welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(307)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
7
إجماع أهل المدينة

قد نقل انّ مالك بن أنس اعتمد في فقهه على أحد عشر دليلاً:
1. القرآن، 2. السنّة، 3. الاِجماع، 4. إجماع أهل المدينة، 5. القياس، 6. قول الصحابي، 7. المصلحة المرسلة، 8. العرف والعادة، 9. سد الذرائع، 10. الاستصحاب، 11. الاستحسان.

غير انّ الشاطبي في الموافقات أرجع هذه الاَدلّة إلى أربعة، وهي: الكتاب والسنّة والاِجماع والرأي، فإنّ إجماع أهل المدينة وقول الصحابي كاشفان عن السنّة فهما من شعبها، والاَدلة الباقية من شعب الرأي ومن وجوهه.

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب مالك إلى حجّية اتفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ المدينة دار الهجرة، وبها نزل القرآن وأقام رسول اللّه وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل ربما كان من بيان رسول اللّه للوحي، وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدّم على القياس وخبر الواحد.

وقد أوجد مشربه هذا ضجة كبيرة بين معاصريه، فردّ عليه فقيه عصره اللّيث بن سعد في رسالة مفصلة نقد فيها قسماً من آراء مالك التي أفتى بها نظراً


(308)

لاتفاق أهل المدينة عليها وإن كان موضع خلاف بينهم وبين من خرجوا من دار الهجرة إلى غيرها من أمصار الاِسلام، وهذه المسائل عبارة عن:
1. الجمع بين الصلاتين ليلة المطر.
2. القضاء بشهادة واحد ويمين صاحب الحق.
3. طلب المرأة موَخر صداقها حال قيام الزوجية.
4. الاِيلاء ووقوع الطلاق به.
5. الحكم إذا ملّك الزوج امرأته أمرها.
6. ترتيب أعمال صلاة الاستسقاء.
7. زكاة أموال الخليطين.
8. المفلس وقد باعه رجل سلعة.
9. الاسهام في الجهاد لفرس واحد أو لفرسين.

وقد نقل ابن القيم رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس في كتاب اعلام الموقعين عن رب العالمين. (1)

وقد سبقه في النقل أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (المتوفّى 277هـ) في كتابه «المعرفة والتاريخ» (2) وبسط الدكتور محمد يوسف موسى الكلام حول هذه المسائل من وجهة نظر الفقه السنّي، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه. (3)

ولمّا وصلت رسالة الليث إلى مالك ردّ عليها وكتب رسالة نقلها القاضي


1. اعلام الموقعين: 3|94ـ100، طبع دار الفكر.
2.أبو يوسف يعقوب الفسوي: المعرفة والتاريخ: 1|687ـ697.
3. الدكتور محمد يوسف موسى: تاريخ الفقه الاِسلامي: 2|90ـ 101.

(309)

عياض (المتوفّـى 544هـ) في كتابه «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك» وحيث إنّ هذه الرسالة موجزة ننقلها بنصها، وكان الاَحرى أن ننقل رسالة الليث أيضاً، لكن إسهابها عاقنا عن إثباتها بنصها:

رسالة مالك إلى الليث بن سعد

من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد.

سلام عليكم!

فإنّي أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلاّهو. أمّا بعد عصمنا اللّه وإيّاك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإيّاك من كل مكروه. اعلم رحمك اللّه أنّه بلغني أنّك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: "وَ السّابِقُونَ الاََوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالاََنْصار " (1) الآية. وقال تعالى: "فَبَشِّرْ عَباد* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (2) الآية. فإنّما الناس تبع لاَهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحلّ الحلال وحرّم الحرام، إذ رسول اللّه بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسنّ لهم فيتبعونه، حتى توفّاه اللّه، واختار له ما عنده صلوات اللّه عليه ورحمته وبركاته. ثمّ قام من بعده أتبع الناس له من أُمته ممّن ولي الاَمر من بعده، فما نزل بهم ممّا علموا أنفذوه، ومالم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثمّ أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم،


1. التوبة: 100.
2. الزمر: 17 ـ 18.

(310)

وإن خالفهم مخالف أو قال امروَ غيره أقوى منه أو أولى، ترك قوله وعمل بغيره، ثمّ كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الاَمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لاَحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لاَحد انتحالها ولا ادّعاوَها، ولو ذهب أهل الاَمصار يقولون هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.

فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أنّي أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت به إليك إلاّالنصيحة للّه تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحاً. وفقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة رسوله في كلّ أمر وعلى كلّ حال. والسلام عليك ورحمة اللّه، وكتب يوم الاَحد لتسع مضين من صفر. (1)

ولم تكن رسالة مالك إلى الليث مقنعة لمن أتى بعده، فقد رد عليه ابن حزم الظاهري قائلاً في إبطال قول من قال: الاِجماع هو إجماع أهل المدينة، فإنّ هذا قول لهج به المالكيون قديماً وحديثاً، وهو في غاية الفساد، لاَنّ قولهم: إنّ أهل المدينة أعلم بأحكام رسول اللّه من سواهم كذب وباطل، وإنّما الحقّ انّ أصحاب رسول اللّه وهم العالمون بأحكامه سواء بقى منهم من بقى بالمدينة، أو خرج منهم من خرج لم يزد (2) الباقي بالمدينة بقاوَه فيها درجة في علمه وفضله ولا حطّ (3) الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.

وأمّا قولهم: شهدوا آخر حكمه وعلموا ما نسخ ممّا لم ينسخ، فتمويه


1. القاضي عياض: ترتيب المدارك: 1|64ـ65.
2. في المطبوع: لم يرد، وهو تصحيف.
3. في المطبوع: لاحظ، وهو تصحيف.

(311)

فاحش وكذب ظاهر، بل الخارجون من الصحابة من المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم لها منهم سواء، كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة.

فظهر فساد كلّما موّهوا به، وبنوه على هذا الاَصل الفاسد، وأسموه بهذا الاَساس المنهار. (1)

كما رد عليه الاِمام الآمدي أيضاً بقوله: اتّفق الاَكثرون على أنّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجّة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافاً لمالك، فإنّه قال: يكون حجّة.

ومن أصحابه من قال: إنّما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.

ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

والمختار مذهب الاَكثرين، وذلك انّ الاَدلّة الدالّة على أنّ الاِجماع حجّة، ليست ناظرة إلى أهل المدينة دون سواهم لا سيما وانّهم لا يوَلّفون كل الاَُمة، فلا يكون إجماعهم حجة.

ثمّذكر من نصر مذهب مالك بالنص والعقل، وذكر من الثاني ثلاثة أوجه، ثمّ أخذ بالرد على جميع الوجوه، وخرج بالنتيجة التالية:

لا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين: الكوفة والبصرة حجّة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل. (2)

إنّ اتّفاق أهل المدينة على حكم شرعي ليس بأقوى من إجماع علماء عصر


1. ابن حزم، الاحكام: 4|586ـ587.و لكلامه صلة، فراجع.
2. الآمدي: الاحكام في أُصول الاَحكام: 1|302ـ 305.

(312)

واحد على حكم شرعي، فكما أنّ الثاني لا يكون حجّة على المجتهد ولا يمكن أن يستدل به على الحكم الشرعي، فهكذا اتفاق أهل المدينة، خاصة أنّ عنصر الاتّفاق تم على تقليد بعضهم البعض، فالاحتجاج بهذاالاتفاق ونسبته إلى الشارع بدعة وافتاء بما لم يعلم انّه من دين اللّه.

نعم لو كان اتفاقهم ملازماً لاِصابة الواقع خاصة في العصور الاَُولى، فيوَخذ به لحصول العلم، وأنّى للمجتهد إثبات تلك الملازمة، أو لو كشف اتّفاقهم عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا يمكن أن يحتج به.

وحصيلة البحث: أنّ اتّفاق أهل المدينة أو اتفاق المصرين الكوفة والبصرة رهن وجود الملازمة العادية بين الاتفاق وإصابته الواقع، أو بين الاتفاق ووجود دليل معتبر وإلاّ فلا قيمة لاتفاق غير المعصوم قليلاً كان أو كثيراً.

***


(313)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
8
اجماع العترة (1)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الاِسلامي وتعرض لمنابع الفقه والاَحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الاَدلّة الدالة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على حكم من الاَحكام، كقوله سبحانه: "إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً". (2)

والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت وبالتالي حجية أقوالهم رهن أُمور:

الاَوّل: الاِرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الاِرادتين واضح، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلقت بعامة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قال سبحانه: "وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ".(3)

فلو كانت الاِرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع انّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:

أ: بدأ قوله سبحانه بحرف "إِنَّما" المفيد للحصر.


1. وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته.
2. الاَحزاب: 33.
3. المائدة: 6.

(314)

ب: قدّم الظرف "عَنْكُم" وقال: "لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ" ولم يقل ليذهب الرجس عنكم لاَجل التخصيص.

ج: بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: "أَهلَ الْبَيْتِ" أي أخصّكم.

د: أكد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: "وَيُطَهِّرَكُمْ" تأكيداً "لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس" .

هـ: أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: "تَطْهِيراً" .

كلّ ذلك يوَكد انّ الاِرادة التي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الاِرادة التي تعلّقت بعامة المكلّفين.

ونرى مثل هذا التخصيص في مريم البتول قال سبحانه: "إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمين" . (1)

الثاني: المرادمن الرجس كل قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الاِيمان، ومساوي الاَخلاق، والصفات السيئة، والاَفعال القبيحة التي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم اللّه سبحانه وجعلهم هداة للاَُمة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.

الثالث: المراد من أهل البيت هوعلي وفاطمة وأولادهما، لاَنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك كقوله سبحانه: "أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت" . (2) لكن دلّالدليل القاطع على أنّالمراد


1. آل عمران: 42.
2. هود: 73.

(315)

في الآية غير نساء النبي وأزواجه وذلك بوجهين:

أ: نجد انّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يذكرهن بصيغة جمع الموَنث ولا يذكرهن بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الاَحزاب) من الآية 28 إلى الآية 34 باثنين وعشرين ضميراً موَنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وإليك الاِيعاز بها:
1. كُنْتُنّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعالَيْنَ، 4. أُمتّعكُنّ، 5. أُسرّحْكُنَّ. (1)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ. (2)

9. مِنْكُنَّ. (3)

10. مِنْكُنَّ. (4)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلا تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ. (5)

15. قَرْنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللّهَ. (6)

21. اذكُرْنَ، 22. في بُيُوتِكُنَّ. (7)

وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: "ليذهب عنكم... ويطهّركم" فإنّ هذا العدول دليل على أنّالذكر


1. الاَحزاب: 28.
2. الاَحزاب: 29.
3. الاَحزاب: 30.
4. الاَحزاب: 31.
5. الاَحزاب: 32.
6. الاَحزاب: 33.
7. الاَحزاب: 34.

(316)

الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

ب: انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتى يتعيّن المقصود منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ولم يقتصر على هذين الاَمرين (ذكر الاَسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الاِطناب لاَتينا بكلِّ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولكن نذكر من كلّطائفة نموذجاً.

أمّا الطائفة الاَُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نزلت الآية في خمسة: فيّوفي علي رضي اللّه عنه وحسن رضي اللّه عنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها، "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وقد رويت روايات كثيرة في هذا المجال، فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.

وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: خرج رسول اللّه غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال: "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .


(317)

ولو لم يرد ذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: اللّهمّ إنّ هوَلاء أهل بيتي.

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثمّ تلا هذه الآية: "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" . (1)

والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة؛ أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الاَسقع، أبو الحمراء، أعني: هلال بن حارث، أُمهات الموَمنين: عائشة وأُمّ سلمة. (2)

فعلى ضوء هذا فأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) معصومون من الذنب، قولاً وفعلاً فيكون قولهم كاتفاقهم حجّة وإن غاب هذا الاَمر عن أكثر إخواننا أهل السنّة.

نعم قد عدّ نجم الدين الطوفي (المتوفّـى 716هـ) إجماع العترة الطاهرة من مصادر التشريع الاِسلامي كما أنهاها إلى 19 مصدراً، وإليك روَوسها:


1. وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: تفسير الطبري؛ ج22|5ـ7، والدر المنثور: ج5|198ـ 199.
2. ورواه من أصحاب الصحاح: مسلم في صحيحه: 7|122ـ123، والترمذي في سننه.ولاحظ جامع الاَُصول لابن الاَثير: 10|103.

(318)

1. الكتاب.
2. السنّة.
3. إجماع الاَُمّة.
4. إجماع أهل المدينة.
5. القياس.
6. قول الصحابي.
7. المصلحة المرسلة.
8. الاستصحاب.
9. البراءة الشرعية.
10. العوائد.
11. الاستقراء.
12. سد الذرائع.
13. الاستدلال.
14. الاستحسان.
15. الاَخذ بالاَخف.
16. العصمة.
17. إجماع أهل الكوفة.
18. إجماع العترة.
19. إجماع الخلفاء الاَربعة. (1)

ولا يخفى انّ بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، وانّ كثيراً ممّا عدّه من مصادر التشريع قابل للاِدغام في البعض الآخر، كما مرّ في بعض الفصول.

إلى هنا تمّ بيان منابع الفقه والاَحكام، وقد عرفت أنّها لا تتجاوز عندنا الاَربعة وأنّ قسماً منها داخل في الاَدلّة الاَربعة، وقسم منها ليس بحجة.


1. رسالة الطوفي، كما في مصادر التشريع الاِسلامي لعبد الوهاب خلاف: 109.

(319)

الفصل الثالث

تأثير الزمان و المكان

في الاستنباط

قد يُطرح الزمان والمكان بما انّهما ظرفان للحوادث والطوارىَ الحادثة فيهما، وقد يطرحان ويراد منهما المظروف، أي تغيّر أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدّم الحضارة وتغيرها، والثاني هو المراد من المقام.

ثمّ إنّه يجب أن تفسر مدخلية الزمان والمكان بالمعنى المذكور في الاجتهاد، على وجه لا تعارض الاَُصول المسلّمة في التشريع الاِسلامي، ونشير إلى أصلين منها:

الاَوّل: انّ من مراتب التوحيد هو التوحيد في التقنين والتشريع، فلا مشرّع ولا مقنّن سواه، قال تعالى: "إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون" (1) والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله:"أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ" .

وقال سبحانه:"قالَ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرآنٍ غَيْرِهذا أَو بَدِّلْهُ قُلْما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلقاءِنَفْسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ


1. يوسف : 40.

(320)

رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيم" (1).

الثاني: انّ الرسول خاتم الاَنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

روى زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن الحلال والحرام، قال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره» وقال: قال علي - عليه السّلام - :«ما أحد ابتدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة».(2)

ولعلّ أوّل من أشار إلى هذه المسألة من علمائنا هو المحقّق الاَردبيلي، حيث قال:ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الاَحكام باعتبار الخصوصيات والاَحوال والاَزمان والاَمكنة و الاَشخاص وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف امتياز أهل العلم و الفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم.(3)

وهناك كلمة مأثورة عن الاِمام السيد الخميني (قدّس سرّه) حيث قال: إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الاِسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكمٌ لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الاَُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده.(4)

إنّ القول بأنّ عنصري الزمان والمكان لا تمسّان كرامة الاَحكام المنصوصة في الشريعة مما اتفقت عليه أيضاً كلمة أهل السنّة حيث إنّهم صرّحوا بأنّ العاملين


1. يونس: 15.
2. الكافي: 1|58، الحديث 19؛ وبهذا المضمون أحاديث كثيرة.
3. مجمع الفائدة والبرهان:3|436.
4. صحيفة النور:21|98.

(321)

المذكورين يوَثران في الاَحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها، فتغيير المصالح ألجأهم إلى تغيير الاَحكام الاجتهادية لا المنصوصة، يقول الاستاذ مصطفى أحمد الزرقاء:

وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الاَحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الاَحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الاَحكام بتغيّـر الزمان».

أمّا الاَحكام الاَساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الاَصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الاِنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يُلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الاَذى وقمع الاِجرام، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسوَولية كل مكلّف عن عمله وتقصيره، وعدم موَاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الاَحكام والمبادىَ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدّل بتبدّل الاَزمان، بل هي الا َُصول التي جاءت بها الشريعة لاِصلاح الاَزمان والاَجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الاَزمنة المحدثة (1)

وعلى هذا فيجب أن يفسر تأثير العاملين بشكل لا يمسُّ الاَصلين المتقدمين، أي أن نحترز أوّلاً عن تشريع الحكم وجعله، وثانياً عن مسّ كرامة تأبيد الاَحكام:

وبما انّ للزمان والمكان تأثيراً في استنباط الاَحكام الشرعية أوّلاً، والاَحكام الحكومية ثانياً نبحث عن كلا الاَمرين في مبحثين مستقلين:


1. المدخل الفقهي العام: 2|924 ـ 925.

(322)

المبحث الاَوّل:

تأثير الزمان والمكان

في استنباط الاَحكام الشرعية

إنّ لتغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في استنباط الاَحكام الشرعية، والتأثير يرجع تارة إلى ناحية الموضوع وأُخرى إلى جانب الحكم، وإليك البيان :

الاَوّل: تأثير الزمان والمكان في صدق الموضوعات

قد يراد من تبدّل الموضوع تارة انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلاً والنجس تراباً، وهذا غير مراد في المقام قطعاً.

وأُخرى صدق الموضوع على مورد في زمان ومكان، وعدم صدقه على ذلك المورد في زمان ومكان آخر، وما هذا إلاّ لمدخلية الظروف والملابسات فيها.

ويظهر ذلك بالتأمّل في الموضوعات التالية:
1. الاستطاعة. 2. الفقر. 3. الغنى. 4. بذل النفقة للزوجة. 5. وإمساكها بالمعروف حسب قوله سبحانه: "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف" (1) فإن هذه العنوانات موضوعات لاَحكا محقّقاتها حسب اختلاف الزمان والمكان، فمثلاً:
1. التمكّن من الزاد والراحلة التي هي عبارة أُخرى عن الاستطاعة وله


1. البقرة: 231.

(323)

محقّقات مختلفة عبر الزمان، فربما تصدق على مورد في ظرف ولا تصدق عليه في ظرف آخر، كما هو الحال في الاِمساك بالمعروف فإنّها تختلف حسب الظروف الاجتماعية، وتبدّل أساليب الحياة ولا بُعد إذا قلنا انّ فقير اليوم غنيّ الاَمس.
2. في صدق المثلي والقيميّ، فقد جعل الفقهاء ضوابط للمثلي والقيمي، ففي ظلها عدّوا الحبوب من قبيل المثليات، والاَواني والاَلبسة من قبيل القيميات، وذلك لكثرة وجود المماثل في الاَُولى وندرته في الثانية، وكان ذلك الحكم سائداً حتى تطوّرت الصناعة تطوراً ملحوظاً، فأصحبت تنتج كميات هائلة من الاَواني والمنسوجات لا تختلف واحدة عن الاَُخرى قيد شعرة، فأصبحت القيميات بفضل الازدهار الصناعي مثليات.
3. في صدق المكيل والموزون على شيء حيث إنّ الحكم الشرعي هو بيع المكيل بالكيل، والموزون بالوزن، لا بالعدّ، ولكن هذا يختلف حسب اختلاف البيئات والمجتمعات، ويلحق بكلّ حكمه.
4. ومن أحكامهما انّه لا تجوز معاوضة المتجانسين متفاضلاً إلاّ مثلاً بمثل، إذا كانا من المكيل والموزون، دون المعدود، وهذا يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان، فرب جنس يباع بالكيل والوزن في بلد وبالعدّ في بلد آخر، وهكذا يلحق بكل حكمه.

هذا كلّه حول تأثير عنصري الزمان والمكان في صدق الموضوع.

الثاني: تأثيرهما في ملاكات الاَحكام

لا شكّ انّ الاَحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من الشارع، والقسم الاَوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.


(324)

فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب الظروف والملابسات يتغير الحكم قطعاً، مثلاً:
1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراوَه.(1)

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الاِسلام، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور».(2) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الاَعضاء لغاية الانتقام والتشفّي، ولم يكن يومذاك أي فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية للرغبة النفسية ـ الانتقام ـ ولكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الاَعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.
3. دلّت الروايات على أنّ دية النفس توَدّى بالاَنعام الثلاثة، والحلّة اليمانية، والدرهم والدينار، ومقتضى الجمود على النص عدم التجاوز عن النقدين إلى الاَوراق النقدية، غير انّ الوقوف على دور النقود في النظام الاقتصادي، وانتشار أنواع كثيرة منها في دنيا اليوم، والنظر في الظروف المحيطة بصدور تلك الروايات، يشرف الفقيه على أنّ ذكر النقدين بعنوان انّه أحد النقود الرائجة آنذاك، ولذلك يجزي دفعها من الاَوراق النقدية المعادلة للنقدين الرائجة في زمانهم، وقد وقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم الزمان.


1. قال السيد الاِمام الخميني (قدّس سرّه) : لم تكن في تلك الاَعصار للدم منفعة غير الاَكل، فالتحريم منصرف إليه.
2. لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

(325)

الثالث: تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم

1. تضافرت النصوص على حلِّية الفيء والاَنفال للشيعة في عصر الغيبة، ومن الاَنفال المعادن والآجام وأراضي الموات، وقد كان الانتفاع بها في الاَزمنة الماضية محدوداً ما كان يثير مشكلة ، وأمّا اليوم ومع تطوّر الاَساليب الصناعية وانتشارها بين الناس أصبح الانتفاع بها غير محدود، فلو لم يتخذ أُسلوباً خاصاً في تنفيذ الحكم لاَدّى إلى انقراضها أوّلاً، وخلق طبقة اجتماعية مرفّهة وأُخرى بائسة فقيرة ثانياً.

فالظروف الزمانية والمكانية تفرض قيوداً على إجراء ذلك الحكم بشكل جامع يتكفّل إجراء أصل الحكم، أي حلّية الاَنفال للشيعة أوّلاً، وحفظ النظام وبسط العدل والقسط بين الناس ثانياً، بتقسيم الثروات العامة عن طريق الحاكم الاِسلامي الذي يشرف على جميع الشوَون لينتفع الجميع على حدٍ سواء.
2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسّم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لاَصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور بين السيف والرمح والسهم والفرس وغير ذلك، ومن المعلوم انّتقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك، أمّا اليوم وفي ظل التقدّم العلمي الهائل، فقد أصبحت الغنائم الحربية تدور حول الدبابات والمدرّعات والحافلات والطائرات المقاتلة والبوارج الحربية، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسر، فعلى الفقيه أن يتّخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنها.
3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من الطواف


(326)

حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحسّ حرجاً شديداً في تطبيق عمل الحج على هذه الفتاوى، ولكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء روَى وسيعة في تنفيذ تلك الاَحكام على موضوعاتها، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة والحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

الرابع: تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل

إنّ تغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تضفي للمجتهد نظرة جديدة نحو المسائل المطروحة في الفقه قديماً وحديثاً. ولنذكر بعض الاَمثلة:
1. كان القدماء ينظرون إلى البيع بمنظار ضيّق ويفسرونه بنقل الاَعيان وانتقالها، ولا يجيزون على ضوئها بيع المنافع والحقوق، غير انّ تطور الحياة وظهور حقوق جديدة في المجتمع الاِنساني ورواج بيعها وشرائها، حدا بالفقهاء إلى إعادة النظر في حقيقة البيع، فجوّزوا بيع الامتيازات والحقوق عامة.
2. أفتى القدماء بأنّ الاِنسان يملك المعدن المركوز في أرضه تبعاً لها دون أيّ قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، ولم يكن بمقدور الاِنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعدّتبعاً لاَرضه، ولكن مع تقدم الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلّط على أوسع مما يُعد تبعاً لاَرضه، فعلى ضوئه لا مجال للاِفتاء بأنّ صاحب الاَرض يملك المعدن المركوز تبعاً لاَرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الاَنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الاِمام. وليست هذه النظرة الشمولية مختصة بالفقه بل تعم أكثر العلوم.


(327)

الخامس: تأثيرهما في تعيين الاَساليب:

إنّ هناك أحكاماً شرعية لم يحدّد الشارع أساليبها بل تركها مطلقة كي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجع في التقويم علاجاً، وإليك بعض الاَمثلة على ذلك:
1. الدفاع عن بيضة الاِسلام قانون ثابت لا يتغيّـر ولكن الاَساليب المتخذة لتنفيذ هذا القانون موكولة إلى مقتضيات الزمان التي تتغير بتغيّـره، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الاِسلام أصل ثابت إلاّ أمر واحد وهو قوله سبحانه: "وَأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِن قُوّة" (1) وأمّا غيرها فكلّها أساليب لهذا القانون تتغيّـر حسب تغيّـر الزمان.
2. نشر العلم والثقافة أصل ثابت في الاِسلام، وأمّا تحقيق ذلك وتعيين كيفيته فهو موكول إلى الزمان، فعنصر الزمان دخيل في تطبيق الاَصل الكلّـي حسب مقتضيات الزمان.
3. التشبّه بالكفار أمر مرغوب عنه حتى إنّ الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمر بخضب الشيب وقال: «غيّـروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، والاَصل الثابت هو صيانة المسلمين من التشبّه بالكافرين، ولما اتسعت دائرة الاِسلام واعتنقته شعوب مختلفة وكثر فيهم الشيب تغير الاسلوب، ولمّا سُئِلَ علي - عليه السّلام - عن ذلك، فقال: «إنّما قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ذلك والدين قلّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامروَ وما اختار» (2)


1. الاَنفال: 60.
2. نهج البلاغة: قسم الحكم، رقم 16.

(328)

4. انّ روح القضاء الاِسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها، وكان الاسلوب المتبع في العصور السابقة هو اسلوب القاضي الفرد، وقضاوَه على درجة واحدة قطعية، وكان هذا النوع من القضاء موَمِّناً لهدف القضاء، ولكن اليوم لمّا دبّ الفساد إلى المحاكم وقلَّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل اسلوب القضاء إلى اسلوب محكمة القضاة الجمع، وتعّدد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط، وقد ذكرنا كيفية ذلك في بحوثنا الفقهية (1)

فزبدة القول هي:
1. انّ عنصري الزمان والمكان لا تَمُّسَانِ حصر التشريع في اللّه سبحانه أولاً، ولا كرامة الكبريات و الاَُصول الشرعية ثانياً.
2. تأثير عنصري الزمان والمكان في محقّقات الموضوع.
3. تأثيرهما في الوقوف على ملاكات الاَحكام.
4. تأثيرهما في كيفية إجراء الحكم.
5. تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل.
6. تأثيرهما في تعيين الاَساليب.

هذا كلّه في تأثيرهما في الاجتهاد واستنباط الاَحكام الاَوّلية، وأمّا تأثيرهما في الاَحكام الحكومية فسيوافيك البحث عنه في الفصل الثاني:

التفسير الخاطىَ أو تغيير الاَحكام حسب المصالح

قد ظهر ممّا ذكرنا انّ القول بتأثير عنصري الزمان والمكان يجب أن يحدّد بمالا يمس كرامة الاَصلين السابقين: حصر التقنين باللّه سبحانه وتعالى، تأبيد


1. انظر نظام القضاء في الشريعة الاِسلامية الغرّاء حيث ذكرنا فيه أنّ تعدّد درجات المحاكم لا ينافي كون القضاء الاَوّل لازم الاِجراء.

(329)

الاَحكام الشرعية غير انّه ربّما يفسر التأثير بنحو خاطىَ وهو تغيير الاَحكام الشرعية حسب المصالح الزمنية وبهذا يبرّر مخالفة بعض الخلفاء للكتاب والسنّة قائلاً بأنّ للحاكم الاَخذ بالمصالح وتفسير الاَحكام على ضوئها، ولنقدّم نموذجاً.

دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، وانّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الاَُخرى، يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً.وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الاَوّل وكان - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يمضي من الطلاق الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الاَمر على هذا إلى سنتين من خلافة عمر، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(1)

إنّ من المعلوم انّ استخدام الرأي فيما فيه نص من كتاب أو سنة، أمر خاطىَ، ولو صحّ استخدامه فإنّما هو فيما لا نصّفيه، ولمّا كان ذلك يمسّ كرامة الخليفة جاء الآخرون يبرّرون عمله بتغيّـر الاَحكام، بالمصالح والمفاسد، ويُعد ابن القيم أحد المتحمّسين لهذا التـبرير، قـال: لمّا رأى عمر بن الخطاب انّ مفسـدة تتابع النص في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّبإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الاِمضاء أقوى من مفسدة الاِيقاع، أمضى عمل الناس وجعل الطلاق ثلاثاً ثلاثاً.(2)

يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً.


1. مسلم: الصحيح: باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.
2. إعلام الموقعين:3|48.

(330)

والعجب انّ ابن القيم توجه إلى ذلك وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر ابن الخطاب ندامته على التصويب،قال: قال عمر بن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث.(1)


1. إعلام الموقعين:3|36، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1|336.

وقد مرّ الكلام في تصويب الخليفة في ص 242 فلاحظ.


(331)

المبحث الثاني:

دور الزمان والمكان

في الاَحكام الحكومية

ثم إنّ ما ذكرناه يرجع إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والاِفتاء، وأمّا دورهما في الاَحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح والمفاسد وليست من قبيل الاَحكام الواقعية ولا الظاهرية، فلها باب واسع نأتي بكلام موجز فيه.

إنّ تقدّم العنوانات الثانوية على الاَوّلية يحلّ العُقَد والمشاكل في مقامين:

الاَوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الاَوّلي والحكم الثانوي، فيقدّم الثاني على الاَوّل، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ، كتقدّم لا ضرر و لا حرج على الاَحكام الضررية والحرجية، وهذا النوع من التقدّم يرجع إلى باب الاِفتاء والاستنباط.

الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين نفس الاَحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لم يُتدَّخَل في فك العُقَد، وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط، المتصدي لمنصب الولاء، بتقديم بعض الاَحكام الواقعيّة على بعض بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين الواقعيين، ولا يحكم الحاكم في المقام إلاّ بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء.

وبعبارة أُخرى: إذا وقع التزاحم بين الاَحكام الاَوليّة فيقدّم بعضها على


(332)

بعض في ظلّ هذه العنوانات الثانوية (1) ويقوم الحاكم الاِسلاميّ بهذه المهام بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العنوانات مفاتيح بيد الحاكم، يرفع بها التزاحم والتنافي، فمعنى مدخليّة الزمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن تأثيرهما في تعيين أنّ المقام صغرى لاَي كبرى من الكبريات، وأيّ حكم من الاَحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلاً إجرائيّاً للاَحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الاَهمّ وتخطيطاً لحفظ النظام وعدم اختلاله.

وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الاِسلامي يتمتّع بميزتين:

الا َُولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين، ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطاً ومستخرجاً منهما، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير حكمه حكوميّاً وولائياً في طول الاَحكام الاَوّلية والثانوية وليس الهدف من وراء تسويغ الحكم له إلاّ الحفاظ على الاَحكام الواقعيّة برفع التزاحم، ولذلك سمّيناه حكماً إجرائيّاً، ولائيّاً حكوميّاً لا شرعيّاً، لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الاَحكام الواقعية في ظلّ العنوانات الثانوية، وما يعالج به حكم لا من سنخ المعالَج، ولو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين والتشريع.

الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعاً عن المصالح العامّة وصيانة القوانين الاِسلامية لا يخرج حكمه عن إطار الاَحكام الاَوّليّة والثانويّة، ـ وإن لم يكن منهما


1. العنوانات الثانوية عبارة عن: 1. الضرورة والاضطرار. 2. الضرر والضرار. 3. العسر والحرج. 4. الاَهم فالاَهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات والمحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين .

وهذه العنوانات أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الاَحكام الواقعية والاَزمات الاجتماعية.


(333)

بل في طولهما ـ ولاَجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العنوانات الثانويّة.

وبالجملة الفقيه الحاكم بفضل الولاية الالهية يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العنوانات الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات ولا تمس كرامة الكبريات.

ولاَجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة نبين فيها مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي.

الاَوّل: لا شكّ أنّ تقوية الاِسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التبغ أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الاَحكام الاَوّلية ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الاَجنبية، فصار بيعه وشراوَه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) ـ انّ استعماله يوجب نشوب مخالب الكفّار في هيكل المجتمع الاِسلامي، حكم (قدّس سرّه) بأنّ استعماله ـ بكافة أنواعه ـ كمحاربة وليّ العصر - عليه السّلام - (1) فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الاَهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الاِسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التبغ بكافة صوره، فاضطرت الشركة حينئذ إلى فسخ العقد.

الثاني: إنّ حفظ النفوس من الا َُمور الواجبة، وتسلّط الناس على أموالهم وحرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الاِسلام أيضاً، إلاّ أنّه على سبيل المثال


1. صدر هذا الحكم عام 1891 م وحكمه كالتالي: بسم اللّه الرحمن الرحيم: «اليوم استعمال التبغ (التنباك) والتتن، بأي نحو كان، بمنزلة محاربة إمام الزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف».

(334)

ربّما يتوقّف فتح الشوارع في داخل البلاد و خارجها على التصرّف في الاَراضي والاَملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو وإلاّ فللحاكم ملاحظة الاَهمّ بتقديمه على المهمّ، ويحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الاَمر يضمن لصاحب الاَراضي قيمتها السوقية.

الثالث:إنّ إشاعة القسط والعدل ممّا ندب إليه الاِسلام وجعله غاية لبعث الرسل، قال سبحانه: "لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط" (1)

ومن جانب إنّ الناس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف والصنعة وغيرهم، فللحاكم الاِسلامي ـ حسب الولاية الاِلهيّـة ـ الاِمعان والدقة والاستشارة والمشورة في حلّ الاَزمة الاجتماعية حتى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين، فلو لم تحلّ العقد بالوعظ والنصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: فتح المخازن وبيع ما احتكر بقيمة عادلة وتسعير الاَجناس وغير ذلك.

الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية والخارجية، إلاّ أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح.

الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلاّ لصنع الخمر وتوزيعه بالخفاء، أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع وانحلالاً في شخصيّتهم، فله أن يمنع بيع العنب إلى هوَلاء.


1. الحديد : 25.

(335)

إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه الحاكم غضّ النظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى كما لا يخفى.

هذا كلّه حول مدخلية الزمان والمكان في الاجتهاد في مقام الاِفتاء أوّلاً ومنصة الحكم ثانياً، وأمّا سائر ما يرجع إلى ولاية الفقيه فنتركه إلى محلّه.

Website Security Test