welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

مصادر
الفقه الاِسلامي ومنابعه

تأليف

العلامة المحقق
الشيخ جعفر السبحاني

دار الاضواء
بيروت ـ لبنان


(2)



(3)



(4)



(5)

تعريف العموم

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

إنّ التشريع السماوي فيض معنوي ونعمة إلهية أنزلها سبحانه لاِسعاد البشرية وتكاملها، فجعل خيرة خلائقه محطاً لنزول هذا الفيض، فابتدأه بشيخ الاَنبياء نوح - عليه السّلام - وختمه بخاتم النبيين محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قال سبحانه: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب" (الشورى|13) .

ولم يقتصر سبحانه على تعريف أنبيائه بحقائق أحكامه ومعالم قضائه، بل أنزل معهم الكتاب حافظاً للتشريع، وصائناً له عن الزوال والاندثار، قال سبحانه:"لَقَدْأَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ" (الحديد|25) . وهكذا اقتضت العناية الاِلهية أن يكون لتلك الكتب دور هام في الحفاظ على الشريعة. كما اقتضت عنايته سبحانه تعزيز كتبه بسنن أنبيائه فعصمهم من الخطأ والزلل وجعلهم أُسوة للاَُمم في القول والعمل، وصارت سننهم ملاكاً للهداية والضلالة، فأخذوا بتبيين ما شرع اللّه إجمالاً، وغدت كلماتهم عدلاً لكتب اللّه وحجّة على


(6)

العباد، قال سبحانه: "وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتاب َإِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَومٍ يُوَمِنُون" (النحل|64) فورث المسلمون بعد رحيل خاتم النبيين محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - شريعة بيضاء تعدّ معجزة من معاجزه بحيث لو لم يكن له سواها لكفى دليلاً على أنّه مبعوث من قِبَل اللّه سبحانه.

وقد استأثر التشريع الاِسلامي باهتمام المسلمين، فأخذوا بإثارته واستنطاقه بغية تلبية حاجاتهم المستجدَّة، وبذلك ازداد التشريع الاِسلامي غنى عبر الزمان بفضل الجهود التي بذلت على هذا الصعيد.

فالتشريع الاِسلامي شجرة طيبة مترامية الاَغصان توَتي أُكلها كل حينٍ بإذن ربّها، فأغنت الاَُمة الاِسلامية عن أيّ تشريع سواه، وعن أي تطفّل على القوانين الوضعية.

وعلى الباحث في هذا المضمار الوقوف على المسار التكاملي للفقه والعناصر التي أغدقت عليه ثراءً وعطاءً من خلال التعرّف على أمرين:

أوّلاً: الوقوف على تاريخ الفقه ومنابعه وأدواره، وأنّه كيف نما ونضج على مرِّ الزمان؟ وكيف لبّى حاجة المجتمع على اختلاف ظروفه وشرائطه وأروى المسلمين من نميره العذب؟ وهذه المعرفة تسدي له نضوجاً في الفكر وعمقاً في النظر.

ثانياً: الوقوف على روّاد هذا العلم الذين ساهموا مساهمة فعالة في تشييد معالمه، وبناء أركانه، وما بذلوه من جهود حثيثة هادفة إلى رفع هذا الصرح الشامخ، ليكون ذلك تثميناً لجهودهم المضنية.

وكنت منذ زمن تخاطرني فكرة إنجاز هذين الاَمرين، حتى ذلّل اللّه سبحانه لي الصعاب، وأتاح الفرصة بغية الوصول إلى منيتي القديمة فشمرت عن ساعد الجد وقمت بإعداد مشروعين كبيرين، أعني:


(7)

الاَوّل: تبيين منابع الفقه وتدوين تاريخه دون أن يختص بطائفة دون أُخرى، ليكون مرجعاً لكافة الفقهاء على اختلاف نِحَلهم. وهو الذي بين يدي القارىَ في جزأين.

الثاني: تأليف معجم يأخذ على عاتقه تبيين سيرة أهل الفتيا والاجتهاد عبر القرون . وقد خرج منه إلى الآن ثمانية أجزاء والبقية قيد التأليف.

وقد قمت بفضل من اللّه سبحانه بإنجاز المشروع الاَوّل كما ساهمت وأشرفت على المشروع الثاني ـ الذي قام بتأليفه نخبة من الباحثين، وقد نوّهت بأسمائهم في الجزء الاَوّل من هذا المعجم ـ وأسميتهما «موسوعة طبقات الفقهاء» وجعلت الاَوّل مقدمة للثاني.

وأرجو من الاِخوة الباحثين أن يتحفونا بآرائهم القيّمة حول هذه الموسوعة، وينبهونا على ما فيها من الاَخطاء، فإنّ العصمة للّه سبحانه ولمن عصمهم.

وفي الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى الشيخ الفاضل أنور الرصافي (وفقه اللّه لمرضاته) على مساهمته في سبيل تأليف هذا الكتاب، فشكر اللّه مساعي الجميع، وجعل ما بذلناه من الجهود ذخراً يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام -

للبحوث والدراسات الاِسلامية

17 شعبان المعظم

من شهور عام 1418هـ



(8)



(9)

الفصل الاَوّل

مصادر التشريع (1) المعتبرة
أو
منابع الفقه والاَحكام

مصادر التشريع هي التي يعتمد عليها المجتهد في مقام استنباط الاَحكام الشرعية، لاَنّ الفقه أمر توقيفي تعبّدي، ولا يصحّ الاِفتاء بشيء إلاّ إذا كان مستنداً إلى اللّه سبحانه، غير انّ الفقهاء اختلفوا في مصادر الفقه و الاستنباط.

فالشيعة الاِماميّة اتّفقوا على أنّ منابع الفقه عبارة عن الاَدلّة الاَربعة:
1. الكتاب.
2. السنّة.
3. الاِجماع.
4. العقل.

وما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها. وقد اتّفق معهم


1. هذا المصطلح هو الدارج بين علماء أهل السنّة، والاَولى حسب أُصولنا التعبير عنها بمنابع الفقه والاَحكام، لاَنّ التشريع منحصر باللّه سبحانه وهو فعله، وأمّا الكتاب والسنّة فهما أداة للاِبلاغ والتبيين. إلاّ أن يكون المصدر بمعنى اسمه، فلاحظ.

(10)

أهل السنّة في الثلاثة الاَُول؛ وأمّا العقل القطعي فلم يُعيروا له أهمية، ولكن أخذوا مكانه بالقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع، وفتحها، من الاَدلّة العقلية الظنيّة.كما أخذوا بقول الصحابي وإجماع أهل المدينة، وهما من الاَدلّة النقلية على اختلاف بينهم في اعتبار البعض منها.

وتحقيق الحال يقتضي البحث في مقامين:

الاَوّل: ما اتّفق عليه الفريقان من مصادر التشريع أو منابع الفقه والاَحكام.

الثاني: ما انفرد به أهل السنّة.

وإليك الكلام في المقام الاَوّل.


(11)

مصادر التشريع
1
الكتاب

إنّمن مراتب التوحيد حصر التشريع باللّه سبحانه و انّه لا مشرّع سواه، وكلّ تشريع دونه بحاجة إلى إذنه، وعلى ذلك فالوحي الاِلهي المتجسّد في الكتاب والسنّة هو المصدر الوحيد للتشريع، وإليه ترجع سائر المصادر النقليّة.

يُعدُّ القرآن الحجر الاَساس للتشريع الاِسلامي، وتليه السنّة النبوية التي هي قرينة الكتاب، غير انّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها ومضمونها دون لفظها، وهذا هو السبب الذي جعل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يتحدّى بالقرآن دون السنّة.

إنّ القرآن أجلّ من أن يكون بحاجة إلى تعريف، إذ هو نور ظاهر بنفسه، مظهر لغيره، فهو كالشمس المضيئة، يُنير ماحوله، وكلّ نور دونه فهو خافت لا يضيء، وكفاك انّه سبحانه يُشيد بالقرآن بصور مختلفة، يقول تعالى: "إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَأَقْوَم" (1)و يقول عزّمن قائل: "وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَتِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ" (2)كما ويصرّح سبحانه بأنّه الفاصل بين الحقّوالباطل، حيث قال: "تَباركَ الّذِي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً" (3)إلى غير ذلك ممّا أشار إليه في الذكر الحكيم.

يُعدُّ القرآن الكريم الدعامة الاَُولى للمسلمين و اللبنة الاَساسية في بناء الحضارة الاِسلامية لا سيما الجانب الاَخلاقي والفلسفي والفقهي والعلمي، بيد أنّ


1. الاِسراء: 9.
2. النحل: 89.
3. الفرقان: 1.

(12)

الذي يهمّنا في الاَمر هو جانبه الفقهي، والذي زود المسلمين بالتشريع حقبة زمنية طويلة.

ملامح التشريع في القرآن الكريم

1. التدرّج في التشريع

نزل القرآن تدريجيّاً قرابة ثلاث وعشرين سنة لاَسباب و دواع مختلفة اقتضت ذلك، وأشار إليها الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات:

قال سبحانه: "وَقُرآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً"(1)ظخ أي فرقنا نزوله كي تقرأه على الناس على مهل وتريث.

كما أشار في آية أُخرى إلى داع آخر، وقال سبحانه: "وَقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً" (2)فتثبيت فوَاد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحد الاَسباب التي دعت إلى نزول القرآن بين الحين والآخر وفي غضون السنين، شاحذاً عزمه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للمضيّ في طريق الدعوة بلا مبالاة لما يتّهمونه به.

والآية تعرب عن أنّ الكتب السماوية الاَُخرى كالتوراة و الاِنجيل والزبور نزلت جملة واحدة، فرغب الكفار في أن ينزل القرآن مثلها دفعة واحدة.

وليست الدواعي للنزول التدريجي منحصرة فيما سبق، بل أنّ هناك أسباباً ودواعي أُخرى دعت إلى نزوله نجوماً، و هي مسايرة الكتاب للحوادث التي تستدعي لنفسها حكماً شرعياً، فإنّ المسلمين كانوا يواجهون الاَحداث المستجدَّة


1. الاِسراء: 106.
2. الفرقان: 32.

(13)

في حياتهم الفردية و الاجتماعية و لم يكن لهم محيص من طرحها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغية الظفر بأجوبتها، وقد تكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ" قرابة خمس عشرة مرّة و تصدى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للاِجابة عنها، و تختلف تلك المواضيع بين الاستفسار عن حكم شرعي، كحكم القتال في الشهر الحرام، والخمر، والميسر، والتصرف في أموال اليتامى، والاَهلّة، والمحيض، والاَنفال، وغير ذلك؛ أو الاستفسار عن أُمور كونية كالروح والجبال والساعة.

وهناك شيء آخر ربما يوَكد لزوم كون التشريع أمراً تدريجياً، وهو أنّ موقف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - تجاه أُمته كموقف الطبيب من مريضه، فكما أنّ الطبيب يعالج المريض شيئاً فشيئاً حسب استعداده، فكذلك الطبيب الروحي يمارس نشاطه التربوي طبقاً لقابليات الاَُمة الكامنة بغية الاستجابة، لئلا تُثبط عزائمُهم و يُطفأ نشاطهم ويُثقل كاهلهم.

ومع ذلك فإن كانت الظروف مهيَّأة لنزول تشريع أكثر تفصيلاً وأوسع تعقيداً وافاهم الوحي به، كما في قوله سبحانه: "قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" . (1)

وقال سبحانه: "وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (2) حيث تجد أنّالآيتين تتكفّلان تشريع عشرة أحكام تُعَدُّ من جوامع الكلم،


1. الاَنعام: 151.
2. الاَنعام: 152.

(14)

وقد روى أمين الاِسلام الطبرسي، قال: روى علي بن إبراهيم، قال: خرج أسعد بن زرارة و ذكوان إلى مكة في عمرةِ رجب يسألون الحلف على الاَوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، فقال له: إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم، فقال عتبة: بعُدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشيء، قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟! قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي انّه رسول اللّه، سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً؛ و كان أسعد وذكوان وجميع الاَوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم أبناء «النضير» و «قريظة» و «قينقاع» انّ هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنَّكم به يا معشر العرب، فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود، قال: فأين هو؟ قال: جالس في الحِجْر، وانّهم لا يخرجون من شِعْبهم إلاّ في الموسم، فلا تسمع منه ولا تُكلّمه، فإنّه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب، فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لابدّ لي أن أطوف بالبيت؟ فقال: ضع في أُذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أُذنيه من القطن، فطاف بالبيت ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة، فجازه.

فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أعرفه؟! حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من أُذنيه و رمى به، وقال لرسول اللّه: أنعم صباحاً، فرفع رسول اللّه رأسه إليه و قال: «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السّلام عليكم» فقال له أسعد: إنّ عهدك بهذا لقريب إلى مَ تدعو يا محمد؟ قال: «إلى شهادة أن لاإله إلاّ اللّه و انّي


(15)

رسول اللّه، وأدعوكم:

"ْأَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (1)

فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وانّك رسول اللّه. يا رسول اللّه بأبي أنت وأُمّي أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخواننا من الاَوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك فلا أجد أعزّمنك، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الاَمر رجوت أن يتمم اللّه لنا أمرنا فيك، واللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشّروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارُنا دارَ هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد للّه الذي ساقني إليك، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا، وقد أتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له. (2)

ومع ذلك كلّه فالتدرّج هو المخيِّم على التشريع، خاصة فيما إذا كان الحكم الشرعي مخالفاً للحالة السائدة في المجتمع، كما في شرب الخمر الذي ولع به المجتمع الجاهلي آنذاك، فمعالجة هذه الرذيلة المتجذّرة في المجتمع رهن طيّ خطوات تهيّىَ الاَرضية اللازمة لقبولها في المجتمع.


1. الاَنعام: 151ـ152.
2. الطبرسي: إعلام الورى: 55ـ57.


(16)

وقد سلك القرآن في سبيل قلع جذور تلك الرذائل مسلك التدرّج.

فتارة جعل السكر مقابلاً للرزق الحسن، وقال: "وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالاََعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً" . (1)

فاعتبر اتّخاذ الخمر من التمور والاَعناب ـ في مجتمع كان تعاطي الخمر فيه جزءاً أساسياً من حياته ـ مخالفاً للرزق الحسن، وبذلك أيقظ العقول.

وهذه الآية مهّدت وهيّأت العقول و الطبائع المنحرفة لخطوة أُخرى في سيرها نحو تحريم الخمر، فتلتها الآية الثانية معلنة بأنّ في الخمر والميسر إثماً ونفعاً، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما، قال سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما" . (2)

إنّ هذا البيان وإن كان كافياً إلاّ أنّ جماهير الناس لا يقلعون عن عادتهم المتجذّرة ما لم يرد نهي صريح حتى وافتهم الآية الثالثة، قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون"(3) الآية الكريمة جاءت بالنهي الصريح عن شرب الخمر في وقت محدّد، أي عند إرادة الصلاة بغية الوقوف على ما يتلون من القرآن و الاَذكار.

فهذه الخطوات الثلاث هيّأت أرضية صالحة للتحريم القاطع الذي بيّنه سبحانه في قوله: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَالاََنْصابُ وَالاََزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" . (4)

وأدلّ دليل على أنّ التشريع القرآني كان يتمتع بالتدرّج، تتابع الاَسئلة على


1. النحل: 67.
2. البقرة: 219.
3. النساء: 43.
4. المائدة: 90.

(17)

النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في فترات مختلفة بغية إجابة الوحي عنها، قال سبحانه:
1. "يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالاََقْرَبين". (1)

2. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبير " . (2)

3. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِقُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ" . (3)

4. "وَ يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ " . (4)

5. "وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصلاحٌ لَهُمْ خَيْر " . (5)

6. "وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً" . (6)

7. "يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبات" . (7)

8. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاََنْفالِ قُلِ الاََنْفالُ للّهِ وَالرَّسُول" . (8)

وقد جاء في بعض الآيات لفظ الاستفتاء بدل السوَال: قال سبحانه:
9. "وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" . (9)

10. "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَة" . (10)


1. البقرة: 215.
2. البقرة: 217.
3. البقرة: 219.
4. البقرة: 219.
5. البقرة: 220.
6. البقرة: 222.
7. المائدة: 4.
8. الاَنفال: 1.
9. النساء: 127.
10. النساء: 176.

(18)

وممّا يدل أيضاً على أنّ التشريع القرآني أخذ على نفسه صورة التدرّج هو انّ الآيات المتضمّنة للاَحكام الشرعية منبثة في سور شتى غير مجتمعة في محل واحد، وهذا يوضح انّ التشريع لم يكن على غرار التشريع في التوراة الذي نزل دفعة واحدة يقول سبحانه: "وَكَتَبْنا لَهُ فِي الاََلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُورِيكُمْ دارَ الْفاسِقِين".(1)

وقال: "وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الْغَضَبُ أَخَذَ الاََلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" .(2)

2. الاقتصار على الاَحكام الكلية

يتميز التشريع القرآني في مجال العبادات والمعاملات وغيرهما بعرض أُصول كلية يترك تفاصيلها إلى السنّة الشريفة، فترى أنّ لفظة الصلاة قد ذكرت في القرآن قرابة 67 مرّة، وأكثرها حول الصلاة الواردة في الشريعة الاِسلامية، وبالرغم من ذلك نجد انّه لم يذكر شيئاً كثيراً من تفاصيلها إلاّ قليلاً، كأوقات الصلاة، ونظيرها الصوم والزكاة والخمس، وما هذا إلاّ لاَنّ القرآن هو الدستور العام للمسلمين، والدعامة الاَساسية للتشريع، فطبيعة الحال تقتضي ترك التفاصيل إلى السنّة، ولكن مع اقتصاره على الاَُصول، قلّما يتّفق لباب أو كتاب فقهي لم يستمد من آية قرآنية، فكأنّ آيات الاَحكام مع قلّتها لها مادة حيوية تعين الفقيه على التطرّق إلى كافة الاَبواب الفقهية.


1. الاَعراف: 145.
2. الاَعراف: 154.

(19)

3. النظر إلى المعاني لا الظواهر

إنّ التشريع القرآني ينظر إلى الحقائق لا إلى القشور، فلا تجد في الاِسلام مظهراً خاصاً من مظاهر الحياة يكون له من القداسة ما يمنع من تغييره ويوجب حفظه إلى الاَبد بشكله الخاص، فليس هناك تناقض بين تعاليمه والتقدّم العلمي.

فلو كان التشريع الاِسلامي مصـرّاً على صورة خاصة من متطلبات الحياة لما انسجم مع الحياة، فمثلاً ينهى الاِسلام عن أكل الاَموال بالباطل، وعلى هذا فرّع الفقهاء حرمة بيع الدم لعدم وجود منفعة محلّلة له في تلك الاَعصار الغابرة بيد انّ تقدّم العلوم والحضارة أتاح للبشر أن يستخدم الدم في منافع محلّلة لم يكن لها نظير من قبل، فعادت المعاملة بالدم في هذه الاَعصار معاملة صحيحة لا بأس بها، وليس هذا من قبيل نسخ الحكم، بل من باب تبدّل الحكم بتبدّل موضوعه كانقلاب الخمر خلاً.

فالاِسلام حرّم أكل المال بالباطل، فمادام بيع الدم مصداقاً لتلك الآية كان محكوماً بالحرمة، فلمّا أُتيح للبشر أن يستفيد منه في علاج المرضى خرج عن كونه مصداقاً للآية، وهذا هو الذي عبّرنا عنه في عنوان البحث بأنّ الاِسلام ينظر إلى المعاني لا إلى القشور.

4. مرونة التشريع

إنّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع الحضارات الاِنسانية، وما ذلك إلاّ لاَنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد والرقابة على سائر تشريعاته، وهذاالتشريع أعطى للدين مرونة و منعطفاً جديداً


(20)

قال سبحانه: "وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج" . (1) وقال: "ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعلَّكُمْ تَشْكُرُون" . (2)

وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا ضرر ولا ضرار».

فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التيمم مكان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً، كما أوجب الاِفطار على المريض والمسافر لغاية اليسر، قال سبحانه: "وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر " . (3) إلى غير ذلك من الآيات والروايات التي لها دور التحديد والرقابة.

وجاء في الحديث عن الصادع بالحقّ أنّه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة».(4)

وقال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «إنّ هذا الدين لمتين، فأوغلوا فيه برفق، لا تكرّهوا عبادة اللّه لعباد اللّه». (5)

5. شمولية التشريع

أخذ القرآن الاِنسان محوراً لتشريعه، مجرّداً عن النزعات القومية والوطنية والطائفية واللونية واللسانية، فنظر إلى الموضوع بنظرة شمولية وقال: "يا أَيُّهَا"


1. الحج: 78.
2. المائدة: 6.
3. البقرة: 185.
4. أحمد بن حنبل: المسند: 5|266.
5. الكافي: 2|70 ح1.

(21)

النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ " . (1)

التشريع القرآني تشريع من جانب ربِّ العالمين إلى نوع البشر، فالوطن والقوم والقبيلة لم توَخذ بنظر الاعتبار، والكرامة للاِنسان وحده، ولا فضل لاِنسان على آخر إلاّ بالمُثُل والاَخلاق.

فترى أنّه يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله: "يا أَيُّهَا النّاس" أو "يا بَني آدَمَ" أو "يا أَيُّهَا الموَمنون" وما ضاهاها، فكسر جميع الحواجز والقيود التي يعتمد عليها المفكّر المادي في التقنين الوضعي، والذي يقتفي أثر اليهود في مزعمة الشعب المختار.

إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو القائل بأنّه ليست العربية بأب والد، وإنّما هو لسان ناطق، وفي الوقت نفسه لا يعني بكلامه هذا انّ العلائق الطبيعية، كالانتماء الوطني أو القومي بغيضة لا قيمة لها، وإنّما يندّد باتّخاذها محاور للتقنين، وسبباً للكرامة والمفخرة، أو سبيلاً لتحقير الآخرين، وإيثارها على الدين والعقيدة، يقول سبحانه: "لا تَجِدُ قَوماً يُوَمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ خالِدينَ فِيها رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" . (2)

والعجب انّه قد صدر هذا من لدن إنسان أُمّي نشأ في بيئة تسودها خصلتان على جانب الضد من هذا النمط من التشريع، وهما:


1. الحجرات: 13.
2. المجادلة: 22.

(22)

الاَُمّية والتعصّب.

وهذا الاِنسان المثالي صان بأنظمته كرامة الاِنسان، ورفعه إلى الغاية القصوى من الكمال، وأخذ يخاطب ضميره الدفين، و مشاعره النبيلة، ويكلّفه بما فيه صلاحه، ويقول:

"هذا بَيانٌ لِلنّاسِ" . (1)

"هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ" . (2)

"بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَة" . (3)

"يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْجاءَتْكُمْ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُور ". (4)

وإذا قورن هذا النوع من التشريع الذي ينظر إلى الاِنسان بنظرة شمولية وبرأفة ورحمة، دون فرق بين عنصر وآخر، بالتقنين الوضعي السائد في أعصارنا في الشرق والغرب الناظر إلى الاِنسان من منظار القومية أو الطائفية وغيرهما من النزعات المقيتة، لبان انّ التشريع الاَوّل تشريع سماوي لا صلة له بتلك النزعات، والآخر تشريع بشري متأثر بنظرات ضيّقة تجود على إنسان وتبخل على آخر، وكفى في ذلك فرقاً بين التشريعين.

6. النظر إلى المادة والروح على حد سواء

آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما موَالفة تفي بحقّ كلّمنهما حيث يفسح


1. آل عمران: 138.
2. إبراهيم: 52.
3. القصص: 43.
4. يونس: 57.

(23)

للاِنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما يصلحه.

لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحي للاِنسان حتى كادت أن تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية و التعزب، وترك ملاذّ الحياة، والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل الجبال والتسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية، وجعلت الحصول على المادة بأي وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القومية الغاشمة.

لكن الاِسلام أخذ ينظر إلى واقع الاِنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة، وبالبعد الروحي لا يستغني عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يوَثرها على حياته الروحية، كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا يصادم فطرته وطبيعته؛ وهكذا فقد قرن بين عبادة اللّه وطلب الرزق وترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل وإقامة النوافل، وفي الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّي اللّذة، قال سبحانه:

"وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً" (1) وقال أيضاً: "قُلْمَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ" . (2)

وقال علي أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «للموَمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم فيها معاشه، وساعة يخلّي بينه وبين لذاتها». (3)


1. الفرقان: 64.
2. الاَعراف: 32.
3. نهج البلاغة: باب الحكم، الحكمة 93.