welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(65)

إكمال

أثبتنا بما قدّمنا من الاَدلّة الناصعة انّكتاب اللّه العزيز مصون من التحريف لم تمسّ كرامتَه يدُ التغيير، كما ظهر ضعف ما استند إليه القائل به. بقي الكلام فيما ورد في الصحاح والمسانيد من سقوط آيات من الكتاب وقد تبنّاها عمر بن الخطاب وعائشة، في زعم الاَوّل سقطت آيات أربع، وفي زعم الثانية سقطت واحدة وهي آية الرضاع.

والعجب انّ أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ويشنّون الغارة عليهم، وهم يروون أحاديثه في أصح صحاحهم ومسانيدهم.

والحقّ انّ أكابر الفريقين بريئون عن هذه الوصمة، غير انّ لفيفاً من حشوية أهل السنّة، وأخبارية الشيعة يدّعون التحريف وهم يستندون إلى روايات لا قيمة لها في سوق الاعتبار. ولنذكر ما رواه أهل السنّة في كتبهم.

الآيات غير المكتوبة

يرى ابن الخطاب انّ آيات أربع سقطت من القرآن وهي: آية الرجم، وآية الفراش، وآية الرغبة، وآية الجهاد، والعجب انّ الصحاح والمسانيد احتفلت بنقلها، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها ليست من القرآن وإن كانت مضامينها مطابقة للشريعة، وإليك الآيات الاَربع المزعومة:

1. آية الرجم

خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال: إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم يقول قائل لا نجد حدّين في كتاب اللّه، فقد رجم رسول اللّه ورجمنا، والذي


(66)

نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللّه تعالى لكتبتها :«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» فإنّا قد قرأناها. (1)

ولفظها ينادي بأنّها ليست من القرآن، والمضمون غير خال من الاِشكال، لاَنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنة سواء كانا شابين أو شيخين أو مختلفين.

2. آية الفراش

قال عمر بن الخطاب مخاطباً أُبيّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه؛ فقال أُبيّ: بلى. (2) واللفظ مع فصاحته أيضاً يأبى أن يكون من القرآن ، لكن الخليفة زعم انّه من القرآن.

3. آية الرغبة

روى البخاري أنّعمر قال: «إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه «أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» أو أن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم». (3)

4. آية الجهاد

روى السيوطي أنّ عمر قال لابن عوف: ألم تجد فيما أُنزل علينا وإن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة؟ قال: أُسقطت فيما أُسقط من القرآن». (4)


1. البخاري: الصحيح: 8|208ـ211.
2. الدر المنثور:1|106.
3.البخاري: الصحيح:8|208ـ211، ومسلم: الصحيح: 4|167و ج5|116.
4. الدر المنثور:1|106.

(67)

5. آية الرضعات

روى مالك ـ في الموطأ ـ عن عائشة كانت فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بـ«خمس معلومات» فتوفي رسول اللّه وهنّ فيما يقرأ من القرآن. (1)

إنّ آيتها نظير آيات الخليفة تأبى أن تكون من صميم القرآن، ولو كان لكتب في المصاحف، ولا وجه لاِسقاطها.

روايات التحريف في كتب الحديث

وقد جمعها المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب في تحريف الكتاب»، والاستدلال بهذه الروايات موهون من جهات:

الاَُولى: أنّها ليست متواترة، وليست الكثرة آية التواتر إلاّ إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من المطابقة، والتضمّن، والالتزام، وهذه الروايات فاقدة لهذه الجهة، ولا تهدف إلى جهة خاصة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، وأُخرى إلى بيان تأويلها، وثالثة إلى بيان قراءتها، ورابعة إلى تفسيرها، هذا هو الكثير، فحسب البعض انّه جزء من الآية، مثلاً قال سبحانه:"وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً" (2) رواه في «الكافي» أنّه قال: وإن تلووا «الاَمر» أو تعرضوا «عمّا أُمرتم به».

روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: وقرأت عند


1. تنوير الحوالك: 2|118، آخركتاب الرضاع.
2. النساء:135.

(68)

أبي عبد اللّه - عليه السّلام - :"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ" (1) فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : خير أُمّة تقتلون أمير الموَمنين والحسن والحسين ابني علي (عليهم السلام) ؟! فقال القارىَ: جعلت فداك كيف؟ قال: نزلت«كُنْتُمْ خَيْرَ أئمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ» ألا ترى مدح اللّه لهم "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُوَْمِنُونَ بِاللّهِ" . (2)

والاستدلال دلّ على أنّ المراد ليس كلّالاَُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه:"ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (3) وأراد الاِمام تنبيه القارىَ على أن لا يغتر بإطلاق الآية، بل يتدبّر ويقف على مصاديقها الواقعية، وانّ خير الاَُمّة هم الاَئمّة وهم الاَُسوة، وأولياء الدين، والمخلصون من العلماء الاَتقياء، لا كلّ الاَُمّة بشهادة أنّ كثيراً منهم ارتكبوا أعمالاً إجرامية مشهودة.

ويقرب من ذلك قوله سبحانه:"وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُعَلَيْكُمْ شَهِيداً" . (4)فإنّ ظاهر الآية أنّ كلّ الاَُمّة: هم الاَُمّة الوسطى، والشعب الاَمثل، مع أنّا نجد بين الاَُمّة من لا تقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تقبل شهادته في الآخرة على سائر الاَُمم؟! وهذا يهدينا إلى أن نتأمل في الآية، ونقف على أنّ الاسناد إلى الكل مجاز بعلاقة كونها راجعة إلى أصفياء الاَُمّة وكامليها.

يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام - في هذا الشأن:«فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة الاَُمم الماضية؟! كلا: لم


1. آل عمران:110.
2. آل عمران:110.
3. آل عمران:104.
4. البقرة:143.

(69)

يعن اللّه مثل هذا من خلقه». (1)

وأنت إذا تدبّرت كتاب «فصل الخطاب» الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الاَكثر فالاَكثر من قبيل التفسير.

مثلاً روى العياشي عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - قال: «نزل جبرئيل على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمد إنّ اللّه يقروَك السلام، ويقول لك: "اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ ـ بولاية علي بن أبي طالب ـ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً" (2) (3) فلا شكّ أنّه بيان لسبب إكمال الدين وإتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.

مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة، المنقولة امّا من الاَئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجية فيها أوّلاً ولا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفة من مجمع البيان وهو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، وكلّها مراسيل أوّلاً، و الاختلاف في القراءة، غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، غير موصولة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعلى فرض صحة النسبة، لا صلة لها بالقرآن. (4)

وهناك روايات ناظرة إلى تأويلها وبيان مصاديقها الواقعية، وهي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك وبعد إخراج هذه الاَقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم ولا العمل.

الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي يبلغ عددها 1122حديث منقول من


1. تفسير العياشي: 1|63 ويوَيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل:(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (المائدة|20) مع أنّبعضهم كانوا ملوكاً لا كلّهم.
2. المائدة: 3.
3. المصدرنفسه: 1|293 برقم 21.
4. لاحظ ص 37.

(70)

كتب ثلاثة:
1. كتاب «القراءات» لاَحمد بن محمد السياري (المتوفّـى 286هـ)، الذي اتّفق الرجاليون على فساد مذهبه.

قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب كان من كتاب آل طاهر، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل. (1)
2. كتاب علي بن أحمد الكوفي (المتوفّـى 352هـ) الذي نص الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.

قال النجاشي: رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثمّيقول: هذا الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة. (2)
3. كتاب «تفسير القمي» الذي أوضحنا حاله في محلّه، وقلنا: إنّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، وقسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمه إليها تلميذه، (3) وهو من المجاهيل، لاَنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّالراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: «حدّثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، وأسوأ حالاً منهما أبو الجارود المعروف بـ«زياد المنذر» فهوزيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي، (4) أفيمكن الاعتمادعلى روايات هذا الكتاب؟!

وقس على ذلك، سائر مصادره ومنابعه التي لا يعبأ بها ولا يعتمد عليها.


1. فهرست الشيخ: 47 برقم 70؛ رجال النجاشي: 1|211 برقم 190.
2. رجال النجاشي: 2|96 برقم 689.
3. لاحظ كتاب «كليات في علم الرجال» حول تقييم تفسير القمي.
4. رجال الكشي:199.

(71)

الثالثة: انّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها وأوضح مثل حديث الثقلين وأخبار العرض وما عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدق، و من جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار» (1)، وما في النهج (2) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلاّ من سيد البشر أو وصيه، وعند التعارض يوَخذ بالموافق لكتابه والمطابق للذكر الحكيم، وهي الطائفة الثانية.

* * *


1. الكافي:2|599.
2. نهج البلاغة: الخطبة 81 و110 و 147.

(72)

ختامه مسك

لمّا وقع كتاب «فصل الخطاب» ذريعة لكل من يحاول اتّـهام الشيعة الاِمامية بالتحريف، وهم منه بُرآء براءة يوسف مما اتُّهم به، طلبت من فضيلة شيخنا الجليل «محمد هادي معرفة» (1) أمدَّ اللّه في حياته الكريمة، أن يوضِّح لنا واقع هذا الكتاب و قيمته في سوق العلم، و المصادر التي اعتمد الموَلّف عليها، فتفضّل بمقال قيّم ننشره على صفحات كتابنا مشفوعاً بالشكر والتقدير.

مع المحدّث النوري
في كتابه «فصل الخطاب»

هو: الشيخ الحسين بن محمد تقي النوري. ولد في قرية «نور» من ضواحي بلدة «آمل» في مقاطعة «مازندران»، في 18، شوال سنة 1254. وهاجر إلى العراق سنة 1278 ليواصل دراسته العلمية في حوزة النجف الاَشرف حتى سنة 1284 فرجع إلى إيران، ولم يلبث أن عاد إلى العراق عام 1286 وتشرّف بزيارة بيت اللّه الحرام، وبعد مدّة ارتحل إلى سامّراء ، حيث كان محطّ رحل زعيم الاَُمّة الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي توفي سنة 1312 وبعده بمدة وفي سنة 1314 قفل محدثنا النوري من سامراء، ليأخذ من النجف الاَشرف مقره الاَخير، حتى توفاه اللّه سنة 1320هـ.ق.


1. وشيخنا العلاّمة «معرفة» أحد العلماء المحقّقين في علوم القرآن تشهد بذلك موسوعته« التمهيد في علوم القرآن» و قد خرجت منها سبعة أجزاء، وله كتاب «التفسير والمفسّـرون»، نسأله سبحانه أن يمدَّ في حياته الكريمة.

(73)

كان محدّثنا النوري مولَعاً بجمع الاَخبار وتتبّع الآثار، وله في ذلك مواقف مشهودة، ومصنّفاته في هذا الشأن معروفة.

غير أنّ شغفه بذلك، ربّما حاد به عن منهج الاِتقان في النقل والتحديث، ممّا أوجب سلبَ الثقة به أحياناً و في بعض ما يرويه.ولا سيّما عند أهل التحقيق وأرباب النظر من فقهائنا الاَعلام والعلماء العظام.

يقول عنه الاِمام الخميني (قدّس سرّه) :«وهو ـ أي الشيخ النوري ـ شخص صالح متتبّع، إلاّ أن اشتياقه بجمع الضعاف والغرائب و العجائب، وما لا يقبله العقل السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع...». (1)

ويقول عنه العلاّمة البلاغي ـ شيخ العَلَمَين السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، و الاِمام الخوئي صاحب كتاب البيان ـ : «وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ...». (2)

وتساهله هذا في جمع شوارد الاَخبار، قد حطّ من قيمة تتبّعاته الواسعة واضطلاعه بمعرفة أحاديث آل البيت (عليهم السلام) والتي كان مشغوفاً بها طيلة حياته العلميّة.

وقد غرّته ظواهر بعض النقول غير المعتمدة، المأثورة عن طرق الفريقين، مما حسبها تعني تحريفاً في كتاب اللّه العزيز الحميد. فكان ذلك مما أثار رغبته في جمعها وترصيفها، غير مكترث بضعف الاَسانيد، أو نكارة المتون، على غِرار أهل الحشو في الحديث.

أضف إلى ذلك زعمه: أنّه لابدّ من تنويه الكتاب بشأن الولاية صريحاً، التي


1. راجع: تعليقته الكريمة على كفاية الاَُصول «أنوار الهداية»، ج1، ص 245.
2. راجع: مقدمة تفسيره آلاء الرحمن، ص 25.

(74)

هي أهم الفرائض متغافلاً عن تصريح الاِمام الصادق - عليه السّلام - بأنّ ذلك قد تُرك إلى تبيين الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما في سائر الفرائض وغيره من أحاديث تنفي وجود أيّ تصريح في كتاب اللّه باسم الاَئمّة (عليهم السلام) (1)

لكن محدّثنا النوري لم يُعر سمعه لاَمثال هذه الاَحاديث المضيئة، التي تنزّه ساحة قدس القرآن عن شبهة احتمال التحريف، وذهب في غياهب أوهامه، راكضاً وراء شوارد الاَخبار وغرائب الآثار، ناشداً عن وثائق تربطه بمزعومته الكاسدة.

وقد وصف الاِمام البلاغي، مساعي المحدث النوري هذه بأنّه جَهَد في جمع الروايات وكثّر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل وفي جملة ما أورده ما لا يتيسّر احتمال صدقه، ومنها ما يوَول إلى التنافي والتعارض، وإنّ قسماً وافراً منها ترجع إلى عدة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلاً منهم، إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية، وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب، يعرف حديثه و ينكر و يروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذّاب متّهم لا يستحل أن يُروى من تفسيره حديث و احد، وربما كان معروفاً بالوقف شديد العداوة للاِمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ، و إمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً، و إمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه و من الكذابين، وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرمى بالغلوّ.

قال (رحمه الله) :ومن الواضح أنّ أمثال هوَلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً. (2)

وهكذا تشبّث محدّثنا النوري بكل حشيش، ونسج منواله نسجَ العنكبوت.

***


1. راجع صحيحة أبي بصير(اصول الكافي: ج1، ص 286).
2. مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن»، ج1، ص 26.

(75)

أمّا كتابه الذي جمع فيه هذه الشوارد والغرائب، وأسماه:«فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّالاَرباب»، فقد وضعه على مقدّمات ثلاث، واثني عشر فصلاً، وخاتمة.

ذكر في المقدمة الاَُولى، ما ورد بشأن جمع القرآن و نظمه و تأليفه، مما يشي ـ بزعمه ـ على ورود نقصٍ أو تغيير في نصّه الكريم.

وفي الثانية: بيّن أنحاء التغيير الممكن حصوله في المصحف الشريف.

وفي الثالثة: في سرد أقوال العلماء في ذلك، إثباتاً أو رفضاً.

أمّا الفصول الاثنا عشر، فقد جعلها دلائل على وقوع التحريف، بالترتيب التالي:
1. قد وقع التحريف في كتب السالفين ، فلابدّ أن يقع مثله في الاِسلام، حيث تشابه الاَحداث في الغابر والحاضر.
2. إنّ أساليب جمع القرآن في عهد متأخر عن حياة الرسول، لتستدعى بطبيعة الحال أن يقع تغيير في نصّه الشريف.
3. محاولة علماء السنَّة توجيه روايات التحريف لديهم، بالاِنساء أو نسخ التلاوة غير سديدة.
4. مغايرة مصحف الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - مع المصحف الحاضر.
5. مغايرة مصحف الصحابي عبد اللّه بن مسعود مع المصحف الراهن.
6. مغايرة مصحف الصحابي أُبيّ بن كعب مع المصحف الرائج.
7. تلاعب عثمان بنصوص الآيات عند جمع المصاحف وتوحيدها.
8. روايات عامّيّة رواها أهل الحشو من محدثي العامّة، ناصّة على التحريف.


(76)

9. إنّ أسامي أوصياء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كانت مذكورة في التوراة ـ على ما رواه كعب الاَحبار اليهودي ـ فلابدّ أنّها كانت مذكورة في القرآن، لمسيس الحاجة إلى ذكرها في القرآن، أكثر مما في كتب السالفين.
10. إنّ اختلاف القراءات، خير شاهد على التلاعب بنصوص الكتاب.
11. روايات خاصّة، تدل دلالة بالعموم على وقوع التحريف.
12. روايات ناصّة على مواضع التحريف في الكتاب.

أمّا الخاتمة، فجعلها ردّاً على دلائل القائلين بصيانة القرآن من التحريف.

***

أمّا الرّوايات الخاصة، والتي استند إليها لاِثبات التحريف، سواء أكانت دالّة بالعموم على وقوع التحريف، أم ناصّة على مواضع التحريف، فهي تربو على الاَلف ومائة حديث، (1122). منها (61) رواية دالة بالعموم. و(1061) ناصة بالخصوص، حسبما زعمه.

لكن أكثريّتها الساحقة نقلها من أُصول لا إسناد لها ولا اعتبار، من كتب و رسائل، إمّا مجهولة أو مبتورة أو هي موضوعة لا أساس لها رأساً.

والمنقول من هذه الكتب تربو على الثمانمائة حديث (815) وبقي الباقي (307). وكثرة من هذا العدد، ترجع إلى اختلاف القراءات، مما لا مساس لها بمسألة التحريف، وهي (107) روايات، و البقية الباقية (200) رواية ، رواها من كتب معتمدة، وهي صالحة للتأويل إلى وجه مقبول، أو هي غير دالة على التحريف، وإنّما أقحمها النوري إقحاماً في أدلة التحريف.

وقد عالجنا هذه الروايات بالذات في كتابنا «صيانة القرآن من التحريف» فراجع.

***


(77)

وقد تمّ تأليف «فصل الخطاب» على يد موَلفه النوري سنة 1292، وطبع سنة 1298، و قد وَجَدَ المحدّث النوري ـ منذ نشر كتابه ـ نفسه في وحشة العزلة و في ضوضاء من نفرة العلماء والطلبة في حوزة سامراء العلمية آنذاك. وقد قامت ضدّه نعرات، تتبعها شتائم و سبّات من نبهاء الاَُمّة في جميع أرجاء البلاد الشيعيّة، و نهض في وجهه أصحاب الاَقلام من ذوي الحميّة على الاِسلام، ولا يزال في متناوش أهل الاِيمان، يسلقونه بألسنة حداد، على ما جاء في وصف العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني، عن موضع هذا الكتاب وموَلفه و ناشره، يوم كان طالباً شابّاً في حوزة سامراء.

يقول في رسالة بعثها تقريظاً على رسالة «البرهان» التي كتبها الميرزا مهدي البروجردي بقم المقدّسة 1373هـ.

يقول فيها: كم أنت شاكر مولاك إذ أولاك بنعمة هذا التأليف المنيف، لعصمة المصحف الشريف عن وصمة التحريف. تلك العقيدة الصحيحة التي آنستُ بها منذ الصغر أيّام مكوثي في سامرّاء، مسقط رأسي، حيث تمركز العلم والدين تحت لواء الاِمام الشيرازي الكبير، فكنت أراها تموج ثائرة على نزيلها المحدّث النوري، بشأن تأليفه كتاب «فصل الخطاب» فلا ندخل مجلساً في الحوزة العلمية إلاّو نسمع الضجّة والعجّة ضدّ الكتاب و موَلّفه وناشره، يسلقونه بألسنة حداد... (1)

وهكذا هبّ أرباب القلم يسارعون في الردّ عليه ونقض كتابه بأقسى كلمات وأعنف تعابير لاذعة، لم يدعوا لبثّ آرائه ونشر عقائده مجالاً ولا قيد شعرةٍ.

وممّن كتب في الردّ عليه من معاصريه، الفقيه المحقّق الشيخ محمود بن


1. البرهان، ص 143ـ144.

(78)

أبي القاسم الشهير بالمعرّب الطهراني (المتوفّـى 1313) في رسالة قيّمة أسماها «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب» فرغ منها في (17ج2ـ 1302) تقرب من أربعة آلاف بيت في 300 صفحة. وفيها من الاستدلالات المتينة والبراهين القاطعة، ما ألجأ الشيخ النوري إلى التراجع عن رأيه بعض الشيء، وتأثّر كثيراً بهذا الكتاب.

وأيضاً كتب في الردّ عليه معاصره العلاّمة السيد محمد حسين الشهرستاني (المتوفّـى 1315) في رسالة أسماها «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف». و قد أحسن الكلام في الدلالة على صيانة القرآن عن التحريف و ردّ شبهات المخالف ببيان وافٍ شافٍ. والرسالة في واقعها ردّ على فصل الخطاب، ولكن في أُسلوب ظريف بعيد عن التعسّف و التحمّس المقيت. (1)

وهكذا كتب في الردّ عليه كلّ من كتب في شوَون القرآن أو في التفسير، كالحجّة البلاغي (المتوفّـى 1352) في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) قال تشنيعاً عليه: وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ وإنّه ليعدّ هذا المنقول من «دبستان المذاهب» ضالّته المنشودة، مع اعترافه بأنّه لم يجد لهذا المنقول أثراً في كتب الشيعة. (2)

قم، محمد هادي معرفة
ليلة عيد الفطر المبارك
سنة 1418هـ. ق، 8|11|76 والحمد للّه.



1. راجع البرهان: ص 142.
2. آلاء الرحمن: ج1، ص 25.

(79)

مصادر التشريع
2



السنَّة

السنّة في اللغة: الطريقة والسيرة، سواء كانت محمودة أو مذمومة.

روى أحمد أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أُجورهم شيئاً، ومن سنّ في الاِسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً». (1)

ولكنّها في مصطلح الفقهاء: ما صدر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من قول أو فعل أو تقرير.

والسنّة هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء كان منقولاً باللفظ والمعنى، أو منقولاً بالمعنى إذا كان الناقل ضابطاً في النقل، وقد خص اللّه بها المسلمين دون سائر الاَُمم، واهتم المسلمون بنقل ما أُثِرَ عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من السنّة وتحرّوا الدقة في نقلها. والاَدلّة على أنّ السنة هي من مصادر التشريع الاِسلامي، كثيرة نشير إلى بعضها:

الاَوّل: قوله سبحانه: "وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى*إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى" . (2)و النطق مطلق، ورد عليه النفي فيفيد العموم والشمول وانّه لا ينطق عن الهوى مطلقاً في النطق بالقرآن وغيره.

نعم قوله: "إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى" وإنْ كان ناظراً إلى القرآن، لكنّه ليس تعليلاً للجملة المتقدمة حتى نخصه بمورد الوحي، بل هو من قبيل الصغرى


1. مسند أحمد: 4|361 ـ 362.
2. النجم: 3ـ 4.

(80)

للجملة السابقة عليها، كأنّه يقول: إذا كان النبي لا ينطق عن الهوى، فلازم ذلك أن يكون صادقاً في قوله: إنّ القرآن ليس من كلامه، بل هو من كلامه سبحانه، وانّه أُوحي إليه.

ويوَيّد العموم، أنّ قوله: "ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" آب عن الاستثناء والتخصص، فمثلاً لو قيل "وَما يَنْطِقُعَنِ الْهَوى" إلاّ في مورد غير القرآن لتعجب المخاطب من هذا الاستثناء.

الثاني: قوله سبحانه: "وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" . (1)

والآية تتضمن مقاطع ثلاثة، وكلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول.

فالاَوّل، أعني قوله: "وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَ الحِكْمَة" يشير إلى العلم الحاصل بنزول الملك على قلبه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

والثاني، أعني قوله: "وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم" يشير بقرينة المقابلة، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك، فالمراد به هو الاِلقاء في القلب والاِلهام الاِلهي الخفي.

كما أنّ الثالث، أعني قوله: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" يشير إلى سعة علمه.

وبما ذكرنا آنفاً تثبت عصمة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أقواله وأفعاله، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك، أو الاِلقاء في القلب من جانبه سبحانه فلا يعرض له الخطأ، وكيف يعرض له، وهو القائل: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" ومن فضله سبحانه تعليمه إيّاه وتأديبه.

ومردُّ سنّة النبي إلى العلم الواسع الذي تفضل به سبحانه عليه، فلا يخطأ الواقع قدر شعرة.


1. النساء: 113.

(81)

وقد أكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الرئيسي بعد الكتاب، وأنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد جاء فيه كتاب أو سنّة.

قال الاِمام الباقر - عليه السّلام - : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حداً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحد حداً». (1)

وقال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «ما مِنْ شيءٍ إلاّ وفيه كتاب أو سنّة». (2)

وروى سماعة عن الاِمام أبي الحسن موسى الكاظم - عليه السّلام - ، قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه، أو تقولون فيه؟

قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه». (3)

روى أُسامة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام - وعنده رجل من المغيرية (4) فسأله عن شيء من السنن فقال: «ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم إلاّ وقد خرجت فيه سنّة من اللّه ومن رسوله، ولولا ذلك، ما احتج علينا بما احتج؟»

فقال المغيري: وبما احتج؟.

فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «قوله: "اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً(5)" فلو لم يكمل سنّته وفرائضه وما يحتاج إليه الناس، ما احتجّ به». (6)

روى أبو حمزة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللّه في خطبته في حجّة الوداع: «أيّها الناس اتّقوا اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّوقد نهيتكم عنه وأمرتكم به». (7)

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد


1. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
2. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
3. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
4. هم أصحاب المغيرة بن سعيد، الذي تبرّأ منه الاِمام الصادق - عليه السّلام - .
5. المائدة: 3.
6. المجلسي: البحار: 2|168ح3.
7. البحار: 2|171 ح11.

(82)

على السنّة والركون إليها.

أضف إلى ذلك، انّ موافقة السنّة هي الحد المائز بين الحقّ والباطل عند تعارض تلك النصوص.

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّحديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (1)

وقال - عليه السّلام - أيضاً: «من خالف كتاب اللّه وسنّة محمد فقد كفر». (2)

إنّ موقف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في بيان الاَحكام وتبليغ الشريعة غير موقفه في مقام القضاء وإدارة دفّة الحكم، ففي الموقف الاَوّل هو معلم الاَُمّة ومرشدها ورسولها يبلغ رسالات اللّه دون أن يكون له أمر أو نهي، خلافاً للمقام الثاني، فهو يتمتع فيه بمقام الاِمرة وعلى الاَُمّة إطاعة أوامره ونواهيه، وفي هذا الصدد يقول سبحانه: "فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيم".(3)

وقال سبحانه: "وَما كانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَمِنَةٍ إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" . (4)

وقال عزّ من قائل: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" . (5)

فالآية الاَُولى تحذّرنا عن مخالفته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وتسلب الآية الثانية أيَّ خيار للموَمنين أمام قضائه، كما أنّ الآية الثالثة تعدّ التسليم أمام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ركن الاِيمان.


1. الكافي: 1|الحديث 3و6 باب الاَخذ بالسنّة.
2. الكافي: 1|الحديث 3و6 باب الاَخذ بالسنّة.
3. النور: 63.
4. الاَحزاب: 36.
5. النساء: 65.

(83)

ومناصب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هي مناصب مهداة من قبل اللّه سبحانه إليه، فإطاعة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من شعب إطاعة اللّه سبحانه.

قال سبحانه: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْأَطاعَ اللّه" . (1)

فظهر ممّا تقدّم أنّالسنّة هي الحجّة الثانية في مقام التشريع والقضاء، ولا أظن أنّ من له أدنى إلمام بالشريعة الاِسلامية أن ينكر حجية السنّة، كيف والقرآن الكريم يعدّ السنّة مبيّنة له؟ قال سبحانه: "وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلناسِ ما نُزِّلَإِلَيْهِمْ وَلعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون" . (2)

فالغاية من النزول هي تبيين النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للناس مانزّل إليهم، والتبيين غير القراءة وإلاّ كان المناسب أن يقول: (لتقرأه عليهم) ، فهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مأمور بالقراءة والتبيين.

وقد أشار في سورة أُخرى لكلتا الوظيفتين وقال: "لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْنْاهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ" . (3)

والسنّة هي الكفيلة بتبيين الغاية.

وقد كلّف اللّه سبحانه الناس بعبادات كالصلاة والصوم والحج، وأمرهم بأداء ضرائب مالية كالزكاة والخمس والاَنفال، كما أمضى لهم العقود والاِيقاعات، وشرع لهم القضاء والسياسات.

ومن المعلوم أنّ القرآن لم يتكفّل ببيان خصوصياتها وشرائطها وموانعها


1. النساء: 80.
2. النحل: 44.
3. القيامة: 16ـ19.

(84)

وقواطعها، والسنّة هي المتكفّلة ببيان تلك الاَُمور، فلو تُركت السنّة وأهملت على الاِطلاق أو اقتصرت على المتواترة، لاندثرت الشريعة ومُحِيت أحكامها، ولم يبق من الشريعة اسم ولا رسم.

مكانة السنّة في التشريع

إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم تبيّن مجملاته، أو تخصّص عموماته، أو تقيّد مطلقاته؛ وأُخرى تكون مبتدِئة بالتقنين غير ناظرة إلى الذكر الحكيم.وفي كليهما تكون الصياغة والتعبير للرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولكن المعنى والمضمون وحي من اللّه سبحانه، ولذلك تعد عدلاً للقرآن الكريم.

فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفية لا تعلم إلاّ من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو المبيّن لحقائقها وشروطها وموانعها، وقد صلّى مع المسلمين وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلي» وبذلك رفع الاِجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها الزكاة والحجّ.

هذا هو أبو هريرة يروي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فاسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، ثمّ اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثمّ اركع حتى تطمئن راكعاً، ثمّ ارفع حتى تعتدل قائماً، ثمّ اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمّ ارفع حتى تطمئن جالساً، ثمّ اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمّ افعل ذلك في صلاتك».(1)

وهذه هي الزكاة أمر بها سبحانه، وقد بيّنها الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سنّته، روى معاذ ابن جبل أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة،


1. ابن حجر: بلوغ المرام: باب صفة الصلاة، الحديث 278.

(85)

تبيعاً أو تبيعة؛ ومن كلّأربعين مسنّة، و من كلّ حالم ديناراً، أو عدله معافريا. (1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في تفسير العبادات والمعاملات الواردة في الذكر الحكيم، وأمّا التخصيص والتقييد فحدث عنه ولا حرج، ولنذكر بعض الاَمثلة:

قال أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «ليس بين الرجل و ولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا». (2)

وقال الاِمام أبو جعفر الباقر - عليه السّلام - : «ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا». (3)

فإنّ الروايتين المرويتين عن الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام - والاِمام الباقر (عليه السلام) يخصّصان إطلاق التحريم في آيات الربا. وهما (عليهما السلام) يحكيان السنّة النبوية.

وأمّا التقييد فقال سبحانه: "السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما" (4) ولكن تقيّد السنّة إطلاقها بأُصول الاَصابع؛ روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: قلت له: من أين يجب القطع؟ فبسط أصابعه، قال: «من هاهنا». (يعني من مفصل الكف).(5)

وفي رواية أُخرى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، قال: «القطع من وسط الكف، ولا يقطع الاِبهام، وإذا قطعت الرِجْل تُرِك العقبُ لم يقطع». (6) ولم تكن سنّة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - منحصرة بتوضيح و تضييق ما ورد في القرآن الكريم، بل ربما تكون قائمة على بيان الحكم الشرعي من غير نظر إلى القرآن، وما أكثر هذا


1. المصدر نفسه: باب الزكاة، حديث 623. والحالم: البالغ.
2. الوسائل: 12، الباب السابع من أبواب الربا، الحديث 1و2.
3. الوسائل: 12، الباب السابع من أبواب الربا، الحديث 1و2.
4. المائدة: 38.
5. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1و2.
6. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1و2.

(86)

النوع من السنّة، و يكفيك الرجوع إلى كتاب «بلوغ المرام في أدلّة الاَحكام» للحافظ العسقلاني (المتوفّـى852هـ) لاَهل السنّة، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي (المتوفّـى 1104هـ) .

تمحيص السنة النبويّة وتدوينها

إذا وقفت على مكانة السنة النبوية وأهميتها فاعلم أنّ تمتع السنّة بهذه الدرجة من الاَهمية مردّها إلى السنّة الواقعية من قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وفعله وتقريره، لا كلّ ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة النسبة، فعلى الباحث تمحيص السنّة.

وربما يقول القائل: إنّ السنّة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي، أوَ يصحّ لبشر خاطىَ أن يمحّص الحق المحض؟

ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنّة النبوية الواقعية فوق التمحيص، وفوق إدراك البشر وقضائه، ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام هي السنّة المتبلورة المحكية في الصحاح والمسانيد، فإنّها بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من يتكلّم عن لسان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بثقة، وعلى فرض وثاقته فليس بمصون عن الخطأ و النسيان.

فتمحيص السنّة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يهدف من وراء ذلك إلى إحقاق الحقّ وإبطال الباطل.

ولا ينبغي الاِضفاء على كتاب، طابَع القداسة والصحّة غير كتاب اللّه سبحانه، فغيره وإن بلغ ما بلغ من الاِتقان خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.

فإذا كانت السنّة من الاَهمية بمكان فالجدير بها هو دراستها وكتابتها


(87)

وتدوينها حتى تنتقل السنّة الصحيحة من الصحابة إلى التابعين، ومن ثمّ إلى الاَجيال المتأخرة، وتكون كالكتاب العزيز مشعّة لطريق الهدى.

فإذن لا يتصور ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من أنّه نهى عن كتابة السنَّة، وإن رواها أصحاب الصحاح في صحاحهم.

روى مسلم في «صحيحه» وأحمد في «مسنده»: انّ رسول اللّه قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

وفي رواية: انّهم استأذنوا النبي أن يكتبوا عنه، فلم يأذنهم.

وفي «مسند أحمد» أنّرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى أن نكتب شيئاً من حديثه.(1)

وأيضاً ورد في «مسند أحمد» عن أبي هريرة أنّه قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون؟» فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه امحضوا أو خلصوه». قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار. (2)

ثمّإنّ المحدثين لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى شخصيات بارزة كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الاَشعري، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك من الذين رووا منع الكتابة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . (3)

ويظهر ممّا رواه البخاري انّ عمر بن الخطاب كان يتبنّى تلك الفكرة حتى


1. مسند أحمد: 5|182.
2. مسند أحمد: 3|12.
3. جمع الخطيب في «تقييد العلم»: 28 ـ 49، الروايات المنسوبة إلى النبي، و الموقوفة على الصحابة والتابعين.

(88)

في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - روى ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبي الوجع قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».

قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه، حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط.

قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع».

فخرج ابن عباس يقول:

إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه. (1)

ولا أظن أحداً يوافق الخليفة فيما ادّعاه، و إنّما هي كلمة صدرت عنه للحيلولة دون كتاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولم يكن هذا المنع هو الموقف الاَخير من الخليفة، بل له مواقف أُخرى أشدّ من ذلك، فقد منع كتابة الحديث و تدوينه بعد رحيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بوجه بات، وبذلك جسّد ما قاله أمام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : حسبنا كتاب اللّه، وصار منعه فيما بعد سنّة رائجة إلى أواسط القرن الثاني.

روى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن و انّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها، وتركوا كتاب اللّه، وانّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. (2)

وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمد


1. البخاري: الصحيح: 1|39، كتاب العلم، باب كتابة العلم.
2. تقييد العلم: 49.

(89)

وأنا شريككم. (1)

وكان عمر قد شيّع قرظة بن كعب الاَنصاري و من معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لاَجل الوصية بهذا الاَمر، و قال لهم ذلك القول.

قال قرظة بن كعب الاَنصاري: أردنا الكوفة فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين وقال: تدرون لم شيّعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّهص، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالاَحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم. (2)

وقد حفظ التاريخ أنّالخليفة قال لاَبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي الدرداء: ما لهذا الحديث الذي تفشون عن محمد؟ (3) وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّفي أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: «أيّها الناس إنّه قد بلغني انّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها و يقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب.(4)

وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة


1. تاريخ الطبري: 3|273، طبعة الاَعلمي بالاَُوفست.
2. طبقات ابن سعد: 6|7؛والمستدرك للحاكم: 1|102.
3. كنز العمال: 10|293 ح29479.
4. تقييد العلم: 52.

(90)

محدودة، وقال على المنبر: لا يحل لاَحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر. (1)

كما أنّمعاوية اتبع طريقة الخليفتين أيضاً، فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، و إن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر. (2)

حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه. (3)

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة رائجة، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

لا أظن أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينهى عن تدوين المصدر الثاني للتشريع، بالرغم من أمره بكتابة ما هو أدون منه شأناً، بل لا يقاس به، ككتابة الدين، قال سبحانه: "وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرتابُوا" . (4)

إنّ الشريعة الاِسلامية شريعة خاتمة كنبوتها، وهي قائمة على دعامتين: الكتاب والسنّة، فكيف يعقل أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أخذ بزمام أحدهما وترك الآخر، مع أنّ في تركها تقويضاً لعرى الدين.

فإذا كانت هذه عاقبة السنّة النبوية وما آلت إليه من إجحاف الدهر عليها، أفيصح قول ابن الاَثير في «جامع الاَُصول» حين الاِشارة إلى قيمة الحديث بين


1. كنز العمال: 10|290 ح29490.
2. كنز العمال: 10|291 ح29473.
3. فرقة السلفية: 14، نقلاً عن مسند الاِمام أحمد.
4. البقرة: 282.

(91)

الصحابة والتابعين: فما زال هذا العلم ـ من عهد الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والاِسلام غضّ طريّ، والدين محكم الاَساس قوي ـ أشرف العلوم وأجلّها لدى الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين بعدهم وتابعي التابعين ، يعظمه وأهله الخلف بعد السلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظه لكتاب اللّه عزّ وجلّ إلاّ بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلاّ بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلّمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه. فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة: طلب ذلك الحديث لذاته. ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه، إمّا لثقته في نفسه، وصدقه في نقله، وإمّا لعلو اسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله.(1)

فإذا كان الحكم السائد في عصر الخلافة تقليل الرواية عن محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكانت مشايعة بعض الصحابة بغية تحقق تلك الغاية.

وإذا كانت مكانة كتابة السنّة ومنزلتها إحراقَها أمام الصحابة وعلى روَوس الاَشهاد، أفهل يمكن أن يكون أشرف العلوم بعد حفظ كتاب اللّه كما وصفه ابن الاَثير إلى آخر ما وصفه؟!!

نعم يصح ما ذكره في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى، واندرس العلم، وأُبيد معظم الصحابة والتابعين، فلم يبق إلاّ صبابة كصبابة الاِناء، فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث، يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة،


1. جامع الاَُصول: 1| 14 ـ 15.

(92)

وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنّـها الاَصل، فإنّ الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى.

فانتهى الاَمر إلى زمن جماعة من الاَئمّة مثل عبد الملك بن جريج الاَُموي (80 ـ 150هـ) ومالك بن أنس (95 ـ 179هـ) وغيرهما ممّن كان في عصرهما فدوّنوا الحديث حتى قيل: إنّ أوّل ما صنّف في الاِسلام كتاب ابن جريج، وقيل: موطأ مالك، وقيل: إنّ أوّل من صنّف وبوّب، الربيع بن صبيح بالبصرة. (1)

قال جلال الدين السيوطي: أخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد اللّه بن دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث، إنّما كانوا يوَدّونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً، إلاّ كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت، فأمر عمر بن عبد العزيز، أبابكر الحزمي فيما كتب إليه: ان انظر ما كان من سنّة أو حديث عمر فاكتبه.

وقال ابن حجر: اعلم أنّآثار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن في عصر الصحابة وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع و مرتّبة لاَمرين:

أحدهما: انّهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في «صحيح مسلم» خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

والثاني: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولاَنّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثمّحدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الاَخبار، لما انتشر العلماء في الاَمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومفكري الاَقدار.

فأوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعد بن أبي عروبة، وغيرهما،


1. جامع الاَُصول: 1|40.

(93)

فكانوا يصنفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني، فدوّنوا الاَحكام، فصنّف الاِمام مالك «الموطأ» وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومن بعدهم؛ وصنّف ابن جريج بمكة، والاَوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هوَلاء في عصر واحد، فلا يدرى أيّهم أسبق.

ثمّتلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الاَئمّة أن يفرد حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنّفوا المسانيد. (1)

ولو أردنا أن نحدّد تاريخ التدوين عند أهل السنة بالضبط، فنقول: إنّ تاريخه يرجع إلى ما ذكره الذهبي بقوله:

وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، و صنّف أبو حنيفة الفقه والرأي، إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (2)

إلى هنا اتضح أنّ السنّة النبوية لم تلق من الاهتمام في عصر الخلفاء والاَُمويين وأوائل العصر العباسي حتى خلافة المنصور العباسي، فأمر بتدوين السنّة وتبويبها.


1. جلال الدين السيوطي: تنوير الحوالك: 1|6ـ7.
2. السيوطي: تاريخ الخلفاء: 316. وسيوافيك ذيله ص 97.

Website Security Test