welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(119)

العلم بالملاك غير الاجتهاد

قد تحدثنا آنفاً عن الاجتهاد، وعرفت أنّه عبارة عن استخراج الحكم من الكتاب والسنّة وهو قد يخطىَ وقد يصيب، وليس الحكم المستخرج مصيباً للواقع على الاِطلاق.

نعم هناك أمر آخر اختصّ اللّه نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بهذه الكرامة وهو انّه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، وعلّمه مصالح الاَحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الاَحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها وقد أطلع اللّه نبيه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عليها مع اختلاف درجاتها ومراتبها، لا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على عللها، بأقصر من الطرق التي وقف بها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على حلاله وحرامه. وإلى هذا يشير الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - بقوله:

«وعقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل». (1)

فما ورد عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من التشريع، فإنّما هو تشريع بالعلم بالملاك، وبإذن خاص منه سبحانه، وقد ورد في السنّة الشريفة:
1. إنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات،


1. نهج البلاغة: الخطبة رقم 234.

(120)

فأضاف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.
2. إنّ اللّه فرض في السنّة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صوم شعبان، وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. إنّ اللّه حرم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شراب.
4. إنّ اللّه فرض الفرائض في الاِرث، ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أطعمه السدس. (1)

وليس هذا اللون من التشريع اجتهاداً منه ولا منافياً لاختصاص التشريع باللّه سبحانه، لما عرفت من أنّ التسنين في هذه المقامات إنّما هو بتعليم منه سبحانه بملاكات الاَحكام وإذنه.

أسئلة وأجوبة

الاَوّل: ربما يتراءى من بعض تفسير الآيات والروايات انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اجتهد في بعض الاَحكام ثمّ وافاه النص على الخلاف.

قال سبحانه: "ما كانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الاََرْضِتُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَوَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم" . (2)

"لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَلَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم" . (3)

"فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" . (4)

نزلت الآيات في غزوة بدر حيث استشار الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صحابته في أمر


1. الكليني: أُصول الكافي: 1|209ـ 210.
2. الاَنفال: 67.
3. الاَنفال: 68و69.
4. الاَنفال: 68و69.

(121)

الاَسرى، فقال أبوبكر: عشيرتك فأرسلهم، وقال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأنزل اللّه معاتباً له ولصحابته بقوله: "ما كانَلنَبىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى..." .

رواه أهل السير، وأخرج مسلم وأحمد حديثاً في ذلك. (1)

التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، وهو انّ السنّة الجارية في الاَنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر من وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الاَرض، ويستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية لم يكن مانع من الاَسر، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أُخرى مخاطباً المسلمين عندما علا أمر الاِسلام وضرب بجرانه بالحجاز واليمن: "فَإِذا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً" . (2)

فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الاَسرى قبل الاِثخان في الاَرض وجوازه، ثمّ المن، أو الفداء بعد الاِثخان.

إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:

أوّلاً: انّ اللوم انصبَّ على أخذ الاَسرى لا على الفداء.

ثانياً: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أبداً وإنّما توجّه إلى مَنْ أخذ الاَسرى.

والشاهد على الاَمر الاَوّل قوله: "ما كانَ لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الاَرض" أي الاَمر الممنوع هوأخذ الاَسرى فقط لا الفداء والمن، وإلاّ لكان له عطف الفداء والمن عليه، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة: "فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم" ومن الواضح


1. مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 99.
2. محمد: 4.

(122)

انّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن له أيّ دور في أخذ الاَسرى، بل كان هو القائد والمجاهدون هم الذي يأخذون الاَسرى قبل الاِثخان في الاَرض بالقتل والتنكيل.

والشاهد على الاَمر الثاني قوله سبحانه: "لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهَ سَبق لمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم" . والمخاطب هم المقاتلون لا النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أضف إلى ذلك قوله: "تُريدونُ عَرَض الدُّنيا وَ اللّهُ يُريدُالآخرَة" .

فملخّص القول: إنّ اللوم انصبَّ على أخذ الاَسرى من قبل المقاتلين المجاهدين على هذا العمل، ولم يكن للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أيّ دور في ذلك.

وأمّا الروايات الواردة، فهي مختلفة جداً لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.

وقد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات، فمن قائل بأنّ العتاب والتهديد متوجه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والموَمنين جميعاً، إلى آخر بأنّه متوجه إلى النبي والموَمنين ما عدا عمر، إلى ثالث انّه متوجه إلى النبي والموَمنين ما عدا عمر وسعد ابن معاذ، إلى رابع انّه متوجه إلى الموَمنين دون النبي، إلى خامس انّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.

وعليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات والاَخذ بها، والآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسيرها من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهداً وانّه اجتهد خطاءً في هذه الواقعة غريب جداً.

***

الثاني: إذا كان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد نهل من صميم الدين بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد في الاَحكام، فما معنى قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في حديث السواك:


(123)

«لولا أن أشقّ على أُمّتي لاَمرتهم بالسواك».

ومثله قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والاَرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وانّه لم يحلَّ القتال فيه لاَحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلاّ ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يُعضد شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها، ولا يُختلى خلاه».

فقال العباس: يا رسول اللّه إلاّ الاَذخر، فإنّه لقينهم ولبيوتهم.

فقال: «إلاّالاَذخر». (1)

فاستثناء الاَذخر بعد التعميم أخذاً برأي العباس كان اجتهاداً منهص والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن. (2)

الجواب: أمّا الحديث الاَوّل فبيان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للحكم لم يصدر عن الاجتهاد وضرب الاَدلّة بعضها ببعض، وإنّما وقف على الحكم الشرعي وهو الاستحباب عن طريق الوحي ولمّا بيّن للاَُمّة أهميته من الناحية الصحية، ظهر فيه ملاك الاِلزام، ولكن لم يتابعه التشريع، لما في الاِلزام من حرج ومشقة.

وأمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «ولا يختلى خلاه».

قال ابن الاَثير: ففي حديث تحريم مكة«لا يختلى خلاها» الخلى: مقصور: النبات الرطب الرقيق مادام رطباً، واختلاوَه قطعه، وأخلت الاَرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. (3)


1. البخاري: الصحيح: 4|105، باب اسم الغادر للبر والفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.
2. مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 3.
3. ابن الاَثير: النهاية: 2|74.

(124)

وأمّا استثناء الاَذخر فلم يكن اجتهاداً من النبي بل بياناً لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة، وكان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير، ولكن لمّا تكلّم العباس بالمخصِّص، صدّقه وبيّن المخصص فوراً.

ووجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد والصائغ والناس في بيوتهم بهذا النبات الطيب الرائحة قال الجزري: وفي حديث العباس«إلاّ الاَذخر فإنّه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحدّاد والصائغ. (1)

الثالث: لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم ـ يعني خيبر ـ أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟» قالوا: الحمر الاَنسية، فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أهريقوها واكسروها» فقال رجل: أو يهرقوها و يغسلوها؟ قال: «أو ذاك». (2)

وجه الاستدلال: أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلاً، ولما طُلِب منه الاكتفاء بالاِهراق والغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.

الجواب أوّلاً: إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّالبخاري نقلها كالتالي:

أ. فجاء منادى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً وأهريقوها.

ب. فنادى منادى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : اكفئوا القدور . (3)


1. النهاية: 4|135؛ وفي بعض النصوص القين وتعني الزينة، وهو الاَظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.
2. صحيح مسلم: 5|186، غزوة خيبر.
3. صحيح البخاري: 5|136، باب غزوة خيبر.

(125)

ولم يُعلم أنّالنبي أمر بكسرها، وثانياً: سلّمنا أنّه أمر بالكسر لكن لا مانع لاَن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالاَولى هو كسر القدور وطرحها جانباً، ثمّ الاَولى إهراقها وغسلها، فبدأ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بما هو الاَولى، ولمّا كان شاقاً على الناس، أمضى الحكم الثاني، وهو إخلاوَها وإكفاوَها.

ولعمري ليس في تلك الاَُمور أي دلالة على أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يجتهد كاجتهاد الآخرين، والعجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلاً بيّـن فيه فتاوى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال:

ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحاً لهذا الكتاب، ورقماً على جلة هذا التأليف. (1)

فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والاَحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن انّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالاِفتاء في كلامهص كالاِفتاء في قوله سبحانه: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ" . (2)

النبي والاَُمور الدنيوية

لا شكّ انّهناك أُموراً دنيوية كالزراعة والطب والحرب وفنونها يكتسبها الناس عبْـر التجربة، ولم يزل المجتمع الاِنساني يتقدّم نحو الاَمام كلّما كثرت تجاربه و خبراته المادية، و الاِنسان يخطىَ ويصيب في الوقوف على أسرار الكون ونواميسه، وتلك الخطوات وإن أخفقت في بعض المراحل، لكنّها تنتهي إلى


1. ابن قيّم الجوزية: إعلام الموقعين: 4|266 ـ 414.
2. النساء: 176.

(126)

كشف الحقائق ولمس الواقع، وهذه هي الاَُسس التي بنيت عليها الحضارات.

إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى هذه الاَُمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطىَ أو أنّه لا يخطىَ في تلك الاَُمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدِّد الخطى نحو الصواب؟

يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شوَون الزراعة و الطب اجتهاد غيره يخطىَ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».

ففي الصحيحين انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مرّبقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً (1)فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».

أقول: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الاَسماء قال سبحانه: "وَعَلَّمَ آدَمَ الاََسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِهوَلاءِ إِنْكُنْتُمْ صادِقين* قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الاََرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون" . (2)

قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الاَشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الاَسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال: ـ علّم اللّه آدم كلّ


1. يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء.
2. البقرة: 31ـ33.

(127)

شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، واللّه قادر على كلّ شيء.

ولاَجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الاَرض، وأمر الملائكة بالسجود له. (1)

فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الاَشياء وأسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!

فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمناً على كلّ المأثورات المعزوَّة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال سبحانه: "وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" . (2)

وعلى ضوء ذلك، فكل ما نُسب إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من الجهل بأسرار الطبيعة ورموزها، فهو موضوع على لسانه فضلاً عن جهله بأبسط الاَُمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب.ولنتناول بعض الاَحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها:
1. روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على روَوس النخل، فقال: «ما يصنع هوَلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظناً، فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه


1. المنار: 1|262ـ265.
2. المائدة: 48.

(128)

شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه عزّ وجلّ». (1)

وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر». (2)

والعجب أنّ مسلماً النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه بـ«وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط، ونترك التفصيل إلى القارىَ.

أوّلاً: نفترض أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أنزل عليه الكتاب و الحكمة، ولا من وصفه اللّه سبحانه بالخلق العظيم، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكل من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّبالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفياً على النبي؟!

ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحويلاً" (3) ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!

ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، والاَسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا


1. مسلم، الصحيح: 15|125و126، الباب 38، كتاب الفضائل.
2. مسلم، الصحيح: 15|125و126، الباب 38، كتاب الفضائل.
3. فاطر: 43.

(129)

حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لاَنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!
2.روى ابن هشام أنّ الحباب بن منذر بن الجموح قال لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في غزوة بدر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال: «بل هو الرأي والحرب وا لمكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ماوراءه من القُلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملوَه ماء، ثمّنقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقُلب فغوِّرت، وبنى حوضاً على القُلـب الذي نزل عليه فملىَ ماء، ثمّقذفوا فيه الآنية.(1)

أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن منذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، ولكن نزل عند رغبة الحباب بن منذر إجلالاً له ودعماً لمبدأ الشورى في الحرب ليتّخذوه أصلاً في أُمور دنياهم بغية استقطاب قلوب الناس إلى الاِسلام قال سبحانه: "فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْعَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ


1. ابن هشام: السيرة النبوية: 2|620.

(130)

الْمُتَوكِّلِين" . (1) هذا إذا صحّت الرواية وإلاّ فتُطرج.

فلم تكن مشاورة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في واحد من تلك المواقف نابعةً عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الاَُمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، فنرى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) استشارهم في غزوة بدر قائلاً: «أشيروا عليَّ أَيُّها الناس» وإنّما قال ذلك، لاَنّه يريد به الاَنصار، وذلك أنّهم كانوا يوَلِّفون الاَكثرية وانّهم حين ما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال، ولما كان المسير إلى وادي بدر بغية قتالهم، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا وقف على استعدادهم لاَكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا وأبشروا».

روى ابن هشام: انّسعد بن معاذ، قام وقال: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد ونشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا وأبشروا». (2)

وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في الحروب وغيرها، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل نعوذ باللّه.
3. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه ويكفّنه فيه، فأتاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول


1. آل عمران: 159.
2. السيرة النبوية: 2|615.

(131)

اللّه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «إنّ ربي خيّرني فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" (1) وسأزيد على السبعين» فقال: إنّه منافق فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ"(2) فترك الصلاة عليهم.(3)

وفي هذا المعنى روايات أُخرى رواها أصحاب الجوامع، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها: انّه كفّنه بقميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.

وفي رواية أُخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه ونفاقه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ" الآية.(4)

قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل اللّه: "سواء عَلَيْهِمْ استَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفر لَهُمْ" .

هذا وقد قسَّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع وعدَّ منه رأي الصحابة، وعرّفه بأنّه رأي أفقه الاَُمّة وأبر الاَُمّة قلوباً وأعمقهم علماً.ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي، انّه قال: البدعة ما خالفت كتاباً أو سنّة أو أثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه، وجعل ما خالف قول الصحابي بدعة، ثمّ قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أُبيّ


1. التوبة: 80.
2. التوبة: 84.
3. الدر المنثور: 4|258.
4. المصدر السابق: 4|258.

(132)

قام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول اللّه إنّه منافق، فصلّى عليه رسول اللّه، فأنزل اللّه عليه: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ" . (1)

أقول: إنّ العاطفة أخذت الراوي في جعل هذا الحديث ووضعه، فإنّ علائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه:
1. فلاَنّ قوله سبحانه: "استغفر لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ..." ظاهر في أنّالمراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد، وعدد السبعين كناية عن المبالغة، والنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أجلُّ من أن يجهل بمفهوم الآية ويحملها على التحديد. ويقول فإنّي سأزيد على السبعين.
2. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم وكفرهم.

يقول سبحانه: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَومَ الْفاسِقين" . (2)

وقال سبحانه: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ" . (3)

ومثله قوله سبحانه: "ما كانَ لِلنَّبِيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصحابُ الجَحيم" . (4)

فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو، لكفر المستغفر له وفسقه، وعند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


1. ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين: 1|81.
2. المنافقون: 6.
3. التوبة: 80.
4. التوبة: 113.

(133)

ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ" في صلاة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على المنافق «عبد اللّه بن أُبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع.

ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الاِسلام. (1)

وهذه المحاولة من الوهن بمكان إذ كيف يصحّ للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال: "وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ... إِذاً لاَذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً" . (2)

والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا:
1. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فنزل القرآن بموافقته. (3)

2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته. (4)

وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته كما مرّ والدواعي من وراء جعل تلك الروايات هي العاطفة الدينية التي أخذتهم على الخليفة.


1. تفسير المنار: 10|669.
2. الاِسراء: 73ـ75.
3. الدر المنثور: 6|639.
4. الدر المنثور: 1|290.

(134)

مصادر التشريع
3



الاِجماع

الاِجماع في اللغة هو العزم والاتفاق، قال سبحانه: "فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الجُبِّ"(1) وقال تعالى: "وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُون" . (2)

وأمّا اصطلاحاً فيستعمل في موردين:

الاَوّل: ما عرف به الغزالي، وقال: فإنّما نعني به اتّفاق أُمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - خاصة على أمر من الاَُمور الدينية، كما اتّفقت الاَُمّة على أنّ الصلوات خمس، وأنّ صوم رمضان واجب، إلى غير ذلك من الاَمثلة. (3)

الثاني: اتّفاق مجتهدي عصر واحد على أمر ديني، بمعنى أن يتوافر الاتفاق من جميع المجتهدين المسلمين في وقت الحادثة من مختلف الاَمصار الاِسلامية، فلا ينعقد إجماع في بلد معين كالحجاز والحرمين ومصر والعراق، ولا ينعقد بآل البيت (عليهم السلام) وحدهم، أو بأهل السنّة دون مجتهدي الشيعة. (4)


1. يوسف: 15.
2. يوسف: 102.
3. المستصفى: 1|173.
4. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 119.

(135)

وفي جميع الموارد إمّا أن يكون إجماعهم على الحكم مستنداً إلى نصّ قرآني، أو سنّة، أو غيرهما من مصادر التشريع، أو يكون مجرد اتّفاق دون أن يقترن بمستند الحكم.

وعلى جميع الصور فإمّا أن يعلم مستند اتّفاقهم على الحكم بأن يصل إلينا دليل اتّفاقهم ومدركه، أو لا، بأن كان المنقول مجرد الاتّفاق دون أن يقترن بذكر الدليل، وقبل الخوض في بيان أحكام الصور نشير إلى أمر وهو:

مكانة الاِجماع في الفقه الشيعيّ:

ذهبت الشيعة إلى أنّ للّه سبحانه في كلّواقعة حكماً شرعياً أمرنا باتّباعه والمضي عليه، بيد انّالمستنبط تارة يصيب وأُخرى يخطىَ، فللمصيب أجران وللمخطىَ أجر واحد، ولم يفوّض سبحانه أحكام الحوادث إلى آراء المجتهدين والمستنبطين بأن يكون حكم الواقع تابعاً لاستنباط المجتهد، فما رآه حقاً يكون حقاً، وما رآه باطلاً يكون باطلاً، لاَنّ هذا هو التصويب الباطل المحال عقلاً.

فإنّ بذل الجهد على استنباط الحكم الشرعي فرع وجوده في الواقع، فلو كان حكم اللّه تابعاً لرأي المجتهد يلزم الدور الصريح بلا إشكال، وهذا بحث مسهب لخّصناه في المقام.

وعلى ضوء ذلك فالاِجماع بما هو إجماع لا يصلح أن يكون دليلاً للحكم الشرعي، لاَنّه عبارة عن اجتهادات متراكمة منصبّة على أمر واحد، وقد علمت أنّاجتهاد المجتهد ليس من مصادر التشريع، وأنّ حكم اللّه لا يتبع ذوق المجتهد ورأيه، فإذا كان هذا حال الاجتهاد المنفرد فلا تختلف عنه الاجتهادات المتراكمة، فلا يبقى هناك أمر سوى البحث عن مدى قابلية كشف الاِجماع عن الحكم الشرعي.


(136)

والحقّ انّها تتفاوت حسب اختلاف مراتب الاِجماع وصوره.

الصورة الاَُولى، أعني: اتّفاق جميع المسلمين، فلا شكّ انّه كاشف عن الحكم الشرعي، إذ يستحيل عادة أن يتفق المسلمون عالمهم وجاهلهم على شيء باطل من أصله.

ومثلها الصورة الثانية فإنّ اتّفاق جميع المجتهدين في كافة الاَعصار و من جميع الطوائف على حكم شرعي يكشف عادة عن إصابتهم الواقع وإحرازهم له، ويستحيل عادة تخلّفه عن الواقع دون فرق بين كون الاِجماع مقروناً بالدليل أو لا، وسواء أكان دليلهم قابلاً للنقاش أم لا. فإنّ نفس الاتّفاق من جميع المسلمين أو المجتهدين يلازم عادة إصابة الواقع وكاشف له ومفيد للعلم، فيصبح حجّة عقلاً.

وأمّاالصورة الثالثة، أعني: اتّفاق مجتهدي عصر واحد على حكم شرعي، فهو على نحوين:

فتارة يكون اتّفاقهم مقروناً بذكر الدليل الشرعي وأُخرى يكون مجرداً عنه.

فلو كان مقروناً بذكر الدليل وكان تاماً سنداً ودلالة يوَخذ به، وإن لم يكن مقروناً بالدليل، أو كان الدليل خاضعاً للنقاش والرد، فيقع الكلام في أنّ اتّفاق علماء عصر واحد هل هو حجّة على الغير أو لا ؟

وحيث إنّك عرفت أنّ إفتاء المجتهد منفرداً، أو مجتمعاً، ليس من مصادر التشريع، وإنّما العبرة بكشفه عن الواقع وملازمته الاِصابة فلا يكون الاتفاق حجّة إلاّ إذا كان هناك ملازمة بينه وبين إصابة الواقع ـ إذا لم يكن الاِجماع بما هو إجماع حجّة شرعية، كما عليه فقهاء أهل السنّة وسيوافيك تفصيله ـ بل كانت العبرة بمدى إصابة رأي المجمعين للواقع وكشفه عن الدليل المعتبر، فعند ذلك يمكن أن نقول:


(137)

إنّ اتّفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى على حكم ربّما يوجب إحراز الحكم الشرعي وإصابة المجمعين الواقع وعثورهم على الدليل الشرعي وإن لم نعثر عليه وذلك بالبيان التالي:

«إنّ فتوى الفقيه في مسألة شرعية بحتة تعتبر إخباراً حدسياً عن الدليل الشرعي، والاِخبار الحدسي هو الخبر المبنيّ على النظر والاجتهاد في مقابل الخبر الحسّي القائم على أساس المدارك الحسيّة، وكما يكون الخبر الحسّي ذا قيمة احتمالية في إثبات مدلوله، كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبراً حدسياً يحتمل فيه الاِصابة والخطأ معاً، وكما أنّ تعدّد الاِخبارات الحسيّة يوَدّي بحساب الاحتمالات إلى نموّ احتمال المطابقة و ضآلة احتمال المخالف، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية حتى تصل إلى درجة توجب ضآلة الخطأ في الجميع جداً، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عملياً أو واقعياً، وهذا ما يسمّى بالاِجماع». (1)

والحق انّ الانتقال من إجماع المجمعين إلى الحكم الشرعي يختلف حسب اختلاف المسائل و ذكاء المجمعين والقرائن الحافّة بكلامهم، فربما يفيد اتّفاقهم العلم بالحكم الشرعي، وأُخرى لا يفيد إلاّ الظن.

إنّ احتمال الاشتباه في الاستنباط ممّا لا ينبغي إنكاره، وكم فرق بين الاِدراك ببصيرة العقل، وبين الاِدراك بالبصر، ومع الاعتراف بالفرق بين الحدسيات و الحسيات نقول: إنّ الحال يختلف حسب اختلاف أصحاب النظر في الذكاء والدقة، وفي الاَلمعية والفطنة، وفي اختلافهم في كثرة الممارسة وقلّتها، واختلاف جوهر المسائل من حيث كونها عقلية محضة، ككيفية علمه سبحانه، أو قربها من المسائل العقلية الواضحة أو المحسوسة، وربما يكون ذلك الاختلاف سبباً لمثول


1. السيد محمد باقر الصدر: دروس في علم الاَُصول: 171، الحلقة الثانية.

(138)

خطأ المجمعين أمام بصيرتنا. وربما يكون على العكس ويصل احتمال الخطأ إلى درجة ضئيلة لا تلتفت إليها النفس ويحصل اليقين بالاِصابة.

هذا هو مقتضى القاعدة العقلية في الاِجماع وقد مرّ أنّ قيمة الاِجماع في الفقه الاِمامي تكمن في مقدار كشفه عن الواقع، فلو كان كاشفاً تاماً كما في الصورتين الاَُوليين يوَخذ به، وإلاّ فلا عبرة به لعدم الملازمة بينه وبين إصابة الواقع.

مكانة الاِجماع في الفقه السنّي

قد عرفت أنّ الاِجماع بما هو إجماع ليس من أدوات التشريع ومصادره وانّ حجّيته تكمن في كشفه عن الحكم الواقعي المكتوب على الناس قبل إجماع المجتهدين وبعده.

وأمّا على القول باختصاص الحكم الواقعي المشترك بما ورد فيه النص عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وترك التكليف فيما سواه إلى اجتهاد المجتهد فيصير الاِجماع من مصادر التشريع فيعادل الكتاب والسنّة في إضفاء المشروعية على الحكم المتفق عليه ويصير بالاتفاق حكماً واقعياًً إلهياً.

ويوضحه الاَُستاذ السوري «الزحيلي» بقوله: ونوع المستند في رأي الاَكثر إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة فيكون الاِجماع موَيّداً ومعاضداً له، وإمّا دليل ظني وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذٍ من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين. (1)

ومعنى ذلك انّه لابدّ أن يكون للاِجماع من دليل ظني، فإذا اتّفق المجتهدون على الحكم ولو لاَجل ذلك الدليل الظني يصبح الحكم قطعيّاً، ـ وما ذاك ـ إلاّ


1. الدكتور وهبة الزحيلي: الوجيز في أُصول الفقه: 49.

(139)

لاَجل دوران الحكم مدار الاتفاق وعدمه.

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاّف: من حقّق النظر في منشأ فكرة الاِجماع في التشريع الاِسلامي، وفي كيفية الاِجماع الذي انعقد في أوّل مرحلة تشريعية بعد عهد الرسول، وفي تقدير المجمعين لمن عقد عليه إجماعهم من الاَحكام، يتحقّق أنّ الاِجماع أخصب مصدر تشريعي يكفل تجدّد التشريع وتستطيع به الاَُمّة أن تواجه كلّ ما يقع فيها من حوادث، وما يحدث لها من وقائع، وإن تساير به الاَزمان ومختلف المصالح في مختلف البيئات.

ثمّ قاس فكرة الاِجماع بالشورى و قال: ومنشأ فكرة الاِجماع انّ الاِسلام أساسه في تدبير شوَون المسلمين، الشورى، وان لايستبد أُولي الاَمر منهم بتدبير شوَونهم سواء أكانت تشريعية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم إدارية أم غيرها من الشوَون، قال اللّه تعالى مخاطباً رسوله: "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْرِ" (1) ولم يخص سبحانه بالمشاورة أمراً دون أمر... ليشعرهم انّ الشورى من عمد دينهم كإقامة الصلاة.

وعلى هذا الاَساس كان الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يستشير روَوس صحابته في الاَُمور التي لم ينزل وحي من ربه و ممّا كان يستشيرهم فيه التشريع فيما لم ينزل فيه قرآن، إلى أن قال: فلمّا توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وواجهت أصحابه وقائع عديدة لم ينزل فيها قرآن ولم تمض فيها من الرسول سنّة سلكوا السبيل الذي أرشدهم إليه القرآن وهو الشورى، والذي سلكه الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيما لم ينزل فيه قرآن وهو الشورى.

إلى أن استنتج في كلامه المسهب ما هذا نصه: ومن هنا يتبيّن انّ إجماع الصحابة ما كان إلاّ اتّفاق من أمكن اجتماعهم من روَوسهم وخيارهم على حكم


1. آل عمران: 159.

(140)

واقعة لم يرد نص بحكمها، وانّالذي دعاهم إلى اتّباع هذا السبيل هو العمل بالشورى التي أوجبها اللّه وسار عليها الرسول وتنظيم اجتهاد الاَفراد فيما لا نصّ فيه، فبدلاً من أن يستقل كلّفرد من خيارهم بالاجتهاد في هذه الوقائع اجتمعوا وتشاوروا وتبادلوا الآراء، والخليفة ينفذ الحكم الذي اتّفقوا عليه. (1)

ولا يخفى ما في كلمات الاَُستاذ من الخلط.

أمّا أوّلاً: فقد تضافرت الآيات القرآنية على أنّ التشريع حقّ مختص باللّه تبارك وتعالى، وانّ كلّ تشريع لم يكن بإذنه فهو افتراء على اللّه وبدعة.وليس على الناس إلاّ الحكم بما أنزل اللّه، ومن حكم بغيره فهو كافر وظالم وفاسق. (2)

قال سبحانه: "إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين" . (3)

ومع هذا التصريح فكيف يكون للبشر الخاطىَ غير الواقف على المصالح والمفاسد حقّ التشريع على الاِنسان على وجه يكون نافذاً، إلى يوم البعث؟!

نفترض انّ لفيفاً من الصحابة بذلوا جهوداً فوصلوا إلى أنّ المصلحة تكمن في أن يكون حكم الواقعة هو هذا، أفهل يكون إجماعهم على ذلك الحكم دون أن يكون مستمداً من كتاب أو سنّة حجّة على البشر إلى يوم القيامة لو لم نقل انّ اتّفاقهم على الحكم عندئذٍ بدعة وافتراء على اللّه؟!

وثانياً: انّ عطف الاِجماع على المشورة من الغرائب، فإنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يستشير أصحابه في الموضوعات العرفيّة التي ليس للشارع فيها حكم شرعي، وإنّما ترك حكمها إلى الظروف والملابسات وإلى الناس أنفسهم، حتى نجد انّ


1. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 166ـ167.
2. راجع سورة المائدة: الآيات: 44و45و47.
3. الاَنعام: 57.

(141)

أكثر مشاورات النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كانت تتم في كيفية القتال والذبّ عن حياض الاِسلام.

فهذا هو رسول اللّه يشاور المسلمين في غزوة بدر قبل اصطدامهم بالمشركين، وقال: أشيروا عليّ أيّها الناس، وكأنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يريد أن يقف على رأي أصحابه في السير إلى الاَمام و قتال المشركين، أو الرجوع إلى الوراء، ولم يكن في المقام أي حكم مجهول حاول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يستكشفه عن طريق المشاورة، وكم فرق بين المشاورة في الموضوعات العرفية والمشاورة لكشف حكم شرعي منوط بالوحي؟

وهذه هي مشاورته الثانية في معركة أُحد حيث شاور أصحابه، ليقف على كيفية مجابهة المشركين وأُسلوب الدفاع عن الاِسلام فأدلوا بآرائهم، فمن طائفة تصرّ على أن لايخرج المسلمون من المدينة و يدافعوا عنها متحصنين بها، إلى أُخرى ترى ضرورة مجابهة المشركين خارج المدينة. (1)

إلى غير ذلك من مشاوراته المنقولة في كتب التاريخ كمشاورته في معركة الاَحزاب وغيرها.

ومن تتبع المشاورات التي أجراها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع أصحابه في التاريخ يقف على حقيقة، وهي: انّنا لا نكاد نعثر على وثيقة تاريخية تثبت انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاورهم في أُمور الدين والفتيا، بل كانت تلك المشاورات تتم في أُمور الدنيا ولما فيه صلاح أُمورهم.


1. الواقدي: المغازي: 1|211.

(142)

أدلّة عدِّ الاِجماع من مصادر التشريع

ثمّ إنّك بعد الوقوف على ما ذكرنا (من أنّ الاِجماع ليس من مصادر التشريع، وإنّما العبرة فيه قابلية كشفه عن الواقع وإصابته، وهذا يختلف باختلاف مراتب الاِجماع كما سبق) في غنى عن البرهنة على حجّية الاِجماع، وإنّما يقوم به من رأى أنّ نفس الاِجماع بما هو إجماع من مصادر التشريع، فاستدلوا بآيات:

الآية الاَُولى: آية المشاقة

قال سبحانه: "وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المُوَْمِنينَ نُولِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَ ساءَتْ مَصِيراً" . (1)

وهذه الآية هي التي تمسّك بها الشافعي على حجّية الاِجماع في رسالته أُصول الفقه.

ووجه الاستدلال: هو انّ اللّه يعد اتباع غير سبيل الموَمنين نوعاً من مشاقة اللّه ورسوله وجعلَ جزاءهما واحداً وهو الوعيد حيث قال: "نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ" فإذا كانت مشاقّة اللّه ورسوله حراماً كان اتباعُ غير سبيل الموَمنين حراماً مثله ولولم يكن حراماً لما اتحدا في الجزاء، فإذا حرم اتباع غير سبيلهم فاتباع سبيلهم واجب، إذ لا واسطة بينهما ويلزم من وجوبِ اتباع سبيلهم كونُ الاِجماع حجّة، لاَنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. (2)

يلاحظ على الاستدلال بوجوه:

الاَوّل: انّ الامعانَ في الآية يُرشدنا إلى أنّ ثمة طائفتين:

الاَُولى: من يشاقق الرسول ويعانِدُه ويتبع سبيل الكافرين فاللّه سبحانه


1. النساء: 115.
2. أُصول الفقه الاِسلامي: 1|540.

(143)

يولّـه ما تولّى ويصله جهنم.

الثانية: من يحبُ الرسول ويتبع سبيل الموَمنين فيعامل معه على خلاف الطائفة الاَُولى.

ثمّ إنّ سبيل الكافرين عبارة عن عدم الاِيمان به ومعاندته ومحاربته، وسبيل الموَمنين على ضدّ سبيلهم فهم يوَمنون به ويحبّونه، وينصرونه في سبيل أهدافه.

فاللّه سبحانه يذمُّ الطائفةَ الاَُولى ويمدح الطائفةَ الثانية، وعندئذٍ أي صلة للآية بحجّية اتفاق المجتهد في مسألة من المسائل الفرعية.

وبعبارة أُخرى: يجب علينا إمعان النظر في قوله سبحانه: "وَيَتَّبِعْ غير سَبيلِ المُوَْمِنين" بُغية تبيين سبيل الموَمن والكافر، فسبيل الاَوّل هو الاِيمان باللّه وإطاعة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومناصرته، وسبيل الآخر هو الكفر باللّه ومعاداة الرسول ومشاقته.

وهذا هو المستفاد من الآية وأمّا الزائد على ذلك فالآية ساكتة عنه.

الثاني: ليس هنا موضوعان مستقلان لكل حكمة، بل الموضوع في الآية شيء واحد مركب من أمرين:

أ. معاداة الرسول.

ب. سلوك غير سبيل الموَمنين.

فجعل للاَمرين جزاء واحداً وهو إصلاوَه النار، و بما انّ معاداة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدها كافية في الجزاء، وهذا يكشف عن أنّ المعطوف عبارة أُخرى للمعطوف عليه، وهو انّ المراد من اتباع غير سبيل الموَمنين هو شقاق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعاداته وليس أمراً ثانياً؛ فما ذكره المستدل من أنّ سبيل الشخص، هو ما يختاره من القول والفعل، و إن كان في نفسه صحيحاً، لكنّه أجنبي عن مفاد الآية فانّ المراد منه فيها، مناصرة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومعاضدته.

الثالث: انّ اضفاء الحجّية على اقتفاء سبيل الموَمنين في عصر الرسول (صلى الله عليه


(144)

وآله وسلم) لاَجل انّ سبيلهم هو سبيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلا يستفاد منه حجّية مطلق سبيل الموَمنين بعد مفارقته عنهم.

الآية الثانية: آية الوسط

قال سبحانه: "وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً" . (1)

وجه الاستدلال: أنّالوسطَ من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الاَُمّة فإذا أقدموا على شيء من المحظورات، لما اتصفوا بالخيرية فيكون حينئذ قولهم حجّة. (2)

يلاحظ على الاستدلال:

أوّلاً: انّ «الوسط» بمعنى العدل، فالآية تصف الاَُمّة الاِسلامية بالوسطية، إمّا لاَنّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المفرّطين في حقّ الاَنبياء حيث قتلوا أنبياءهم، و النصارى الغلاة في حقّهم حتى اتّخذوا المسيح إلهاً أو انّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المكبَّة على الدنيا، والنصارى المعرضة عنها لاَجل الرهبانية المبتدعة وأيّ صلة لهذا المعنى بحجّية رأي الاَُمّة في مسألة فقهية.

ثانياً: نفترض انّ الاَُمّة الاِسلامية خيار الاَُمم وأفضلها لكنّه لا يدل على أنّـهم عدول، لا يعصون، ولايدل على أنّهم معصومون لا يُخطِئون، والمطلوب في المقام هو إثبات عصمة الاَُمّة، كعصمة القرآن و النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حتى يكون ما أجمعوا عليه دليلاً قطعيّاً، مثلَما ينطِقُ به الكتابُ والنبيّ الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والآية لا تدل على عصمتهم.


1. البقرة: 143.
2. أُصول الفقه الاِسلامي: 1|540.

(145)

وكون خبر العادل حجّة، غير كون الاِجماع حجّة، فإنّ الحجّة في الاَوّل بمعنى كونه منجِّزاً إن أصاب، ومعذِّراً إن أخطأ، لا كونه مصيباً للواقع على كلّ حال، وهذا بخلاف كون الاِجماع حجّة فإنّ معنـاه ـ بحكم عصمـة الاَُمّــة ـ انّه مصيب للواقع بل نفسه والحكم قطعي.

ثالثاً: انّ وصف الاَُمّة جميعاً، بالخيار والعدل، مجاز قطعاً، فإنّ بين الاَُمّة من بلغ من الصلاح والرشاد إلى درجة يُستدرّ بهم الغمام، و من بلغ في الشقاء أعلى درجته فخضّب الاَرض بدماء الصالحين والموَمنين ومع ذلك كيف تكون الاَُمّة بلا استثناء خياراً وعدلاً وتكون بعامة أفرادها شهداء على سائر الاَُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتُهم في الدنيا فكيف في الآخرة؟!

يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام - في تفسير الآية: «فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميعَ أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادتُه في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادتُه يوم القيامة وتقبل منه بحضرة جميع الاَُمم الماضية؟!». (1)

وهذا دليل على أنّ الوسطية وصف لعدّة منهم، ولمّا كان الموصوفون بالوسطيةجزءاً من الاَُمّة الاِسلامية صحّت نسبة وصفهم، إلى الجميع نظير قوله سبحانه: "وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياء وَجَعَلَكُمْ مُلوكاً" (2) فقد وصف عامّة بني إسرائيل بكونهم ملوكاً، مع أنّ البعض منهم كان ملكاً.

وإذا كانت الوسطية لعدّة منهم دون الجميع، يكون هم الشهداء يوم القيامة لا جميع الاَُمّة وإنّما نسب إلى الجميع مجازاً.


1. البرهان: 1|160.
2. المائدة: 20.

(146)

الآية الثالثة: آية الخير

قال سبحانه: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُوَْمِنُونَ باللّهِ وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتابِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ مِنْهُمُالمُوَْمِنُونَ وَأَكْثَرهُم الْفاسِقُون" (1) وتقريب الاستدلال انّ مقتضى كونهم خير أُمّة أُخرجت مع قيامهم بالاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتنابهم المحرمات وإلاّ لما وُصِفُوا بالخير، فيكون قولهم حجّة.

يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّه من المحتمل أن يكون الاِخبار بصدد الاِنشاء، أي كونوا كذلك لا أنّهم كذلك حين نزول الآية.

ثانياً: أنّ غاية ما تدل عليه الآية من كون الاَُمّة عدولاً، لا يعصون وأمّا أنّهم معصومون لا يُخطِئون، فالآية ساكتة عنه، وقد تقدّم انّ حجّية الاِجماع دائرة مدار عصمة الاَُمّة حتى يكون الحكم قطعياً، ويخرج عن دائرة الظنية، ويكون من مصادر التشريع لا من حواكيه.

الآية الرابعة: آية أُولي الاََمر

قال سبحانه: "يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ باللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً" . (2)

استدلّ الرازي بالآية على عصمة أولي الاَمر وقال: ونحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الاِمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، وإذا كان


1. آل عمران: 110.
2. النساء: 59.

(147)

الاَمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذي أمر اللّه الموَمنين بطاعته، ليس بعضاً من أبعاض هذه الاَُمّة ولا طائفة من طوائفهم، ولمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الاَُمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الاَُمّة حجّة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي قد أصاب الحقّ في الجملة وانّ الآية تدل على عصمة أُولي الاَمر بالبيان الذي ذكره في تفسيره، ولكنّه قصر في التعرّف على أُولي الاَمر بأعيانهم وزلّت قدماه ففسرها بأهل الحل و العقد.

فلو رجع إلى السنّة لعرف انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد عرّف ذلك الجمع المعصوم وكفى في ذلك ما رواه الاَصحاب في تفسير الآية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول جابر بن عبد اللّه الاَنصاري لما نزل قوله سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ" قلت يا رسول اللّه: عرفنا اللّه ورسوله فمن أُولو الاَمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعته؟ فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي أوّلهم عليّبن أبي طالب ثمّ الحسنُ ثمّ الحسين ثمّعلي بن الحسين ...» وقد أتى بأسماء الاَئمّة جميعهم.... (2)

ثمّ إنّهم استدلوا على حجّية الاِجماع برواية: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» وهذا ما سنقوم بدراسته في الدليل الآتي.

***

نظرة عامة في حديث لا تجتمع

ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - «انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة» رواه أصحاب السنن، ولكن في طرق الجميع ضعفاً صرّح به المحقّقون.

قال الشيخ العراقي (1) في تخريج أحاديث البيضاوي: جاء الحديث بطرق في كلّها نظر.

و بما انّ الرواية تعد مصدراً في باب الاِمامة لخلافة الخلفاء كما عد مصدراً لحجّية الاِجماع وأنّها من مصادر التشريع، نبحث عنها من كلتا الجهتين سنداً ودلالة وإن طال بنا المقام.


1. مفاتيح الغيب: 3|250، ط مصر.
2. البحراني: البرهان في تفسير القرآن: 2|381، الحديث 1 و غيره.

Website Security Test