welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(280)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
5
الحيــل
(فتح الذرائع)

إنّ فتح الذرائع من أُصول الحنفية كما أنّ سدّ الذرائع من أُصول المالكية، ويسمّى الاَوّل بالمخارج من المضايق، و التحيّل على إسقاط حكم شرعي، أو قلبه إلى حكم آخر.

و قد صارت هذه القاعدة مثاراً للنزاع وسبباً للطعن بالحنفية، حيث إنّ التحيّل لاِبطال المقاصد الشرعية لاَجل أحد أمرين:

إمّا نفي الحكمة المقصودة من الاَحكام الشرعية حتى يصير المكلّف ناظراً إلى الصور، والاَلفاظ لا إلى المقاصد والاَغراض.

وأمّا الاجتراء على ابطال الحكمة الشرعية بما يُرضي العامة، وهذه نزعة إسرائيلية معروفة تشهد بها آية السبت في سور مختلفة. (1)

إنّ ذهاب الحنفية إلى هذه القاعدة أثار حفيظة الآخرين، ممّا حدا بالبخاري


1. ذكر أهـل السبت في خمسـة مواضــع من القــرآن: البقرة|65ـ 66، النساء |154 ـ 155، الاَعراف|163، النحل|124، وقد جاء لعنهم في سورة النساء|47 قال سبحانه: (أَو نَلْعَنهم كما لَعنا أَصحاب السَبت) .

(281)

أن يعقد باباً خاصّاً للرد على القاعدة معبّراً عن أبي حنيفة، بقوله: «قال بعض الناس» وإليك الباب وما فيه:

«باب» إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقُضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة، ولا تكون القيمة ثمناً ـ ثمّ أضاف البخاري قائلاً ـ: و قال بعض الناس: الجارية للغاصب لاَخذه القيمة، ـ ثمّ أخذ البخاري بالردّ عليه بقولـه: ـ «وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره، قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أموالكم عليكم حرام، و لكلّ غادر لواء يوم القيامة». (1)

ومن أكثر الناس ردّاً للحيل الحنابلة، ثمّ المالكية، لاَنّهم يقولون بسدِّ الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة.

يقول ابن قيم الجوزيّة: إنّ هوَلاء المحتالين الذين يُفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام، ليسوا مقتدين بمذهب أحد من الاَئمّة، وانّ الاَئمّة أعلم باللّه ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل (2) فقد قال أبو داود في مسائله: سمعتُ أحمد وذكر أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول اللّه، وقال في رواية أبي الحارث الصانع: هذه هي الحيل التي وضعوها، عَمِدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها.

والشيء الذي قيل لهم انّه حرام احتالوا فيه حتى أحلُّوه، قالوا: الرهن لا يحلّ أن يستعمل، ثمّ قالوا: يحتال له حتى يستعمل فكيف يحل بحيلة ما حرم اللّه


1. البخاري: الصحيح: 9|32، كتاب الاكراه.
2. لا يخفى ما في كلامه من المبالغة فانّالحنفية وعلى رأسهم أبوحنيفة قد ابتدع تلك القاعدة، فكيف نزّهه عنها ؟

(282)

ورسوله؟

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فأذابوها، فباعوها، وأكلوا أثمانها، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم». (1)

و لمّا كان ابن القيم من المتعصبين للمذهب الحنبلي خصّص الجزء الثالث وقسماً من الرابع في القاعدتين، فاستدل على قاعدة سد الذرائع بتسعة وتسعين وجهاً. (2)

كما بسط الكلام في قاعدة الحيل، واستوعب قسماً كبيراً من الجزء الثالث وقسماً من الجزء الرابع فخصص 361 صفحة لابطال هذه القاعدة، وضرب أمثلة كثيرة لها ناهزت 116 مثالاً.

وقد استدل المثبتون لها بالكتاب والسنّة:

الاستدلال بالكتاب:

1. قوله سبحانه: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّاب" . (3)

روى المفسرون أنّ أيّوب قد حلف على ضرب امراته بمائة سوط، فأمره سبحانه أن يجمع مائة من شماريخ (4) ويجعلها ضِغثاً، و يضربها مرة واحدة، وكأنّه ضربها مائة سوط، فذلك تحلة أيمانه.


1. ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين:3|191.
2. اعلام الموقعين:3|147ـ 171.
3. سورة ص : 44
4. جمع الشمراخ غصن دقيق ينبت في أعلى الغصن الغليظ.

(283)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية غير صحيح، لاحتمال أن يكون ذلك الحكم تخفيفاً من اللّه سبحانه في حقّ أيّوب لمّا صبر طيلة سنين متمادية حتى وصفه اللّه سبحانه بقوله: "إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ" فهذا النوع من التخفيف كان جزاءً له على صبره، وتخفيفاً عن امرأته ورحمة بها.

ولو كان هذا الحكم عاماً لما خفي على أيوب - عليه السّلام - و هو نبي من أنبيائه سبحانه وسع اللّه صدره بالعلم .

وما ربما يقال من أنّ الخصوصية لا تثبت إلاّ بدليل (1)، و إن كان صحيحاً ولكن الدليل هو التعليل الوارد في الآية.
2. وقوله سبحانه: "وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". (2)

حيث جعل يوسف - عليه السّلام - صواعه في رحل أخيه ليتوصل بذلك إلى أخذه وكيد اخوته. (3)

يلاحظ عليه: أنّ يوسف - عليه السّلام - توصّل بالحلال إلى الحلال، وهو أخذ الاَخ ولم يكن غير راض بذلك في الواقع كما ولم يكن قصده بذلك إيذاء اخوته ولا إيذاء أبيه.

أمّا الاَوّل فواضح إذ لو كان قاصداً ذلك لعاقبهم بغير هذا الاَُسلوب وأمّا الثـاني فلانّ الوالد كان واقفاً على أنّ أخا يوسف سيحاصر ، حيث قال لهم:


1. الحجوي الثعالبي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الاِسلامي: 2|491.
2. يوسف:62.
3. اعلام الموقعين:3|224.

(284)

"قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُوَتُونِ مَوثِقاً مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّني بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ". (1)

والظاهر من الكتاب العزيز انّيوسف قام بذلك بأمر من اللّه سبحانه حيث قال:"كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ في دِينِ المَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّه" (2) أمره سبحانه بذلك ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي أحاط بيعقوب ويوسف و تبلغ حكمة اللّه تعالى التي قضاها لهم نهايتها.

الاستدلال بالسنّة

استدلّوا من السنّة بما رواه البخاري، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أكلّ تمر خيبر هكذا؟» قال: لا واللّه يا رسول اللّهص انّا لنأخذ الصاعَ من هذا، بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثمّابتع بالدراهم جنيباً». (3)

والجمع نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب نوع جيد، ولم يفصّل بين أن يكون البيع من رجلين أو رجل واحد.

وسيوافيك الكلام عنها فانتظر.


1. يوسف: 66.
2. يوسف: 76.
3. اعلام الموقعين:3|202، لاحظ بلوغ المرام برقم 855.

(285)

القول الحاسم في فتح الذرائع (الحيل)

انّ الموافق والمخالف لفتح الذرائع قد اطنبوا الكلام في المقام، وكلّ تمسك بوجوه من الاَمثلة الفقهية، فلنذكر ما يحسم الموقف ويزيل الخلاف فنقول:

إنّ الحيل التي يثبت بها على أقسام:
1. أن يكون التوصل بالوسيلة منصوصاً في الكتاب والسنة، وليس المكلّف هو الذي يتحيّلها بل أنّ الشارع هو الذي جعلها سبباً للخروج عن المضايق، نظير تجويز السفر في شهر رمضان لغاية الافطار، قال سبحانه:"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْر وَلا يُريدُبِكُمُ الْعُسْر" . (1)

فَخيَّر المكلّف بين البقاء في بلده فيصوم، والخروج عنه فيفطر، فالخروج عن ضيق الصوم بالسفر ممّا أرشده إليه الشارع. وليس بايعاز من المكلّف نفسه.

ونظير تجويز نكاح المطلقة ثلاثاً بعد التحليل، إذ من المعلوم انّه من طلّق زوجته ثلاثاً حرمت عليه أبداً قال سبحانه: "فَإِنْ طلّقها فَلا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْد" وفي الوقت نفسه فانّ الشارع قد أرشده إلى الخروج من هذا المازق بقوله:"حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرهُ فَإِنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُود اللّه".(2)


1. البقرة: 185.
2. البقرة:230.

(286)

فلا أظن فقيهاً من الحنابلة والمالكية يرى مثل هذا التحيّل أمراً قبيحاً، أو على خلاف المصلحة، فانّ معنى ذلك هو رفض التشريع الاِلهي، بل يمكن أن يقال: انّ هذا القسم خارج عن محلّ الكلام، لاختلاف موضوعي الحكمين، فقد وجب الصوم على الحاضر، والافطار على المسافر، ومثله المطلقة ثلاثاً، إن تزوجت بعده وطُلقت.
2. إذا كان هناك أمر واحد له طريقان، أحلّ الشارع أحدهما وحرّم الآخر، فلو سلك الحلال لا يعدّ ذلك تمسكاً بالحيلة، لانّه اتخذ سبيلاً حلالاً إلى أمر حلال.

ومثاله: انّ مبادلة التمر الرديء بالجيّد تفاضلاً ربا محرّم، ولكن بيعَ كلّ على حدة أمر جائز، وإن كانت النتيجة في كلا الاَمرين واحدة، ولكن الحرام هو سلوك الطريق الثاني لا الاَوّل.

وهذا القسم خارج عن محلّ النزاع أيضاً، لاَنّه فيما إذا احتال وتوصل بالحلال إلى الحرام، وامّا هنا فقد توصل بالحلال إلى الحلال. وقد مرّ في كلام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
3. إذا كان السبب غير موَثر في حصول النتيجة شرعاً، فالتوصل في مثله محرّم غير ناتج، وذلك كالمثال الذي نقله الاِمام البخاري ردّاً على أبي حنيفة وإن لازم كلامه هو أنّه إذا غصب جارية، فزعم انّها ماتت فقضى القاضي بقيمة الجارية الميتة، فالجارية للغاصب و إن تبيّن بعدُ انّها حيّة ، وليس لصاحبها أخذها إذا وجدها حية».

وغير خفي انّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو


(287)

بان أنّها حيّة انكشف انّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.

ومن خلاله ظهر انّ السبب (زعم الغاصب موت الجارية) غير موَثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها، وهو الذي رتب عليها البخاري رداً على أبي حنيفة وقال: إنّه يحتال من اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بانّها ماتت حتى يأخذ ربّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره.

لما عرفت من أنّ إخبار الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا كان عالماً بالخلاف وكاذباً في الاخبار ؟ فعدم جواز التحيّل في هذه المسألة يعزّى إلى انّ السبب حلالاً كان أو حراماً غير موَثر فيه.
4. إذا كانت الوسيلة حلالاً، ولكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو لا تتعلّق إرادته الجدّية إلاّ بالمحرم ولو تعلّقت بالسبب فإنّما تتعلق به صورياً لا جدياً، كما إذا باع ما يسوى عشرة بثمانية نقداً، ثمّ اشتراه بعد بعشرة نسيئة إلى شهرين فمن المعلوم أنّ إرادته الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية ودفع عشرة، وحيث إنّ ظاهره ينطبق مع الربا، فاحتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الاِرادة الجدية بهما، فيكون عندها التحيّل أمراً محرماً، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في سورة الاَعراف: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْر إِذ يَعِدُونَ فِي السَّبْت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون" . (1)

فانّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توصلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حبس الحيتان عن الخروج إلى


1. الاَعراف:163.

(288)

البحر يوم السبت لغاية الاصطياد يوم الاَحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحيّل أمراً جائزاً ؟

ومنه يعلم أنّ أكثر الحيل المطروحة للمرابين أمر محرّم، لعدم تعلّق الاِرادة الجدّية بصورة المعاملة وإنّما تعلقت بالنتيجة وهو أخذ الفائض.

هذا هو القول الحاسم في العمل بالحيل حسب ما طرحه علماء السنّة في المقام، وبذلك خرجنا بالنتائج التالية:
1. إذا كان الشارع هو الذي أرشد إلى الخروج عن المضايق، أو أنّه لم يُشِرْإلى الخروج، ولكن جعل لاَمر واحد طريقين، حرّم أحدهما وأحلّ الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن محطّالبحث.
2. إذا كان السبب غير موَثر في حصول النتيجة، والتوصل به للوصول إلى الحلال توصلاً باطلاً لافتراض أنّه غير موَثر في نظر الشارع، كالجارية المغصوبة التي يزعم الغاصب موتها كذباً ويكتم حياتها، ففي مثله لا يكون الخروج عن الغرامة بدفع القيمة موَثراً في تملك الجارية.
3. إذا كانت الغاية من التوصّل بالاَمر الحلال صوريّاً وتعلّقت الاِرادة الجدية بالاَمر الحرام فالتوصل بها حرام، نظير توصل أصحاب السبت إلى اصطياد الحيتان بحفر جداول قرب البحر لحيازتها يوم السبت واصطيادها يوم الاَحد، أو بيع الشيء نقداً بثمانية واشترائه نسيئة بعشرة.

ولذلك قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : قاتل اللّه اليهود انّ اللّه تعالى لما حرّم عليهم شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه. (1)


1. بلوغ المرام: برقم 801. وجملوه: أي جمعوه ثم أذابوه احتيالاً على الوقوع في المحرم.

(289)

ثمّ إنّ علماء الشيعة تطرّقوا لفتح الذرائع في آخر كتاب الطلاق، وأطنبوا القول فيه كالمحقّق في «الشرائع» (1) والشهيد الثاني في «مسالك الافهام» (2) والمحدث البحراني في «الحدائق» (3)و لنذكر كلام شيخنا الشهيد الثاني، قال عند شرح قول المحقّق: يجوز التوصل بالحيل المباحة دون المحرمة في إسقاط ما لولا الحيلة تثبت.

هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، والفرق هو التوصل إلى تحصيل أسباب يترتب عليها أحكام شرعية، وتلك الاَسباب قد تكون محلّلة وقد تكون محرمة، (وربما تكون محكومة بالاَحكام الخمسة) والغرض من ذكرها تعليم الفقيه الاَسباب المباحة، وأمّا المحرمة فيذكرونها بالعرض، ليعلم حكمها على تقدير وقوعها.


1. نجم الدين الحلي: الشرائع: 3|31ـ33.
2. زين الدين العاملي: المسالك: 9|203ـ 210.
3. يوسف البحراني: الحدائق: 25|375.

(290)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
6
قول الصحابي

يعدُّ الاَئمّة الثلاثة غير أبي حنيفة قولَ الصحابي من مصادر التشريع، وربما ينقل عنه أيضاً خلافه، لكن المعروف انّه لا يعترف بحجية قول الصحابي. والمهم في المقام هو تحرير محل النزاع وتعيين موضوعه، فإنّه غير منقّح في كلامهم.

لا شكّ انّه لو نقل الصحابي سنّة الرسول يوَخذ به بالاِجماع عندهم، وعندنا إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية. وهذا خارج عن محل البحث.

كما إذا اتّفق سائر الصحابة على رأي الصحابي؛ فمن قال بحجّية الاِجماع بما هوهو، أو لكشفه عن وجود الحجّة في البين، يكون قوله حجّة، لاَجل انعقاد الاِجماع عليه. وهذا أيضاً خارج عن محل البحث.

فينحصر النزاع في الموارد الثلاثة التالية:

1. قول الصحابي

إذا نقل الصحابي قولاً، ولم يُسْنده إلى الرسول، ودلّت القرائن على انّه نقلُ قول لا نقلُ رأي فهل هو حجّة أو لا ؟ لاحتمال كونه ناقلاً قول الرسول، أو قول


(291)

غيره، وهذا ما يطلق عليه «الموقوف» لوقف النقل على الصحابي دون أن يتجاوز عنه إلى غيره.

2. رأي الصحابي

إذا نقل رأيه واستنباطه من الكتاب والسنّة وما فهمه منهما، فهو حجّة له ولمقلِّديه، إنّما الكلام في كونه حجّة لسائر المجتهدين.

3. قوله المردّد بين النقل والرأي

إذا تردّدبين كونه نقلَ قول أو نقلَ رأيٍ؛ فلو قلنا بحجّية قوله ورأيه، يكون حجّةً في المقام بخلاف ما لو خصّصنا الحجّية بنقل القول دون الرأي، فيقع الكلام في حجّية النقل المردّد بين القول والرأي.

هذه هي الصور الثلاث التي تصلح لاَن تقع محلاً لورود النفي والاِثبات.

وأمّا الاَقوال، فمن قائل بحجّية ما روي عن الصحابي، إلى آخر ناف لها، إلى ثالث يفصّل بين كون المنقول موافقاً للقياس فليس بحجّة وكونه مخالفاً له فهو حجّة.

إذا وقفت على الصور المتصوّرة لمحلّ النزاع والاَقوال، فلنأخذها بالدراسة:

1. الحجّة هو قول الصحابي لا رأيه

يظهر من السرخسي انّ محلّ النزاع هو الصورة الاَُولى، فقد حاول في كلام مبسوط أن يثبت انّ قول الصحابي ظاهر في أنّ مستنده هو قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وإن لم يسنده إليه ظاهراً، يقول:


(292)

لا خلاف بين أصحابنا المتقدّمين والمتأخرين انّ قول الواحد من الصحابة حجّة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك لاَنّ أحداً [منهم] لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب؛ فإنّ طريق الدين من النصوص إنّما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قولٌ بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم.

فلم يبق إلاّ الرأي أو السماع ممّن ينزل عليه الوحي، ولا مدخل للرأي (القياس) في هذا الباب، فتعيّن السماع وصار فتواه مطلقاً كروايته عن رسول اللّه، ولا شكّ انّه لو ذكر سماعه من رسول اللّه لكان ذلك حجّة لاِثبات الحكم به، فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلاّ السماع، ولهذا قلنا: إنّ قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجّة في العمل به كالنص يترك القياس به (1)

وخلاصة كلامه: أنّ قول الصحابي إن كان موافقاً للقياس نحدس بأنّه رأيه ونظره استند إلى القياس فلا يكون حجّة للمجتهد الآخر، وأمّا إذا كان مخالفاً للقياس، فلا يكون لقوله مبدأ سوى السماع عن الرسول ويكون حجّة.

يلاحظ على كلامه بوجوه:

الاَوّل: أنّ كلامه مبنيّعلى أنّ للاجتهاد دعامتين: إحداها: القياس، والاَُخرى: النص. فإذا كان قول الصحابي مخالفاً للقياس، فيكون دليلاً على أنّه اعتمد على النص ونقله، ولكنّك خبير بأنّ للاجتهاد دعامات أُخرى، فمن الممكن أن يستند


1. أُصول السرخسي:2|110 بتلخيص.

(293)

في قوله إلى إطلاق الآية وليس لها إطلاق، أو عموم دليل وليس بعام، وعلى كلّ تقدير استنتج الحكم من دليل لو وصل إلينا لم نعتبره دليلاً، فمع هذا الاحتمال لم يبق وثوق بأنّه سبحانه أذن في الاِفتاء وفق قوله.

الثاني: أنّأقصى ما يمكن أن يقال هو الظنّ بأنّه استند إلى النّص، لا القطع، ومن المعلوم أنّالظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، بل يجب أن يحرز أنّه استند إلى النص، فيكون ممّا أذن اللّه أن يفتى به، فما لم يحرز اعتماده على النصّ إحرازاً علمياً، يدخل الافتاء به تحت قوله سبحانه: "ءَاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون"(1).

الثالث: لو كان قول الصحابي مستنداً إلى سماعه عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو عمّن سمعه من النبي، لم يكن يترك ذكره، لما فيه من الشرف والمفخرة له، بشهادة أنا نجد اهتمام الصحابة بنقل كلّ ما يمتّ إلى النبي بصلة من دقيق وجليل وقول وفعل وتقرير وتصديق.

فالاِفتاء بلا ذكر السماع يُشرف الفقيه على القطع بأنّ ما نقله الصحابي هو في الواقع اجتهاد منه، وبذلك لا يبقى أيّ اطمئنان ووثوق بمثل هذا القول.

وهناك حقيقة مرّة، وهي انّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي يوجب انهيار صرح البناء الفقهي الذي أشادوه، وتغيّر القسم الاَعظم من فتاواهم، وحلول فتاوى أُخر محلّها ربما استتبع فقهاً جديداً لا أُنس لهم به.

ومنه يظهر ضعف ما جاء به بعض المعاصرين حيث يقول في جملة كلامه:


1. يونس:59.

(294)

إنّ الصحابة هم الذين عاصروا رسول اللّهص ونقلوا أقواله وأفعاله، فكانوا أعرف الناس بأسرار التشريع الاِسلامي ومصادره وموارده، فمن اتّبعهم فهو من الذين قال اللّه فيهم: "وَالّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان" ثمّ نقل عن الاِمام أبي حنيفة، أنّه كان يقول: إذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسول اللّه، أخذت بقول من شئت من أصحابه، وتركت من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1. كونهم أعرف بأسرار التشريع لا يلازم كون المنقول ممّا سمعه، إذ من المحتمل انّه استنبطه من الاَدلّة بحجّة أنّهم أعرف بأسرار التشريع.
2. انّما نقله من أبي حنيفة يدلّ على حرمة الخروج عن أقوال الصحابة إذا علم إجمالاً انّالحقّ غير خارج عن أقوالهم المتعارضة، وأين هذا من الاَخذ بقول كلّ صحابي وإن لم ينحصر الحقّ في قوله؟!

وهناك نكتة أُخرى وهي انّ الصحابة لو كانوا مقتصرين في مقام الاَخذ، على سنّة الرسول فقط كان لما ذكره وجه، ولكنّهم ـ مع الاَسف ـ لم يقتصروا عليها، بل أخذوا من مستسلمة أهل الكتاب، فقد أخذ أبو هريرة وابن عباس من كعب الاَحبار ـ الذي عدّوه من أوعيـة العلم ـ كثيراً، كما أخذ عنه وعن أضرابه كتميم الداري غيرهما من الصحابة.

والحاصل: انّ الحجّة هو العلم بأنّه بصدد نقل سنة الرسول سواء أكان مصيباً أم مخطئاً، وأمّا إذا ظنّ بأنّه كذلك فليس بحجّة وما دلّت من الاَدلّة على


1. الدكتور شعبان محمد إسماعيل: مصادر التشريع الاِسلامي: 269ـ 277؛ ولاحظ كتاب الاَُمّ: 7|24.

(295)

حجّية قول الصحابي، منحصر بما إذا علم انّه بصدد بيان كلامه وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو عمله وفعله، أو تقريره وتصديقه.

***

2. الحجّة هو الاَعم من القول والرأي

يظهر من كلام ابن قيم الجوزيّة، انّ موضوع النزاع أعمّمن القول والرأي فقد أقام على حجّيته 46 دليلاً لا يسعنا ذكر معشارها، لاَنّغالبها لا يخرج عن نطاق الحدس، وإنّما نقتصر على دليلين:

الدليل الاَوّل

إنّ قول الصحابي يحتمل أوجهاً لا تخرج عن ستة:
1. أن يكون قد سمعها من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
2. أن يكون سمعها ممّن سمعها منه.
3. أن يكون فهمها من آيات كتاب اللّه فهماً خفي علينا.
4. أن يكون قد اتّفق عليها مَلَوَُهم ولم ينقل إلينا إلاّ قول المفتي بها وحده.
5. أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أُمور فهموها على طول الزمان لاَجل معاشرة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
6. أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - واخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّة، ومعلوم قطعاً أنّ وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً


(296)

على أنّ الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعده وليس المطلوب إلاّ الظنّ الغالب والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه.(1)

أقول: يلاحظ عليه بوجوه:

الاَوّل: أنّ أقصى ما يمكن أن يقال هو الظن الغالب بأنّه استند إلى الوجوه الخمسة الاَُولى لا القطع به، وقد دللنا في صدر الفصل على أنّ الاَصل في الظن عدم الحجّية، إلاّإذا دلّ دليل قطعي على حجّيته.

الثاني: من أين نعلم انّ فهمه من الكتاب كان فهماً صحيحاً؟ أو انّ استفادته من اللغة كانت استفادة رصينة مع أنّ التابعين من العرب الاَقحاح مثله؟ فما هو الفرق بين أن يكون قوله حجّة دون التابعين؟

الثالث: يحتمل أن يكون لفتواه مصادر ظنّية اعتمد عليها، كالقياس بشيء لا يخطر في أذهاننا، أو الاعتماد على وجوه واعتبارات تبلورت في ذهنه، أو الاستناد إلى الاِطلاق والعموم مع انّه ليس من مواردها، لكون المورد شبهة مصداقية لهما.

قال الشوكاني: والحقّ أنّه ليس بحجّة، فإنّ اللّه سبحانه لم يبعث إلى هذه الاَُمّة إلاّنبيّنا محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وليس لنا إلاّرسول واحد وكتاب واحد، وجميع الاَُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية، وباتّباع الكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه عزّ وجلّ بعد كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - و ما يرجع إليهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت.(2)


1. ابن القيم: اعلام الموقعين:4|148 في ضمن الدليل الثالث والاَربعين.
2. الشوكاني: ارشاد الفحول: 214.

(297)

الدليل الثاني

قد ذكر ابن القيم في الوجه الرابع والاَربعين ما هذا لفظه: انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين بالحق».

وقال علي ـ كرم اللّه وجهه ـ: «لا تخلو الاَرضُ من قائم للّه بحجّة، لئلاّ تبطل حججُ اللّه وبيناته» فلو جاز أن يخطىَ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الاَُمّة قائم بالحقّ في ذلك الحكم، لاَنّهم بين ساكت ومخطىَ، ولم يكن في الاَرض قائم للّه بحجّة في ذلك الاَمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر.(1)

أقول: أمّا الحديث الاَوّل فيدلّ على وجود طائفة ظاهرين بالحقّ من أُمّته، ولكن من أين نعلم أنّهم هم الصحابة؟ فانّ الاَخبار عن الكبرى لا تثبت الصغرى، أي كون القائمين بالحقّهم الصحابة، فليكن القائمون هم التابعون لهم بإحسان.

وأمّا الحديث الثاني فيدلّ على وجود القائم بالحقّ بين الاَُمّة في كلّ الاَزمنة والاَعصار لا الناطق بالحقّ، وشتان ما بين القائم بالحقّ والناطق بالحقّ ، والقائم بالحقّ بطبيعة الحال يكون ناطقاً، ولكن ربما يكون مضطراً إلى السكوت خوفاً من حكّام الجور، فلا يكون سكوت الاَُمّة دليلاً على إصابة الصحابي الناطق وكونه القائم بالحقّ.

وجود المخالفة بين الصحابة

إنّ تاريخ التشريع حافل بنماذج كثيرة من مخالفة صحابي لصحابي آخر


1. اعلام الموقعين:4|150، فصل جواز الاَخذ بفتاوى الصحابة.

(298)

حتى بعد سماع كلامه وقوله، فلو كان قول الصحابي نتاجاً للسماع لما جاز لآخر أن يخالفه ويقدّم رأيه على قوله، فإنّه يكون من قبيل تقديم الرأي على النصّ، وهذا يعرب على أنّ قول الصحابي لا يساوق سماعه عن النبي، بل أعمّمنه بكثير، وهذا هو الذي يسوغ وجود المخالفة بينهم، فمثلاً:

كان أبو بكر وعمر وعبد اللّه بن عباس يرون قول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام إيلاء ويميناً، وفي الوقت نفسه كان ابن مسعود يراه طلقة واحدة، وكان زيد ابن ثابت يراه طلاق ثلاث، فلم يقل أحد انّ قول الخليفتين حجّة على الآخرين.

وذلك لاَنّ كلّ واحد كان مجتهداً ومستنبطاً، وليس رأي المستنبط حجّة على الآخرين، فإذا كان هذا هو الحال بين الصحابة، فليكن كذلك بعدهم، فإنّ التكليف واحد، والتشريع فارد، فلا معنى أن يكون تكليف الصحابة مغايراً لتكليف التابعين لهم بإحسان، أي لا يكون رأي الصحابي حجّة على مثله، ولكنّه حجّة على التابعين.

اجتهاد الصحابي بين الردّوالقبول

كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حجّة لهم لعدم تمكنهم من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إليه، إمّا يقرّهم على ما رأوا، وإمّا أن يبيّن لهم خطّ الصواب، فلم يكن اجتهاد الصحابي بما هو اجتهاد من مصادر التشريع، وهو ظاهر لمن رجع إلى اجتهادات الصحابة وطرحها على الرسول وهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بين مصوب لهم ومخطىَ، ولنذكر نموذجين:


(299)

1. كان علي - عليه السّلام - باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كلّواحد منهم هو ابني، فجعل علي - عليه السّلام - يخبرهم واحداً واحداً أترضى أن يكون الولد لهذا؟ فأبوا، فقال: «أنتم شركاء متشاكسون» فأقرع بينهم، فجعل الولد للذي خرجت له القرعة، وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فضحك حتى بدت نواجذه، من قضاء علي - عليه السّلام - . روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب «الفقيه والمتفقّه». (1)

وقد اعتبر علي - عليه السّلام - في هذا الحكم أنّه بالنسبة للقارع بمنزلة الاِتلاف للآخرين، كمن أتلف رقيقاً بينه وبين شريكين له، فإنّه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر بحكم القرعة، كإتلاف الرقيق الذي بينهم.
2. روى مسلم، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه انّ رجلاً أتى عمر، فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء؟ قال: لا تصلّ، فقال عمار: ما تذكر يا أمير الموَمنين إذ أنا وأنت في سرية ، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلّ، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصليت.

فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّما يكفيك أن تضرب بيديك الاَرض، ثمّتنفخ، ثمّتمسح بهما وجهك وكفيك.

فقال عمر: اتّق اللّه يا عمار، قال: إن شئت لم أُحدّث به. (2)

أحاديث الاقتداء بالصحابة

قد ذكرنا انّ ابن قيم الجوزية استدل على أنّ رأي الصحابة والتابعين حجّة


1. اعلام الموقعين: 1|203.
2. صحيح مسلم: 1|193، باب التيمّم.

(300)

بأنفسهما، واستدل على ذلك بوجوه كثيرة لا دلالة فيها لما يروم إليه.و إليك بعض ما استدلّ به من الروايات:
1. ما رواه الترمذي من حديث الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن هلال مولى رِبْعي بن حِرَاش، عن رِبْعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر». (1)

وفيه أنّالحديث مخدوش سنداً ودلالةً.

أمّا سنداً فبعبد الملك بن عمير، حيث روى إسحاق الكوسج، عن يحيى بن معين قال: مخلط.

وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عبد الملك ابن عمير مضطرب الحديث جداً مع قلّة روايته.

وذكر إسحاق الكوسج عن أحمد، أنّه ضعفه جداً. (2)

وقد نقل هذا الحديث بسند ثان عن أحمد بن محمد بن الجسور، حدّثنا أحمد ابن الفضل الدينوري، حدّثنا محمد بن جبير، حدّثنا عبد الرحمن بن الاَسود الطفاوي، حدّثنا محمد بن كثير الملائي، حدّثنا المفضل الضبي عن ضرارة بن مرة، عن عبد اللّه بن أبي الهذيل العتري، عن جدته.

وهو مخدوش أيضاً، لاَنّه مروي عن مولى لربعي مجهول، كما أنّالمفضل بن محمد الضبي متروك الحديث، متروك القراءة. (3)

كما نقل هذا الحديث بسند ثالث عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن


1. اعلام الموقعين: 4|140.
2. سير أعلام النبلاء: 5|439.
3. الرازي، الجرح والتعديل: 8|318 برقم 1466، لسان الميزان: 6|81 برقم 293.

(301)

ابن الدخيل، عن العقيلي، عن محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا وكيع، حدثنا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حرث وأبي عبد اللّه رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة.

وفيه أنّ هلال مولى ربعي مجهول، كما أنّ سالم المرادي قد ضعَّفه ابن معين والنسائي. (1)

وأمّا دلالةً، فقد قال ابن حزم: وأمّا رواية: «اقتدوا باللّذين من بعدي» فحديث لا يصح. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم، لاَنّهم ـ أصحاب مالك و أبي حنيفة والشافعي ـ أترك الناس لاَبي بكر وعمر، وقد بيّنا انّ أصحاب مالك خالفوا أبا بكر ممّا رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في الموطأ خاصة، وقد ذكرنا انّ عمر وأبا بكراختلفا، وإن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد. (2)

2. ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد اللّه بن رباح عن أبي قتادة انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا. (3)

أقول: لو صحّت الرواية، وقلنا بأنّ المراد من القوم هم المسلمون بأجمعهم إلى يوم القيامة، لدلّت على وجوب طاعتهما فيما لهما فيه أمر ونهي، وأين هما من لزوم الاَخذ بآرائهما وفتاواهما في الاَحكام الشرعية التي ليس لهما فيه أي أمر ونهي؟!
3. ما روي عن طريق عبد اللّه بن روح، عن سلام بن سلم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الاَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً انّ النبي (صلى الله عليه


1. كتاب الضعفاء الكبير: 2|150 برقم 651، لسان الميزان: 3|7 برقم 21.
2. ابن حزم الاَندلسي: الاحكام: 5|243.
3. ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين: 4|140.

(302)

وآله وسلم) قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. (1)

وهذا الحديث مخدوش سنداً ودلالة.

أمّا سنداً: فبالحارث بن غصين، قال عنه ابن عبد البر في كتاب العلم: مجهول. (2)

كما أنّ في السند المذكور سلام بن سلم المدائني، وقيل: سلام بن سليمان المدائني، قال عنه يحيى: كان ضعيفاً.

وقال الاَعين: سمعت أبا نعيم ضعّف سلام بن سلم. (3)

وقال عنه البخاري: سلام بن سلم المدائني: متروك.

وذكره ابن حبان في المجروحين. (4)

كما روي هذا الحديث أيضاً عن طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر. وعن طريق حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر.

وفيه أنّ عبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان (5) وحمزة الجزري مجهول.

وأمّا دلالة: فلما قاله ابن حزم: قد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً إذ من المحال أن يأمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - باتباع كلّ قائل من الصحابة، وفيهم من يحلل الشيء، وغيره منهم يحرّمه. (6)

ولقد أجاد الشوكاني حينما قال: وأمّا ما تمسّك به بعض القائلين بحجيّة


1. ابن عبد البر: جامع العلم: 2|91، ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 8|556، رقم الحديث 6369.
2. لسان الميزان: 2|156.
3. العقيلي: الضعفاء الكبير: 2|158.
(4)4 ابن حبان: المجروحين: 2|339.
5. سير أعلام النبلاء: 8|358، التاريخ الكبير: 6|137، ميزان الاعتدال: 2|605.
6. ابن حزم الاَندلسي: الاحكام: 5|244.

(303)

قول الصحابي ممّا روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، فهذا ممّا لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصحّ العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الاَمر العظيم والخطب الجليل؟! (1)

وحاصل الكلام: أنّ الفقيه يجب أن يعتمد على كتاب اللّه وسنّة رسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و ان يحتج بما جعله اللّه حجّة بينه و بين اللّه تبارك وتعالى، كخبر العدل المتصل إلى المعصوم، أو العقل فيما له فيه قضاء وحكم، وأمّا في غير هذه الموارد كآراء الصحابة أو التابعين وسنتهم وسيرتهم فكلّها أُمور ظنية لا دليل على الاحتجاج بها إلاّإذا ثبت أنّها أقوال الرسول و سننه، وأنّى لنا إثبات ذلك.

وبذلك يعلم أنّالفقه ليس هو نقل آراء الصحابة والتابعين، أو الفقهاء الذين جاءوا بعدهم، فإنّ مرد ذلك إلى سرد آراء أُناس غير مصونين عن الخطأ والزلل.

روَيا الصحابي والتشريع

قد وقفت على أنّ التشريع الاِلهي أعلى وأجل من أن تناله يد الاجتهاد، فالتشريع فيض إلهي جارٍ من ينبوع فياض لا يشوبه خطأ ولا وهم ولا ظن ولا خرص ولا تخمين، والنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو المبين للتشريع، وليس بمجتهد فيه يضرب الآراء بعضها ببعض كي يصل إلى حكم اللّه سبحانه.

وأسوأ من ذلك أن تكون روَيا الصحابة أو تصويبهم مصدراً للتشريع، ومع الاَسف نرى نماذج كثيرة منها مروية في الصحاح والمسانيد، فلنقتصر على ذكر نموذجين على سبيل المثال:


1. الشوكاني: إرشاد الفحول: 214.

(304)

1. اهتم النبي للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع ـ يعني الشبَّور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود.

قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى.

فانصرف عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأُري الاَذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأخبره، فقال له: يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظـان، إذ أتاني آت فأراني الاَذان.

قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، ثمّ أخبر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فقال له - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد، فاستحييت.

فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله، قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فاخبرني أبو عمير انّالاَنصار تزعم أنّعبد اللّه بن زيد لولا انّه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول اللّه موَذناً. (1)

إنّ هذه الرواية وما شاكلها لا تتفق مع مقام النبوة، لاَنّه سبحانه بعث رسوله لاِقامة الصلاة مع الموَمنين في أوقات مختلفة، وطبيعة الحال تستدعي أن يعلمه سبحانه كيفية تحقّق هذه الاَُمنية، فلا معنى لتحيّر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أياماً طويلة، وهو لا يدري كيف يحقّق المسوَولية الملقاة على عاتقه!!


1. أبو داود: السنن: 1|134ـ135 برقم 498ـ 499، تحقيق محمد محيي الدين.لاحظ ابن ماجه: السنن: 1|232ـ 233، باب بدء الاَذان برقم 706ـ 707، الترمذي؛ السنن: 1|358 باب ما جاء في بدء الاَذان برقم 189.

(305)

إنّ الصلاة والصيام من الاَُمور العبادية وليست من الاَُمور الطبيعية العادية حتى يشاور النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيها أصحابه، أوليس من الوهن في أمر الدين أن تكون رُوَى وأحلام أشخاص عاديين مصدراً لاَمر عبادي في غاية الاَهمية كالاَذان والاِقامة.

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأن كون الروَيا مصدراً للاَذان أمر مكذوب ومجعول على الشريعة، وانّ الكذّابين المنتمين إلى بيت عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا هذه الاَُكذوبة طلباً لعلو المنزلة والجاه.

إنّ البحث عن اسناد الروايات الواردة في هذا الموضوع وما فيها من التناقض لا يناسب وضع الكتاب. (1)

2. روى الاِمام أحمد أنّ الصحابة كانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إن جاءكم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصلّيها، ثمّ يدخل مع القوم في صلاتهم.

قال: فجاء معاذ، فقال: لا أجده على حال أبداً إلاّ كنت عليها، ثمّ قضيت ما سبقني.

قال: فجاء وقد سبقه النبي ببعضها، قال: فثبت معه، فلمّا قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته قام فقضى.

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا. (2)

قد سبق انّ الصلاة عبادة إلهية وليس في الاِسلام عبادة أعظم منها، فكيف


1. انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة: 25ـ 48.
2. مسند أحمد بن حنبل: 5|246.

(306)

تخضع لسنّة صحابي مقطوع عن الوحي، وقد سنَّ شيئاً اعتباطياً دون أن يستأذن من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فكان عمله أشبه بالبدعة وإدخال شيء في الدين مالم يأذن به اللّه؟! ومعاذ أجلُّ من أن لا يعرف حد البدعة والسنّة ويدخل في الصلاة مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقد سبقه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثمّ يقضي ما فاته.

وأنت إذا تصفحت الصحاح والمسانيد تعثر على نماذج كثيرة لهذا النوع من التشريع.

Website Security Test