welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(253)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
2
الاستحسان

الاستحسان من مصادر التشريع لدى المالكيّة، وقد روي عن الاِمام مالك أنّه قال: «الاستحسان تسعة أعشار العلم» خلافاً للشافعي حيث رفضه وقال: «من استحسن فقد شرّع» وربما يُفصّل بين الاستحسان المبنيّ على الدليل، والاستحسان المبنيّ على الهوى والرأي، ومع كونه أصلاً معتبراً لدى المالكيّة وغيرهم، فلم يُعرَّف بوجه يكون مثل القياس، واضحَ المعالم، فإنّ الاستحسان ضد الاستقباح، وتعالى التشريع الاِسلامي أن يكون تابعاً لاستحسان إنسان أو استقباحه من دون أن يكون له رصيد من الشرع والعقل، ولا يصحّ الاِفتاء إلاّ بما دلّالدليل القطعي على حجّيته، والاستحسان بما هوهو، ليس علماً ولم يدل دليل قطعي على حجّيته، كلّ ذلك يبعثنا إلى تحقيق مراد القائلين من كونه دليلاً فقهياً كسائر الاَدلّة، واللازم هو الاِمعان في موارد استعماله.

أقول: مع ما عُرّف الاستحسان بتعاريف كثيرة، لكنّه يُطلق ويراد منه أحد المعاني الخمسة:

الاَوّل: العمل بالرأي والظن

قد يطلق الاستحسان ويراد منه العمل بالرأي فيما جعله الشارع موكولاً إلى


(254)

آرائنا، ويظهر هذا من السرخسيّ في أُصول فقهه، كما في مورد تمتيع المطلقة غير المدخول بها قال سبحانه: "لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتر قَدَرُهُ مَتاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنين" (1) ونظيره قوله سبحانه في مورد رزق الوالدات وكسوتهنّ، قال سبحانه: "وَعَلى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (2) فقد ترك الشارع تعيين كيفية التمتيع وتقدير المعروف بحسب اليسر والعسر إلى آرائنا. (3) وهو يختلف حسب اختلاف الاَزمنة والاَمكنة.

والاستحسان بهذا المعنى، عمل بالظن في موضوع من الموضوعات، كالعمل به في سائر الموارد الذي جعل الظن فيه حجّة، فلو قام دليل على حجّية مثل هذا الظن يُتمسك به ويقتصر على مورده سواء استحسنه المجتهد أم لا، وإلاّ فلا. وتسمية مثل هذا استحساناً أمر مورث للاشتباه.

الثاني: العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه

وقد يطلق ويراد منه العدول عن مقتضى قياس ظاهر إلى مقتضى قياس أقوى منه، وهذا هو الذي نقله أبو الحسين البصري عن بعضهم، فقال: العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. (4)


1. البقرة:236.
2. البقرة:233.
3. السرخسي: أُصول الفقه: 2|200.
4.المعتمد:2|296.

(255)

الثالث: العدول عن مقتضى قياس جلي إلى قياس خفي

يطلق الاستحسان ويراد منه، هو العدول عن مقتضى القياس الجلي إلى قياس خفي (1) وهذا هو الذي يظهر من الاَُصولي المعاصر الدكتور «وهبة الزحيلي» وغيره و الفرق بين التعريفين ـ بعد اشتراكهما في أنّالمعدول عنه و المعدول إليه، قيـاس ـ هـو انّ المعـدول إليه على التعريف الثاني، هو القياس الاَقوى الاَعم من أن يكون جلياً أو خفياً، بخلاف التعريف الثالث فإنّ المعدول إليه قياس خفيّ.

الرابع: العدول عن مقتضى القياس بدليل

قد يطلق ويراد منه هو العدول عن مقتضى القياس بدليل شرعي سواء أكان المعدول إليه قياساً أم غيره نعم يشترط في المعدول عنه كونه قياساً.

وهذا هو الذي يظهر أيضاً من السرخسي في أُصول فقهه قال:«هو الدليل يكون معارضاً للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الاَوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادث وأشباهه من الاَُصول يظهر انّ الدليل الذي عارضه، فوقه في القوة وانّ العمل به هو الواجب. (2)

وظاهر هذا التعريف كما عرفت انّ العدول عن القياس بدليل شرعي هو الاستحسان، وعلى ضوء هذا يختص الاستحسان بصورة العدول عن مقتضى القياس فحسب لا مطلق الدليل، فيشترط في المعدول عنه أن يكون قياساً دون المعدول إليه، لاِمكان أن يكون قياساً أو دليلاً غير القياس.

وهذا هو الظاهر من الكرخي أيضاً حيث عرفه بقوله: إثبات الحكم في


1. الوجيز في أُصول الفقه:86.
2. السرخسي: أُصول الفقه: 2|200.

(256)

صورة من الصور على خلاف القياس من نظائرها مع انّ القياس يقتضي إثباته، بدليل خاص لا يوجد في غيرها. (1)

ولنذكر مثالين للعدول من قياس إلى قياس آخر من دون التزام بكون الثاني قياساً أقوى أو قياساً خفيّاً:
1. إذا ضاع شيء تحت يد الصانع، فمقتضى القياس هو عدم ضمانه إذا ضاع أو تلف لديه من غير تقصير منه قياساً على يد المودع، ولكن روى عن الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - والقاضي أبي أُمية شريح بن الحارث الكندي بأنّهما يضمّنان الصنّاع، وما هذا إلاّ لاَنّ عدم تضمينهم ربما ينتهي إلى إهمالهم في حفظ أموال الناس. (2)

وروي أنّ الاِمام الشافعي يذكر انّه قد ذهب شريح إلى تضمين القصّار فضمّن قصّاراً احترق بيته، فقال: تضمّنني وقد احترق بيتي، فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك. (3)

وعلى ضوء هذا المثال ربما يفسر الاستحسان: بترك القياس والاَخذ بما هو أرفق للناس.

أقول: المثال قابل للنقاش.

أوّلاً: ليس المورد من موارد القياس، لاَنّ قياس الاَجير، بالودعي قياس مع الفارق، فإنّ الاَوّل يأخذ المال لصالحه بغية أخذ الاَُجرة لعمله، وهذا بخلاف الودعي فانّه يأخذ المال لصالح صاحب المال، فقياس الاَوّل بالثاني مع هذا الفارق، قياس مع الفارق.


1. أبو الفتح البغدادي: الوصول إلى الاَُصول:2|321؛ الغزالي: المنخول:375، حيث قال: الصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي.
2. البيهقي: السنن الكبرى:3|122.
3. البيهقي: السنن الكبرى:3|122.

(257)

ثانياً: إذا كان المورد غير صالح لاعمال القياس ـ لفقدان بعض شرائطه ـ فيكون المرجع، الاَصلَ الاَوّلي في الاَموال، وليس هو إلاّالاحترام والضمان حتى يثبت خلافه لا الاستحسان «أعني كون الضمان أرفق للناس، أو لئلا ينتهي إلى الاهمال في أموال الناس». فإذا أتلفه الاَجير أو تلف عنده فمقتضى قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «على اليد ما أخذت حتى توَدّي» هو الضمان ما لم يدل دليل على خلافه كما دلّ في مورد الودعي حيث ليس لصاحب المال تغريم الودعي، نعم لصاحب المال إحلافه على أنّالتلف لم يكن عن تعدٍ أو تفريطٍ، ولذلك قالوا«ليس على الاَمين إلاّ اليمين».
2. إذا وقف أرضاً زراعية فهل يدخل فيه حقوق الري و المرور؟ قولان:

أ. لا يدخل حقوق الريّ و المرور في الوقف قياساً على البيع، فإنّ البيع، والوقف يشتركان في خروج المبيع عن ملك الواقف و البائع، فلا يدخل في بيع الاَرض الزراعية حقوق ريّها وصرفها والمرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو العدول عن مقتضى القياس الظاهري .

ب. يدخل حقوق الري والمرور قياساً على الاِجارة بجامع انّ المقصود من كلّ منهما الانتفاع بريع العين لا تملُّك رقبتها، وفي إجارة الاَرض الزراعية تدخل حقوق ريّـها وصرفها و المرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو العدول عن مقتضى القياس الظاهري إلى مقتضى القياس الخفي وسموه بالاستحسان. (1)

أقول: إنّ دخول حقّ الري و المرور أو عدمه لا يبتني على قياس الوقف بالبيع أو الاِجارة، بل هما مبنيان على وجود الملازمة العرفية بين وقف الشيء ودخول حقوق ريها والمرور إليها فيه أو عدمها ،فلو قلنا بالملازمة العرفية بين


1. عبد الوهاب خلاّف: مصادر التشريع الاِسلامي: 72.

(258)

إخراج الشيء عن ملكه وإخراج ما يتوقف الانتفاع به عليه (كحقوق ريّها وصرفها والمرور إليها على نحو إذا بيعت الاَرض الزراعية أو أوجرت أو أُوقفت يفهم منه نقل توابعها ممّا يتوقف الانتفاع بها عليها) فيدخل إلاّ أن ينصَّ على خلافه، ولو قلنا بعدم الملازمة وانّه لا يفهم من نقل الاَصل، نقل التوابع، فلا يدخل واحد، فعلى الاَوّل يكونُ الدخول هو مقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه بخلاف الثاني، فإنّه يكون عدم الدخول هو المطابق لمقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه.

ونظير المقام توابع المبيع من اللجام والسرج ومفتاح الباب وغيرها، وبذلك تعرف انّه لا دور للقياس في حلّالمسألتين خروجاً وعدمه، وإنّما يجب على الفقيه أن يركز على الملازمة العرفية بين النقلين وعدمها.

الخامس: العدول عن مقتضى الدليل إلى ما يستحسنه المجتهد

قد يطلق الاستحسان ويراد منه العدول عن مقتضى الدليل باستحسان المجتهد.

وهذا التعريف هو الظاهر من أكثر الاَُصوليين.

قال أبو الحسين البصري:الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الاَلفاظ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارىَ على الاَوّل. (1)

وهذا هو الظاهر أيضاً من عبد الوهاب خلاّف حيث قال: الاستحسان في اصطلاح الاَُصوليين القائلين به هو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة إلى حكم آخر فيها لدليل شرعي اقتضى هذا العدول وهذا الدليل الشرعي المقتضي للعدول هو سند الاستحسان. (2)


1. المعتمد في أُصول الفقه:2|296.
2. عبد الوهاب خلاّف: مصادر التشريع الاِسلامي: 71.

(259)

وعلى هذا فلا يشترط في المعدول عنه كونه قياساً، كما لا يشترط في المعدول إليه كونه مثله بل يتلخص الاستحسان في العدول عن مضمون دليل إلى دليل آخر أقوى منه سواء أكان المعدول عنه قياساً أم لا أو أكان المعدول إليه قياساً أقوى أم لا.

ولنذكرمثالين:

أ. انّ مقتضى قوله سبحانه: "وَالسّارِقُ وَالسّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما" (1) هو قطع يد السارق دون فرق بين عام الرخاء و المجاعة، ولكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة.

ب. يقول سبحانه:"وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرضاعَة " (2) وقد نقل عن الاِمام مالك إخراج الاَُم الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن ترضع ولدها، وعلى هذا ينطبق تعريف الجرجاني: الاستحسان ترك القياس والاَخذ بما هو أرفق للناس. (3)

أقول: لا وجه للعدول عن إطلاق الآية الشامل لعام المجاعة والاَُم الرفيعة المنزلة وغيرهما إلاّبدليل، ويمكن أن يكون الدليل انصراف الآية عن الصورتين، والانصراف يحدّد دلالة الدليل ويُتّبع الدليل في غير مورد الانصراف.

ولكن الذي يوَاخذ على هذا الاستعمال هو انّ تسمية الانصراف وأشباهه ممّا يوجب العدول عن الدليل الاَوّل بالاستحسان أمر غير صحيح.

وبعبارة أُخرى: إذا كان هنا دليل على العدول، وكان المورد يتمتع برصيد خاص، فما هو الوجه لاستعمال كلمة الاستحسان المريب، إذ من الواضح انّ استحسان شخص واستقباحه ما لم يعتمد على دليل، لا يعدّان من مصادر التشريع؟


1. المائدة:38.
2. البقرة:233.
3.التعريفات: 13.

(260)

وهنا نقطة جديرة بالاِشارة وهي انّ الاختلاف في تعريف الاستحسان الذي جعل من مصادر الفقه إلى هذا المستوى يعرب على انّه لم يمتلك مفهوماً واضحاً حتى عرّف بتعاريف مختلفة.

إنّ الاختلاف في حجّية الاستحسان ناتج عن عدم دراسة مصادر التشريع حسب مراتبها، فإنّ تقديم دليل على دليل آخر سواء كانا قياسين أو غيرهما فرع وجود الملاك للتقديم حتى تقدم إحدى الحجّتين على الاَُخرى بملاك وليس استحسان المجتهد منه أبداً، وعلى القائلين بالاستحسان بالوجوه الاَربعة الاَخيرة أن يدرسوا ملاك تقدم الاَدلة بعضها على بعض .

مثلاً انّالخاص يقدم على العام، والمقيّد على المطلق، والنص على الظاهر المخالف، وأحكام كل عنوان ثانوي كالضرر والحرج على أحكام كل عنوان أوّلي وغير ذلك فتقديم أيّ دليل على آخر يجب أن يكون داخلاً تحت أحد هذه الملاكات وأمثالها ممّا قرّر في مبحث تعارض الاَدلّة وترجيحها، لا تحت عنوان الاستحسان، وعلى هذا لو فسروا الاستحسان بمعنى تقدم أحد الدليلين على الدليل الآخر بملاك موجب له، لاتفقت الشيعة أيضاً معهم.

وممّا يرشد إلى ذلك انّ الاَُستاذ «أبو زهرة» يعرف القياس ويقسمه إلى قسمين: أحدهما: استحسان القياس، والآخر: استحسان سبب معارضة القياس، ويمثل للقسم الاَوّل بقوله: أن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر وهو القياس الاصطلاحي، والثاني خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر فتسمى هنا استحساناً، مثل انّ المرأة عورة من قمة رأسها إلى قدميها، ثمّ أبيح النظر إلى بعض المواضع للحاجة، كروَية الطبيب، فأعملت علة التيسير هنا في هذا الموضع. (1)


1. أبو زهرة، أُصول الفقه: 247ـ 249.

(261)

إنّ الاَُستاذ و إن أصاب في تقديم الدليل الثاني على الاَوّل ولكنّه لم يذكر وجهه، فانّ المقام داخل تحت العنوانات الثانوية فتقدم على أحكام العنوانات الاَوّلية فقوله سبحانه: "وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج" (1)يدلّ على أنّ كلّ حكم حرجي مرفوع في الاِسلام وغير مشرّع فلو افترضنا انّ بدن المرأة عورة كله يجب عليها ستره، لكن هذا الحكم يختص بغير حالة الضرورة، وذلك لتقدم أحكام العنوانات الثانوية كالضرورة والاضطرار على العنوانات الاَوّلية، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه» دليل على إباحة الروَية، فأي صلة لهذه المسألة بالاستحسان، وما هذا إلاّ لاَنّ القوم لم يقيّموا مصادر التشريع حسب مراتبها فأسموا مثل ذلك بالاستحسان.

وفي الختام نذكر بعض ما استدل به على حجّية الاستحسان.

الاَوّل: قوله سبحانه:"الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِينَ هداهُمُ اللّهَ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب" . (2)

الثاني: قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن. (3)

يلاحظ على الاَوّل: أنّه لا نزاع في الكبرى وانّعباد اللّه هم الذين يستمعون القول فيتّبعون ما هو الاَحسن، ولكن الكلام في أنّ الاِفتاء بشيء ممّا لم يقم عليه دليل سوى استحسان المجتهد، هل هو اتّباع للاَحسن أو اتباع للهوى؟

وبعبارة أُخرى القرآن يدعو إلى اقتفاء القول الاَحسن وهو الذي أدعمه العقل الصريح والشرع المبين، وأين هذا من الاِفتاء بشيء بمجرّد استحسان ذهن


1. الحج: 78.
2. الزمر: 18.
3. أبو الوليد الباجي: احكام الفصول في احكام الاَُصول: 688ـ 689؛ ابن حزم: الاِحكام: 6|192ـ 196.

(262)

المجتهد ورأيه من دون أن يقوم عليه دليل قطعي من عقل أو شرع؟! نعم إذا كان الاِفتاء مستنداً إلى دليل شرعي فهو حجّة قطعية ولا حاجة في جواز الاِفتاء إلى الاستدلال بالآية، بل يكفي دليل حجّيتها.

ومنه يظهر انّ الحديث لا صلة له بالمقام، فإنّ المراد ما رآه المسلمون حسناً أي ما اتّفقت عليه عقولهم لا رأي واحد منهم.

بقي هنا أمر:

ربما يُمثّل للاستحسان بالموارد التالية ويدعى انّ النبي الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أفتى فيها به دون الوحي وانّه كان يجتهد كسائر الناس:

أ. نهى رسول اللّه عن بيع المعدوم، ورخّص في السلم.

ب. نهى رسول اللّه عن بيع الرطب باليابس، ورخّص في العرايا.

ج. نهى رسول اللّه عن أن يخضد شجر مكة وأن يختلى خلاها ورخص في الاِذخر.

يلاحظ على المثال الاَوّل: أنّه لم يرد على لسان الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قوله:«نهى رسول اللّه عن بيع المعدوم» وإنّما الوارد قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا بيع ما ليس عندك» (1) وهو ناظر إلى بيع المبيع الشخصي الذي هو تحت يد الغير، فما لم يتملّكه البايع لا حق له في بيعه، لعدم جواز بيع ما لا يملك، وأين هو من بيع السلم الذي هو بيع شيء في الذمة، فلم يكن ما صدر عن الرسول بنحو الضابطة شاملاً لبيع السلم حتى يكون الثاني استثناء من الاَوّل ومبنيّاً على الاجتهاد والاستحسان.

ومنه يظهر حال المثال الثاني أعني: «نهى رسول اللّه عن بيع الرطب


1. لاحظ بلوغ المرام:162، الحديث 820.

(263)

باليابس».

فانّ نهي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّما كان منصبّاً على المجنيّ من الثمرة، فنهى عن بيع الرطب باليابس، لئلا يلزم الربا، وإليك نصّالحديث:

عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم، فنهى عن ذلك. (1)

وعلى ذلك فالنهي كان منصبّاً على البيع الشخصي، أي تبديل الرطب المعيّن بعين يابس، وعلى ضوء ذلك فلم يكن بيع العرايا داخلاً في النهي حتى يحتاج إلى الترخيص ويكون مبنياً على الاستحسان.

ومن ذلك يعلم انّ ما رواه زيد بن ثابت«انّ رسول اللّه رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» (2) ليس بمعنى انّه كان ممنوعاً، ثمّ رخصه رسول اللّه، بل بمعنى عدم تعلّق النهي به من بدء الاَمر، بخلاف المجنيّ.

وأمّا الثالث فلاَنّ استثناء الاِذخر من اختلاء خلاه ليس بمعنى انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استثناه من تلقاء نفسه معتمداً على الاستحسان، بل كان الحكم (لا يخضد شجر مكة ولا يختلي خلاها) غير شامل للاِذخر في الواقع إذ من المحتمل انّالنبي كان مستعداً لبيان المخصص غير انّ عمه العباس لما سبقه و قال: إلاّ الاِذخر، فأعقبه النبي وقال: إلاّ الاِذخر، فزُعم انّ النبي قاله اجتهاداً أو استحساناً، وما ذكرناه وإن كان احتمالاً، لكنّه يكفي في نقض الدليل وإسقاطه عن الصلاحية.

وقد مرّ الكلام فيه أيضاً عند البحث في اجتهاد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (3).


1. بلوغ المرام: 172، الحديث 865.
2. بلوغ المرام: 173، الحديث 867.
3. لاحظ صفحة 123 من هذا الجزء.

(264)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
3
الاستصلاح أو المصالح المرسلة

المصالح المرسلة عبارة «عن كلّ مصلحة لم يرد فيها نصّ يدعو إلى اعتبارها، أو عدم اعتبارها، ولكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر».

وهي من مصادر الفقه و الاستنباط عند المالكية و الحنابلة، دون الحنفية والشافعية، فقد ذهب الاَوّلان إلى أنّ الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نصّ فيه ولا إجماع، وانّ المصلحة المطلقة ـ التي لا يوجد دليل من الشرع يدل على اعتبارها ولا على إلغائها ـ مصلحة صالحة لاَن يبنى عليها الاستنباط.

والمعروف من الحنفية انّهم لا يأخذون بالاستصلاح، وكذا الشافعية، حتى روي عن الشافعي انّه قال: من استصلح فقد شرّع، كما انّ من استحسن فقد شرّع، والاستصلاح كالاستحسان متابعة الهوى.

وقد اعتبرها الاِمام مالك بشروط ثلاثة:
1. أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع، ولا دليلاً من أدلّته.
2. أن تكون ضرورية للناس مفيدة لهم، أو دافعة ضرراًعنهم.
3. أن لا تمسّ العبادات، لاَنّ أغلبها لا يعقل لها معنى على التفسير.

وعلى ذلك فالاستصلاح عبارة عن تشريع حكم في واقعة لا نصّ فيها ولا


(265)

إجماع، بناء على مراعاة مصلحة مرسلة مطلقة. (1)

والفرق بين الاَدلة الثلاثة واضح.

فالقياس عبارة عن استنباط حكم الفرع عن الاَصل بحجّة اشتراكهما في العلّة.

والاستحسان عبارة عن العدول عن مقتضى دليل إلى دليل آخر بوجه من الوجوه.

وأمّا الاستصلاح فهو عبارة عن حيازة المصلحة المطلقة في مورد، لم يرد من الشارع دليل لصيانتها ولا لاِلقائها.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الاستصلاح يتصوّر على وجوه:

الاَوّل: تقديم المصلحة على النصّ، ونبذ الآخر

إنّ الاستصلاح بهذا المعنى تشريع محرّم وتقدّم على اللّه و رسوله قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُقَدمُوا بَيْنَ يَدَى اللّهِ وَرَسُوله" (2) والواجب على كلّ مسلم، التجنّب عن هذا القسم من الاستصلاح فمن يتوهم المصلحة في سلب حق التطليق عن الزوج، أو منح الزوجة حق التطليق، لا يصحّ له التشريع، ولكن نجد ـ مع الاَسف ـ رواج هذا الاَُسلوب بين الخلفاء حيث كانوا يقدّمون المصلحة على النص.

روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد


1. الدكتور أحمد شلبى: تاريخ التشريع الاِسلامي: 172ـ 173.
2. الحجرات:1.

(266)

استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
2. وروى عن ابن طاووس، عن أبيه: انّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبي بكر وثلاثاً من خلافة عمر؟ فقال: نعم.
3. وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك (1) ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه و أبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. (2)

هذه النصوص تدل بوضوح على أنّ عمل الخليفة لم ينطلق من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّر عنه بتنقيح المناط، و إنّما كان عمله من الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي والسير وراء رأيه.

و من هذا القبيل: نهي الخليفة عن متعة الحجّ، و متعة النساء، و الحيعلة في الاَذان، وغير ذلك.

الثاني: تقييد النصّ بالمصلحة

روي أنّه جاء رجل إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال: هلكت يا رسول اللّه ، قال: «ما أهلكك؟».

قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: «هل تجد ما تعتق رقبته؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال:«فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، ثمّ جلس فأُتي النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعرق فيه تمر، فقال:


1. يقال في فلان هنات: أي خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير.
2. صحيح مسلم 4، باب الطلاق ثلاثاً، الحديث 1ـ3.

(267)

«تصدق بهذا». (1)

ومقتضى إطلاق الحديث كفاية كلّ من الخصال في مقام التكفير فالغني المفطر، له أن يكفر بالعتق كما له التكفير بالاَُخرى، ولكن ربما يقال بتعيّن الصيام على الغني، لاَنّه لا يكفّر ذنبه إلاّ به، أي صوم شهرين متتابعين، لاَنّه هو الرادع له عن العود إلى الاِفطار لا الاِطعام ولا عتق الرقبة، لعسر الاَوّل و يسر الثانيين.

ولكنّه تشريع تجاه النص و الاستصلاح في المقام، كالاستصلاح في القسم الاَوّل بدعة، غير انّه في الاَوّل بمعنى نبذ النص من رأسه وفي المقام نبذ لاِطلاقه.

إنّ هذا القسم من الاستصلاح ربما يعبر عنه بالاَخذ بروح القانون (2) وهو بذل الجهد للوقوف على ملاك الحكم ومناطه الذي يقع التشريع وراءه وهو يكون أساساً لعملين:
1. إسراء الحكم ممّا فيه النصّ إلى ما ليس فيه إذا كان حائزاً للمناط، وهنا تلتقي المصالح المرسلة مع القياس.
2. تقييد إطلاق النص بالمناط و الاسترشاد بالمصلحة والاَخذ بروح القانون لا بحرفيّته.

لكن تنقيح المناط في كلا الموردين محظور جداً سواء كان أساساً للقياس، أو كان سبباً لتقييد الدليل، فإنّ عقول الناس أقصر من أن تحيط بالمصالح و المفاسد فيكون الاستصلاح في كلا الموردين تشريعاً محرماً و باطلاً.

وعلى هذا الاَساس المنهار، منع الخليفة إعطاء الموَلّفة قلوبهم في أيّام خلافته قائلاً بأنّ مناط الحكم هو ضعف المسلمين وشوكة الكافرين فيصرف


1. بلوغ المرام:136 برقم الحديث 695.
2. أحمد أمين: فجر الاِسلام: 238، نشر دار الكتاب.

(268)

شيء من الزكاة فيهم، لكي يستعان بهم على الكفار، وهو منتف الآن. وبهذا، قيّد إطلاق الآية: "إِنّما الصّدقات لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِين وَالْعامِلينَ عَلَيْها وَالمُوَلفَة قُلُوبهمْ وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبيل فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم" (1) وخصّصها بصورة الضعف.

والاستصلاح بهذا المعنى، فوق ما يرومه الاَُصوليون من أهل السنة وقد عرفت أنّ الاِمام مالكاً خصّ العمل به بما إذا توفّرت فيه الشروط الثلاثة التي منها أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع ولا دليلاً من أدلته.

فتلخص انّ الاستصلاح بالمعنى الاَوّل و المعنى الثاني بكلا قسميه خارج عمّا هو محط البحث لدى الاَُصوليين وإليك سائر الاَقسام.

الثالث: إنشاء الحكم فيما لا نصّ على وفق المصلحة

إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه و لكن أدركنا بعقولنا وجود مصلحة فيه وإن لم يرد من الشارع أمر بالاَخذ، ولا بالرفض، فتشريع الحكم الشرعي على وفقها هو الاستصلاح ولا مانع منه ويعلّله بعض المعاصرين بأنّ الحياة في تطوّر مستمرّ، ومصالح الناس تتجدّد و تتغير في كلّ زمن، فلو لم تشرع الاَحكام المناسبة لتلك المصالح، لوقع الناس في حرج، وتعطّلت مصالحهم في كلّ الاَزمنة و الاَمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة الزمن ومراعاة المصالح والتطوّرات، وهذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس و تحقيقها. (2)

يلاحظ عليه: أنّ لتشريع الحكم على وفق المصلحة صوراً:

الاَُولى: تشريعه في الاَُمور العبادية التوقيفية، كتشريع الاَذان الثاني لصلاة


1. التوبة:60.
2. الزحيلي: الوجيز في أُصول الفقه: 94. وعبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 100.

(269)

الجمعة لما كثر المسلمون ولم يكف الاَذان بين يدي الخطيب لاِعلامهم، فلا شكّ انّه تشريع محرّم وإدخال في الدين مالم يأذن به اللّه، مع توفّر طرق أُخرى لاِعلام المصلين، من دون لزوم التشريع كما هو واضح.

الثانية: إذا كان أصل الحكم منصوصاً بوجه كلي، ولكن فوّضت كيفية العمل به وتحقيقه على صعيد الحياة إلى الحاكم الشرعي، وذلك مثل ما ذكروا من الاَمثلة، كانشاء الدواوين أو سكّ النقود، وتكثير الجنود وغيرها فالمنصوص، هو حفظ بيضة الاِسلام، للحيلولة دون غلبة الكفار. قال سبحانه: "وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدوّكُمْ" (1) وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الاِسلام يعلو ولا يعلى عليه». (2)

فعند ذلك فالحكم المنشأ على وفق المصلحة ليس حكماً شرعياً أوّلياً، ولا حكماً شرعياً ثانوياً وإنّما هو حكم ولائي نابع من ولاية الحاكم على اجراء القانون المنصوص عليه على صعيد الحياة وفقاً للمصالح، ولذلك يدوم مادام الحكم مقروناً بالمصلحة، فإذا فقد الملاك ينتفي.

والاَولى تسمية هذا النوع من الاَحكام، بالمقررات، لتمييزها عن الاَحكام الشرعية المجعولة الصادرة من ناحية الشرع.

فلو أُريد كون الاستصلاح مبدأ لهذا النوع من الحكم، فهو صحيح لكن يبدو انّه غير مراد للقائلين بكونه من مبادىَ التشريع ومصادره.

الثالثة: تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامة الذي اتفق عليه العقلاء، فلو افترضنا انّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -


1. الاَنفال: 60.
2. الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الاِرث، الحديث 11.

(270)

والاَئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، لكن وجد فيه مصلحة عامة للمسلمين أو مفسدة لهم، فالعقل يستقل بارتكاب الاَُولى والاجتناب عن الثانية، فالعقل عندئذٍ لا يكون مشـرِّعاً بل كاشفاً عن حكم شرعي دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع. وذلك كتعاطي المخدّرات فقد اتّفق العقلاء على ضررها وإفسادها الجسم والروح، فيكون الفعل كاشفاً عن حكم شرعي، للملازمة بين الحكمين وعندئذ تكون قاعدة الاستصلاح من شعب حجّية العقل.

ومثله التلقيح الوقائي عند ظهور الاَمراض السارية كالجدري، والحصبة وغيرهما فقد أصبح من الاَُمور التي لا يتردد في صلاحيتها ذوو الاختصاص.

الرابعة: إذا استدعى العمل بالتشريع الاِسلامي حرجاً عاماً أو مشقة للمجتمع الاِسلامي لاَجل ظروف وملابسات مقطعية أو كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، فللحاكم الاِسلامي رفع الحرج بتقديم أحكام العنوانات الثانوية على أحكام العنوانات الاَوّلية مادام الحرج باقياً أو تقديم الاَهم من الحكمين على المهم، وهذا النوع من الاَحكام ليست أوّلية، كوجوب الصلاة ولا ثانوية كالتيمم عند فقدان الماء، بل قوانين خوّلها الشارع إلى الحاكم الشرعي لما يتمتع به من ولاية على الناس.

وعلى ضوء ما ذكرنا ليس للفقيه، تصحيح الاستصلاح على وجه الاِطلاق أو رفضه كذلك، بل لا بدّ من الامعان في صوره وأقسامه.

والذي تبين لي من امعان النظر في قاعدة الاستصلاح انّ السبب من وراء جعلها من مصادر التشريع أُمور ثلاثة:

الاَوّل: اهمال العقل كأحد مصادر التشريع بالمعنى الذي أشرنا إليه ـ أعني كونه كاشفاً عن التشريع الالهي ـ لا كونه مشرعاً بنفسـه ـ في مجالات خاصّة، هذا


(271)

من جانب و من جانب آخر واجه الفقهاء مصلحة حقيقية عامة ـ أي ما ليست مصلحة شخصية ـ فرأوا انّ حيازتها أمر لازم فاخترعوا قاعدة الاستصلاح مع انّها في هذا المورد من شعب قاعدة حجّية العقل، فلو أضفوا على العقل وصف الحجّية واعتبروه من مصادر التشريع لاستغنوا عن تلك القاعدة.

الثاني: عدم دراسة أحكام العنوانات الاَوّلية و الثانوية كأدلّة الضرر والحرج فانّ الاَحكام الاَوّلية محددة بعدم استلزام اطلاقها الحرج والضرر فإذا صارت موجبة لاَحدهما يقدم حكمهما على الاَحكام الاَوّلية.

وبذلك يستغني الفقيه عن قاعدة الاستصلاح مع مالها من الانطباعات المختلفة.

وبما ذكرنا يعلم ما في كلام الاَُستاذ عبد الوهاب خلاف، حيث قال: انّالذين لا يحتجون بالمصلحة المرسلة اطلاقاً لا فيما لا نصّ على حكمه ولا فيما ورد نص بحكمه قد سدوا باباً من أبواب اليسر و رفع الحرج في التشريع و أظهروا الشريعة قاصرة عن مصالح الناس وعن مسايرة التطورات. (1)

ولنا معه وقفة قصيرة وهي انّ الذين قالوا بحجّية حكم العقل فيما له مجال القضاء فيه، قد فتحوا باباً من أبواب اليسر فيما لا نصّ على حكمه و من وقف على مكانة أحكام العنوانات الثانوية إلى أحكام العنوانات الاَوّلية فقد رفع الحرج في التشريع.

الثالث: انّ كلّ من كتب حول قاعدتي الاستصلاح وسد الذرائع لم يفرق بين الاَحكام الشرعية والاَحكام الولائية الحكومية، فانّ الطائفة الاَُولى أحكام شرعية جاء بها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، وأمّا الطائفة الثانية


1. عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الاِسلامي: 100.

(272)

فإنّما هي أحكام موَقتة أو مقررات يضعها الحاكم الاِسلامي لرفع المشاكل العالقة في حياة المجتمع الاِسلامي.

ومنه يتضح انّ ما مثلوا به لقاعدة الاستصلاح ـ فإنّما هو في الواقع ـ من صلاحيات الحاكم الشرعي، فمثلاً عدوا الاَمثلة التالية من مصاديق تلك القاعدة.

أ. انشاء الدواوين.

ب. سكّ النقود.

ج. فرض الاِمام العادل على الاَغنياء من المال ما لا بدّ منه كتكثير الجند و اعداد السلاح و حماية البلاد.

د. سجن المتهم كي لا يفر.

إلى غير ذلك ممّا يعد من صلاحيات الحاكم الشرعي التي خوّلت إليه بغية تنظيم أُمور المجتمع في اطار الاَحكام الاَوّلية والثانوية.


(273)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
4
سدّ الذرائع

الذريعة بمعنى الوسيلة ، والذرائع جمعها، وهي من الاَُصول المعتبرة لدى المالكية والحنابلة.

وقد عُرّف بتعاريف منها:

«العمل الذي يعدّ حلالاً في الشرع، لكن الفاعل يتوصل به إلى فعل محظور».

أو:

التذرّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز.

إلى غير ذلك من التعاريف التي جمعها محمد هاشم البرهاني في كتابه «سد الذرائع في الشريعة الاِسلامية». (1)

ويوضحها الشاطبي بالمثال التالي:

إذا اشترى شخص غنماً من رجل بعشرة إلى أجل، ثمّ باعها منه بثمانية نقداً، فقد صار مآل هذا العمل مقدمة لا كل الربا، لانّ المشتري أخذ ثمانية ودفع عشرة عند حلول الاَجل. فالقائل بسد الذرائع يمنع البيع الاَوّل تجنّباً عن الربا. (2)


1. انظر ص74.
2. الشاطبي: الموافقات: 4|112.

(274)

يقول ابن قيم الجوزية في تقرير القاعدة: فإذا حرّم الربُّ تعالى شيئاً، وله طرق ووسائل تُفضي إليه، فانّه يحرّمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، واغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كلّ الاباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فانّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثمّ أباح لهم الطرق و الاَسباب والذرائع الموصلة إليه لعدّ متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده، وكذلك الاَطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلاّ فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أنّ اللّه تعالى ورسوله سدّالذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرّمها ونهى عنها.

ثمّ استدل بوجوه كثيرةعلى إثبات تلك القاعدة بلغت تسعة وتسعين وجهاً (1) فمن أراد فليرجع إليها. (2)

وقد أكثر الاِمام مالك العمل بهذه القاعدة حتى انّه أفتى لمن رأى هلال شوال وحده أن لا يفطر لئلا تقع ذريعة إلى افطار الفسّاق، محتجين بما احتج به.

ولكن كان في وسع مالك أن يجوِّز له الافطار عملاً بقول الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - «صوموا عند الروَية وأفطروا عند الروَية» (3) وفي الوقت نفسه يمنعه عن التظاهر به، ويجمع بين القاعدتين.


1. إعلام الموقعين:3|147.
2. إعلام الموقعين:3|149ـ171.
3. بلوغ المرام: برقم 271 باختلاف يسير.

(275)

أدلّة القاعدة

وقد استدلوا على القاعدة بالكتاب والسنّة والاِجماع:

الاستدلال بالكتاب

1. آية النهي عن سب الآلهة

قال سبحانه: "وَلا تَسُبُّوا الّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم". (1)"

وقد نهى سبحانه عن سب آلهة المشركين لئلا يقع ذريعة لسبِّه سبحانه بغير علم.

2. آية النهي عن القول بـ«راعنا»

قال سبحانه:"يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرينَ عَذابٌ أَليم" . (2)

وإنّما مُنعوا من مخاطبة الرسول بقولهم: «راعنا» لئلا يكون ذريعة لاستعمال اليهود إيّاه شتيمة له على ما ذكره المفسرون.

قال الزمخشري في تفسير الآية: كان المسلمون يقولون لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ألقى إليهم شيئاً من العلم «راعنا» يا رسول اللّه، أي راقبنا وانتظرنا وتأنّى بنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية، فلما سمعوا بقول الموَمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول، وهم يعنون به تلك المسبَّة ، فنُهي الموَمنون عنها وامروا بما هو في معناه وهو انظرنا.


1. الاَنعام: 108.
2. البقرة: 104.

(276)

3. آية النهي عن حيازة الحيتان

قال سبحانه: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَة الّتي كانَتْ حاضِرة الْبَحْر إِذ يَعدون فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرعاً وَيَوم لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" . (1)

نهاهم عن حيازة الحيتان يوم السبت لئلاّ تقع ذريعة للاصطياد.

4. آية النهي عن التقرب من الشجرة

قال سبحانه: "وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرة فَتَكُونا مِنَ الظّالِمين". (2)

نهاهم عن التقرب، لانّها ذريعة للاكل.

الاستدلال بالسنّة

قد استدلوا ـ وراء الكتاب ـ بما ورد في السنّة أوضحها: ما رواه معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول اللّه على حمار يقال له عفير قال: فقال: «يا معاذ تدري ما حقّ اللّه على العباد، وما حقّ العباد على اللّه؟» قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: «فانّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوا اللّه، ولا يشركوا به شيئاً، وحقّ العباد على اللّه عزّ وجلّ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا». (3)

الاستدلال بالاِجماع

اتّفقوا على النهي عن القاء السم في أطعمة المسلمين المبذولة للتناول، بحيث يعلم أو يظن انّهم يأكلونها فيهلكون، والمنع عن حفر بئر خلف باب الدار في الظلام الدامس لئلا يقع فيها الداخل.


1. الاَعراف: 163.
2. البقرة: 25.
3. مسلم: الصحيح، شرح النووي: 1|232.

(277)

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الاَوّل:تحليل القاعدة وتبيين مكانتها في علم الاَُصول.

الثاني: دراسة الاَمثلة الّتي فرّعوها عليها.

1. مكانة القاعدة في علم الاَُصول

انّ قاعدة سدّ الذرائع ليست قاعدة مستقلة وإنّما ترجع لاحدى القاعدتين:

الاَُولى: وجود الملازمة بين حرمة الشيء و حرمة مقدمته (سد الذرائع).

فمغزى القاعدة عبارة عن أنّه إذا حُرِّم الشيء، حرِّمت مقدماته وذرائعه التي يتوصل الاِنسان بها، وهي مطروحة في كتب الاَُصول، فمنهم من حرّم مطلقَ المقدمة، ومنهم من حرّم المقدمة الموصلة، ومنهم من حرّم الجزء الاَخير من المقدمة بمعنى العلّة التامة التي لا تنفك عن ذيها، والاَخير هو المتعيّن، لانّ قبح الذريعة أو ممنوعيتها لاَجل كونها وسيلة للوصول إلى الحرام، فلا توصف بالحرام إلاّ إذا كانت موصلة لا غير، ولا يتحقق الايصال إلاّ بالجزء الاَخير الذي يلازم وجود المبغوض.

وعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا الحكم بحرمة كلّ مقدمة للعمل المحظور، إلاّ إذا انتهى إلى الجزء الاَخير من المقدمة الذي لا ينفك عن المحظور.

وإلى ذلك يرجع النهي عن حيازة الحيتان يوم السبت، أو النهي عن التقرب من الشجرة.

الثانية: الاعانة على الاثم التي أفتى الفقهاء على حرمتها، مستدلين بقوله سبحانه: "وَلا تَعاوَنُوا عَلى الاِِثْمِ وَالعُدْوان" . (1)بناءً على انّ التعاون يعمّ الاِعانة الجماعية والفرديّة، ومن هذا القبيل سبّ آلهة المشركين الذي يثير حفيظتهم إلى سبّ اللّه سبحانه، أو خطاب النبي بقولهم: «راعنا» والذي يحرك الآخرين


1. المائدة: 2.

(278)

لاستعماله في هتك حرمة النبي، فليس لنا أصل باسم سدّ الذرائع، وإنّما مرجعه إلى احدى القاعدتين.

مناقشة حديث معاذ

بقى الكلام في الحديث الذي نقلناه عن معاذ، ولنا معه وقفة قصيرة.

أ. انّ ما نقله عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من حقّ العباد على اللّه وأمره بكتمانه، فقد جاء في الذكر الحكيم ولم يكتمه سبحانه حيث قال: "إِنَّ اللّهَ لا يَغْفُِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء" (1) قوله سبحانه: "قُلْ يا عِبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم" (2) وقوله تعالى: "وَإِنَّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ حالة كونهم ظالمين وعاصين، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على غفرانه سبحانه لذنوب عباده.

ب. لو صحّ الحديث، فقد أمر النبي معاذاً بالكتمان، فلماذا أفشى سره وارتكب الحرام مع انّه كسائر الصحابة عدل؟

2. دراسة بعض الفروع المبنية عليها

ذكر بعض الكتّاب المعاصرين تطبيقات عملية لهذه القاعدة نسرد بعضها:
1. الاجتهاد لاستنباط أحكام الوقائع أمر مقرر مشروع، لكنَّ في الاجتهاد الفردي في هذه الاَيّام مفسدة ينبغي التحرّز عنها وسدّ أبوابها بأن توَلف مجالس تَضُم كبارَ العلماء المختصين في مختلف علوم الشريعة وأبوابها ويسند إليها أمر الاجتهاد.


1. النساء: 48.
2. الزمر: 53.
3. الرعد: 6.

(279)

أقول: إنّ الحقيقة بنت البحث، و الاختلاف إذا نشأ عن نيّة صادقة يوَدي إلى نضج العلم وتكامله، ولذلك يُعدّ الاجتهاد الجَماعي أوثقَ وأقوى، ولكن إذا بلغ الرجل مبلغَ الاجتهاد، فمنعه عن الاجتهاد والعمل برأيه والافتاء به، أمر بالمنكر وصدّ عن العمل بالواجب.
2. ترجمة القرآن إلى اللغات الاَجنبية فزعم القائل عدم جوازه سدّاً لذريعة التبديل والتغيير والتحريف.مضافاً إلى أنّ اللغات الاَجنبية لا تسع لمعاني القرآن العميقة والدقيقة.

يلاحظ عليه: لا شكّ انّ ترجمة القرآن بأيّ لغة كانت لا تواكب معاني القرآن العميقة، وهذا أمر ليس بحاجة إلى برهنة، ولكن الحيلولة بين القرآن وترجمته، يوجب سدَّ باب المعرفة للاَُمم التي لا تجيد اللغة العربية، فإذا أقرّ المترجم في مقدمة ترجمته بما ذكرناه وانّ ترجمته اقتباس ممّا جاء في الذكر الحكيم فعندها سترتفع المفسدة، فتكون الترجمة ذات مصلحة خالية من المفسدة.

ثمّ إنّ النص القرآني محفوظ بين المسلمين فهو المرجع الاَصيل دون الترجمة.
3. تدخل الدولة في أيّام الاَزمات والحروب لتحديد الاسعار، والاَُجور والخدمات و تنظيم الحياة العامة على نحو معين لحماية الضعفاء من أرباب الجشع والطمع على أن يتجاوز حدّالضرورة.

أقول: المراد من مصادر التشريع، ما يقع في طريق استنباط الاَحكام الشرعية التي أمر النبي بابلاغها، للناس وهي أحكام ثابتةعبر الاَجيال والقرون.

وأمّا جواز تحديد الاَسعار، فليس من الاَحكام الشرعية بالمعنى المتقدّم، بل هو حكم حكومي، يعدّ من حقوق الحاكم واختياره، فلو مسّت الحاجة إلى التسعير قام به، وإلاّ ترك الناس والاَجناس بحالها، فعدّ سدّ الذرائع من مصادر التشريع، واستنتاج جواز تحديد الاَسعار منه واقع في غير محلّه.

Website Security Test