي ذر. وروى في ص 233 باسناده عن مالك الاَشتر أنّه مع النفر الذين كانوا معه شهدوا موته، وأن أبا ذرّ حدّثهم بقول رسول اللّه ص : ليموتن منكم رجل بفلاة من الاَرض تشهده عصابة من الموَمنين. كما ذكر السيد المرتضى شهود ابن مسعود لجنازة أبي ذر.
2. انظر شرح الموطأ للزرقاني: 3|154.
3. قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت 370) ما ملخّصه: أمّا قوله تعالى: (أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً) فإنّ السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة، قال عليٌّ وابن عباس وأبو موسى والحسن ... هي كناية عن الجماع وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مسّ امرأته، وقال عمر وعبد اللّه بن مسعود: المراد اللمس باليد وكانا يوجبان الوضوء بمسّ المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمّم. ثمّ أثبتَ عدم نقض الوضوء بمسّ المرأة بالسنة النبوية. ثم قال: ووجه آخر يدل على أنّ المراد منه الجماع وهو أنّ اللمس وإن كان حقيقة للمسّ باليد فانّه لما كان مضافاً إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء كما أنّ الوطء حقيقته المشي بالاقدام فإذا أُضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع. كذلك هذا ونظيره قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسّوهن. يعني من قبل أن تجامعوهن.وأيضاً فإنّ النبيّ ص أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة، ومتى ورد عن النبي ص حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنّما صدر عن الكتاب كما أنّه قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولاً بالآية وكسائر الشرائع التي فعلها النبي ص ممّا ينطوي عليه ظاهر الكتاب. «أحكام القرآن»: 2|369 طبع دار الكتاب العربي ـ بيروت.

(189)

وعن ابن سيرين انّ ابن مسعود كان يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الاَُوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة وفي الاَُخريين فاتحة الكتاب (1)

ومن كلمات ابن مسعود قال: إنّكم في ممرّ الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيراً يوشِكُ أن يحصُدَ رغبة، ومن زرع شرّاً يوشك أن يحصدَ ندامة، ولكل زارع مِثلُ ما زرع، لا يُسبقُ بطيء بحظّه، ولا يُدرِكُ حريصٌ ما لم يُقدَّرْ له، فمن أُعطي خيراً فاللّه أعطاه، ومن وُقي شرّاً، فاللّه وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة.

وقال: جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلاّ أن تكفهِرّوا في وجوههم، فافعلوا.

قال ابن كثير: ثمّ قدم ـ أي ابن مسعود ـ إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائداً، فيروى أنّه قال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطائك؟ ـ وكان قد تركه سنتين ـ فقال: لا حاجة لي فيه، فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إنّي أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وإنّي سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً» (2)

توفّي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين، وكان أوصى إلى الزبير بن العوام فصلّى عليه، وقد قيل إنّ عمار بن ياسر صلّى عليه، ودُفن بالبقيع ليلاً.


1. مجمع الزوائد للهيثمي: 2|117.
2. البداية والنهاية: 7|170، ذكر من توفّي من الاَعيان سنة (32 هـ) .

(190)

57


عبد اللّه بن مُغَفَّل المُزني (1)

(... ـ 60 هـ)

عبد اللّه بن مُغَفَّل المُزني ، أبو سعيد ، وقيل: أبو زياد.

شهد بيعة الرضوان (2) وهو أحد البكائين (3)في غزوة تبوك فيما قيل. سكن المدينة، ثمّ البصرة، وله عدة أحاديث.

روى عنه: سعيد بن جبير، والحسن البصري، وثابت البُناني، وغيرهم.


*: المحبّر 124 و 281، التاريخ الكبير 5|23، المعارف 168، المعرفة والتاريخ 1|256، الجرح والتعديل 5|149، مشاهير علماء الاَمصار 67 برقم 221، الثقات لابن حبّان 3|236، المستدرك للحاكم 3|578، السنن الكبرى للبيهقي 1|98، رجال الطوسي 23، الاستيعاب 2|316، طبقات الفقهاء للشيرازي 51، المغني والشرح الكبير 1|157، أُسد الغابة 3|264، تهذيب الاَسماء واللغات 1|290، تهذيب الكمال 16|173، سير أعلام النبلاء 2|483، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 60هـ) 261، الاِعلام بوفيات الاَعلام 1|40 برقم 147، الوافي بالوفيات 17|632، مرآة الجنان 1|131، البداية والنهاية 8|62، تهذيب التهذيب 6|42، تقريب التهذيب 1|453، الاصابة 2|364، شذرات الذهب 1|65، تنقيح المقال 2|218.
2. وهي عُمرة الحديبية، وكانت سنة ست، والحديبية: قرية متوسطة على تسعة أميال من مكة، وفيها دعا رسول اللّه ص أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة. انظر الكامل في التاريخ لابن الاَثير: 2|100 ذكر عمرة الحديبية.
3. وهم الذين كانوا سألوا النبي ص أن يحملهم في غزوة تبوك (سنة 9 هـ) فلم يجد لهم محملاً ونزلت الآية الشريفة: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجد ما أحملكم عليه) (التوبة | 93).

(191)

وعدّه أبو إسحاق الشيرازي ممّن نُقل عنه الفقه من الصحابة.

قال الحسن البصري: كان عبد اللّه بن مغفّل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر بن الخطاب يفقّهون الناس.

وقيل: إنّه أوّل من دخل من باب مدينة تُستَر يومَ فتحِها (1)

روي عن عبد اللّه أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: لا يبولنّ أحدكم في مستحمّه.

توفّي بالبصرة سنة ستين، وقيل: تسع وخمسين، وأوصى أن لا يصلّـي عليه عبيد اللّه بن زياد (2)وأن يصلّي عليه أبو برزة الاَسلمي.


1. تُسْتَـر: مدينة بخوزستان، فتحت سنة (17) وقيل (16) وقيل (19)، وفيها أُسر الهرمزان، انظر الكامل في التاريخ: 2|546 في حوادث سنة (17).
2. عبيد اللّه بن زياد بن أبيه: ولي البصرة لمعاوية سنة (55) وأقرّه يزيد سنة (60) ثم جمع له يزيد البصرة والكوفة. وقد جهّز جيشاً لمقاتلة الاِمام الحسين - عليه السّلام- فكانت فاجعة كربلاء التي استشهد فيها ريحانة الرسول ص وأهل بيته وأصحابه الميامين في عاشوراء سنة (61)، ولما مات يزيد واضطربت الاَُمور ثار أهل البصرة بعبيد اللّه، ففرّ هارباً ولحق بالشام، ثم قُتل في معركة «الخازر» من أرض الموصل سنة (67)، قتله إبراهيم بن مالك الاَشتر الذي بعثه المختار الثقفي على رأس جيش للطلب بثأر الاِمام الحسين - عليه السّلام- . انظر تاريخ الطبري|حوادث سنة 61، والاَعلام: 4|193.

(192)

58


عَتّاب بن أَسيد (1)

( 13 ، 15 ق . هـ ـ 13هـ)

ابن أبي العيص الاَُموي، أبو عبد الرحمان، أبو محمّد المكيّ.

أسلم يوم فتح مكة، واستعمله رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على مكة بعد الفتح لمّا سار إلى حنين، وقيل: إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ترك معاذ بن جبل بمكة يفقّه أهلها، واستعمل عتّاباً بعد عوده من حصن الطائف، وكان عمره حين استعمل نيفاً وعشرين سنة، فأقام للناس الحج تلك السنة وهي سنة ثمان، وحجّ المشركون على ما كانوا عليه.

أخرج في الدر المنثور ج1|ص 366 عن ابن جرير وابن جريج في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا..."(2)قال: كانت ثقيف قد صالحت النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على أنّ مالهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلمّا كان الفتح استعمل عتّاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|446، التاريخ الكبير 7|54، تفسير الاِمام العسكري - عليه السّلام- 555، المعرفة والتاريخ 3|286، مشاهير علماء الاَمصار 56 برقم 155، الثقات لابن حبّان 3|304، المستدرك للحاكم 3|594، الاحكام لابن حزم 2|88، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 86 برقم 82، تاريخ بغداد 14|199، الاستيعاب 3|153، المنتظم 4|157، أُسد الغابة 3|358، وفيات الاَعيان 6|149، تهذيب الكمال 19|282، العبر للذهبي 1|13، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 97، الجواهر المضيئة 2|417، الاصابة 2|444، تهذيب التهذيب 7|89، تقريب التهذيب 2|3.
2. البقرة: 278 .

(193)

بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الاِسلام ولهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الاِسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّاب بن أسيد، فكتب عتّاب إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فنزلت: "يا أيها الذين اّمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الربا" ـ إلى قوله: ـ "ولا تظلمون" فكتب بها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى عتّاب وقال: إن رضوا وإلاّ فأْذنهم بحرب (1)

روى عتّاب عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب. قيل: ولم يدركاه.

وعُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

عن سعيد بن المسيب عن عتاب، قال: أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يخرص العنب كما يخرص النخل، توَخذ زكاته زبيباً كما توَخذ صدقة النخل تمراً.

توفّي عتاب يوم وفاة أبي بكر، وقيل: جاء نعي أبي بكر يوم دفن عتّاب.


1. مكاتيب الرسول: للاَحمدي: 3|615.

(194)

59


عثمان بن حُنيف (1)

( ... ـ بعد 40 هـ)

ابن واهب بن العُكيم الاَنصاري، الاَوسي، أبو عمرو، وقيل: أبو عبد اللّه المدنيّ، والي البصرة، أخو سهل بن حنيف.

شهد مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أُحُداً (2) وما بعدها من المشاهد، وكان من الموالين لاَمير الموَمنين - عليه السّلام- مُقدّماً له.

وقد عدّه البرقي من شرطة الخميس من أصحاب عليّ - عليه السّلام- الذين كانوا يبايعون على الموت.

ولاّه عمر بن الخطاب مساحة الاَرض وجبايتها بالعراق، وضَـرْبَ الخراج والجزية على أهلها.

وكتب إليه: أن افرض الخراج على كلّ جَريب، عامر أو غامر درهماً وقَفيزاً،


*: رجال البرقي 4، ثقات ابن حبان 3|261، رجال الطوسي 47 برقم 11، تاريخ بغداد 1|179، الاستيعـاب 3|89 (هامش الاصابة)، الكامـل في التاريـخ 3|320 (حـوادث سنـة 36 هـ)، تهذيب الاَسماء واللغات 2|320 برقم 390، رجال العلامة الحلي 125 برقم 1، تهذيب الكمال 19|358 برقم 3805، رجال ابن داود 233 برقم 970، سير أعلام النبلاء 2|320، تهذيب التهذيب 7|112 برقم 241، الاصابة 2|452 برقم 5437، مجمع الرجال 4|130، بهجة الآمال 5|332، تنقيح المقال 2|145 برقم 7770، أعيان الشيعة 8|129، الغدير 9|100، 106، 107، معجم رجال الحديث 11|106 برقم 7575، قاموس الرجال 6|243.
1. وفي تهذيب التهذيب: وتفرّد الترمذي بقوله شهد بدراً.

(195)

وافرض على الكَرْم على كل جريب عشرة دراهم ....

وكان عمر ـ كما ذكر العلماء بالاَثر والخبر ـ قد استشار الصحابة في رجل يوجّهه إلى العراق فأجمعوا جميعاً على عثمان بن حنيف، وقالوا: إنْ تبعثه على أهمّ من ذلك، فإنّه له بصراً وعقلاً وتجربة.

ولما بويع عليّ - عليه السّلام- بالخلافة بعث عثمان بن حنيف والياً على البصرة، فلم يزل حتى قدم عليه طلحة والزبير وعائشة، فجرت بين الفريقين وقائع، ثم تنادوا إلى الصلح وتوادعوا ريثما يقدم عليهم أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، فكتبوا بينهم كتاباً: إنّ لعثمان بن حنيف دار الاِمارة والرحبة والمسجد وبيت المال والمنبر ....

فلم يلبث إلاّ يومين أو ثلاثة حتى وثبوا على عثمان، فظفروا به، وأصابوه بأذى، ثم خلّوا سبيله، فلحق بعلي - عليه السّلام- ، وحضر معه وقعة الجمل.

ثم سكن الكوفة بعد استشهاد أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، ومات بها في زمن معاوية.

روى عثمان عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وروى عنه: ابن أخيه أبو أمامة بن سهل، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، ونوفل بن مساحق، وهانىَ بن معاوية الصَّدفي.


(196)

60

عثمان بن عفان (1)

(... ـ 35 هـ)

ابن أبي العاص بن أمّية القُرشي الاَموي ، أبو عبد اللّه وأبو عمرو.

ولد بمكة، وأسلم بعد البعثة بقليل.

هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة.

شهد أُحداً (2) وما بعدها من المشاهد، وكان قد تخلّف عن بدر، ويقال انّه


*: الطبقات الكبرى 3|53 ـ 84 و 4|168، المحبّر 14، التاريخ الكبير 6|208، تاريخ المدينة المنورة 3 |952 ـ 1147، المعارف 110 ـ 117 و 84، الاِمامة والسياسة 25 ـ 46، المعرفة والتاريخ 3|395 و 398 و 399، تاريخ اليعقوبي 2|162 ـ 177، اختيار معرفة الرجال 25و27و32و91و142، العقد الفريد 5|26ـ 60، المستدرك على الصحيحين 3|95 ـ 107، حلية الاَولياء 1|55ـ 61، الاحكام في أُصول الاَحكام لابن حزم الاَندلسي 2|88، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 44 برقم 8، الاستيعاب 3|69، أُسد الغابة 3|376، الكامل في التاريخ 3|153 و 154 و 79، العبر 1|26، تذكرة الحفّاظ 1|8ـ 10، مرآة الجنان 1|90، النجوم الزاهرة 1|92، تهذيب التهذيب 7|139، الاصابة 2|455، السير للشماخي 1|29 ـ 49، طبقات الحفّاظ 13، كنز العمال 13|27ـ 104، الصواعق المحرقة 104 ـ 115، شذرات الذهب 1|40، بحار الاَنوار طبع كمپاني 8|301 ـ 323، تاريخ التمدن الاِسلامي 2|318 و 1|76 و 1|270، أعيان الشيعة 1|437 ـ 443 و 4|237، تتمة المنتهى في تاريخ الخلفاء ص 12، الاَعلام للزركلي 4|210.
1. قال ابن الاَثير: وانتهت الهزيمة بجماعة المسلمين، فيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الاَعوص، فأقاموا به ثلاثاً ثم أتوا النبي ص فقال لهم حين رآهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. الكامل في التاريخ: 2|158. وانظر تاريخ الطبري: 2|203 حوادث سنة 3 هـ.

(197)

تخلّف عنها لتمريض زوجته رقية بنت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وهو أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة، ففاز بها لقبوله بالشرط الذي اشترطه عبد الرحمن بن عوف في تحكيم سنّة الشيخين أبي بكر وعمر (1).

وفي أيامه افتتحت أرمينية والقوقاز وخراسان وكرمان وسجستان وقبرس وغيرها.

رُوي له عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مائة وستة وأربعون حديثاً.

روى عنه: زيد بن ثابت وأنس بن مالك وزيد بن خالد الجهني وعبد اللّه بن عمر وأبو هريرة، وأبان بن عثمان، وآخرون.

وقد عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، وذكر له الشيخ الطوسي في «الخلاف» ستين فتوى.

وكان يحكم برأيه ويجتهد في مقابل النص في كثير من الاَحكام. ولمّا دحض عبد الرحمن بن عوف حججه في الاتمام بالسفر، قال عثمان: هذا رأي رأيته (2)‌.

روى البخاري والبيهقي وأحمد بن حنبل عن عبد اللّه بن عمر قال (واللفظ لاَحمد): صلّيت مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ركعتين بمنى ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراً من خلافته ثم صلاّها أربعاً (3)


1. وكان عبد الرحمن بن عوف قد أخذ بيد الاِمام علي - عليه السّلام- واشترط عليه هذا الشرط، فأبى (عليه السّلام) أن يقبله، فأرسل يده.
2. الكامل لابن الاَثير: 3|103 في حوادث سنة تسع وعشرين.
3. صحيح البخاري: 2|161 كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، السنن الكبرى: 3|126 باب الاِمام المسافر يوَم المقيمين، المسند: 2|148 . وذكر (ابن التركماني) في ذيل السنن الكبرى للبيهقي: 3|144 من طريق سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: اعتلّ عثمان وهو بمنى، فأتى علي فقيل له: صلّ بالناس، فقال: إنّ شئتم صلّيت بكم صلاة رسول اللّه ص ، قالوا: لا، إلاّ صلاة أمير الموَمنين ـ يعنون عثمان ـ أربعاً، فأبى.

(198)

وروى البيهقي باسناده عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعلياً ـ رضي اللّه عنهما ـ بين مكة (1)وعثمان ـ رضي اللّه عنه ـ ينهى عن المتعة، وأن يُجمع بينهما [أي بين الحج والعمرة] ، فلما رأى ذلك علي ـ رضي اللّه عنه ـ أهلّ بهما جميعاً، فقال: لبيك بعمرة وحجّة، فقال عثمان ـ رضي اللّه عنه ـ : تراني أنهى الناس عن شيء وأنت تفعله، قال: ما كنت لاَدع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لقول أحد من الناس (2)

وكان عثمان قد اختص أقاربه من بني أُمية بالمناصب والولايات (3) وأعطاهم الاَموال الطائلة، ممّا أثار نقمة الناس عليه.

قال ابن قتيبة في «المعارف»: وكان ممّا نقموا على عثمان أنّه آوى الحكم بن أبي العاص وأعطاه مائة ألف درهم، وقد سيّره رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثم لم يوَْوه أبو بكر ولا عمر. قالوا: وتصدّق رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بمهروز موضع سوق المدينة على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع فدك (4) مروان، وهي صدقة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فوهبه كلّه لمروان.

ومن الاَحداث التي نقمت على عثمان أنّه نفى الصحابي الكبير أبا ذر الغفاري إلى الشام ثمّ استقدمه إلى المدينة لمّا شكى منه معاوية، ثم نفاه إلى الربذة،


1. كذا.
2. السنن الكبرى: 4|352 كتاب الحج، باب جواز القران، صحيح البخاري: 2|142 كتاب الحج، باب التمتع والاقران .
3. فكان بالشام كلّها معاوية وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد اللّه بن عامر بن كريز، وبالكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقد ولي عبد اللّه بن عامر البصرة، وولي سعيد بن العاص الكوفة أيضاً.
4. وفي تعليق للعلاّمة الاَميني أنّ فدك إن كانت فيء للمسلمين كما ادّعاه أبو بكر، فما وجه تخصيصها بمروان، وإن كانت نحلة من رسول اللّه ص لبضعته الزهراء «عليها السّلام» كما ادّعته وشهد لها أمير الموَمنين وابناها الاِمامان السبطان وأُمّ أيمن، فأي مساس بها لمروان؟ انظر الغدير: 8|237.

(199)

وكان أبو ذر ينكر على الولاة وبطانة عثمان استئثارهم بالاَموال وعدم انفاقها في وجوهها، وكان ـ رحمه اللّه تعالى ـ يقول: واللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها، واللّه ما هي في كتاب اللّه ولا سنّة نبيّه (1)

فسارت إليه الوفود من مصر والبصرة والكوفة ومعهم أهل المدينة، يطلبون منه أن يردّ المظالم ويعزل كل عامل كرهوه، فأعطاهم الرضى، فانصرف القوم، فلمّا كان المصريون ببعض الطريق وجدوا كتاباً مع غلام عثمان إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق روَساء المصريين، فرجعوا إلى المدينة وحصروه مدة ثم قتلوه وذلك في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ودفن في حشّ كوكب (2)


1. انظر ترجمته في كتابنا هذا. كما أنّ عثمان سيّر نفراً من أشراف أهل الكوفة إلى الشام منهم: صعصعة ابن صوحان ومالك الاَشتر وعمرو بن الحمق الخزاعي وزيد بن صوحان وجندب بن زهير الغامدي وكميل بن زياد النخعي، انظر الكامل لابن الاَثير: 3|137.
2. تاريخ الطبري: 3|400، ط. موَسسة الاَعلمي، بيروت.

(200)

61
عَدِيّ بن حاتِم (1)
( ... ـ 67 هـ)

ابن عبد اللّه بن سعد، أبو طريف، ويقال: أبو وهب الطائيّ، ابن حاتم الطائيّ الذي يُضرب بجوده المثل.

وفد على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأكرمه، ونزع وسادة كانت تحته فألقاها له حتى جلس عليها، فسأل النبيَّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن أشياء، فأجابه عنها، فما كان منه إلاّ أن أسلم وحسن إسلامه.


*: المصنّف لعبد الرزاق 8458، 8502، 8530، 8531، 8621، وقعة صفين 100، 117، 137، 143، 197، 205، 359، 360، 379، 380، 381، 402، 403، 405، 408، 426، 427، 430، 431، 455، 467، 482، تاريخ خليفة 57، 62، 146، 203، طبقات خليفة 127 برقم 463 و 225 برقم 904، الطبقات الكبرى لابن سعد 6|22، التاريخ الكبير 7|43 برقم 189، المعارف 177، المعرفة والتاريخ 2|429، ثقات ابن حبان 3|316، الجرح والتعديل 7|2 برقم 1، حلية الاَولياء 4|124، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 82 برقم 74، الكافي 7 باب 18 الحديث 1، تهذيب الاَحكام للطوسي 6| الحديث 299، 322، تاريخ بغداد 1|189 برقم 29، الاستيعاب 3|1057 برقم 1781، الكامل في التاريخ 1|631 و 2|258، 286، 301، 345، 347، 385، 386، و 3|230، 232، 235، 250، 289، 293، 340، 348، 429، تهذيب الاَسماء واللغات 1|327، تهذيب الكمال 19|524 برقم 3884، تاريخ الاِسلام 181 برقم 69 (حوادث 61 ـ 80)، العبر 1|55، الاِعلام بوفيات الاَعلام 1|45 برقم 178، سير أعلام النبلاء 3|162، تهذيب التهذيب 7|166 برقم 330، تقريب التهذيب 2|16، الاصابة 2|460 برقم 5477، شذرات الذهب 1|74، تنقيح المقال 2|250 برقم 7833، معجم رجال الحديث 11|134.

(201)

وبعثه النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سنة عشر على صدقات طيّء وأسد (1)

قال عديّ: ما دخلت على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلاّ توسّع لي، فدخلت عليه ذات يوم، وهو في بيت مملوء من أصحابه، فلما رآني توسّع لي حتى جلستُ إلى جانبه.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن علي - عليه السّلام- ، وعمر بن الخطاب.

روى عنه: عبد اللّه بن معقل المزني، وتميم بن طرفة الطائي، ومُحلِّ بن خليفة الطائي، وأبو عبيدة بن حذيفة بن اليمان، وعبد اللّه بن عمرو مولى الحسن بن علي «عليهما السلام» ، وعبّاد بن حبيش الكوفي، وسعيد بن جبير، والشّعبيّ، وخيثمة بن عبد الرحمان الجعفي، ومحمد بن سيرين، وهمّام بن الحارث، وقيس بن أبي حازم، وثابت البناني، وعبد الملك بن عمير، ومرّي بن قَطَري، وآخرون.

قال فيه ابن عبد البرّ: كان سيداً شريفاً في قومه، خطيباً، حاضر الجواب، فاضلاً كريماً.

وقال محمود البغدادي ـ وهو معاصر ـ : الجواد الفذّ بن الجواد الفذّ عدي بن حاتم: صحابي عظيم، وقائد بارع، وفقيه، يمتاز بقوة المناظرة، وسرعة البديهة، وقوة الفكرة، وبعد النظرة، وكان من الحكماء (2)

شهد عدي فتوح العراق والشام وبلاد فارس آمراً على بعض الكتائب، ونزل الكوفة، فسكنها.

وكان من خيار أصحاب الاِمام علي - عليه السّلام- ، ومن مخلصي أنصاره، ومن أشدِّ الناس جهاداً بين يديه، شهد معه وقعة الجمل، وفقئت عينه يومئذ، ثم شهد وقعة صفين، فكان من فرسانها الشجعان، وقادتها الاَبطال، وهو القائل فيها:

تفدي علياً مهجتي ومالي * وأُسـرتي يتبعها عيــالي


1. الكامل في التاريخ: 2|301.
2. أعلام الثقات: 61.

(202)

وشهد أيضاً وقعة النهروان.

ولما تهيّأ الاِمام الحسن - عليه السّلام- لقتال معاوية وجمع الناس فخطبهم وحثّهم على الجهاد فسكتوا، قام عديّ بن حاتم فقال: أنا ابن حاتم، سبحان اللّه ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جدّ الجد فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت اللّه، ولا عيبها ولا عارها؟ ... ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد، ودابته بالباب فركبها، ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان أوّل الناس عسكراً.

قال عدي: ما جاء وقت صلاة قطّ إلاّ وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت إلاّ وأنا إليها مشتاق.

وقال ـ وقد سئـل عن تعريف الشريف ـ : هو الاَحمق في ماله، الذليل في عرضه، الطارح لحقده، المعنيّ بأمر عامته.

وقال: الطريق مشترك، والناس في الحقّ سواء، فمن اجتهد رأيه في نصيحة العامة، فقد قضى الذي عليه.

روى عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن الشعبي عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول اللّه أرمي الصيد فيغيب عني ليلة، فقال: إذا وجدت فيه سهمك، ولم تجد فيه أثراً غيره فكله (1)

توفي عدي بن حاتم بالكوفة سنة سبع وستين، وقيل: ثمان وستين، والاَوّل أصحّ، وشذّ من جعل وفاته سنة ست وستين أو تسع وستين (2)


1. المصنف: ج4، الحديث 8458.
2. أعلام الثقات: 64.


(203)

62

عروة بن أبي الجعد البارقيّ الاَزدي (1)

(... ـ بعد 61 هـ)

ويقال: عروة بن الجعد. وبارق: جبل نزله قومه.

له صحبة ورواية.

روى عنه: شبيب بن غَرْقَدة، وشريح بن هانىء الحارثي، وأبو إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، وآخرون.

وقد أعطاه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ديناراً ليشتري له أُضحية، فاشترى له شاتين، فباع احداهما بدينار، فدعا له النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وذكر الشيخ الطوسي دعاء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «اللّهمّ بارك له في صفقته»، في حق عرفة المدني. ورواه البرقي في حق عرفة الاَزدي.

وجاء في «تنقيح المقال» إنّ نسبة ذلك إليهما اشتباه، وانّ القضية لعروة البارقي.


*: الطبقات لابن سعد 6|34، التاريخ الكبير 7|31 برقم 137، المعرفة والتاريخ 2|707، الجرح والتعديل 6|395، مشاهير علماء الاَمصار 82 برقم 316، رجال الطوسي 32، الكامل في التاريخ 3|144، أُسد الغابة 3|403، تهذيب الكمال 20|5، تاريخ الاِسلام (سنة 61 ـ 80هـ) 185 برقم 70، تهذيب التهذيب 7|178 برقم 348، تقريب التهذيب 2|18 برقم 154، الاصابة 2|468، جامع الرواة 1|537، تنقيح المقال 2|251، معجم رجال الحديث 11|137 برقم 7660.

(204)

استعمله عمر بن الخطاب على قضاء الكوفة وضمَّ إليه سليمان بن ربيعة قبل أن يستقضي شريحاً.

قال الشعبي: أوّل من قضى على الكوفة عروة بن الجعد البارقي.

وهو أحد الذين سيّرهم عثمان إلى الشام من أهل الكوفة (1)

لم نعثر على تاريخ وفاته، غير أنّ الذهبي ذكره في وفيات سنة (61 ـ 80 هـ).


1. اجتمع نفر بالكوفة يطعنون على عثمان من أشراف أهل العراق: مالك بن الحارث الاَشتر وثابت بن قيس النخعي وكُميل بن زياد النخعي وزيد بن صوحان العبدي وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الاَزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحَمق الخزاعي، فكتب سعيد بن العاص [والي الكوفة] يخبره بأمرهم فكتب إليه أن سيّرهم إلى الشام وألزمهم الدروب. تاريخ الطبري: 3|367 حوادث سنة 33 هـ.

(205)

63

عقبة بن عامر(1)

(... ـ 58 هـ)

ابن عبس الجُهني، أبو حماد ، أبو عمرو، وقيل غير ذلك.

أسلم بعد هجرة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى المدينة، وشهد فتوح الشام، وهو كان البريد إلى عمر بفتح دمشق، وولي إمرة مصر نيابة عام (35 هـ).

ذكر أبو عمر الكندي في امراء مصر: أنّ عبد اللّه بن سعد أمير مصر كان توجّه إلى عثمان لمّا قام الناس عليه، فطلب امراء الاَمصار، فتوجه إليه في رجب سنة 35 واستناب عقبة بن عامر ، فوثب محمّد بن أبي حذيفة على عقبة ـ وكان يوم ذاك بمصر ـ فأخرجـه من مصر وغلب عليهـا وذلك في شوال منها، ودعا إلى


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 7|498، تاريخ خليفة بن خياط 171، المحبّر 295، التاريخ الكبير 6|430، المعارف 159، الجرح والتعديل 3|313، مشاهير علماء الاَمصار 94، الثقات لابن حبّان 3|280 ، المعجم الكبير للطبراني 17|267، المستدرك للحاكم 3|467، رجال الطوسي 32، الاستيعاب 3|106، الانساب للسمعاني 2|134، أُسد الغابة 3|417، تهذيب الاَسماء واللغات 1|336، تهذيب الكمال 20|202، سير أعلام النبلاء 2|467، العبر للذهبي 1|44، تذكرة الحفّاظ 1|42، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 58هـ) 271، النجوم الزاهرة 1|126، تهذيب التهذيب 7|242، الاصابة 2|482، تقريب التهذيب 2|27، كنز العمال 13|495، شذرات الذهب 1|64، تنقيح المقال 2|254، معجم رجال الحديث 11|155.

(206)

خلع عثمان (1).

شهـد وقعة صفّين مع معاوية، ثمّ ولي مصر له سنة (44هـ) ، ثمّ عزله سنة (47هـ ) بمسلمة بن مُخلد، وولي غزو البحر.

قال ابن سعد: وزعم بعض الناس أنّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّـاراً، وهو الذي كان ضربه حين أمره عثمان بن عفان، ويقال بل الذي قتله عمر بن الحارث الخولاني (2)

روى عقبة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن عمر بن الخطاب، وعُدّ من الفقهاء، وكان شاعراً كاتباً.

روى عنه: أبو أُمامة الباهلي، ومسلمة بن مُخلّد، وأبو إدريس الخولاني، وعبد اللّه بن مالك اليحصبي، وآخرون.

روى النسائي بسنده عن عبد اللّه بن مالك أنّ عقبة بن عامر أخبره أنّه سأل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن أُخت له نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة، فقال له النبي ص : مُرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام (3)

توفّي بمصر سنة ثمان وخمسين وقبره بالمقطّم.


1. نقلناه من كتاب الغدير للعلاّمة الاَميني: 9|145.
2. الطبقات الكبرى: 3|259. وروى فيه أنّه أقبل إلى عمار بن ياسر ثلاثة نفر: عقبة بن عامر الجهني وعمر بن الحارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي، فانتهوا إليه جميعاً وهو يقول: واللّه لو ضربتمونا حتى تبلغوا بنا سَعَفَاتِ هَجَر لعلمتُ أنّا على حق وأنتم على باطل، فحملوا عليه جميعاً فقتلوه.
3. السنن: 7|19.

(207)

64

أبو مسعود البدري الاَنصاري (1)

(... ـ 39 ، 40هـ)

عُقبة بن عمرو بن ثَعلبة الخزرجي، وهو مشهور بكنيته.

شهد بيعة العقبة الثانية وأُحداً وما بعدها من المشاهد، واختلفوا في شهوده بدراً. وقيل لم يشهد بدراً وإنّما عُرف بالبدري لاَنّه نزل ماءً ببدر فنُسب إليه. وجزم البخاري بأنّه شهدها واستدل بأحاديث أخرجها في «صحيحه»، في بعضها التصريح بأنّه شهدها.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|16، تاريخ خليفة 136، الطبقات لخليفة 166 برقم 601 و 229 برقم 933، المحبّـر 29، التاريخ الكبير 6|429 برقم 2884، المعرفة والتاريخ 3|270، الكنى والاَسماء للدولابي 54، الجرح والتعديل 6|313، الثقات لابن حبّان 3|179، مشاهير علماء الاَمصار 75 برقم 270، المعجم الكبير للطبراني 17|194،أمالي المرتضى 1|75، جمهرة أنساب العرب 1ـ 2|362، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 64 برقم 41، رجال الطوسي 53، الاستيعاب 4|171 ـ172، تاريخ بغداد 1|157، أُسد الغابة 5|296، الكامل لابن الاَثير 3|382، تهذيب الاَسماء واللغات 2|267 برقم 424، رجال العلاّمة الحلّي 126، تهذيب الكمال 20|215، العبر للذهبي 1|33، سير أعلام النبلاء 2|493، البداية والنهاية 7|333، تهذيب التهذيب 7|247، تقريب التهذيب 2|27، الاصابة2|484، شذرات الذهب 1|49، تنقيح المقال 2|254، أعيان الشيعة 8|147، الاَعلام 4|240 ـ 241، معجم رجال الحديث 11|155 برقم 7731.

(208)

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث كثيرة.

روى عنه: عبد اللّه بن يزيد الخطمي، وعلقمة، ومسروق، وعمرو بن ميمون وآخرون.

وقد نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتويين.

قال له عمر بن الخطاب: نُبِّئتُ أنّكَ تفتي الناس ولست بأمير (1)

سكن أبو مسعود الكوفة وابتنى بها داراً، وكان من أصحاب الاِمام علي (عليه السّلام) واستخلفه على الكوفة لما سار إلى صفّين.

توفّي سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: سنة احدى أو اثنتين وأربعين.

65

عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام-

انظر ترجمته في ص 5


1. وكأنَّ الافتاء كان من شوَون الاِمارة، ولو صح ذلك للزم عدّ كل أمير في تلك العصور مفتياً، وهذا ما لا يثبته التاريخ.

(209)

66
عمّـار بن ياسر (1)

( 57 ق هـ ـ 37 هـ)

ابن عامر بن مالك العنسيّ المكّيّ ، أبو اليقظان، مولى بني مخزوم.

كان أحد السابقين الاَوّلين والاَعيان البدريين، وأُمّه سميّة مولاة بني مخزوم من كبار الصحابيات، وكان أبواه أوّل شهيدين في الاِسلام.

وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار وبأبيه وأُمّه إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، فيمرّ بهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيقول: صبراً آل ياسر، موعدكم الجنّة.


*: وقعة صفين 340، الطبقات الكبرى لابن سعد 3|246، التاريخ الكبير 7|25، المعارف 147، أنساب الاَشراف 2|314، تاريخ الطبري 4|26، الجرح والتعديل 6|389، اختيار معرفة الرجال رقم الحديث 13 و 14، مشاهير علماء الاَمصار 74 برقم 266، المستدرك للحاكم 3|383، حلية الاَولياء 1|139، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 75 برقم 62، رجال الطوسي 32، الخلاف للطوسي 1|112، تاريخ بغداد 1|150، الاستيعاب ذيل الاصابة 2|469، المنتظم 5|119، أُسد الغابة 4|43، الكامل في التاريخ 3|308، تهذيب الاَسماء واللغات 2|37، تهذيب الكمال 21|215، العبر للذهبي 1|27، سير أعلام النبلاء 1|406، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 37هـ) 569، الوافي بالوفيات 22|376، مرآة الجنان 1|100، البداية والنهاية 6|220، الجواهر المضيئة 2|416، الاصابة 2|505، تقريب التهذيب 2|48، تهذيب التهذيب 7|408، شذرات الذهب 1|45، تنقيح المقال 2|320، أعيان الشيعة 8|372، الغدير 9|15، معجم رجال الحديث 12|265 برقم 8650.

(210)

واتفقوا على أنّه نزلت فيه: "إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالاِيمان" (1)

وتضافر الثناء عليه من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مشفوعاً بالنهي الموَكد عن بغضه ومعاداته وسبّه وانتقاصه.

روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: ثلاثة تشتاق إليهم الجنّة: علي وسلمان وعمار.

وعنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : من عادى عماراً عاداه اللّه، ومن أبغض عماراً أبغضه اللّه.

وعنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّ عماراً مُلىَ إيماناً إلى مُشاشه.

وعنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إذا اختلف الناس كان ابن سُميّة مع الحق.

وقد بعثه عمر إلى الكوفة أميراً، وبعث ابن مسعود معلماً ووزيراً، وكتب إليهم: إنّهما من النجباء من أصحاب محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما.

ولم يوَثر عن عمّـار إلاّ الرضا بما يرضي اللّه ورسوله، والغضب لهما والهتاف بالحق والتجهّم أمام الباطل.

وقد كان ينكر على عثمان أُموراً وأحداثاً، وقد نال غلمان عثمان من عمار ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فتق في بطنه وكسروا ضلعاً من أضلاعه.

وكان مع أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- في وقعتي الجمل وصفين، وكان يهتف في صفين: واللّه لو قاتلونا حتى يبلغوا بنا سعفات هَجَر، لعرفت أنّنا على الحق، وأنّهم على الباطل.

ولما قُتل في صفين، قال معاوية: إنّما قتله عليّ وأصحابه الذين ألقوه بين رماحنا (سيوفنا)!!. وقد ردّ عليه الاِمام عليّ - عليه السّلام- : بأنّ رسول اللّه إذاً قتل حمزة


1. النحل: 106 .

(211)

حين أخرجه.

قال القرطبي المالكي: وتواترت الآثار عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «تقتل عماراً الفئة الباغية» وهذا من إخباره بالغيب وإعلام بنبوّته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو من أصح الاَحاديث.

روي عن عمار أنّه قال: كنت تِرباً لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لسنّه.

له في مسند بقيّ اثنان وستون حديثاً.

روى عنه: ابن عباس، وأبو موسى الاَشعري، وأبو أُمامة الباهلي، وجابر بن عبد اللّه، ومحمد بن الحنفية، وغيرهم.

عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

نقل عنه في «الخلاف» ست فتاوى.

عاش ثلاثاً أو أربعاً وتسعين سنة، وقُتل في صفين سنة سبع وثلاثين، وصلّـى عليه أمير الموَمنين - عليه السّلام- ولم يغسّله.


(212)

67

عمر بن الخطاب (1)

(... ـ 23هـ)

ابن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ، أبو حفص.

أسلم في السنة السادسة أو التاسعة بعد البعثة، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

ولما توفّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - واجتمع الاَنصار وجماعة من المهاجرين في السقيفة (2) واحتدم بينهم الخلاف، بادر عمر إلى بيعة أبي بكر،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|243 ـ 244 و 3|حياة عمر بن الخطاب، المعارف 104، 160، تاريخ اليعقوبي 2|116، 150، 114، 115، تاريخ الطبري 3|267، 294، الجرح والتعديل 6|105، مروج الذهب 3|48، حلية الاَولياء 1|52، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 40 برقم 2، الاستيعاب 4|283 في ترجمة خولة بنت ثعلبة، مناقب الخوارزمي 156، أُسد الغابة 4|52، الكامل في التاريخ 3|31، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3|122، تفسير القرطبي 5|99 ضمن آية (وان آتيتم) الخ، الرياض النضرة 2|232، 355، 357، و ج3|164، 232، تاريخ الاِسلام للذهبي (السيرة النبوية) 173، تذكرة الحفاظ 1|7، الوافي بالوفيات 22|460، تفسير ابن كثير 1|467 ضمن آية (وان آتيتم أحديهن قنطاراً) الخ، الجواهر المضيئة 2|415، الخطط المقريزية 1|388، فتح الباري 12|101 و ج7|361، تهذيب التهذيب 7|438، تقريب التهذيب 2|415، الاِصابة 2|511، أعيان الشيعة 1|435، 463، 431، الغدير 1|270، 283.
1. وأمّا الاِمام علي - عليه السّلام- وسائر بني هاشم وجماعة من الصحابة فلم يشهدوا السقيفة والحديث عن السقيفة وما جرى فيها وبعدها والحديث ذو شجون، فمن أراد فليرجع إلى «تاريخ الطبري»: 2|443 ط موَسسة الاَعلمي، في حوادث سنة 11. و «الاِمامة والسياسة» لابن قتيبة: ص 12، وتاريخ أبي الفداء: 2|64.

(213)

فكان لاَبي بكر بمنزلة الوزير، ثم ولي الخلافة بعد أبي بكر بعهد منه وذلك في سنة ثلاث عشرة. وقد نهى عن كتابة السنّة وأمر الصحابة بأن يقلّوا الرواية عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ورُوي أنّه حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الاَنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولما قدم قرظة بن كعب إلى الكوفة قالوا: حدثنا، فقال: نهانا عمر (1)

روى عنه: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللّه، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو موسى الاَشعري، وأبو هريرة، وآخرون.

وفي أيامه كانت الفتوحات في الشام والعراق، فافتتحت القدس والمدائن ومصر وغيرها، وولّـى عمرو بن العاص فلسطين والاَردن، وولى معاوية بن أبي سفيان دمشق وبعلبك والبلقاء، ثمّ جمع الشام كلّها لمعاوية.

قيل: هو أوّل من دوّن الدواوين في الاِسلام، جعلها على الطريقة الفارسية لاِحصاء أصحاب الاعطيات وتوزيع المرتبات عليهم.

عُدّ عمر بن الخطاب من المكثرين في الفتيا من الصحابة. وأورد له الشيخ الطوسي في «الخلاف» مائة وثماني وتسعين فتوى.

وكان يقول في كثير من المسائل برأيه، ويحكم في القضايا باجتهاده، كما أنّه كان يأخذ عن الصحابة ويستفتيهم في الاَحكام.

قال ابن الاَثير: وهو أوّل من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، وكانوا قبل ذلك يصلّون أربعاً وخمساً وستاً، وهو أوّل من جمع الناس على إمام يصلّـي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب به إلى البلدان وأمرهم به (2)


1. «تذكرة الحفاظ» للذهبي: 1|5.
2. الكامل: 3|59 ذكر بعض سيرته (أي سيرة عمر). قال العلامة الاَميني: الذي ثبت في السنّة وعمل الصحابة اختلاف العدد في التكبير على الجنازة المحمول على مراتب الفضل في الميت أو الصلاة نفسها، وذلك يكشف عن إجزاء كل تلك الاَعداد، فاختيار الواحد منها والجمع عليه والمنع من البقية كما يمنع عن البدع، رأي غير مدعوم بشاهد، واجتهاد تجاه السنّة والعمل «الغدير»: 1|190. روى أحمد في «مسنده»: 4|370 عن عبد الاَعلى قال: صلّيت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبّـر خمساً، فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى، فأخذ بيده فقال: نسيت؟ قال: لا ، ولكن صلّيت خلف أبي القاسم خليلي ص فكبّـر خمساً فلا أتركها أبداً.

(214)

وروى مسلم بسنده عن أبي نضرة، قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما (1)

وروى أيضاً بسنده عن عمران بن حصين، قال: اعلم أنّ رسول اللّهجمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنهما رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قال فيها رجل برأيه ما شاء (2)

وروى البيهقي بسنده عن الحكم بن مسعود الثقفي، قال: شهدت عمر ابن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ أشرك الاِخوة من الاَب والاَُمّ مع الاِخوة من الاَُمّ في الثلث. فقال له رجل: قضيت في هذا عام أوّل بغير هذا، قال: كيف قضيت؟ قال: جعلته للاِخوة من الاَُمّ ولم تجعل للاِخوة من الاَب والاَُمّ شيئاً، قال: تلك على ما


1. «صحيـح مسلم» كتاب النكاح، باب 3، الحديث 17. والمقصود بالمتعتين: متعة الحج ومتعة النساء.
2. «صحيح مسلم» كتاب الحج، باب 23 حديث 169 و «السنن الكبرى» للبيهقي: 7|206، وفي رواية لمسلم في نفس الباب الحديث 166: وقال ابن حاتم في روايته ارتأى رجل برأيه ما شاء يعني عمر.

(215)

قضينا وهذا على ما قضينا (1)

وروى أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عباس، قال: لمّا مات عثمان بن مظعون ـ إلى أن قال ـ: حتى ماتت رقية ابنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون، قال: وبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوط، فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : دعهنّ يبكين، وإيّاكنّ ونعيق الشيطان، ثمّ قال رسول اللّه ص : مهما يكون من القلب والعين فمن اللّه والرحمة، ومهما كان من اليد واللسان فمن الشيطان، وقعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها (2)

وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس أنّه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو من أحد من أصحابه ، إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع، قال: فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف ... إلى آخر الرواية (3)

قُتل عمر بن الخطاب في سنة ثلاث وعشرين، طعنه أبو لوَلوَة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، فمات منها بعد ثلاث ليال، وصلّـى عليه صهيب، واختلف في سن عمر يوم مات، فقيل: توفّي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: توفّي وهو ابن ستين سنة، وقيل: توفّي وهو ابن بضع وخمسين.


1. «السنن الكبرى»: 6|255.
2. «المسند»: 1|335، ورواه أيضاً في ص 237 ولكنّه ذكر (زينب) ابنة رسول اللّه بدل (رقية).
3. «المسند» : 1|190.

(216)

68

عمران بن حُصَين (1)

(... ـ 52 هـ)

ابن عبيد الخزاعي الكعبي ، أبو نُجَيْد.

أسلم عام خيبر (7 هـ) وغزا مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غزوات .

بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقّه أهلها، فأقام بها إلى أن مات.

استقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة، فأقام قاضياً يسيراً ثمّ استعفى فأعفاه.

ذكر ابن قتيبة أنّ طلحة والزبير لما نزلا البصرة، قال عثمان بن حُنيف: نعذر


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 4|287، التاريخ الكبير 6|408، الجرح والتعديل 6|296، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) 94 برقم 148، مشاهير علماء الاَمصار 66 برقم 218، الثقات لابن حبّان 3|287، المستدرك للحاكم 3|470، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 69 برقم 52، رجال الطوسي 32 برقم 34، الخلاف للطوسي 3|258،طبع إسماعيليان، الاستيعاب ذيل الاصابة 3|22، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3|53، صفة الصفوة 1|681، المنتظم 5|253، أُسد الغابة 4|137، تهذيب الكمال 22|319، سير أعلام النبلاء 2|508، العبر للذهبي 1|40، تذكرة الحفّاظ 1|29، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 52 هـ) 153، البداية والنهاية 8|62، الجواهر المضيئة 2|415، النجوم الزاهرة 1|143، تهذيب التهذيب 8|125، الاصابة 3|27، تقريب التهذيب 2|82، طبقات الحفّاظ 17، شذرات الذهب 1|58، مجمع الرجال 4|269، جامع الرواة 1|641، تنقيح المقال 2|350، الاَعلام 5|70، الغدير 1|57 معجم رجال الحديث 13|139 برقم 9033.

(217)

إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأبا الاَسود الدوَلي. فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما ... فتكلم أبو الاَسود الدوَلي ... ثمّ تكلم عمران ابن حصين فقال: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّاً وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ، فحظكم منه الاَوفر، ونصيبكم منه الاَوفى. فقال طلحة: يا هذا إنّ صاحبكما لا يرى أنّ معه في هذا الاَمر غيره، وليس على هذا بايعناه، وأيم اللّه ليسفكنّ دمه. فقال أبو الاَسود: يا عمران! أمّا هذا فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك...(1).

روى عمران عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: أبو الاَسود الدوَلي، ومُطرّف بن عبد اللّه بن الشِّخِّير، والحسن البصري، وأبو رجاء العُطاردي، وابنه نُجيد بن عمران، ومحمد بن سيرين، وآخرون.

وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (2) وروى في فضائل عليّ (عليه السّلام) جملة أحاديث.

روى أبو نعيم بسنده عنه قال: بعث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سريّة واستعمل عليهم عليّاً ـ كرم اللّه وجهه ـ ، فأصاب عليّ جارية، فأنكروا ذلك عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قالوا: إذا لقينا رسول اللّهأخبرناه بما صنع عليّ، قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فسلّموا عليه ثم انصرفوا، فلما قدمت السرية سلّموا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقام أحد الاَربعة فقال: يا رسول اللّه ألم ترَ أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأعرض عنه ثمّ قام آخر منهم فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً


1. الاِمامة والسياسة: 1|60.
2. راجع «الغدير» للعلاّمة الاَميني: 1|57 برقم 91.

(218)

صنع كذا وكذا، فأعرض عنه حتى قام الرابع، فقال: يا رسول اللّه ألم تر أنّ عليّاً صنع كذا وكذا، فأقبل عليه رسـول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يُعرف الغضب في وجهه فقال: ما تريدون من عليّ؟ ثلاث مرات، ثمّ قال: إنّ علياً منّي وأنا منه، وهو وليُّ كل موَمن بعدي (1).

وروى محب الدين الطبري أنّ عمران بن الحصين قال، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : النظر إلى وجه عليّ عبادة (2)

وكان عمران ممن ثبت مع جمع من الصحابة على القول بإباحة المتعة وعدم نسخها، فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره 3|200 أنّ عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وتمتعنا بها ومات ولم ينهنا عنه ثم قال رجل برأيه ما شاء (3)

عُدّ من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة.

توفّي سنة اثنتين وخمسين، وكان به استسقاء، فطال به سنين كثيرة، قيل: وشق بطنه وأخذ منه شحم وثقب له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة.


1. حلية الاَولياء: 1|294 ترجمة جعفر الضبيعي. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3|110 ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وذكره الذهبي في تلخيصه.
2. الرياض النضرة: 3|219. وروى الحديث أيضاً عن عبد اللّه بن مسعود، ثم قال: أخرجه أبو الحسن الحربي.
3. يريد أنّ عمر بن الخطاب نهى عنها. وروى أبو نعيم بسنده عن عمران بن حصين قال: تمتعنا مع رسول اللّه ص مرتين، فقال رجل برأيه ما شاء. قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ثابت أخرجه مسلم في صحيحه. حلية الاَولياء: 2|355 ترجمة محمد بن واسع.

(219)

69

عمرو بن حزم (1)

(10 ، 7 ق هـ ـ 54 ، 53 هـ)

ابن زيد بن لوذان الاَنصاري، أبو الضحاك .

شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، واستعمله النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة فيما قيل(2) ليفقّههم في الدين ويعلّمهم القرآن، وذلك سنة عشر، وكتب إليه عهداً مطوّلاً فيه توجيه وتشريع.

وممّا جاء في هذا الكتاب: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كله، فانّ اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، أن يبشّـر الناس


*: التاريخ الكبير 6|305، المعرفة والتاريخ 1|331، سنن النسائي 8|56، الجرح والتعديل 6|224، مشاهير علماء الاَمصار 45 برقم 96، الثقات لابن حبّان 3|267، المستدرك للحاكم 3|386، السنن الكبرى للبيهقي 8|45 و 69، رجال الطوسي 50، الاستيعاب 2|510، المغني والشرح الكبير 9|337، الكامل في التاريخ 3|496، تهذيب الكمال 21|585، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 53 هـ) 278، الاصابة 2|525، تهذيب التهذيب 8|20، ذخائر المواريث 3|64، تنقيح المقال 2|328.
1. ونقل صاحب تهذيب الكمال أنّ (عمرو بن حزم وزيد بن ثابت شهدا الخندق مع رسول اللّه ص وهما ابنا خمس عشرة سنة) وإذا صح ذلك فانّ عمره يوم استعمله رسول اللّه ص كان عشرين سنة. لاَنّ الخندق كانت في سنة خمس.

(220)

بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القرآن ويفقّههم فيه ... يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فانّ اللّه كره الظلم ونهى عنه، قال: "ألا لَعنة اللّهِ عَلى الظّالِمينَ ..." (1)ويعلّم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس اللّه، وما كتب على الموَمنين في الصدقة ...(2).

وكان عمرو بن حزم قد خرج إلى المصريين بذي خشب لما ثار الناس بعثمان، وذلك حين مضت الاَيام الثلاثة وهو على حاله لم يغيّر شيئاً مما كرهوه ولم يعزل عاملاً، فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة، ولما أبى عثمان أن يستجيب لمطالبهم في عزل عمّـاله وردّ المظالم حصروه أربعين ليلة (3) ثم قتلوه.

روى ابن حزم عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عنه: ابنه محمّد، والنضر بن عبد اللّه السلمي، وامرأته سودة بنت حارثة، وغيرهم.

عُدّ من أصحاب الاِمام عليّ - عليه السّلام- .

رُوي أنّه لما قُتل عمّـار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار وقد سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقام عمرو فزعاً حتى دخل على معاوية فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قتل عمار بن ياسر. فقال: قُتل عمار فماذا؟ فقال عمرو: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -


1. هود: 18.
2. مكاتيب الرسول للاَحمدي: 1|197.
3. انظر تاريخ الطبري: 3|404 حوادث سنة 35هـ، وفيه أنّ عثمان كتب كتاباً أجله ثلاثاً على أن يردّ كل مظلمة ويعزل كل عامل كرهوه، وخرج علي - عليه السّلام- إلى الناس بالكتاب، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفيَ لهم بما أعطاهم من نفسه.

(221)

يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال له معاوية: أنحن قتلناه إنّما قتله عليٌّ وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا: أو قال: سيوفنا (1)!

وعن محمد بن سيرين أنّ عمرو بن حزم (2)كلّم معاوية بكلام شديد لما أراد البيعة ليزيد.

ذكر الشيخ الطوسي في «الخلاف» في مسألة دية الخطاء شبيه العمد أنّ عمرو بن حزم روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: ألا إنّ دية الخطاء شبيه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الابل منها أربعون خلفة.

توفّي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وقيل: إحدى أو اثنتين وخمسين.


1. قال الحاكم بعد ذكر الحديث: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة.
2. وكان ابنه محمد بن عمرو بن حزم أحد فرسان أهل المدينة في وقعة الحَرّة (سنة 63هـ) وذلك حين أرسل يزيد بن معاوية جيشاً بقيادة مسلم بن عُقبة المُرّي للانتقام من أهل المدينة الذين خلعوه لفجوره، وأخرجوا عامله، فأسرف مسلم في المدينة قتلاً ونهباً حتى سُمّي (مسرفاً) . انظر ترجمة محمد بن عمرو بن حزم في قسم التابعين من كتابنا هذا.

(222)

70

أبو الدرداء (1)

( ... ـ 32هـ)

عويمر بن مالك بن قيس الاَنصاري الخزرجي، ويقال: عويمر بن زيد، ويقال: عويمر بن عامر، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه، وقيل غير ذلك. وهو مشهور بكنيته.

تأخّر إسلامه، وكان من آخر الاَنصار إسلاماً. آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين سلمان الفارسي.

قال علي بن برهان الدين الحلبي في «السيرة الحلبية - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - 293»: ولعل هذه الموَاخاة بين سلمان وأبي الدرداء كانت قبل عتق سلمان لاَنّه تأخّر عتقه


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 7|391، التاريخ الكبير 7|76، المعارف 153، الجرح والتعديل 7|26، مشاهير علماء الاَمصار 84 برقم 322، الثقات لابن حبّان 3|285، المستدرك للحاكم 3|336ـ 337، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 85 برقم 80، جمهرة أنساب العرب 362، الخلاف للطوسي 1|380، الاستيعاب 4|59 هامش الاصابة، طبقات الفقهاء للشيرازي 47، المنتظم 5|18، صفة الصفوة 1|627، تهذيب الاَسماء واللغات، أُسد الغابة 5|185، تهذيب الكمال 22|469 برقم 4558، تاريـخ الاِسلام للذهبي (سنة 32هـ) 398، العبـر للذهبي 1|33، تذكرة الحفّاظ 1|240، سير أعلام النبلاء 2|335، الجواهر المضيئة 2|415، مرآة الجنان 1|88، غاية النهاية 1|606، النجوم الزاهرة 1|88، الاصابة 4|60 و 3|46، تهذيب التهذيب 8|175، تقريب التهذيب 2|91، كنز العمال 13|550، شذرات الذهب 1|39، تنقيح المقال 3|16 (فصل الكنى).

(223)

عن أُحد، لاَنّ أوّل مشاهده الخندق.

أقول: ولا مانع من وقوع الموَاخاة بعد عتق سلمان وذلك لتأخّر إسلام أبي الدرداء كما تقدم.

شهد أبو الدرداء ما بعد أُحد من المشاهد، واختُلف في شهوده أُحداً.

قال الذهبي: وهو معدود فيمن تلا على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو معدود فيمن جمع القرآن في حياة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: أنس بن مالك، وفضالة بن عُبيد، وزوجته أُمّ الدرداء، وابنه بلال ابن أبي الدرداء، وجماعة.

وقد ولي القضاء بدمشق في أيام عثمان بن عفان.

روي عن يحيى بن سعيد، قال: كان أبو الدرداء إذا قضى بين اثنين ثمّ أدبرا عنه نظر إليهما فقال: أرجعا إليّ، أعيدا عليّ قضيتكما.

عُدّ من الفقهاء، وهو من المقلّين من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا.

ونقل عنه الشيخ الطوسي في كتابه «الخلاف» إحدى عشرة فتوى.

وهو ممّن روي عنه الرُّخصة في التطوّع بعد العصر (1)

ولاَبي الدرداء كلمات مأثورة منها:


1. الغدير للعلاّمة الاَميني: 6|186. أخرج أحمد بن حنبل في مسنده: 4|115 عن زيد بن خالد أنّه رآه إبن الخطاب وهو خليفة ركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه فضربه بالدرّة وهو يصلّـي، فلما انصرف قال زيد: يا أمير الموَمنين فو اللّه لا أدعهما أبداً بعد أن رأيت رسول اللّه ص يصليهما، قال: فجلس إليه عمر، وقال: يا زيد بن خالد لولا أنّي أخشى أن يتخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما.

(224)

مالي أرى علماءكم يذهبون وجهّالكم لا يتعلمون، تعلّموا فانّ العالم والمتعلّم شريكان في الاَجر.

وقال: من أكثر ذكر الموت قلّ فرحه، وقلّ حسده.

وقال: لولا ثلاث لم أُبالِ متى متُّ، لولا أن أظمأ بالهواجر، ولولا أن أعفِّر وجهي بالتراب، ولولا أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.

وقال في وصف الدنيا:

الدنيا دار كَدَر، لا ينجو منها إلاّ أهل الحذر، وللّه فيها علامات يسمعها الجاهلون، ويعتبر بها العالمون، ومن علاماته فيها أن حفّها بالشهوات، فارتطم فيها أهل الشهوات، ثم أعقبها بالآفات، فانتفع بذلك أهل العظات.

توفّي أبو الدرداء بالشام سنة اثنتين وثلاثين، وقيل ثلاث وثلاثين.قال ابن عبد البر : وقالت طائفة من أهل الاَخبار إنّه مات بعد صفّين سنة ثمان أو تسع وثلاثين (1).

71

فاطمة الزهراء «عليها السّلام»

انظر ترجمتها في ص 16


1. رُوي أنّ معاوية بعث أبا الدرداء وأبا هريرة رسولين إلى الاِمام علي - عليه السّلام- ، وقد عاتبهما عبد الرحمن بن غنم على ذلك. وجاء في رواية أُخرى أنّ أبا أمامة الباهلي وأبا الدرداء كانا رسولي معاوية إلى أمير الموَمنين - عليه السّلام- في صفّين، انظر «الاستيعاب| ترجمة عبد الرحمن بن غنم» لابن عبد البر، والترجمة نفسها من كتابنا هذا| قسم التابعين.

(225)

72
فَضالة بن عُبيد (1)
( ... ـ 53 هـ)

ابن نافذ بن قيس الاَنصاري الاَوسي ، أبو محمد.

شهد أُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكان من أهل بيعة الرضوان.

وشهد فتح الشام ومصر ثمّ سكن الشام، وولاّه معاوية قضاء دمشق، ثمّ أمّره معاوية على جيش فغزا الروم في البحر، وكان ينوب عن معاوية في الاِمرة إذا غاب.

روى عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن أبي الدرداء.


*: الا َُم 2|251، الطبقات الكبرى لابن سعد 7|401، المحبّر 294، التاريخ الكبير 7|124، المعرفة والتاريخ 1|341، الكنى والاَسماء للدولابي 87، الجرح والتعديل 7|77، مشاهير علماء الاَمصار 88 برقم 339، الثقات لابن حبّان 3|330، المعجم الكبير للطبراني 18|298، المستدرك للحاكم 3|473، حلية الاَولياء 2|17، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 78 برقم 67، رجال الطوسي 26، المغني والشرح الكبير 6|295 ـ 296، أُسد الغابة 4|182، تهذيب الاَسماء واللغات 1|50، تهذيب الكمال 23|186، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 53هـ) 285، سير أعلام النبلاء 3|113، العبر للذهبي 1|41، مرآة الجنان 1|136، البداية والنهاية 8|81، الجواهر المضيئة 2|417، تهذيب التهذيب 8|267، تقريب التهذيب 2|109، الاصابة 3|201، ذخائر المواريث 3|79، تنقيح المقال 2|6.

(226)

روى عنه: عمرو بن مالك الجَنْبي، وحنش الصنعاني، وعبد الرحمن بن جُبير، وطائفة.

وقد عُدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتويين:

1ـ إذا وهب الاَجنبي وقبضه أو لذي رحم غير الولد كان له الرجوع فيه ... وروي عن عليّ - عليه السّلام- أنّه قال: الرجل أحق بهبته مالم يثب منها. وروى مثل ذلك عن ... وفضالة بن عبيد.

2ـ أكل لحم الخيل حلال عراباً كانت أو براذين أو مقاريف.

توفّي فضالة سنة ثلاث وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين وقيل غير ذلك.


(227)

73
قَرَظة بن كَعْب (1)
( ... ـ قبل 40 هـ)

ابن ثعلبة الاَنصاري الخزرجيّ ، أبو عمرو.

شهد مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - معركة أُحد وما بعدها، ثم فتح الرّي في زمن عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين (2) وكان ممن وجّهه عمر إلى الكوفة يفقّه الناس (3).

وقد شهد قرظة وقعة صفين مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- .


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|17، تاريخ خليفة 113، 152، الطبقات لخليفة 164 برقم 596، و 229 برقم 932، التاريخ الكبير 7 برقم 858، الجرح والتعديل 7|144، الثقات لابن حبان 3|347، رجال الطوسي 65، تاريخ بغداد 1|185، أُسد الغابة 4|202، تهذيب الكمال 23|563، الاصابة 3|223، تهذيب التهذيب 8|368، تقريب التهذيب 2|124، معجم رجال الحديث 14|82، قاموس الرجال 7|386.
1. وقيل: افتتح الري حذيفة ثم انتقضوا فغزاهم أبو موسى، وقيل: افتتحها البراء بن عازب سنة أربع وعشرين، وقيل: افتتح بعضها أبو موسى وبعضها قرظة بن كعب. انظر تاريخ خليفة: 113.
2. رُوي عن قرظة أنّه قال: بعثنا عمر ـ رضي اللّه عنه ـ إلى الكوفة فشيّعنا على مَثلَين، فقال: أتدرون لِمَ شيعتكم؟ قالوا: نحن أصحاب رسول اللّه ص . قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تُحدّثوهم فتشغلوهم، جَرّدوا القرآن وأقلِّوا الرواية عن رسول اللّه ص . قال قرظة: فأتوْني بعد، فقلت: إنّ عمر قد نهانا أن نُحدّث، تهذيب الكمال: 23|565. قال العلاّمة الاَميني بعد ذكر هذه الرواية وغيرها عن نهي الخليفة عن الحديث أو عن إكثاره: إنّ ظاهر الكتاب لا يُغني الاَُمّة عن السنّة، وهي لا تفارقه حتى يردا على النبيّ الحوض، وحاجة الاَُمّة إلى السنّة لا تقتصر عن حاجتها إلى ظاهر الكتاب، والكتاب كما قال الاَوزاعي ومكحول [جامع بيان العلم: 2|191ج أحوج إلى السنّة من السنة إلى الكتاب. انظر الغدير: 6|296.

(228)

قال الخطيب البغدادي: وكان على راية الاَنصار يومئذ.

روى قرظة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن عمر بن الخطاب.

روى عنه: عامر بن سعد البجلي، وعامر بن شراحيل الشعبي.

وكان قد وليَ الكوفة للاِمام علي - عليه السّلام- ، ولاّه عليها لما سار إلى الجمل.

وذكر نصر بن مزاحم أنّ علياً - عليه السّلام- (بعد إقامته بالكوفة عقب وقعة الجمل) بعث قرظة بن كعب إلى البِهْقُباذات (1)

روُي أنّه لما مات سهل بن حُنيف، صلى عليه أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- بالرُّحبة، فلما أتوْا به الجبّانة، لحقه قرظة بن كعب في ناس من قومه أو في ناس من الاَنصار فقالوا: يا أمير الموَمنين لم نشهد الصلاة عليه، فقال: صلّوا عليه، فكان إمامهم قرظة بن كعب (2)

توفّي قرظة بالكوفة في خلافة الاِمام علي - عليه السّلام- ، وهو صلّـى عليه، وقيل: مات في إمارة المغيرة بن شعبة في أوّل أيام معاوية، وقال ابن حجر: مات في حدود الخمسين على الصحيح.


1. كتاب صفين: ص 14.و بِهْقُباذ: بالكسر ثم السكون، وضم القاف، وباء موحّدة، وألف وذال معجمة: إسم لثلاث كور ببغداد من أعمال سَقْي الفرات، منسوبة إلى قُباذ بن فيروز والد أنوشروان بن قباذ العادل. معجم البلدان: 1|516.
2. انظر المعرفة والتاريخ: 1|220.

(229)

74
قيس بن سعد بن عبادة (1)
( ... ـ 59 ، 60 هـ )

ابن دليم بن حارثة الاَنصاري الخزرجي، أبو عبد اللّه المدني (2)

خدم النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فكان منه بمنزلة صاحب الشرطة من الاَمير، وحمل راية الاَنصار في بعض الغزوات، واستعمله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على الصدقة، وكان يطعم الناس في أسفاره مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (3)

قال جابر الاَنصاري: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، فلما قدموا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ذكروا له من أمر قيس،


*: طبقات خليفة 235 برقم 973 و 494 برقم 2556، تاريخ خليفة 149، 152، 172، 275، الطبقات الكبرى لابن سعد 6|52، التاريخ الكبير 7|141 برقم 636، رجال البرقي 65، المعرفة والتاريخ 1|299، ثقات ابن حبان 3|339، الجرح والتعديل 7|99 برقم 560، رجال الكشي 102 برقم 49، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 101 برقم 111، رجال الطوسي 26 برقم 1 و 54 برقم 1، تاريخ بغداد 1|177، أُسد الغابة 4|215، الكامل في التاريخ 3|268، تهذيب الاَسماء واللغات 61 برقم 75، رجال ابن داود 279 برقم 1210، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 21|102، تهذيب الكمال 24|40 برقم 4906، سير أعلام النبلاء 3|102، تهذيب التهذيب 8|395، الاصابة 3|239 برقم 7179، شذرات الذهب 1|52، جامع الرواة 2|25، بهجة الآمال 6|89، تنقيح المقال 2|31 برقم 9712، أعيان الشيعة 8|452، الغدير 2|67، معجم رجال الحديث 14|93 برقم 9652، قاموس الرجال 7|396.
1. وقيل: أبو عبد الملك.
2. مختصر تاريخ دمشق.

(230)

فقال: إنّ الجود من شيمة أهل ذلك البيت (1)

وكان قيس من كبار شيعة أمير الموَمنين - عليه السّلام- ومناصحيه، ولاّه - عليه السّلام- مصر في صفر سنة ست وثلاثين، فبايعه الناس واستقامت له مصر، وجبى الخراج، ثم عُزل بمحمد بن أبي بكر، وشهد وقعتي صفين (2)والنهروان، وجعله علي (عليه السّلام) على شرطة الخميس الذين كانوا يبايعون على الموت.

ولما استُخلف الاِمام الحسن بعد استشهاد أبيه «عليهما السلام» وجه قيساً على مقدّمته لقتال معاوية، فلمّا عُقد الصلح بين الحسن - عليه السّلام- وبين معاوية، رجع قيس إلى المدينة، فلم يزل بها حتى توفي في آخر زمن معاوية.

حدّث قيس بالكوفة والشام ومصر والمدينة.

روى عنه: أنس بن مالك، وعبد اللّه بن مالك الجيشاني، وعبد الرحمان بن أبي ليلى، والشعبي، والوليد بن عَبَدة، وعريب بن حُميد الهمداني، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، وميمون بن أبي شبيب الرّبعي، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

وكان فارساً مغواراً، جواداً كريماً، داهية باقعة، محاججاً قديراً، خطيباً مفوّهاً، عالماً بالكتاب والسنّة، وافر العقل، راسخ العقيدة، متهالكاً في ولاء أهل البيت، متفانياً في نصرتهم.

قال فيه الاِمام علي - عليه السّلام- (لما ولاّه مصر): وهو ممن أرضى هدْيَه، وأرجو صلاحه ونصحه (3).

وقال إبراهيم الثقفي: كان شيخاً شجاعاً مجرّباً، مناصحاً لعلي ولولده، ولم


1. تهذيب التهذيب: 8|396.
2. قال ابن الاَثير في أُسد الغابة: 4|216: وهو القائل يوم صفّين:

هذا اللواء الذي كنّا نحفّ بـه * مع النبـي وجبريــل لنا مدد

ما ضرّ من كانت الاَنصار عيْبته * أن لا يكون له من غيرهم أحد

قوم إذا حاربوا طالت أكفُّهمُ * بالمشرفية حتى يفتــح البلد 3. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 6|59 (ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله).


(231)

يزل على ذلك إلى أن مات.

وقال المسعودي: كان من الزهد والديانة والميل إلى عليّ بالموضع العظيم.

وقال ابن عبد البرّ: كان أحد الفضلاء الجلّة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة وكان شريف قومه، وكان أبوه وجدّه كذلك.

وقال الذهبي في سيره: وجود قيس يُضرب به المثل، وكذلك دهاوَه.

وقال الحلبي في سيرته: من وقف على ما وقع بين قيس بن سعد وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله.

رُوي أنّ قيساً كان في سريّة فيها أبو بكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس فقالا: إن تركناه أهلكَ مال أبيه فهمّا بمنعه، فسمع سعد فقال للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : من يعذرني منهما يبخّلان عليّ ابني (1)

وكان قيس يقول في دعائه: اللّهمّ هب لي حمداً ومجداً، فإنّه لا مجد إلاّ بفعال، ولا فعال إلاّ بمال، اللهم لا يُصلحني القليل، ولا أصلح عليه.

وكان يقول: لولا اني سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «المكر والخديعة في النار» لكنتُ من أمكر هذه الاَمّة.

ويقول: لولا الاِسلام لمكرتُ مكراً لا تطيقه العرب (2)


1. سير أعلام النبلاء: 3|106.
2. ذكر العلاّمة الاَميني في «الغدير» 2|73 انّ شهرة قيس بالدهاء مع تقيّده المعروف بالدين، وكلاءته حمى الشريعة، وكفِّه نفسه عما يُخالف ربّه، تُثبت له الاَولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلاّ عبد اللّه بن بُديل، وذلك لاشتراكهما في المبدأ، والتزامهما بالدين الحنيف، والكفِّ عن الهوى. وبقية الدهاة الخمسة هم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة.



(232)

75
محمد بن مَسْلَمة (1)
( ... ـ 43 هـ)

ابن سَلَمة بن خالد الاَنصاري الاَوسي، أبو عبد الرحمن ، وقيل: أبو عبد اللّه.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح في قولٍ (2) وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد. وذُكر أنّه أحد الذين قتلوا كعب بن الاَشرف (3)


*: الطبقات لابن سعد 3|443، التاريخ الكبير 1|11 برقم 1، المعارف 153، المعرفة والتاريخ 1|282، الجرح والتعديل 8|71 برقم 316، الثقات لابن حبان 3|362، المعجم الكبير للطبراني 19|222، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 59 برقم 33، الكامل في التاريخ 2|143، أُسد الغابة 4|330، تهذيب الاَسماء واللغات 1|92، تهذيب الكمال 26|456، سير أعلام النبلاء 2|369، العبر 1|37، تاريخ الاِسلام (سنة 41 ـ 60هـ) 112، الجواهر المضيئة 2|416، تهذيب التهذيب 9|454، تقريب التهذيب 2|208، الاصابة 3|363، شذرات الذهب 1|45.
1. المعروف المشهور أنّ الموَاخاة إنّما وقعت مرتين بين المهاجرين قبل الهجرة، ومرّة بين المهاجرين والاَنصار بعد الهجرة بخمسة أشهر، وفي كلتا المرتين يصطفي رسول اللّه ص لنفسه منهم أمير الموَمنين علياً - عليه السّلام- فيتخذه من دونهم أخاً. انظر السيرة الحلبية: 2|292. وقال ابن عبد البر (الاستيعاب|ترجمة علي - عليه السّلام- ): آخى رسول اللّه بين المهاجرين بمكة ثم آخى بين المهاجرين والاَنصار بالمدينة وقال في كل واحدة منهما لعلي: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».
2. كعب بن الاَشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أُمّه من «بني النضير» فدان باليهودية، وكان يقيم في حصن له قريب من المدينة، أدرك الاِسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي ص وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم. وخرج إلى مكة بعد وقعة «بدر» فندب قتلى قريش فيها، وحرّض على الاَخذ بثأرهم. وعاد إلى المدينة. وأمر النبي ص بقتله، فقُتل في سنة ثلاث من الهجرة . انظر الاَعلام: 5|225.

(233)

قال الذهبي: وقيل: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلفه مرّة على المدينة.

وقيل: إنّه استُخلف في غزوة قرقرة الكدر، وقيل: عام تبوك.

والقول بأنّه استُخلف عام تبوك لا يصحّ، لاَنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلف الاِمام عليّاً - عليه السّلام- في هذه الغزوة، فقد أخرج ابن سعد (1)بسنده عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم، قالا: لما كان عند غزوة جيش العسرة، وهي تبوك، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعليّ بن أبي طالب: إنّه لابدّ من أن أُقيم أو تقيم فخلّفه، فلما فصل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غازياً، قال ناس: ما خلّف علياً إلاّ لشيء كرهه منه، بلغ علياً، فاتبع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حتى انتهى إليه، فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: لا يا رسول اللّه إلاّ أنّي سمعتُ ناساً يزعمون أنّك إنّما خلفتني لشيء كرهته منّي، فتضاحك رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال: ياعليّ ! أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبي؟ (2) ثمّ إنّ الطبري لم يذكر محمد بن مسلمة في هذه الغزوة. أمّا ابن هشام فذكر أنّ المستخلف محمد بن مسلمة، ثمّ روى أنّه سباع بن عرفطة، وذكر ثالثة أنّه خلّف علياً على أهله واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فأرجف المنافقون بعلي بن أبي طالب، ثم ذكر قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (3)


1. الطبقات الكبرى: 3|24.
2. وجاء في «الاستيعاب» لابن عبد البر في ترجمة علي - عليه السّلام- : ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول اللّه ص مذ قدم المدينة، إلاّ تبوك فانّه خلفه رسول اللّه ص على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك وقال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي.
3. قال أبو عمر في ترجمة عليّ - عليه السّلام- من الاستيعاب: وروى قوله: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) جماعة من الصحابة وهو من أثبت الآثار وأصحها، رواه عن النبي ص سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً، قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري، وأُمّ سلمة، وأسماء بنت عميس، وجابر بن عبد اللّه، وجماعة يطول ذكرهم.وقال السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي بعد ذكر حديث المنزلة: لا يخفى ما فيه من الاَدلة القطعة والبراهين الساطعة على أنّ علياً وليّ عهده وخليفته من بعده. آثره بذلك على سائر أرحامه، وكيف أنزله منه منزلة هارون من موسى، ولم يستثن من جميع المنازل إلاّ النبوّة، واستثناوَها دليل العموم، وأنت تعلم أنّ أظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى وزارته له وشدة أزره به واشتراكه معه في أمره وخلافته عنه، وفرض طاعته على جميع أُمّته بدليل قوله تعالى: (وأجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري) وقوله: (أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) (انظر المراجعات| المراجعة: 26، 27).

(234)

وأمّا ابن حجر فذكر في «الاصابة» أنّ محمّد بن مسلمة تخلّف بإذن النبيّ له - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يقيم بالمدينة. وقد قيل: شتان بين التخلّف والاستخلاف (1)

وكان عمر بن الخطاب قد استعمل محمد بن مسلمة على صدقات جهينة، وكان عمر إذا شُُكي إليه عامل أرسل محمداً ليكشف أمره. وهو كان رسوله إلى سعد بن أبي وقاص حين بنى القصر بالكوفة وغير ذلك، وقدم الجابية فكان على مقدمة جيش عمر.

وقد تخلّف ابن مسلمة عن بيعة أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- بعد أن تدافع إليها المسلمون، وفي طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار. وقعد عن نصرة الاِمام - عليه السّلام- في معارك الجمل وصفّين والنهروان وبقي في المدينة.

روى عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث يسيرة.

روى عنه: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن الاَعرج، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

عُدّ من المقلّين من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا.

عن المسور بن مخرمة، قال: استشار عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ الناس في املاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى فيه بغُرّة عبد أو أمة، فقال: ائتني بمن يشهد معك فشهد محمّد بن مسلمة (2)


1. انظر كتاب «الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- » للشيخ محمد حسن آل ياسين.
2. سنن البيهقي: 8|114، صحيح البخاري: 8|14 كتاب الديات باب جنين المرأة.

(235)

وأخرج أحمد بن حنبل في (مسنده: 4|225) عن سهل بن أبي حثمة قال: رأيت محمّد بن مسلمة يطارد امرأة من الاَنصار يريد أن ينظر إليها ... فقلت: أنت صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وتفعل هذا، قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: إذا ألقى اللّه عزّ وجلّ في قلب امرىَ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها.

توفّي محمّد بن مسلمة بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، وقيل: ست وأربعين، وكان قد سكن الربذة مُديدة فيما قيل.

قال ابن شاهين عن أبي داود: قتله أهل الشام ولم يعيّن السنة لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه، وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه أنّ شامياً من أهل الاَردن دخل عليه داره فقتله.


(236)

7
المِسْوَر بن مَـخْرَمة (1)
( 2 ـ 64 هـ)

ابن نوفل بن أهيب القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان.

وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة بعد الفتح سنة ثمان.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن خاله عبد الرحمن بن عوف، وعمر بن الخطاب، ومحمّد بن مسلمة، وغيرهم.

روى عنه: عمرو بن دينار، وابنته أُمّ بكر، وعروة بن الزبير، وآخرون.

قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية، وكان مع خاله عبد الرحمن مقبلاً ومدبراً في أمر الشورى، وكان هواه فيها ـ كما جاء في أُسد الغابة ـ مع عليّ (2)


*: الا َُم 1|207، تاريخ خليفة بن الخياط 196، المحبّـر 68، التاريخ الكبير 7|410، المعرفة والتاريخ 1|358، الكنى والاَسماء للدولابي 79، الجرح والتعديل 8|297، مشاهير علماء الاَمصار 43 برقم 87، الثقات لابن حبّان 3|394، المستدرك للحاكم 3|523، جمهرة أنساب العرب 129، الخلاف للطوسي 1|409، رجال الطوسي 27، الاستيعاب 3|396 (ذيل الاصابة)، المنتظم 6|32، أُسد الغابة 4|365، تهذيب الاَسماء واللغات 2|94، رجال ابن داود 189، رجال العلاّمة الحلّي 170، تهذيب الكمال 27|581، سير أعلام النبلاء 3|390، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 4هـ) 244، مرآة الجنان 1|140، الاصابة 3|399، تهذيب التهذيب 10|151، تقريب التهذيب 2|43، شذرات الذهب 1|72، جامع الرواة للاَردبيلي 2|231، تنقيح المقال 3|217، معجم رجال الحديث 18|161 برقم 12359.
1. وعدّ الشيـخ الطوسي المسـور من أصحـاب أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- . وقال: كان رسوله - عليه السّلام- إلى معاوية.

(237)

- عليه السّلام- . وأقام بالمدينة إلى أن قُتل عثمان ثم سار إلى مكة.

وجاء في «المنتظم» أنّه انحاز إلى مكة حين توفّي معاوية.

وقد سخط المسور إمرة يزيد، وأقام مع ابن الزبير بمكة. وقال البلاذري في «أنساب الاَشراف: 5|21» (1) إنّه كان ممن وفد إلى يزيد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكُتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسوراً الحدّ، فقال أبو حرّة:

أيشربها صهباء كالمسك ريحُها * أبو خالد والحدّ يضرب مِسْوَرُ

عُدّ المسور من فقهاء الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

من سبقه الحدث ـ أي وهو في الصلاة ـ من بول أو ريح أو غير ذلك فانّه يتوضّأ ويستأنف الصلاة.

وكان المسور لا يشرب من الماء الذي يوضع في المسجد ويكرهه ويرى أنّه صدقة.

قُتل بمكة في الحصار الاَوّل (2) أصابه حجر منجنيق وهو يصلّي فقتله، وذلك في سنة أربع وستين.


1. نقلناه من «الغدير: 10|33» للعلاّمة الاَميني.
2. الحصار الاَوّل (64 هـ) لابن الزبير كان من جيش الحصين بن نمير في زمن يزيد بن معاوية، والحصار الثاني (73 هـ) كان من جيش الحجّاج الثقفي في زمن عبد الملك بن مروان، وفيه قُتل ابن الزبير.

(238)

77
معاذ بن جبل (1)
(20 ق . هـ ـ 18 هـ)

ابن عمرو بن أوس الاَنصاري الخزرجي ، أبو عبد الرحمن.

شهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين، وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين عبد اللّه بن مسعود.

ذُكر أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلف عتّاب بن أُسيد بمكة بعد الفتح، وخلّف معه معاذاً يفقّه الناس في الدين ويعلمهم القرآن، وكان ذلك حين خرج


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|347، المحبر ص 72، التاريخ الكبير 7|359، المعرفة والتاريخ 1|691، الرجال للبرقي 66، الجرح والتعديل 8|244، مشاهير علماء الاَمصار 84 برقم 321، الثقات لابن حبان 3|368، المعجم الكبير للطبراني 20|28، المستدرك للحاكم 3|268، حلية الاَولياء 1|228، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 63 برقم 40، رجال الطوسي 27، الخلاف للطوسي 2|251، الاستيعاب 3|335 ذيل الاصابة، طبقات الفقهاء للشيرازي 45، المنتظم 4|264 برقم 210، أسد الغابة 4|376، تهذيب الكمال 28|105، سير أعلام النبلاء 1|443، العبر للذهبي 1|17، تذكرة الحفّاظ 1|19، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 175، مرآة الجنان 1|73، الجواهر المضيئة 2|415، البداية والنهاية 7|97، غاية النهاية 2|301، الاصابة 3|406، تهذيب التهذيب 10|186، تقريب التهذيب 2|55، طبقات الحفاظ ص 15 برقم 9، شذرات الذهب 1|29، تنقيح المقال 3|220، الاَعلام 7|258، معجم رجال الحديث 18|183 برقم 12415.

(239)

- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى حُنين، وقيل: بعد وقعة حنين حين اعتمر من الجِعرانة (1)

وقد بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعد غزوة تبوك (سنة تسع) قاضياً ومرشداً إلى الجَنَد من اليمن، وجاء في وصيته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - معاذاً:

إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ اللّه فرض عليهم صدقة توَخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانّه ليس بينها وبين اللّه حجاب (2)

روى ابن سعد بسنده عن أبي عون محمد بن عبيد اللّه عن الحارث بن عمرو الثقفي عن رجال، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى اليمن قال لي: بم تقضي إنْ عَرض قضاء؟ قال: قلتُ: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟ قال: قلتُ: أقضي بما قضى به الرسول. قال: فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ قال: قُلت: أجتهد رأيي ولا آلو قال: فضرب صدري وقال: الحمد للّه الذي وفق رسولَ رسولِ اللّه لِما يُرضي رسول اللّه.

قال الذهبي عن حديث الاجتهاد (3)هذا: تفرّد به أبو عون محمد بن عبيد اللّه


1. سيرة ابن هشام: القسم الثاني : ص 500.
2. مكاتيب الرسول: 1|226 للاَحمدي.
3. استعملت كلمة الاجتهاد من قبل كثير من المدارس الفقهية ومنها مدرسة أبي حنيفة للتعبير بها عن القاعدة القائلة: إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصاً يدل عليه في الكتاب والسنّة رجع إلى الاجتهاد بدلاً عن النص. والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، وقد يُعبر عنه بالرأي أيضاً. أي أنّ الاجتهاد بهذا المعنى كان مصدراً للفقيه يصدر عنه ودليلاً يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية، ولقي هذا المعنى معارضة من أئمة أهل البيت - عليهم السلام - والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم. وقد استخدم فقهاء مدرسة أهل البيت مصطلح الاجتهاد ـ منذ القرن السابع ـ وأُريد به الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره. ولم يكن ـ عندهم ـ مصدراً من مصادر الاستنباط بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهري للغاية، إذ كان الفقيه على أساس المصطلح الاَوّل للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص، وأمّا المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الاَحكام بالاجتهاد لاَنّ الاجتهاد بالمعني الثاني ليس مصدراً للحكم، بل هو عملية استنباط الاَحكام من مصادرها. نقلناه باختصار مع بعض التصرف من مقدمة كتاب «دروس في علم الاَُصول» للشهيد السيد محمّد باقر الصدر.

(240)

الثقفي، عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة، وما روى عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول. ثم نقل قول الترمذي: ليس اسناده عندي بمتصل، وقول البخاري: لا يصح حديثه (1)(يعني حديث الحارث بن عمرو).

قيل: إنّ معاذاً بقي في اليمن إلى أن توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وولي أبو بكر، فعاد إلى المدينة، وقيل: انّه لم يزل بالجَنَد حتى مات النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبو بكر(2) ، وقد أمّره أبو بكر على عمله، ثم هاجر إلى الشام، ويقال: انّه كان مع أبي عبيدة بن الجراح حين غزا الشام في زمن أبي بكر.

ولما أُصيب أبو عبيدة (في طاعون عمواس) استخلف معاذاً على الشام، ثم طُعن بعده في هذه السنة.

روى معاذ عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: أبو قتادة الاَنصاري، وأبو ليلى الاَنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن غنم، وآخرون.

وعدّ من المتوسطين من الصحابة فيما رُوي عنه من الفتيا.

قال عمر بن الخطاب حين خطب الناس بالجابية: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل.


1. «ميزان الاعتدال» : 1|439 ، الترجمة 1635.
2. انظر كتاب «الاَموال»: ص 549 لاَبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224). طبع دار الحداثة.

(241)

وقد نقل عنه الشيخ في «الخلاف» أربع فتاوى.

ومن المسائل الفقهية التي نُقلت عنه: إنّ وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. قال البيهقي: ويذكر هذا القول عن عمر وعلي ومعاذ بن جبل (1).

وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده 5|237 بسنده عن معاذ: انّ النبيجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غزوة تبوك.

توفي معاذ بناحية الاَردن، ودفن بالقصير المعيني (بالغور) وذلك في سنة ثماني عشرة، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وثلاثين سنة.


1. السنن الكبرى: 3|191.

(242)

78
المقداد بن الاَسود (1)
( 37 ق. هـ ـ 33 هـ)

المقداد بن عمرو بن ثَعْلَبة بن مالك البَهراني الكندي، أبو معبد ، وقيل: أبو عمرو.

ويقال: المقداد الكندي لاَنّه ـ فيما قيل ـ أصاب دماً في بهراء (2)فهرب منهم


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|161، تاريخ خليفة 124، التاريخ الكبير 8|54 برقم 2126، المعارف 150، المعرفة والتاريخ 2|161، الرجال للبرقي 1، 3، 63، 64، الجرح والتعديل 8|426 برقم 1942 الثقات لابن حبان 3|371، حلية الاَولياء 1|172، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 81 برقم 73، رجال الطوسي 27 برقم 8 و 57 برقم 1، الاستيعاب 4|409، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) بأرقام 12، 13، 17، 24، 18، 210، 19، 20، 21، 22، 24، 23، 148، 750، أُسد الغابة 4|409، تهذيب الاسماء واللغات 2|111 برقم 163، تهذيب الكمال 28|452 برقم 6162، سير أعلام النبلاء 1|385، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) 417، تهذيب التهذيب 10|285، تقريب التهذيب 2|272، الاصابة 3|433 برقم 8185، صفة الصفوة 1|423 برقم 20، مرآة الجنان 1|89، التحرير الطاووسي 272 برقم 406، رجال ابن داود 351 برقم 1565، مجمع الرجال 6|137، جامع الرواة 2|262، رجال العلاّمة 169 برقم 1، نقد الرجال 353، تنقيح المقال 2|244 برقم 12096، بهجة الآمال 7|86، معجم رجال الحديث 18|314 برقم 12607، قاموس الرجال 9|111، الاَعلام للزركلي 7|282.
1. بَهْراء: قبيلة من قضاعة، وهو بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة أخو بلي بن عمرو . «اللباب» لابن الاَثير: 1|191.

(243)

إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب بينهم دماً فهرب إلى مكة فحالف الاَسود بن عبد يغوث الزهري فعرف بـ «المقداد بن الاَسود». وهو زوج ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان من السابقين إلى الاِسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة ثمّ عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فبقي إلى أن بعث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عبيدة بن الحارث في سرية فلقوا جمعاً من المشركين عليهم عكرمة ابن أبي جهل، وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين ليتوصلا إلى المسلمين فتواقفت الطائفتان ولم يكن قتال، فانحاز المقداد وعتبة إلى المسلمين.

وشهد المقداد بدراً وله فيها مقام مشهور، وذُكر أنّه أوّل من قاتل فارساً في الاِسلام، وشهد سائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما خرج إلى بدر استشار أصحابه فقام المقداد فقال:

يا رسول اللّه امض لمِا أُمرتَ به فنحن معك واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "إذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هاهُنا قاعِدُونَ" (1)ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق نبياً لو سرت بنا إلى برك الغماد(2) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول اللّه خيراً ودعا له.

روى المقداد عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وروى عنه: ابن عباس والمستورد بن شداد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجبير ابن نفير، وغيرهم. وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار.


1. المائدة: 24.
2. بِرك الغِماد: بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دريد: بالضم والكسر أشهر : وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن، وفي كتاب عياض: بَرْك الغمار، بفتح الباب، عن الاَكثرين، وقد كسرها بعضهم وقال: هو موضع في أقاصي أرض هَجَر. معجم البلدان: 1|399.

(244)

روى الصدوق (1) ـ قدّس سرّه ـ باسناده عن ابن بريدة عن أبيه أنّ رسول اللّه ص قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أمرني بحب أربعة. فقلنا: يا رسول اللّه! من هم، سمّهم لنا؟ فقال: عليّ منهم، وسلمان، وأبو ذر والمقداد (2)

وباسناده عن الاِمام عليّ - عليه السّلام- قال: قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : الجنة تشتاق إليك وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد (3)

ويُعد المقداد من المقرّبين من أمير الموَمنين - عليه السّلام- ومن الاَصفياء من أصحابه، وهو أحد الذين مالوا مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- ولم يشهدوا السقيفة إيماناً بحقّه - عليه السّلام- في الخلافة. وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (4)

روى الموَرخون أنّه اجتمع الرهط الذين عيّنهم عمر بن الخطاب للشورى في المسجد ومعهم حشد من المهاجرين والاَنصار. فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن ابن عوف: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد بن الاَسود: صدق عمار إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. ولما أرسل عبد الرحمن بن عوف يد الاِمام عليّ - عليه السّلام- وصفق على يد عثمان، قال المقداد:

يا عبد الرحمن! أما واللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.

ثم قال: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إنّي لاَعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول إنّ أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل. أما واللّه لو أجد عليه أعواناً (5)


1. الخصال: باب الاَربعة، أمر النبي ص بحب أربعة، الحديث 126.
2. رواه أحمد في مسنده : 5|351، 356، وابن ماجة في سننه: الحديث149، في المقدمة. وفيه: قال رسول اللّه ص : «إنّ اللّه أمرني بحب أربعة وأخبرني أنّه يحبهم» قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: «عليّ منهم» يقول ذلك ثلاثاً «وأبو ذر ، وسلمان، والمقداد».
3. الخصال: باب الخمسة، الجنة تشتاق إلى خمسة. الحديث 80.
4. قـال العلاّمة الاَميني في «الغدير»: 1|59: أخرج الحديث عنه ابن عقدة في حديث الولاية، والحافظ الحمويني في فرائده.
5. انظر تاريخ الطبري:3|297 قصة الشورى، و الكامل لابن الاَثير:3|71 ذكر قصة الشورى.

(245)

روى مسلم باسناده عن همّام بن الحارث أنّ رجلاً جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلاً ضخماً فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (1)

وقال اليعقوبي في تاريخه 2|163: وأكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عبيدَ اللّه بن عمر، فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إنّي وليّ دم الهرمزان وقد وهبته للّه ولعمر، وتركته لدم عمر، فقام المقداد بن عمرو فقال: إنّ الهرمزان مولى للّه ولرسوله، وليس لك أن تهب ما كان للّه ولرسوله. قال: فننظر وتنظرون.

قال ابن الاَثير في «أُسد الغابة»: وشهد المقداد فتح مصر.

وجاء في «سير أعلام النبلاء» أنّ راشد الحُبراني، قال: وافيت المقداد بن الاَسود فارس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بحمص على تابوت من توابيت الصيارفة قد أفضل عليها من عِظَمه، يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر اللّه إليك. فقال: أبت علينا سورة البحوث (2)(انْفِرُوا خِفافاً وثِقالاً" (3)

توفّي المقداد بالجُرف (4)فحُمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة أو نحوها (5)


1. «صحيح» مسلم: 8|228 في الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح.
2. وفي «حلية الاَولياء»: سورة البعوث.
3. التوبة: 41.
4. الجُرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. معجم البلدان: 2|128.
5. إنّ أصحاب المعاجم وإن لم يذكروا المقداد في جملة من أُخذ منه الفتيا إلاّ أنّنا نجده يتمسك بالآية في موضع الاحتجاج. ويقول: أبت علينا سورة البحوث، كما أنّه يحتج بالحديث الشريف في مقام ذم المداح، ويقول: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. ويستدل ـ ثالثة ـ بالآية الكريمة على ما يلزم الصحابة من موقف تجاه نبيهم ص في غزوة بدر.كل ذلك يعرب عن كون الرجل ذا موهبة جميلة وإحاطة بالكتاب والسنّة يعتمد عليهما في مقام الاحتجاج.

(246)

79
النعمان بن بشير (1)
(2 ـ 64هـ)

ابن سعد الخزرجي الاَنصاري ، أبو عبد اللّه.

ولد عام اثنين من الهجرة، وقيل غير ذلك، وهو أوّل مولود ولد للاَنصار بعد الهجرة فيما قيل.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن: خاله عبد اللّه (2)بن رَوَاحَة، وعمر، وعائشة.

قال يحيى بن معين: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|53 و 7|322، الطبقات لخليفة 164 برقم564، المحبّر 276، التاريخ الكبير 8|75 برقم 2223، المعارف 167، المعرفة والتاريخ 1|381، تاريخ اليعقوبي 2|184، الجرح والتعديل 8|444 برقم 2033، مروج الذهب 3|97 برقم 1621، مشاهير علماء الاَمصار 87 برقم 332، الثقات لابن حبّان 3|409، أسماء الصحابة الرواة لابن حزم الاندلسي ص 62 برقم 36، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 64 برقم 42، الاستيعاب 3|522، أُسد الغابة 5|22، الكامل في التاريخ 1|684 و 2|110، تهذيب الاَسماء واللغات 2|129، مختصر تاريخ دمشق 26|161،تهذيب الكمال 29|411 برقم 6438، تاريخ الاِسلام (المغازي) 496 و عهد الخلفاء الراشدين (سنة 64) 260، سير أعلام النبلاء 3|411، دول الاِسلام 1|49، مرآة الجنان 1|140، البداية والنهاية 8|247، الجواهر المضيئة 2|415، تهذيب التهذيب 10|447، الاصابة 3|529، شذرات الذهب 1|72، الاَعلام للزركلي 8|36.
1. استشهد في وقعة موَته في زمن النبي ص سنة 8هـ ، وكان أحد الاَمراء فيها.

(247)

وأهل العراق يصحّحون سماعه منه.

روى عنه: ابنه محمّد، والشعبي، وسماك بن حرب، وغيرهم.

وعدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

وكان النعمان منحرفاً عن الاِمام عليّ (1) - عليه السّلام- ، وقد وجّهته نائلة (زوجة عثمان) بقميص عثمان الذي قُتل فيه إلى معاوية، فنزل الشام، وشهد صفّين مع معاوية.

قال ابن الاَثير: وفي سنة تسع وثلاثين فرّق معاوية جيوشه في العراق في أطراف عليّ، فوجّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر، وفيها مالك بن كعب الاَرحبي، وكان مالك قد أذن لاَصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلاّ مائة رجل، فكتب مالك إلى مخنف بن سُليم ـ وكان قريباً منه ـ يستعينه، واقتتل مالك والنعمان أشد قتال، فوجّه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فلما رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء، وظنوا أنّ لهم مدداً، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر (2).

وولي النعمان قضاء دمشق لمعاوية بعد فَضالة بن عُبيد (سنة 53 هـ)، وولي اليمن، ثمّ ولي الكوفة في سنة تسع وخمسين، وفي آخر سنة ستين عزله يزيد بن معاوية، وذلك أنّ بعض أهل الكوفة من أعوان بني أُمية، كتب إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل مبعوثاً من الاِمام الحسين - عليه السّلام- ، واجتماع الناس إليه، وطلبوا من يزيد أن يبعث رجلاً قوياً، فانّ النعمان ضعيف أو هو يتضعّف، فجمع يزيد الكوفة والبصرة لعبيد اللّه بن زياد وكتب إليه بعهده (3)

ثمّ ولاّه يزيد حمص، واستمر فيها إلى أن مات يزيد، وكان هواه مع معاوية


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4|77.
2. الكامل في التاريخ: 3|375.
3. المصدر السابق: 4|22.

(248)

وميله إليه وإلى ابنه يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد، بايع النعمان عبد اللّه بن الزبير ممالئاً للضحاك بن قيس الفهري، ولما بلغه قتل الضحاك وهزيمة الزبيريين أمام جيش مروان بن الحكم في وقعة مَرج راهط، خرج عن حمص هارباً، فسار ليلته متحيّراً لا يدري أين يأخذ، فاتّبعه خالد بن خَلّي الكلابي فيمن خفّ معه من أهل حمص، فلحقه وقتله وبعث برأسه إلى مروان، وذلك في آخر سنة أربع وستين.

وكان النعمان شاعراً، وله ديوان شعر، وهو الذي تُنسب إليه «معرّة النعمان» بلد أبي العلاء المعري. كانت تُعرف بالمعرّة ومرّ بها النعمان فمات له ولد، فدفنه فيها، فنسبت إليه.


(249)

80
أُمّ سَلَمة (1)
(... ـ 61 هـ)

هند بنت أبي أمية القرشية المخزوميّة ، زوج النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وكان أبوها يُعرف بزاد الركب، وكانت قبل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عند أبي سلمة بن عبد الاَسد المخزومي، فولدت له سلمة وعمر ودُرّة وزينب، وتوفّي فخلف عليها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة، وكانت من أعقل النساء وأشرفهن، ذات أدب بارع في مخاطبة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وطلب الحوائج منه.

وكانت فقيهة عارفة بغوامض الاَحكام الشرعية حتى أنّ جابر بن عبد اللّه الاَنصاري كان يستشيرها ويرجع إلى رأيها، فقد ذكر ابن الاَثير في حوادث سنة (40 هـ) أنّه لما أرسل معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف حتى قدم المدينة


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 8|86، المعارف 81، الجرح والتعديل 9|464، المستدرك للحاكم 4|16، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 52 برقم 21، جمهرة أنساب العرب 119، السنن الكبرى للبيهقي 1|332، رجال الطوسي 32، الاستيعاب 4|436، الكامل في التاريخ 4|93، المغني والشرح الكبير 1|329، أسد الغابة 5|588، تهذيب الكمال 35|365، سير أعلام النبلاء 2|201، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 61هـ) 382، العبر 1|48، مرآة الجنان 1|137، البداية والنهاية 8|217، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|407 و 4|440، تهذيب التهذيب 12|455، تقريب التهذيب 2|617، كنز العمال 13|699، شذرات الذهب 1|69، أعيان الشيعة 3|479.

(250)

أرسل إلى بني سلمة: واللّه مالكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه، فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال لها: ماذا ترين أنّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن أُقتل؟ قالت: أرى أن تبايع.

عُدّت من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتاوى ثلاث.

حدّثت عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وفاطمة الزهراء «عليها السّلام» ، وزوجها أبي سلمة.

حدّث عنها: ابناها عمر وزينب، وابن عباس، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وآخرون.

روت جملة أحاديث في فضائل علي - عليه السّلام- ومناقب أهل البيت «عليهم السلام» .

قال أبو عبد اللّه الجدلي: دخلت على أُمّ سلمة فقالت لي: أيسب رسول اللّه ص فيكم؟! قلت: سبحان اللّه أو معاذ اللّه. قالت: سمعت رسول اللّه يقول: من سبّ عليّاً فقد سبّني (1)

وعن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلت على أُمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً، وقالت: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «عليّ مع الحق والحق مع عليّ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (2)

وعن عطاء بن يسار عن أُمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت "إنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ" (3)قالت: فأرسل رسول اللّه إلى عليّ وفاطمة


1. خصـائص أميـر الموَمنين علي بن أبي طالب للنسـائي ص 24. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3|121 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وصححه الذهبي في تلخيصه.
2. تاريـخ بغداد للخطيـب البغدادي: 14|321 ترجمة يوسف بن محمد الموَدب. ورواه الحاكم في مستدركه: 3|124 ولكن بصيغة «علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض».
3. الاَحزاب: 33.

(251)

والحسن والحسين فقال: هوَلاء أهل بيتي.

ولما أراد عليّ - عليه السّلام- المسير إلى البصرة، دخل على أُمّ سلمة زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يودعها فقالت: سر في حفظ اللّه وفي كنفه فواللّه إنّك لعلى الحق والحق معك ولولا أنّي أكره أن أعصي اللّه ورسوله فإنّه أمرنا - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن نقرّ في بيوتنا لسرت معك، ولكن واللّه لاَرسلنّ معك من هو أفضل عندي وأعزّ عليَّ من نفسي: ابني عمر (1)

وكانت أُمّ سلمة آخر من مات من أُمهات الموَمنين، وكانت قد وجمت لمقتل الاِمام الحسين - عليه السّلام- وغُشي عليها، وحزنت عليه حزناً كثيراً. لم تلبث بعده إلاّ يسيراً، وانتقلت إلى رحمة اللّه تعالى، وذلك في سنة إحدى وستين.

رُوي أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أعطى أُمّ سلمة تراباً من تربة الحسين حمله إليه جبرائيل فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لاَُمّ سلمة: إذا صار هذا التراب دماً فقد قتل الحسين، فحفظت أُمّ سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، فلما قُتل الحسين صار التراب دماً، فأعلمت الناس بقتله (2)

وعن شهر بن حوشب قال: أتيت أُمّ سلمة أُعزيها بقتل الحسين بن عليّ، ثم روى عنها حديثاً بشأن قتل الحسين - عليه السّلام- .

الحمد للّه رب العالمين




1. عمر بن أبي سلمة: من الصحابة، ولد بالحبشة في سنة 2 هـ، وربّاه النبي ص ، وشهد مع علي (عليه السّلام) الجمل، وولي له البحرين، ثم استقدمه وشهد معه صفين، وتوفّي بالمدينة في سنة 83 هـ .
2. الكامل في التاريخ: لابن الاَثير: 4|93 حوادث سنة (61 هـ) .

(252)



(253)


القسم الثاني

في

أصحاب الفتيا من التابعين

وهم مئتان



(254)



(255)

الاِمام الرابع (1)

علي زين العابدين - عليه السّلام- (2)


( 38 ـ 94هـ)

ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، رابع أئمة أهل البيت الطاهر، أبو محمد القرشي، الهاشمي، العلوي.

ولد بالمدينة المنورة في الخامس من شعبان، وقيل غير ذلك، سنة ثمان وثلاثين وقيل سبع وثلاثين، وكان له من العمر حين قام بأعباء الاِمامة بعد استشهاد أبيه الحسين - عليه السّلام- ، اثنان وعشرون عاماً أو ثلاثة وعشرون.

ومن ألقابه: زين العابدين، والسّجاد، وذو الثفنات، وأشهرها زين العابدين،


1.تقدمت ترجمة الاَئمّة الثلاث السابقين (عليهم السلام) في قسم الصحابة من هذا الجزء.

: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|211، المحبّـر 450، التاريخ الكبير 6|266، المعارف 125، المعرفة والتاريخ 1|360، تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) لابن أبي الثلج 77 و 103 و 137، مروج الذهب 3|369 برقم 2120، مشاهير علماء الاَمصار 104 برقم 423، الكافي للكليني 2|491 ـ 494، الاَغاني 15|325، الارشـاد للمفيد 253 ـ 261، حلية الاَولياء 3|133، الرجال للطوسي 81، طبقات الفقهاء للشيرازي 63، اعلام الـورى بأعلام الهدى 256 ـ 264، تهذيب الكمال 20|383، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4|129، المنتظم لابن الجوزي 6|326، الكامل في التاريخ 4|82، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 291، تهذيب الاَسماء واللغات 1|343، وفيات الاَعيان 3|266، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة 2|285، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 17|230، تاريخ الاِسلام (سنة 81 ـ 100) 352، سير أعلام النبلاء 4|386، تذكرة الحفاظ 1|74، فوات الوفيات 4|332، مرآة الجنان 1|189، البداية والنهاية 1|534، فتح الباري 14|412، تهذيب التهذيب 7|304، النجوم الزاهرة 1|229، الفصول المهمة 201، طبقات الحفاظ 37 برقم 69، بحار الاَنوار الجزء 46، شذرات الذهب 1|104، نور الاَبصار للشبلنجي ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 499، سيرة الاَئمة الاثني عشر 2|117، حياة الاِمام زين العابدين لباقر شريف القرشي ج 1 و 2، قاموس الرجال 11|29.


(256)

وبه كان يُعرف.

قال أبو الزبير: كنّا عند جابر، فدخل عليه علي بن الحسين، فقال: كنت عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدخل عليه الحسين بن عليّ، فضمه إليه، وقبّله، وأقعده إلى جنبه، ثم قال: يولد لابني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من بُطنان العرش: ليقم سيد العابدين، فيقوم هو.

وجاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي إن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سمّاه بهذا الاسم. وجاء في تسميته بذي الثفنات عن الباقر - عليه السّلام- قال: «كان لاَبي في موضع سجوده آثار ثابتة يقطعها في كل سنة من طول سجوده، وكثرته».

لقد نشأ زين العابدين في بيت النبوة، الذي توالت عليه المصائب، والنكبات، وكان - عليه السّلام- على صلة وثيقة بالاَحداث التي أعقبت تربع يزيد بن معاوية على كرسي الحكم، والذي اعتبر تحدّياً للاِسلام وإهانة للمسلمين، ممّا دعا الاِمام الحسين إلى الثورة لمواجهة الخطر، فقاد - عليه السّلام- موكب الثائرين ضد الفساد والطغيان، وكان زين العابدين في ذلك الموكب الحسيني الثائر، ورأى بأُم عينيه ـ حيث أقعده المرض في تلك الاَيام عن القتال ـ مصارع أبيه وإخوته، وأعمامه، وأنصارهم على صعيد كربلاء، وشهد تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقّهم.

إنّ الاِمام الحسين - عليه السّلام- سجّل موقفاً بطولياً، بإراقة دمه، ودماء أهل بيته، وأصحابه، من أجل إحياء مفاهيم الرسالة، وإيقاظ إرادة الاَُمّة، فجاءت الثورة دامية، باعتبارها الاسلوب الاَنجع في تحريك الاِرادة المهزومة، وإيقاظ الضمائر الميتة.

ويأتي دور زين العابدين لاِكمال عملية التغيير الثورية، فاتخذ المواقف التي تملاَ النفوس غضباً مقدّساً على الحكم الظالم، ولم يترك مناسبة دون أن يذكّر بالمصائب التي حلّت بأهل البيت، حملة الاِسلام المخلصين، ممّا أدّى إلى تحفيز وإلهاب الشعور بالاِثم الذي أحسّه المسلمون عقب مقتل الحسين - عليه السّلام- ،


(257)

لتقاعسهم عن نصرته، وموقفهم المتخاذل منه.

وبدافع هذا الشعور، انطلقت الثورات، فكانت ثورة المدينة، وثورة التوابين بالكوفة، وتوالت الثورات حتى زعزعت أركان الحكم الاَموي، وأسقطته في نهاية المطاف.

ولجأ زين العابدين - عليه السّلام- إلى اسلوب آخر لاِصلاح المجتمع، وهو أسلوب الدعاء، فترك لنا ثروة زاخرة من الاَدعية المعروفة بـ «الصحيفة السجادية»، التي عالجت مختلف أدواء النفس البشرية، وتضمنت حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية، وزخرت بالعديد من الاَساليب التربوية، كل ذلك في أسلوب رائع يشدّ الاِنسان إلى خالقه، ويعمّق ارتباطه الروحي به.

وقد أرسل أحد الاَعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلامة الشيخ الطنطاوي (المتوفى عام 1358هـ) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «ومن الشقاوة إنّا إلى الآن لم نقف على هذا الاَثر القيّم الخالد في مواريث النبوة، وأهل البيت، وإنّي كلّما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق).

قال محمود البغدادي:

وصحيفة كانت طليعة ثورةٍ * كبرى، ودربَ سياسةٍ وحلولِ

وصحيفة كانت لآل محمّدٍ * إنجيلهم .. للّه من إنجيلِ

وصحيفة ملءَ الهدايةِ صاغها * ظلُّ النبوّة لانتشالِ الجيلِ

كالشمس في إعطائها والسيف في * ضرباته لملفّق ودخيلِ

كالروض إلاّ أنّها قد أورقت * حرّاً وقرّاً دونما تعطيلِ (1)

وللاِمام - عليه السّلام- أيضاً «رسالة الحقوق» ، التي تشتمل على خمسين مادة، بيّن فيها حقّ اللّه تعالى، وحق الوالد، وحق الولد، وحق المعلم، وحق اللسان،


1.محمود البغدادي، النظرية السياسية لدى الاِمام زين العابدين - عليه السّلام- : 379.

(258)

وحق السمع، وغيرها من الحقوق.

كما أنّه أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين والموالي ممن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.

حدث عنه: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أم الطويل، وعمرو بن دينار، والزهري ، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الاَنصاري، وطائفة.

روي عن الزهري، قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه. وذُكر أنّ رجلاً قال لابن المسيّب: ما رأيت أورع من فلان، قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه.

وكان - عليه السّلام- إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له، فقال: «تدرون بين يدي من أقوم، ومن أُناجي».

عن أبي حازم الاَعرج، قال: ما رأيت هاشمياً أفضل منه. وعن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره، فيتصدق به، ويقول:« إنّ صدقة السر تطفىَ غضب الرب عزّ وجلّ». وعن عمرو بن دينار، قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أُسامة بن زيد في مرضه، فجعل محمد يبكي، فقال: «ما شأنك». قال: عليّ دين. قال: «وكم هو»؟ قال: خمسة عشر ألف دينار. قال: «فهو عليَّ». وعن يزيد بن عياض، قال: أصاب الزهري دماً خطأ، فخرج، وترك أهله، وضرب فسطاطاً، وقال: لا يظلّني سقف بيت، فمرّ به علي بن الحسين - عليه السّلام- ، فقال: «يا ابن شهاب، قنوطك أشد من ذنبك، فاتق اللّه، واستغفره، وابعث إلى أهله بالدية، وارجع إلى أهلك» فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منّة.

قال الذهبي في وصف زين العابدين - عليه السّلام- : كان له جلالة عجيبة، وحقّ له واللّه ذلك، فقد كان أهلاً للاِمامة العظمى لشرفه، وسوَدده، وعلمه، وتألهّه،


(259)

وكمال عقله.

وقال الحافظ أبو نعيم: فمن هذه الطبقة [أي طبقة تابعي المدينة] علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ، زين العابدين، ومنار المتقين، وكان عابداً وفياً، وجواداً حفياً.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة: فعلي زين العابدين كان إمام المدينة نبلاً وعلماً، وقال: كان ملء الاَبصار والقلوب في بلاد الحجاز كلّها، والذي كانت الجموع تنزاح بين يديه، من غير سلطان، ولاحكم إلاّ الشرف والفضيلة وكريم الخصال (1).

قال علماء السير: حج هشام بن عبد الملك، ولم يل الخلافة بعد، فطاف بالبيت، فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه، فلم يقدر عليه، فنصب له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل علي بن الحسين، فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر، تنحّى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟! فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً، فقال الفرزدق: ولكنني أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟ فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد اللّه كلهمُ * هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلمُ

إذا رأته قريشٌ قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

يُنمى إلى ذروة العزّ التي قصرت * عن نيلها عرَبُ الاِسلام والعجمُ

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ماجاء يستلمُ

يغضي حياءً ويُغضى من مهابته * فما يكلّمُ إلاّ حين يبتسمُ


(1)تاريخ المذاهب الاِسلامية : 639 و 642.

(260)

هذا ابن فاطمة إنْ كنتَ جاهلَهُ * بجدِّه أنبياء اللّه قد ختموا

من معشر حبّهم دين وبغضُهُمُ * كفر وقربُهُم منجىً ومعتصمُ

إنْ عدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الاَرض قيل همُ

إلى آخر القصيدة التي تبلغ نحواً من ثلاثين بيتاً كما في رواية ابن الجوزي، والسبكي في طبقات الشافعية.

وممّا جاء في أدعية الصحيفة السجادية، دعاوَه لاَهل الثغور، نقتطف منه ما يلي:

«اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وحصِّن ثغور المسلمين بعزَّتك، وأيِّد حُماتها بقوتك، وأسْبغ عطاياهم من جِدَتك، اللّهم صلّ على محمّد وآله، وكثّر عدّتهم، واشحذ أسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم، وألّف جمعهم، ودبّر أمرهم، وواتِر بينِ ميَـرِهم، وتوحّد بكفاية موَنِهِم، واعضدهم بالنصر، وأعنْهم بالصبر، والطف لهم في المكر ... ، وأنْسِهم عند لقائهم العدو ذكرَ دنياهم الخدّاعة الغرور، وامحُ عن قلوبهم خطرات المال الفتون، واجعل الجنة نصبَ أعينهم، ولوّح منها لاَبصارهم ما أعددت فيها من مساكن الخلد، ومنازل الكرامة...

وقال - عليه السّلام- في حق الولد: «فإن تعلم أنّه منك، ومضاف إليك، في عاجل الدنيا، بخيره وشرّه، وأنّك مسوَول عمّا وليته من حسن الاَدب، والدلالة على ربّه عزّ وجلّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الاِحسان إليه، معاقب على الاِساءة إليه».

وفي حق الناصح قال - عليه السّلام- :« أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى بالصواب حمدت اللّه عزّ وجلّ، وإن لم يوفّق رحمته، ولم تتهمه».

توفي زين العابدين - عليه السّلام- في الخامس والعشرين من شهر محرم، وقيل غير ذلك سنة أربع وتسعين ،وقيل: خمس وتسعين، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة إلى جوار عمه الاِمام الحسن بن علي - عليهما السّلام- .



(261)

الاِمام الخامس

محمّد الباقر - عليه السّلام- (1)


( 57 ـ 114هـ)

ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي، الهاشمي، خامس أئمة أهل البيت الطاهر، أبو جعفر المعروف بالباقر.

ولد بالمدينة المنورة في مطلع رجب، وقيل في الثالث من صفر سنة سبع وخمسين، وقيل: ست وخمسين.

قال محيي الدين بن شرف النووي: سمّي بالباقر، لاَنّه بقر العلم، أي شقّه،


* : الطبقات الكبرى لابن سعد 5|320، التاريخ الكبير 1|183 برقم 564، المعارف 125، المعرفة والتاريخ 1|360، تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) لابن أبي الثلج131، مروج الذهب 4|41 و 57 و 67، الكافي للكليني 2|495 ـ 500، مشاهير علماء الاَمصار 103 برقم 420، الثقات لابن حبان 5|348، الفهرست لابن النديم 56، الارشاد للمفيد 265، حلية الاَولياء 3|180، الرجال للطوسي 102، طبقات الفقهاء للشيرازي 64، اعلام الورى بأعلام الهدى 264، تهذيب الكمال 26|136، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4|178، الكامل في التاريخ 5|62، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 302، تهذيب الاَسماء واللغات 1|87 برقم 18، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة 2|328، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 23|77، تاريخ الاِسلام (سنة 101 ـ 120) 462، سير أعلام النبلاء 4|401، تذكرة الحفاظ 1|124، الوافي بالوفيات 4|102 برقم 1583، مرآة الجنان 1|247، البداية والنهاية 9|321، تهذيب التهذيب 9|250، النجوم الزاهرة 1|273، الفصول المهمة 210، طبقات الحفاظ 56 برقم107، طبقات المفسّـرين للداودي 2|200، شذرات الذهب 1|149، جامع الرواة 1|9، بحار الاَنوار 46|212، أعيان الشيعة 1|650، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1|315، الصواعق المحرقة 201، سيرة الاَئمة الاثني عشر 2|195، حياة الاِمام محمد الباقر - عليه السّلام- لباقر شريف القرشي ج 1 و 2.

(262)

فعرف أصله وخفاياه.

وجاء عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري. أنّه قال: لقد أخبرني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأنّي سأبقى حتى أرى رجلاً من ولده، أشبه الناس به، وأمرني أن أُقرئه السلام، واسمه محمد يبقى العلم بقرا.

وذكر أن جابر كان يصيح في مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ياباقر علم آل بيت محمّد.

وقال فيه القرظي:

يا باقر العلم لاَهل التقى * وخيرَ من لبّى على الاَجبل

ومدحه مالك بن أعين الجهني (ت 148هـ) بالاَبيات التالية:

إذا طلب الناس علم القرآ * ن كانت قريش عليه عيالا

وإن قيل: اين ابن بنت الرسو *ل نلتَ بذاك فروعاً طوالاً

نجومٌ تهلّلُ للمدلجين * جبال تورّث علماً جبالا

وقد عاش الباقر - عليه السّلام- في مطلع صباه، المحنة الكبرى التي مرّت على أهل البيت في كربلاء، وقتل فيها جده الاِمام الحسين - عليه السّلام- ، وإخوته وأنصاره، وشاهد بعدها المصائب التي حلّت بأهل البيت، ومحبيهم من الحكام الطغاة الذين اتّبعوا الشهوات، واستباحوا الحرمات، وعلَوْا في الاَرض، وأفسدوا فيها، فاتجه الاِمام في ذلك الجو المشحون بالظلم إلى الدفاع عن مبادىَ الاِسلام، ونشر تعاليمه، فالتفّ حول الاِمام الآلاف من العلماء، وطلاب العلم لدراسة الفقه، والحديث، والتفسير، والفلسفة، والكلام، وغير ذلك من العلوم حتى أُطلق على تلك الحلقات التي كانت تجتمع في مسجد المدينة اسم الجامعة، التي نمت وتكاملت في عهد ولده الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام- وقيل: شاء اللّه لمذهب


(263)

أهل البيت وفقههم، فقه علي بن أبي طالب - عليه السّلام- الذي أخذه عن الرسول بلا واسطة، أن ينسبا إلى حفيده جعفر بن محمد الصادق، الذي اشترك مع أبيه في تأسيسها، واستقل بها بعد وفاته، لا لاَنّ له رأياً في أُصول المذهب أو فقهه، يختلف فيهما عن آبائه وأحفاده، وهو القائل: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث رسول اللّه» وحديث رسول اللّه هو قول اللّه، لالذلك، بل لاَنّه وأباه تهيأ لهما مالم يتهيأ لغيرهما، واستطاعا في تلك الفترة القصيرة المشحونة بالاَحداث التي كانت كلّها لصالحهما، أن يملآ شرق الاَرض وغربها، بآثار أهل البيت وفقههم، ويحقّقا ما لم يتيسر تحقّقه لمن سبقهما، ومن جاء بعدهما، لذلك نُسبا إلى الاِمام الصادق، كما يبدو ذلك لكل من تتبع آراء أهل البيت في فقههم ومعتقداتهم.

وقد أُخذ معظم فقه أهل البيت (عليهم السلام) من الاِمامين الباقر وولده الصادق (عليهما السلام) ، وجهد الاِمام الباقر - عليه السّلام- على تربية جماعة، فغذّاهم بفقهه، وعلومه، فكانوا من مراجع الفتيا في العالم الاِسلامي ومن مفاخر هذه الاَُمة، وذكر أنّ الشيعة هي أوّل من سبق إلى تدوين الفقه.

يقول مصطفى عبد الرزاق في كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة ص302»: ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الفقه، كان أسرع إلى الشيعة، لاَنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو مايشبه العصمة، كان حرياً إلى تدوين أقضيتهم، وفتاواهم.

وكان الاِمام الباقر - عليه السّلام- مقصد العلماء من كل بلاد العالم الاِسلامي. قال الشيخ محمد أبو زهرة: ومازار أحد المدينة إلاّ عرّج على بيت محمد الباقر يأخذ عنه، وكان ممّن يزوره من يتشيّعون لآل البيت في السر، ومن نبتت في نفوسهم نابتة الانحراف، إذا فرخت في خلايا الكتمان الذي ادرعوا به، آراء خارجة عن الدين، فكان يصدّهم، ويردّهم منبوذين، مذمومين. وكان يقصده أئمة الفقه


(264)

الاِسلامي، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة (1) وأبي حنيفة شيخ فقهاء العراق. وكان يرشد من يجيء إليه (2)

وقد أحصى الشيخ الطوسي في رجاله ستاً وستين وأربعمائة ممّن روى عن الباقر - عليه السّلام- .

حدّث عنه: أبان بن تغلب الكوفي، وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي، والحكم بن عُتيبة، وربيعة الرأي، والاَعمش، وزرارة بن أعين، وعبد اللّه بن عطاء، وعبد الرحمن الاَعرج، والاَوزاعي، ومحمد بن علي بن النعمان الملقب بموَمن الطاق، وخلق كثير.

ومن أجوبة الاِمام - عليه السّلام- ومناظراته، ما روي من أنّ نافع بن الاَزرق (3) جاءه يوماً يسأله عن مسائل في الحلال والحرام، فقال له الاِمام أبو جعفر الباقر وهو يحدّثه: «قل لهذه المارقة بم استحللتم فراق أمير الموَمنين، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته، والتقرّب إلى اللّه بنصرته؟ وإذا قالوا لك لاَنّه حكّم الرجال في دين اللّه، فقل لهم: قد حكّم اللّه تعالى في الشريعة رجلين من خلقه، فقال: "فَابعَثُوا حَكَماً مِنْ أهلِهِ وحَكَمًا مِن أهلِها إن يُرِيدا إصلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُما"(النساء|35)، وحكّم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم فيهم بما أمضاه اللّه، أوما علمتم أن أمير الموَمنين، إنّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه، واشترط ردّ ما خالف القرآن من أحكام الرجال، وقال حين قالوا له حكّمت على نفسك من حكم عليك، قال: ما حكّمت مخلوقاً، وإنّما حكّمت كتاب اللّه، فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم


(1)ولد ابن عيينة عام (107 هـ) فلا يتم ما ذكره أبو زهرة.
(2)تاريخ المذاهب الاِسلامية: 639.
(3)قال آية اللّه الشيخ السبحاني: ولعل المناظر هو عبد اللّه بن نافع الاَزرق، لاَنّ نافعاً قُتل عام (65هـ) وللاِمام عندئذ من العمر دون العشرة، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الاِمام مع عبد اللّه ابن نافع، فلاحظ. بحوث في الملل والنحل: 4|201.

(265)

بالقرآن، واشترط ردّ ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان؟» فقال نافع [عبد اللّه بن نافع]: هذا واللّه كلام ما مرّ بمسمعي قط، ولاخطر مني على بال وهو الحق إن شاء اللّه.

وروي أنّ اعرابياً أتى أبا جعفر - عليه السّلام- فقال: أرأيت ربك حين عبدته؟ فقال: «لم أكن لاَعبد شيئاً لم أره» فقال: كيف رأيته؟ فقال: «لم تره الاَبصار بالمشاهدة والعيان، بل رأته القلوب بحقائق الاِيمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز في القضية، هو اللّه الذي لا إله إلاّ هو». فقال الاَعرابي: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.

وأمّا ما قيل في حقّ الاِمام - عليه السّلام- من كلمات فهي كثيرة ننقل منها ما يلي:

عن عبد اللّه بن عطاء، قال: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر الباقر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه متعلّم. ويعني الحكم بن عتيبة.

وعن سلمة بن كهيل: في قوله "لآياتٍ للمُتَوَسِّمِين" (الحجر|75)، قال: كان أبو جعفر منهم.

وقال ابن سعد: كان عالماً عابداً ثقة، وروى عنه الاَئمة أبو حنيفة وغيره.

وقال ابن كثير: كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عند الجدال والخصومات.

وقال الذهبي: وكان أحد من جمع العلم والفقه والشرف والديانة والثقة والسوَدد، وكان يصلح للخلافة.

وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه،متفوق درّه وراضعه، ومنمق دُرّه وواضعه، صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة اللّه أوقاته، ورسخت في مقام


(266)

التقوى قدمه، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به.

وممّا أثر عن الاِمام - عليه السّلام- من الحكم والمواعظ، قال: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد».

وقال: «إنّ اللّه خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرنّ من الطاعة شيئاً، فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرنّ من المعصية شيئاً، فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرنّ أحداً فلعلّه ذلك الولي».

وقال - عليه السّلام- في وصف شيعته: إنّما شيعة علي - عليه السّلام- المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودتنا، المتزاورون لاِحياء الدين، إذا غضبوا لم يظلموا، وإذا رضوا لم يُسرفوا، بركة على من جاوروا، وسلم لمن خالطوا».

وقال: «إنّ أسرع الخير ثواباً البرّ، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يوَذي جليسه بما لا يعنيه».

قال ابن كثير الدمشقي: هذه كلمات جوامع موانع، لا ينبغي لعاقل أن يغفلها.

توفي - عليه السّلام- بالمدينة في سابع ذي الحجة، وقيل في ربيع الاَوّل أو الآخر سنة أربع عشرة ومائة، وقيل غير ذلك. ودفن بالبقيع مع أبيه زين العابدين وعم أبيه الحسن بن علي (عليهم السلام) .


(267)

81
أبان بن عثمان (1)
( ... ـ 105هـ)

ابن عفان، أبو سعد، الاَمويّ المدنيّ.

سمع: أباه، وزيد بن ثابت.

وحدّث عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وأبو الزناد، وطائفة، وله أحاديث قليلة.

عدّه يحيى القطان من فقهاء المدينة العشرة، وقال مالك أنّ عبد اللّه بن أبي بكر حدّثه ان والده أبا بكر بن حزم كان يتعلم من أبان القضاء.

ولي امارة المدينة سبع سنين، وحجّ بالناس أثناء ولايته مرتين، ثم عزله عبد الملك عن المدينة وولاّها هشام بن إسماعيل، وأُصيب بالفالج قبل وفاته بسنة، وكان به صمم ووضح كثير. توفي سنة مائة و خمس .

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» فتوى واحدة.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|151، تاريخ خليفة 263، المحبّـر 25، 235، التاريخ الكبير 1|450، المعارف 115و 320، الجرح والتعديل2|29، مشاهير علماء الاَمصار ص 111 برقم 454، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 135 برقم 176، الخلاف للطوسي 3|366 طبع اسماعيليان، طبقات الفقهاء للشيرازي 47، الكامل في التاريخ 5|126، تهذيب الاَسماء واللغات 1|97، تهذيب الكمال 2|16، سير أعلام النبلاء 4|351، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة 105 ص 22، دول الاِسلام 1|51، الوافي بالوفيات 5|301، البداية والنهاية 9|243، النجوم الزاهرة 1|253، تهذيب التهذيب 1|97، تقريب التهذيب 1|31، شذرات الذهب 1|130.

(268)

82

أبان بن أبي عياش (1)

( ... ـ 138 هـ)

واسم أبي عياش: فيروز، وقيل: دينار، أبو اسماعيل العبدي بالولاء، البصري.

روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وخُليد العَصَـري، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، ومسلم بن يسار، ومسلم البطين، ومُوَرِّق العجلي، وغيرهم.

وهو الذي روى كتاب سُليم بن قيس الهلالي (2)

روى عنه: الحسن بن صالح بن حيّ، وحمّاد بن سَلَمة، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وفُضيل بن عياض، ومَعْمَر بن راشد، ويزيد بن هارون، وآخرون.

وقد عُدّ من أصحاب الاَئمة: السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) ، ووقع في اسناد بعض الروايات عن أئمة أهل البيت، حيث روى فيها عن سليم بن قيس الهلالي، وروى عنه إبراهيم بن عمر اليماني، وعمر بن أُذينة.


*: المعارف لابن قتيبة 239، الكامل في ضعف الرجال لابن عدي 1|381، تهذيب الكمال 2|19 برقم 142، ميزان الاعتدال 1|10، تهذيب التهذيب 1|97، تقريب التهذيب 1|31، نقد الرجال 4، مجمع الرجال 1|15، جامع الرواة 1|9، بهجة الآمال 1|484، تنقيح المقال 1|3 برقم 14، معجم رجال الحديث 1|141 برقم 22، قاموس الرجال 1|71.
(1)رُوي أنّ سليم بن قيس كان من أصحاب أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، وطلبه الحجاج ليقتله، فهرب وأوى إلى أبان بن أبي عياش، فلما حضرته الوفاة قال لاَبان: إنّ لك عليّ حقاً، وقد حضرني الموت يابن أخي انّه كان من الاَمر بعد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كيت وكيت، وأعطاه كتاباً. معجم رجال الحديث: 8|220.

(269)

قال مالك بن دينار: أبان بن أبي عياش طاووس القرّاء.

وقال ابن حبّان: كان من العباد الذي يسهر الليل بالقيام، ويطوي النهار بالصيام.

وقد ضعّف أبان جماعة.

رُوي عن أبان، عن أنس قال: كان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يصلّـي يوم الفطر ولا يوم النحر قبلها ولا بعدها (1)

وروي عنه بإسناده إلى أم عبد اللّه بن مسعود قالت: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قنت في الوتر قبل الركوع.

توفي سنة ثمان وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك.

83
إبراهيم بن سعد (2)
( ... ـ ...)

ابن أبي وقاص بن أُهيب القرشيّ الزهريّ، المدنيّ.


(1)قال الشيخ الطوسي يكره التنفل يوم العيد قبل صلاة العيد وبعدها إلى بعد الزوال للاِمام والمأموم وهو المروي عن علي - عليه السّلام- ، وقال الشافعي: يكره قبل ذلك للاِمام، وأمّا المأموم فلا يكره له ذلك إذا لم يقصد التنفّل لصلاة العيد، وبه قال سهل بن سعد الساعدي، ورافع بن خديج، وقال الاَوزاعي والثوري وأبو حنيفة يكره قبلها ولا يكره بعدها، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: خرج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم فطر صلّـى ركعتين ولم يتنفل قبلها ولا بعدها. انظر الخلاف: 1|665، مسألة 438.ورواية ابن عباس: أخرجها مسلم في الصحيح: 3|21، كتاب صلاة العيدين، والبخاري في الصحيح: 2|23، ط دار الجيل بيروت.
*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|169، التاريخ الكبير 1|288 برقم 927 (ق1ج1)، الجرح والتعديل 2|101 برقم 282 (ج1 ق1)، الثقات لابن حبّان 4|4، المعجم الكبير للطبراني 4|90، تهذيب الكمال 2|94 برقم 175، تاريخ الاِسلام (حوادث 61 ـ 80) 194 ذيل ترجمة عمر بن سعد، سير أعلام النبلاء 4|350 برقم 126، تهذيب التهذيب 1|123 برقم 217، تقريب التهذيب 1|35 برقم 203.

(270)

روى عن: علي - عليه السّلام- ، وأبيه، وأُسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت.

روى عنه: ابن اخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحبيب بن أبي ثابت، وغيرهم.

وكان كثير الحديث.

عُدّ من الطبقة الثانية من فقهاء أهل المدينة بعد الصحابة.

أخرج عبد الرزاق بن همّام في «المصنّف» (1)أنّ ابن عباس سأله إبراهيم بن سعد ـ وكان إبراهيم عاملاً بعدن ـ فقال لابن عباس: ما في أموال أهل الذمّة؟ قال: العفو، قال: قلت: إنّهم يأمروننا بكذا وكذا، قال: فلا تعمل لهم، قال: فما في العنبر؟ قال: إن كان فيه شيء فالخمس.

84
إبراهيم بن عبد الرحمن (2)
( ... ـ 96، 97 هـ)

ابن عوف، الفقيه، أبو إسحاق الزهريّ العوفيّ، وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أُخت عثمان بن عفان لاَُمّهِ.


(1)الجزء 6، باب صدقة أهل الكتاب، برقم 10122.
*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|55، المحبر 439، التاريخ الكبير 1|295، المعارف 138، المعرفة والتاريخ 1|367، الجرح والتعديل 2|111، مشاهير علماء الاَمصار 110 برقم 450، الثقات لابن حبّان 4|4، أسد الغابة 1|42، تهذيب الكمال 2|134، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 96) ص 278، العبر 1|84، سير أعلام النبلاء 4|292، الوافي بالوفيات 6|41، مرآة الجنان 1|198، تهذيب التهذيب 1|139، تقريب التهذيب 1|38، الاصابة 1|106، شذرات الذهب 1|111.

(271)

حدّث عن: أبيه، وعمر ، وعثمان، وعلي - عليه السّلام- ، وسعد، وعمار بن ياسر، وجبير بن مطعم، وطائفة.

روى عنه: ابناه: سعد قاضي المدينة، وصالح، وعطاء بن أبي رباح، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.

قيل :إنّه شهد حصار الدار مع عثمان.

وقيل: إنّه ولد في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولذلك ذكره بعضهم في الصحابة منهم أبو نعيم، وأبو إسحاق الاَمين، وذكره ابن حبّان، والعجلي في التابعين .

توفي سنة ست وتسعين، وقيل: سبع وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: عن سنٍّ عالية.

85
إبراهيم بن ميسرة (1)
( ... ـ حدود 132 هـ)

الطائفي، الفقيه، نزيل مكّة.

حدّث عن: أنس بن مالك وكان صاحبه، وعمرو بن دينار، وطاووس،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|484، التاريخ الكبير 1|328، الجرح والتعديل 2|133، مشاهير علماء الاَمصار 141 برقم 639، تهذيب الكمال 2|221، سير أعلام النبلاء 6|123، العبر 1|135، تقريب التهذيب 1|44، تهذيب التهذيب 1|172.

(272)

وغيرهم.

وحدّث عنه: شعبة، وابن جُريج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عُيينة.

وكان يحدّث كما سمع، كما عن ابن عيينة، وله نحو من ستين حديثاً.

روى عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن إبراهيم بن ميسرة قال: رأيت طاووساً ... قال: وكان بمنى إذا صلى المغرب ركع ركعتين ثم صلّـى العشاء الآخرة ثم انقلب، قال: ولا أعلم ذلك إلاّ قبل غروب الشفق (1)

توفي قريباً من سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

86
إبراهيم النّخعي (2)
( ... ـ 96، 95هـ)

إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الاَسود النخعي، اليماني، أبو عمران الكوفي،


(1)المصنّف: 1|559 برقم 2123.
*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|27، معرفة الرجال لابن معين 1|12 برقم 588، التاريخ الكبير 1|133، المعارف 324، الجرح والتعديل 2|144، مشاهير علماء الاَمصار 163 برقم 748، الثقات لابن حبان 4|8، حلية الاَولياء 4|219، جمهرة أنساب العرب 415، الخلاف للطوسي102 و 121و 172 (طبع جامعة المدرسين)، رجال الطوسي 35 برقم 9، 83 برقم 16، صفة الصفوة 3|86، وفيات الاَعيان 1|25، تهذيب الاَسماء واللغات 1|104، تهذيب الكمال 2|233، سير أعلام النبلاء 4|520، العبر 1|85، تذكرة الحفاظ 1|73، ميزان الاعتدال 1|74، تاريخ الاِسلام (سنة 95) ص 269، دول الاِسلام 1|44، الوافي بالوفيات 6|169، مرآة الجنان 1|180، البداية والنهاية 9|146، غاية النهاية 29، تهذيب التهذيب 1|177، تقريب التهذيب 1|46، طبقات الحفاظ 36 برقم 68، مجمع الرجال للقهبائي 1|81، شذرات الذهب 1|111، جامع الرواة 1|39، تنقيح المقال 1|43، أعيان الشيعة 2|248، معجم رجال الحديث 1|356.

(273)

أحد الاَعلام، وهو ابن مليكة أُخت الاَسود بن يزيد.

روى عن: خاله، ومسروق، وعلقمة بن قيس، والربيع بن خُثَيم، وسُوَيْد بن غفلة، وخلقٍ سواهم، ودخل على عائشة وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع فيما قيل.

روى عنه: الحكم بن عُتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وأبان بن تغلب، وزُبيد اليامي، وآخرون.

وكان مفتي أهل الكوفة في زمانه، فقيهاً، قليل التكلّف، وكان مختفياً من الحجاج، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً فيما قيل.

روى أبو نعيم بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد قال: كان الشعبي وأبو الضحى وإبراهيم وأصحابنا يجتمعون في المسجد فيتذاكرون الحديث، فإذا جاءتهم فتيا ليس عندهم منها شيء رموا بأبصارهم إلى إبراهيم النخعي.

وروى أيضاً بسنده عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يُسأل، فقال: تستفتوني وفيكم إبراهيم النخعي؟!

وعن الاَعمش قال: ما رأيت إبراهيم يقول برأيه في شيء قطّ.

عُدّ من أصحاب أمير الموَمنين (1) ومن أصحاب الاِمام علي بن الحسين (السجاد).

وعدّه ابن قتيبة في المعارف من الشيعة.

وكان يفتي بالمسح على القدمين دون الغسل، وهو مذهب الاِمامية.

وكان يلعن الحجاج، ويقول: كفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج.


(1)إنّ عدّ الشيخ الطوسي إيّاه من أصحاب أمير الموَمنين من سهو القلم كما يظهر، لاَنّ وفاة إبراهيم سنة 96 وعاش 46 أو 58 سنة على أبعد الاَقوال، فتكون ولادته في أواخر حياة الاِمام أو بعد استشهاده - عليه السّلام- .

(274)

وعن منصور ، قال: ذكرت لاِبراهيم لعن الحجاج أو بعض الجبابرة. فقال: أليس اللّه يقول: "ألا لَعنَةُ اللّهِ على الظالمِين" (1).

وكان ينابذ المرجئة.

لزم بيته يوم الزاوية ويوم الجماجم. وهما وقعتان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد بن الاَشعث. فقيل له: إن علقمة شهد صفين مع عليّ. فقال: بخٍ بخٍ، مَن لنا مثل علي ابن أبي طالب ورجاله.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف ثمانين فتوى.

توفّي بالكوفة سنة ست وتسعين أو خمس وتسعين. وعاش ستاً أو تسعاً وأربعين سنة، وقيل: ثمانياً وخمسين (2)

87
إبراهيم بن يزيد (3)
( ... 92، 94 هـ)

ابن شريك التّيميّ: تيم الرباب، أبو أسماء الكوفيّ.


(1)هود: 18.
(2)قد ذكرنا النخعي في عداد التابعين، مع أنّ الميزان لهم هو سماعهم عن الصحابة ـ مضافاً إلى روَيتهم ـ وليس للرجل أي سماع منهم، ولمّا كان من فقهاء القرن الاَوّل، وكان فقهاء هذا القرن كلّهم من التابعين ألحقناه بهم وإلاّ كان اللازم فتح فصل خاص، لاَنّه الفقيه المنحصر في القرن الاَوّل، وليس بتابعي.
*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|285، 286، التاريخ الكبير 1|334 برقم 1053، المعرفة والتاريخ 2|548، 549، 563، 573، 576، 709 و 3|76، 146، 234، الجرح والتعديل 2|145 برقم 474، الثقات لابن حبّان 4|7، مشاهير علماء الاَمصار ص 163 برقم 749، حلية الاَولياء 4|210 برقم 272، المنتظم في تاريخ الملوك و الا َُمم 6|305 برقم 523، صفة الصفوة 3|90 برقم 413، اللباب 1|233، تهذيب الكمال 2|232 برقم 264، تاريخ الاِسلام (81 ـ 100) ص 283 برقم 207، العبر 1|79، سير أعلام النبلاء 5|60 برقم 19، تذكرة الحفّاظ 1|73، ميزان الاعتدال 1|74 برقم 251، الوافي بالوفيات 6|168 برقم 2621، مرآة الجنان 1|180، غاية النهاية في طبقات القرّاء 1|29 برقم 124، النجوم الزاهرة 1|225، تقريب التهذيب 1|45 برقم 300، تهذيب التهذيب 1|176 برقم 324،طبقات الحفّاظ للسيوطي 36 برقم 67، شذرات الذهب 1|100.

(275)

حدّث عن: أبيه، والحارث بن سويد، وأنس وعمرو بن ميمون الاَودي، وجماعة.

حدّث عنه: الاَعمش، وبيان بن بشر ، والحكم بن عتيبة، ومسلم البطين وجماعة.

وكان شاباً عالماً فقيهاً عابداً، حبسه الحجّاج في الديماس حيث لا ظلّ من الشمس، ولا كنّ من البرد، فمات في الحبس. ويروى انّ الحجاج طلب إبراهيم النخعي، فجاء الذي طلبه فقال: أُريد إبراهيم، فقال التيمي: أنا إبراهيم، فأخذه وهو يعلم أنّه يريد إبراهيم النخعي، فلم يستحل أن يدلّه عليه، ويقال: قتله الحجاج سنة اثنتين وتسعين. وقيل أربع وتسعين. ولم يبلغ الاَربعين.

رُوي عنه أنّه قال: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الاَُولى، فاغسل يدك منه.

وقال: ما عرضتُ عملي على قولي إلاّ خشيت أن أكون مكذّباً.

وكان يدعو يقول: اللّهمّ اعصمني بكتابك وسنّة نبيك من اختلاف في الحق، ومن اتّباع الهوى بغير هدىً منك، ومن سبل الضلالة، ومن شبهات الاَُمور ، ومن الزيغ واللبس والخصومات.


(276)

88
أبو بكر بن عبد الرحمان (1)
( ... ـ 94، 93هـ)

ابن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، واسمه كنيته، كان يسمى راهب قريش لكثرة صلاته فيما قيل، وكان قد ذهب بصره.

ولد في خلافة عمر بن الخطاب.

وخرج في جيش عائشة يوم الجمل، فاستُصغر ورُدّ هو وعروة بن الزبير.

روى عن: أبي مسعود الاَنصاري، وعائشة، وأُم سلمة، وأبي هريرة، ونوفل ابن معاوية، وطائفة.

روى عنه: ابناه: عبد اللّه وعبد الملك، ومجاهد وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والزهري، وعكرمة بن خالد، وآخرون.

وكان أحد فقهاء المدينة السبعة الذين كان أبو الزناد يذكرهم.

قال أبو نعيم الاَصفهاني: أكثر حديثه في الاَقضية والاَحكام.

مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين.



*: الطبقات لابن سعد 5|207، المحبر 297، التاريخ الكبير 9|9، المعارف ص 330، المعرفة والتاريخ 1|233، مشاهير علماء الاَمصار ص 107 برقم 434، الثقات لابن حبّان 5|560، حلية الاَولياء 2|187، الخلاف للطوسي 1|394 و652 طبع جامعة المدرسين. طبقات الفقهاء للشيرازي 59، المنتظم 6|334، تهذيب الكمال 33|112، سير أعلام النبلاء 4|416، تذكرة الحفاظ 1|63، العبر 1|83، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 94) ص 512، تهذيب التهذيب 12|30، تقريب التهذيب 2|398، طبقات الحفّاظ 30 برقم 51، شذرات الذهب 1|104.

(277)

89
أبو بكر بن أبي موسى الاَشعري (1)
( ... ـ 106هـ)

واسم أبي موسى عبد اللّه بن قيس، يقال: إنّ اسم أبي بكر، عمرو ، ويقال: عامر، وقيل: إنّ اسمه كنيته، ومن زعم أنّ اسمه عامر فقد وهم، عامر اسم أبي بردة بن أبي موسى.

روى عن: أبيه، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وابن عبّاس، والاَسود ابن هلال.

روى عنه: أبو حمزة الضبعي، وأبو عمران الجوني، وبدر بن عثمان، وعبد اللّه ابن أبي السفر ، وآخرون.

ولاّه الحجّاج قضاء الكوفة.

وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني قاتل عمار فأجلسه إلى جانبه وقال: مرحباً بأخي !!.

وثّقه ابن حبّان والعجلي، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث يستضعف.


*: التاريخ الكبير 8|12، المعارف 152، الجرح والتعديل 9|340، الثقات لابن حبّان 5|592، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 204 برقم 329، الاَحكام في أُصول الاَحكام 2|94، تهذيب الكمال 33|144، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة101 ـ 120)ص 285، العبر 1|93، سير أعلام النبلاء 5|6 في ترجمة أخيه أبي بردة، البداية والنهاية 9|240، تهذيب التهذيب 12|40، تقريب التهذيب 2|396، شذرات الذهب 1|124.

(278)

أقول: العجب من هذا الذي يوسّع لقاتل عمار ، ويرحب به، ويصطفيه أخاً، وكأنّ في أُذنيه وقراً عن أحاديث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في عمّـار، التي ملاَت الخافقين، والتي لم يتردّد حتى ألدُّ أعدائه في روايتها، قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ قاتله وسالبه في النار» (1) وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «عمار مُلىء إيماناً إلى مشاشه» (2)، والعجب أكثر ممّن يوثّق مثل أبي بكر هذا.

مات في ولاية خالد بن عبد اللّه سنة ست ومائة، وكان أكبر من أخيه أبي بردة.

90
أبو بكر بن محمّد (3)
( ... ـ 120، 117هـ)

ابن عمرو بن حزم، الاَنصاري، الخزرجي، النجّاري، المدني، اسمه وكنيته واحد، وقيل: كنيته أبو محمد، أمير المدينة ثم قاضيها.

روى عن: أبيه، والسائب بن يزيد الصحابي، وعباد بن تميم، وسلمان الاَغر ، وعمرو بن سليم الزُّرقي، وخالته عمرة، وطائفة.


(1)انظـر سير أعلام النبلاء 4|425،413. أخرج الحديث الاَوّل أحمد 4|198، وابن سعد 3|1|186، وأخرج الحديث الثاني ابن ماجة (147) في المقدمة. وأبو نعيم في «الحلية» 1|139، ورواه البزار .
(2)انظـر سير أعلام النبلاء 4|425،413. أخرج الحديث الاَوّل أحمد 4|198، وابن سعد 3|1|186، وأخرج الحديث الثاني ابن ماجة (147) في المقدمة. وأبو نعيم في «الحلية» 1|139، ورواه البزار .
*: التاريخ الكبير 8|10، المعرفة والتاريخ 1|643، المعارف ص 264، الجرح والتعديل 9|337، مشاهير علماء الاَمصار ص 125 الرقم 544، الثقات لابن حبّان 5|561، المنتظم 7|206، تهذيب الاَسماء واللغات 2|195، تهذيب الكمال 33|137، سير أعلام النبلاء 5|313، العبر 1|117، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 120) ص 511، الوافي بالوفيات 10|247 ، النجوم الزاهرة 1|285، تهذيب التهذيب 12|38، تقريب التهذيب 2|399.

(279)

حدّث عنه: ابناه عبد اللّه ومحمد، والاَوزاعي، وأفلح بن حميد، والمسعودي وآخرون.

قيل: كان أعلم أهل زمانه بالقضاء، وكان كثير العبادة والتهجّد.

روي عن أبي بكر بن محمد، قال: كان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذا بعث خارصاً أمره أن لا يخرص العرايا (1)

توفي سنة عشرين ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة.

91
أبو سلمة بن عبد الرحمان (2)
( 22 ـ 94هـ)

ابن عوف بن عبد عوف القُرشيّ، الزُّهري، قيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد اللّه، وقيل: إسماعيل.

حدّث عن: أبيه، ويقال: إنّه مرسل، وعن أُسامة بن زيد، وعبد اللّه بن سلام، وحسان بن ثابت، ورافع بن خديج، وأُمّ سلمة، وابنتها زينب، وعروة، وعطاء بن


(1)المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني: 4|126 برقم 7210.
*: الطبقات لابن سعد 5|155، المعارف 139، المعرفة والتاريخ 1|558، مشاهير علماء الاَمصار 106 رقم 430، الثقات لابن حبّان 5|1، الاحكام في أُصول الاَحكام 2|90، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 136 برقم 177، السنن الكبرى 6|102، الخلاف للطوسي 3|441 م 16 طبع اسماعيليان و 1|140 طبع جماعة المدرسين، طبقات الفقهاء للشيرازي 61، المغني والشرح الكبير 5|462، تهذيب الاَسماء واللغات 2|240، تهذيب الكمال 33|370، سير أعلام النبلاء 4|287، تذكرة الحفّاظ 1|62، العبر للذهبي 1|83، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 94) ص 522، دول الاِسلام 1|44، البداية والنهاية 9|122، تهذيب التهذيب 12|115، تقريب التهذيب 2|430، طبقات الحفّاظ 30، شذرات الذهب 1|105.

(280)

يسار، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.

حدّث عنه: ابنه عمر بن أبي سلمة، وابن أخيه سعد بن إبراهيم، وابن أخيه زُرارة بن مصعب، والشعبي، والزهري، وسعيد المقبري، وخلق كثير.

تولّـى القضاء بالمدينة حين وليها سعيد ابن العاص في سنة ثمان وأربعين، فلم يزل قاضياً حتى عُزل سعيد سنة أربع وخمسين.

وكان فقيهاً، كثير الحديث.

أقول: ويظهر من أخباره أنّه كان معجباً بنفسه، فعن عائشة أنّها قالت له: إنّما مثلك مثل الفرّوج يسمع الدِّيَكة تصيح فيصيح. وعن عمرو بن دينار قال: قال أبو سلمة: أنا أفقه من بالَ، فقال ابن عباس: في المبارِك.

وعن الشعبي، قال: قدم أبو سلمة الكوفة، فكان يمشي بيني وبين رجل، فسُئل عن أعلم من بقي، فتمنّع ساعة ثم قال: رجل بينكما.

روي عن المنذر بن علي بن أبي الحكم: أنّ ابن أخيه خطب ابنة عم له، فتشاجروا في بعض الاَمر، فقال الفتى: هي طالق إن نكحتها حتى آكل الغضيض (والغضيض: طلع النخل الذكر) ثمّ ندموا على ما كان من الاَمر فقال المنذر: أنا آتيكم من ذلك بالبيان. قال: فانطلقت إلى سعيد بن المسيب ... ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمان عن ذلك فقال: ليس عليه شي طلّق ما لا يملك.

روى عبد الرزاق الصنعاني بسنده عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة انّ أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: إذا كنت جنباً فتمسّح، ثمّ إذا وجدتَ الماء فلا تغتسل من جنابتك إن شئت، قال عبد الحميد: فذكرت ذلك لابن المسيب فقال: وما يدريه؟إذا وجدتَ الماء فاغتسل (1)

توفي بالمدينة في سنة أربع وتسعين، وقيل: أربع ومائة.

نقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» أربع فتاوى .


(1)المصنف: 1|229 برقم 885.

(281)

92
أبو قرّة الكندي (1)
( ... ـ ...)

قال ابن قتيبة: اسمه كنيته، وقال ابن سعد: اسمه فلان بن سلمة .

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب أمير الموَمنين - عليه السّلام- .

وروى عن: حذيفة بن اليمان، وعمر بن الخطاب، وسلمان الفارسيّ.

وكان معروفاً، قليل الحديث.

ولاّه عمر بن الخطاب القضاء بالكوفة، وهو أوّل قاضٍ قضى بها.

ولم نظفر بتاريخ وفاته.

93
الاَحنف بن قيس (2)
( ... ـ 67هـ)

ابن معاوية بن حُصين، الاَمير الكبير ، العالم النبيل، أبو بحر التميميّ، اسمه


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|148، المعارف لابن قتيبة 230، رجال الطوسي 63 برقم 7، تاريخ الاِسلام (عهد الخلفاء الراشدين)، تاريخ الكوفة 235، تنقيح المقال 3|31، أعيان الشيعة 2|419، قاموس الرجال 10|167.
*: وقعة صفين 24، المحبر 254، التاريخ الكبير 2|50، المعارف 240، الجرح والتعديل 2|322، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) 90 برقم 145، مشاهير علماء الاَمصار 142 برقم 641، ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم 33، المستدرك للحاكم 3|614، ذكر أخبار اصبهان 1|224، رجال الطوسي 7 برقم 64 و 66 برقم 1، الاستيعاب 1|135 (ذيل الاصابة)، أسد الغابة 1|55، وفيات الاَعيان 2|499، الرجال لابن داود 46 برقم 147، تهذيب الكمال 2|282، العبر للذهبي 1||58، سير أعلام النبلاء 4|86، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة 61 ـ 80 ص 345، دول الاِسلام 1|35، مرآة الجنان 1|145، النجوم الزاهرة 1|184، البداية والنهاية 8|331، تهذيب التهذيب 1|191، تقريب التهذيب 1|49، الاصابة 1|110، مجمع الرجال 1|175، شذرات الذهب 1|78، جامع الرواة 1|76، تنقيح المقال 1|103، أعيان الشيعة 3|222، معجم رجال الحديث 2|370.

(282)

الضحّاك، وقيل: صخر .

روى عن: عمر، وعلي - عليه السّلام- ، وابن مسعود، وأبي ذر، وآخرين.

روى عنه: الحسن البصري، وعمرو بن جاوان، وطلق بن حبيب، وخُليد العصري، وآخرون. وهو قليل الرواية.

أدرك النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأسلم، ولم يجتمع به، ووفد على عمر ، وشهد بعض الفتوحات منها قاسان والتيمرة، وكان من جلّة التابعين وأكابرهم، وكان سيّد قومه، وأحد من يُضربُ بحلمه وسوَدده المثل.

شهد مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- وقعة صفين، وكان من قوّاد جيشه فيها.

عُدّ من أصحاب عليّ ومن أصحاب الحسن (عليهما السلام) .

وثّقه العجلي، وابن سعد.

روي أنّ معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً فكان آخر كلامه أن لعن علياً، فأطرق الناس وتكلّم الاَحنف فقال: يا أمير الموَمنين إنّ هذا القائل لو يعلم أنّ رضاك في لعن المرسلين لعنهم، فاتق اللّه ودع عنك علياً، فقد لقي ربّه وأُفرد في قبره وخلا بعمله، وكان واللّه المبرّز سيفه، الطاهر ثوبه، الميمون نقيبته، العظيم مصيبته. فقال له معاوية: يا


(283)

أحنف لقد أغضيت العين على القذى وقلت ما ترى، وأيم اللّه لتصعدن في المنبر فتلعنه طوعاً أو كرهاً. فقال له الاَحنف: يا أمير الموَمنين إن تعفني فهو خير لك وإن تجبرني على ذلك فواللّه لا تجري فيه شفتاي أبداً. قال: قم فاصعد المنبر. قال الاَحنف: أما واللّه مع ذلك لاَنصفنّك في القول والفعل، قال: وما أنت قائل يا أحنف إن انصفتني؟ قال: اصعد المنبر فأحمد اللّه بما هو أهله وأصلّـي على نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثم أقول: أيها الناس إنّ أمير الموَمنين معاوية أمرني أن ألعن علياً وإنّ علياً ومعاوية اختلفا فاقتتلا وادّعى كل واحد منهما أنّه بغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم اللّه، ثم أقول:

اللّهمّ العن أنت وملائكتك وأنبياوَك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللّهمّ العنهم لعناً كثيراً، أمنّوا رحمكم اللّه.

يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفاً ولو كان فيه ذهاب نفسي. فقال معاوية: إذاً نعفيك يا أبا بحر (1)

قال ابن المبارك: قيل للاَحنف: بِمَ سَوّدوك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشْـرَبْهُ.

وقيل له: إنّك كبير، والصوم يُضعفُك. قال: إنّي أُعدُّه لسفرٍ طويل.

روي عن هشام بن عُقبة أخي ذي الرُّمّة الشاعر المشهور ، قال: شهدت الاَحنف بن قيس وقد جاء إلى قومٍ في دم، فتكلّم فيه، وقال: احتكِموا. قالوا: نحتكم دِيَتَيْن، قال: ذاك لكم. فلمّـا سكتوا قال: أنا أُعطيكم ما سألتم، فاسمعوا: إنّ اللّه قضى بديةٍ واحدةٍ، وإنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى بديةٍ واحدة، وإنّ العرب تعاطى بينها ديةً واحدة، وأنتم اليوم تطالبون، وأخشى أن تكونوا غداً مطلوبين، فلا ترضى الناس منكم إلاّ بمثل ما سننتم، قالوا: رُدَّها إلى دية.


(1)العقد الفريد: 3|215، مجاوبة الاَُمراء والردّ عليهم.

(284)

ومن كلام الاَحنف: مَن أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون.

وقال: رأس الاَدب آلةُ المنطق، لا خير في قولٍ بلا فعل، ولا في منظر بلا مَخْبـر، ولا في مال بلا جودٍ، ولا في صديق بلا وفاء، ولا في فقْه بلا وَرع، ولا في صَدقة إلاّ بنيّة، ولا في حياة إلاّ بصحةٍ وأمن.

وسئل: ما المروءة؟ قال: كتمان السِّـرِّ، والبعدُ من الشّـرِّ.

وكان للاَحنف دور كبير في صفّين وقد نصر الاِمام علي - عليه السّلام- بسيفه وقومه ولسانه، يقف عليه مَنْ قرأ كتاب «وقعة صفين» لابن مزاحم.

توفّي سنة سبع وستين، ومشى مصعب بن الزبير في جنازته وقال يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي.

94
إسحاق بن عبد اللّه (1)
( ... ـ 132،134 هـ)

ابن أبي طلحة زيد بن سهل، الفقيه أبو يحيى، وقيل: أبو نجيح الاَنصاري


*: التاريخ الكبير 1|393، الجرح والتعديل 2|226، الثقات لابن حبّان 3|7، مشاهير علماء الاَمصار 111 الرقم 456، رجال الطوسي 83 برقم 12 و 107 برقم 43، الكامل في التاريخ 5|445، تهذيب الاَسماء واللغات 1|116، تهذيب الكمال 2|444، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة 133 ص 372، سير أعلام النبلاء 6|33، الوافي بالوفيات 8|416، تهذيب التهذيب 1|239، تقريب التهذيب 1|59، مجمع الرجال 1|187، شذرات الذهب 1|189، جامع الرواة 1|82، تنقيح المقال 1|114، أعيان الشيعة 3|271، الجامع في الرجال 1|221، معجم رجال الحديث 3|50.

(285)

الخزرجي النجّاريّ، المدنيّ.

سمع من: عمّه أنس بن مالك، وأبي مرة مولى عقيل، والطفيل بن أُبيّ بن كعب، وسعيد بن يسار، وجماعة.

وعنه: عكرمة بن عمّـار ، وهمام بن يحيى، ومالك، وابن عُيينة ، وجماعة.

وكان مالك يُثني عليه، لا يقدّم عليه في الحديث أحداً.

عُدّ من أصحاب علي بن الحسين وولده محمد الباقر (عليهما السلام) .

مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين ومائة، عن نحو من ثمانين سنة.

95
أسعد بن سهل (1)
( قبل 10 ـ100 هـ)

ابن حنيف، الفقيه المعمَّر أبو أُمامة الاَنصاري الاَوسي.

قيل: إنّه ولد في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ورآه، وانّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الذي سمّـاه باسم جدِّه لا َُمّه أسعد بن زرارة، وكنّاه بكنيته، ولذلك ذكره


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|82، التاريخ الكبير 2|63، المعارف 175، المعرفة والتاريخ 1|376، الكنى والاَسماء للدولابي 14، مشاهير علماء الاَمصار ص 52 برقم 139، رجال الطوسي ص 7 برقم 58، الاستيعاب 1|60 هامش الاِصابة، أُسد الغابة 1|72، مختصر تاريخ دمشق 4|327، تهذيب الكمال 2|525، سير أعلام النبلاء 3|517، العبر 1|89، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة (100) ص 510، الوافي بالوفيات 9|27، البداية والنهاية 9|198، تهذيب التهذيب 1|263، تقريب التهذيب 1|64، الاصابة 4|9، مجمع الرجال 1|200، شذرات الذهب 1|118، جامع الرواة 1|90، تنقيح المقال 1|124، أعيان الشيعة 3|297، معجم الرجال: 3|84.

(286)

بعضهم في الـصحابة. وكان من أكابر الاَنصار وعلمائهم.

حدّث عن: أبيه، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وطائفة.

حدّث عنه: الزهري وسعد بن إبراهيم، وأبو حازم الاَعرج، ومحمد بن المنكدر، ويعقوب بن عبد اللّه بن الاَشج، ويحيى بن سعيد الاَنصاري، وابناه: محمّد وسهل؛ وآخرون.

وكان كثير الحديث. وهو الذي صلّـى بالناس حين حُصب عثمان بن عفان بالمسجد، وحيل بينه وبين الصلاة.

توفي سنة مائة وهو ابن نيف وتسعين سنة.

96
إسماعيل بن عبد الرحمان(1)
( ... ـ قبل 148 هـ)

ابن أبي سَبْـرة يزيد بن مالك الجعفي، الكوفي، لاَبيه وجدّه صحبة، وهو أخـو خَيْثَمـة بن عبـد الرحمان، وعمّ بسطام (2)بن الحصـين بن عبد الرحمان.


*: رجال البرقي 12، رجال النجاشي، 1|276 برقم 279 (ضمن ترجمة بسطام بن الحصين)، رجال الطوسي 104 برقم 15 و 147 برقم 84، رجال ابن داود 57 برقم 185، رجال العلاّمة الحلي 8 برقم 3، نقد الرجال 44 برقم 41، مجمع الرجال 1|216، جامع الرواة 1|98، بهجة الآمال 2|296، تنقيح المقال 1|137 برقم 835، أعيان الشيعة 3|380، معجم رجال الحديث 3|149 برقم 1366 و 201 برقم 1447، قاموس الرجال 2|46.
(1)قال النجاشي في ترجمته: كان وجهاً في أصحابنا وأبوه وعمومته، وكان أوجههم إسماعيل، وهم بيت بالكوفة من جعفي يقال لهم (بنو أبي سبرة) منهم خيثمة بن عبد الرحمان صاحب عبد اللّه بن مسعود. رجال النجاشي: 1|276 برقم 279.

(287)

سمع أبا الطفيل عامر بن واثلة، وصحب الاِمامين محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) وروى عنهما.

روى عنه: جميل بن درّاج النخعي، وأبان بن عثمان البجلي، وحماد بن عثمان.

وكان أحد وجوه رجال الشيعة، فقيهاً، قليل الحديث.

روى له الشيخ الكليني في «الكافي» والشيخ الطوسي في «تهذيب الاَحكام» و «الاستبصار» في عدة موارد (1)

وقد نقل ابن عقدة ترحّم الاِمام الصادق - عليه السّلام- عليه، وحكى عن ابن نمير أنّه قال: إنّه ثقه.

روي عن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمان الجعفي، قال: دخلت أنا وعمّي الحصين بن عبد الرحمان على أبي عبد اللّه - عليه السّلام- ، فسلّم عليه فأدناه، وقال: ابن مَن هذا معك؟ قال: ابن أخي اسماعيل، قال: رحم اللّه إسماعيل وتجاوز عن سيّء عمله، كيف تخلفوه؟ قال: نحن جميعاً بخير ما بقي لنا مودتكم. قال: يا حصين لا تستصغرن مودّتنا فإنّها من الباقيات الصالحات. قال: يا بن رسول اللّه ما أستصغرها ولكن أحمد اللّه عليها.

عن إسماعيل بن عبد الرحمان عن أبي جعفر [الباقر] - عليه السّلام- في زوج


(1)ووقع بعنوان (إسماعيل الجعفي) في اسناد تسع وثمانين رواية، إلاّ انّ هذا مشترك بين المترجم له وبين إسماعيل بن جابر الجعفي، ولكن إذا علم أنّ الراوي عنه لم يدرك الصادق - عليه السّلام- ، تعيّن أنّه ليس ابن عبد الرحمان، لاَنّ إسماعيل بن عبد الرحمان مات في حياة الاِمام الصادق (عليه السّلام) ، ثمّ إنّ إسماعيل بن جابر أشهر وأعرف وأكثر رواية، فانّه ذو كتاب، وأمّا ابن عبد الرحمان فرواياته قليلة، ولم يُذكر له كتاب، ولهذا فإنّ اسماعيل الجعفي ينصرف إلى إسماعيل بن جابر إذا لم تكن قرينة على الخلاف. انظر معجم رجال الحديث 3|202.

(288)

وأبوين، قال: للزوج النصف وللاَُم الثلث وما بقي للاَب (1)

توفي إسماعيل في حياة أبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام- .


97
إسماعيل بن عبيد اللّه(2)
(61 ـ 131، 132 هـ)

ابن أبي المهاجر المخزومي بالولاء، أبو عبد الحميد الدمشقي.

ولد سنة إحدى وستين.

حدّث عن: السائب بن يزيد، وأنس، وأم الدرداء وجماعة.

روى عنه: الاَوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز.

عُدّ من الفقهاء. وكان موَدب أولاد عبد الملك بن مروان، وولاه عمر بن عبد العزيز إمرة المغرب، فأقام بها سنة، ويقال أنّ عامّة البربر أسلم في ولايته. وكان يقول لبنيه: يا بَنيّ أكرموا من أكرمكم وإن كان عبداً حبشياً، وأهينوا مَن أهانكم وإن كان رجلاً قُرشياً.

توفي سنة احدى وثلاثين ومائة. وقيل: اثنتين وثلاثين.


(1)الكافي: ج7، كتاب المواريث، باب ميراث الاَبوين مع الزوج والزوجة، الحديث 2.
*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|341، التاريخ الكبير للبخاري 1|366 برقم 1158، الجرح والتعديل 2|182 برقم 621، مشاهير علماء الاَمصار 284 برقم 1418، الثقات لابن حبان 6|40، حلية الاَولياء 6|85 برقم 340، الاحكام في أُصول الاحكام 2|95، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 229 برقم 380، مختصر تاريخ دمشق 4|358 برقم 376، تاريخ الاِسلام للذهبي (حوادث 121ـ 140 هـ) 374، العبـر 1|132، سير أعلام النبلاء 5|213 برقم 84، الوافي بالوفيات 9|154 برقم 4062، البداية والنهاية 9|166، تهذيب التهذيب 1|317 برقم 576، تقريب التهذيب 1|72 برقم 534، شذرات الذهب 1|181.



(289)

98
إسماعيل بن محمّد (1)
( ... ـ 134هـ)

ابن سعد بن أبي وقاص، أبو محمّد الزُّهـري، المدني.

عدّ من صغار التابعين.

حدّث عن: أبيه، وعمَّيه: عامر ومصعب، وأنس بن مالك، وطائفة .

حدّث عنه: صالح بن كيسان، ومالك، وسفيان بن عُيينة، وجماعة.

عدّه يعقوب بن شيبة من فقهاء المدينة.

توفي سنة أربع وثلاثين ومائة.

99
الاَسود بن يزيد (2)
( ... ـ 75هـ)

ابن قيس النخعي الكوفي، كنيته: أبو عمرو ، وقيل: أبو عبد الرحمان.


*: التاريخ الكبير 1|371، المعرفة والتاريخ 1|369، الجرح والتعديل 2|194، تهذيب الكمال 3|189، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 134) ص 346 و 377، سير أعلام النبلاء 6|128، تهذيب التهذيب 1|329، تقريب التهذيب 1|73.
*: التاريخ الكبير 1|449، المعرفة والتاريخ 2|559، الكنى والاَسماء للدولابي 43، الجرح والتعديل 2|291، مشاهير علماء الاَمصار 161 برقم 742، الثقات لابن حبّان 4|31، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 187 برقم 287،رجال الطوسي ص35 برقم 16، الاستيعاب 1|75 (هامش الاصابة)، طبقات الفقهاء للشيرازي 79، أسد الغابة 1|88، اللباب 3|304، تهذيب الاَسماء واللغات 1|122، تهذيب الكمال 3|233، سير أعلام النبلاء 4|50، العبر 1|63، تاريخ الاِسلام للذهبي سنة 75، ص 359، تذكرة الحفّاظ 1|50، دول الاِسلام 1|36، الوافي بالوفيات 9|256، مرآة الجنان 1|156، البداية والنهاية 9|13، تهذيب التهذيب 1|343، تقريب التهذيب 1|77، الاصابة 1|114، طبقات الحفّاظ 22، مجمع الرجال 1|229، تنقيح المقال 1|147، أعيان الشيعة 3|443، الجامع في الرجال 1|275.

(290)

كان هو وعدّة من أهل بيته من روَوس العلم، وكان الاَسود مخضرماً أدرك الجاهلية والاِسلام، وكان صوّاماً قوّاماً فقيهاً.

حدّث عن: معاذ بن جبل، وبلال، وابن مسعود، وعائشة، وحذيفة بن اليمان، وطائفة سواهم.

حدّث عنه: ابنه عبد الرحمان وأخوه عبد الرحمان، وابن اخته إبراهيم النخعي، وإبو إسحاق السبيعي، والشعبي، وآخرون.

وقد ورد انّه كان يصلي في اليوم والليلة سبعمائة ركعة، وكان يصوم في الحر الشديد.

وثّقه أحمد والعجلي وابن حبّان.

ذكر أنّه من أصحاب علي - عليه السّلام- وعدّه ابن أبي الحديد في شرحه من المنحرفين عنه - عليه السّلام- .

عن سلمة بن كهيل، قال: دخلت أنا وزُبيد اليامي على امرأة مسروق بعد موته فحدثتنا، قالت: كان مسروق والاَسود بن يزيد يفرطان في سب علي بن أبي طالب، ثمّ ما مات مسروق حتى سمعته يصلّـي عليه، وأمّا الاَسود فمضى لشأنه. فسألناها لمَ ذلك؟ قالت: شيء سمعه من عائشة ترويه عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيمن أصاب الخوارج.


(291)

قيل: وما يفيده صوم الدهر ومحافظته على الصلاة في وقتها ... وهو يُكثر الوقيعة في أخي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ويُفرط في سبّه، ويموت مُصرّاً على ذلك غير تائب منه، وإنّما يتقبّل اللّه من المتقين، ومسبّة عليّ مسبّة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولا يُبغضه إلاّ منافق بنص الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، كما لا ينفع الخوارج كثرة صومهم وصلاتهم واسوداد جباههم من السجود ... .

أقول: هذا إذا صحّت الرواية عن سبّ الاَسود لعليّ - عليه السّلام- .

نُقل في وفاته أقوال، أرجحها سنة خمس وسبعين .

له في «الخلاف» خمس فتاوى.

100
الاَصبغ بن نُباتة (1)
(... ـ بعد 101 هـ)

ابن الحارث بن عمرو التميميّ، الحنظلي، الدارميّ، المجاشعي، أبو القاسم


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|225، التاريخ الكبير 2|35 برقم 1495، رجال البرقي 5، المعارف 341، الجرح والتعديل 2|319 برقم 1213، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) 103 برقم 164 و 165، رجال النجاشي 1|69 برقم 4،رجال الطوسي 34 برقم 2، الفهرست للطوسي 62 برقم 119، معالم العلماء 27 برقم 138، الرجال لابن داود الحلي 52 برقم 204، رجال العلامة الحلي 24 برقم 9، تهذيب الكمال 3|308 برقم 537، ميزان الاعتدال 1|271 برقم 1014، تاريخ الاِسلام 28 برقـم 11 (حوادث 101ـ 120)، تهذيب التهذيب 1|362 برقم 658، تقريب التهذيب 1|81 برقم 613، مجمع الرجال 1|231ـ 233، جامع الرواة 1|106، رجال السيد بحر العلوم 1|266، تنقيح المقال 1|150 برقم 1008، أعيان الشيعة 3|464 ـ 466، معجم رجال الحديث 3|219 برقم 1509.

(292)

الكوفي.

كان من كبار التابعين، وله روايات كثيرة في الفقه والتفسير والحكم، أكثرها عن الاِمام علي - عليه السّلام- حيث وقع في اسناد اثنتين وستين رواية (1)في الكتب الاَربعة عدا ما روى في غيرها، كما روى عنه عهده إلى مالك الاَشتر لما ولاّه مصر، ووصيته - عليه السّلام- إلى ابنه محمد المعروف بابن الحنفية (2)

روى عن الاَصبغ: سعد بن طريف، وأبو حمزة الثمالي، وأبو الصباح الكناني، وخالد النوفلي، وأبو مريم، وعبد اللّه بن جرير العبدي، وعلي بن الحزوّر الغنوي، والحارث بن المغيرة، وعبد الحميد الطائي، وغيرهم.

وروى عنه ـ كما في تهذيب التهذيب ـ: سعد بن طريف، والاَجلح، وثابت، وفِطر بن خليفة، ومحمد بن السائب الكلبي، وغيرهم، وروى له ابن ماجة حديثاً واحداً.

وكان شيخاً ناسكاً عابداً، من خواص أصحاب أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- وعمّر بعده، وقد شهد معه وقعة الجمل وصفين، وكان على شرطة الخميس، وكان شاعراً وله كتاب مقتل الحسين.


(1)وقع بعنوان (الاَصبغ بن نباتة) في اسناد ست وخمسين رواية، وبعنوان (الاَصبغ) في اسناد خمس روايات، وبعنوان (أصبغ بن نباتة الحنظلي) في اسناد رواية واحدة، روى في جميع ذلك عن أمير الموَمنين - عليه السّلام- إلاّ في موردين روى فيهما عن أمير الموَمنين والحسن بن علي (عليهما السلام) . علماً انّه روى هو أو حبة العرني عن أمير الموَمنين كما في «تهذيب الاَحكام» للشيخ الطوسي. انظر «معجم رجال الحديث»: 3|218، 219، 223.
(2)قال السيد محسن العاملي: وللاَصبغ كتاب عجائب أحكام أمير الموَمنين، رواية محمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن محمد بن الوليد عن محمّد ابن الفرات عن أصبغ بن نباتة، عندنا نسخة منه كتبت في أوائل المائة الخامسة.

(293)

قال نصر بن مزاحم: وكان من ذخائر علي - عليه السّلام- ممّن قد بايعه على الموت، وكان من فرسان أهل العراق، وكان علي يضنّ به على الحرب والقتال.

وثّقه العجلي.

وقال ابن معين، والنسائي: ليس بثقة.

وقيل: إنّ القدح فيه ليس إلاّ لشدة تشيّعه بدليل قول ابن حبّان: «فُتن بحبّ علي، فأتى بالطامات فاستحق الترك» فدلّ على أنّ تركه وترك حديثه ليس إلاّ لشدة حبّه علياً وروايته فضائله العجيبة ... [وإنّ الطامة الكبرى ترك الرواية عن المتفاني في حبّ الاِمام علي الذي فرضه سبحانه في كتابه على المسلمين عامّة]، فالصواب ما قاله العجلي من انّه ثقة، وأشار إليه ابن عديّ بقوله: لا بأس بروايته، وجعل الانكار من جهة من روى عنه، ولا يُلتفت إلى قدْح من قَدَحَ فيه لاَنّ الجرح إنّما يُقدّم على التعديل إذا لم يكن الجرح مستنداً إلى سبب عُلم فساده .

روي عن علي بن الحزوّر عن الاَصبغ بن نباتة، عن أبي أيوب، عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - انّه أمرنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. قلت: يا رسول اللّه! مع مَن؟ قال: مع علي بن أبي طالب (1)

لم نظفر بتاريخ وفاة الاَصبغ، إلاّ أنّ الذهبي ذكره في «تاريخه» في وفيات سنة (101 ـ 120 هـ).



(1)روى الخطيب في «تاريخ بغداد» 8|340 بسنده عن خليد العَصَـري قال: سمعت أمير الموَمنين علياً يقول يوم النهروان: أمرني رسول اللّه ص بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين.

(294)

101
إياس بن معاوية (1)
( 46 ـ 122، 121هـ)

ابن قُرّة بن إياس المُزَني، أبو واثلة البصري، قاضيها .

روى عن: أبيه، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير ، وآخرين.

روى عنه: خالد الحذّاء، وشعبة، وحماد بن سَلمة، ومعاوية بن عبد الكريم الضائع، وغيرهم.

وكان فقيهاً، بليغاً، عجيب الفراسة، وبه يُضرب المثل في الذكاء والفطنة، وأخباره في ذلك كثيرة.

ولاّه عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة.

رُوي عنه أنّه قضى بشهادة رجل واحد، ويمين الطالب، وانّه قضى لذمي بشفعة، وانّه كان لا يجيز شهادة الغلمان.

وعنه أيضاً: إذا قيل للمضارب: لا تذهب إلى واسط، فذهب، فهو ضامن،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 7|234، التاريخ الكبير 1|442، المعارف 264، المعرفة والتاريخ 1|311، الجرح والتعديل 2|282، مشاهير علماء الاَمصار 241 برقم 1204، الثقات لابن حبّان 6|64، حلية الاَولياء 3|123، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 174 برقم 255، الخلاف للطوسي 2|262 طبع إسماعيليان، المنتظم 7|220، وفيات الاَعيان 1|247، تهذيب الكمال 3|407، سير أعلام النبلاء 5|155، ميزان الاعتدال 1|283، العبر 1|119، دول الاِسلام 1|59، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 121) ص 41، الوافي بالوفيات 9|465، البداية والنهاية 9|347، النجوم الزاهرة 1|288، تهذيب التهذيب 1|390، تقريب التهذيب 1|87، مجمع الرجال 1|244، شذرات الذهب 1|160، تنقيح المقال 1|158، الاعلام 2|23، معجم رجال الحديث 3|249.

(295)

والربح بينهما على ما اشتُـرط. وإذا قيل له: اشترِ بُرّاً، فاشترى شعيراً، فهو ضامن، والربح بينهما على ما اشتُـرط.

ومن كلام إياس: كلُّ ما بُني على غير أساس فهو هباء، وكل ديانة أُسست على غير ورع فهي هباء.

وقال: امتحنتُ خصال الرجال، فوجدتُ أشرفها صدقَ اللسان، ومَن عُدم فضيلة الصدق، فقد فُجع بأكرم أخلاقه.

وقال: لا تنظر إلى ما يصنع العالم، فإنّ العالم قد يصنع الشيء يكرهه، ولكن سَلْهُ حتى يخبرك بالحق.

توفي إياس سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقيل: احدى وعشرين. وعمره ست وسبعون سنة.

وللمدائني كتاب سمّـاه «زكن إياس» (1)، كما ألف عبد العزيز بن يحيى الجَلُودي (2) كتاباً في أخبار إياس.

102
بُرد بن سنان (3)
( ... ـ 135هـ)

الفقيه أبو العلاء الدمشقي، نزيل البصرة، من كبار العلماء، هرب من مروان


(1)يقال: أذكى من إياس، وأزكن من إياس. والزكن: التفرُّس في الشيء بالظن الصائب.
(2)عبد العزيز بن أحمد بن عيسى، أبو أحمد الجلودي الاَزدي البصري: موَرخ أديب، كان شيخ الاِمامية بالبصرة، له كتب كثيرة أورد النجـاشي أسماءهـا، تقارب المائتـين. توفي سنة (332 هـ). الاَعلام للزركلي: 4|29.
*: التاريخ الكبير 2|134، الجرح والتعديل 2|422، المعرفة والتاريخ 2|339، مشاهير علماء الاَمصار ص245 برقم 1228، تهذيب الكمال 4|43، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 135) ص 386، سير أعلام النبلاء 6|151، العبر 1|140، ميزان الاعتدال 1|302، الوافي بالوفيات 10|111، مرآة الجنان 1|281، تهذيب التهذيب 1|428، تقريب التهذيب 1|95، لسان الميزان 2|6، شذرات الذهب 1|192.

(296)

الحمار إلى البصرة.

حدّث عن: واثلة بن الاسقع الصحابي، وعطاء بن أبي رباح، وعُبادة بن نُسيّ، وعمرو بن شعيب، ومكحول.

حدّث عنه: السفيانان، والحمادان، ويزيد بن زُريع، وابن عُليّة، وعلي بن عاصم، وآخرون.

توفي في سنة خمس وثلاثين ومائة.

103
بُسر بن سعيد (1)
( 22 ـ 100هـ)

المدني، مولى الحضرميّين.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|281، التاريخ الكبير 2|123 برقم 1914، المعرفة والتاريخ 1|422، الجرح والتعديل 2|523 برقم 1680، الثقات لابن حبّان 4|78، مشاهير علماء الاَمصار 125 برقم 545، الكامل في التاريخ 5|55، تهذيب الكمال 4|72، سير أعلام النبلاء 4|594، تاريخ الاِسلام (سنة 81 ـ 100)ص302، العبر 1|89، دول الاِسلام 1|48، تهذيب التهذيب 1|437، تقريب التهذيب 1|97، مرآة الجنان 1|208، البداية والنهاية 9|98.

(297)

حدّث عن: سعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، وطائفة.

حدّث عنه: بُكير ويعقوب ابنا عبد اللّه بن الاَشجّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمان، وآخرون.

وكان فقيهاً زاهداً كثير الحديث.

توفي بالمدينة سنة مائة، وهو ابن ثمان وسبعين.

104
بُشير بن يسار (1)
( ... ـ بضع ومائة)

مولى بني حارثة، وكنيته ـ فيما قيل ـ أبو كيسان المدني.

روى عن: سويد بن النعمان، وأنس بن مالك، ومُحيَّصة بن مسعود، وسهل بن أبي حثمة، وجابر ، وأنس، ورافع بن خديج، وآخرين.

روى عنه: يحيى بن سعيد، وربيعة الرأي، والوليد بن كثير ، وابن إسحاق، وآخرون.


*: الطبقات لابن سعد 5|303، التاريخ الكبير 2|132، المعرفة والتاريخ 2|772، الجرح والتعديل 2|394، أسماء التابعين (للدارقطني) 1|432، تهذيب الاَسماء واللغات 1|134، تهذيب الكمال 4|187، سير أعلام النبلاء 4|591، العبر 1|92، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 101ـ 120) ص 32، تهذيب التهذيب 1|472، تقريب التهذيب 1|104.

(298)

قال ابن سعد: كان شيخاً كبيراً فقيهاً وكان قد أدرك عامّة أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

توفي سنة بضع ومائة.

105
بُكير بن عبد اللّه بن الاشج (1)
( ... ـ 127، 122هـ)

أبو عبد اللّه، ويقال: أبو يوسف، القرشي، المدني، ثم المصري، وهو والد المحدّث مخرمة بن بُكير وأخو يعقوب وعمر .

وهو معدود في صغار التابعين لاَنّه روى عن: السائب بن يزيد الصحابي، وأبي امامة بن سهل، وروى عن: سليمان بن يسار، ومحمود بن لبيد ، وكريب وآخرين.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 9|212، التاريخ الكبير 2|113، الكنى والاَسماء للدولابي 96، الجرح والتعديل 2|403، مشاهير علماء الاَمصار 299 برقم 1507، الثقات لابن حبّان 6|105، الاحكام في أُصول الاَحكام 2|95، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 166 برقم 238، رجال الطوسي ص84 برقم 3، طبقات الفقهاء للشيرازي ص78، تهذيب الاَسماء واللغات 1|135، تهذيب الكمال 4|242، سير أعلام النبلاء 6|170، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 127) ص 48، الوافي بالوفيات 10|272، تهذيب التهذيب 1|491، تقريب التهذيب 1|108، مجمع الرجال 1|280، شذرات الذهب 1|160، جامع الرواة 1|130، تنقيح المقال 1|182، أعيان الشيعة 3|600، الجامع في الرجال 1|328، معجم رجال الحديث 3|363.

(299)

روى عنه: يزيد بن أبي حبيب، وأيوب بن موسى، وابن عجلان، وابن إسحاق، وابنه مخرمة، وآخرون.

قال ابن وهب: ما ذكر مالك بُكيراً إلاّ قال: كان من العلماء.

عُدّ من أصحاب الاِمام علي بن الحسين (عليهما السلام) .

وعدّه ابن حزم من الفقهاء.

مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: اثنتين وعشرين.

10
بلال بن أبي بردة (1)
( ... ـ 125هـ)

ابن أبي موسى عبد اللّه بن قيس بن حضّار الاَشعري، أبو عمرو، ويقال أبو عبد اللّه، أمير البصرة وقاضيها.

روى عن: أنس، وأبيه أبي بردة، وعمّه أبي بكر.

روى عنه: قتادة، وثابت البناني، ومعاوية بن عبد الكريم الضال، وآخرون.


*: التاريخ الكبير 2|28، المعارف 325، المعرفة والتاريخ 2|63، الجرح والتعديل 2|397، مشاهير علماء الاَمصار ص 242 برقم 1207، الثقات لابن حبّان 6|91، الاحكام في أُصول الاَحكام 2|92، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 175 برقم 259، مختصر تاريخ ابن عساكر 5|270، تهذيب الكمال 4|266، سير أعلام النبلاء 5|6، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 121 ـ 140) ص 49، الوافي بالوفيات 10|278، تهذيب التهذيب 1|500، تقريب التهذيب 1|109.

(300)

وفد على عمر بن عبد العزيز وهنّأه لما ولي الاَمر، ثمّ لزم المسجد يصلّـي ويقرأ ليله ونهاره، فهمّ عمر أن يولّيه العراق فدسّ إليه ثقة له، فقال له: إن عملتُ لك في ولاية العراق ما تعطيني؟ فضمن له بلال مالاً جزيلاً، فأخبر بذلك عمر ، فنفاه وكتب إلى عامله على الكوفة: إنّ بلالاً غرّنا باللّه فكدنا أن نغتر به، ثمّ سبكناه فوجدناه خبثـــاً كلّه. ثمّ ولاّه خالد القسري القضاء سنة (109هـ) فأظهر الجور.

قال أبو العباس المبرّد: أوّل من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال وكان يقول: إنّ الرجلين ليختصمان إليّ فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له. ولما ولي يوسف بن عمر العراق أخذ بلالاً وعذّبه حتى مات سنة (125هـ).

عدّه ابن حزم من الفقهاء.

وثّقه ابن حبّان!!، وذكره أبو العرب الصقلي في كتاب الضعفاء.

وحكي عن مالك بن دينـار انّه قال ـ لما ولي بلال القضـاء ـ: يالك أمة هلكت ضياعا.

وكان خالد بن صفوان التميمي المشهور بالبلاغة ـ بعد ما كُفّ بصره ـ إذا مرّ به موكب بلال يقول: من هذا؟ فيقال: الاَمير ، فيقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع، فقيل ذلك لبلال فقال: «لا تقشّعُ واللّه حتّى تصيبك منها بشوَبوب» وأمر به فضُـرب مائتي سوط.


(301)

107
ثابت بن أسلم (1)
( ... ـ 127هـ)

أبو محمد البُناني، وبُنانة هم بنو سعد بن لوَي بن غالب.

حدّث عن: عبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن مُغفّل المزني، وعبد اللّه بن الزبير، وأبي برزة الاَسلمي، وعمر بن أبي سلمة المخزومي، وأنس بن مالك، ومُطرِّف بن عبد اللّه، وآخرين.

حدّث عنه: عطاء بن أبي رَباح مع تقدمه، وقتادة، وابن جُدعان، ويونس ابن عُبيد، وآخرون.

روي عن أنس أنّه قال: إنّ لكل شيء مفتاحاً وإنّ ثابتاً من مفاتيح الخير.

عُدّ من أصحاب الاِمام السجاد - عليه السّلام- .


*: الطبقات لابن سعد 7|232، التاريخ الكبير 2|159، المعرفة والتاريخ 2|98، الجرح والتعديل 2|449، مشاهير علماء الاَمصار ص 145 برقم 650، الثقات لابن حبّان 4|89، حلية الاَولياء 3|180، رجال الطوسي ص 85 برقم 4، اكمال ابن ماكولا 1|439، رجال ابن داود ص 59 برقم 275، تهذيب الكمال 4|342، العبر 1|120، سير أعلام النبلاء 5|220، تذكرة الحفّاظ 1|125، ميزان الاعتدال 1|362، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 127) ص 54، دول الاِسلام 1|58، النجوم الزاهرة 1|362، تهذيب التهذيب 2|2، تقريب التهذيب 1|115، طبقات الحفّاظ ص 56 برقم 108، مجمع الرجال للقهبائي 1|295، شذرات الذهب 1|161، جامع الرواة 1|134، تنقيح المقال 1|188، أعيان الشيعة 4|6، الجامع في الرجال 1|339، معجم رجال الحديث 3|384.

(302)

روى عبد الرزاق بن همّـام بسنده عن ثابت قال: صلّيتُ مع أنس بن مالك فأقامني عن يمينه، وقامت جميلة أُمّ ولده خلفنا (1)

رُوي عن ثابت أنّه قال: الصلاة خدمة اللّه في الاَرض، لو علم اللّه عزّ وجلّ شيئاً أفضل من الصلاة لما قال: "فَنَادَتْهُ الملائِكَةُ وهُوَ قائمٌ يُصَلِّـي في المِحْرَاب"(2).

وقال: ما على أحدكم أن يذكر اللّه كل يوم ساعة فيريح يومه.

توفي بالبصرة سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثلاث وعشرين.


108
أبو حمزة الثُّمالي (3)
( ... ـ 150هـ)

ثابت بن أبي صفية دينار، أبو حمزة الثمالي الاَزدي بالولاء، الكوفي.

استشهد ثلاثة من أولاده مع الثائر العظيم زيد بن علي بن الحسين، وهم: نوح، ومنصور، وحمزة.


(1)المصنف: 2|407 برقم 3871.
(2)آل عمران: 39.
*: التاريخ الكبير 2|165 برقم 2073، الجرح والتعديل 2|450، فهرست ابن النديم 56، رجال النجاشي 1|134، فهرست الطوسي 41 برقم 127، رجال ابن داود 77 برقم 273، الرجال للعلاّمة الحلي 29 برقم 5، تهذيب الكمال 4|357 برقم 819، ميزان الاعتدال 1|363، تاريخ الاِسلام (حوادث 141 ـ 160 هـ) 84، تهذيب التهذيب 2|7، تقريب التهذيب 1|116، نقد الرجال 62، مجمع الرجال 1|289، كشف الظنون 1|444، جامع الرواة 1|134، بهجة الآمال 2|458، تنقيح المقال 1|189 برقم 1494، أعيان الشيعة 4|9، تأسيس الشيعة 327، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 4|252، الاَعلام للزركلي 2|97، معجم رجال الحديث الترجمة 1953، 14190، 14192، 15234، قاموس الرجال 2|270.

(303)

روى أبو حمزة عن: جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وشهر بن حوشب، وعبد اللّه بن الحسن، وأبي رزين الاَسدي.

روى عنه: أبان بن تغلب، وأبو أيوب الخزاز، وعلي بن رئاب، والحسن بن محبوب، وعاصم بن حُميد الحناط، وأبان بن عثمان، وابن مُسكان، وأسد بن أبي العلاء، وحكم الحناط، وداود الرقّي، وسيف بن عميرة، وعائذ الاَحمسي، وعبد اللّه ابن سنان، وشعيب العقرقوفي، وصفوان الجمال، وعيسى بن بشير، ومحمد بن مسلم، ومعاوية بن عمار، ومالك بن عطية الاَحمسي، وهشام بن سالم، ومحمد بن الفضيل، وجميل بن درّاج، وعبد اللّه بن أبي يعفور، وطائفة (1)

وكان من كبار علماء عصره في الفقه والحديث وعلوم اللغة وغيرها. أخذ العلم عن الاَئمّة الاَربعة: زين العابدين والباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) وروى عنهم، وكان منقطعاً إليهم مقرباً عندهم.

روي عن الاِمام الصادق - عليه السّلام- أنّه قال: أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه.

وهو من خيار رجال الشيعة وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث، وقد وقع في اسناد كثير من الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تبلغ ثلاثمائة وواحداً وستين مورداً (2)


(1)وروى أبو حمزة ـ كما في تهذيب الكمال ـ عن: أنس، والشعبي، وأبي إسحاق، وزاذان أبي عمر، وسالم ابن أبي الجعد، وأبي جعفر الباقر، وغيرهم. وعنه: الثوري، وشريك، وحفص بن غياث، وأبو أُسامة، وعبد الملك بن أبي سليمان، وأبو نعيم، ووكيع، وعبيد اللّه بن موسى وعدّة.
(2)وقع بعنوان (أبي حمزة الثمالي) في اسناد مائة وسبع روايات، وبعنوان (أبي حمزة) في اسناد مائتين وثلاث وأربعين رواية، وبعنوان (الثمالي) في اسناد ثماني روايات، وبعنوان (ثابت بن دينار) و (ثابت الثمالي) و (ثابت بن دينار أبي حمزة الثمالي) في اسناد رواية واحدة لكل عنوان. انظر معجم رجال الحديث.

(304)

وروى له أيضاً الترمذي، والنسائي في «مسند علي» (1) وله حديث عند ابن ماجة في كتاب الطهارة (2)

وقد ألّف أبو حمزة الثمالي كتباً منها: كتاب «النوادر» وكتاب «الزهد» وكتاب «تفسير القرآن» الذي نقل عنه الاِمام الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان» وذكره الثعلبي أيضاً في تفسيره وأخرج الكثير من رواياته.

وروى أبو حمزة «رسالة الحقوق» (3)عن الاِمام علي بن الحسين زين العابدين - عليه السّلام- ، وروى عنه أيضاً دعاء السحر الكبير (4)في شهر رمضان المبارك والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي.

توفي سنة خمسين ومائة.



(1)تهذيب الكمال.
(2)تهذيب التهذيب.
(3)لقد نظر الاِمام زين العابدين - عليه السّلام- بعمق وشمول للاِنسان ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه ونفسه وأُسرته ومجتمعه وحكومته ومعلمه وغير ذلك، فوضع له هذه الحقوق والواجبات وجعله مسوَولاً عن رعايتها وصيانتها ليتم بذلك إنشاء مجتمع إسلامي تسوده العدالة الاجتماعية والعلاقات الوثيقة بين أبنائه من الثقة والمحبّة. وقد روى المحدث الصَّدوق هذه الرسالة بسنده عن أبي حمزة في «من لا يحضره الفقيه» و «الخصال» ورواها أيضاً ثقة الاِسلام محمد بن يعقوب الكليني، كما في «فلاح السائل» للسيد علي بن طاووس، وابن شعبة الحراني في «تحف العقول». انظر «حياة الاِمام زين العابدين» 2|259 للقرشي.
(4)امتاز هذا الدعاء بجمال الاسلوب وروعة البيان وبلاغة العرض، وفيه من التذلّل والخشوع والخضوع أمام اللّه تعالى ما يوجب صرف النفس عن غرورها وشهواتها. انظر «حياة الاِمام زين العابدين - عليه السّلام- » 1|211.

(305)

109
جابر بن زيد (1)
( ... ـ 93هـ)

الاَزدي، اليَحْمَديّ، أبو الشعثاء الجوفي البصري.

ولد في عُمان في الفترة ما بين (18 و 22 هـ)، ثم رحل إلى البصرة في طلب العلم.

روى عن: ابن عباس، وعُدّ من كبار تلامذته، وعن ابن عمر ، وغيرهما.

روى عنه: عمرو بن دينار، وقتادة، وآخرون.

وكان فقيهاً، مفتياً، وله حلقة بجامع البصرة يفتي فيها فيما قيل.



*: الطبقات لابن سعد 7|179، التاريخ الكبير 2|204، المعارف ص 269، المعرفة والتاريخ 2|12، الكنى والاَسماء للدولابي 5، الجرح والتعديل 2|494، مشاهير علماء الاَمصار ص 144 برقم 646، الثقات لابن حبّان 4|101، ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم 2|47، حلية الاَولياء 2|85، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 163 برقم 232، الخلاف للطوسي 2|283 و 42 و 54 طبع جامعة المدرسين، طبقات الفقهاء للشيرازي 88، المنتظم 7|84، تهذيب الاَسماء واللغات 1|141، الكامل في التاريخ 4|578، معجم البلدان 2|187، تهذيب الكمال 4|434، سير أعلام النبلاء 4|481، تذكرة الحفّاظ 1|72، العبر 1|80، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 93) ص 524، دول الاِسلام للذهبي 1|43، الوافي بالوفيات 11|32، البداية والنهاية 9|99، النجوم الزاهرة 1|252، تهذيب التهذيب 2|38، تقريب التهذيب 1|122، السير للشماخي 1|67، طبقات الحفّاظ ص 35، شذرات الذهب 1|101، الاَعلام 2|104، فقه الامام جابر بن زيد، الاِمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة، إزالة الوعثاء عن اتباع أبي الشعثاء، ندوة الفقه الاِسلامي 255، بحوث في الملل والنحل 5|320.

(306)

وهو الشخصية الثانية التي تتبنّاها الاباضية زعيماً وموَسساً لمذهبهم، ووصفه الشماخي (وهو من علماء الاباضية) بأنّه أصل المذهب وأُسه الذي قامت عليه آطامه.

وقد روي عن عزرة الكوفي انّه قال: قلت لجابر بن زيد إنّ الاباضية يزعمون أنّك منهم، قال: أبرأ إلى اللّه منهم.

قيل: لم يكن جابر بن زيد ممن عُرف عنهم الميل إلى التمرد أو الثورة، ولم يعرف عنه انّه كان ضمن الذين خرجوا على الاِمام علي بن أبي طالب أو اعتزلوه أو تمرّدوا عليه ... ولم يسمع أحد شيئاً عنه إلاّ بعد انتهاء هذه الاَحداث [أي أحداث تمرّد الخوارج بعد التحكيم، ومعركة النهروان] لحوالي أربعين عاماً عندما أتى الحجاج الثقفي إلى العراق والياً عليه من قبل عبد الملك في عام (75 هـ).

وقيل: ولم يكن ضمن هوَلاء الذين رفعوا السيف في وجه الدولة ... بل كان يأتلف معها، فقد كان يأخذ عطاءه من الحجاج ويحضر مجلسه ويصلّـي خلفه، وعرض عليه الحجاج أن يولّيه القضاء، فرفض.

نقل عنه الشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف» أربعين فتوى في مختلف الاَبواب.

واشتهر عن جابر انّه لا يُماكس في ثلاث: في كراء إلى مكة، وفي عبد يشترى ليعتق، وفي شاة التضحية، وكان يقول: لا نماكس في شيء نتقرب إليه.

توفي سنة ثلاث وتسعين.


(307)

110
جابر الجُعفي (1)
( ... ـ 128، 127 هـ)

جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّه، وقيل أبو محمد الكوفي، أحد كبار علماء المسلمين، وأحد أوعية العلم.

روى عن: جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وأبي الطفيل عامر بن واثلة، وعمار الدهني، وسويد بن غَفلة، وطاووس بن كيسان، وجماعة.

روى عنه: الحسن بن صالح بن حيّ، وشعبة بن الحجّاج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عُيينة، وشريك، وإبراهيم بن عمر اليماني، والحسن بن سري، وهشام


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|345، تاريخ خليفة 302 ( سنة 127)، الطبقات لخليفة 276 برقم 1221، التاريخ الكبير 2|210 برقم 2223، رجال البرقي 9، 16، الضعفاء الكبير للعقيلي 1|191 برقم 240، الجرح والتعديل 2|497 برقم 2043، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) 191 بأرقام 335، 336، 338 ـ 348، و 373 برقم 699، و 485 برقم 917، الكامل لابن عدي 2|113 برقم 1|326، رجال النجاشي 1|313 برقم 330، فهرست الطوسي 70 برقم 158، رجال الطوسي 111 برقم 6 و 163 برقم 30، معالم العلماء 32، المنتظم لابن الجوزي 7|267 برقم 691، رجال ابن داود 80 برقم 286، التحرير الطاووسي 68 برقم 78، رجال العلاّمة الحلي 35 برقم 2، تهذيب الكمال 4|465 برقم 879، ميزان الاعتدال 1|379، تاريخ الاِسلام (سنة 128) ص 59، تهذيب التهذيب 2|46، تقريب التهذيب 1|123، نقد الرجال 65، مجمع الرجال 2|7، جامع الرواة 1|144، إيضاح المكنون 1|304 و 2|309، و 319، 348، بهجة الآمال 2|487، تنقيح المقال 1|201 برقم 1621، أعيان الشيعة 4|51 و 1|141، الذريعة 4|269، الاَعلام للزركلي 2|105، الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 1ـ 2|447، معجم رجال الحديث 4|17 برقم 2025، قاموس الرجال 2|323، معجم الموَلفين 3|106.

(308)

ابن سالم، وعمرو بن شمر، وزكريا بن الحر، ومحمد بن فرات خال أبي عمار الصيرفي، ومرازم، والمفضل بن عمر، والعرزمي، وعمر بن أبان، وعبد اللّه بن غالب، وآخرون.

وكان من أجلّة فقهاء الشيعة من أصحاب الاِمامين: أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام) ، كثير الرواية، وكان إذا حدّث عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: ـ كما في ترجمته من ميزان الذهبي ـ: حدثني وصيُّ الاَوصياء.

وقد وقع جابر في اسناد جملة من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) في الكتب الاَربعة (1) وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجة.

وثقه ابن قولويه والشيخ المفيد، وابن الغضائري، وغيرهم.

وقال وكيع: مهما شككتم في شيء، فلا تشكّوا أنّ جابراً ثقة.

وعن شعبة قال: جابر صدوق في الحديث، وقال: لا تنظروا إلى هوَلاء المجانين الذين يقعون في جابر هل جاءكم بأحد لم يلقه

وقال ابن مهدي: سمعت سفيان (الثوري) يقول: ما رأيت أورع في الحديث من جابر الجعفي.

وسئل شريك عن جابر فقال: مالَهُ ! العدل الرضا، ومدّ بها صوته.

وقال عبد الرحمن بن شريك: كان عند أبي عن جابر الجعفي عشرة آلاف مسألة.

وكان لجابر الجعفي منزلة في الكوفة، وانتشر حديثه، وأخذ عنه العلماء، وبعد أن تطور الزمن وظهرت الآراء، وبدأ في أُفق السياسية عامل التفرقة، تركه جماعة، وقدحوا فيه، إلاّ أنّ كلماتهم فيه مشوشة، وأدلّتهم على تكذيبه واهية لم


(1)وقع بعنوان (جابر بن يزيد) في اسناد سبعة عشر مورداً، وبعنوان (جابر بن يزيد الجعفي) و (جابر الجعفي) في اسناد تسعة موارد لكل عنوان، علماً أنّه وقع بعنوان (جابر) في اسناد مائتين وواحد وسبعين مورداً، إلاّ أنّ هذا العنوان مشترك بين جماعة والتمييز إنّما هو بالراوي والمروي عنه.

(309)

يدعموها بحجة، وما قدح فيه مَن قدح إلاّ لتشيّعه (1) وروايته فضائل أهل البيت (عليهم السلام) (2) ونسبة القول بالرجعة إليه، كما صرّح به ابن عَديّ بقوله: وعامة ما قذفوه أنّه كان يوَمن بالرجعة.

ذُكر أنّ لجابر الجعفي كتاباً في التفسير، وكتاب مقتل الحسين - عليه السّلام- ، وكتاب الجمل، وكتاب صفين، وكتاب النهروان، وكتاب الفضائل، وكتاب مقتل أمير الموَمنين - عليه السّلام- ، وكتاب النوادر، ورسالة أبي جعفر - عليه السّلام- إلى أهل البصرة.

وفيما يلي نذكر بعض ما جاء في وصية الاِمام الباقر - عليه السّلام- لجابر:

قال: وفكّر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك، فسقوطك من عين اللّه جلّ وعزّ عند غضبك من الحق، أعظم عليك مصيبة ممّا خفت من سقوطك من أعين الناس، وإن كنت على خلاف ما قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك.

واعلم بأنّك لا تكون لنا وليّاً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك، وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنّك رجل صالح لم يسرك ذلك، ولكن أعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنتَ سالكاً سبيله زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه فاثبت وأبشر، فانّه لا يضرك ما قيل فيك، وإن كنت مبايناً للقرآن فماذا الذي يغرك من نفسك (3)

توفي جابر الجعفي بالكوفة في سنة ثمان أو سبع وعشرين ومائة.


(1)قال الميموني: قلت لخلف: قعد أحد عن جابر؟ فقال: لا أعلمه، كان ابن عيينة من أشدهم قولاً فيه وقد حدّث عنه، وإنّما كانت عنده ثلاثة أحاديث، قلت: صحّ عنه بشيء انّه كان يوَمن بالرجعة؟ قال: لا، ولكنّه من شيعة عليّ ... انظر هامش «تهذيب الكمال».
(2)نقل الذهبي في «ميزانه» انّ سفيان، قال: سمعت جابراً الجعفي يقول: انتقل العلم الذي كان في النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى عليّ، ثم انتقل من عليّ إلى الحسن، ثم لم يزل حتى بلغ جعفر ـ يعني الصادق - عليه السّلام- وكان في عصره ـ.
(3) ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول: ص 291.

(310)

111
جُبَيْر بن نُفَير (1)
( ... ـ 75 ، 80 هـ)

ابن مالك بن عامر ، أبو عبد الرحمان الحضرمي الحمصيّ.

أدرك حياة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وحدّث عن: أبي بكر ـ فيحتمل أنّه لقيه ـ وعمر ، والمقداد، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم.

روى عنه: ولده عبد الرحمان، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهريّة حُدير بن كُرَيب، وآخرون.

كان من علماء أهل الشام، وكان هو وكثير بن مرّة من كبار التابعين بحمص، وبدمشق.

عدّ من فقهاء التابعين.

توفي سنة خمس وسبعين، وقيل : سنة ثمانين.


*: الطبقات لابن سعد 7|440، التاريخ الكبير 2|223، المعرفة والتاريخ 2|307، الجرح والتعديل 2|512، مشاهير علماء الاَمصار ص 181 برقم 854، حلية الاَولياء 5|133، الاحكام في أُصول الاَحكام 2|94، أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين 225 برقم 370، الاستيعاب 1|234 (ذيل الاِصابة). أسد الغابة 1|272، الكامل في التاريخ 4|456، سير أعلام النبلاء 4|76، تذكرة الحفاظ 1|52، العبر 1|67، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 80) ص 381، دول الاِسلام للذهبي 1|38، الوافي بالوفيات 11|59، مرآة الجنان 1|162، البداية والنهاية 9|35، النجوم الزاهرة 1|200، تهذيب التهذيب 2|64، تقريب التهذيب 1|126، الاصابة 1|260 برقم 1274، طبقات الحفاظ ص 23 برقم 32، شذرات الذهب 1|88، جامع الرواة 1|147، تنقيح المقال 1|208، الجامع في الرجال 1|358.

(311)

112
جَعْدَة بن هُبَـيْرة (1)
( قبل 8 هـ ـ قبل 60 هـ)

ابن أبي وهب بن عمرو القرشي المخزومي، ابن أُخت أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- ، وأُمّه أُمّ هانىَ بنت أبي طالب.

ولد في عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وله روَية، واختُلف في صحبته، وقال الاَكثر: ليست له صحبة.

قال ابن حجر: أما كونه له روَية فحق، لاَنّه وُلد على عهد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وهو ابن بنت عمّه وخصوصية أُمّ هانىَ بالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - شهيرة.

وقد سكن جعدة بن هبيرة الكوفة، ونزل عليه الاِمام علي - عليه السّلام- لما دخل الكوفة بعد وقعة الجمل.

روى عن: خاله علي - عليه السّلام- .


*: التاريخ الكبير للبخاري 2|239 برقم 2315، الجرح والتعديل 2|526 برقم 2187، الثقات لابن حبّان 4|115، المعجم الكبير للطبراني 2|284 برقم 220، الاستيعاب لابن عبد البر 1|240 برقم 324، رجال الطوسي 14، 37، الاستيعاب (ذيل الاصابة) 1|242، أُسد الغابة 1|285، تهذيب الكمال 4|563 برقم 929، تهذيب التهذيب 2|81، تقريب التهذيب 1|129 برقم 67، الاصابة 1|258 برقم 1265 (القسم الثاني)، جامع الرواة 1|148، تنقيح المقال 1|211، أعيان الشيعة 4|77، معجم رجال الحديث 4|43 برقم 2097، قاموس الرجال 2|362.

(312)

روى عنه: أبو فاختة سعيد بن علاقة، ومجاهد بن جبر، وأبو الضحى مسلم ابن صُبيح.

وكان فقيهاً (1) خطيباً، ذا لسان وعارضة قوية.

وثقه العجلي، وذكره ابن حبّان في «الثقات».

قال أبو عمر بن عبد البر: ولاّه خاله علي بن أبي طالب على خراسان، قالوا: كان فقيهاً.

وكان جعدة فارساً شجاعاً، شديداً، ذا بأس.

وقد شهد وقعة صفين مع الاِمام علي - عليه السّلام- .

روى نصر بن مزاحم محاورة جرت بين جعدة وعتبة بن أبي سفيان في أحد أيام صفّين. قال له عتبة: واللّه ما أخرجك علينا إلاّ حبّ خالك، وعمّك ابن أبي سلمة عامل البحرين، وإنّا واللّه ما نزعم أنّ معاوية أحق بالخلافة من عليّ، لولا أمره في عثمان، ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به، فاعفوا لنا عنها، فواللّه ما بالشام رجلٌ به طرق، إلاّ وهو أجدّ من معاوية في القتال، وليس بالعراق رجل له مثل جدّ عليّ في الحرب ... فقال جعدة: أمّا حبي لخالي، فلو كان لك خال مثله لنسيتَ أباك ... وأمّا فضل عليّ على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه اثنان. وأمّا رضاكم اليوم بالشام، فقد رضيتم بها أمس فلم نقبل، وأمّا قولك: ليس بالشام أحد إلاّ وهو أجدّ من معاوية، وليس بالعراق رجل مثل جدّ عليّ، فهكذا ينبغي أن يكون، مضى بعليّ يقينه، وقصّـر بمعاوية شكه، وقصد أهل الحقّ خيرٌ من جهد أهل الباطل ... فغضب عُتبة وفحش على جعدة، فلم يجبه وأعرض عنه ... ثم ذكر


(1)قال ابن أبي الحديد: وكان فارساً، شجاعاً، فقيهاً.

(313)

ابن مزاحم تقاتل الفريقين ومباشرة جعدة القتال بنفسه وهَرب عتبة إلى معاوية (1)

قال الزبير بن بكار: وجعدة بن هبيرة، هو الذي يقول:

أبي من بني مخزوم إنْ كنتَ سائلاً * ومن هاشم أُمّي لخير قبيلِ

فمن ذا الذي يَبْأى (2)عليّ بخاله * كخالي عليٍّ ذي الندى وعقيلِ

توفي جعدة في زمن معاوية بن أبي سفيان.


(1)كتـاب صفين.ط المدني بمصر: ص 463، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 8|98، وفيهما أنّ النجاشي [شاعر أهل العراق] قال فيما كان من فحش عتبة على جعدة:

إنّ شتمَ الكريم يا عُتْبَ خطبٌ * فاعلَمَنْهُ من الخطوب عظيم

أُمُّهُ أُمُّ هانىءٍ وأبوه * من معدٍّ ومن لوَىٍّ صميم

ثم قال:

كل شيء تريده فهو فيه * حَسبٌ ثاقبٌ ودين قويمُ

وخطيب إذا تمعّرت الاَوْ * جُه يشجى به الاَلّد الخصيمُ

وحليمٌ إذا الحُبى حلّها الجـهـلُوخفّت من الرجال حلوم

وقال الاَعور الشّنّيّ في ذلك، يخاطب عتبة بن أبي سفيان:(الاَبيات)

ما زلتَ تظهرُ في عِطْفَيْكَ أُبَّهةً * لا يَرفُع الطرفَ منك التّيهُ والصَّلَفُ

ثم قال:

أشجاك جعدة إذ نادى فوارسه * حاموا عن الدّين والدّنيا فما وقفوا

هلاّ عطفتَ على قومٍ بمصرعةٍ * فيها السَّكون وفيها الاَزد والصَّدِف (2)يَبْأى: يفخر.


(314)

113
الحارث بن سُويد (1)
( ... ـ 72 هـ)

ابن قلاص التيمي، أبو عائشة الكوفي، من أصحاب عبد اللّه بن مسعود.

روى عن: الاِمام علي - عليه السّلام- ، وعبد اللّه بن مسعود، وحذيفة، وسلمان، وعمرو بن ميمون.

روى عنه: إبراهيم التيمي، وأشعث بن أبي الشعثاء، وعمارة بن عُمير، وجماعة.

وقد عُدّ من الفقهاء أيام عبد الملك بن مروان.

روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة.

توفّي سنة اثنتين وسبعين.


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|167، تاريخ البخاري 2|269 برقم 2426، تاريخ اليعقوبي 3|28 (فقهاء أيام عبد الملك بن مروان)، الجرح والتعديل 3|75 برقم 350 ، ثقات ابن حبان 4|127، مشاهير علماء الاَمصار 168 برقم 779، حلية الاَولياء 4|126 برقم 261، أسد الغابة 1|331، تهذيب الكمال 5|235 برقم 1022، تاريخ الاِسلام 302 (الحوادث 61 ـ 80) و ص : 39 برقم 154، سير أعلام النبلاء 4|156 برقم 55، الاصابة 1|369 برقم 1920، الوافي بالوفيات 11|254 برقم 372، تهذيب التهذيب 2|143 برقم 244، تقريب التهذيب 1|141 برقم 35، تنقيح المقال 1|245.

(315)

114
الحارث بن عبد اللّه الهَمْداني (1)
( ... ـ 65هـ)

الفقيه التابعي أبو زهير الكوفي، المعروف بالحارث الاَعور ، صاحب أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- ، والمتفاني في ولائه، والفقيه الاَكبر في شيعته (2)

روى عن: الاِمام علي - عليه السّلام- وابن مسعود، وبقيرة امرأة سلمان، وغيرهم.

روى عنه: أبو إسحاق السَّبيعي، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك ابن مزاحم، وسعيد بن يُحْمِد الهمداني، وآخرون.

قال الذهبي: كان الحارث من أوعية العلم، ومن الشيعة الا َُوَل.

وقال أبو بكر بن أبي داود: كان أفقه الناس، وأحسب الناس، تعلّم الفرائض


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|168، التاريخ الكبير 2|273، المعارف 324، الجرح والتعديل 3|78، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ص 88 برقم 159، تاريخ أسماء الثقات ص 108 برقم 269، رجال الطوسي 67 برقم 3، طبقات الفقهاء للشيرازي ص80، رجال ابن داود ق 1 ص 67 برقم 357، تهذيب الكمال 5|244، سير أعلام النبلاء 4|152، ميزان الاعتدال 1|435، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 65) ص 89، الوافي بالوفيات 11|253، مرآة الجنان 1|141، غاية النهاية 1|201، النجوم الزاهرة 1|185، تهذيب التهذيب 2|145، تقريب التهذيب 1|141، مجمع الرجال 2|68، شذرات الذهب 1|73، جامع الرواة 1|171، تنقيح المقال 1|242، أعيان الشيعة 4|301 و 365، الجامع في الرجال 1|430، معجم رجال الحديث 4|187، 196، 210.
(1)انظر الغدير للعلاّمة الاَميني: 11|222.

(316)

من علي رضي اللّه عنه.

ونقل الذهبي في الميزان عن ابن حبّان القول: بكونه غالياً في التشيّع، ثمّ أورد من التحامل عليه ـ بسبب ذلك ـ شيئاً كثيراً، ثم روى عن ابن سيرين انّه قال: كان من أصحاب ابن مسعود خمسة يوَخذ عنهم، أدركت منهم أربعة وفاتني الحارث فلم أره وكان يفضّل عليهم، وكان أحسنهم.

وثقه يحيى بن معين. وقال النسائي: ليس به بأس.

وقال أحمد بن صالح المصري: ثقة، ما أحفظه، وأحسن ما روى عن عليّ وأثنى عليه.

وكان الشعبي يكذبه، ثم يروي عنه.

وقد أورد ابن عبد البر