welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(148)

أسانيد الحديث

قد روي هذا الحديث في السنن والمسانيد، وغيرهما من كتب الحديث، والاَُصول، والاستدلال فرع ثبوت الحديث سنداً، ودلالة، فلنتطرق إلى الحديث من كلا الجانبين.

1. سنن ابن ماجه

روى الحديث الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني (207ـ275هـ) في «سننه»، قال: حدّثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا معان بن رفاعة السلامي، حدّثني أبو خلف الاَعمى، قال: سمعت أنس ابن مالك، يقول: سمعت رسول اللّهص يقول: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الاَعظم».

وينقل محقّق الكتاب عن كتاب مجمع الزوائد للهيثمي: في إسناده أبو خلف الاَعمى، واسمه حازم بن عطا، وهو ضعيف. وقد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر. قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. (2)


1. لاحظ تعليقة محقق سنن ابن ماجه: 2|1303.
2. ابن ماجة: السنن: 2|1303، الحديث 3950.

(149)

أقول: أبو خلف الاَعمى، قال عنه الذهبي: يروي عن أنس بن مالك، كذّبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. (1)

وأمّا السواد الاَعظم في متن الرواية فهو الجماعة الكثيرة، وإنّما أمر بالتمسّك بهم باعتبار أنّ اتّفاقهم أقرب إلى الاِجماع.

قال السيوطي في تفسير السواد الاَعظم: أي جماعة الناس ومعظمهم.

وقد استعمله الاِمام علي - عليه السّلام - في هذا المعنى في بعض خطبه، قال:

«الزموا السواد الاَعظم، فإنّ يد اللّه مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب، ألا مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه». (2)

2. سنن الترمذي

روى الترمذي (209ـ297هـ) في «سننه»، قال: حدّثنا أبو بكر بن نافع البصري، حدّثني المعتمر بن سليمان، حدّثنا سليمان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قال: «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي، أو قال: أُمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على ضلالة، ويد اللّه مع الجماعة و من شذَّ شذَّ إلى النار».

قال أبو عيسى (الترمذي) : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان، وقد روى عنه أبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، وغير واحد من أهل العلم.

ثمّ أضاف وقال: وتفسير الجماعة عند أهل العلم، هم أهل الفقه والعلم


1. ميزان الاعتدال: 4|521، برقم 10156.
2. نهج البلاغة، ط عبدة، الخطبة برقم 123، وفي طبعة صبحي الصالح برقم 127.

(150)

والحديث، قال: وسمعت الجارود بن معاذ، يقول: سمعت علي بن الحسن، يقول: سألت عبد اللّه بن المبارك: مَن الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر؟ قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد اللّه بن المبارك: أبو حمزة السّكري جماعة.

ثمّ أضاف: أبو حمزة، هو محمّد بن ميمون، وكان شيخاً صالحاً، وإنّما قال هذا في حياته عندنا. (1)

أقول: فيما ذكره تأمل واضح.

أوّلاً: إنّ سليمان بن سفيان المدني قد عرّفه الذهبي قائلاً: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة، وكذا قال النسائي.

وقال أبو حاتم، والدارقطني: ضعيف، وليس له في السنن والمسانيد غير حديثين. (2)

ثانياً: كيف يفسر الاَُمّة بأهل الفقه والعلم والحديث، مع أنّ الاَُمّة تشمل جميع من آمن برسالة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟!

وأعجب منه تفسير عبد اللّه بن المبارك بالخليفتين أبي بكر وعمر، ثمّتفسيره بفلان وفلان، ولم يعلم أنّه ماذا أراد منهما؟ وأشدّ عجباً تطبيقه على أبي حمزة السكري، معلّلاً بأنّه جماعة وهل هذا إلاّ الغلو؟!

وقد صار الحديث ذريعة لتصويب خلافة الخلفاء.


1. الترمذي: السنن: 4|466 برقم2167، كتاب الفتن.
2. ميزان الاعتدال: 2|209، الحديث 3469.

(151)

3. سنن أبي داود

روى أبو داود (202ـ275هـ) قال: حدّثنا محمد بن عوف الطائي، حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل، قال حدثني ضمضم عن شريح، عن أبي مالك ـ يعني الاَشعري ـ قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة». (1)

وفي السند محمد بن عوف الطائي، ذكره الذهبي، قال: محمد بن عوف، عن سليمان بن عثمان، مجهول الحال. (2)

وأيضاً فيه ضمضم، ذكره الذهبي، وقال: ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد. وثّقه يحيى بن معين، وضعّفه أبو حاتم، روى عنه جماعة. (3)

وقد اتّفقت السنن الثلاث على لفظ «ضلالة» دون لفظ خطأ.

4. مسند أحمد بن حنبل

روى أحمد بن حنبل (164ـ241هـ) في مسنده، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عياش، عن البختري بن عبيد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أنّه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لن يجمع أُمّتي إلاّ على هدى». (4)


1. سنن أبي داود: 4|98 برقم 4253.
2. ميزان الاعتدال: 3|676 برقم 8030.
3. ميزان الاعتدال: 2|331 برقم 3960.
4. مسند أحمد بن حنبل: 5|145.

(152)

وفي السند ابن عياش الحميري، قال عنه الذهبي: مجهول. (1)

وفي السند أيضاً البختري، وهو البختري بن عبيد، ذكره الذهبي، وقال: ضعّفه أبو حاتم، وغيره تركه، فأمّا أبو حاتم فأنصف فيه، وأمّا أبو نعيم الحافظ فقال: روى عن أبيه موضوعات.

وقال ابن عدي: روى عن أبيه قدر عشرين حديثاً عامّتها مناكير، منها: اشربوا أعينكم الماء، ومنها: الاَُذنان من الرأس، ثمّقال: وله عند ابن ماجه حديث عن أبيه عن أبي هريرة: صلوا على أولادكم. (2)

ولعلّ الرواية منقولة بالمعنى، وقد عرفت اتفاق السنن الثلاث على لفظ «الضلالة» وعبّر عنها بـ: لن تجتمع أُمّتي إلاّ على هدىً.

5. مستدرك الحاكم

روى الحاكم النيسابوري (321ـ405هـ) ، في مستدركه على الصحيحين هذا الحديث، بمسانيد تشترك في المعتمر بن سليمان قال:

فيما احتجّ به العلماء على أنّ الاِجماع حجّة، حديث مختلفٌ فيه على المعتمر ابن سليمان قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الاَصم ببغداد، حدّثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدّثنا خالد بن يزيد القرني، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا يجمع اللّه هذه الاَُمّة على الضلالة أبداً، وقال: يد اللّه على الجماعة، فاتبعوا السواد الاَعظم، فإنّه مَن شذّ شذَّ في النار». (3)


1. ميزان الاعتدال: 4|594 برقم 10821.
2. ميزان الاعتدال: 1|299 برقم 1133.
3. المستدرك للحاكم: 1|115.

(153)

قال الحاكم ـ بعد نقله للحديث بأسانيده السبعةـ: فقد استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان، وهو أحد أركان الحديث من سبعة أوجه، لا يسعنا أن نحكم انّ كلّها محمولة على الخطأ بحكم الصواب، لقول من قال عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول، نسبنا الراوي إلى الجهالة فوهن به الحديث، ولكنّا نقول: إنّ المعتمر ابن سليمان، أحد أئمّة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث، فلابدّ من أن يكون له أصل بأحد هذه الاَسانيد، ثمّ وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا ادّعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لاِجماع أهل السنّة على هذه القاعدة من قواعد الاِسلام.

فمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة: عبد اللّه بن عباس، ثمّ ذكر حديث ابن عباس.

وأمّا معتمر الذي وقع في سند الحديث، ذكره الذهبي، وقال: معتمر بن سليمان التيمي البصري أحد الثقات الاَعلام.

قال ابن خراش: صدوق يخطىَ من حفظه، وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة.

قلت: هو ثقة مطلقاً.ونقل ابن دحية، عن ابن معين: ليس بحجّة. (1)

هذا ما لدى أهل السنّة إذا اقتصرنا من الحديث على صورة المسند منه، وأمّا نقله مرسلاً فقد تضافر نقله في كتبهم وأرسلوه إرسالاً مسلماً.
1. رواه الغزالي (450 ـ 505هـ) في ا«لمستصفى»، قال: تضافرت الرواية عن رسول اللّه بألفاظ مختلفة مع اتّفاق المعنى في عصمة هذه الاَُمّة من الخطأ.(2)


1. ميزان الاعتدال: 4|143 برقم 8648.
2. المستصفى: 1|111.

(154)

2. وقال في« المنخول»: وممّا تمسّك به الاَُصوليون، قولهص: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» وروي «على خطأ» ولا طريق إلى ردّه بكونه من أخبار الآحاد، فانّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بها، وإن كانت مظنونة.

فإن قيل: فما المختار عندكم في إثبات الاِجماع؟

قلنا: لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدل عليه، ولم يشهد له من جهة السمع خبر متواتر ولا نص كتاب، وإثبات الاِجماع بالاِجماع تهافت، والقياس المظنون لا مجال له في القطعيات. (1)

يلاحظ على ما ذكره:

أوّلاً: أنّ الوارد في السنن والمسانيد هو لفظ «ضلالة» و لم نقف على لفظ «على خطأ» وعلى ذلك فالرواية ترجع إلى الاَُصول والعقائد التي تدور عليها الهداية والضلالة، لا المسائل الفقهية التي لا يعدّ المخالف للحكم الواقعي ضالاً، فالتمسك به في إثبات حجّية الاِجماع كما ترى.

وثانياً: وجود التناقض في كلامه حيث قال: «إنّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بأخبار الآحاد وإن كانت مظنونة» وهذا ينافي ما قاله أخيراً: «القياس المظنون لا مجال له في القطعيات».

وجه التناقض أنّ الخبر الواحد والقياس من حيث إفادة الظن سيّان، فكيف تثبت القواعد القطعية بالظن مستنداً إلى خبر الواحد، ولا يثبت بالقياس؟!

وأعجب منه ثبوت القواعد القطعية بالظن، مع أنّالنتيجة تابعة لاَخس المقدمتين.


1. المنخول: 305ـ 306، طبع دار الفكر.

(155)

3. وقال تاج الدين السبكي عبد الوهاب بن علي (المتوفّى771هـ) في كتابه «رفع الحاجب على ابن الحاجب»، فانّه بعد ذكر طرق الحديث ورواته قال: أمّا الحديث فلا أشك انّه اليوم غير متواتر، بل لا يصحّ، أعني لم يصح منه طريق على السبيل الذي يرتضيه جهابذة الحفاظ، ولكني اعتقد صحّة القدر المشترك من كلّ طرقه، والاَغلب على الظن أنّه «عدم اجتماعها على الخطأ».وأقول: مع ذلك جاز أن يكون متواتراً في سالف الزمان ثمّ انقلب آحاداً. (1)

***

الحديث في كتب الشيعة

أمّا الشيعة فلم تنقله مسنداً، إلاّ الصدوق في «خصاله»، ومنه أخذ صاحب الاحتجاج ونقله فيه.

وروي أيضاً في رسالة الاِمام الهادي - عليه السّلام - التي كتبها في الرد على أهل الجبر والتفويض، نقلها ابن شعبة الحراني في «تحف العقول»، مرسلاً لا مسنداً؛ ونقله أيضاً الاَُصوليون من الشيعة عند البحث في الاِجماع، وإليك ما وقفنا على نصوصهم بصدد هذا الحديث:

1. خصال الصدوق

روى الصدوق (306ـ381هـ) في «الخصال» قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمد الحسني، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال حدّثني أحمد بن


1. رفع الحاجب عن ابن الحاجب: ورقة 176 ب، المخطوط في الاَزهر.

(156)

التغلبي (1)، قال: حدّثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدّثني حفص بن منصور العطار، قال: حدّثنا أبو سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: «لمّا كان من أمر أبي بكر و بيعة الناس له، وفعلهم بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، ويرى منه انقباضاً، فكبر ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءَه واستخراج ما عنده و المعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إيّاه أمر الاَُمّة، وقلة رغبته وزهده فيه.

أتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة ـ ثمّنقل بعض ما دار بينهما من الكلام ـ إلى أن قال: فقال له علي - عليه السّلام - : «فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟».

فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي على ضلال» و لما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، وأعطيتهم قود الاِجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.

فقال علي - عليه السّلام - : «أمّا ما ذكرت من حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه لا يجمع أُمّتي على ضلال» أفكنت من الاَُمّة أو لم أكن؟» قال: بلى، قال: «وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر و المقداد وابن عبادة ومن معه من الاَنصار؟» قال: كلّ من الاَُمّة.

فقال علي - عليه السّلام - : «فكيف تحتج بحديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأمثال هوَلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للاَُمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ونصيحته منهم تقصير؟!». (2)


1. هو أحمد بن عبد اللّه بن ميمون التغلبي، قال ابن حجر: ثقة زاهد.
2. الخصال: 2|548ـ 549، أبواب الاَربعين، الحديث 30.

(157)

يلاحظ عليه: أنّ السند مشتمل على رجال مجهولين، أو مهملين، فلا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث على صحّة ما ورد فيه.

أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون قبول الاِمام للحديث من باب الجدل والرد على الخليفة من الطريق الذي سلكه.

2. تحف العقول لابن شعبة الحراني

إنّ الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني من أعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري، يروي عن أبي علي محمد بن همام، (المتوفّـى 336هـ) المعاصر للصدوق (المتوفّـى 381هـ) ، أُستاذ الشيخ المفيـد (336ـ 413هـ) قد روى في كتابه القيّم «تحف العقول» رسالة الاِمام الهادي إلى الاَهوازيين في الردّ على أهل الجبر والتفويض، وجاء فيها ما نصّه: وقد اجتمعت الاَُمّة قاطبة لا اختلاف بينهم أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون، وذلك بقول رسول اللّه: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» فأخبر أنّ جميع ما اجتمعت عليه الاَُمّة كلّها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاً. (1)

والرسالة مرسلة لم نجد لها سنداً، ونقلها الشيخ الطبرسي في «الاحتجاج» (2) بلا اسناد أيضاً، كما رواها المجلسي في «البحار» مرسلاً. (3)

هذا ما يرجع إلى تلك الرواية في كتب الشيعة الحديثية، وقد عرفت أنّ المسند في «الخصال» مشتمل على مجاهيل ومهملين، والمرسل منها لا ينفع مالم


1. تحف العقول: 458، باب ما روي عن الاِمام الهادي - عليه السّلام - .
2. الاحتجاج: 2|478 برقم 328.
3. البحار: 4|15.

(158)

يحرز ثبوت الرسالة إلى الاِمام.

وأمّا غير الكتب الحديثية فقد نقلها غير واحد في كتبه منهم:

أ. الشيخ الطوسي (385ـ460هـ) فقد نقل الحديث عند البحث عن حجّية الاِجماع في نظر أهل السنّة، فقال: واستدلوا أيضاً على صحّة الاِجماع بما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «لا تجتمع أُمّتي على خطأ» وبلفظ آخر «لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على الخطأ» و بقوله: «كونوا مع الجماعة» وبقوله: «يد اللّه على الجماعة» وما أشبه ذلك من الاَلفاظ.

ثمّ أجاب عن الاستدلال بهذه الاَحاديث وقال:

وهذه الاَخبار لا يصحّ التعلّق بها لاَنّها كلّها أخبار آحاد لا توجب علماً، وهذه مسألة طريقها العلم.

وليس لهم أن يقولوا إنّ الاَُمّة قد تلقّتها بالقبول وعملت بها.

لاَنّا أوّلاً: لا نسلّم أنّ الاَُمّة كلّها تلقّتها بالقبول.

ولو سلّمنا ذلك لم يكن أيضاً فيها حجّة، لاَنّ كلامنا في صحّة الاِجماع الذي لا يثبت إلاّ بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصحّ حتى يثبت أنّهم لا يجمعون على خطأ.

إلى أن قال: ولو سلم من جميع ذلك، لجاز أن يحمل على طائفة من الاَُمّة، وهم الاَئمة من آل محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، لاَنّ لفظ «الاَُمّة» لا يفيد الاستغراق على ما مضى القول فيه، وذلك أولى من حيث دلت الدلالة على عصمتهم من القبائح.

وإن قالوا: يجب حمله على جميع الاَُمّة لفقد الدلالة على أنّ المراد بعض الاَُمّة.

كان لغيرهم أن يقول: أنا أحمل الخبر على جميع الاَُمّة من لدن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن تقوم الساعة، حيث إنّ لفظ الاَُمّة يشملهم ويتناولهم، فمن أين أنّ إجماع


(159)

كلّعصر حجّة؟

وأمّا الخبر الثاني من قوله: «لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على خطأ» فصحيح ولا يجيء من ذلك أنّه لا يجمعون على خطأ.

وليس لهم أن يقولوا: إنّ هذا لا اختصاص فيه لاَُمّتنا بذلك دون سائر الاَُمم، لاَنّ اللّه تعالى لا يجمع سائر الاَُمم على الخطأ.

وذلك أنّه وإن كان الاَمر على ما قالوه، فلا يمتنع أن يخص هوَلاء بالذكر ومن عداهم يعلم أنّ حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن والاَخبار.

على أنّ هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا. (1)

وقد عدّ العلاّمة في فصل خصائص النبي من كتاب النكاح، أنّمن خصائصه أنّ أُمّته لا تجتمع على الضلالة. (2)

وقد نقل المحقّق التستري أنّ العلاّمة نقل الحديث في كتابيه «الاَلفين» و«المنتهى».

أقول: أمّا كتاب الاَلفين فقد ذكر أنّ من فوائد الاِمام عصمة الاَُمة، قال ما نصه: امتناع الخطأ والاِمامة (3) مع تمكن الاِمام من المكلف... إلى آخر ما ذكره. (4)

فهو يعدّ الاَُمّة معصومة لاَجل وجود الاِمام من دون إشارة إلى الحديث.

وأمّا «المنتهى» فلم نعثر فيه على الحديث.


1. عدّة الاَُصول: 2|625ـ 626، نقلناه بتلخيص، طبع عام 1417هـ.
2. التذكرة: 2|568، رقم الخصيصة هـ|17.
3. كذا في النسخة المطبوعة في موَسسة دار الهجرة، ولعلّ الصحيح: (على الاَُمّة) .
4. الاَلفين: 211.

(160)

وقال المحقّق التستري: وأقوى ما ينبغي أن يُعتمد عليه من النقل حديث: «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ» وما في معناه لاشتهاره وقوّة دلالته. وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه، وتلقّيهم له بالقبول لفظاً ومعنى وادّعاء جماعة منهم تواتره معنى...، إلى أن قال: حكى بعض المحدّثين من التحف مرسلاً عنه - عليه السّلام - انّه قال أيضاً: «إنّ اللّه قد احتج على العباد بأُمور ثلاثة: الكتاب، والسنّة، وما أجمع عليه المسلمون»، وقد روي في هذا الباب أخبار أُخر من طرقنا تقتضي حجّية الاِجماع الواقع على الحكم بنفسه، ووجوب العمل بخبر أجمع على العمل به أو على روايته مع قبوله كما تقتضي إمكان وقوع الاِجماع والعلم به وهي أخبار شتى، إلى أن قال: موَيدة بما ورد في المنع من فراق الجماعة وغيره، ولتطلب جميعاً من كتاب المناهج، وفّق اللّه سبحانه لاِتمامه. (1)

هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا إلى أواخر القرن الثالث عشر.

نعم جاء ذكر هذا الحديث في الكتب الاَُصولية الاستدلالية لكلا الفريقين، ولا داعي للاِطالة بالنقل عنها.

حصيلة البحث:

إنّ للقارىَ أن يستنتج من هذا البحث الضافي حول الرواية الاَُمور التالية:

الاَوّل: أنّ الرواية من أخبار الآحاد، لم تنقل بسند صحيح في كتب الفريقين، وقدعرفت وجه الضعف عند نقلها عن كتب الصحاح والمسانيد.

الثاني: أنّالمنقول مسنداً هو لفظ «الضلالة» لا لفظ «الخطأ»، أو «على غير هدى» كما في مسند الاِمام أحمد، وإنّما جاء الخطأ في غير الكتب الحديثية.


1. كشف القناع: 6ـ 7، طبع عام 1316هـ.

(161)

الثالث: أنّ الحديث على فرض ثبوته يرجع إلى المسائل العقائدية التي عليها مدار الهداية والضلالة، أو ما يرجع إلى صلاح الاَُمّة من وحدة الكلمة والاجتناب عن التشتّت فيما يمسّ وحدة المسلمين.

وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب والمخطىَ فيها بالهداية والضلالة، كما لا يكون مصير الشاذ فيها مصير النار، أو نصيب الشيطان.

وعلى ذلك فالاستدلال به على حجية الاِجماع في المسائل الفقهية غير تام.

الرابع: لو سلّمنا سعة دلالة الحديث فالمصون من الضلالة هو الاَُمّة بما هي أُمّة، لا الفقهاء فقط، ولا أهل العلم، ولا أهل الحل والعقد، وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتفقت عليه جميع الاَُمّة في العقائد والاَُصول.

الخامس: أنّ مصونية الاَُمّة كما يمكن أن يكون لكمال عقلها، يمكن أن يكون لوجود معصوم فيهم، والرواية ساكتة عنه فلا يمكن أن يستدل بالرواية على أنّ الاَُمّة مع قطع النظر عن المعصوم مصونة عن الخطأ، بل لما ثبت في محلّه أنّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم تكون عصمة الاَُمّة بعصمة الاِمام.

قال أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «اللّهم بلى، لا تخلو الاَرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته». (1)

روى العياشي باسناده إلى إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير (2) خبث الحديد.(3)


1. نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 147.
2. الكير: جلد غليظ ذوحافات ينفخ فيه الحداد.
3. رجال الكشي: 10برقم 5، فصل فضل الزيارة والحديث.

(162)

مصادر التشريع
4



العقل

حجّية العقل في مجالات خاصة

إنّ العقل أحد الحجج الاَربع التي اتّفقت فقهاء الشيعة إلاّ قليلاً منهم على حجّيته، و لاَجل إيضاح الحال نقدّم أُموراً:

الاَوّل: الاِدراك العقلي ينقسم إلى إدراك نظري و إدراك عملي، فالاَوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم، كإدراك وجود الصانع و صفاته و أفعاله و غير ذلك، و الثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل، كإدراكه حسن العدل و قبح الظلم ووجوب ردّالوديعة و ترك الخيانة فيها، و المقْسَمْ هو الاِدراك فهو ينقسم إلى نظري و عملي، و ربما يُتوسع فيقسم العقل إلى القسمين.

الثاني: انّ الاستدلال لا يتم إلاّ بأحد طرق ثلاثة:
1. الاستقراء.
2. التمثيل.
3. القياس المنطقي.

والاستقراء الناقص لا يحتج به، لاَنّه لا يفيد إلاّ الظنّ ولم يدلّ دليل على حجّية مثله، و أمّا الاستقراء الكامل فلا يعدّ دليلاً، لاَنّ المستقرىَ يصل إلى النتيجة في ضمن الاستقراء، فلا تبقى حاجة للاستدلال به على المدعى.


(163)

وبعبارة أُخرى: الاستقراء الكامل علوم جزئية تفصيلية تُصَبُّ في قالب قضية كليّة عند الانتهاء من الاستقراء دون أن يكون هناك مجهول يُستدل به على المعلوم.

وأمّا التمثيل، فهو عبارة عن القياس الاَُصولي الذي لا نقول به، كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن مصادر التشريع غير المعتبرة عندنا، والمعتبرة عند أهل السنّة.

فتعيّن أن تكون الحجّة هي القياس المنطقي، و هو على أقسام ثلاثة:

أ. أن تكون الصغرى والكبرى شرعيّتين وهذا ما يسمّى بالدليل الشرعي.

ب. أن تكون كلتاهما عقليّتين، كإدراك العقل حسن العدل وحكمه بوجوب العمل على وفقه، و قبح الظلم و حكمه بالاجتناب عنه، و هذا ما يعبّر عنه بالمستقلاّت العقلية، أو التحسين والتقبيح العقليين.

ج. أن تكون الصغرى شرعية و الكبرى عقلية.

أقسام الحكم العقلي:

إنّ الاَحكام الشرعية المستنبطة من الاَحكام العقلية تنقسم إلى قسمين:

الاَوّل: ما يستنبط من مقدّمتين عقليّتين، وهذا كالحكم بحسن العدل و قبح الظلم، وحكمه بكونهما عند الشرع أيضاً كذلك، و هذا ما يسمّى بالمستقلات العقلية، فالدليل بعامة أجزائه عقلي فقد حكم بحسن العدل كما حكم بالملازمة بين العقل و الشرع.

الثاني: ما تكون إحدى المقدّمتين عقلية، والاَُخرى شرعيّة و هذا كما في باب الملازمات العقلية كوجوب المقدّمة، فإنّالعقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء و وجوب ما يتوقّف عليه، وأنّطالب الشيء طالب مقدّماته أيضاً،


(164)

أو يحكم بثبوت التلازم بين الاَمر بالشيء و حرمة أضداده، وأيضاً يكشف عن أنّ حكم الشرع في كلا الموردين أيضاً كذلك.

و من الواضح انّه لا يمكن التوصل بهذا الحكم الكلّي إلى وجوب الوضوء إلاّ بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة و توقفها عليه، فيقال إذا أُريدَترتيبُ القياسِ وأخذُ النتيجة: الوضوء ممّا يتوقف عليه الواجب (الصلاة) وهذه مقدّمة شرعية وكلّ ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب عقلاً وهذه مقدمة عقلية فينتج: الوضوء واجب عقلاً. وهذا ما يعبّر عنه بغير المستقلاّت العقلية. نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.

الثالث: الفرق بين هذا المقام الباحث عن حجّية العقل وبين الدارج في الكتب الاَُصولية، أعني البحث عن وجود الملازمة العقلية بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه إلى غير ذلك، هو أنّ البحث في الثاني يدور حول وجود الملازمة بين الاِرادتين أو الوجوبين عند العقل وعدمها؟ و لكن البحث في هذا المقام يدور حول كشفه عن كون الحكم كذلك عند الشرع أيضاً ؟

وبعبارة أُخرى: إنّ البحث في المقام الثاني، منصبّ على إثبات الملازمة العقلية بين الوجوبين و عدمها، أو وجودها بين الوجوب و حرمة ضدّه وعدمها.

نعم بعد ثبوتها يبحث في المقام عن وجود الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و أنّالواجب عقلاً، واجب شرعاً أيضاً أو لا.

وعلى ذلك فالبحث في الثاني مركّز على كشف حكم العقل في باب المقدمة كما انّه مركّز في المقام على كشفه عن حكم الشرع فيه.

الرابع: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، و ربما


(165)

يعرَّف بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري (1) مثلاً إذا حكم العقل بأنّالاِتيان بالمأمور به على ما هو عليه موجب لحصول الامتثال يُستدل به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتّب عليه براءة الذمّة عن الاِعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الاَهم كالنفس المحترمة على المهم كالتصرف في مال الغير بلا إذنه، فيُستدل به على الحكم الشرعي و هو وجوب إنقاذ الغريق، و جواز التصرف في مال الغير، كلّذلك توصلٌ بالحكم العقلي للاهتداء إلى الحكم الشرعي.

الخامس: انّ الاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي يتصور على وجهين:

أ. إذا أدرك العقلُ حكم الموضوع عند لحاظه بما هو هو مع قطع النظر عن سائر الجهات (2) من كونه ذا مصلحة أو مفسدة، موجب لبقاء النظام أو زواله، نافع للمزاج أو مضرّ به، بل استقلّ العقل بحكمه إذا نظر إلى الموضوع بما هو هو، من دون لحاظ أيّ ضميمة من الضمائم، و من أوضح أمثلة هذا القسم استقلاله بحسن العدل و حكمه بلزوم فعله، و قبح الظلم و حكمه بلزوم تركه.

نعم المورد لا ينحصر بالتحسين والتقبيح و سيوافيك أنّ كلّ ما يدركه العقل بوصف كونه حكماً عاماً غير مقيّد بفاعل خاص، ولا ظرف معيّن، فهو من مصاديق هذا القسم، نظير إدراكه الملازمة بين الاِرادتين و الوجوبين، أو بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، و هكذا فإنّ المدرَك حكم عام غير مقيّد بشيء. غير انّ التحسين والتقبيح من المستقلات العقلية وغيرهما كباب الملازمات من غير المستقلات العقلية لكن يجمعهما استقلال العقل في إدراك الحكم العام الذي


1. القوانين: 2|2؛ مطارح الاَنظار: 233.
2. سيوافيك توضيحه في نهاية البحث.

(166)

يشارك فيه الممكن والواجب. فيقع الكلام في أنّه هل يستكشف منه كون الحكم عند الشرع أيضاً كذلك.

ب. إذا استقل العقل بوجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه وبلزوم حيازة الاَُولى والاجتناب عن الثانية، فهل يُستكشف منه الوجوب أو الحرمة عند الشارع أيضاً بحيث يكون العلم بالمصالح والمفاسد من مصادر التشريع الاِسلامي؟

إذا عرفت ذلك، فيقع البحث عن حجّية العقل في مقامين:

المقام الاَوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع بما هو هو من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح و المفاسد، ـ ومن أمثلته وراء ما مرّ ـ استقلاله بقبح تكليف غير المميز و من لم يبلغه البيان، فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع أيضاً كذلك أو لا ؟ فذهب الاَُصوليون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، و ما ذلك إلاّ لاَنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.

مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) فقد أدرك انّه حسن مطلقاً أي سواء أكان الفاعل واجب الوجود أم ممكن الوجود، و سواء أكان الفعل في الدنيا أم في الآخرة، و سواء أكان مقروناً بالمصلحة، فمثل هذا الحكم العقلي المدرَك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك وإلاّ لما كان المدرَك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات. و بذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في المستقلات العقلية.

هذا كلّه في المستقلات العقلية و به يظهر حكم غير المستقلات العقلية التي عرفت معناها، فمثلاً إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه، أو الملازمة بين ثبوت الجزاء عند ثبوت


(167)

العلّة المنحصرة و انتفائه عند انتفائها، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع أيضاً كذلك، لاَنّ الحكم المدرَك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما انّ العقل يدرك الملازمة بين الاَربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكماً صادقاً في جميع الاَزمان والاَحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع، كذلك ينافي إطلاق حكم العقل و عدم تقيّده بشيء.

وبذلك يتّضح أنّادّعاء الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك بالعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء، فيعمّ حكم الشارع أيضاً.

فالاحتجاجات في باب الملازمات مستقلة كانت أو غير مستقلة ترجع إلى أنّ الحكم المدرك حكم مطلق، شامل لكلّ فاعل و ظرف، فإخراج الواجب وحكمه عن تحت القاعدة خلاف ما يحكم به العقل على وجه الجزم، فمن حاول نفي الملازمة، فعليه أن ينفي الاِدراك القطعي العام للعقل في تلك المجالات، و أنّى له ذلك؟!

المقام الثاني: استكشاف الحكم الشرعي من المصالح و المفاسد في الموضوع دون نظر إلى حكم العقل بحسنه أو قبحه بما هوهو.

فنقول: إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء و كان إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكهما جميع العقلاء، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من الحكم العقلي.

نعم لو أدرك المصلحة أو المفسدة و لم يكن إدراكه إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، بل إدراكاً شخصياً حصل له بالسبر والتقسيم، فلا سبيل للعقل بأن يحكم بالملازمة فيه، و ذلك لاَنّ الاَحكام الشرعية المولوية و إن كانت لا تنفك


(168)

عن المصالح أو المفاسد، و لكن أنّى للعقل أن يدركها كما هي عليها.

وبذلك يعلم أنّه لا يمكن للفقيه أن يجعل ما أدركه شخصيّاً من المصالح و المفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، بل يجب عليه الرجوع إلى سائر الاَدلّة.

فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: انّ حكم العقل بشيء في المستقلاّت العقلية أو في غيرها يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً ويكون المدرَك حكماً عاماً، كما هو الحال في الاَمثلة المتقدّمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الاَفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الاَحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الاَحكام و مفاسدها، وسوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

يترتب على حجّية العقل في المجالات الثلاثة، أعني:
1. الملازمات العقلية.
2. الحسن و القبح العقليين.
3. المصالح والمفاسد العامتين.

تترتب على حجية العقل ثمرات فقهية كثيرة نستعرض بعضها ـ بعد نظرة عامة في التحسين والتقبيح العقليين ـ.


(169)

نظرة عامة في التحسين والتقبيح العقليين

إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين من البديهيات في مجال العقل العملي، فالحكماء قسّموا الاِدراكات العقلية إلى نظرية وعملية، قال الحكيم السبزواري:

إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل؛ لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل، مثل اللّه واحد؛ والعملي شأن العلوم المتعلّقة بالعمل، مثل التوكل حسن والرضا والتسليم والصبر محمود، وهذا العقل هو المستعمل في علم الاَخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين، بل هما كجهتين لشيء واحد وهي الناطقة.

إنّ الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية، ولولا ذلك لانهار صرح العلوم، وهكذا الحكمة العملية، ففيها قضايا غير معلومة لا تعرف إلاّ بالانتهاء إلى قضايا عمليّة ضرورية وإلاّ لما عرف الاِنسان شيئاًمن قضايا الحكمة العملية، ومن تلك القضايا البديهية في العقل العملي مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا، كقولنا: «العدل حسن» و«الظلم قبيح» و«جزاء الاِحسان بالاِحسان حسن، وجزاوَه بالاِساءة قبيح».

فهذه القضايا أوّلية في الحكمة العملية والعقل العملي يدركهما من صميم ذاته، ومن ملاحظة تلك القضايا تعرف سائر الاَحكام العقلية العملية غير البديهية سواء كانت مربوطة بالاَخلاق أو تدبير المنزل أو سياسة المدن، فقضايا هذه العلوم الثلاثة إيجاباً وسلباً مبنية على قضية بديهية نابعة من العقل العملي، وهي حسن الاِحسان وقبح الظلم، ولنمثل لذلك مثالاً :

إنّ العالم الاَخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلمين وأُولي النعمة،


(170)

لاَنّ التكريم من مصاديق جزاء الاِحسان بالاِحسان، وهو حسن بالذات؛ والاِهانة لهم من مصاديق جزاء الاِحسان بالاِساءة وهو قبيح بالذات.

كما أنّ الباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بوظائف الزوجية من قبل الطرفين وقبح التخلّف عنها، لاَنّ القيام بها عمل بالميثاق، والتخلّف عنها تخلّف عنه، والاَوّل حسن بالذات، والثاني قبيح بالذات.

والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب متناسبة مع دخل الاَفراد، لاَنّ الخروج عن تلك الضابطة ظلم للرعية، وهو قبيح بالذات.

وقس على ذلك كلّ ما يرد عليك من الاَبحاث في الحكمة العملية سواء أكانت راجعة إلى الفرد (الاَخلاق) أم إلى المجتمع الصغير (البيت) أم إلى المجتمع الكبير (السياسة) فكلّ ما يرد فيها و يبحث عنها الباحثون بما أنّه من شوَون العقل العملي يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجاباً وسلباً، صحّةً وبطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.

إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الاَحكام العملية غير الواضحة إلى أحكام عملية بديهية، فيصبح حسن العدل وقبح الظلم من الاَحكام الواضحة التي لا يحتاج العقل إلى شيء آخر وراءها سوى ملاحظة نفس القضية: (العدل حسن) أو (الظلم قبيح) .

ثمّ إنّ إدراك العقل لحسن الاَفعال أو قبحها لا يختص بالمدرك أو بصنف خاص أو بنوع الاِنسان، بل يدرك حسن صدوره أو قبحه لكلّ موجود عاقل مختار سواء كان الفاعل هو الاِنسان أو غيره، لاَنّ المقوم لقضائه بأحد الوصفين نفس القضية بما هي قضية من غير خصوصية للمدرك ولا للفاعل، فهو يدرك انّالعدل


(171)

حسن عند الجميع و من الجميع، و الظلم قبيح عند الجميع ومن الجميع، ولا يختص حكمه بهما بزمان دون زمان.

وللرازي هنا كلمة قيّمة قال: إنّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقون على حسن مدح المحسن و حسن ذم المسيء، فإنّ من أحسن إلى محتاج، فذلك المحتاج يجد من صريح عقله حسن مدحه و ذكره بالخير؛ ولو أساء رجل إليه، فإنّه يجد من صريح عقله حسن ذمه، وهذا الحكم حاصل سواء كان ذلك الاِنسان موَمناً يصدق بالاَنبياء، أو لم يكن كذلك، فعلمنا أنّ الحسن والقبح مقرر في عقولهم. (1)

وظهر ممّا ذكرنا انّ العدل حسن والظلم قبيح عند اللّه سبحانه بمعنى انّ العقل يدرك سعة الحكم وعدم اختصاصه بمدرك أو فاعل، فكلّ إنسان يجد من صميم ذاته حسن بعض الاَفعال أو قبحها من غير نظر إلى فاعل خاص.

وبذلك يثبت أمران:

أ. استطاعة العقل إدراك حسن بعض الاَفعال أو قبحها.

ب. سعة إدراكه وشموليته، وانّ ما يدركه لا يختص بفاعل دون فاعل، أو مدرك دون مدرك.

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يرشدنا إلى تسليمه لحكم العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي، وإليك بعض النماذج:
1. قال سبحانه: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى


1. الرازي: المطالب العالية: 3|290.

(172)

عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون" . (1)

2. "قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ" . (2)

3. "يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ" . (3)

4. "وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ" . (4)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالاِحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف قبل تعلّق الاَمر أو النهي بها وأنّ الاِنسان يجد انّ وصف الاَفعال بأحدها ناجم من صميم ذاته.وليس معرفة الاِنسان بها موقوفاً على تعلّق أمر الشارع بها ولو تعلّق يكون تأكيداً لاِدراك العقل وأمره بالحسن والنهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتخذ وجدان الاِنسان سنداً لقضائه فيما يستقل به.
5. يقول تعالى: "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالفُجّار " . (5)

6. ويقول سبحانه: "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" . (6)


1. النحل: 90.
2. الاَعراف: 33.
3. الاَعراف: 157.
4. الاَعراف: 28.
5. ص: 28.
6. القلم: 35ـ 36.

(173)

7. ويقول سبحانه: "هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحْسان" . (1)

فالتدبر في هذه الآيات لا يدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في أنّ التحسين والتقبيح من الاَُمور العقلية التي يدركها الاِنسان بحجّة باطنية دون حاجة إلى حجّة ظاهرية.

فهذه الآيات التي تخاطب الاِنسان بلسان الفطرة، وتوقفه على ما يدركه من صميم ذاته، خير دليل وأجلى شاهد على أنّالتحسين والتقبيح عقليان قبل أن يكونا شرعيين، وانّالشرع في تحسينه بعض الاَُمور أو تقبيحه لا يسلك طريق التعبد، بل يسلك طريق الاِرشاد إلى ما يحكم به العقل.

وعلى ذلك فالعقل يدرك الحسن أو القبح المتفق عليه عند العقل والشرع معاً.

معنى حسن الفعل و قبحه

إذا وقفت على أنّ العقل بفضل سعة آفاق إدراكه يدرك الحسن والقبح المشتركين عند العقل والشرع، فلابدّ من تفسير الحسن والقبح عندهما، وليس لهما تفسير سوى أنّ العقل بإدراك الحسن يحكم بلزوم الاِتيان به وعدم الرضا بتركه، وبإدراك القبح يحكم بلزوم تركه وعدم جواز الاِتيان به، وكون الاَمر كذلك عند اللّه سبحانه، فيستكشف من حسن الفعل وجوبه و من قبحه حرمته، بذلك يصبح العقل من منابع التشريع ومصادره في إطار خاص، أي فيما إذا أدرك حسن الاَفعال وقبحها فقط.


1. الرحمن: 60.

(174)

واتّضح من خلال هذا البحث أمر آخر ربما يكون سبباً للخلط والاشتباه، وهو أنّمصدرية العقل للتشريع تحدّد بالاِطار السابق ولا يعم استنباط العقل لمصالح الاَشياء أو مفاسدها حتى يستنبط بذلك حكم الشرع من الوجوب والحرمة، وما ذلك إلاّلقصور العقل عن الاِحاطة بمصالح الاَفعال ومفاسدها، إلاّ إذا كانتا من المصالح والمفاسد النوعية التي اتّفق العقلاء عليهما، وهذا القسم خارج عن محط النقاش.

ومن أراد تسوية إدراك المصالح بحسن الاَشياء والمفاسد بقبحها فقد خلط بين البحثين.

فالعقل قادر على إدراك حسن أو قبح بعض الاَفعال، وهو أمر وجداني كما عرفت، وأين هو من قيامه بتحليل الاَفعال والوقوف على مصالحها ومفاسدها، ثمّ استكشاف الحكم الشرعي من خلالها، فإنّ العقل أقصر من ذلك، وإلى ذلك يشير الاِمام الصادق - عليه السّلام - ويقول:

«إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقل».

وفي ظله رفضنا القياس والاستحسان.

يقول المحقّق الاصفهاني: أمّا استتباع حكم العقل النظري للحكم الشرعي المولوي، فمجمل القول فيه إنّ مصالح الاَحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الاَحكام و مناطاتها لا تندرج تحت ضابطة، ولا تجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبنى عليها حفظ النظام وإبقاء النوع، وعليه فلا سبيل للعقل بما هو إليها. (1)


1. نهاية الدراية: 2|130.

(175)

الاستدلال على الملازمة بالدليل النقلي

إنّ هناك آيات وأحاديث تعرب عن وجود الملازمة بين حسن الفعل ووجوبه، وقبحه وحرمته، وإليك بيانه:

إنّ الظاهر من الآيات أنّ ألفاظ المعروف والمنكر والطيبات والخبائث ونظائرها كانت دارجة ومستعملة فكانت تدرك بالفطرة، وانّ الغاية من بعث الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الخبائث وتحليل الطيبات، فهذه الآيات تدل على الملازمة على انّ المعروف عند العرف، مطلوب عند الشرع؛ والمبغوض عند العرف، مرفوض عند الشارع.

قال سبحانه في حقّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : "يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِث" (1)

وقال عزّ من قائل: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِِحْسانِ وَ ايتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحشاءِوَ الْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (2)

وقال سبحانه حاكياً عن لقمان وهو يعظ ابنه: "يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الاَُمُورِ" . (3)

وقد روي عن أبي جعفر أنّه سأله رجل عن طول الجلوس في بيت الخلاء... فقال: «والقبيح دعه لاَهله فإنّ لكلّ شيء أهلاً». (4)

إنّ الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - يصف الاَنبياء بأنّهم مذكّرون لما تقضي به فطرة الاِنسان ويقول: «فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق


1. الاَعراف: 157.
2. النحل: 90.
3. لقمان: 17.
4. روضة المتقين: 1|80 برقم 177.

(176)

فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، و يحتجوا عليهم بالتبليغ و يثيروا لهم دفائن العقول». (1)

وكم للاِمام وأولاده (عليهم السلام) من كلمات ناصعة دالّة على أنّ كثيراً من تعاليم الشرائع شرح لما كتبه سبحانه بقلم قضائه على صحيفة وجود الاِنسان وفطرته، وقد طوينا الكلام عن نقلها، وقد أشبعنا الكلام فيها في منشوراتنا التفسيرية. (2)

حصيلة البحث

قد بان ممّا نقلنا من كلمات الاَعلام وما ذكرنا حولها من المناقشات، انّ أصل التحسين والتقبيح من البديهيات العقلية في مجال إدراكات العقل العملي، وأمّا كون الفعل كذلك عند اللّه، فهو أوضح من أن يخفى، لاَنّ العقل يدرك قضية عامة و انّه كذلك لدى كلّ موجود حي مختار.

و بعبارة أُخرى إنّ موضوع الحكم لدى العقل، هو نفس الموضوع عند اللّه سبحانه، فكان الحسن والقبح، والمدح والذم، والبعث والزجر من لوازم الفعل عنده، فلا وجه لتفكيك اللازم عن الملزوم في موطن دون موطن.

وإن شئت قلت: إنّ العقل يدرك انّ هذا الفعل بما هوهو حسن أو قبيح، وإنّه مستحق للمدح أو الذم وإنّه يجب أن يفعل أو لا يفعل، فإذا كان المدرك بهذه السعة، فلا يصحّ التفكيك بين الخالق والمخلوق، والتفكيك أشبه بأن تكون زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين عند الاِنسان دون اللّه، فالحسن والقبح والمدح والذم، والبعث والزجر، من لوازم نفس الشيء بما هوهو، عند الجميع.


1. نهج البلاغة: الخطبة 1.
2. لاحظ مفاهيم القرآن: 1|35.

Website Security Test