welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(230)

6. آية القدر

وتعلّقوا أيضاً بقوله تعالى: "وَعَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِقَدَرُهُ". (1)

قالوا: والمثلية والمقدار طريقة غالب الظن وبقوله: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ" . (2) قالوا: وذلك طريقة غالب الظن. (3)

يلاحظ عليه بأنّه إذا ثبتت حجّية الظنّ في مورد أو موردين لا يكون دليلاً على حجّيته مطلقاً، ولو قيل بذلك يصير قياساً وكلامنا في مسألة القياس، فكيف يستدلّ به على نفسه؟

وقد تمسّكوا بآيات أُخرى ليس لها أيّ مساس بحجّية القياس، فلنذكر ما استدلّوا به على صحّته من السنّة.

* * *

2. الاستدلال بالسنّة

استدلّ القائلون بالقياس بروايات نذكر ما هو المهمّ منها:

1. حديث معاذ بن جبل

احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً وإليك بيانها:

عن الحرث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص:


1. البقرة: 236.
2. النساء : 3.
3. الطوسي: العدّة:2|276.

(231)

إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟

قال: أقضي بما في كتاب اللّه.

قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟

قال: فبسنّة رسول اللّه.

قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟

قال: أجتهد رأيي، لا آلو.

قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه . (1)

وقد استدلّ به الاِمام الشافعي، فقال بعدما أفاد ـ أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ثمّ أجاب: هما اسمان لمعنى واحد. (2)

وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لاَنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس. (3)

وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة. (4)


1. مسند أحمد: 5|230، وسنن الدارمي:170 وسنن أبي داود: برقم 3593. وسنن الترمذي: برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.
2. الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
3. الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
4. أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.

(232)

وثمّة كلمات متماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.

لكنّ الحديث ضعيف سنداً وغير تام دلالة.

أمّا السند، ففيه الاَُمور التالية:
1. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.
2. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.
3. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الاَُمور أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!

قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو: حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبو ذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد الفقيه، حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي.

قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الاَوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يدرى من هم. (1)

وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.

قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.


1. ابن حزم: الاِحكام: 5|207.

(233)

وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل. (1)

وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد وبمثله لا تثبت الاَُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لاَنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا. (2)

وأمّا الدلالة، فهي مبنيّة على مساواة الاجتهاد مع القياس أو شموله له وهو غير ثابت، قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاوَهم أنّ إلحاق الفروع بالاَُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر ، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه. (3)

على أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الاِفتاء، لاَنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الاِفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الاِفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.

ثمّ إنّ هناك نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فضّ الخصومات، فالنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الذي نصبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً وأن يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات ومع المعرفة التامّة لحال القاضي يكون السوَال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح،


1. الذهبي: ميزان الاعتدال:1|439 برقم 1635.
2. المرتضى: الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|773.
3. الذريعة:2|776.

(234)

وستوافيك الصور الاَُخرى للرواية.

قال الفخر الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لاَنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به والشيء الذي لا يجب أن يقضي به. (1)

على أنّ الظاهر من سيرة «معاذ» أنّه لم يكن يجتهد برأيه في الاَحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى يحيى بن الحكم أنّمعاذاً قال: بعثني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الاَربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن ذلك.

فقدمتُ، فأخبرت النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأمرني أن آخذ من كلّثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً. (2)

فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟

ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الاَُمّة تلقّته بالقبول. (3)

ولنا هاهنا وقفة قصيرة، وهي أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به


1. الرازي: المحصول: 2|255.
2. مسند أحمد بن حنبل:5|240؛ المسند الجامع: 15|230 برقم (11518ـ 41).
3. الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.

(235)

للقياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.

يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الاَُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الاَُمّة لاَمثال هذه الاَخبار كقبولهم لمسّ الذكر ، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته. (1)

إلى هنا تمّ مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به .

الصور الاَُخرى للحديث

إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها تضادّ كبير في المضمون، وإليك هذه الصور:

الصورة الاَُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقيّ (2) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذاً إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.


1. الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|774.
2. هكذا في المصدر.

(236)

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضى به رسول اللّه. (1)

ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما أوضحنا حالها عند دراسة حجّية العرف والاَعراف.

كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو التفكّر في الاَُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.

أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.

الصورة الثانية: عن عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال:

لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه. (2)

وهي: متّصلة السند ولكن المتن غير ما جاء في الحديث بل يغايره تماماً، وينفي مقالة حماة القياس.

الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية ولعلّها منقولة بالمعنى.

قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن، بم تقضيان؟

قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ


1. ابن حزم: الاِحكام: 5|208.
2. أخرجه ابن ماجه برقم 55.

(237)

عملنا به. (1)

كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لهما: بما تقضيان، فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.

فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أصبتما. (2)

وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول. (3)

والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.

نعم أخرج أحمد عن أبي بردة عن أبي موسى أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (4)

2. حديث عمر

عن جابر بن عبد اللّه، عن عمر بن الخطاب، قال: هششت فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت : يا رسول اللّه أتيت أمراً عظيماً قبّلتُ وأنا صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«ففيم؟!». (5)

قال ابن القيم: ولولا أنّ حكمَ المثل حكمُ مثلِه وأنّ المعاني والعلل موَثّرة في


1. أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.
2. الفخر الرازي: المحصول: 2|254.
3. سراج الدين الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.
4. مسند أحمد بن حنبل: 4|397.
5. سنن أبي داود، كتاب الصوم رقم 2385؛ ومسند أحمد :1|21.

(238)

الاَحكام نفياً وإثباتاً لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكره ليدلّ به على أنّ حكم النظير حكمُ مثله، وأنّ نسبة القبلة التي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الاَمر لا يضرّ، فكذلك الآخر. (1)

وقال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّبإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب. (2)

أقول: إنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع عن حكم الاَصل بحيث يعتمد أحدهما على الآخر وليس المقام كذلك، بل كلاهما كغصني شجرة أو كجدولي نهر، فالمبطل هو الاَكل والجماع لا مقدّمتهما فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الاَكل دون الجماع، أرشده النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى تشبيه القبلة بالمضمضة إقناعاً للمخاطب لا استنباطاً للحكم من الاَصل وليس الكلام في إقناع المخاطب، بل في استنباط الحكم وليست الرواية ظاهرة، في الاَمر الثاني الذي هو المقصود بالاستدلال بها.

أضف إلى ذلك ما ذكره ابن حزم حولها حيث قال:

لو لم يكن في إبطال القياس إلاّ هذا الحديث لكفى، لاَنّ عمر ظنّ أنّ القبلة تفطر الصائم قياساً على الجماع، فأخبره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّ الاَشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها، وأنّالمضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمداً لاَفطر، وأنّ الجماع يفطر، والقبلة لا تفطر، وهذا هو إبطال القياس حقاً. (3)


1. ابن القيم: إعلام الموقعين: 1|199.
2. السرخسي: أُصول الفقه: 2|130.
3. الاِحكام: 7|409.

(239)

3. حديث ابن عباس

عن سليمان بن يسار عن عبد اللّه بن عباس، أنّ رجلاً سأل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّ أبي أدركه الحجّ وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته فإن شددته خشيت أن يموت أفأحجّ عنه؟

قال: أفرأيت لو كان عليه دَين فقضيتَه أكان مجزئاً؟ قال: نعم.

قال: فحجّ عن أبيك.

ورواه نافع بن جبير وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو الشعثاء وعطاء عن ابن عباس بتعابير متقاربة، فالرواية واحدة لانتهاء أسنادها إلى ابن عباس والرواة عنه متعدّدون (1) ولكن الرواية في الكتب الاَُصولية منسوبة، إلى جارية خثعميّة. (2)

والرواية المنسوبة إليها ليست مشتملة على التشبيه، وإليك نصّها:

عن سليمان بن يسار عن عبد اللّه بن عباس أنّه قال:

كان الفضل بن عباس رديف رسول اللّهص فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر. قالت: يا رسول اللّه إنّ فريضة اللّه في الحجّ على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفاحجّ عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجّة الوداع. (3)

وعلى كلّ تقدير فقد اُستدلّ بهذه الرواية، يقول السرخسي: هذا تعليم


1. لاحظ في الوقوف على صور الروايات: المسند الجامع: 9|16ـ 19، كتاب الحج.
2. الغزالي: المنخول: 329، الرازي: المحصول: 2|262.
3. موطأ مالك: 236، ومسند أحمد: 1|361 برقم 1893، وصحيح البخاري: 2|163، وصحيح مسلم:4|101، وسنن النسائي: 5|117، و سنن أبي داود: برقم 1809.

(240)

المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي.

أقول: إنّ القياس الوارد في الحديث من باب القياس الاَولوي، وقد مرّ أنّه خارج عن محلّ النزاع، والشاهد عليه قوله: «أحقّ بالقضاء».

4. حديث الاَعرابي

عن أبي طاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة:

إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - جاءه أعرابي فقال: يا رسول اللّه إنّامرأتي ولدت غلاماً أسود (وإنّي أنكرته)، فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال:«ما ألوانها؟»، قال: حمر، قال:«هل فيها من أورق؟» قال: نعم، قال: «فأنّى كان ذلك؟»، قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعلّ ابنك هذا عرق نزعه». (1)

يلاحظ عليه: أنّ الاَصل المقرّر في الشرع، هو أنّ الولد للفراش، ولم يكن للاَعرابي نفي الولد بحجّة عدم التوافق في اللون، وأراد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يبطل حجّته بأنّ عدم التوافق لا يكون دليلاً على عدم الاِلحاق، وليس ذلك بعجيب، لاَنّه يوجد نظيره في الحيوانات فالاِبل الحمر ربّما تلد أورق بالرغم من حمرتها، وقد بيّن وجهه في الحديث.

على أنّ تجويز المقايسة في الاَُمور الطبيعية لا يصحّحها في الاَحكام الشرعية.

قال ابن حزم: وهذا من أقوى الحجج عليهم في إبطال القياس، وذلك لاَنّ الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علّة لنفيه عن نفسه، فأبطل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم الشبه، وأخبره أنّ الاِبل الورق قد تلدها الاِبل الحمر، فأبطل - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن


1. صحيح البخاري، كتاب الحدود: 8|173.

(241)

تتساوى المتشابهات في الحكم، ومن المحال الممتنع أن يكون من له مسكة عقل يقيس ولادات الناس على ولادات الاِبل، والقياس عندهم إنّما هو ردّ فرع إلى أصله وتشبيه ما لم ينصّ بمنصوص، وبالضرورة نعلم أنّه ليس الاِبل أولى الولادة من الناس، ولا الناس أولى من الاِبل وأنّ كلا النوعين في الاِيلاد، والاِلقاح سواء، فأين هاهنا مجال للقياس؟ وهل من قال: إن توالد الناس مقيس على توالد الاِبل، إلاّ بمنزلة من قال: إنّ صلاة المغرب إنّما وجبت فرضاً لاَنّها قيست على صلاة الظهر؟ وإنّ الزكاة إنّما وجبت قياساً على الصلاة.

وهذه حماقة لا تأتي بها إلاّ عضاريط أصحاب القياس، لا يرضون بها لاَنفسهم.

فكيف أن يضاف هذا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الذي آتاه اللّه الحكمة والعلم دون معلّم للناس، وجعل كلامه على لسانه ما أخوفنا أن يكون هذا استخفافاً بقدر النبوّة وكذباً عليه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . (1)

هذه هي الاَحاديث التي تشبّثوا بها في إثبات القياس، وقد عرفت قصور الجميع في الدلالة، وقصور بعضها في السند ، وإليك دراسة بقية أدلّتهم.

* * *

3. الاستدلال بإجماع الصحابة

استدلّ الفخر الرازي على حجّية القياس بالاِجماع ودليله موَلَّف من مقدمات ثلاث:

المقدمة الاَُولى: إنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به.


1. ابن حزم: الاِحكام: 7|413 ـ 414.

(242)

المقدمة الثانية: إنّه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس، فلاَنّ القياس أصل عظيم في الشرع نفياً أو إثباتاً فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الاِنكار أولى بالنقل من اختلافهم، ولو نقل لاشتهر، ولوصل إلينا فلمّا لم يصل إلينا علمنا أنّه لم يوجد.

المقدمة الثالثة: إنّه لمّا قال بالقياس بعضهم ولم ينكره أحد منهم فقد انعقد الاِجماع على صحّته. (1)

يلاحظ عليه: أنّ المقدمة الثانية التي هي روح الاستدلال باطلة، وكأنّ الرازي غضّ النظر عن الاختلاف الحاصل بين الصحابة والتابعين في العمل بالقياس، وستوافيك نصوص المخالفين واستدلالهم على عدم صحّته، وقد اشتهر بين المحدّثين قول الاِمام عليّ - عليه السّلام - بأنّه لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخُفّ أولى بالمسح من ظاهره.

وقد شاع بين التابعين نقد أدلّة القائلين بالقياس، بأنّ أوّل من قاس هو إبليس إذ قاس نفسه بآدم، وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين.

وربّما يتمسّك بأنّ الصحابة كانوا يفتون بالرأي وقد شاع بينهم «هذا رأي فلان» في الكلالة، أو بيع أُمّهات الاَولاد» و ليس الرأي إلاّ الاِفتاء بالقياس.

يلاحظ عليه أمران:

الاَوّل: لا شكّ أنّ بعض الصحابة كانوا يفتون بالرأي، ولكن لم يكن الرأي مساوقاً للعمل بالقياس بل لعلّهم اعتمدوا فيها على ضرب من الاستدلال والتأمّل، ولو كان ديدنهم في الاِفتاء في غير ما نصّ عليه على القياس، لبان وارتفع الخلاف. ويتّضح ذلك ممّا يذكره الشيخ المظفّر في المقام قائلاً:


1. الرازي: المحصول:2|262ـ 269.وقد صرح في ص292 : انّ مذهب أهل البيت انكار القياس.

(243)

ويجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا بل حتى فيما خالف النصّ تصرّفاً في الشريعة باجتهاداتهم، والاِنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم، ولكن لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة ولم يعرف عنهم، على أيّ كانت اجتهاداتهم، أكانت تأويلاً للنصوص، أم جهلاً بها، أم استهانة بها؟ ربّما كان بعض هذا أو كلّه من بعضهم، وفي الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه في القرن الثاني والثالث. (1)

إنّ هنا اجتهادات من الصحابة لا يصحّ حملها على القياس.
1. تحريم المتعتين: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا محرّمهما ومعاقب عليهما.
2. جعل الطلاق الثلاث، ثلاثاً مع أنّه كان في عصر الرسول وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافته، واحدة.
3. قطع سهم الموَلّفة قلوبهم.
4. إلغاء الحيعلة وهو قول «حيّ على خير العمل» من الاَذان. (2)

وغيرها .

وليس الاجتهاد فيها مبنيّاً على القياس بل الاستحسان المطلق.

وقد ذكر الغزالي مواضع من اجتهادات الصحابة وحاول تطبيقها على القياس بجهد بالغ غير ناجح، لاَنّ أكثرها بعيد عن القياس.

الثاني: لم يكن هناك إجماع من الصحابة على العمل بالقياس، ولو كان


1. المظفر: أُصول الفقه: 2|172.
2. لاحظ للوقوف على تفصيل هذه الاَُمور: كتاب «النص والاجتهاد» للسيد شرف الدين، وكتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة» للموَلّف، وغيرهما.

(244)

هناك شيء فإنّما هو كقضية جزئية لا تكون سنداً للقاعدة. على أنَّ قول الصحابي ليس بحجّة ما لم يعلم استناده إلى الرسول، فكيف يكون فعله حجّة؟ و ستوافيك نصوص من الصحابة والتابعين على نفي القياس.

قال ابن حزم:«أين وجدتم هذا الاِجماع؟ وقد علمتم أنّ الصحابة أُلوف لا تحفظ الفتيا عنهم في أشخاص المسائل إلاّ عن مائة ونيّف وثلاثين نفراً منهم سبعة مكثرون، وثلاثة عشر نفساً متوسطون، والباقون مقلّون جدّاً تروى عنهم المسألة والمسألتان حاشا المسائل التي تيقن إجماعهم عليها، كالصلوات و صوم رمضان فأين الاِجماع على القول؟ (1)

* * *

4. الاستدلال بدليل العقل

استدلّ على حجّية القياس بوجوه:
1. إنّه سبحانه ما شرع حكماً إلاّ لمصلحة، وأنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من وراء تشريع الاَحكام، فإذا تساوت الواقعة المسكوتُ عنها، بالواقعة المنصوص عليها، في علّة الحكم التي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تساويها في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتّفق وعدل اللّه وحكمته أن يحرّم الخمر لاِسكارها محافظة على عقول عباده ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصّية الخمر وهي الاِسكار، لاَنّ مآلها المحافظة على العقول من مسكر وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر. (2)

ولا يخفى ما في كلامه من المغالطة، فإنّ الكبرى وهي أنّ أحكام الشرع


1. إبطال القياس:19.
2. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 34 ـ 35.

(245)

تابعة للمصالح والمفاسد أمر مسلّم، إنّما الكلام في الوقوف على مناط الحكم وعلّته، وأمّا ما مثّله من قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لاَنّا نعلم علماً قطعياً واضحاً بأنّ مناط التحريم هو الاِسكار، ولاَجل ذلك جاءت في روايات أئمّة أهل البيت: حرّم اللّه عزّ وجلّ الخمر بعينها وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شارب فأجاز اللّه له ذلك (1) وإنّما الكلام في أنّ الظنّ بالعلّة هل يغني عن مُرّ الحق شيئاً؟ وهل المظنون كونه علّة يكون علّة حقيقة أو أنّهناك احتمالات أُخرى قد مضى بيانها عند بيان استنباط العلّة؟
2. إنّ نصوص القرآن والسنّة محدودة ومتناهية، ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدود ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها مصادر تشريعية لما لا يتناهى.

وبعبارة أُخرى القياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث ويوفّق بين التشريع والمصالح. (2)

ولنا وقفة قصيرة مع هذا الدليل:

أوّلاً: أنّ عدم إيفاء النصوص عند أهل السنّة بالاِجابة على جميع الاَسئلة المتكثّرة، لا يكون دليلاً على حجّية القياس، فربّما تكون الحجّة غيره، إذ غاية ما في الباب أنّ عدم الوفاء يكون دليلاً على أنّ الشارع قد أحلّ العقدة بطريق ما، وأمّا أنّ هذا الطريق هو القياس، فلا يكون دليلاً عليه.

وثانياً: أنّ المستدلّ اتّخذ المدّعى دليلاً وقال: والقياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقايع المتجدّدة، مع أنّ الكلام في أنّ القياس هل هو


1. الكافي: 1|266.
2. مصادر التشريع الاِسلامي: 35، وانظر: المنخول من تعليقات الاَُصول: 359 و 327.

(246)

مصدر تشريعيّ حتى نأخذ به في مسايرته مع الوقائع المتجدّدة أو لا ؟ ومجرد كونه يساير الاَحداث لا يكون دليلاً على كونه حجّة.
3. القياس يفيد الظنّ بالحكم وهو يلازم الظنّ بالضرر فيجب دفعه.

قال الرازي: إنّ من ظنّ أنّ الحكم في الاَصل معلّل بكذا وعلم أو ظنّ حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظنّ بأنّ حكم الفرع مثل حكم الاَصل ومعه علم يقيني بأنّ مخالفة حكم اللّه تعالى سبب العقاب فتولد من ذلك الظن، وهذا العلم، ترك العمل به سبب للعقاب فثبت أنّ القياس يفيد ظن الضرر. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي خلط بين القاعدتين العقليتين المحكمتين:
1. قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
2. وجوب دفع الضرر المظنون بل المحتمل.

أمّا القاعدة الاَُولى فهي قاعدة محكمة دلّ العقل والنقل على صحّتها أمّا العقل فواضح سواء أقلنا بالتحسين والتقبيح العقليين أم لم نقل فانّ استقلال العقل بالقبح في خصوص المقام شيء لا ينكر و أمّا النقل فيكفي قوله سبحانه:"وَما كُنّا مُعذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (2)

فإذا لم يرد في واقعة دليل شرعي على الحرمة أو الوجوب يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا ارتكب حتى ولو ظن بأحد الحكمين وذلك إمّا لاَنَّه لا يكون هناك ظنّ بالضرر أو يكون ظنّ به لكن لا يكون مثله واجب الاجتناب.

توضيحه: أنّه لو أُريد من الضرر ، الضرر الاَُخروي فهو مقطوع الانتفاء


1. الرازي: المحصول:2|288.
2. الاِسراء: 15.

(247)

بحكم تقبيح العقل مثل ذلك العقاب وتأييد الشرع ففي مثل ذلك المورد لا يكون الظن بالحرمة أو الوجوب، ملازماً للظن بالضرر أبداً لعدم تمامية الحجّة على المكلّف.

ولو أُريد من الضرر، الضرر الدنيوي فهو وإن كان ملازماً للظنِّ بالحكم غالباً نظراً إلى تبعية الاَحكام للمصالح والمفاسد، لكنّه ليس بواجب الدفع إلاّ إذا كان ضرراً عظيماً لا يتحمل ففي مثله يستقل العقل بدفعه.

وحصيلة الكلام: انّ القياس لما لم تثبت حجّيته فالظن بالحكم لاَجله، لا يلازم الظن بالضرر الاَُخرويّ أبداً وأمّا الضرر الدنيوي فهو وإن كان يلازمه لكنّه غير واجب الدفع غالباً إلاّ ما ذكرناه.

فخرجنا بتلك النتيجة: انّ الظن الحاصل بالحكم لاَجل القياس الذي لم تثبت حجّيته لا يكون ملازماً للظن بالعقوبة ولا يكون داخلاً في قاعدة «لزوم دفع الضرر المظنون».

وأمّا القاعدة الثانية التي زعم الرازي انّ المقام من مصاديقها وجزئياتها فموردها ما إذا قام الدليل على الحكم الكلي، وعلى وجود الموضوع له، فعندئذٍ يجب دفع الضرر بصوره الثلاث:

ألف. تارة يكون الضرر (العقاب) مقطوعاً كما إذا علم بأنّ الخمر حرام وانّ هذا المائع خمر.

ب. وأُخرى يكون الضرر مظنوناً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام و علم أنّ أحد الاناءين خمر، فشرب أحدهما ـ لا كليهما ـ مظنة للضرر الاَُخروي.

ج. وثالثة يكون الضرر (العقاب) مشكوكاً، كما إذا تردد الخمر بين أوان عشرة فشرب أحدها، محتمل للضرر.

فالضرر الاَخروي بتمام صوره واجب الدفع للعلم بالكبرى، أعني: الحكم


(248)

الكلي، والعلم بالموضوع معيناً أو مردداً بين إناءين أو أواني كثيرة.

فاللازم على الفقيه تنقيح مصاديق القاعدتين حتى لا يخلط مواردهما، كما خلط الرازي.

القياس في كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام):

1. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن أبيه - عليه السّلام - انّعلياً - عليه السّلام - قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس».
2. كتب الاِمام الصادق - عليه السّلام - في رسالة إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها وتعاهدها والعمل بها، وقد جاء فيها: «لم يكن لاَحد بعد محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه، ثمّ قال: واتبعوا آثار رسول اللّه وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلوا».
3. روى سماعة بن مهران عن أبي الحسن - عليه السّلام - : «ما لكم و للقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس».
4. دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، فقال له: «يا أبا حنيفة بلغني انّك تقيس؟» قال: نعم، قال: «لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس».
5. عن أبي بصير قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنته فننظر فيها؟ فقال: «لا، أما إنّك إن أصبت لم توَجر، وإن أخطأت كذبت على اللّه».
6. عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لاَبي الحسن الاَوّل - عليه السّلام - : بما أوحّد اللّه؟ فقال: «يا يونس لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضل، ومن ترك كتاب اللّه وقول نبيّه كفر».


(249)

7. عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: «من شك أو ظنّ فأقام على أحدهما فقط حبط عمله، انّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة».
8. عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «انّ السنّة لا تقاس، ألا ترى انّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنة إذا قيست محق الدين».
9. عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السّلام - عن القياس، فقال: «وما لكم وللقياس، إنّ اللّه لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم».
10. عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس».
11. عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام - بمنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له فلما جلس قال: إنّي أُريد أن اقايسك، فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «ليس في دين اللّه قياس».
12. عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي - عليه السّلام - : «يا زرارة إيّاك وأصحاب القياس في الدين، فانّهم تركوا علم ما وكلوا به وتكلفوا ما قد كفوه، يتأولون الاَخبار، ويكذبون على اللّه عزّ وجلّ، وكأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيروا في الاَرض والدين».
13. عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «لعن اللّه أصحاب القياس، فإنّهم غيّـروا كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اتّهموا الصادقين في دين اللّه». (1)


1. راجع الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

(250)

القياس في كلمات الصحابة والتابعين

إنّ لفيفاً من الصحابة والتابعين ممن يوَخذ عنهم العلم قد خالفوا القياس بحماس وندّدوا به، وإليك نزراًمن كلماتهم ليعلم أنّ القياس لم يكن أمراً متفقاً عليه بين أوساط الصحابة والتابعين:
1. عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذّراً، فبعث اللّه نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأنزل كتابه وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهوحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.
2. عن الشعبي عن مسروق عن عبد اللّه بن مسعود انّه قال: ليس عام إلاّ والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهب خياركم وعلماوَكم، ثمّ يحدث قوم يقيسون الاَُمور برأيهم فينهدم الاِسلام و ينثلم.
3. عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنّك من فقهاء البصرة وستستفتى، فلا تفتينَّ إلاّبكتاب ناطق أو سنّة ماضية.
4. عن زيد بن عميرة عن معاذ بن جبل، قال: تكون فتن يكثر فيها الملل ويفتح فيها القرآن حتى يقروَه الرجل والمرأة والصغير والكبير والموَمن والمنافق، فيقروَه الرجل فلا يتبع، فيقول :واللّه لاَقرأنّه علانية، فيقروَه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب اللّه ولا من سنة رسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فإيّاكم وإياه، فإنّها بدعة ضلالة، قالها ثلاث مرات.

هذا وقد ذكر ابن حزم أحاديث أُخرى على لسان الصحابة في ذم القياس أعرضنا عنها خوفاً من الاِطالة، ونقتصر على سرد أسمائهم.


(251)

أبو هريرة، سمرة بن جندب، عبد اللّه بن أبي أوفى، ومعاوية. (1)

وكذلك صرح أئمة التابعين على ذم القياس واستنكاره والنهي عنه.
1. عن داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: القياس شوَم وأوّل من قاس إبليس فهلك، وإنّما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس.
2. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي انّ شريحاً القاضي قال: إنّ السنة سبقت قياسكم.
3. عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي، قال: السنّة لم توضع بالقياس.
4. وعن عامر الشعبي أيضاً: إنّما هلكتم حيث تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.
5. عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: لا أقيس شيئاً بشيء قيل: لمَ ؟ قال: أخشى أن تزل رجلي.

وكان يقول إيّاكم والقياس والرأي، فانّ الرأي قد يزل.

إلى غير ذلك من الروايات التي يطول بذكرها الكلام، ونكتفي هنا بسرد أسماء التابعين الذين نالوا من القياس:

إياس بن معاوية، مالك بن أنس، وكيع بن الجراح، حماد بن أبي حنيفة، ابن شبرمة، مطر الوراق، عطاء بن أبي رباح، أبو سلمة بن عبد الرحمن. (2)

وبعد نقل هذه الطائفة الكبيرة من الاَحاديث من قبل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)


1. أُنظر الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم:6|508، 511؛ اعلام الموقعين عن ربّ العالمين لابن قيم الجوزية:1|240ـ242، طبعة دار الكتاب العربي.
2. أُنظر الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم: 6|511 ـ 514؛ اعلام الموقعين لابن قيم الجوزية: 1|243ـ 246؛ العدّة للشيخ الطوسي: 2|688ـ 690.

(252)

والصحابة والتابعين كيف يُدعى انّ الاِجماع قام على صحّة القياس ولم يخالفه أحد، بل انّ الاِجماع قام على نفي القياس.

وهذا يدل على أنّ هذا العنصر قد دخل حيّز التشريع الاِسلامي بموافقة بعض ومخالفة البعض الآخر له، وانّادّعاء الاِجماع في مثل هذه المسألة أمر لا يليق بمن تتبع كلمات الفقهاء في هذا الصدد، وقد نقل ابن القيم كلمات الموافقين كما نقل كلمات المخالفين للقياس، وإن كان في كثير من المباحث عيالاً على كتاب الاِحكام لابن حزم الاَندلسيّ.

Website Security Test