welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

(177)

الثمرات الفقهية للتحسين والتقبيح العقليين

قد مضى انّ مصدرية العقل للتشريع خاص في إطار التحسين والتقبيح العقليين، فالفقيه ربما يتخذ الحكم العقلي ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي، ونستعرض نماذج منها:
1. البراءة من الوجوب و التحريم:

يدرك العقل قبح العقاب بلا بيان، فلو شك في وجوب واقعة أو حرمتها، ولم نعثر على دليل في الكتاب والسنّة يدل على وجوبه أو حرمته، فالعقل يستقل بعدمهما لقبح العقاب بلا بيان.

ويتضح بذلك انّ أصل البراءة من الاَُصول الاَساسية الناتجة من حكم العقل واستقلاله على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
2. الاشتغال عند الشكّ في المكلّف به:

كما أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، يحكم أيضاً بحسنه فيها إذا علم التكليف و تردّد المكلّف به بين شيئين أو أشياء، قائلاً: بأنّالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وهي لا تحصل إلاّ بالاِتيان بالجميع عند تردد الواجب بين شيئين، أو ترك الجميع عند تردّد الحرام بينهما فتصبح البراءة والاشتغال من ثمرات تلك المسألة.
3. الاِتيان بالمأمور به مسقط للاَمر:

إنّ الاِتيان بالمأمور به بالاَمر الواقعي الاَوّلي أو الثانوي أو الظاهري مجز عن الاِتيان به ثانياً لاستقلال العقل بقبح بقاء الاَمر مع الاِتيان بالمأمور به بأجزائه و شرائطه، ولولا القول بالحسن والقبح والملازمة بين حكمي العقل والشرع، لما


(178)

استكشفنا كونه مجزياً عند الشارع.
4. جواز اجتماع الاَمر والنهي وعدم جوازه إذا كان هناك عنوانان، ومرجع النزاع لدى المشهور إلى الصغرى و انّه هل هو من مصاديق الاجتماع أو لا ؟وأمّا حكمها أي الكبرى فمعلوم، لاَجل قبح التكليف بغير المقدور.
5.الاحتجاج بالقيد في باب المفاهيم إذا أحرز انّه علّة منحصرة للحكم ضرورة عدم المعلول عند عدم علّته.

الثمرات الفقهية للقول بالملازمة

يترتب على القول بالملازمة بين حكمي العقل و الشرع ثمرات فقهية نشير إلى بعضها:
1. وجوب المقدّمة عند وجوب ذيها على القول بالملازمة بين الوجوبين.
2. حرمة ضدّ الواجب على القول بالملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه.
3. فساد العبادة إذا تعلّق بها النهي.
4. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بأجزائها أو شرائطها أو أوصافها.
5. فساد المعاملة إذا تعلق النهي بالتصرف في الثمن أو المثمن للملازمة بين مثل هذا النهي وفسادها.

الثمرات الفقهية المترتبة على إدراك المصالح والمفاسد العامتين

المصالح والمفاسد النوعيتان اللّتان يستوي فيهما كافة العقلاء كاستعمال المخدرات فقد عرفت أنّه يمكن أن يقع ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، ويحصل منه القطع بأنّ الحكم عند الشرع نفس الحكم عند العقل.


(179)

نعم إدراك المصالح والمفاسد ومناطات الاَحكام بالسبر والتقسيم فهو أمر مرغوب عنه و إن حصل القطع، فالقطع حجّة للقاطع لا لغيره، وليس حجّة على الغير فلا يكون حجّة على المقلد لاستناده في استنباط الحكم الشرعي على مصدر غير صالح، وسيوافيك توضيحه في فصل خاص.

وفي الختام ننقل كلام المحقّق السيد علي القزويني في تعليقته على القوانين، قال معلّقاً على قول المحقّق القمي: «ومنها ما يحكم به بواسطة خطاب الشرع، كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته، كحكمه بوجوب المقدمة بملاحظة الخطاب بذي المقدمة، وبحرمة الضد بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلاّ يلغوا التعليق و ذكر القيد، و يسمى الاستلزامات العقلية، لحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء، وجوب مقدماته، واستلزام الاَمر بالشيء لحرمة ضدّه، واستلزام الوجود عند الوجود، الانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجةفي الاستلزامات». (1)

وبذلك يعلم أنّ فقه الشيعة قائم على حجّية العقل القطعي الذي لا يشوبه شك، وهو منحصر بباب التحسين والتقبيح العقليين أو الملازمات القطعيّة أو المصالح والمفاسد النوعيتين الواضحتين.

وأمّا العمل بالقياس والاستحسان والمصالح والمفاسد المستنبطة بالعقل، فهو عمل بالعقل الظنّي ولا يركن إليه ولا يصح نسبة نتائج هذه الاَدلّة إلى اللّه سبحانه.

إلى هنا فرغنا من أدلّة الفقه وتبيّن أنّها ترجع إلى أُمور أربعة: الكتاب،


1. القوانين: 2|1.

(180)

والسنّة، والاِجماع في مظان خاصة، والعقل القطعي الذي لا يشوبه شك.وتبيّن حدّ الاختلاف بين الفريقين في كيفية حجّية الاِجماع.

بقي الكلام في الاَُصول العملية ـ كما اصطلح عليها فقهاء الشيعة ـ وهي تستمد من الاَدلّة الاَربعة، وإليك البيان:

الاَُصول العملية

الاَدلّة الشرعية التي يتمسّك بها المستنبط على قسمين:

ألف: أدلّة اجتهادية.

ب. أُصول عملية.

وهذا التقسيم من خصائص الفقه الشيعي، وأمّا الفرق بينهما فهو:

إنّ الدليل قد يكون طريقاً إلى الحكم الشرعي إمّا طريقاً قطعياً، كالخبر المتواتر؛ أو طريقاً مورثاًللاطمئنان، كالخبر المستفيض، وخبر الثقة، وهذا ما يسمّى بالدليل الاجتهادي أو الاَمارات الشرعية.

وأمّا إذا قصرت يد المجتهد عن الدليل الشرعي الموصل إلى الواقع، وصار شاكاً متحيراً في حكم الواقعة، فعند ذلك عالج الشارع تحيّـر المجتهد بوضع قواعد لها جذور بين العقلاء، وهذا ما يسمّى بالاَُصول العملية، أو الدليل الفقاهي، وهي بين أُصول خاصة بباب، أو عامة شاملة لجميع أبواب الفقه، فمن القسم الاَوّل القواعد التالية:
1. قاعدة الطهارة: كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر.
2. أصالة الحلية: كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام.
3. أصالة الصحّة في فعل الغير.


(181)

4. قاعدة التجاوز والفراغ عند الشك في صحّة العمل بعد التجاوز عن محله.

ومن القسم الثاني الاَُصول التالية:

1. أصالة البراءة

إذا شكّ في وجوب شيء أوحرمته بعد الفحص عن مظانّه ولم يقف على ما دلّ على وجوبه أو على حرمته، فالعقل والشرع يحكمان بعدم صحّة العقاب على مخالفته، وهذا ما يعبر عنه بالبراءة العقلية أو الشرعية.

أمّا العقلية فلاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان كما عرفت.

وأمّا الشرعية فلقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطاء والنسيان وما أُكرهوا عليه ومالا يعلمون ومالا يطيقون وما اضطروا إليه...». (1)

2. أصالة الاشتغال

إذا علم بوجوب شيء مردّد بين أمرين أو حرمته كذلك، فالعقل يستقل بالاشتغال والاحتياط بمعنى الاِتيان بهما أو ترك كليهما، لاَنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة القطعية، فقد تضافر العقل والنقل على الاحتياط.

أمّا العقل، فلما عرفت من استقلاله على لزوم تحصيل البراءة بعد الاشتغال اليقيني.

وأمّا الشرع، فلما ورد في غير واحد من الروايات في أنّ المبتلى بإناءين مشتبهين إذا علم بنجاسة أحدهما يهريقهما و يتيمم. (2)


1. الصدوق: الخصال: 417، باب التسعة، الحديث 9.
2. الوسائل: الجزء 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 82.

(182)

3. أصالة التخيير

إذا دار حكم الشيء بين الوجوب والحرمة؛ فبما أنّ التحصيل اليقيني أمر محال، فهو يتخير بين الاَخذ بأحد الحكمين إذا لم يكن أحدهما أهم من الآخر، وهذا ما يعبر عنه بأصالة التخيير.

4. الاستصحاب

إذا تيقن بوجوب شيء، أو حرمته، أو طهارته، أو نجاسته، ثمّعرض له الشك في بقاء المتيقن السابق فيحكم بالبقاء وهو أصل عقلائي إجمالاً أمضاه الشارع وتضافرت روايات عن أئمّة أهل البيت على حرمة نقض اليقين بالشك.

فهذه هي الاَُصول العملية الاَربعة المستمدة حكمها من العقل والشرع.

فظهر انّ الاَُصول على قسمين، إمّا خاصة ببعض الاَبواب، أو عامة شاملة لجميع أبواب الفقه.

وبما ذكرنا من أنّ الاَُصول العملية الخاصة أو العامة تستمد حكمها من الكتاب أو السنة أو العقل، فهي ليست من مصادر التشريع برأسها، وإنّما ترجع إلى المنابع الثلاثة الاَُولى؛ ولولا دلالة المنابع على حجيتها لما صح التمسك بها وإن كانت أعمالها بعد اليأس عن العثور على حكم الشرع من الاَدلة الاجتهادية خلافاً لما يتراءى من أهل السنّة، حيث جعلوا البراءة أو الاستصحاب في عرض الكتاب و السنّة، كما جعلوا القياس أيضاً كذلك.

إلى هنا تمّ بيان مصادر التشريع المتفق عليها بين الفريقين.

نعم ينفرد أهل السنّة بالقول بمصادر ومنابع للتشريع تختص بهم ولا تعترف بها الشيعة على الاِطلاق، ولو انّها اعترفت ببعضها، فإنّما ترجعه إلى المصادر الاَربعة، وحيث إنّها تختص بأهل السنّة خاصة، فنجعلها في فصل خاص و نتناولها بالبحث بعد بيان موضع العرف والسيرة في الفقه الاِسلامي.


(183)

خاتمة المطاف

العرف و السيرة

إنّ العرف له دور في مجال الاستنباط أوّلاً، وفصل الخصومات ثانياً، حتى قيل في حقّه: «العادة شريعة محكمة»، أو «الثابت بالعرف كالثابت بالنص» (1) ولابدّ للفقيه من تحديد دوره و تبيين مكانته حتى يتبين مدى صدق القولين.

أقول: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه، من فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا عليه، ولا شكّ انّ العرف هو المرجع في منطقة الفراغ، أي إذا لم يكن هناك نص من الشارع على شيءعلى تفصيل سيوافيك وإلاّ فالعرف سواء أوافقه أم خالفه ساقط عن الاعتبار.

وعلى ذلك فتتلخص مرجعية العرف في الاَُمور التالية:

الاَمر الاَوّل: استكشاف الجواز وضعاً وتكليفاً

يستكشف الحكم من السيرة بشرطين:
1. أن لا تصادم النص الشرعي.
2. أن تكون متصلة بعصر المعصوم.

توضيحه: قد يطلق العرف و يراد به ما يتعارف بين المسلمين من دون أن


1. رسائل ابن عابدين: 2|113، في رسالة نشر العرف التي فرغ منها عام 1243هـ.

(184)

يدعمه دليل من الكتاب و السنّة، وهذا ما نلاحظه في الاَمثلة التالية:
1. العقود المعاطاتية من البيع والاِجارة والرهن وغيرها.
2. وقف الاَشجار والاَبنية من دون وقف العقار.
3. دخول الحمام من دون تقدير مدة المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة معيّنة من دون أن يعيّـن حد المسافة. إلى غير ذلك من السير المستمرة بين المسلمين. والتمسك بالسيرة واستكشاف حكم الموضوع رهن اتّصالها إلى عصر المعصوم وسكوته عنها.

والكلام الحاسم في السيرة، هي أنّـها على قسمين:

تارة تصادم الكتاب والسنّة و تعارضهما، كاختلاط النساء بالرجال في الاَفراح والاَعراس وشرب المسكرات فيها، وكاشتراط المرتهن الانتفاع من العين المرهونة، أو اشتراط ربّ المال في المضاربة قدراً معيناً من الربح لا بالنسبة، فلا شكّ انّ هذه السير باطلة لا يرتضيها الاِسلام ولا يحتج بها إلاّ الجاهل.

وأُخرى لا تصادم الدليل الشرعي وفي الوقت نفسه لا يدعمها الدليل، فهذا النوع من السيرة إن اتصلت بزمان المعصوم و كانت بمرأى ومسمع منه ومع ذلك سكت عنها تكون حجّة على الاَجيال الآتية كما في الاَمثلة المتقدّمة.

وبذلك يعلم أنّ السير الحادثة بين المسلمين ـ بعد رحيل المعصوم ـ لا يصح الاحتجاج بها و إن راجت بينهم كالاَمثلة التالية:
1. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة العصرية، فموافقة العرف له ليس دليلاً على مشروعيته، بل يجب التماس دليل آخر عليه.
2. عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء


(185)

والهاتف والماء وغير ذلك التي تعد من متطلّبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون دليلاً على جوازها، فلابدّ من طلب دليل آخر.
3. بيع السرقفلية: قد شاع بين الناس انّ المستأجر إذا استأجر مكاناً ومكث فيه مدّة فيصبح له حق الاَولوية وربما يأخذ في مقابله شيئاً باسم «السرقفلية» حين التخلية.
4. عقود الشركات التجارية الرائجة في عصرنا هذا، ولكل منها تعريف يخصها، ولم يكن لها أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسَّة إلى دليل آخر وراء العرف.فإن دلّ عليها دليل شرعي يوَخذ به وإلاّ فلا يحتج بالعرف.

الاَمر الثاني: الرجوع إلى العرف في تبيين المفاهيم

1. إذا وقع البيع والاِجارة وما شابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّشكّ في مدخلية شيء أو مانعيته في صدق الموضوع شرعاً، فالصدق العرفي دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.

إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره و كمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات إذ يكون تركه إغراءً بالجهل وهو لا يجوز.

يقول الشيخ الاَنصاري في نهاية تعريف البيع: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصح


(186)

لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّ ما خرج بالدليل.
2. لو افترضنا الاِجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في صدقهما إلى العرف.

قال المحقّق الاَردبيلي: قد تقرّر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من رد الناس إلى عرفهم. (1)

3. لو افترضنا الاِجمال في حدّ الغناء فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى الغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.

يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الاَلفاظ الواردة في الاَخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، ومالم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الاَُصول. (2)

يقول الاِمام الخميني (رحمه الله): أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيح لا محيص عنه إذا كان الموضوع مأخوذاً في دليل لفظي أو معقد الاِجماع. (3)

الاَمر الثالث: الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

لقد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً لاَحكام، ولكن ربما


1. مجمع الفائدة والبرهان: 8|304.
2. مفتاح الكرامة: 4|229.
3. الاِمام الخميني: البيع: 1|331.

(187)

يعرض الاِجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً لها أو لا .

وهذا كالوطن والصعيد وا لمفازة والمعدن والحرز في السرقة والاَرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.

يقول المحقّق الاَردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الاَُمور المطلقة غير المعينة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الاَمثلة تأملاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب وهو ظاهر. (1)

الاَمر الرابع: الاَعراف الخاصة هي المرجع في الاِفتاء والقضاء

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم يتعاملون في إطارها ويتفقون على ضوئها في كافة العقود والاِيقاعات، فهذه الاَعراف تكوّن قرينة حالية لحل كثير من الاِجمالات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع ليس هو اللغة بل إلى ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين وهو اللحم الاَحمر دون اللحم الاَبيض كلحم السمك.
3. إذا أوصى الوالد بشيء لولده، فالمرجع في تفسير الولد هو العرف ولا


1. مجمع الفائدة والبرهان: 10|279ـ280.

(188)

يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الاَُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاَُنْثَيَيْن" . (1)

4. إذا اختلفت البلدان في بيع شيء بالكيل أو الوزن أو بالعدِّ، فالمتبع هو العرف الرائج في بلد البيع.

قال المحقّق الاَردبيلي: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لاَهله وإن كان في بلد غيره. (2)

5. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.

وقد روي عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذٍ بمكة ـ لاَخبروك انّ الجهاز والمتاع يُـهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البينة». (3)

6. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم


1. النساء: 11.
2.مجمع الفائدة والبرهان: 8|477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.
3.الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الاَزواج، الحديث1.

(189)

يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكرا يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

إمضاء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لبعض الاَعراف

إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمضى بعض الاَعراف الموجودة بين العرب كما أمضى ما سنّه عبد المطلب من السنن، ولكن كان الجميع بإذن منه سبحانه، فلو وضع الدية على العاقلة، أو جعل دية الاِنسان مائة من الاِبل وغير ذلك، فقد كان بأمر من اللّه سبحانه، كيف وقد أوحى إليه قوله سبحانه:

"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ*... فَأُولئِكَ هُمُ الظالِمُون*... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون" . (1)

تفسير خاطىَ

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: إنّ الرسول لمّا وجد عرف أهل المدينة جارياً على بيع السلم وعلى بيع العرايا وأصبح هذان النوعان من البيوع التي لا يستغني عنهما المتعاملون أباحهما، فرخّص في السلم ورخّص في العرايا مع أنّ كلاً منهما حسب الاَحكام الشرعية عقد غير صحيح، لاَنّ السلم بيع مبيع غير موجود وقت البيع بثمن حالّ فهو عقد على معدوم، وقد نهى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن بيع المعدوم.


1. المائدة: 44و45و47.

(190)

والعرايا: عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين، وقد نهى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً، ولكن ضرورات الناس دعتهم إلى هذا النوع من التعامل وجرى عرفهم به، فراعى الرسول ضرورتهم وعرفهم ورخّص فيه. (1)

أقول: من أين وقف الاَُستاذ على أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن بيع المعدوم مع أنّالوارد هو قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ولا بيع ما ليس عندك». (2)

وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ناظر إلى بيع العين الشخصية التي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه ومثله لا يشمل بيع السلم فهو على وفق القاعدة، لا على خلافها حتى يحتاج إلى الترخيص.

نعم أطبق العقلاء على عدم اعتبار بيع المعدوم إلاّ إذا كان للبائع ذمة معتبرة تجلب اعتماد الغير، وكان بيع السلف أمراً رائجاً بين العقلاء إلى يومنا هذا غير انّ الشارع جعلها في إطار خاص.

قال ابن عباس: قدم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». (3)

وأمّا بيع العرايا فلا مانع من أن يكون تخصيصاً لما نهى بيع الرطب بالجاف. (4) وقد قيل: ما من عام إلاّ وقد خص.


1. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 146.
2. بلوغ المرام: برقم 820، قال ورواه الخمسة.
3. ابن حجر: بلوغ المرام: برقم874.
4. روى سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر إذا يبس، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. (بلوغ المرام: برقم 865) .

(191)

ولو افترضنا انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رخص هذه البيوع من باب الضرورة يجب الاقتصار على وجودها.

نعم لمّا كان النبي واقفاً على مصالح الاَحكام ومفاسدها وملاكاتها ومناطاتها، وكانت الاَحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها، كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينص على أحكامه عن طريق الوقوف على عللها وملاكاتها ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على مناطاتها بأقصر من الطرق الاَُخرى التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه.


(192)



(193)

الفصل الثاني

مصادر التشريع

المعتبرة عند أهل السنة

يلزم على المجتهد أن يعتمد في فتياه على دليل أمضاه الشارع لكي تصح له نسبة الحكم إليه، وقد مضى أنّ الكتاب والسنّة والاِجماع والعقل من مصادر التشريع المشتركة بين الفريقين على اختلاف بينهم في بعض الموارد.

بقي الكلام هنا في المصادر التي انفرد بها أهل السنّة عند إعواز النصوص، وهي كالتالي:
1. القياس.
2. الاستحسان.
3. المصالح المرسلة (الاستصلاح) .
4. سد الذرائع.
5. الحيل (فتح الذرائع) .
6. قول الصحابي.
7. اتّفاق أهل المدينة.
8. اجماع العترة (انفرد به الطوفي).


(194)

ما ذكرنا من المصادر هي المعروفة بين فقهاء المذاهب الاَربعة وإن كان بينهم اختلاف في حجية بعض دون بعض، فمثلاً القياس قد اتّفقوا على حجّيته جميعاً، في حين انّ المصالح المرسلة قد انفرد بها مالك و إن نسب القول بها إلى غيره كما سيتضح فيما بعد، فنسبة هذه الاَُمور إلى أهل السنّة لا تعني انّهم يعتبرون الجميع على حد سواء، بل انّ بعضها محل خلاف بينهم.

***

وقبل أن نستعرض تلك الاَُمور نذكر الضابطة الكلية في حجّية مشكوك الحجّية بمعنى انّا إذا شككنا في حجّية شيء في مقام الاستنباط كالاستحسان، فما هي الضابطة الكلية التي نتخذها في تلك الموارد بحيث لو لم نعثر على دليل خاص على اعتبار الاستحسان مثلاً نتمسك بهذه الضابطة.

الشكّ في الحجّية يساوق عدم الحجّية

إذا شككنا في حجّية شيء من هذه الاَُمور أو غيرها، فالاَصل الاَوّلي يستدعي عدم حجّيته إلاّإذا ثبتت بالدليل القاطع حجّيته، لاَنّ التعبد بشيء مشكوك الحجّية داخل في البدع المحرمة، وليست هي إلاّإدخال ما لم يعلم من الدين فيه، فمادام الاَمر كذلك والمجتهد شاك في حجّيته، فلو أفتى به فقد ابتدع إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.

ومن هنا يظهر انّ نافي حجّية واحد من تلك الاَُمور في فسحة من الاَمر، إذ يكفيه الشكّ في الحجّية بدل أن يقيم الدليل على عدم الحجّية وإنّما تجب إقامة الدليل على من يعتمد عليه في مقام الاستنباط، فإذا أدعمه دليل قطعي يخرج عن دائرة البدعة ويكون من السنّة، فمثلاً انّ الاعتماد على خبر الواحد المورث للظن بدعة مالم يقم دليل قاطع على حجّيته، فإذا قام الدليل يخرج عن إطار البدعة


(195)

ويكون من السنّة.

وهكذا الحال في سائر الاَُمور، وهذا هو الاَصل المتبع في المقام الذي يدعمه القرآن والعقل.

قال سبحانه: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ ءاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ" . (1)

دلّت الآية بظاهرها على أنّ إسناد ما لم يأذن به اللّه ـ هو في الواقع ـ افتراء على اللّه ورسوله، فالعمل بالاستحسان واسناد مضمون كلامه إلى الاِسلام والشريعة ثمّ إلى اللّه سبحانه والتمسك به، لا يخلو من حالات ثلاث:

أ. إمّا صدور إذن من اللّه سبحانه في العمل بالاستحسان.

ب. أو صدر النهي عن ذلك.

ج. أو الشك في الاِذن وعدمه.

فالصورة الاَُولى خارجة عن مفاد الآية وبقيت الاَُخريان من مصاديقها، فيكون العمل بالاستحسان واسناد مضمون قوله إلى الشريعة افتراء على اللّه إلاّ إذا كان دليل حاكم على الحجّية.

وهذا الاَصل سائد على كلّ الحجج المشكوكة، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاَخذ باتفاق أهل المدينة وغير ذلك.

فالاحتجاج بهذه الاَُمور واسناد مضمونها إلى اللّه وجعلها حكماً شرعياً يعد افتراءً، إلاّ إذا قام دليل قاطع على أنّ الشارع قد اهتم بها وجعلها حجة.

يقول سبحانه: "وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" . (2)


1. يونس: 59.
2. الاَعراف: 28.

(196)

وملاك الحرمة هو التقوّل بمالا يعلم كونه من اللّه سواء أكان في الواقع إذن من اللّه سبحانه أم لا ؟

فهذه الآية ونظائرها تفرض على المجتهد أن يعتمدفي استنباط الاَحكام، على أمر قام دليل قاطع على حجّيته وإن كان ذلك الاَمر في حدّ نفسه ظنّياً، لكن صار حجّة في ظلِّ الدليل القطعي كالسنّة المحكيّة بقول الثقة، وعلى هذا فلو شكّ في الحجّية أو ظن بها يكون عمله افتراءً على اللّه أو تقوّلاً عليه سبحانه بغير علم.

هذا اجمال الكلام وسيوافيك تفصيله في الاَمر العاشر (1) فانتظر .

ولنذكر في المقام أمرين، ثمّ نأخذ كلّ واحد من تلك الاَُمور بالبحث والنقاش.

الاَمر الاَوّل: انّ الكلام في حجّية تلك الاَُمور فيما إذا لم يكن فيها نص قرآني وسنّة معتبرة، ومن المعلوم انّه لا اجتهاد مع النص، ولا يحق لاَحد التقدم على اللّه ورسوله، قال تعالى: "يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّه وَ رَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (2) فما ربما يعزى إلى أبي حنيفة من أنّه كان يقدّم القياس على السنّة، فإنّما هو فيما إذا لم تكن السنّة واجدة لشرائط الحجّية، وإلاّ فمع ثبوتها لا يحق لاَحد أن يقدّم رأيه على رأي اللّه ورسوله.

الاَمر الثاني: انّ الداعي إلى اعتبار هذه المقاييس الظنية التي لم يقم على أكثرها دليل قاطع، هي قلّة النصوص في مجال الفقه، فإنّآيات الاَحكام آيات محدودة، وقسم منها مجملات صدرت لبيان أصل الحكم لا تفاصيله.

وأمّا السنّة فقد بلغ عدد الاَحاديث المروية في الاَحكام ما يناهز 1596 حديثاً.


1. لاحظ ص 217 من هذا الجزء.
2. الحجرات: 1.

(197)

وهذا بعد جهد كبير بذله ابن حجر في العثور على النصوص الفقهية بيد انّ قسماً منها أشبه بأحاديث أخلاقية كقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الحياء من الاِيمان» و كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من ردّ عن عرض أخيه بالغيب رد اللّه عن وجهه النار يوم القيامة» (1) وأمثال ذلك.

ولاَجل ذلك أنهاها صاحب المنار إلى خمسمائة حديث، وهذا المقدار من النصوص لا يشيّد صرح هيكل فقهي له قابلية على إغناء المجتمع الاِسلامي عن القوانين الوضعية، فما وجدوا حلولاً لتلك المشكلة إلاّباختراع قواعد ظنية تشبّثوا بها في استنباط الاَحكام وبذلوا جهدهم بُغية إضفاء الحجية عليها.

إذا عرفت ذلك فلنستعرض كلّ واحد من تلك الاَُمور على حدة، لنهتدي إلى موقف الشارع منها:


1. بلوغ المرام: 308، برقم 1552و1555.

(198)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
1
القياس

ارتحل النبيّ الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن الدنيا، وترك شريعة بيضاء ناصعة في أوساط المسلمين، فقاموا بنشرها بين الشعوب المختلفة، حتى واجهتهم حوادث مستجدّة، ما وجدوا فيها نصّاً في الكتاب والسنّة ولم يَقم عليها إجماع، ولا دليل عقلي قطعي فلم يجدوا بُدّاً من تحكيم العقل الظنّي وإعمال الرأي بُغية وضع الحلول لها، ففتحوا باب القياس واعتبروه أحد مصادر التشريع، وكان في الاَُمّة من يردّ تلك الفكرة و يقاومها بحماس وفي طليعتهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم عيبة علم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وقد اعتمد على القياس أئمّة المذاهب الفقهية الاَربعة بلا استثناء وإن اختلفوا في مرتبة حجّيته وتقدّم بعض الاَدلّة عليه، وهذا هو الاِمام الشافعي يقول في رسالته المعروفة: «ليس لاَحد أبداً أن يقول في شيء: حَلّ ولا حُرُمَ إلاّ من جهة العلم. وجهة العلم، الخبر في الكتاب أو السنّة أو الاِجماع أو القياس». (1)

واتّفاق أئمّة المذاهب يغنينا عن سرد كلماتهم أو كلمات أتباعهم الذين أشادوا بمذهب إمامهم؛ كأبي يوسف قاضي القضاة، ومحمد بن الحسن الشيباني


1. الشافعي: الرسالة39، ط تحقيق أحمد محمد شاكر.

(199)

من تلاميذ شيخ القياس أبي حنيفة، و المزني من الشافعية وهكذا.

نعم رفضه إمام المذهب الظاهري داود الاصفهاني، وناصر مذهبه أبو حزم وقد ألّف الاَخير رسالة في إبطال القياس ردّ فيها أدلّة مثبتي القياس، وبحث في كتابه الاِحكام، حول القياس على وجه الاِسهاب. (1)


1. الاِحكام: 7| الباب 38 في إبطال القياس في أحكام الدين، و قد خصّص الجزء السابع بالموضوع وشيئاً من الجزء الثامن مضافاً إلى الرسالة المستقلّة التي ألّفها في نفي القياس.

Website Security Test