welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : موسوعة طبقات الفقهاء/ج1*
نویسنده :اللجنة العلمية فى مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)*

موسوعة طبقات الفقهاء/ج1


(232)

75
محمد بن مَسْلَمة (1)
( ... ـ 43 هـ)

ابن سَلَمة بن خالد الاَنصاري الاَوسي، أبو عبد الرحمن ، وقيل: أبو عبد اللّه.

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح في قولٍ (2) وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد. وذُكر أنّه أحد الذين قتلوا كعب بن الاَشرف (3)


*: الطبقات لابن سعد 3|443، التاريخ الكبير 1|11 برقم 1، المعارف 153، المعرفة والتاريخ 1|282، الجرح والتعديل 8|71 برقم 316، الثقات لابن حبان 3|362، المعجم الكبير للطبراني 19|222، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 59 برقم 33، الكامل في التاريخ 2|143، أُسد الغابة 4|330، تهذيب الاَسماء واللغات 1|92، تهذيب الكمال 26|456، سير أعلام النبلاء 2|369، العبر 1|37، تاريخ الاِسلام (سنة 41 ـ 60هـ) 112، الجواهر المضيئة 2|416، تهذيب التهذيب 9|454، تقريب التهذيب 2|208، الاصابة 3|363، شذرات الذهب 1|45.
1. المعروف المشهور أنّ الموَاخاة إنّما وقعت مرتين بين المهاجرين قبل الهجرة، ومرّة بين المهاجرين والاَنصار بعد الهجرة بخمسة أشهر، وفي كلتا المرتين يصطفي رسول اللّه ص لنفسه منهم أمير الموَمنين علياً - عليه السّلام- فيتخذه من دونهم أخاً. انظر السيرة الحلبية: 2|292. وقال ابن عبد البر (الاستيعاب|ترجمة علي - عليه السّلام- ): آخى رسول اللّه بين المهاجرين بمكة ثم آخى بين المهاجرين والاَنصار بالمدينة وقال في كل واحدة منهما لعلي: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».
2. كعب بن الاَشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أُمّه من «بني النضير» فدان باليهودية، وكان يقيم في حصن له قريب من المدينة، أدرك الاِسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي ص وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم. وخرج إلى مكة بعد وقعة «بدر» فندب قتلى قريش فيها، وحرّض على الاَخذ بثأرهم. وعاد إلى المدينة. وأمر النبي ص بقتله، فقُتل في سنة ثلاث من الهجرة . انظر الاَعلام: 5|225.

(233)

قال الذهبي: وقيل: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلفه مرّة على المدينة.

وقيل: إنّه استُخلف في غزوة قرقرة الكدر، وقيل: عام تبوك.

والقول بأنّه استُخلف عام تبوك لا يصحّ، لاَنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلف الاِمام عليّاً - عليه السّلام- في هذه الغزوة، فقد أخرج ابن سعد (1)بسنده عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم، قالا: لما كان عند غزوة جيش العسرة، وهي تبوك، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لعليّ بن أبي طالب: إنّه لابدّ من أن أُقيم أو تقيم فخلّفه، فلما فصل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - غازياً، قال ناس: ما خلّف علياً إلاّ لشيء كرهه منه، بلغ علياً، فاتبع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حتى انتهى إليه، فقال له: ما جاء بك يا علي؟ قال: لا يا رسول اللّه إلاّ أنّي سمعتُ ناساً يزعمون أنّك إنّما خلفتني لشيء كرهته منّي، فتضاحك رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال: ياعليّ ! أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبي؟ (2) ثمّ إنّ الطبري لم يذكر محمد بن مسلمة في هذه الغزوة. أمّا ابن هشام فذكر أنّ المستخلف محمد بن مسلمة، ثمّ روى أنّه سباع بن عرفطة، وذكر ثالثة أنّه خلّف علياً على أهله واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فأرجف المنافقون بعلي بن أبي طالب، ثم ذكر قول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (3)


1. الطبقات الكبرى: 3|24.
2. وجاء في «الاستيعاب» لابن عبد البر في ترجمة علي - عليه السّلام- : ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول اللّه ص مذ قدم المدينة، إلاّ تبوك فانّه خلفه رسول اللّه ص على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك وقال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي.
3. قال أبو عمر في ترجمة عليّ - عليه السّلام- من الاستيعاب: وروى قوله: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) جماعة من الصحابة وهو من أثبت الآثار وأصحها، رواه عن النبي ص سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً، قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عباس وأبو سعيد الخدري، وأُمّ سلمة، وأسماء بنت عميس، وجابر بن عبد اللّه، وجماعة يطول ذكرهم.وقال السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي بعد ذكر حديث المنزلة: لا يخفى ما فيه من الاَدلة القطعة والبراهين الساطعة على أنّ علياً وليّ عهده وخليفته من بعده. آثره بذلك على سائر أرحامه، وكيف أنزله منه منزلة هارون من موسى، ولم يستثن من جميع المنازل إلاّ النبوّة، واستثناوَها دليل العموم، وأنت تعلم أنّ أظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى وزارته له وشدة أزره به واشتراكه معه في أمره وخلافته عنه، وفرض طاعته على جميع أُمّته بدليل قوله تعالى: (وأجعل لي وزيراً من أهلي هرون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري) وقوله: (أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) (انظر المراجعات| المراجعة: 26، 27).

(234)

وأمّا ابن حجر فذكر في «الاصابة» أنّ محمّد بن مسلمة تخلّف بإذن النبيّ له - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يقيم بالمدينة. وقد قيل: شتان بين التخلّف والاستخلاف (1)

وكان عمر بن الخطاب قد استعمل محمد بن مسلمة على صدقات جهينة، وكان عمر إذا شُُكي إليه عامل أرسل محمداً ليكشف أمره. وهو كان رسوله إلى سعد بن أبي وقاص حين بنى القصر بالكوفة وغير ذلك، وقدم الجابية فكان على مقدمة جيش عمر.

وقد تخلّف ابن مسلمة عن بيعة أمير الموَمنين عليّ - عليه السّلام- بعد أن تدافع إليها المسلمون، وفي طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار. وقعد عن نصرة الاِمام - عليه السّلام- في معارك الجمل وصفّين والنهروان وبقي في المدينة.

روى عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحاديث يسيرة.

روى عنه: المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن الاَعرج، وعروة بن الزبير، وغيرهم.

عُدّ من المقلّين من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا.

عن المسور بن مخرمة، قال: استشار عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ الناس في املاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى فيه بغُرّة عبد أو أمة، فقال: ائتني بمن يشهد معك فشهد محمّد بن مسلمة (2)


1. انظر كتاب «الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام- » للشيخ محمد حسن آل ياسين.
2. سنن البيهقي: 8|114، صحيح البخاري: 8|14 كتاب الديات باب جنين المرأة.

(235)

وأخرج أحمد بن حنبل في (مسنده: 4|225) عن سهل بن أبي حثمة قال: رأيت محمّد بن مسلمة يطارد امرأة من الاَنصار يريد أن ينظر إليها ... فقلت: أنت صاحب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وتفعل هذا، قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: إذا ألقى اللّه عزّ وجلّ في قلب امرىَ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها.

توفّي محمّد بن مسلمة بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، وقيل: ست وأربعين، وكان قد سكن الربذة مُديدة فيما قيل.

قال ابن شاهين عن أبي داود: قتله أهل الشام ولم يعيّن السنة لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه، وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه أنّ شامياً من أهل الاَردن دخل عليه داره فقتله.


(236)

7
المِسْوَر بن مَـخْرَمة (1)
( 2 ـ 64 هـ)

ابن نوفل بن أهيب القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان.

وُلد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة بعد الفتح سنة ثمان.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن خاله عبد الرحمن بن عوف، وعمر بن الخطاب، ومحمّد بن مسلمة، وغيرهم.

روى عنه: عمرو بن دينار، وابنته أُمّ بكر، وعروة بن الزبير، وآخرون.

قدم دمشق بريداً من عثمان يستصرخ بمعاوية، وكان مع خاله عبد الرحمن مقبلاً ومدبراً في أمر الشورى، وكان هواه فيها ـ كما جاء في أُسد الغابة ـ مع عليّ (2)


*: الا َُم 1|207، تاريخ خليفة بن الخياط 196، المحبّـر 68، التاريخ الكبير 7|410، المعرفة والتاريخ 1|358، الكنى والاَسماء للدولابي 79، الجرح والتعديل 8|297، مشاهير علماء الاَمصار 43 برقم 87، الثقات لابن حبّان 3|394، المستدرك للحاكم 3|523، جمهرة أنساب العرب 129، الخلاف للطوسي 1|409، رجال الطوسي 27، الاستيعاب 3|396 (ذيل الاصابة)، المنتظم 6|32، أُسد الغابة 4|365، تهذيب الاَسماء واللغات 2|94، رجال ابن داود 189، رجال العلاّمة الحلّي 170، تهذيب الكمال 27|581، سير أعلام النبلاء 3|390، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 4هـ) 244، مرآة الجنان 1|140، الاصابة 3|399، تهذيب التهذيب 10|151، تقريب التهذيب 2|43، شذرات الذهب 1|72، جامع الرواة للاَردبيلي 2|231، تنقيح المقال 3|217، معجم رجال الحديث 18|161 برقم 12359.
1. وعدّ الشيـخ الطوسي المسـور من أصحـاب أمير الموَمنين علي - عليه السّلام- . وقال: كان رسوله - عليه السّلام- إلى معاوية.

(237)

- عليه السّلام- . وأقام بالمدينة إلى أن قُتل عثمان ثم سار إلى مكة.

وجاء في «المنتظم» أنّه انحاز إلى مكة حين توفّي معاوية.

وقد سخط المسور إمرة يزيد، وأقام مع ابن الزبير بمكة. وقال البلاذري في «أنساب الاَشراف: 5|21» (1) إنّه كان ممن وفد إلى يزيد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر، فكُتب إلى يزيد بذلك، فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسوراً الحدّ، فقال أبو حرّة:

أيشربها صهباء كالمسك ريحُها * أبو خالد والحدّ يضرب مِسْوَرُ

عُدّ المسور من فقهاء الصحابة، ونقل عنه الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتوى واحدة وهي:

من سبقه الحدث ـ أي وهو في الصلاة ـ من بول أو ريح أو غير ذلك فانّه يتوضّأ ويستأنف الصلاة.

وكان المسور لا يشرب من الماء الذي يوضع في المسجد ويكرهه ويرى أنّه صدقة.

قُتل بمكة في الحصار الاَوّل (2) أصابه حجر منجنيق وهو يصلّي فقتله، وذلك في سنة أربع وستين.


1. نقلناه من «الغدير: 10|33» للعلاّمة الاَميني.
2. الحصار الاَوّل (64 هـ) لابن الزبير كان من جيش الحصين بن نمير في زمن يزيد بن معاوية، والحصار الثاني (73 هـ) كان من جيش الحجّاج الثقفي في زمن عبد الملك بن مروان، وفيه قُتل ابن الزبير.

(238)

77
معاذ بن جبل (1)
(20 ق . هـ ـ 18 هـ)

ابن عمرو بن أوس الاَنصاري الخزرجي ، أبو عبد الرحمن.

شهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين، وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

آخى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بينه وبين عبد اللّه بن مسعود.

ذُكر أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استخلف عتّاب بن أُسيد بمكة بعد الفتح، وخلّف معه معاذاً يفقّه الناس في الدين ويعلمهم القرآن، وكان ذلك حين خرج


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 2|347، المحبر ص 72، التاريخ الكبير 7|359، المعرفة والتاريخ 1|691، الرجال للبرقي 66، الجرح والتعديل 8|244، مشاهير علماء الاَمصار 84 برقم 321، الثقات لابن حبان 3|368، المعجم الكبير للطبراني 20|28، المستدرك للحاكم 3|268، حلية الاَولياء 1|228، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 63 برقم 40، رجال الطوسي 27، الخلاف للطوسي 2|251، الاستيعاب 3|335 ذيل الاصابة، طبقات الفقهاء للشيرازي 45، المنتظم 4|264 برقم 210، أسد الغابة 4|376، تهذيب الكمال 28|105، سير أعلام النبلاء 1|443، العبر للذهبي 1|17، تذكرة الحفّاظ 1|19، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء) 175، مرآة الجنان 1|73، الجواهر المضيئة 2|415، البداية والنهاية 7|97، غاية النهاية 2|301، الاصابة 3|406، تهذيب التهذيب 10|186، تقريب التهذيب 2|55، طبقات الحفاظ ص 15 برقم 9، شذرات الذهب 1|29، تنقيح المقال 3|220، الاَعلام 7|258، معجم رجال الحديث 18|183 برقم 12415.

(239)

- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى حُنين، وقيل: بعد وقعة حنين حين اعتمر من الجِعرانة (1)

وقد بعثه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعد غزوة تبوك (سنة تسع) قاضياً ومرشداً إلى الجَنَد من اليمن، وجاء في وصيته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - معاذاً:

إنّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ اللّه فرض عليهم صدقة توَخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانّه ليس بينها وبين اللّه حجاب (2)

روى ابن سعد بسنده عن أبي عون محمد بن عبيد اللّه عن الحارث بن عمرو الثقفي عن رجال، عن معاذ بن جبل، قال: لما بعثني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى اليمن قال لي: بم تقضي إنْ عَرض قضاء؟ قال: قلتُ: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟ قال: قلتُ: أقضي بما قضى به الرسول. قال: فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟ قال: قُلت: أجتهد رأيي ولا آلو قال: فضرب صدري وقال: الحمد للّه الذي وفق رسولَ رسولِ اللّه لِما يُرضي رسول اللّه.

قال الذهبي عن حديث الاجتهاد (3)هذا: تفرّد به أبو عون محمد بن عبيد اللّه


1. سيرة ابن هشام: القسم الثاني : ص 500.
2. مكاتيب الرسول: 1|226 للاَحمدي.
3. استعملت كلمة الاجتهاد من قبل كثير من المدارس الفقهية ومنها مدرسة أبي حنيفة للتعبير بها عن القاعدة القائلة: إنّ الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً ولم يجد نصاً يدل عليه في الكتاب والسنّة رجع إلى الاجتهاد بدلاً عن النص. والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، وقد يُعبر عنه بالرأي أيضاً. أي أنّ الاجتهاد بهذا المعنى كان مصدراً للفقيه يصدر عنه ودليلاً يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية، ولقي هذا المعنى معارضة من أئمة أهل البيت - عليهم السلام - والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم. وقد استخدم فقهاء مدرسة أهل البيت مصطلح الاجتهاد ـ منذ القرن السابع ـ وأُريد به الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره. ولم يكن ـ عندهم ـ مصدراً من مصادر الاستنباط بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهري للغاية، إذ كان الفقيه على أساس المصطلح الاَوّل للاجتهاد أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص، وأمّا المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الاَحكام بالاجتهاد لاَنّ الاجتهاد بالمعني الثاني ليس مصدراً للحكم، بل هو عملية استنباط الاَحكام من مصادرها. نقلناه باختصار مع بعض التصرف من مقدمة كتاب «دروس في علم الاَُصول» للشهيد السيد محمّد باقر الصدر.

(240)

الثقفي، عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة، وما روى عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول. ثم نقل قول الترمذي: ليس اسناده عندي بمتصل، وقول البخاري: لا يصح حديثه (1)(يعني حديث الحارث بن عمرو).

قيل: إنّ معاذاً بقي في اليمن إلى أن توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وولي أبو بكر، فعاد إلى المدينة، وقيل: انّه لم يزل بالجَنَد حتى مات النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبو بكر(2) ، وقد أمّره أبو بكر على عمله، ثم هاجر إلى الشام، ويقال: انّه كان مع أبي عبيدة بن الجراح حين غزا الشام في زمن أبي بكر.

ولما أُصيب أبو عبيدة (في طاعون عمواس) استخلف معاذاً على الشام، ثم طُعن بعده في هذه السنة.

روى معاذ عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدة أحاديث.

روى عنه: أبو قتادة الاَنصاري، وأبو ليلى الاَنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن غنم، وآخرون.

وعدّ من المتوسطين من الصحابة فيما رُوي عنه من الفتيا.

قال عمر بن الخطاب حين خطب الناس بالجابية: من أراد الفقه فليأت معاذ بن جبل.


1. «ميزان الاعتدال» : 1|439 ، الترجمة 1635.
2. انظر كتاب «الاَموال»: ص 549 لاَبي عبيد القاسم بن سلاّم (ت 224). طبع دار الحداثة.

(241)

وقد نقل عنه الشيخ في «الخلاف» أربع فتاوى.

ومن المسائل الفقهية التي نُقلت عنه: إنّ وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس. قال البيهقي: ويذكر هذا القول عن عمر وعلي ومعاذ بن جبل (1).

وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده 5|237 بسنده عن معاذ: انّ النبيجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في غزوة تبوك.

توفي معاذ بناحية الاَردن، ودفن بالقصير المعيني (بالغور) وذلك في سنة ثماني عشرة، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وثلاثين سنة.


1. السنن الكبرى: 3|191.

(242)

78
المقداد بن الاَسود (1)
( 37 ق. هـ ـ 33 هـ)

المقداد بن عمرو بن ثَعْلَبة بن مالك البَهراني الكندي، أبو معبد ، وقيل: أبو عمرو.

ويقال: المقداد الكندي لاَنّه ـ فيما قيل ـ أصاب دماً في بهراء (2)فهرب منهم


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 3|161، تاريخ خليفة 124، التاريخ الكبير 8|54 برقم 2126، المعارف 150، المعرفة والتاريخ 2|161، الرجال للبرقي 1، 3، 63، 64، الجرح والتعديل 8|426 برقم 1942 الثقات لابن حبان 3|371، حلية الاَولياء 1|172، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 81 برقم 73، رجال الطوسي 27 برقم 8 و 57 برقم 1، الاستيعاب 4|409، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) بأرقام 12، 13، 17، 24، 18، 210، 19، 20، 21، 22، 24، 23، 148، 750، أُسد الغابة 4|409، تهذيب الاسماء واللغات 2|111 برقم 163، تهذيب الكمال 28|452 برقم 6162، سير أعلام النبلاء 1|385، تاريخ الاِسلام للذهبي (عهد الخلفاء الراشدين) 417، تهذيب التهذيب 10|285، تقريب التهذيب 2|272، الاصابة 3|433 برقم 8185، صفة الصفوة 1|423 برقم 20، مرآة الجنان 1|89، التحرير الطاووسي 272 برقم 406، رجال ابن داود 351 برقم 1565، مجمع الرجال 6|137، جامع الرواة 2|262، رجال العلاّمة 169 برقم 1، نقد الرجال 353، تنقيح المقال 2|244 برقم 12096، بهجة الآمال 7|86، معجم رجال الحديث 18|314 برقم 12607، قاموس الرجال 9|111، الاَعلام للزركلي 7|282.
1. بَهْراء: قبيلة من قضاعة، وهو بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة أخو بلي بن عمرو . «اللباب» لابن الاَثير: 1|191.

(243)

إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب بينهم دماً فهرب إلى مكة فحالف الاَسود بن عبد يغوث الزهري فعرف بـ «المقداد بن الاَسود». وهو زوج ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان من السابقين إلى الاِسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة ثمّ عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فبقي إلى أن بعث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عبيدة بن الحارث في سرية فلقوا جمعاً من المشركين عليهم عكرمة ابن أبي جهل، وكان المقداد وعتبة بن غزوان قد خرجا مع المشركين ليتوصلا إلى المسلمين فتواقفت الطائفتان ولم يكن قتال، فانحاز المقداد وعتبة إلى المسلمين.

وشهد المقداد بدراً وله فيها مقام مشهور، وذُكر أنّه أوّل من قاتل فارساً في الاِسلام، وشهد سائر المشاهد مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لما خرج إلى بدر استشار أصحابه فقام المقداد فقال:

يا رسول اللّه امض لمِا أُمرتَ به فنحن معك واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "إذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هاهُنا قاعِدُونَ" (1)ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق نبياً لو سرت بنا إلى برك الغماد(2) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول اللّه خيراً ودعا له.

روى المقداد عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وروى عنه: ابن عباس والمستورد بن شداد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجبير ابن نفير، وغيرهم. وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار.


1. المائدة: 24.
2. بِرك الغِماد: بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دريد: بالضم والكسر أشهر : وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن، وفي كتاب عياض: بَرْك الغمار، بفتح الباب، عن الاَكثرين، وقد كسرها بعضهم وقال: هو موضع في أقاصي أرض هَجَر. معجم البلدان: 1|399.

(244)

روى الصدوق (1) ـ قدّس سرّه ـ باسناده عن ابن بريدة عن أبيه أنّ رسول اللّه ص قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أمرني بحب أربعة. فقلنا: يا رسول اللّه! من هم، سمّهم لنا؟ فقال: عليّ منهم، وسلمان، وأبو ذر والمقداد (2)

وباسناده عن الاِمام عليّ - عليه السّلام- قال: قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : الجنة تشتاق إليك وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد (3)

ويُعد المقداد من المقرّبين من أمير الموَمنين - عليه السّلام- ومن الاَصفياء من أصحابه، وهو أحد الذين مالوا مع الاِمام عليّ - عليه السّلام- ولم يشهدوا السقيفة إيماناً بحقّه - عليه السّلام- في الخلافة. وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة (4)

روى الموَرخون أنّه اجتمع الرهط الذين عيّنهم عمر بن الخطاب للشورى في المسجد ومعهم حشد من المهاجرين والاَنصار. فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن ابن عوف: إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد بن الاَسود: صدق عمار إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. ولما أرسل عبد الرحمن بن عوف يد الاِمام عليّ - عليه السّلام- وصفق على يد عثمان، قال المقداد:

يا عبد الرحمن! أما واللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.

ثم قال: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إنّي لاَعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول إنّ أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل. أما واللّه لو أجد عليه أعواناً (5)


1. الخصال: باب الاَربعة، أمر النبي ص بحب أربعة، الحديث 126.
2. رواه أحمد في مسنده : 5|351، 356، وابن ماجة في سننه: الحديث149، في المقدمة. وفيه: قال رسول اللّه ص : «إنّ اللّه أمرني بحب أربعة وأخبرني أنّه يحبهم» قيل: يا رسول اللّه من هم؟ قال: «عليّ منهم» يقول ذلك ثلاثاً «وأبو ذر ، وسلمان، والمقداد».
3. الخصال: باب الخمسة، الجنة تشتاق إلى خمسة. الحديث 80.
4. قـال العلاّمة الاَميني في «الغدير»: 1|59: أخرج الحديث عنه ابن عقدة في حديث الولاية، والحافظ الحمويني في فرائده.
5. انظر تاريخ الطبري:3|297 قصة الشورى، و الكامل لابن الاَثير:3|71 ذكر قصة الشورى.

(245)

روى مسلم باسناده عن همّام بن الحارث أنّ رجلاً جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلاً ضخماً فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (1)

وقال اليعقوبي في تاريخه 2|163: وأكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عبيدَ اللّه بن عمر، فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال: ألا إنّي وليّ دم الهرمزان وقد وهبته للّه ولعمر، وتركته لدم عمر، فقام المقداد بن عمرو فقال: إنّ الهرمزان مولى للّه ولرسوله، وليس لك أن تهب ما كان للّه ولرسوله. قال: فننظر وتنظرون.

قال ابن الاَثير في «أُسد الغابة»: وشهد المقداد فتح مصر.

وجاء في «سير أعلام النبلاء» أنّ راشد الحُبراني، قال: وافيت المقداد بن الاَسود فارس رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بحمص على تابوت من توابيت الصيارفة قد أفضل عليها من عِظَمه، يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر اللّه إليك. فقال: أبت علينا سورة البحوث (2)(انْفِرُوا خِفافاً وثِقالاً" (3)

توفّي المقداد بالجُرف (4)فحُمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة أو نحوها (5)


1. «صحيح» مسلم: 8|228 في الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح.
2. وفي «حلية الاَولياء»: سورة البعوث.
3. التوبة: 41.
4. الجُرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. معجم البلدان: 2|128.
5. إنّ أصحاب المعاجم وإن لم يذكروا المقداد في جملة من أُخذ منه الفتيا إلاّ أنّنا نجده يتمسك بالآية في موضع الاحتجاج. ويقول: أبت علينا سورة البحوث، كما أنّه يحتج بالحديث الشريف في مقام ذم المداح، ويقول: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. ويستدل ـ ثالثة ـ بالآية الكريمة على ما يلزم الصحابة من موقف تجاه نبيهم ص في غزوة بدر.كل ذلك يعرب عن كون الرجل ذا موهبة جميلة وإحاطة بالكتاب والسنّة يعتمد عليهما في مقام الاحتجاج.

(246)

79
النعمان بن بشير (1)
(2 ـ 64هـ)

ابن سعد الخزرجي الاَنصاري ، أبو عبد اللّه.

ولد عام اثنين من الهجرة، وقيل غير ذلك، وهو أوّل مولود ولد للاَنصار بعد الهجرة فيما قيل.

روى عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعن: خاله عبد اللّه (2)بن رَوَاحَة، وعمر، وعائشة.

قال يحيى بن معين: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ،


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 6|53 و 7|322، الطبقات لخليفة 164 برقم564، المحبّر 276، التاريخ الكبير 8|75 برقم 2223، المعارف 167، المعرفة والتاريخ 1|381، تاريخ اليعقوبي 2|184، الجرح والتعديل 8|444 برقم 2033، مروج الذهب 3|97 برقم 1621، مشاهير علماء الاَمصار 87 برقم 332، الثقات لابن حبّان 3|409، أسماء الصحابة الرواة لابن حزم الاندلسي ص 62 برقم 36، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 64 برقم 42، الاستيعاب 3|522، أُسد الغابة 5|22، الكامل في التاريخ 1|684 و 2|110، تهذيب الاَسماء واللغات 2|129، مختصر تاريخ دمشق 26|161،تهذيب الكمال 29|411 برقم 6438، تاريخ الاِسلام (المغازي) 496 و عهد الخلفاء الراشدين (سنة 64) 260، سير أعلام النبلاء 3|411، دول الاِسلام 1|49، مرآة الجنان 1|140، البداية والنهاية 8|247، الجواهر المضيئة 2|415، تهذيب التهذيب 10|447، الاصابة 3|529، شذرات الذهب 1|72، الاَعلام للزركلي 8|36.
1. استشهد في وقعة موَته في زمن النبي ص سنة 8هـ ، وكان أحد الاَمراء فيها.

(247)

وأهل العراق يصحّحون سماعه منه.

روى عنه: ابنه محمّد، والشعبي، وسماك بن حرب، وغيرهم.

وعدّ من المقلّين في الفتيا من الصحابة.

وكان النعمان منحرفاً عن الاِمام عليّ (1) - عليه السّلام- ، وقد وجّهته نائلة (زوجة عثمان) بقميص عثمان الذي قُتل فيه إلى معاوية، فنزل الشام، وشهد صفّين مع معاوية.

قال ابن الاَثير: وفي سنة تسع وثلاثين فرّق معاوية جيوشه في العراق في أطراف عليّ، فوجّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر، وفيها مالك بن كعب الاَرحبي، وكان مالك قد أذن لاَصحابه فأتوا الكوفة ولم يبق معه إلاّ مائة رجل، فكتب مالك إلى مخنف بن سُليم ـ وكان قريباً منه ـ يستعينه، واقتتل مالك والنعمان أشد قتال، فوجّه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فلما رآهم أهل الشام انهزموا عند المساء، وظنوا أنّ لهم مدداً، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر (2).

وولي النعمان قضاء دمشق لمعاوية بعد فَضالة بن عُبيد (سنة 53 هـ)، وولي اليمن، ثمّ ولي الكوفة في سنة تسع وخمسين، وفي آخر سنة ستين عزله يزيد بن معاوية، وذلك أنّ بعض أهل الكوفة من أعوان بني أُمية، كتب إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل مبعوثاً من الاِمام الحسين - عليه السّلام- ، واجتماع الناس إليه، وطلبوا من يزيد أن يبعث رجلاً قوياً، فانّ النعمان ضعيف أو هو يتضعّف، فجمع يزيد الكوفة والبصرة لعبيد اللّه بن زياد وكتب إليه بعهده (3)

ثمّ ولاّه يزيد حمص، واستمر فيها إلى أن مات يزيد، وكان هواه مع معاوية


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 4|77.
2. الكامل في التاريخ: 3|375.
3. المصدر السابق: 4|22.

(248)

وميله إليه وإلى ابنه يزيد، فلما مات معاوية بن يزيد، بايع النعمان عبد اللّه بن الزبير ممالئاً للضحاك بن قيس الفهري، ولما بلغه قتل الضحاك وهزيمة الزبيريين أمام جيش مروان بن الحكم في وقعة مَرج راهط، خرج عن حمص هارباً، فسار ليلته متحيّراً لا يدري أين يأخذ، فاتّبعه خالد بن خَلّي الكلابي فيمن خفّ معه من أهل حمص، فلحقه وقتله وبعث برأسه إلى مروان، وذلك في آخر سنة أربع وستين.

وكان النعمان شاعراً، وله ديوان شعر، وهو الذي تُنسب إليه «معرّة النعمان» بلد أبي العلاء المعري. كانت تُعرف بالمعرّة ومرّ بها النعمان فمات له ولد، فدفنه فيها، فنسبت إليه.


(249)

80
أُمّ سَلَمة (1)
(... ـ 61 هـ)

هند بنت أبي أمية القرشية المخزوميّة ، زوج النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وكان أبوها يُعرف بزاد الركب، وكانت قبل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عند أبي سلمة بن عبد الاَسد المخزومي، فولدت له سلمة وعمر ودُرّة وزينب، وتوفّي فخلف عليها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة، وكانت من أعقل النساء وأشرفهن، ذات أدب بارع في مخاطبة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وطلب الحوائج منه.

وكانت فقيهة عارفة بغوامض الاَحكام الشرعية حتى أنّ جابر بن عبد اللّه الاَنصاري كان يستشيرها ويرجع إلى رأيها، فقد ذكر ابن الاَثير في حوادث سنة (40 هـ) أنّه لما أرسل معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف حتى قدم المدينة


*: الطبقات الكبرى لابن سعد 8|86، المعارف 81، الجرح والتعديل 9|464، المستدرك للحاكم 4|16، أصحاب الفتيا من الصحابة و التابعين 52 برقم 21، جمهرة أنساب العرب 119، السنن الكبرى للبيهقي 1|332، رجال الطوسي 32، الاستيعاب 4|436، الكامل في التاريخ 4|93، المغني والشرح الكبير 1|329، أسد الغابة 5|588، تهذيب الكمال 35|365، سير أعلام النبلاء 2|201، تاريخ الاِسلام للذهبي (سنة 61هـ) 382، العبر 1|48، مرآة الجنان 1|137، البداية والنهاية 8|217، الجواهر المضيئة 2|415، الاصابة 2|407 و 4|440، تهذيب التهذيب 12|455، تقريب التهذيب 2|617، كنز العمال 13|699، شذرات الذهب 1|69، أعيان الشيعة 3|479.

(250)

أرسل إلى بني سلمة: واللّه مالكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللّه، فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال لها: ماذا ترين أنّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن أُقتل؟ قالت: أرى أن تبايع.

عُدّت من المتوسطين في الفتيا من الصحابة، ونقل عنها الشيخ الطوسي في «الخلاف» فتاوى ثلاث.

حدّثت عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وفاطمة الزهراء «عليها السّلام» ، وزوجها أبي سلمة.

حدّث عنها: ابناها عمر وزينب، وابن عباس، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وآخرون.

روت جملة أحاديث في فضائل علي - عليه السّلام- ومناقب أهل البيت «عليهم السلام» .

قال أبو عبد اللّه الجدلي: دخلت على أُمّ سلمة فقالت لي: أيسب رسول اللّه ص فيكم؟! قلت: سبحان اللّه أو معاذ اللّه. قالت: سمعت رسول اللّه يقول: من سبّ عليّاً فقد سبّني (1)

وعن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلت على أُمّ سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً، وقالت: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «عليّ مع الحق والحق مع عليّ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (2)

وعن عطاء بن يسار عن أُمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت "إنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ" (3)قالت: فأرسل رسول اللّه إلى عليّ وفاطمة


1. خصـائص أميـر الموَمنين علي بن أبي طالب للنسـائي ص 24. وأخرجه الحاكم في مستدركه: 3|121 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وصححه الذهبي في تلخيصه.
2. تاريـخ بغداد للخطيـب البغدادي: 14|321 ترجمة يوسف بن محمد الموَدب. ورواه الحاكم في مستدركه: 3|124 ولكن بصيغة «علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض».
3. الاَحزاب: 33.

(251)

والحسن والحسين فقال: هوَلاء أهل بيتي.

ولما أراد عليّ - عليه السّلام- المسير إلى البصرة، دخل على أُمّ سلمة زوج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يودعها فقالت: سر في حفظ اللّه وفي كنفه فواللّه إنّك لعلى الحق والحق معك ولولا أنّي أكره أن أعصي اللّه ورسوله فإنّه أمرنا - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن نقرّ في بيوتنا لسرت معك، ولكن واللّه لاَرسلنّ معك من هو أفضل عندي وأعزّ عليَّ من نفسي: ابني عمر (1)

وكانت أُمّ سلمة آخر من مات من أُمهات الموَمنين، وكانت قد وجمت لمقتل الاِمام الحسين - عليه السّلام- وغُشي عليها، وحزنت عليه حزناً كثيراً. لم تلبث بعده إلاّ يسيراً، وانتقلت إلى رحمة اللّه تعالى، وذلك في سنة إحدى وستين.

رُوي أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أعطى أُمّ سلمة تراباً من تربة الحسين حمله إليه جبرائيل فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لاَُمّ سلمة: إذا صار هذا التراب دماً فقد قتل الحسين، فحفظت أُمّ سلمة ذلك التراب في قارورة عندها، فلما قُتل الحسين صار التراب دماً، فأعلمت الناس بقتله (2)

وعن شهر بن حوشب قال: أتيت أُمّ سلمة أُعزيها بقتل الحسين بن عليّ، ثم روى عنها حديثاً بشأن قتل الحسين - عليه السّلام- .

الحمد للّه رب العالمين




1. عمر بن أبي سلمة: من الصحابة، ولد بالحبشة في سنة 2 هـ، وربّاه النبي ص ، وشهد مع علي (عليه السّلام) الجمل، وولي له البحرين، ثم استقدمه وشهد معه صفين، وتوفّي بالمدينة في سنة 83 هـ .
2. الكامل في التاريخ: لابن الاَثير: 4|93 حوادث سنة (61 هـ) .

(252)



(253)


القسم الثاني

في

أصحاب الفتيا من التابعين

وهم مئتان



(254)



(255)

الاِمام الرابع (1)

علي زين العابدين - عليه السّلام- (2)


( 38 ـ 94هـ)

ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، رابع أئمة أهل البيت الطاهر، أبو محمد القرشي، الهاشمي، العلوي.

ولد بالمدينة المنورة في الخامس من شعبان، وقيل غير ذلك، سنة ثمان وثلاثين وقيل سبع وثلاثين، وكان له من العمر حين قام بأعباء الاِمامة بعد استشهاد أبيه الحسين - عليه السّلام- ، اثنان وعشرون عاماً أو ثلاثة وعشرون.

ومن ألقابه: زين العابدين، والسّجاد، وذو الثفنات، وأشهرها زين العابدين،


1.تقدمت ترجمة الاَئمّة الثلاث السابقين (عليهم السلام) في قسم الصحابة من هذا الجزء.

: الطبقات الكبرى لابن سعد 5|211، المحبّـر 450، التاريخ الكبير 6|266، المعارف 125، المعرفة والتاريخ 1|360، تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) لابن أبي الثلج 77 و 103 و 137، مروج الذهب 3|369 برقم 2120، مشاهير علماء الاَمصار 104 برقم 423، الكافي للكليني 2|491 ـ 494، الاَغاني 15|325، الارشـاد للمفيد 253 ـ 261، حلية الاَولياء 3|133، الرجال للطوسي 81، طبقات الفقهاء للشيرازي 63، اعلام الـورى بأعلام الهدى 256 ـ 264، تهذيب الكمال 20|383، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 4|129، المنتظم لابن الجوزي 6|326، الكامل في التاريخ 4|82، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي 291، تهذيب الاَسماء واللغات 1|343، وفيات الاَعيان 3|266، كشف الغمة في معرفة الاَئمّة 2|285، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 17|230، تاريخ الاِسلام (سنة 81 ـ 100) 352، سير أعلام النبلاء 4|386، تذكرة الحفاظ 1|74، فوات الوفيات 4|332، مرآة الجنان 1|189، البداية والنهاية 1|534، فتح الباري 14|412، تهذيب التهذيب 7|304، النجوم الزاهرة 1|229، الفصول المهمة 201، طبقات الحفاظ 37 برقم 69، بحار الاَنوار الجزء 46، شذرات الذهب 1|104، نور الاَبصار للشبلنجي ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 499، سيرة الاَئمة الاثني عشر 2|117، حياة الاِمام زين العابدين لباقر شريف القرشي ج 1 و 2، قاموس الرجال 11|29.


(256)

وبه كان يُعرف.

قال أبو الزبير: كنّا عند جابر، فدخل عليه علي بن الحسين، فقال: كنت عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدخل عليه الحسين بن عليّ، فضمه إليه، وقبّله، وأقعده إلى جنبه، ثم قال: يولد لابني هذا ابن يقال له علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من بُطنان العرش: ليقم سيد العابدين، فيقوم هو.

وجاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي إن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سمّاه بهذا الاسم. وجاء في تسميته بذي الثفنات عن الباقر - عليه السّلام- قال: «كان لاَبي في موضع سجوده آثار ثابتة يقطعها في كل سنة من طول سجوده، وكثرته».

لقد نشأ زين العابدين في بيت النبوة، الذي توالت عليه المصائب، والنكبات، وكان - عليه السّلام- على صلة وثيقة بالاَحداث التي أعقبت تربع يزيد بن معاوية على كرسي الحكم، والذي اعتبر تحدّياً للاِسلام وإهانة للمسلمين، ممّا دعا الاِمام الحسين إلى الثورة لمواجهة الخطر، فقاد - عليه السّلام- موكب الثائرين ضد الفساد والطغيان، وكان زين العابدين في ذلك الموكب الحسيني الثائر، ورأى بأُم عينيه ـ حيث أقعده المرض في تلك الاَيام عن القتال ـ مصارع أبيه وإخوته، وأعمامه، وأنصارهم على صعيد كربلاء، وشهد تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقّهم.

إنّ الاِمام الحسين - عليه السّلام- سجّل موقفاً بطولياً، بإراقة دمه، ودماء أهل بيته، وأصحابه، من أجل إحياء مفاهيم الرسالة، وإيقاظ إرادة الاَُمّة، فجاءت الثورة دامية، باعتبارها الاسلوب الاَنجع في تحريك الاِرادة المهزومة، وإيقاظ الضمائر الميتة.

ويأتي دور زين العابدين لاِكمال عملية التغيير الثورية، فاتخذ المواقف التي تملاَ النفوس غضباً مقدّساً على الحكم الظالم، ولم يترك مناسبة دون أن يذكّر بالمصائب التي حلّت بأهل البيت، حملة الاِسلام المخلصين، ممّا أدّى إلى تحفيز وإلهاب الشعور بالاِثم الذي أحسّه المسلمون عقب مقتل الحسين - عليه السّلام- ،


(257)

لتقاعسهم عن نصرته، وموقفهم المتخاذل منه.

وبدافع هذا الشعور، انطلقت الثورات، فكانت ثورة المدينة، وثورة التوابين بالكوفة، وتوالت الثورات حتى زعزعت أركان الحكم الاَموي، وأسقطته في نهاية المطاف.

ولجأ زين العابدين - عليه السّلام- إلى اسلوب آخر لاِصلاح المجتمع، وهو أسلوب الدعاء، فترك لنا ثروة زاخرة من الاَدعية المعروفة بـ «الصحيفة السجادية»، التي عالجت مختلف أدواء النفس البشرية، وتضمنت حلاً لكثير من المشاكل الاجتماعية، وزخرت بالعديد من الاَساليب التربوية، كل ذلك في أسلوب رائع يشدّ الاِنسان إلى خالقه، ويعمّق ارتباطه الروحي به.

وقد أرسل أحد الاَعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلامة الشيخ الطنطاوي (المتوفى عام 1358هـ) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «ومن الشقاوة إنّا إلى الآن لم نقف على هذا الاَثر القيّم الخالد في مواريث النبوة، وأهل البيت، وإنّي كلّما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق).

قال محمود البغدادي:

وصحيفة كانت طليعة ثورةٍ * كبرى، ودربَ سياسةٍ وحلولِ

وصحيفة كانت لآل محمّدٍ * إنجيلهم .. للّه من إنجيلِ

وصحيفة ملءَ الهدايةِ صاغها * ظلُّ النبوّة لانتشالِ الجيلِ

كالشمس في إعطائها والسيف في * ضرباته لملفّق ودخيلِ

كالروض إلاّ أنّها قد أورقت * حرّاً وقرّاً دونما تعطيلِ (1)

وللاِمام - عليه السّلام- أيضاً «رسالة الحقوق» ، التي تشتمل على خمسين مادة، بيّن فيها حقّ اللّه تعالى، وحق الوالد، وحق الولد، وحق المعلم، وحق اللسان،


1.محمود البغدادي، النظرية السياسية لدى الاِمام زين العابدين - عليه السّلام- : 379.

(258)

وحق السمع، وغيرها من الحقوق.

كما أنّه أسّس مدرسة للفقه والحديث، وقد أُحصي أكثر من مائة وستين من التابعين والموالي ممن كانوا ينهلون من معينه، ويروون عنه.

حدث عنه: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو الزناد، ويحيى بن أم الطويل، وعمرو بن دينار، والزهري ، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الاَنصاري، وطائفة.

روي عن الزهري، قال: ما رأيت أحداً كان أفقه منه. وذُكر أنّ رجلاً قال لابن المسيّب: ما رأيت أورع من فلان، قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا، قال: ما رأيت أورع منه.

وكان - عليه السّلام- إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له، فقال: «تدرون بين يدي من أقوم، ومن أُناجي».

عن أبي حازم الاَعرج، قال: ما رأيت هاشمياً أفضل منه. وعن أبي حمزة الثمالي، قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره، فيتصدق به، ويقول:« إنّ صدقة السر تطفىَ غضب الرب عزّ وجلّ». وعن عمرو بن دينار، قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أُسامة بن زيد في مرضه، فجعل محمد يبكي، فقال: «ما شأنك». قال: عليّ دين. قال: «وكم هو»؟ قال: خمسة عشر ألف دينار. قال: «فهو عليَّ». وعن يزيد بن عياض، قال: أصاب الزهري دماً خطأ، فخرج، وترك أهله، وضرب فسطاطاً، وقال: لا يظلّني سقف بيت، فمرّ به علي بن الحسين - عليه السّلام- ، فقال: «يا ابن شهاب، قنوطك أشد من ذنبك، فاتق اللّه، واستغفره، وابعث إلى أهله بالدية، وارجع إلى أهلك» فكان الزهري يقول: علي بن الحسين أعظم الناس عليّ منّة.

قال الذهبي في وصف زين العابدين - عليه السّلام- : كان له جلالة عجيبة، وحقّ له واللّه ذلك، فقد كان أهلاً للاِمامة العظمى لشرفه، وسوَدده، وعلمه، وتألهّه،


(259)

وكمال عقله.

وقال الحافظ أبو نعيم: فمن هذه الطبقة [أي طبقة تابعي المدينة] علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السّلام- ، زين العابدين، ومنار المتقين، وكان عابداً وفياً، وجواداً حفياً.

وقال الشيخ محمد أبو زهرة: فعلي زين العابدين كان إمام المدينة نبلاً وعلماً، وقال: كان ملء الاَبصار والقلوب في بلاد الحجاز كلّها، والذي كانت الجموع تنزاح بين يديه، من غير سلطان، ولاحكم إلاّ الشرف والفضيلة وكريم الخصال (1).

قال علماء السير: حج هشام بن عبد الملك، ولم يل الخلافة بعد، فطاف بالبيت، فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه، فلم يقدر عليه، فنصب له منبر، وجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل علي بن الحسين، فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر، تنحّى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟! فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً، فقال الفرزدق: ولكنني أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس؟ فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد اللّه كلهمُ * هذا التقيُّ النقيّ الطاهر العلمُ

إذا رأته قريشٌ قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

يُنمى إلى ذروة العزّ التي قصرت * عن نيلها عرَبُ الاِسلام والعجمُ

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ماجاء يستلمُ

يغضي حياءً ويُغضى من مهابته * فما يكلّمُ إلاّ حين يبتسمُ


(1)تاريخ المذاهب الاِسلامية : 639 و 642.

(260)

هذا ابن فاطمة إنْ كنتَ جاهلَهُ * بجدِّه أنبياء اللّه قد ختموا

من معشر حبّهم دين وبغضُهُمُ * كفر وقربُهُم منجىً ومعتصمُ

إنْ عدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الاَرض قيل همُ

إلى آخر القصيدة التي تبلغ نحواً من ثلاثين بيتاً كما في رواية ابن الجوزي، والسبكي في طبقات الشافعية.

وممّا جاء في أدعية الصحيفة السجادية، دعاوَه لاَهل الثغور، نقتطف منه ما يلي:

«اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وحصِّن ثغور المسلمين بعزَّتك، وأيِّد حُماتها بقوتك، وأسْبغ عطاياهم من جِدَتك، اللّهم صلّ على محمّد وآله، وكثّر عدّتهم، واشحذ أسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم، وألّف جمعهم، ودبّر أمرهم، وواتِر بينِ ميَـرِهم، وتوحّد بكفاية موَنِهِم، واعضدهم بالنصر، وأعنْهم بالصبر، والطف لهم في المكر ... ، وأنْسِهم عند لقائهم العدو ذكرَ دنياهم الخدّاعة الغرور، وامحُ عن قلوبهم خطرات المال الفتون، واجعل الجنة نصبَ أعينهم، ولوّح منها لاَبصارهم ما أعددت فيها من مساكن الخلد، ومنازل الكرامة...

وقال - عليه السّلام- في حق الولد: «فإن تعلم أنّه منك، ومضاف إليك، في عاجل الدنيا، بخيره وشرّه، وأنّك مسوَول عمّا وليته من حسن الاَدب، والدلالة على ربّه عزّ وجلّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الاِحسان إليه، معاقب على الاِساءة إليه».

وفي حق الناصح قال - عليه السّلام- :« أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى بالصواب حمدت اللّه عزّ وجلّ، وإن لم يوفّق رحمته، ولم تتهمه».

توفي زين العابدين - عليه السّلام- في الخامس والعشرين من شهر محرم، وقيل غير ذلك سنة أربع وتسعين ،وقيل: خمس وتسعين، ودفن في مقبرة البقيع بالمدينة إلى جوار عمه الاِمام الحسن بن علي - عليهما السّلام- .