welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(392)



(393)

الفصل الخامس

التراث الفقهي للمذاهب الخمسة

الجوامع والمتون الفقهية للمذهب الشيعي

عكفت الشيعة بعد رحيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على دراسة الفقه و جمع مسائله وتبويب أبوابه، وضم شوارده، وأقبلوا عليه إقبالاً قلّ نظيره لدى الطوائف الاِسلامية الاَُخرى حتى أنجبت مدرسة أهل البيت وعلى يد أئمّة الهدى، وخاصة الاِمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ثلّة من الفقهاء الاَفذاذ، فبلغوا الذروة في الاجتهاد واستنباط الاَحكام، وقد كفانا في سرد أسمائهم، وشيء من تراجمهم كتاب «موسوعة طبقات الفقهاء».

بيد أنّ الذي يجب أن ننوّه به هو ظهور أساليب ثلاثة في تدوين الفقه وفقاً للظروف الزمانية والمكانية، وإليك سرد تلك الاَساليب:

أ. تدوين الفقه عن طريق عرض الروايات بأسانيدها

كانت السنّة الرائجة في عصر الاِمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام) إلى أواسط القرن الثالث هي تدوين الفقه بأُسلوب الرواية عن المعصوم سنداً و متناً، وكان


(394)

الاجتهاد يتم عبر تمييز الصحيح عن غيره و الاقتصار على نقل ما يعتمد عليه، وعلى ضوء ذلك جرى فقهاء القرون الثلاثة في عصر الاَئمّة فألّفوا كتباًبهذا الاَُسلوب أضحت فيما بعد مادة للجوامع الحديثية، وما ذكره الرجاليّان الكبيران النجاشي و الشيخ الطوسي في فهرستيهما من الكتب الفقهية لاَبناء مدرسة الاَئمّة كانت على هذا الغرار إلاّ ما شذ، فلم يكن للمجتهد دور إلاّ تمييز الصحيح عن السقيم، وتبويب الاَحاديث وفق الاَبواب الفقهية.ومن الكتب التي ألّفت على هذا النمط في تلك الفترة ما يلي:
1. كتاب «الصلاة» لحريز بن عبد اللّه السجستاني، من فقهاء أواخر القرن الثاني، له مصنّفات منها: «كتاب الصلاة». يقول النجاشي فيه: هو كتاب كبير، وآخر ألطف منه، وله كتاب «النوادر»و كتاب «الزكاة» و«الصوم»، وكان هذا الكتاب مرجعاً للشيعة في تلك الفترة حتى تجد أنّكبار الفقهاء قد حفظوه عن ظهر قلب، فهذا حماد بن عيسى الجهمي (119ـ 209هـ) يقول للاِمام الصادق بأنّه يحفظ كتاب حريز. (1)

2. كتاب «يوم وليلة» ليونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين (المتوفّى 208هـ) كان وجهاً متقدماً عظيم المنزلة، وكان الاِمام الرضا يشير إليه بالعلم والفتيا، ومن كتبه المعروفة ما تقدّم، قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري(رحمه الله): عرضت على أبي محمد صاحب العسكر - عليه السّلام - كتاب يوم وليلة ليونس، فقال لي: تصنيف من؟ فقلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين، فقال: آتاه اللّه بكلّحرف نوراً يوم القيامة، وله أكثرمن ثلاثين كتاباً، منها: كتاب «جامع الآثار» وكتاب «الشرائع» وكتاب «الزكاة» وكتاب «الصلاة» وكتاب« العلل الكبير» وكتاب «اختلاف الحج» وكتاب «الاحتجاج في الطلاق» وكتاب «الجامع الكبير في الفقه»


1. النجاشي: الرجال: 1|340 برقم 373.

(395)

وكتاب «التجارات» وكتاب «الوضوء» وكتاب «النكاح» وكتاب «المتعة». (1)

نعم أنّه من المحتمل أن يكون ما ألّفه باسم كتاب «يوم وليلة» بصورة صب ما استنبطه من الاَحاديث في قوالب لفظية مبتكرة.وهذا ليس ببعيد في كتب زرارة ويونس وسيوافيك نصوص فتاواهم في الجزء الثاني «تاريخ الفقه الاِسلامي وأدواره».

كل هذه الكتب على غرار ما وصفنا، وكم للشيعة في هذين القرنين من كتب فقهية علىهذا النمط احتفل بذكرها الرجاليان الكبيران: النجاشي والطوسي في فهرستيهما.

ب. تجريد المتون الفقهية عن أسانيدها

ومع إطلالة القرن الرابع ظهر أُسلوب آخر في تدوين الفقه اعتمد على تجريد متون الاَحاديث الفقهية عن أسانيدها، وذكر الفروع الفقهية بألفاظ الحديث مع التمحيص بين الصحيح والسقيم، وقد ظهرت كتب فقهية على هذا النمط نشير إلى بعضها:
1. كتاب «الفقه الرضوي» المطبوع المنتشر، وليس هو من تصانيف الاِمام الرضا - عليه السّلام - ، وإنّما تصدّى لتأليفه فقيه عارف بمتون الاَخبار مطّلع على مطلقها ومقيّدها، عامّها وخاصّها، فجرّد المتون عن الاَحاديث، وأفتى بنفس لفظ الحديث، وأمّا موَلّفه فهو مردّد بين كونه محمد بن علي الشلمغاني المعروف بـ «ابن أبي العزاقر» المقتول عام 322هـ. أو تأليف والد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه القمي (المتوفّى329هـ) .
2. كتابي «المقنع» و «الهداية» للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (306ـ381هـ) من شيوخ الشيعة في عصره، وقد ألّف في


1. النجاشي: الرجال: 2|420 برقم 1209. ولاحظ فهرست الشيخ: 211 برقم 810.

(396)

الحديث والفقه والكلام قرابة مائتي مصنّف.

يقول النجاشي: أبو جعفر القمي، نزيل الري، شيخنا، وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، ثمّ ذكر فهرس تآليفه منها: «دعائم الاِسلام في معرفة الحلال والحرام» وكتاب «جامع الحج» وكتاب «التجارات». (1)

3. «النهاية» للشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ) شيخ الشيعة في وقته، خليفة السيد المرتضى بعد رحيله، موَسس ومشيّد أركان الحوزة العلمية في النجف الاَشرف عام 448هـ، صاحب التصانيف الكثيرة في الحديث والفقه والكلام والاَدعية وغير ذلك، غني عن التعريف والتوصيف، وكتابه هذا آخر كتاب ظهر بهذا الاَُسلوب، وختم بكتابه هذا المنهج.

ج. تحرير المسائل بأساليب جديدة

ما مرّذكرهما من الاَُسلوبين كانا يناسبان الظروف الزمانية والمكانية آنذاك، ولما اشتدت الحاجات، وكثرت المتطلبات إلى تفريعات لم يرد فيها نص و إنّما وردت ضوابط وقواعد كلّية يمكن استنباط تلك التفريعات منها، عمد الفقهاء إلى إبداع اسلوب آخر، وهو عدم الالتزام في تدوين الفقه بنفس ألفاظ المتون الحديثية، بل تحرّروا من تلك القيود وانطلقوا إلى إفراغ المعاني و الفروع في قوالب خاصة مناسبة لتلك الظروف مع الاحتجاج عليها بالكتاب والسنّة.

وقد قام بعض الاَفذاذ من فقهاء الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجري بتصنيف كتب على هذا النمط، فلنذكر نماذج من تلك الكتب:
1. «المستمسك بحبل آل الرسول» للحسن بن علي بن أبي عقيل العماني


1. النجاشي: الرجال: 2|311 برقم 1050، فهرست الشيخ: 184 برقم 709.

(397)

(المتوفى نحو 329هـ) المعاصر للكليني.

يقول النجاشي: ما ورد الحاج من خراسان إلاّطلب و اشترى منه نسخاً وسمعت شيخنا أبا عبد اللّه المفيد يكثر الثناء على هذا الرجل.

وقال عنه الشيخ الطوسي: هو من جملة المتكلّمين، إمامي المذهب، ومن كتبه كتاب «المستمسك بحبل آل الرسول» في الفقه وغيره، وهو كتاب كبير حسن.(1)

وقد كان الكتاب موجوداً إلى القرن الثامن، لاَنّ العلاّمة ينقل آراءه في «مختلف الشيعة».
2. «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة» لمحمد بن أحمد بن الجنيد أبي علي الكاتب الاِسكافي (المتوفى 381هـ) تحدّث النجاشي عنه وقال: وجه في أصحابنا، ثقة، جليل، صنّف فأكثر ، ثمّ ذكر فهرست كتبه، منها: كتاب «الاَحمدي للفقه المحمدي» وكتاب «النصرة في أحكام العترة» وكان له نحو ألفي مسألة في نحوألفين وخمسمائة ورقة إلى غير ذلك من التصانيف الفقهية. (2)

يقول الشيخ الطوسي: كتاب «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة» كتاب كبير في عشرين مجلداً، يشتمل على عدد كتب الفقه على طريقة الفقهاء. (3)

قد مرّت الاَساليب الثلاثة لتدوين الفقه عند الشيعة الاِمامية، وحان الوقت لذكر جوامعهم ومتونهم الفقهية، وقد صنّف منذ القرن الرابع إلى نهاية القرن الرابع عشر جوامع ومتون كثيرة لا نستطيع الاِشارة إلى أكثرها فضلاً عن الاِحاطة بها، ونكتفي بذكر نماذج منها، ونستعرض الجوامع أوّلاً ثمّ المتون، فنقول:


1. النجاشي: الرجال: 1|153 برقم 99، الطوسي: الفهرست: 79 برقم 204.
2. النجاشي: الرجال: 2|306 برقم 1048.
3. الطوسي: الفهرست: 160برقم 602.

(398)

1. «المبسوط» لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (385ـ460هـ) فقيه الشيعة وزعيمهم بعد رحيل الشريف المرتضى، فقد ألّف جامعاً باسم «المبسوط» وطبع في ثمانية أجزاء، وتعرّض فيه لكثير من التفريعات غير المنصوصة، واستنبط حكمها من القواعد والضوابط الكلية، وقد ألّف كتابه هذا في رد من زعم أنّ المقتصرين في استنباط الاَحكام على الكتاب والسنّة، والمعرضين عن الاحتجاج بالقياس والاستحسان وسائر الظنون، ليس بإمكانهم استنباط أحكام غير منصوصة. فقام الشيخ بتأليف هذا الكتاب وأثبت أنّ النصوص عند الشيعة الاِمامية أكثر ممّا عند أهل السنّة، بل وأثبت أنّ بإمكانها الاِجابة على الحاجات المستجدة من دون الاستعانة بالمعايير التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وللشيخ في مجال الفقه والحديث والكلام تصانيف كثيرة تتمتع بالعمق و الغزارة وحسن العرض.
2. «المهذب» للفقيه البارع سعد الدين أبي القاسم عبد العزيز بن البراج الطرابلسي (400 ـ 481هـ) طبـع في جزءين، وهو شاهـد صـدق على إحاطتـه بالاَُصول والفروع، وقد ألّفه بعدما شغل منصّة القضاء سنين متمادية، فاشتمل الكتاب على مسائل ابتلي بها الموَلّف أيام قضائه، وقد طبع الكتاب بتقديم منّا وله تصانيف أُخرى في الفقه كـ«الكامل» وهو غير مطبوع و«الجواهر» وهو مطبوع بتقديم منّا .
3. «غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع» تأليف الفقيه المحقّق السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511ـ585هـ) وليد بيت العلم والفضل، رئيس الشيعة في حلب وما والاها، تدور بحوث الكتاب على محاور ثلاثة:

أ. الفقه الاَكبر: وهو مشتمل على مهمات المسائل الكلامية التي جرى عليها البحث والتحقيق في الاَوساط الكلامية.

ب. أُصول الفقه: قد طرح في هذا القسم القواعد الاَُصولية التي يستنبط بها


(399)

الاَحكام الشرعية، ألّفه على غرار كتاب «الذريعة» في أُصول الفقه للسيد المرتضى و«عدّة الاَُصول» لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، ومن فصوله النافعة بحثه في القياس والاستدلال على عدم حجيته.

ج. «الفروع»: وهي دورة فقهية استدلالية تشتمل على جميع أبواب الفقه، وقد طبع الكتاب مرتين وطبع أخيراً محققاً بتقديم منّا على كلا الجزءين.
4. «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي» تأليف الشيخ أبي جعفر محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (543ـ 598هـ) وكتابه هذا دورة فقهية.

أرسى من خلال كتابه هذا قواعد النهضة الفقهية بعد فتورها برحيل الشيخ الطوسي، وإكباب تلاميذه على دراسة كتبه دون أي نقاش لآرائه إلاّيسيراً.

حتى فتح ابن إدريس آفاقاً جديدة في الحركة الفقهية الاستنباطية، واستمرت الحركة بعد رحيله تنمو و تتسع وتزداد ثراءً عبر الاَجيال، وقد طبع الكتاب غير مرة، وأخيراً محققاً في أجزاء ثلاثة.
5. «المعتبر» تأليف المحقّق نجـم الدين جعفر بن الحسن المعروف بـ «المحقّق الحلي» (602ـ 676هـ)وكتابه هذا يتمتع بعمق في التفكر و رصانة في الاستدلال، وكان سيد مشايخنا المحقق البروجردي (قدّس سرّه) يُثني عليه كثيراً في درسه الشريف.

بيد أنّالاَجل المحتوم حال دون إكماله. فوصل إلى كتاب الحج وللمحقّق كتب فقهية أُخرى، نشير إليها في قسم المتون.
6. «تذكرة الفقهاء» تأليف نابغة العراق ونادرة الآفاق، الشيخ حسن بن يوسف بن المطهر الاَسدي الحلّي المعروف بـ«العلاّمة الحلّي» (648ـ726هـ) وقد ألّف دورات فقهية كبيرة أهمها من حيث الاستدلال والبحث هذا الكتاب، والموجود منه بأيدينا إلى أواخر كتاب النكاح.

والحقّ أنّها ثروة فقهية غنية لم ير مثلها في المتقدمين والمتأخرين يطرح


(400)

المسألة على صعيد الفقه المقارن، ويستدل على كلّمذهب بدليل، ثمّ يخرج بالترجيح.

ويليه في الاِتقان والرصانة والاستيعاب كتاب «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» غير أنّ العوائق منعته عن إنهاء مشروعه، والموجود بين أيدينا لا يتجاوز كتاب الجهاد.

وقد طبع الكتابان بالطبعة الحجرية، وأُعيد طبعهما محققين في أجزاء.
7. «مسالك الافهام في شرح شرائع الاِسلام» تأليف المحقّق الكبير زين الدين الجبعي العاملي المعروف بـ«الشهيد الثاني» (911ـ966هـ) وكتابه هذا شرح للمتن المشهور عند الشيعة في الفقه باسم «شرائع الاِسلام» وهذا الشرح جامع بين الدقة و الاختصار، وهو كتاب نافع جداً ينم عن طول باعه في العلوم الاِسلامية لا سيما في الحديث والرجال، كما ينم عن إلمامه بالهيئة و الرياضيات، ولا أُغالي إذا قلت لم يوَلّف مثله، وطبع الكتاب أكثر من مرّة، وطبع أخيراً محقّقاً في عشرين جزءاً.
8. «مجمع الفائدة والبرهان» تأليف المقدس المحقّق أحمد بن محمد الاَردبيلي (المتوفى 993هـ) يتمتع كتابه هذا بالنظرة الجديدة إلى الفقه، وتجديد آراء وأفكار لم يسبقه إليها أحد، وقد أكثر النقاش في الاِجماعات المدعاة في المسائل، كما أكثر النقاش في أسانيد الروايات، وهو كتاب جليل عميق، طبع غير مرّة، وطبع أخيراً في أربعة عشر جزءاً، وله مصنفات أُخرى منها: «زبدة البيان في تفسير آيات الاَحكام».
9. «كشف اللثام عن قواعد الاَحكام» تأليف بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني المشهور بـ «الفاضل الهندي» (1062ـ1137هـ) وهو من الشخصيات البارزة في العهد الصفوي الاَخير، ويعد في عداد فقهاء الاِمامية العظام في تلك الحقبة الزمنية، وبتأليفه كتاب «كشف اللثام عن قواعد الاَحكام» رسخ موقعه كفقيه


(401)

بارع في تاريخ الاجتهاد عند الشيعة، وكتابه هذا شرح لقواعد الاَحكام للعلاّمة الحلّي. جليل في بابه، و قد اعتمد عليه كلّ الاعتماد صاحب الجواهر. وقد طبع مرتين أخيرتها طبعة محقّقة في عدة أجزاء.
10. «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» تأليف العالم البارع الفقيه المحدّث الشيخ يوسف البحراني (1107 ـ 1186هـ) هو كتاب جامع مبسوط، يضم في طيّاته الاَقوال، والآراء، وأُصول الدلائل وجميع ما ورد من الاَحاديث عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والعترة الطاهرة، والكتاب غني عن التعريف، طبع في 25جزءاً وعاقته العوائق عن إكماله، فأوصل العمل إلى كتاب الطلاق، وأكمله نجله، وله أيضاً كتاب «الدرر النجفية».
11. «رياض المسائل في بيان الاَحكام بالدلائل» المشتهر بالشرح الكبير لموَلّفه السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي الحائري (1161ـ1231هـ) ، وشرحه هذا شرح مزجي على المختصر متين دقيق متداول بين الفقهاء فرغ موَلّفه من تسويده عام 1192هـ، وقد اعتمد عليه صاحب الجواهر.
12. «مستند الشيعة لاَحكام الشريعة» تأليف العلاّمة الفقيه أحمد بن محمد مهدي النراقي (1185ـ1245هـ) ويمتاز الكتاب بالدقة البليغة، والاَُسلوب البديع، وبيان تعارض الآراء بالنقد والاِبرام، كلّ ذلك بعبارات مختصرة، وهو لا يدع برهاناً أو دليلاً إلاّ واستقرأه واستقصاه إثباتاً لمختاره، والكتاب يعرب عن إلمام الموَلِّف بالفلكيات والرياضيات، وترى آثار هذه المقدرة الفذة ظاهرة في كتاب القبلة وكتاب الفرائض والمواريث، وكان سيد الطائفة السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي صاحب الاَثر الجليل كتاب «العروة الوثقى» يرجع إلى ذلك الكتاب، ويوصي تلامذته بالرجوع إليه، كما أنّ الفقيه السيد محسناً الحكيم (قدّس سرّه) في كتابه «المستمسك في شرح العروة الوثقى» ينهل من هذا النمير الفوار كثيراً.


(402)

13. «جواهر الكلام في شرح شرائع الاِسلام» للفقيه الكبير الشيخ محمد حسـن النجفي (1200ـ 1266هـ) والكتـاب دورة فقهية كاملة، طبع أخيراً في 42 جزءاً، مشحون بالتحقيقات والفروع النادرة، وقد أضحى الكتاب مرجعاً للفقهاء المتأخرين بحيث لا يستغني عنه كلّ عالم بالفقه.
14. «مصباح الفقيه» تأليف المحقّق الشيخ رضا الهمداني (المتوفى 1322هـ) وهو أبسط دورة فقهية بعد «جواهر الكلام» وقد طبع في ثلاثة أجزاء كبار من القطع الرحلي، يشتمل على كتاب: الطهارة، و الصلاة، والزكاة، والصوم، والرهن، وكتابه ينم عن نبوغه وتفكيره العميق وقلمه السيّال بحيث لا يترك للقارىَ أيّة صعوبة في مطالعة الكتاب.

وقد اكتفينا بهذا المقدار من المجاميع الفقهية وتركنا ذكر الباقي إلى كتب التراجم وطبقات الفقهاء، فإنّ المجاميع الفقهية أكثر بكثير مما ذكرنا، وإنّما أردنا إراءة نماذج، وأمّا المتون الفقهية، فإليك بيانها.

المتون الفقهية

قد ألّف غير واحد من فقهائنا الاَجلاّء متوناً فقهية للدراسة نشير إلى بعضها:
1. «النهاية» لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، ولم يزل الكتاب محور الدراسة والشروح والتعاليق إلى عصر المحقّق الحلّي، أي قرابة ثلاثة قرون، وقدعلّق عليه المحقّق وأسماه بـ«نكت النهاية» وقد طبع مع المتن في ثلاثة أجزاء، كما طبع المتن في جزء واحد.
2. «شرائع الاِسلام في مسائل الحلال والحرام» تأليف المحقّق الحلّي (602ـ676هـ) وهو كتاب جميل تلقّاه العلماء بالدراسة والشرح، وقد ترجم إلى


(403)

مختلف اللغات، وهو أحسن متن فقهي خرج للشيعة، وفي الوقت نفسه فيه إشارات إلى أدلّة المسائل، والموَلّف آية في التعبير، أُستاذ في الاَُسلوب، بارع في التبويب والتدوين، فكثر الاِقبال عليه بوجه لم يتفق لكتاب غيره، ثمّ إنّه لخّصه وأسماه باسم «المختصر النافع» وهو أيضاً من المتون الفقهية التي أكبَّ عليه العلماء بالشرح، فقد شرحه تلميذه المحقّق «الآبي» وأسماه«كاشف الرموز» وقد طبع في ثلاثة أجزاء، كما شرحه الفقيه المعاصر السيد أحمد الخوانساري (1309ـ 1405هـ) وأسماه «جامع المدارك» وقد طبع في سبعة أجزاء ضخام.
3. «تبصرة المتعلّمين» تأليف الفقيه حسن بن يوسف بن المطهر الاَسدي وهو كأخيه «إرشاد الاَذهان» من المتون الفقهية وقد أكبَّ العلماء عليهما بالدراسة والبحث.
4. «اللمعة الدمشقية» تأليف الشهيد السعيد محمد بن مكي بن محمد بن حامد بن أحمد الدمشقي النبطي العاملي (734ـ786هـ) وهو من أجلّة الفقهاء وأئمّة الفقه، وكتابه هذا من المتون الفقهية الذي شرحه الشهيد الثاني، وأسماه «بالروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» وطبع في عشرة أجزاء، ويعد الكتاب من الكتب الدراسية في الجامعات الفقهية.

هذه لمحة خاطفة عن المجاميع والمتون الفقهية، ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إلى مظانّها.


(404)

الجوامع والمتون الفقهية للمذهب الحنفي

تمتّع المذهب الحنفي بالانتشار أكثر من سائر المذاهب، ويعزى ذلك إلى أنّأصحاب أبي حنيفة، ولا سيما تلميذيه تمتعا بنفوذ كبير في الدولة العباسية وبحظ وافر من الدعم، وهما:
1. القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (113ـ182هـ) تفقّه بالحديث والرواية، ولزم أبا حنيفة وغلب عليه الرأي، وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته ببغداد وهو على القضاء، وهو أوّل من دُعي «بقاضي القضاة» وأوّل من ألّف الكتاب في أُصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وقد طبع منه كتابان:

أ. الخراج، ب. الآثار.

وذكر له من الموَلّفات ما يلي: «النوادر» و «اختلاف الاَمصار» و«أدب القاضي» و«الاَمالي في الفقه» و«الرد على مالك بن أنس» و«الفرائض» و«الوصايا» و«الوكالة» و «البيوع» و«الصيد» و«الذبائح» و«الغصب» و«الاستبراء» و«الجوامع في أربعين فصلاً».

وقد ألّف كتابه «الخراج» باقتراح من هارون الرشيد الخليفة العباسي.

يقول القاضي في مقدّمة كتابه: إنّ أمير الموَمنين ـ يعني به هارون الرشيد ـ سألني أن أضع له كتاباً جامعاً يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات


(405)

والجوالي (1)، وغير ذلك ممّا يجب النظر فيه والعمل به. (2)

وقد ألّف الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296ـ1371هـ) كتاباً باسم «حسن التقاضي في سيرة الاِمام أبي يوسف القاضي». (3)

2. محمد بن الحسن الشيباني (131ـ 189هـ) موَلّف كتاب «المبسوط» في فروع الفقه و«الزيادات» وكلاهما مخطوطان، وطبع منه «الجامع الكبير»و«الجامع الصغير» و«الآثار»و«السير» و«الموطأ» و«الاَمالي» و«المخارج في الحيل» و«الاَصل» و«الحجة على أهل المدينة» وقد ألّف الشيخ محمد زاهد الكوثري كتاباً في ترجمة الشيباني أسماه «بلوغ الاَماني في سيرة الشيباني». (4)

وعدّ ما ألّفه التلميذان المنبع الرئيسي للفقه الحنفي، وقد اختصر كتب الشيباني، محمد بن أحمد المروزي (المتوفى 334هـ) و أسماه بـ «الكافي» بعد حذف المكرّرات.

وقد ألّف الاَحناف بعده مصنّفات كثيرة في الفقه الحنفي بين جوامع ومتون، فمن الصنف الاَوّل:

أ. «المبسوط في الفقه» لاَبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي المتوفّى (490هـ) وهو في 14 مجلداً، وله كتاب ضخم في أُصول الفقه و«شرح السير الكبير» في جزءين ضخمين، كما وشرح مختصر الطحاوي. (5)

ب. «تحفة الفقهاء» لمحمد بن أحمد بن أبي أحمد الاِمام علاء الدين أبي


1. جمع جالية، وأصلها الجماعة التي تفارق وتنهي وتنزل وطناً آخر.
2. القاضي أبو يوسف: كتاب الخراج: 3.
3. الزركلي: الاَعلام: 7|193.
4. الزركلي: الاعلام: 6|80.
5. مفتاح السعادة: 2|54ـ55.

(406)

منصور السمرقندي (1)(المتوفّى485هـ) .

ج. «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع» لعلاء الدين ملك العلماء أبي بكر ابن مسعود بن أحمد الكاساني (2)(المتوفّى 785هـ) وله شرح على كتاب «التحفة» للسمرقندي.

ومن الصنف الثاني:

أ. «مختصر القدوري» لاَبي الحسن أحمد بن محمد القدوري (362ـ 428هـ) انتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق صنّف «المختصر» وشرح «مختصر الكرخي» وصنّف «التجريد» في سبعة أسفار شرع في إملائه سنة 405هـ وكتاب «التقريب» في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه. (3)

وقد شرح ذلك المختصر أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن برهان الدين المرغيناني الراشداني (المتوفّى 593هـ) حيث جمع بين مسائل القدوري والجامع الصغير لمحمد بن الحسن، ثمّ شرحها شرحاً في نحو ثمانين مجلداً وسمّاه «كفاية المنتهى» ولمّا تبيّن فيه الاِطناب، وخشى أن يهجر لاَجله الكتاب، شرحه شرحاً مختصراً سمّاه «الهداية». (4)

ب. «وقاية الرواية في مسائل الهداية » لبرهان الشريعة محمود بن أحمد بن صدر الشريعة الاَوّل عبيد اللّه المحبوبي الحنفي (المتوفّى 673هـ) .صنّفه لابن بنته


1. ترجم له في الجواهر المضيّة: 2|6.

2 ترجم له في الجواهر المضيّة: 2|244، تاج التراجم: 84، مفتاح السعادة: 2|138.
3. مفتاح السعادة: 2|145. له ترجمة في تاريخ بغداد: 4|377، وفيات الاَعيان: 1|26، النجوم الزاهرة: 5|24، شذرات الذهب: 3|223، مرآة الجنات: 3|47، الجواهر المضيّة: 1|93، تاج التراجم: 7.
4. مفتاح السعادة: 2|128. له ترجمة في الاَعلام للزركلي: 4|266.


(407)

صدر الشريعة الثاني، وله شروح كثيرة، أشهرها شرح الاِمام صدر الشريعة الثاني عبيد اللّه بن مسعود المحبوبي الحنفي المتوفّى سنة 750هـ. (1)

ج. «المختار» لعبد اللّه بن محمود بن مودود بن محمود حجة الدين أبي الفضل الموصلي (599ـ683هـ) . (2)وكان فقيهاً عارفاً بالمذهب، درس في مشهد أبي حنيفة، وله كتاب آخر هو كتاب «الاختيار لتعليل المختار». (3)

د. «مجمع البحرين» لاَحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء الحنفي المعروف بـ«ابن الساعاتي » (المتوفّى 694هـ) وقد جمع فيه بين مختصر القدوري والمنظومة مع زوائد، وأبدع في اختصاره، وشرحه في مجلدين كبيرين، وله «البديع في أُصول الفقه» جمع فيه بين أُصول البرذوي والاحكام للآمدي. (4)

هـ. «كـنـز الدقائـق» للنسفـي (المتوفّى701هـ) وهو عبد اللّه بن أحمـد بن محمود أبو البركات حافظ الدين النسفي. له كتاب «المستصفى» في شرح المنظومة، وكتاب «المنافع في شرح النافع» وكتاب «الكافي في شرح الوافي» وهذه كلّها في الفقه، وكتاب «المنار» في أُصول الفقه، وقد شرحه وسمّاه «الكشف». (5)


1. كشف الظنون: 2|2020.
2. له ترجمة في الجواهر المضيّة: 1|291، تاج التراجم: 3.
3. مفتاح السعادة: 2|146 ـ 147.
4. الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية: 1|80 برقم 148، مجمع الموَلفين: 2|4.
5. الجواهر المضيّة: 1|270، تاج التراجم: 22. وترجم له في الدرر الكامنة: 2|247.

(408)

الجوامع والمتون الفقهية للمذهب المالكي

المذهب المالكي هوا لمذهب المأثور عن الاِمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة ومحدّثها، والمعروف أنّه لم يترك كتاباً فقهياً وإنّماألّف الموطأ، وهو كتاب حديث مزيج بالفقه، ويعد المصدر الاَوّل للمذهب المالكي، وأخذ المذهب يتكامل على أيدي تلامذته فأرسوا أركان المذهب وقواعده.

لقد ألّف في المذهب المالكي موَلّفات كثيرة وبأساليب مختلفة، فمن مدوّنات تهدف إلى جمع ما عثر عن الاِمام مالك من الفتاوى المبعثرة، إلى مجاميع وأُصول تهتم بإرساء قواعد المذهب ونضجها وتطبيقها على المستجدات عبر الزمان، إلى متون للدراسة والتربية.

أمّا المدوّنات فهي كما يلي:
1. الاَسدية: دوّنها أسد بن فرات (145ـ204هـ) (1) تلميذ مالك ومحمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة في ستين باباً من أبواب العلم من إجابات عن أسئلة، أجابه بها عبد الرحمن بن القاسم أعظم تلاميذ مالك المصريين.
2. مدونة سحنون: نسخ سحنون (2)(المتوفّى 042هـ) في إفريقية «الاَسدية» وبعث بها إلى ابن القاسم فراجعها، فأسماها «مدونة سحنون» فسمّيت


1. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 62برقم 37.
2. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 70 برقم 80.

(409)

بالمدونة، وهي مجموعة فقهية.
3. «الواضحة في السنن والفقه» لابن مروان عبد الملك بن حبيب السلمي القرطبي (المتوفّى 238هـ) وله كتاب في تفسير الموطأ. (1)

4. «المستخرجة العتبية على الموطأ» لاَبي عبد اللّه محمد العتبي بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة القرطبي (المتوفّى 254هـ) . (2)

5. «الموازية» تأليف أبي عبد اللّه محمد بن سعيد المعروف بابن المواز القرطبي (المتوفّى 281هـ) . (3)

تعدّ هذه المدونات من الاَُصول الاَُولى للمذهب المالكي، أعقبها تصنيف مجاميع كثيرة بعد الموطأ، نذكر منها ما يلي:
1. «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والاَسانيد»: تأليف أبي عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر النمري، شيخ علماء الاَندلس، وكبير محدّثيها (368 ـ 436هـ) ألّف في الموطأ كتبـاً مفيدة، وله «الاستذكـار لمذهب علمــاء الاَمصار». (4)
2. «المنتقى» تأليف أبي الوليد الباجي سليمان بن خلف التميمي (403 ـ 474 هـ) ألّف كتبـاً كثيـرةً منها «شرح الموطأ» وهي نسختان إحداهما «الاستيفاء» ثم انتقى منها فوائد سمّاها «المنتقى» في سبع مجلدات، وهو أحسن كتاب أُلّف في مذهب مالك، وله «الاِملاء» مختصر المنتقى. (5)


1. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 75 برقم 109.
2. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 75 برقم 110.
3. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 76 برقم 118.
4. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 119 برقم 337.
5. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 121 برقم 341.

(410)

3. «تنوير الحوالك شرح موطأ مالك» تأليف جلال الدين عبد الرحمن السيوطـي الشافعي (848 ـ 911هـ) ألّفه تعليقاً على الموطأ وطبعـا معــاً، وله «إسعاف الموطأ برجا ل الموطأ» وقد طبع في جزءين. (1)

4. «شرح الزرقاني على موطأ الاِمام مالك» لمحمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني (1055ـ1122هـ) . له مصنّفات، منها: شرح على «المواهب اللدنية» وشرح على «الموطأ» واختصر المقاصد الحسنة للسخاوي. (2)

وأمّا المتون الفقهية، نذكر منها:
1. رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لاَبي زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر (160ـ234هـ) وقد اختصر رسالة «الاَسدية». (3)

كما وتمّ شرحها من قبل أبي الحسن علي بن محمد بن خلف (857ـ 939هـ).
2. «مختصر الشيخ خليل» لخليل بن إسحاق الجندي (المتوفّى 767هـ) وربما قيل توفّي (769هـ) . وله مختصر في المذهب المالكي أقبل عليه الطلبة واعتنوا بشرحه وحفظه ودرسه.كما له التوضيح في شرح مختصري ابن الحاجب الاَصلي والفرعي. (4)ولهذا المختصر شروح كثيرة عند المالكية.


1. انظر مقدمة تنوير الحوالك.
2. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 318 برقم 1237.
3. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 66 برقم 61.
4. محمد مخلوف: شجرة النور الزكية: 223 برقم 794.

(411)

الجوامع والمتون الفقهية للمذهب الشافعي

فقه الاِمام الشافعي من أكثر المذاهب انتشاراً في مصر والشام والعراق وخراسان و ديار بكر، وسببه أنّ كبار أئمّة أهل الحديث، إمّا من جملة أصحابه أو أتباعه، كالترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي والحاكم، وكانت للمحدّثين كلمة نافذة في الاَوساط الاِسلامية حتى أنّ الشيخ أبا الحسن الاَشعري وابن فورك من المتكلّمين من أتباع الاِمام الشافعي.

ولما انتقل الاِمام الشافعي من المدينة إلى بغداد عام 195هـ، فأقام بها حولين صنّف فيها كتابه القديم، وإليه ينسب كلّ رأي يوصف بالقديم للشافعي.

ثمّ خرج إلى مصر وصنّف بها كتبه الجديدة، وإليه ينسب كلّ رأي يوصف بالجديد للشافعي، انّ ما كتبه الاِمام الشافعي حول الفقه قديمه وجديده يعد البذرة الاَُولى، والمنبع الاَساسي لفقهه، ولنبدأ أوّلاً بذكر كتب الشافعي، فنقول:

من كتب الشافعي: «الاَمالي» و«مجمع الكافي» و«عيون المسائل» و«البحر المحيط» هذه من القديم. و«الاَُم» و «الاِملاء» و«المختصرات» و«الرسالة» و«الجامع الكبير» من الجديد، وله كتاب آخر غير مشهور قريب من المحرر نظماً وحجماً، ألّفه المزني بعد الشافعي من مسوداته و سمّاه «الاختصار».

وجاء بعده أصحابه وتلامذته فأرسوا قواعد المذهب وحقّقوه حتى صار مذهباً متكاملاً كسائر المذاهب، وقد انصبّ اهتمام الشافعي بالحديث والسنّة أكثر


(412)

من اهتمام أبي حنيفة بهما، ممّا حدا بالمحدّثين ورواة السنّة الوقوف على فقهه.

وأمّا الكتب المشهورة في الفقه الشافعي، فهي بين أُصول تهتم بإرساء قواعد المذهب ونضجها ومتون، فنذكر منها ما يلي:
1. «المهذب» لاَبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الشافعي (1) (693 ـ 674هـ) له تصانيف معروفــة منها «المهذّب» و «التنبيه» و«اللمع وشرحها في أُصول الفقه» و«النكت في الخلاف» و«المعونة في الجدال» و للمهذّب شروح أهمها شرح النووي باسم «المجموع» كما أنّ للتنبيه شروحاً كثيرة أيضاً.
2. «نهاية المطلب في دراية المذهب» لضياء الدين أبي المعالي عبد الملك إمام الحرمين ابن الشيخ أبي محمد الجويني (2)(914ـ 874هـ) ومن تصانيفه «الاَساليب في الخلاف» و «مختصر النهاية» و«الرسالة النظامية».
3. «المحرر» تأليف الرافعـي (المتوفّـى 623هـ) هو أبو القاسم بن عبد الكريم بن محمد بن الفضل القزويني الرافعي (3)له مصنّفات منها: «العزيز» ويوصف بأنّه لم يصنّف مثله في المذهب، وقد طبع أخيراً كتابه «التدوين في ذكر أخبار قزوين» وله «فتح العزيز في شرح الوجيز» للغزالي.
4. «المجموع» لاَبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف الخرامي النووي


1. له ترجمة في طبقات الشافعية للاَسنوي 2|7 برقم 672، طبقات الشافعية للسبكي: 4|215.
2. ترجم له في طبقات الشافعية للاَسنوي: 1|197، وطبقات الشافعية للسبكي: 5|165 برقم 475.
3.له ترجمة في طبقات الشافعية لهبة اللّه الحسيني: 219، وطبقات الشافعية للاَسنوي: 1|281 برقم 524.

(413)

(1) (136ـ 676هـ) .

وهو محرر المذهب، ومنقّحه، ومرتّبه، وسار في الآفاق ذكره، صاحب التصانيف المعروفة، و«المجموع» هو شرح المهذّب لاَبي إسحاق الشيرازي، وقد طبع «المجموع» كما طبع منه منهاج الطالبين، وهو مختصر المحرر للرافعي، وقدكتب لها شروحاً.

كما أنّللمذهب الشافعي متوناً هي كالتالي:
1. «مختصر المزني» لاَبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المعروف بالمزني (2) (175ـ264هـ) .

حدّث عن: الشافعي ونعيم بن حماد، وله مصنّفات كثيرة، منها: «المختصر» و«الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» و«المنثور» و«المسائل المعتبرة» و«الترغيب في العلم» وهو أوّل من صنّف في مذهب الاِمام الشافعي وشيّد أركان مذهبه، وقد شرح غير واحد كتابه المختصر منهم أبو إسحاق المروزي (المتوفّـى340هـ) فقد شرحه شرحاً مبسوطاً.
2. «الوجيز» للاِمام الغزالي (450ـ505هـ) حجة الاِسلام زين الدين محمد ابن محمد بن محمد الطوسي الغزالي، له كتب كثيرة في مجالات مختلفة، خصوصاً في الاَخلاق والفلسفة. ومن كتبه الفقهية: «الوجيز» في فقه الاِمام الشافعي، كما أنّ له «الوسيط» في فروع المذهب الشافعي، وهو مختصر كتابه الثالث البسيط في فروع الفقه، وقد اعتنى بترجمته كثير من الشرقيين والمستشرقين، وألّف بعضهم كتاباً خاصاً في ترجمته. (3)


(1)4. له ترجمة في طبقات الشافعية للاَسنوي: 1|266 برقم 1162.
(2)1. له ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي: 2|93، طبقات الفقهاء لاَبي إسحاق الشيرازي: 97، طبقات الشافعية لاَبي بكر هداية اللّه الحسيني (ت1014) : 20.
(3)2. ترجم له في طبقات الشافعية للاَسنوي: 2|111برقم 860؛ الزركلي: الاَعلام: 7|22.

(414)

ومن أراد الوقوف على الكتب الفقهية التي أُلّفت في المذهب الشافعي فيمكنه الرجوع إلى كتاب «طبقات الشافعية» لاَبي بكر بن هداية اللّه الحسيني حيث خصّص في آخره باباً لذكرها. (1)


1. طبقات الشافعية: 245ـ 251.

(415)

الجوامع والمتون الفقهية للمذهب الحنبلي

لم يكن للاِمام أحمد بن حنبل فقه مدوّن، وإنّما جمعه أبو بكر الخلاّل من فتاواه المتشتتة الموجودة بين أيدي الناس حتى جعله مذهباً فقهياً لاَحمد، وجاء من جاء بعده فاستثمرها واستغلّها حتى صار مذهباً من المذاهب.

قال الذهبي: وقد دوّن عند كبار تلامذته مسائل وافرة في عدّة مجلدات، ثمّذكر أسامي عدّة من تلاميذه الذين جمعوا مسائل الاِمام وفتاواه، وقال: جمع أبوبكر الخلاّل سائر ما عند هوَلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسند والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة، ورحل إلى النواحي في تحصيله، وكتب عن نحو من مائة نفس من أصحاب الاِمام، ثمّكتب كثيراً من ذلك عن أصحاب أصحابه، وبعضه عن رجل، عن آخر، عن آخر، عن الاِمام ثمّ أخذ في ترتيب ذلك وتهذيبه وتبويبه، وعمل كتاب «العلم»، و كتاب «العلل» وكتاب «السنّة»، كل واحد من الثلاثة في ثلاثة مجلدات. (1)

فلو صحّ ما ذكره الذهبي، فهو يعرب عن أنّالاِمام أحمد لم يكن رجلاً متربعاً على منصة الفقه وأُصوله وقائماً على تربية الفقهاء، وأقصى ما كان يتمتع به هو الاِجابة عن الاَسئلة التي كانت ترد عليه من العراق وخارجه على ضوء النصوص الموجودة عنده، فتفرّقت الاَجوبة طبق الاَسئلة في البلاد وجمعها


1. سير أعلام النبلاء: 11|330.

(416)

«الخلاّل» في كتاب خاص.

هذا ما ذكره الذهبي، ولكن الظاهر عن غير واحد ممّن ترجم الاِمام أنّه كان يتحفّظ عن الفتيا ويتزهّد عنها، ولعلّه يرى مقام الاِفتاء أرفع وأعلى من نفسه.

روى الخطيب في «تاريخه» بالاسناد قال: «كنت عند أحمد بن حنبل فسأله رجل عن الحلال و الحرام، فقال له أحمد: سل عافاك اللّه غيرنا. قال الرجل: إنّما نريد جوابك يا أبا عبد اللّه. قال: سل عافاك اللّه غيرنا سل الفقهاء، سل أبا ثور. (1)

وهذا يعرب عن أنّ ديدن الاِمام في حياته هو التحفّظ و التجنّب عن الاِفتاء إلاّ إذا قامت الضرورة، أو كان هناك نصوص واضحة في الموضوع وهذا لا يجتمع مع ما نسب إليه الذهبي من أنّ «الخلاّل» كتب عنه الكتب التي ذكرها.

وقال ابن الجوزي: لمّا تُوفي محمد بن جرير الطبري عام 310، دُفن بداره ليلاً وقد تعصّب عليه الحنابلة لاَنّه جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فسُئل في ذلك فقال: «لم يكن فقيهاً وإنّما كان محدثاً». (2)

وهناك كلام للشيخ أبي زهرة في كتابه حول حياة ابن حنبل نذكر خلاصة ما جاء فيه:

«إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يعد أصلاً يوَخذ منه مذهبه ويعد مرجعه، ولم يكتب إلاّ الحديث، وقد ذكر العلماء أنّ له بعض كتابات في موضوعات فقهية، منها: المناسك الكبير، والمناسك الصغير، ورسالة صغيرة في الصلاة، كتبها إلى إمام صلّـى هو وراءه فأساء في صلاته. وهذه الكتابات هي أبواب قد توافر فيها الاَثر، وليس فيها رأي، أو قياس، أو استنباط فقهي، بل اتباع لعمل،


1. تاريخ بغداد: 2|66.
2. ابن الجوزي: المنتظم: في حوادث عام 310.

(417)

وفهم لنصوص. ورسالته في الصلاة و المناسك الكبير والصغير هي كتب حديث، وكتبه التي كتبها كلّها في الحديث في الجملة، وهي المسند والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمقدم والموَخر في كتاب اللّه وفضائل الصحابة والمناسك الكبير والصغير والزهد، وله رسائل يبيّن مذهبه في القرآن، والردّ على الجهمية، والردّ على الزنادقة.

وإذا كان أحمد لم يدوّن في الفقه كتاباً، ولم تنشر آراوَه، ولم يملها على تلامذته كما كان يفعل أبو حنيفة، فإنّ الاعتماد في نقل فقهه إنّما هو على عمل تلاميذه فقط، وهنا تجد أنّ الغبار يثار حول ذلك النقل من نواح متعدّدة.

إنّ المروي عن ذلك الاِمام الاَثري ـ الذي كان يتحفّظ في الفتيا فيقيّد نفسه بالاَثر، ويتوقّف حيث لا أثر ولا نص شاملاً عاماً، ولا يلجأ إلى الرأي إلاّ حين الضرورة القصوى التي تلجئه إلى الاِفتاء ـ كثير جداً، والاَقوال المروية عنه متضاربة، وذلك لا يتفق مع ما عرف عنه من عدم الفتوى إلاّ فيما يقع من المسائل، ولا يفرض الفروض، ولا يشقّق الفروع، ولا يطرد العلل، ولقد كان يكثر من قول: «لا أدري»، فهذه الكثرة لا تتفق مع المعروف عنه من الاِقلال في الفتيا، والمعروف عنه من قول: «لا أدري» ومع المشهور عنه من أنّه لا يفتي بالرأي إلاّللضرورة القصوى.

إنّ الفقه المنقول عنه أحمد قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على العقل أن يقبل نسبة كلّ هذه الاَقوال إليه. وافتَتِحْ أيّ كتاب من كتب الحنابلة واعمِد إلى باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدّة مسائل اختلفت فيها الرواية بين لا ونعم ـ أي بين النفي المجرّد والاِثبات المجرّد ـ.

هذه نواح قد أثارت غباراً حول الفقه الحنبلي وإذا أُضيف إليها أنّ كثيراً من القدامي لم يعدّوا «أحمد» من الفقهاء، فـ«ابن جرير الطبري» لم يعدّه منهم، و «ابن قتيبة» الذي كان قريباً من عصره جداً لم يذكره في عصابة الفقهاء، بل عدّه في


(418)

جماعة المحدّثين، ولو كانت تلك المجموعة الفقهية من أحمد ما ساغ لاَُولئك أن يحذفوا أحمد عن سجل الفقهاء. (1)

قال الكوثري: لقد ترك ابن حنبل التحديث قبل وفاته بنحو ثلاث عشرة سنة، وقبل تهذيب مسنده، كما نص على ذلك أبو طالب والذهبي وغيرهما، وكان ينهى أصحابه أشدّ النهي عن تدوين فتياه، فضلاً عن أن يوَلّف في علم الكلام: وكتاب «الرد على الجهمية» المنسوب إليه غير ثابت عنه.

وأمّا ابنه عبد اللّه، فهو الذي أخرج للناس كتاب المسند، وعبد اللّه هذا لم يرو عنه أصحاب الاَُصول الستة غير النسائي مع أنّهم يروون عمّن هو أصغر سناً منه، والنسائي حينما روى عنه لم يرو عنه إلاّحديثين.

وعبد اللّه بن أحمد قد ورث من أبيه مكانته في قلوب الرواة، إلاّ أنّه لم يتمكّن من المضي على سيرة أبيه من عدم التدخل فيمالا يعنيه حتى ألّف هذا الكتاب (2)"ث تحت ضغط تيار الحشوية بعد وفاة والده، وأدخل فيه بكل أسف ما يجافي دين اللّه، وينافي الاِيمان باللّه من وصف اللّه بما لا يجوز فضّل به أصحابه.(3)

وقد نجد في الفقه الحنبلي مصنّفات نشير إلى البعض منها:

«مختصر الخرقي » لاَبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد اللّه بن أحمد الخرقي (المتوفّـى 343هـ) . قرأ عند أبي بكر المروزي وحرب الكرماني، له مصنفات كثيرة في المذهب لم ينتشر منها إلاّ «المختصر في الفقه» وعدد مسائل المختصر ألفان وثلاثمائة مسألة. (4)وقد شرحه عدّة من الحنابلة، أهمها:


1. محمد أبو زهرة: ابن حنبل، حياته وعصره: 168ـ171.
2. يريد كتاب السنَّة.
3. المقالات الكوثرية: 399ـ400.
4. طبقات الحنابلة: 2|75، سير أعلام النبلاء: 15|363 برقم 186.

(419)

1. «المغني» لعبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسي ثمّ الدمشقي الصالحي (541ـ620هـ) وقد أسهب فيه الكلام في الفقــه المقـارن ورجح رأي الحنابلة، وقد طبع مرتين.
2. «التذكرة» لاَبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي (431ـ 513هـ) له تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه كتاب «الفنون» وهو كتاب كبير جداً، فيه فوائد كثيرة، وله في الفقه كتاب «الفصول» ويسمّى «كفاية المفتي» في عشرة مجلّدات، كتاب «عمدة الاَدلّة »، كتاب «المفردات»، كتاب «المجالس النظريات» وكتاب «الاِشارة» وهو مختصركتاب «الروايتين والوجهين» وكتاب «المنثور». (1)

3. «الهداية» لمحفوظ بن أحمـد بن الحسـن بن أحمد الكلوذاني، (432 ـ 510هـ) أبي الخطاب البغـدادي، الفقيه أحد أئمّة المذهب وأعيانه من تصانيفه: «الخلاف الكبير» المسمّى، بـ«الانتصار في مسائل الكبار»، و«الخلاف الصغير» المسمّى بـ«روَوس المسائل» وله أيضاً كتاب «التهذيب» في الفرائض، و«التمهيد» في أُصول الفقه، وكتاب «العبادات الخمس» و«مناسك الحج». (2)

4. «المستوعب» لمحمد بن عبد اللّه بن محمد بن الحسين السامري (535ـ 616هـ) ويلقّب نصير الدين، ويعرف بـ«ابن سُنَيْنَة» ولد بسامراء، وسمع من ابن البطي وأبي حكيم النهرواني ببغداد، وتفقّه على ابن حكيم ولازمه مدّة، وبرع في الفقه والفرائض، وصنّف فيها تصانيف مشهورة، منها: كتاب «الفروق»، وكتاب «البستان» في الفرائض. (3)


1. الاَعلام: 7|320، شذرات الذهب: 8|327، الكواكب السائرة: 3|215، ذيل طبقات الحنابلة: 84.
2. انظر لترجمته: ذيل طبقات الحنابلة: 3|116 برقم 60.
3. انظر لترجمته: ذيل طبقات الحنابلة: 4|121 برقم 262، الاَعلام: 6|231.

(420)

5. «المحرّر» لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي القاسم بن تيمية (المتوفّـى 652هـ) الحـرّاني، الفقيـه، شيـخ الحنابلة، وقد ألّف «المحرر» في الفقه بطلب من قاضي حلب بهاء الدين بن شداد، وله تصانيف أُخرى، منها: «أطراف أحاديث التفسير» و «أُرجوزة» في علم القراءات، «الاَحكام الكبرى» في عدّة مجلّدات «المنتقى من أحاديث الاَحكام» و «منتهى الغاية في شرح الهداية» بيّض منه أربعة مجلدات كبار إلى أوائل الحج، والباقي لم يبيّضه «مسودة» في أُصول الفقه. (1)

6.«الاِقناع» في فقه الاِمام أحمد بن حنبل، لموسى بن أحمد بن موسى بن سالم ابن عيسى الحجاوي المقدسي (المتوفّـى 968هـ) فقيه حنبلي، وكان مفتي الحنابلة في دمشق، له كتب، منها: «زاد المستقنع في اختصار المقنع» في الفقه، و«شرح منظومة الآداب الشرعية للمرداوي».ويعد كتابه «الاِقناع» المطبوع في أربعة أجزاء في مجلدين من أجلِّ كتب الفقه عند الحنابلة، وامتاز بتحرير النقول، وكثرة المسائل. (2)

7. «منتهى الاِرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات» لمحمد بن أحمد ابن عبد العزيز الفتوحي، الشهير بـ «ابن النجار» (898 ـ 972هـ) . (3)


1. طبقات الحنابلة: 4|252 برقم 359، سير أعلام النبلاء: 23، برقم 198، شذرات الذهب: 5|257، طبقات القرّاء: 1|385، دول الاِسلام: 2|119، العبرة: 212، البداية والنهاية: 13|185.
2. الاَعلام: 7|320، شذرات الذهب: 8|327، الكواكب السائرة: 3|215، مختصر طبقات الحنابلة: 84.
3. انظر لترجمته: مختصر طبقات الحنابلة: 87، الاَعلام: 6|6، معجم الموَلفين: 8|276.

(421)

الفصل السادس

تاريخ أُصول الفقه

الاِسلام عقيدة و شريعة، و العقيدة هي الاِيمان باللّه سبحانه وصفاتِه والتعرّفُ على أفعاله. والشريعة هي الاَحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة تجمعها العبادات، والمعاملات، والاِيقاعات، والسياسات.

فالمتكلِّم الاِسلامي من تكفّل ببيانِ العقيدة و برهن على الاِيمان باللّه سبحانه وصفاتِه الجمالية والجلالية، و أفعاله من لزوم بعث الاَنبياء والاَوصياء لهداية الناس و حشرهم يوم المعاد.

كما انّ الفقيه من قام ببيان الاَحكام الشرعية الكفيلة بإدارة الفرد والمجتمع، والتنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه و وظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد انّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر وسنامه، وفي مجال التشريع أساطين الفقه و أعلامه، ولهم الرئاسة التامة في فهم الدين على مختلف الاصعِدة.

إنّ علم أُصول الفقه يعرِّف لنا القواعدَالممّهدة لاستنباط الاَحكام الشرعية أو ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل، وقد سُمِّي بهذا الاسم لصلته الوثيقة بعلم


(422)

الفقه فهو أساس ذلك العلم و ركنه، وعماد الاجتهاد و سناده.

الاجتهاد: عبارة عن بذل الوسع في استنباط الاَحكام الشرعية من مصادرها و هو رمز خلود الدين وحياته، وجعله غضّاً، طريّاً، مصوناً من الاندراس عبْر القرون و مغنياً المسلمينَ عن التطفّل على موائد الاَجانب، ويتضح ذلك من خلال أُمور:
1. انّ طبيعة الدين الاِسلامي ـ وانّه خاتم الشرايع إلى يوم القيامة ـ تقتضي فتح باب الاجتهاد لما سيواجه الدين في مسيرته من أحداث و تحدّيات مستجدة، وموضوعات جديدة لم يكن لها مثيل أو نظير في عصر النص، فلا محيص عن معالجتها إمّا من خلال بذل الجهود الكافية في فهم الكتاب و السنة وغيرهما من مصادر التشريع و استنباط حكمها، وإمّا باللجوء إلى القوانين الوضعية، أو عدم الفحص عن حكمها و إهمالها.

والاَوّل هو المطلوب و الثاني يكوّن نقصاًفي التشريع الاِسلامي وهو سبحانه قد أكمل دينه بقوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" و الثالث لا ينسجم مع طبيعة الحياة و نواميسها.
2. لم يكن كل واحدٍ من أصحابِالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - متمكناً من دوامِ الحضورِ عنده - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لاَخذ الاَحكام عنه، بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دون بعض، وفي وقت دون وقت، وكان يسمع جواب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن كلّ مسألة يسأل عنها بعض الاَصحاب و يفوت عن الآخرين، فلما تفرق الاَصحاب بعد وفاته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في البلدان، تفرقت الاَحكام المروية عنهص فيها، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة، و تُروى عنه في غير تلك البلدة جُملة أُخرى، حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الاَحكام، مالم يحضره المصري و حضر المصريّ مالم يحضره الشاميّ، وحضر الشاميّ مالم يحضره البصري، وحضر البصري مالم يحضره


(423)

الكوفي إلى غير ذلك، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الاَحكام.(1)

إنّ الصحابي قد يسمع من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في واقعة، حكماً و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث، فيحصل التعارض في الاَحاديث ظاهراً، ولا تنافي واقعاً. ومن هذه الاَسباب و أضعافِ أمثالها احتاج حتى نفس الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الاَحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث، و ضمّ بعضه إلى بعض، و الالتفات إلى القرائن الحالية فقد يكون للكلام ظاهر و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، و الحديث نُقِلَ والقرينة لم تنقل.

وكلُ واحدٍ من الصحابة، ممن كان من أهل الرأي والرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راوٍ و محدثٍ، وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية، أو الروايات بحسب نظره واجتهاده فهو في هذا الحال، مفت و صاحب رأي. (2)

3. وهناك وجه ثالث و هو انّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل والجزئيات لعدم سنوح الفرص ببيانها، أو تعذر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم بل كان تصورها ـ لعدم وجودها ـ أمراً صعباً على المخاطبين فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن القاء أُصول كلية ذات مادة حيويّة قابلة لاستنباط الاَحكام وفقاً للظروفِ و الاَزمنة.
4. انّ حياة الدين مرهونة بمدارسته ومذاكرته ولو افترضنا انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ذكر التفاصيل و الجزئيات وأودعها بين دفّتي كتاب ، لاستولى الركود الفكري على


1. المقريزي: الخطط:2|333.
2. كاشف الغطاء: أصل الشيعة: 147، طبعة القاهرة .

(424)

عقلية الاَُمة، و لانحسر كثير من المفاهيم و القِيَم الاِسلامية عن ذهنيّتها، وأوجب ضياع العلم و تطرق التحريف إلى أُصوله و فروعه حتى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل.

على هذا، لم تقم للاِسلام دعامة،ولا حُفِظَ كِيانُه و نظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث العلمية و النقاشات الدارجة بين العلماء أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.

Website Security Test