welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : تذكرة الاَعيان*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تذكرة الاَعيان

تذكرة الاَعيان

يحتوي على ترجمة
لفيف من أعيان المتكلمين والفقهاء
وعلى مباحث هامة

تأليف

العلامة المحقّق
جعفر السبحاني


(2)



(3)


بسم الله الرحمن الرحيم


(4)



(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي فضل مداد العلماء على دماء الشهداء، وجعلهم ورثة الاَنبياء، ومصابيح الهدى في اللجج الظلماء. والصلاة والسلام على سيد الاَنبياء محمّد وآله الاَتقياء.

أمّا بعد:

فقد بعث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بشريعة بيضاء متكاملة الجوانب أُنيطت بها سعادة البشر في آجله وعاجله، فبقاوَها واستمرارها كظهورها رهن عوامل ساهمت مساهمة فعالة، أبرزها الدور الذي قام به أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ من خلال تربية طليعة واعية أخذوا الشريعة من منهلها العذب ومعينها الصافي ونشروها في الاَُمّة بغية صيانتها عن الزوال والاندثار، وقد تلتهم طبقات أُخرى من العلماء ورثوا هذه المهمة الصعبة منهم، فأخذوا على عاتقهم نشر الشريعة وبيان العقيدة عبر القرون، فتجلّت جهودهم الفكرية والعلمية في كتبهم وآثارهم الخالدة.

فالواجب المحتّم على الاَُمّة الاِسلامية هو تقدير جهودهم، وتثمين أعمالهم، وإحياء مآثرهم للحيلولة دون أن يغمر ذكرهم وتنطمس معالمهم.

وانطلاقاً من هذا المبدأ فقد عطرت كتب المعاجم والسير بأسمائهم، واُلّفت في سيرهم عشرات الكتب يقف عليها كلّ من سبر رفوف المكتبات ومخازن الكتب.


(6)

وقد كنت منذ ريعان شبابي وحداثة سني ذا ولع خاص بالاطّلاع على تراجم علمائنا الاَبرار والوقوف على آثارهم، وأوّل من فتح عيني على هذا العلم هو شيخي وأُستاذي الكبير الشيخ محمد علي المدرس الخياباني التبريزي (1296 ـ 1373) موَلّف «ريحانة الاَدب في ترجمة من اشتهر بالكنى واللقب» فإنّه رحمه اللّه أخذ بيدي وأجالني في رياض ذلك العلم وبساتينه، وعلى ماأُلّف في ذلك المضمار من قديمه وجديده.

هذا ممّا دعاني إلى أن أقوم ببعض هذا الواجب وأتحمل أعباءه من خلال ترجمة طائفة من فقهائنا الاَبرار وعلمائنا الكرام الذين كانت لهم منزلة كبيرة في سماء العلم، ولم أقتصر على ذلك فحسب، بل أوعزت إلى نكات علمية وتاريخية لا غنى للباحثين عنها، ولما كانت تلك البحوث مبعثرة في مقدمات الكتب المنشورة بين الحين والآخر ألحَّ عليّ بعض روّاد العلم بجمع شملها في كتاب واحد كي يسهل تناولها، فنزلت عند رغبتهم وقمت بجمع شواردها مرتباً إيّاها على حسب وفيات المترجمين، عسى أن ينتفع بها رواد العلم وطلاب الفضيلة.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة ، موَسسة الاِمام الصادق _ عليه السلام _

في 16 ذي القعدة الحرام من شهور عام 1418هـ



(7)

محمد بن مسلم بن رباح

الثقفي الطائفي (80 ـ 150هـ)

خريج جامعة الاِمام الصادق _ عليه السلام _



كان المسلمون في عصر الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أُمّة متراصّة الصفوف ذات أهداف واحدة، وكان النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو القطب الذي تدور عليه رحى الاِسلام وتلتف حوله الاَُمّة، كلّما نجم شقاق بين المسلمين أو فصائلهم، عالجه بحكمته السديدة وقيادته الرشيدة.

ولقد كان الحفاظ على العقيدة والشريعة، يتطلب وجود قيادة رشيدة، ومرجعيّة حكيمة، تنطق بالكتاب والسنّة بعد رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم حتى تلتفّ حولها الاَُمّة، وتقوم بدورها في معالجة كل مشكلة تحدث، ورأب كل صَدع يطرأ على حياتهم في ضوء الكتاب والسنّة.

وكان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد عالَجَ بالفعل هذه الناحية الهامّة في حياة المسلمين المستقبلية، برسم خط القيادة من بعده، وذلك من خلال التعريف بأهل بيته المطهَّرين، وإلفات نظر الاَُمّة إليهم في مواضع عديدة، وبأساليب متنوّعة، واضحة وقاطعة.

غير أنّ الاَُمّة تجاهلت ـ ولشديد الاَسف ـ هذا الاَمر وأقصَتْ أهلَ البيت


(8)

عن الحكم، وعزلتهم عن الدور المهمّ المرسوم لهم في قيادة وهداية الاَُمّة بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ولمّ شعثهم، وقيادة سفينتهم في خضمِّ الاَمواج العاتية، على غرار ما كان يفعله رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في عهده المبارك.

ولاَجل هذا الانحراف في خطّ القيادة، نجم الخلاف الحاد بين المسلمين، في شتى النواحي السياسية والعقائدية والتشريعية.

فالشقاق المستمر بين الاَُمّة وعمّال الخُلَفاء، والحروب الدامية بين صفوف الاَُمّة كان من نتائج الابتعاد عن قيادة أهل البيت الرشيدة التي رسمها النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في حياته الشريفة وعهده المبارك، إلى أن آل أمر الخلافة إلى مُلك عضوض يرث فيه المُلك واحدٌ بعد واحد، وفاسد تلو فاسد، ويتلقّفه ولد بعد والد!!

إنّ السنّة النبويّة هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، وكان المسلمون في أمس الحاجة إليها، ولكن صارت كتابتُها والتحدّث بها أمراً ممنوعاً قرابة قرن ونصف القرن، بينما كان التحدّث بالاَساطير من قِبَل مُسلِمة أهل الكتاب (من أحبار اليهود وقساوسة النصارى) أمراً مسموحاً به!!

لقد أنتج هذا الاِبعاد للقيادة الاِسلامية الحقة، والابتعاد عنها وما تلاهما من أُمور، ظهور شقاق، واختلاف بين المسلمين في شتى المجالات.

أمّا في السياسة فقدعرفت.

وأمّا في مجال العقيدة، فقد ظهرت فيهم آراء وأفكار خطيرة مستلهمة ـ أغلبها ـ من اليهود والنصارى.

فمن محدّثٍ يُثبت للّه سبحانه الجسم والصورة، والاَعضاء والجوارح، والزمان والمكان، والحركة والانتقال، والجهة والروَية غير مكترث بقداسة الذات الاِلهيّة، وتنزّهها عن مشابهة المخلوقين، ويرى أنّ هذه هي العقيدة الاِسلامية التي جاء بها القرآن الكريم وصدع بها الرسول العظيم _ صلى الله عليه وآله وسلم _.


(9)

إلى جَهميّ يرفع عقيرته بالجبر، وسلب الاختيار عن الاِنسان، وينكر ـ في المآل ـ ضرورة بعث الاَنبياء، كما يصرّح بفناء النار في الآخرة مُأوِّلاً خلود الكفّار فيها، والذي صرّح به القرآن الكريم.

إلى قدَريّ يفسّر القَدَر ـ في مجال أفعال البشر ـ كعامل قهري يرسم حياة الاِنسان، ويفرض عليه أفعاله، بحيث لا يكون الاِنسان قادراً على أن يحيد عن ذلك قيد شعرة، بل لهذا القَدَر الذي هو فعلُ اللّه، من السيادة على اللّه تعالى، بحيث لا يقدر هو سبحانه على تغييره.

إلى متفقّه يرى الكتاب والسُّنّة، غير وافيين بالتشريع، وبيان الحلال والحرام، فعاد يلتجىَ إلى مقاييس ظنيّة ومعايير استحسانية ما أنزل اللّه بها من سلطان، فصار التشريع حلبة الاختلاف، ومضمار الشقاق، حتى أنّك لا ترى فرعاً عملياً من الفروع اتّفقت عليه أئمّة المذاهب الفقهيّة إلاّالشاذّ النادر.

إلى داعٍ إلى الثنوية بشكل غير مباشر حيث يرى للاِنسان إرادة مطلقة، واختياراً مستقلاً، كأنّه في غنى ـ في أفعاله ـ عن اللّه سبحانه، وهو بهذا يشبه إله الاَرض.

إلى متفلسفٍ يخضع لتيّارات وآراء فلسفية مستورَدَة، من دون أن يقيّم مفاهيمها في ضوء الكتاب والسنّة والعقل السليم .

إلى ملاحدة ظهروا بين المسلمين، وأُعطيَت لهم حرية واسعة في العمل والدعوة، فراحوا يضلّلون الناس، ويسفّهون أقوال الاِلهيين وينكرون الشرائع والاَديان من الاَساس.

إلى غير ذلك من الفرق والطوائف والاتجاهات والتيارات المعكّرة لصفو العقيدة الاِسلامية والمكدّرة لنقاء النظام الاِسلامي.


(10)

كان هذا هو وضع الاَُمّة الاِسلامية، وحالهم في القرون التي أعقبت وفاة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وفي تلك الظروف ـ بالذات ـ كان في الجانب الآخر شيعة أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ وكانوا على موقفين:

موقف يرى الثورة على الحكومات التي كانت وراء هذا الشقاق والاختلاف، وتدهور الوضع السياسي والفكري والاجتماعي وربما كان هذا الموقف صحيحاً في بعض الحالات بل ومثمراً.

وموقف يرى أنّ الثورة المسلّحة لا تأتي ـ في ظرف خاص طبعاً ـ إلاّ بالضرر والخسارة الكبرى، وأنّه لابدّ من العمل الفكري وبث العقيدة الصحيحة، ومكافحة التيارات المنحرفة والفاسدة، عبر تربية الدعاة الصالحين، وحمَلَة الفقه والحديث الواعين، وإرشاد الناس إلى ما هو الصحيح في مجالات الفكر والفقه، والعقيدة والشريعة.

فهـو ـ بالتـالي ـ الاَُسلوب الناجـح، والدواء الناجع، للاَُمّة في حاضرها، ومستقبلها، وذلك نظَراً لتعاظم قوة الحكومات آنذاك، وقدرتها على الفتك بمعارضيها، ومحوهم محواً كاملاً لا يُبقي ولا يذر.

وهنا تكمن أهمية الدور الحضاري لجامعة الاِمام جعفر الصادق الكبرى التي عالجت مشاكل مستعصية وأحيت الحضارة الاِسلامية ، وذلك :
1. ببيان العقيدة الاِسلامية المأخوذة من الكتاب والسنّة وخطب الاِمام أمير الموَمنين عليّبن أبي طالب _ عليه السلام _ والعقل الحصيف، وردّ السهام المرشوقة إلى توحيد اللّه سبحانه وصفاته، وقداسة الاَنبياء، وسائر قضايا العقيدة.

وكفى لمعرفة هذا ما دوّنه المحدّث الكبير الشيخ الصدوق (306ـ 381هـ)


(11)

في كتابه القيم «التوحيد»، حيث يرى المتتبع في أحاديثه بياناً مشرقاً في مجال توحيد الاَفعال، وتنزيهاً رائعاً لاَفعاله سبحانه عن الحيف والظلم، والجبر وإرادة القبيح، ووصفاً لائقاً لمقام النبوّة والاَنبياء في مجال تلقّي الوحي والتبليغ ، وعلى صعيد السلوك والمعاشرة.
2. كان تدوين الحديث ونشره، والتحدّث بكلام رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أمراً محظوراً وقد أُضفي على تدوينها ثوبُ البدعة، وصار لترك التحدّث بالسُّنة الشريفة قداسة بين الاَُمّة، غفلةً عمّا يترتب على هذا الموقف من خسائر جمّة.

ولكن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ قام ـ غير مكترث بقرار الحظر الذي كان سائداً منذ زمن الخلفاء إلى عصره ـ بنشر أحاديث الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم آخذاً إياها من عين صافية لم تعكر صفوها الاَهواء والاَوهام، إذ رواها عن طريق آبائه المطهرين عن عليّ عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن جبرئيل عن اللّه سبحانه.

وبذلك أعاد الحديث النبوي الشريف إلى حياة الاَُمّة الاِسلامية مجرّداً عن الاَساطير منزهاً عن بدع اليهود والنصارى.
3. تربية جيل عظيم، وثلّة جليلة تربية أخلاقية ومعنوية وعلمية لتحمل هذه الرسالة من بعده، ونشر الاَحاديث والروايات الشريفة في الاَجيال اللاحقة.

ولقد تخرّج من مدرسة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ثلّة كريمة واعية من المتكلّمين الذابين عن حياض العقيدة، والفقهاء والمحدّثين البارعين في حقل الشريعة والمفسرين وغيرهم ممن اعترفت الاَُمّة بفضلهم، واستمرت ـ بواسطتهم ـ الهداية الاِلهية إلى القرون المستقبلة، والاَجيال اللاحقة.

وكان من تلك الثلّة المباركة: محمد بن مسلم وهو الفقيه أبو جعفر الكوفي


(12)

المعروف بالاَوقص، أحد أئمّة العلم في الاِسلام، وأحد وجوه الشيعة بالكوفة، اختص بالاِمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق عليمها السَّلام ، وروى الشيء الكثير من علومهما، وقد وقع في أسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين ومائتين وستة وسبعين مورداً.

روى عنه: يونس بن عبد الرحمان، والعلاء بن رزين، وعمر بن أذينة، وجميل ابن درّاج، ومحمد بن حمران، ويعقوب الاَحمر، وحماد بن عثمان، وعبد الحميد الطائي، وخلق كثير.

وكان فقيهاً محدّثاً ومن الاَعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاَحكام، له كتاب يسمّى: الاَربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام، ولقد ورد في روايات صحيحة عن أهل البيت لا سيما الباقرين صلوات اللّه عليهم أجمعين.

وإليك فيما يأتي طائفة من الروايات والاَخبار المادحة الصادرة من الاِمامين الهمامين الاِمام الباقر والاِمام الصادق سلام اللّه عليهما.

مكانة محمد بن مسلم عند الصادقين عليمها السَّلام

لقد أثنى الاِمامان الجليلان الباقر والصادق عليمها السَّلام على حافظنا الكبير وأقرانه على وجه لا نرى مثله في حقّغيره من تلاميذهما وخريجي منهجهما، وإليك البيان:
1. قال الصادق _ عليه السلام _ : أحبُّ الناس إليّ أحياء وأمواتاً أربعة: بريد بن معاوية العجلي، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والاَحول، وهم أحبُّ النّاسِإليّ أحياءً وأمواتاً.(1)
2. روى أبو عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول:


(1) الكشي : اختيار معرفة الرجال، برقم :215.

(13)

«زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد من الذين قال اللّه تعالى: (وَالسّابِقُونَالسّابِقُون * أُولئكَ المُقَرَّبُون) ».(1)
3. روى سليمان بن خالد الاَقطع، قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «ما أحد أحيى ذكرنا وأحاديث أبي _ عليه السلام _ إلاّزرارة، وأبو بصير ليث المراديّ، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هوَلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هوَلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي، على حلالِ اللّه وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة».(2)
4. قال الصادق ـ وهو يصف لفيفاً من أصحاب أبيه ـ: «هم مستودع سرّي، أصحاب أبي حقّاً إذا أراد اللّه بأهل الاَرض سوءاً صرف بهم عنهم السوءَ، هم نجوم شيعتي أحياء وأمواتاً ،يحيون ذكر أبي _ عليه السلام _ ، بهم يكشف اللّه كلّ بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين،وتأوّل الغالين» ثم بكى فقلت: مَنْ هم؟ فقال: «مَنْ عليهم صلوات اللّه ورحمته أحياءً وأمواتاً: بريد العجلي، وزرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم».(3)
5. سأل عبد اللّه بن أبي يعفور أبا عبد اللّه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقال: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم ويجيىَ الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كلّما يسألني عنه، قال: «فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فانّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً».(4)
6. روى زرارة قال: شهد أبو كريبة الاَزديّ ومحمد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة وهو قاض، فنظر في وجوههما مليّاً، ثم قال: جعفريان فاطميّان! فبكيا، فقال لهما: ما يُبكيكما؟ قالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضَون بأمثالنا أن يكونوا من اخوانهم، لما يرون من سخف ورعنا، ونسَبْتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن


(1) الكشي : اختيار معرفة الرجال، برقم : 218، 219، 220، 273.
(2) الكشي : اختيار معرفة الرجال، برقم : 218، 219، 220، 273.
(3) الكشي : اختيار معرفة الرجال، برقم : 218، 219، 220، 273.
(4) الكشي : اختيار معرفة الرجال، برقم : 218، 219، 220، 273.

(14)

يكونوا من شيعته فان تفضّل وقبلنا فله المنّ علينا والفضل، فتبسم«شريك» ثمّ قال: إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم، يا وليد أجزهما هذه المرّة! قال: فحججنا فخبّرنا أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ بالقصة فقال: «ما لشريك، شركه اللّه يوم القيامة بشراكين من نار».(1)
7. روى أبو كهمس قال: دخلت على أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ فقال لي :«شهد محمد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن أبي ليلى بشهادة فردّ شهادته؟» فقلت : نعم. فقال: «إذا صرت إلى الكوفة فأتيت ابن أبي ليلى ـ إلى أن قال: ـ فقل له: يقول لك جعفر بن محمد ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف منك بأحكام اللّه وأعلم بسيرة رسول اللّه منك؟»... فقال لي: ومن هو؟ فقلت: محمد بن مسلم الطائفي القصير، قال: فقال: واللّه انّ جعفر بن محمد قال لك هذا؟ قال: فقلت: واللّه إنّه قال لي جعفر هذا، فأرسل إلى محمد بن مسلم فدعاه، فشهد عنده بتلك الشهادة فأجازه.(2)
8. قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «بشّر المخبتين بالجنة ...، ومحمد بن مسلم، أربعة نجباء أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هوَلاء انقطعت آثار النبوة واندرست».(3).
9. وقال _ عليه السلام _ : «إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، أعني: زرارة، ومحمد بن مسلم، ومنهم ليث المرادي، وبريد العجلي، هوَلاء القوّامون بالقسط، هوَلاء القوّامون بالقسط، وهوَلاء السابقون، السابقون أُولئك المقربون».(4)
10.روى عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي، عن أبيه، قال: كان محمد ابن مسلم من أهل الكوفة يدخل على أبي جعفر _ عليه السلام _ فقال أبو جعفر: «بشر المخبتين»....


(1) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277 ، 286، 287.
(2) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277 ، 286، 287.
(3) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277 ، 286، 287.
(4) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277 ، 286، 287.

(15)

وقال أيضاً: كان محمد بن مسلم رجلاً شريفاً موسِراً، فقال له أبو جعفر عليه السَّلام: «تواضع يا محمد!» فلمّا انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من تمر مع الميزان وجلس على باب مسجد الجامع وجعل ينادي عليه، فأتاه قومه فقالوا له: فضحتنا، فقال:إنّ مولاي أمرني بأمر فلن أُخالفه ولن أبرح حتى من بيع باقي هذه القوصرة.(1).

هذا هو محمد بن مسلم في لسان الصادقينعليمها السَّلام ، ونصوصهما يكفينا عن توثيق أي موثّق، ومع ذلك لابن مسلم مع المتسنمين لمنصّة الاِفتاء والقضاء في عصره قضايا جميلة تعرب عن خضوعهم له في القضاء والاِفتاء.
1. روى الكليني في الكافي أنّرجلاً قدّم إلى ابن أبي ليلى خصماً له، فقال: إنّ هذا باعني هذه الجارية، فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعراً، وزعمت انّه لم يكن لها قط، فقال ابن أبي ليلى: إنّ الناس يحتالون لهذا بالحيل حتّى يذهبوا به، فما الذي كرهت؟ قال: أيّها القاضي إن كان عيباً فاقض لي به، قال: اصبر حتى أخرج إليك فإنّي أجد أذى في بطني، ثمّ دخل وخرج من باب آخر، فأتى محمد بن مسلم الثقفي، فقال له: أي شيء تروون عن أبي جعفر _ عليه السلام _ في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أيكون ذلك عيباً؟ فقال محمد بن مسلم: أمّا هذا نصاً فلا أعرفه، ولكن حدّثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه عن النبيصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن أبي ليلى: حسبك، ثمّ رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب.(2)
2. قال محمد بن مسلم: انّي لنائم ذات ليلة على السطح إذ طرق الباب


(1) اختيار معرفة الرجال، برقم: 278.
(2) الكافي: 5|215، التهذيب: 7|65 برقم 282.

(16)

طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: شريك يرحمك اللّه، فأشرفت فإذا امرأة فقالت : لي بنت عروس ضربها الطَّلق، فما زالت تطلق حتى ماتت والولد يتحرّك في بطنها ويذهب ويجيىء، فما أصنع؟ فقلت: يا أمة اللّه سئل محمد بن علي بن الحسين الباقر _ عليه السلام _ عن مثل ذلك، فقال: «يشق بطن الميت ويستخرج الولد»، يا أمة اللّه افعلي مثل ذلك! أنا يا أمة اللّه رجل في ستر، من وجّهك إليّ؟ قال: قالت لي: رحمك اللّه جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي، فقال: ما عندي فيها شيء، ولكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فانّه يخبر، فمهما أفتاك به من شيء فعودي إليّ فاعلمينيه ! فقلت لها: امضِ بسلام. فلما كان الغد خرجت إلى المسجد وأبو حنيفة يسأل عنها أصحابه، فتنحنحت فقال: اللهمّ غفراً دعنا نعيش.(1)

هذان النموذجان يدلان على مكانة الرجل في الاِحاطة بالنصوص ومصادر القضاء.

وقد لزم الرجل الاِمام الباقر قرابة أربع سنين وسأل الاِمام الصادق عن ستة عشر ألف حديث. روي أنّ ابن أبي عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن الحجاج وحماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم قال، فقال محمد بن مسلم: سمعتُ من أبي جعفر ثلاثين ألف حديث، ثمّ لقيتُ جعفراً ابنه فسمعت منه أو قال سألته عن ستة عشر ألف حديث أو قال مسألة.(2)

وعلى أيّة حال فهو من الذين أجمعت العصابة على تصديقهم وفقههم، ولهم دويّ في كتب الرجال والحديث.(3)


(1) اختيار معرفة الرجال: 162 برقم 275.
(2) اختيار معرفة الرجال برقم 280، 431.
(3) اختيار معرفة الرجال برقم 280، 431.

(17)

محمد بن مسلم في الكتب الرجالية

قال النجاشي: محمد بن مسلم بن رباح، أبو جعفر الاَوقص الطحان، مولى ثقيف، الاَعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد اللّه عليمها السَّلام وروى عنهما، وكان من أوثق الناس، له كتاب يسمّى الاَربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام.(1)

وقال الشيخ الطوسي: محمد بن مسلم بن رباح الثقفي، أبو جعفر الطحان، الاَعور أسند عنه، قصير حداج، روى عنهما عليمها السَّلام ، وروى عنه العلاء بن رزين القلاّء، مات سنة 150 وله نحو من سبعين سنة.(2)

وعدّه الشيخ المفيد في الرسالة العددية من الفقهاء والاَعلام الروَساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاَحكام، الذين لا يُطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم.(3)

وقال إسماعيل باشا البغدادي: محمد بن مسلم بن رباح الاَوقص المعروف بالطحان، مولى ثقيف، من علماء الشيعة الاِمامية بالكوفة، توفّي سنة 150 هـ، له كتاب الاَربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام.(4)

وقال أيضاً: كتاب الاَربعمائة مسألة من أبواب الحلال والحرام لمحمد بن مسلم بن رباح الكوفي الشيعي المتوفى سنة 150 هـ. (5)


(1) رجال النجاشي، برقم 883.
(2) رجال الطوسي: أصحاب الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ، الرقم 317؛ وترجمه أيضاً في أصحاب الاِمام الباقر _ عليه السلام _ برقم 1 باب الميم.
(3) الرسالة العددية :25، طبعة الموَتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفية الشيخ المفيد.
(4) إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين: 6|7.
(5) إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين المطبوع في ذيل كشف الظنون: 4|265.

(18)

وقال عمر رضا كحالة: محمد بن مسلم بن رباح الكوفي الطحان، الشيعي (أبو جعفر) فقيه، من آثاره كتاب الاَربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام.(1)

الاَُصول الاَربعمائة للشيعة

إذا كانت الاَحاديث مدونة على أسماء الصحابة يطلق عليها المسند مقابل تدوينها على الاَبواب حيث يرتب المحدِّث كتابه على الموضوعات، وقد يتوسع في إطلاقه فيطلق على تدوين روايات راو في كتاب خاص سواء كان صحابياً أم لا، روى عن المعصوم أم لا، وقد دوّن من أحاديث الاِمام الصادق وابنه الكاظم، أربعمائة مسندٍ اشتهر باسم الاَصل قد جمع كلّمحدّث رواياته عن الاِمام عليه السَّلام من غير ترتيب الاَبواب.

قال الاِمام الطبرسي(471 ـ 548هـ) في «اعلام الورى»: روى عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ من مشهوري أهل العلم، أربعة آلاف إنسان، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمّى الاَُصول رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسيالكاظم _ عليه السلام _ .(2)

وقال المحقّق الحلي (602ـ 676هـ) في «المعتبر»: كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنف لاَربعمائة مصنف سمّوها أُصولاً.(3)

وقال الشهيد (734ـ 786هـ) في «الذكرى»: كتب من أجوبة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف، ودوِّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل.(4)


(1) عمر رضا كحالة: معجم الموَلفين:12|21.
(2) الطبرسي: اعلام الورى: 284.
(3) المحقّق الحلي: المعتبر: 1|26.
(4) محمد بن مكي العاملي: الذكرى:6.

(19)

هذه هي مسانيد الشيعة في القرن الثاني، المعروفة بالاَُصول الاَربعمائة وطوارق الزمان وإن مسّت وضعها، لكن لم تمس موادّها ومضامينها، فموادّالاَُصول وأحاديثها انتقلت إلى الجوامع الحديثية الاَوّلية، كجامع البزنطي وجامع محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاَشعري باسم نوادر الحكمة وغيرهما، أو الثانوية كالكافي للكليني (ت 329هـ) أو الفقيه للصدوق (306ـ 381هـ) أو التهذيب والاستبصـار للطوسي (385 ـ 460هـ) إلى غير ذلك من الجوامـع الحديثية.

وقد قام الفاضل الجليل والحجّة الثقة الشيخ بشير المحمدي المازندراني ـ دامت إفاضاته ـ بإعادة مسند الحافظ الكبير محمد بن مسلم الطائفي إلى أوساط الحديث، بسعي متواصل وهمّة قعساء، وبيّن مكانةمحدّثنا الكبير في الحديث والاَحكام والعقائد، وقد دوّن مسندين آخرين لاِمامين كبيرين في الحديث، وهما:
1. مسند محمد بن قيس البجلي، راوية أقضية الاِمام أمير الموَمنين عليه السَّلام .
2. مسند زرارة بن أعين الشيباني الكوفي.

وكان للكتابين صدى واسع في الاَوساط العلمية، ونال التقدير والتبجيل من الاَكابر الملمّين بالحديث، وها هو الآن يقدم مسنداً ثالثاً للقرّاء، ألا وهو مسند ابن مسلم الطائفي، الذي كتب من أحاديث أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ ثلاثين ألف حديث. كما كتب من أحاديث ابنه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ستة عشر ألف حديث.

ولكنّه رعاه اللّه بعد الفحص الدوَوب في زوايا المكتبات وغضون المعاجم لم يعثر إلاّ على ألفي حديث، وهذا ان دلّ على شيء إنّمايدلّعلى ضياع قسم كبير من أحاديث حافظنا الكبير.


(20)

زرارة بن أعين الكوفي

الشيباني(80 ـ 150هـ)

مسند زرارة والمسانيد في الجوامع الحديثية

إنّ للحديث مكانة رفيعة بين المسلمين، وهو المصدر الرئيسيّ الثاني لديهم في مجالي العقيدة والشريعة.

فالفقيه يرجع إليه في استنباط الاَحكام الشرعية المطهّرة، والمفسِّر يَركن إليه في تفسير آيات الذكر الحكيم،والمتكلِّم يتّخذه سناداً لعقائد الاِسلام، والخطيب يستمدُّ منه في مجال الدعوة والاِرشاد، والعارف يُميِّز به المحاسن عن المساوىَ، فهو القسطاس المستقيم والمعيار القويم.

والحديث نور العقل ودليله، يتفكَّه به أُولوالنُهى، ويأنس به اللبيبُ، وفيه غرر الحكم، ودرر الحكم، وينابيع العلم، فجَّرها اللّه سبحانه على لسانِ مَنْ لا ينطق عن الهوى، نبيِّه وأفضل رسله محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ووعاه عنه أوصياوَه وعترته، وحفظه عنه أصحابه والتابعون لهم بإحسان، بجدّ وحماس، وولع شديد، إلى حدٍّ عضُّوا عليه النواجذ، وصرفوا فيه أعمارهم. وضربوا في طريق تحصيله آباط الاِبل.

ومن الموَسِف جداً أنّ الحظر السياسي ـ بعد رحيل النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ـ حالَ بين المسلمين وكتابة الحديث وتدوينه ونشره في الاَقطار


(21)

والاَمصار، حتى صار التحدُّث بحديث الرسول وكتابته وإفشائه إلى قرن، عملاً محظوراً يُلام على فعله، ويُحْرق كتابه بالنار، ويذهب جهده سدى.(1)

وقد سار الخلفاء على هذا النهي، وقامت حياتهم السياسية على هذاالاَساس، فكانت الصحابة والتابعون ممنوعين عن نشر ثاني أدلّة الاَحكام، وعدل القرآن، إلى أن رُفِعَ الحظرُ في خلافة عمر بن عبد العزيز، حيث أحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب رسالة إلى عالم المدينة أبي بكر بن حزم وأمره بكتابة حديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لاَنّه يخافُ من دروس العلم وذهاب العلماء.(2)

رُفِعَ الحظر، وعادت فكرة إحياء ما دثر من الآثار إلى المجتمع الاِسلامي، لكن بعد ما اختلط الحابل بالنابل، وتسرَّبتْ موضوعات كثيرة عن طريق الاَحبار والرهبان إلى الاَوساط الاِسلامية، وتفاقم الاَمر إلى حدٍّ أخرج محمد بن إسماعيلالبخاري صحيحه، الذي يحتوي بلا تكرار على 2761حديثاً من زهاء ستمائة ألف حديث.(3)

ومع أنّ عمر بن عبد العزيز كان موَكِّداً على تدوين الحديث ولكنَّ رواسبَ الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر، فلم تكتب بعد صدور الاَمر إلاّ صحائف غير مرتَّبة ولا منظَّمة، وإنّما قام المحدّثون بهذه الوظيفة الخطيرة بعدما زالت دولة الاَُمويين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فأخذوا بالكتابة والتدوين والتنظيم والترتيب.(4)

ولئن خضعت رقاب ثلّة من الصحابة والتابعين لهذا النهي رغباً أو رهباً


(1) تقييد العلم للخطيب البغدادي: 52.
(2) الصحيح للبخاري: 1|27.
(3) إرشاد الساري لشهاب الدين القسطلاني: 1|28.
(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 261.

(22)

لكن كان هناك لفيف منهم لم يروا لهذا النهي وزناً ولا قيمة، ولم يعبأوا به، وقاموا بضبط الحديث وتدوينه، وعلى رأسهم إمام المسلمين علي بن أبي طالب عليه السَّلام ، وتبعته شيعته وأصحابه، نذكر منهم السبّاقين إلى التدوين:
1. أبو ذر الغفاري: ضبط ما أوصاه به النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وقد شرحه العلاّمة المجلسي وأسماه «عين الحياة».
2. أبو رافع مولى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وخازن بيت المال في عصر الاِمام علي _ عليه السلام _ : له كتاب «السنن والاَحكام والقضايا».
3. ابنه علي بن أبي رافع كاتب أمير الموَمنين _ عليه السلام _ : صنَّف كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة ونحوهما.
4. ربيعة بن سميع، تلميذ الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _: له كتاب «زكاة النعم».

إلى غير ذلك من صحابيّ وتابعيّ، دفعوا عادية الحظر بالقيام بالوظيفة وتدوين ما روي عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وقد استأثر الحديث باهتمام متزايد في عصر الاِمام الباقر _ عليه السلام _ (57ـ114هـ)، والصادق _ عليه السلام _ (83ـ 148هـ).وهذا هو أحمد بن محمد بن عيسى ـ رئيس القمّيين في عصره ـ يقول: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين وأبان بن عثمان الاَحمر فأخرجهما إليّ، فقلت له احبُّ أن تجيزهما لي، فقال لي : يا رحمك اللّه وما عجلتك؟! اذهب فاكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذاالمسجد تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد.(1)


(1) رجال النجاشي: 40 برقم 80.

(23)

الشيعة هم أهل السنّة حقيقة

إنّ الشيعة ـ في الواقع ـ هم أهل السنّة، فإنّه إذا كانت اللفظة لا تعني سوى الاهتمام بالسنّة وشوَونها فأئمّة الشيعة وتلاميذ مدرستهم هم الذين أحيوا السنّة وأماتوا البدعة، خصوصاً في ظروف اندلعت فيها نيران الحرب بين الاَمويين ومناوئيهم من العباسيين ، وقد استغلّ الاِمامان الباقر والصادق عليمها السَّلام الفرصة فنشروا من أحاديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ما سارت به الركبان.

يقول الشيخ المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليمها السَّلام من علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر _ عليه السلام _ ، روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وروَساء فقهاءالمسلمين(1) وسارت بذكر كلامه الاَخبار، وأُنشدت في مدايحه الاَشعار.

تربّى على يدي الاِمام الصادق _ عليه السلام _ آلاف من المحدّثين والفقهاء، وجمع أصحابُ الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات فكانوا أربعة آلاف رجل(2) وهذه سمة امتاز بها الاِمام الصادق على غيره من الاَئمّة.

وقد وجد الاِمام الصادق _ عليه السلام _ أنّ السنّة النبويّة قد بدأ يعتريها اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة ففنَّد الآراء الدخيلة والاَحاديث المتسربة.

وقد أنجبت مدرسته الرفيعة شخصيات بارزة وفقهاء كبار يُعَدُّون من أعلام الدين واساتذة العلم وأئمّة الحديث ورواد الفضيلة، وأخصّ بالذكر منهم الطبقة الممتازة من تلاميذ الاِمامين عليمها السَّلام الذين كرّسوا أعمارهم في ضبط ما وعوه عنهما حتى صاروا مصابيح الدجى ومشاكي الظلام.


(1) الاِرشاد للشيخ المفيد: 261.
(2) المناقب لابن شهر آشوب: 4|247؛ الاِرشاد للشيخ المفيد: 271.

(24)

قال الكشي ـ عند تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلامـ: اجتمعت العصابة على تصديق هوَلاء الاَوّلين من أصحاب أبي جعفر _ عليه السلام _ ، وأصحاب أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقهُ الاَوّلين ستة: زرارة، ومعروف بن خرّبوذ، وبُريد، وأبو بصير الاَسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي. فقالوا: وأفقه الستة: زرارة.(1)

كيف لا يكون أفقه الستة، بل أفقه أهل عصره وخريجي مدرسة الاِمامين، وقد وصفه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ بعقود درّية نقتطف منها ما يلي:

إنّ زرارة من أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، ومن الذين ينفون عن هذا الدين انتحالَالمبطلين، وتأويل الغالين،ومن القوّامين بالقسط، والسابقين إلينا في الدنيا، والسابقين إلينا في الآخرة، وهو أحبُّ الناس إليّ أحياءً وأمواتاً، ولولاه لكانت أحاديث أبي ستذهب.(2)

وتوالت كلمات الثناء والاِطراء في حقّه من موَرخي الاِسلام وعلماء الرجال.

قال ابن النديم: وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيّع.(3)

وقال النجاشي: زرارة بن أعين بن سُنْسُنْ، أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلِّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه.

وأطراه صدوق المحدّثين وقال: رأيت له كتاباً في الاستطاعة والجبر، وأنّه


(1) رجال الكشي: 206، ثمّ سمّى طبقة أُخرى من فقهاء أصحاب الاِمام الصادق.
(2) اقتطفنا هذه العقود الدرّية من مواضع مختلفة من كلام الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في حقّ زرارة ، تقرأها في مواضعها في مقدمة مسند زرارة، فلاحظ.
(3) الفهرست لابن النديم: 323.

(25)

مات سنة خمسين ومائة.(1)

وهو كوفيّ التربة والولادة، شيبانيُّ الولاء لا النسب، كما صرح به أكثر من ترجمه.(2).

مشايخه في الرواية

إنّ شيخنا المترجم كان من حواري الاِمامين الباقر والصادق عليمها السَّلام ومن المختصّين بهما، روى عنهما في العقيدة والشريعة ما سيظهر لك مداه، إذا سبرت هذا المسند، ومع ذلك لم تَفِتْه الرواية عن سائر مشايخ الشيعة، أمثال:
1.أبي الخطاب 2. بكر 3. الحسن البزاز 4. الحسن بن السري 5. حمران بن أعين 6. سالم بن أبي حفصة 7. عبد الكريم بن عتبة الهاشمي 8. عبد اللّه بن عجلان 9. عبد الملك 10. عبد الواحد بن المختار الاَنصاري 11. عمر بن حنظلة 12. الفضيل 13. محمد بن مسلم 14. اليسع.(3)

وقد جاء في هذا المسند من أحاديثه المبثوثة في كتب الحديث قرابة 1800 حديث.

هذا زرارة، ومكانته في الحديث، ومنزلته عند الاَئمّة ،ولا يشكّ في وثاقته وصدقه وأمانته أيّ ذي مسكة. ولئن صدر عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في بعض الظروف كلام لا يناسب شأن الرجل فإنّما صدر عنه _ عليه السلام _ لحفظ دمه وعرضه، لاَنّ الرجل كان وليدَ بيت كبير ضربَ بجرانه الكوفة وأطرافها، وكان معاشراً مع أكابر السنّة وحكّامهم وقضاتهم، وكان في بيته من لم يتشيّع بعدُ وكان أعداء أهل البيت يكنُّون العداء لرافع ولائهم ولوائهم، فأراد الاِمام _ عليه السلام _


(1) رجال النجاشي: 175 برقم 463.
(2) الفهرست لابن النديم: الفن الخامس من المقالة السادسة تحت عنوان آل زرارة ص 322.
(3) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي :7| 247 برقم 4662.

(26)

بكلامه هذا صيانة دمه. وقد صرّح الاِمام بذلك في كلامه مع ولده الحسين بن زرارة، فقال:« أقرىَ منّي على والدك السلام، وقل له إنّي إنّما أُعيبُك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس والعدوّ يسارعون إلى كلِّ من قرّبناه وحُمدنا مكانه، لاِدخال الاَذى فيمن نحبُّه ونقرِّبه، ويرمونه لمحبّتنا له وقربه ودنوّه منّا، ويرون إدخال الاَذى عليه وقتله، ويَحمدون كل من عبناه نحن، وأن يُحْمَد أمره، فإنّما اعيبك لاَنّك قد اشتهرت بنا ولميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الاَثر بمودتك لنا وبميلك إلينا، فأحببت أن أُعيبك ليَحْمِدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك وتكون بذلك منّا دافع شرهم عنك. ثمّ تمثل بآية السفينة التي كانت لمساكين...وقال: لا واللّه ما عابها إلاّ لكي تَسْلَمَ من الملك ولا تُعْطَبَ على يديه، ولقد كانت صالحة ليس للعيب منها مساغ».(1)

إنّ هناك بوناً شاسعاً بين أبي بصير خِصِّيص الاِمام الصادق _ عليه السلام _ و زرارة ابن أعين، إذ لم تكن لاَبي بصير أيّة صلة بالشخصيات البارزة في العراق خصوصاً الحكّام والقضاة، وما كان معروفاً في أوساط العراق، وهذا بخلاف زرارة، فقد كان من رجال العراق ورئيس القبيلة، وكفى في ذلك ما قاله الجاحظ: زرارة بن أعين مولى بني أسعد بن همام، وكان رئيس النميمية(2)ويصفه أبو غالب من مشايخ الشيعة ومن أبناء ذلك البيت الرفيع بقوله: إنّ زرارة كان وسيماً، جسيماً، أبيض، وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس أسود، وبين عينيه سجادة، وفي يده عصا، فيقوم له الناس سماطين، ينظرون إليه لحسن هيئته، وربما رجع عن طريقه، وكان خصماً، جدلاً، لا يقوم أحد لحجته، إلاّ أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، والمتكلّمون من الشيعة تلاميذه.(3)


(1) رجال الكشي: 138 برقم221، وقد أفاض الكلام في ذلك العلاّمة المامقاني، لاحظ تنقيحالمقال.
(2) رسالة أبي غالب الزراري: 134 و 136.
(3) رسالة أبي غالب الزراري: 134 و 136.

(27)

بيت آل أعين

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا يمكن أن يقال أو قيل في حقّ فقيه عصره ومحدّث زمانه، وكفى في الاِشادة بفضله وفقهه سبر هذا المسند، فإنّ في نفس الاَسئلة التي طرحها لدى الاِمامين عليمها السَّلام لدليلاً واضحاً على أنّالرجل كان ملمّاً بالفقه، عارفاً بأُصوله وقواعده، مناقشاً أبناء عصره، وكان يستمدّ من منهل علوم أئمته، وربما كان لا يقتنع بسماع الحكم من إمامه، ويطلب منه الحجّة من الكتاب والسنّة ، ويناقشه حتى يتجلّى له الحقّ، تلمس كلَّ ذلك بالسبر في أحاديث هذا المسند.

وقد قام الشيخ المتضلّع أبو غالب الزراري (285ـ 356هـ) بتأليف رسالة ضافية للتعرف على آل أعين ـ والد زرارة ـ فالناظر في هذا الكتاب ينظر إلى روضة غنّاء يشاهد فيها شجرة طيّبة لها أغصان، ودوحة لها أفنان، وقد نبغ في هذا البيت حَمَلةُ الحديث وحفّاظه، فصاروا قدوة للاَُمّة ونوراً على جبين الدهر.

يقول شيخنا الزراري في صدر رسالته: أما بعد، فإنّا أهل بيت أكرمنا اللّه عزّوجلّ بمنّه علينا بدينه واختصّنا بصحبة أوليائه وحججه على خلقه من أوّل نشأتنا إلى وقت الفتنة التي امتحنت فيها الشيعة.(1)فلقي حمران (2)سيّدنا وسيد العابدين علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما ، وكان حمرانُ من أكبر مشايخ الشيعة المفضَّلين، الذين لا يشكّ فيهم، فكان أحدَ حملة القرآن، ومن يُعَدّ ويُذْكَرُ اسمه في كَتْبِ القرّاء، وروي أنّه قرأ على أبي جعفر محمد بن علي عليمها السَّلام ، وكان ـ مع ذلك ـ عالماً بالنحو واللغة. ولقي حمران وجدّانا زرارة وبكير: أبا جعفر


(1) أرّخ تاريخ الفتنة في رسالته عام 314، حيث هجمت القرامطة على الكوفة معقل الشيعة.
(2) حمران بن أعين أخو زرارة.

(28)

محمد بن علي، وأبا عبد اللّه جعفر بن محمد عليمها السَّلام . ولقي بعض إخوتهم وجماعة من أولادهم مثل حمزة بن حمران وعبيد بن زرارة و محمد بن حمران وغيرهم أبا عبد اللّه جعفر بن محمد عليمها السَّلام ورووا عنه ـ إلى أن قال: ـ وآل أعين أكثر أهل بيت في الشيعة وأكثرهم حديثاً وفقهاً، وذلك موجود في كتب الحديث ومعروف عند رواته....(1)

ثمّذكر في الرسالة رجال بيته الشامخ من عصر أعين إلى تاريخ تأليف الرسالة التي ألّفها لحفيده عام 356، ومن أراد الاطّلاع فعليه الرجوع إليها وقد شرحها العلاّمة المعاصر السيد محمد علي الموسوي الاَبطحي (دام ظلّه). (2)

وقال بحر العلوم: آل أعين أكبر بيت في الكوفة، من شيعة أهل البيت عليهم السَّلام ، وأعظمهم شأناً، وأكثرهم رجالاً وأعياناً، وأطولهم مدة وزماناً، أدرك أوائلهمالسجاد والباقر والصادق _ عليهم السلام _ وبقى أواخرهم إلى أوائل الغيبة الكبرى، وكان فيهم العلماء والفقهاء والقرّاء والاَُدباء ورواة الحديث.(3)

المدوّنات في الحديث وأقسامها

كثرت المدوّنات في الحديث، ومن أنواعها المسند والمعجم والجامع والسنن(4) فإذا كانت الاَحاديث مدوّنة مرتبة على أسماء الصحابة فَيُتَرجَم بالمسند مقابل تدوينه على الاَبواب، حيث يرتب المحدِّث كتابه على الموضوعات، والموضوع الواحد يتناول موضوعاتٍ جزئية، وتحت كل موضوع جزئي أحاديث توضح الموضوع.


(1) رسالة أبي غالب الزراري:114.
(2) طبعت الرسالة عام 1399 هـ.
(3) الفوائد الرجالية لبحر العلوم : 1|222.
(4) راجع في الوقوف على خصوصيات هذه الاَنواع، التقريب والتفسير مع شرح السيوطي، والوجيز في علوم الحديث، ولاحظ كتاب أُصول الحديث وأحكامه: 202ـ 204.

(29)

ففي المسند يجمع الموَلّف أحاديث الصحابي ـ في موضوعات مختلفة ويَضُمّ بعضها إلى بعضٍتحت عنوان، كمسند عبد اللّه بن عباس، أو عبد اللّه بن مسعود، أو أُبيّ بن كعب، وربما يتوسع فترتب المسانيد على أسماء القبائل، أو على حسب السابقة إلى الاِسلام أو الشرافة في البيت وقد يقتصر على أحاديث صحابي واحد كمسند الاِمام علي _ عليه السلام _ أو جماعة منهم كأحاديث الخلفاء، أو العشرة، أو طائفة خاصة جمعها وصف واحد، كمسند الصحابة الذين نزلوا مصر أو الكوفة.

وقد قام لفيف من المحدثين القدامى بتدوين الحديث على هذا النوع، فمن الشيعة نذكر ما يلي:
1. مسند الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ لاَبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي شيخ جعفر بن قولويه الذي توفّي عام 367 هـ.(1)
2. مسند ابن عباس له أيضاً.(2)
3. مسند زيد بن علي بن الحسين (الشهيد عام 122هـ) جمعها عبد العزيز ابن إسحاق البقّال (المتوفّى عام 313هـ)، ورواه عن زيد أبو خالد عمرو بن خالدالواسطي .(3)وقد ذكر النجاشي سنده إلى عمرو بن خالد الواسطي الذي كان زيدياً.(4)
4. مسند عبد اللّه بن بكير بن أعين جمعه أبو العباس أحمد بن عقدة الهمداني اليماني (المتوفّى عام 333هـ).(5)

إلى غير ذلك ممّا ذكره البحاثة الكبير شيخنا المجيز الطهراني في الذريعة.(6)


(1) رجال النجاشي: 240 برقم 640.
(2) رجال النجاشي: 240 برقم 640.
(3) الذريعة للطهراني: 21|26.
(4) رجال النجاشي: 288 برقم 771.
(5) رجال النجاشي: 94 برقم 233.
(6) الذريعة للطهراني: 21|27.

(30)

5. مسند زرارة بن أعين (80 ـ150هـ) جمعها الشيخ بشير المحمدي بعد جهد متواصل وسعي حثيث، فأعاد بذلك تأليف مسند شيخ الشيعة فيالقرنالثاني.

وألّف أهل السنّة مسانيد كثيرة نذكر المشهور منها:
1. مسند أبي داود سلمان بن داود بن الجارود البصري الطيالسي (المتوفّى عام 206هـ).وقيل هو أوّل من ألّف في المسانيد بين أهل السنّة(1) و هو أحد عشر جزءاً طبع في مجلّد واحد.
2. مسند الحافظ عبد اللّه بن الزبير الحميدي (المتوفّى عام 219هـ)، بتحقيق حبيب الرحمن الاَعظمي في جزءين، يبلغ عدد أحاديثه إلى 1300 حديث والغالب عليه المرفوعة، وفيه عدد قليل من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين.
3. مسند الاِمام أحمد (المتوفّى عام241هـ) وهو المتبادر عند الاِطلاق، وقد أفردنا رسالة في تحقيق حال هذا المسند، طبعت في سالف الزمان ضمن كتاب حول مسند الاِمام أحمد.
4. مسند الحافظ أبي يعلى الموصلي (210ـ 307هـ) طبع في ثلاثة عشر جزءاً، بتحقيق حسين سليم أسد، وهناك مسانيد أُخرى يقف عليها من له إلمام بالحديث وعلومه.



(1) تدريب الراوي للسيوطي: 1|140 نقلاً عن العراقي.


(31)

السيد علي بن الحسين الموسوي

الشريف المرتضى (355 ـ 436هـ)

أكاذيب مزيفة في حياة المرتضى

لقد كان للسيدين الرضي والمرتضى مقام شامخ في دنيا الكلام والذبّ عن المذهب بما أُوتيا من وقادة الفكر، ورصانة البيان، ناهيك أنّ السيّد المرتضى له تصنيفات كثيرة في حقل الكلام تتجلّى فيها أفكاره وقوّة برهانه، ككتاب «الشافي» الذي نقض به كتاب المغني للقاضي عبد الجبار، و«الذّخيرة » وهي دورة كلامية مسهبة طبعت في جزءين.

إضافة إلى ما أورده من البحوث الكلامية في غرره ودرره المعروف بـ«الاَمالي» وفي «الفصول المختارة» و «تنزيه الاَنبياء» ورسائله وجواباته القيّمة.

وهذه الموَلّفات تدلّ على سموّ مقامه وأنّه أُستاذ لا ينازعه أحد في عصره.

وأمّا شقيقه الرضي فقد غلب أدبه وشعره على علمه، إلاّ أنّ كتابه «حقائق التنزيل في تفسير القرآن الكريم» الذي عبث به الزمان ولم يصل إلينا سوى الجزء الخامس منه، خير شاهد على نبوغه في فهم وتفسير ما يرجع إلى الآيات حول العقائد والمعارف، مضافاً إلى أنّ ما في كتابيه «مجازات القرآن» و«المجازات النبوية» غنىً وكفاية على ذلك أيضاً.


(32)

ولمّا نسبت بعض الاَيدي الاَثيمة إليهما ما لا يليق بمقامهما الشامخ، آليت على نفسي أن أُدافع عنهما بمتابعة المعاجم والمصادر لتوخّي الحقيقة.

إنّ الرضي والمرتضى في دوح السيادة ثمران، وفي فلك الرياسة قمران، وأدب الرضي إذا قُرن بعلم المرتضى كان كالفِرِنْد في متن الصارم المنتضى.(1)

وقد وصف أبو العلاء المعرّي الشريفين في قصيدة يرثي بها والدهما بقوله:

أبقيتَ فينا كوكبين سناهما * في الصبح والظلماء ليس بخاف

إلى أن قال:

ساوى الرضي والمرتضى وتقاسما * خطط العلى بتناصف وتصاف(2)

روى أهل السير والتواريخ أنّ المفيد أبا عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان نابغة العراق، ومفخرة الآفاق، رأى في منامه أنّ فاطمة _ عليها السلام _ بنت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها: الحسن والحسين عليمها السَّلام صغيرين، فسلّمتهما إليه، وقالت له: علِّمهما الفقه. فانتبه متعجّباً من ذلك، فلمّا تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الروَيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، وحولها جواريها وبين يديها ابناها: محمد الرضي وعليّ المرتضى صغيرين، فقام إليها وسلّم عليها فقالت له: أيّها الشيخ: هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلّمهما الفقه، فبكى أبو عبداللّه، وقصّ عليها المنام وتولّى تعليمهما الفقه، وأنعم اللّه عليهما وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، وهو باق ما بقي الدهر.(3)


(1) دميّة القصر:1|299، القسم الثالث في فضلاء العراق. الفِرِنْد: السيف، يقال: «سيفٌ فِرِند» أي لا مثيل له.
(2) ديوان سقط الزند لشاعر المعرّة: 1301،ط القاهرة.
(3) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة:1|41؛ رياضالعلماء:4|22؛الروضات:4|295.

(33)

هكذا بدأ العلمان حياتهما الفكرية والعلمية، ونشئا وترعرعا في مدرسة أُستاذ واحد غير أنّ كلّ منهما انطلق حسب ذوقه ومواهبه الطبيعية، وفي مجال خاصّ. فصبّ الرضي اهتمامه على العلوم الاَدبية والشعر، والحديث والتفسير، وتولّـي نقابة الطالبيّين إلى غير ذلك من مهامّ الاَُمور.

بينما صبّ المرتضى جهوده على الفقه والكلام ثمّ التفسير، فنبغ كلّ واحد منهما في مجال خاصّ مع اشتراكهما في سائر المجالات العلمية والفكرية.

ولاَجل ذلك نجد أنّ الرضي يراجع أخاه المرتضى في المسائل الفقهية ويطلب منه حلّها.

قال الشهيد الاَوّل في «الذكرى» والشهيد الثاني في «الروض» في مسألة الجاهل بالقصر في السفر: حيث إنّ الاِمامية تذهب إلى صحّة صلاة الجاهل بالحكم إذا أتمّ مكان القصر.

سأل الرضي أخاه المرتضى وقال: إنّ الاِجماع واقع على أنّمن صلّى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزية، والجهل بأعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزية، (فكيف تكون صلاة الجاهل بوجوب القصر إذا أتمّ صحيحة؟) فأجابه المرتضى بجواز تغيّر الحكم الشرعي بسبب الجهل، وإن كان الجاهل غير معذور.(1)

كما أنّ هناك ما ينبىَ عن أنّ المرتضى يرجع إلى أخيه الرضي في الفنون التي برع فيها أخوه. روى السيد نعمة اللّه الجزائري قال: دخل أبو الحسن على السيّدالمرتضى طاب ثراه يوماً وكان المرتضى قد نظم أبياتاً من الشعر فوقف به بحر الشعر فقال: يا أبا الحسن خذ هذه الاَبيات إلى أخي الرضي وقل له يتمّها


(1) بحر الفوائد للعلاّمة الشيخ محمد حسن الاشتياني،ص 45 وغيرها.

(34)

وهي هذه:

سرى طيف سلمى طارقاً فاستفزّني * سحيراً وصحبي في الفلاة رقود

فلمّا انتبهنا للخيال الذي سرى * إذ الاَرض قفراً والمزار بعيد

فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي * لعلّ خيالاً طارقاً سيعود

قال أبو الحسن: فأخذت الاَبيات، ومضيت إلى السيّد الرضي، فلمّـا رآها قال: عليّ بالمحبرة فكتب:

فردّت جواباً والدموع بوادر * وقد آن للشمل المشتت ورود

فهيهات عن ذكرى حبيب تعرّضت * لنا دون لقياه مهامه بيد

فأتيت بها إلى المرتضى، فلمّا قرأها ضرب بعمامته الاَرض وقال: يعزّ عليّ أخي، يقتله الفهم بعد أُسبوع، فما دار الاَُسبوع إلاّوقد مضى الرضيّ إلى رحمة اللّه سبحانه.(1)

وممّا يكشف عن شدّة التلاحم والارتباط والودّ بين هذين الاَخوين العلمين، أنّه لمّا توفّي السيّد الرضي وحضر الوزير فخر الملك وجميع الاَعيان والاَشراف والقضاة جنازته، والصلاة عليه، مضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليمها السَّلام لاَنّه لميستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه.

وصلّى عليه فخر الملك أبو غالب؛ ومضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي، فألزمه بالعَوْد إلى داره.

نرى أنّ المرتضى يصبّ عواطفه الرفيعة وحنانه في الاَبيات التالية:


(1) رياض العلماء:4|64؛ الروضات:6|199.

(35)

يا للرجال لفجعةٍ جَذَمَتْ يدي * ووددت لو ذهـبَت عـليّ برأسي

ما زلت آبَى وِردَهــا حـتى أتت * فَحسوتُها في بعـض ما أنا حاسي

ومَطــلتُها زمنــاً فلمّا صــمّمت * لم يَثــنِها مَطْـلِي وطـولُ مِـكاسي

للّه عمــرك من قصــير طــاهرٍ * ولربّ عمــرٍ طـــال بالاَدنـاس(1)

هذا بعض ما حفظ التاريخ من تفاني كلّ من الاَخوين بالنسبة إلى الآخر.

غير أنّ ثمة شرذمة من أهل السير والتراجم لم يتحمّلوا ما وجدوه بين هذين الاَخوين من العطف والمودّة، والاَدب والاَخلاق والفضائل والمناقب، فعادوا ينسبون إليهما ما لاتصحّ نسبته إلى من هو أدون منهما بدرجات، وإليك بعض هذه التهم التي تكذّبها سيرة العلمين وحياتهما المشرقة.

المرتضى خائض في دماء...

يحكى أنّه اقتدى الرضي يوماً بأخيه المرتضى في بعض صلاته، فلمّا فرغ قال: لاأقتدي بك بعد هذا اليوم أبداً؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: لاَنّي وجدتك خائضاً في صلاتك في دماء النساء فصدّقه المرتضى وأنصف، والتفت إلى أنّه أرسل ذهنه في أثناء تلك الصلاة إلى التفكّر في مسألة من مسائل الحيض.

وربّما يحكى أنّ الرضي بمجرّد أن انكشفت له الحالة المزبورة، انصرف من صلاته وأخذ في الويل والعويل، وأظهر الفزع الطويل في تمام السبيل إلى أن بلغ المنزل بهذه الحالة؛ فلمّا فرغ المرتضى، أتى المنزل من فوره، وشكا ما صنعه به إلى أُمّه، فعاتبته على ذلك، فاعتذر عندها بما ذكر وأنّه كان يتفكّر إذ ذاك في مسألة من الحيض، سألته عنها بعض النسوة في أثناء مجيئه إلى الصلاة.(2)


(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة:1|41. راجع ديوانه:2|142.
(2) روضات الجنات:6|202ـ203، نقلاً عن صاحب حدائق المقرّبين.

(36)

تساوَلات حول القصة؟

وهذه القصة تحيط بها إبهامات عديدة وتساوَلات نشير إليها:

الاَوّل: هل الفكرة الشرعية الصحيحة إذا راودت ذهن الاِنسان في أوقات ـ الصلاة أو غيرها ـ توجب تمثّلَ الاِنسان بنفس تلك الفكرة عند أرباب البصائر وذوي العيون البرزخية، الذين يستطيعون مشاهدة ماوراء الحجب والستور ببصائرهم؟

فلو خاض الاِنسان في أحكام السرقة أو حدّ الزنا والقذف، فهل يوجب ذلك أن يتمثّل المفكّر فيها، عند من يعاين الاَشياء بأنظار ثاقبة، سارقاً وزانياً وقاذفاً؟ لا أظن أن يتفوّه بهذا أيّ حكيم نابه أو عارف بصير، بل لازم تلك البصيرة أن يعاين صاحب الفكرة على الحالة التي هو عليها، فيرى الرضي صاحب تلك البصيرة أخاه الفقيه على الحالة التي هو عليها، أي مفكّراً ومتعمّقاً في مسألة فقهية شاغلاً بها لا خائضاً في الدماء.

الثاني: أنّ القصة تكذّب نفسها، فإنّ لازم رجوع النساء إلى المرتضى ـ في المسائل المختصة بالنساء ـ هو كون المسوَول من ذوي الشخصيات الضاربة في الاَربعين أو ما يقاربه، ولازم إرجاع الشكاية إلى الاَُم كون المصلّي والمقتدي في سنين الصبا، ومن المعلوم أنّالاَخوين كانا متقاربي السن ولا يكبر المرتضى عن أخيه الرضي إلاّ بأربعة أعوام.

الثالث: أنّ القصة على بعض الروايات تصرّح بانصراف الرضي عن الصلاة بقطعها وإبطالها، وهو أمر محرّم ولا يسوغ لمثل الرضي ارتكابه.


(37)

2. المرتضى شحيح والرضيّ سخي!

إنّ هذه التهمة ليست التهمة الوحيدة التي أُلصقت بالمرتضى، بل نسجت الاَلسنة الحاقدة فرية أُخرى أرادوا بها الانتقاص من ذينك العلمين الجليلين، وإليك واحدة أُخرى من هذه التهم:

قال صاحب كتاب «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب»: إنّ المرتضى كان يبخل ولمّا مات خلف مالاً كثيراً وخزانته اشتملت على ثمانين ألف مجلّد، ولم أسمع بمثل ذلك، وقد أناف القاضي عبد الرحمان الشيباني على جميع من جمع كتباً فاشتملت خزانته على مائة ألف وأربعين ألف، وكان المستنصر أودع خزانته في المستنصرية ثمانين ألف مجلداً.(1)

ثمّ إنّ القصّاصين لم يكتفوا بهذه التهمة، بل ذكروا شاهداً ونقلوا عن أبي حامد أحمد بن محمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي انّه قال: كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضي أبو الحسن، فأعظمه وأجلّه ورفع من منزلته، وخلّى ما بيده من الرقاع والقصص، وأقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثمّ دخل عليه المرتضى أبو القاسمرحمه اللّه فلم يعظّمه ذلك التعظيم، ولاأكرمه ذلك الاِكرام. وتشاغل عنه برقاع يقرأها، وتوقيعات يوقّع بها، فجلس قليلاً،وسأله أمراً، فقضاه، ثمّ انصرف.

قال أبو حامد: فتقدّمتُ إليه، وقلت له: أصلح اللّه الوزير هذا المرتضى هوالفقيه المتكلّم صاحب الفنون، وهو الاَمثل والاَفضل منهما وإنّما أبو الحسن شاعر، قال: فقال لي: إذا انصرف الناس وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة.

قال: وكنت مُجمِعاً على الانصراف، فجاءني أمرٌ لم يكن في الحساب،


(1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 235؛ و لاحظ أيضاً الرياض:4|21.

(38)

فدعتِالضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوّض الناس واحداً فواحداً. فلمّا لم يبق إلاّ غلمانه وحُجّابه، دعا بالطعام، فلمّا أكلنا وغسل يديه وانصرف عنه أكثرُ غلمانه، ولم يبق عنده غيري قال لخادم: هات الكتابين اللّذين دفعتهما إليك منذ أيّام وأمرتُك أن تجعلهما في السفَط الفلاني فأحضرَهما، فقال: هذا كتاب الرضيّ، اتّصل بي أنّه قد وُلدَ له ولد، فأنفذتُ إليه ألف دينار وقلت له: هذه للقابلة، فقدجرت العادة أن يحمِل الاَصدقاء إلى أخِلاّئهم وذوي مودّتهم مثلَ هذا في مثل هذه الحال، فردّها وكتب إليّ: هذا الكتاب فاقرأه، قال: فقرأته وهو اعتذار عن الرد، وفي جملته: إنّنا أهل بيت لا يطّلع على أحوالنا قابلة غريبة، وإنّما عجائزنا يتولّين هذا الاَمر من نسائنا ولَسنَ ممّن يأخذ أُجرة، ولا يقبلن صلة. قال: فهذا هذا.

وأمّا المرتضى فإنّنا كنّا قد وزّعنا وقسّطنا على الاَملاك ببادرويا تقسيطاً نصرفه في حَفر فوّهة النهر المعروف بنهرِ عيسى، فأصاب مِلكاً للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهماً ثَمَنها دينار واحد، قد كتب إليّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فاقرأه، فقرأته وهو أكثر من مائة سطر، يتضمّن من الخضوع والخشوع والاستمالة والهزّ والطلب والسوَال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه.

قال فخر الملك: فأيّهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل؟ هذا العالم المتكلّم الفقيه الاَوحد ونفسه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يُشهر إلاّ بالشعر خاصّة، ونفسُه تلك النفس! فقلت: وفّق اللّه تعالى سيدنا الوزير فمازال موفّقاً؛ واللّه ما وضع سيدنا الوزير الاَمرَ إلاّفي موضعه، ولا أحلّه إلاّ في محلّه ! وقمت فانصرفت.(1)


(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة:1|39ـ40؛ روضات الجنات:6|195.

(39)

قرائن تكذّب هذه القصة

إنّ ثمة قرائن وشواهد قويّة دلّت على أنّ القصة، حديث كاذب، وتهمة مختلقة، وإليك تلك القرائن المفيدة للعلم بخلاف هذه الحكاية:
1. إنّ السيد المرتضى وهو ذلك الرجل الصدوق ينصّ بنفسه على أنّه لم يكن يرى لثروته الطائلة قيمة تجاه مكارمه وكراماته وكان يقول:

وما حزّني الاِمـلاق والثروة التي * يذلُّ بهـا أهـل اليــسـار ضلالُ

أليـس يُبقِّي المــال إلاّ ضنانة * وأفــقر أقـواماً نــدى ونــوالُ

إذا لم أنل بالمال حاجة مُعسر * حصورٍ عن الشكوى فمالي مال (1)

أفترى أنّ صاحب هذه الروحية العالية يكتب لاِعطاء عشرين درهماً مائة سطر يتضمّن من الخضوع والخشوع مالايرتكبه أدنى الناس فكيف بمثله؟!
2. إنّ الشريف المرتضى تقلّد بعد أخيه الرضي نقابة الشرفاء شرقاً وغرباً وإمارة الحاج والحرمين، والنظر في المظالم، وقضاء القضاء ثلاثين سنة وذلك من عام 406(وهو العام الذي توفّي فيه أخوه الرضي) إلى عام 436 الذي توفّي فيه نفس الشريف.

أفهل يمكن أن يقوم بأعباء مثل هذه المسوَولية الاجتماعية من يبخل بدينار واحد يصرفه فخر الملك في حفر نهر تعود فائدته إلى الجميع، ويكتب في إسقاطه أكثر من مائة سطر؟! حاشاه.

هذا والحجيج بين شاكر لكلاءته، وذاكر لمقدرته، ومُطْرٍ لاَخلاقه، ومتبرّك بفضائله، ومثنٍ على أياديه، وهذا يفيد أنّ الشريف المرتضى كان كأخيه الرضي


(1) الغدير:4|275، ولم يذكر مصدره.

(40)

سخياً معطياً، ولمير للمال قيمة.
3. إنّ ابن خلّكان بعدما عرّفه بقوله: كان إماماً في علم الكلام والاَدب والشعر، أتى بقصة حكاها الخطيب التبريزي، وهي بنفسها أقوى شاهد على أنّ السيد كان ذا سماحة كبيرة.

قال الخطيب: إنّ أبا الحسن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سلَّك الفالي الاَديب كانت له نسخة لكتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى بستّين ديناراً، فتصفّحها فوجد فيها أبياتاً بخطّ بائعها، وهي:

أنِسْتُ بها عشـرين حـولاً وبعتها * فقد طال وَجْدي بعدها وحنيني

و ما كـان ظنّـــي أنّنـي سـأبيـعها * ولوخلَّدتني في السـجون ديوني

ولكـن لضــعفٍ وافتــقار وصبـيةٍ * صغـارٍ عليـهم تستـهلُّ شـوَوني

فقلت ولم أمــلك ســـوابق عَبرةٍ * مقـــالة مكـويّ الفــوَاد حـزينِ

«وقد تُخرج الحاجات يا أُم مالك * كـرائم مـن ربّ بهـــنّ ضَنين»

وقال الخطيب: فأرجع السيد النسخة إليه وترك له الدنانير.(1)

أفهل في وسع البخيل الشحيح المقدم على التنقيص من كرامته لاَجل إسقاط دينار ضُرب عليه لحضرته، أن تسخو نفسه وتجود بمثل هذه الدنانير؟!
4. روى أصحاب التراجم أنّ السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته حتى انّه قرّر للشيخ الطوسي كلّ شهر أيّام قراءته عليه اثني عشر ديناراً وعلى ابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير، ليتفرّغوا بكلّ جهدهم إلى الدراسة من غير


(1) وفيات الاَعيان:3|316، ط بيروت، دار الثقافة.

(41)

تفكّر في أزمات المعيشة.(1)

أفي وسع القارىَ أن يتّهم من يدرّ من ماله الطاهر أو ممّا يصل إليه من الناس من الحقوق الشرعية على تلامذته الكثيرين البالغ عددهم المئات هذه الرواتب الطائلة، أن يشحّ ويبخل بدينار، ويكتب في إسقاطه مائة سطر؟!!
5. إنّ الشريف المرتضى كان قد وقف قرية على كاغذ(2)الفقهاء، حتى لا يواجه الفقهاء أية أزمة في لوازم الكتابة والتحرير.
6. وقد روي أنّ السيد المرتضى كان يملك قرى كثيرة واقعة بين بغداد وكربلاء، وكانت معمورة في الغاية، وقد نُقِل في وصف عمارتها أنّه كان بين بغداد وكربلاء نهر كبير، وعلى حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات، وكان يعمل في ذلك السفائن، فإذا كان في موسم الثمار كانت السفائن المارة في ذلك النهر تمتلى من سقطات تلك الاَشجار الواقعة على حافتي النهر، وكان الناس يأكلون منها من دون مانع.(3)

7.قد نقل أصحاب السير أنّ الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوته، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى وسأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، وأمر له بجزاية تجرى عليه كلّيوم، فقرأ عليه برهة، ثمّ أسلم على يديه.(4)
8. إنّ ياقوت الحموي نصّ في معجم الاَُدباء( ج3، ص 154) على


(1) الرياض:4|20، لاحظ مقالنا حول ترجمة عبد العزيز بن البرّاج المنشور في الجزء الاَوّل من كتاب «المهذّب» فقد ذكرنا مصادر هذا الموضوع.
(2) كذا في المصدر. والمراد القرطاس.لاحظ الروضات: 4|296.
(3) الرياض:4|20.
(4) الرياض:4|23 ؛ الروضات:4|296.

(42)

أنّالمرتضى كان يدخل عليه من أملاكه كلّ سنة أربعة وعشرون ألف دينار.
9. إنّ الشريف المرتضى هو أوّل من جعل داره دار العلم وقدرها للمناظرة ويقال: إنّه أُمّر ولم يبلغ العشرين، وكان قد حصل على رئاسة الدنيا بالعلم والعمل الكثير، والمواظبة على تلاوة القرآن وقيام الليل، وإفادة العلم، وكان لا يوَثر على العلم شيئاً مع البلاغة وفصاحة اللهجة.

وحكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنّه قال: كان الشريف المرتضى ثابت الجأش، ينطق بلسان المعرفة ويردّد الكلمة المسدّدة، فتمرق مروق السهم من الرمية ما أصاب وما أخطأ أشوى.(1)

والقارىَ الكريم إذا لاحظ ما ذكرناه في هذه الفقرات الخمس الاَخيرة يقف على تفاهة ما نُسب إلى هذا العَلَم من تلك القصّة المنحوتة المختلَقَة.
10. إنّ القصّة تتضمّن أنّفخر الملك لم يُعظِّم المرتضى بما يليق بشأنه وتشاغل عنه برقاع يقرأها وتوقيعات يوقع بها، ولكن الفخر هذا قد عظم المرتضى بأفضل ما يمكن يوم مات الشريف الرضي حيث إنّ المرتضى لم يشهد جنازة أخيه، ولم يستطع أن ينظر إلى تابوته وذهب إلى مشهد موسى بن جعفر عليمها السَّلام،ومضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى المشهد الكاظمي، واستدعى منالسيد العود إلى داره ببغداد.

فبأي هذين الموقفين نذعن؟!

هذه القرائن والشواهد تشهد بوضوح على بطلان هذه القصة الخرافية، وتدلّ على أنّ ناسجها نسجها في غير موضعها.
11.قد اشتهر على ألسن العلماء أنّه لمّا اتّفقت فقهاء العامة على حصر


(1) لسان الميزان:4|223 نقلاً عن تاريخ ابن أبي طيّ.

(43)

المذاهب الفقهية الاِسلامية التي تعدّدت وتشعّبت من زمان الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى عصر السيد المرتضى في مذاهب معيّنة، التقى السيد المرتضى بالخليفة وتعهّد له أن يأخذ من الشيعة مائة ألف دينار حتى ترفع التقيّة والموَاخذة على الانتساب إليهم، فتقبّل الخليفة؛ ثمّ إنّه بذل لذلك من عين ماله ثمانين ألفاً، وطلب من الشيعة بقية المال، ومن الاَسف إنّهم لم يقدروا عليه(1) وهذه القصة سواء أصحّت أم لا، تكشف على أنّ السيد كان من السخاء بمكان بحيث أمكن نسبة هذه القصّة إليه.
12. هذا هو الدفاع الصحيح عن كرامة السيد الجليل ودحض القصة بهذه القرائن المفيدة للعلم، والعجب أنّ صاحب الروضات بعدما نقل تلك القصة المختلقة انبرى للدفاع عن السيد بما نقله عن السيد الجزائري بقوله: كأنّ الوزير فخر الملك لم يتحقّق معنى علو الهمّة، فلذا عاب الاَمر على الشريف المرتضى، وإنّما كان على غضاضة في ذلك الكتاب لو كان سائلاً لها من أموال الوزير، وما فعله الشريف عند التحقيق من جملة علو الهمّة، وذلك أنّه دفع عن ملكه بدعة لو لم يتداركها بقيت على ملكه، وربما وضعت من قدره لو بقيت عند أهل الاَملاك وغيرهم، وكما أنّه ورد الحديث: الموَمن ينبغي له الحرص على حيازة ماله الحلال، كي ينفقه في سبيل الطاعات. كما كانت عادة جدّه أبي طالب بن عبد المطلب، فإنّه كان يباشر جبر ما انكسر من مواشيه وأنعامه، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له.(2)


(1) الروضات:4|307.ولاحظ الرياض:4|32ـ34، وقال في الاَخير ص 53: إنّه خلف بعد وفاته ثمانين ألف مجلدمن مقرواته ومصنّفاته ومحفوظاته ومن الاَموال والاَملاك ما يتجاوز عن الوصف. إلى آخر ما أفاد.
(2) روضات الجنات:6|203ـ204.

(44)

غير أنّه كان من الواجب على السيد الجزائري وصاحب الروضات أن يفنّدا هذه القصة من أساسها للقرائن والشواهد التي ألمحنا إلى بعضها، كما كان عليهما أن يتمسكا في المقام بما روي عن عليّ _ عليه السلام _:« من أنّ أفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق».(1)

الشريف الرضي

قد عرفت ما في كنانة القصّاصين من التّهم الباطلة الموجّهة إليالشريفالمرتضى، فهلمّ الآن إلى ما اختلقه الآخرون ممّن يحملون الحقد والبغض الدفين لاَبناء البيت العلوي حول الشريف الرضي وإن نقله أصحابالتراجم من غير دقّة وتحقيق.

فقالوا: كان الرضي ينسب إلى الاِفراط في عقاب الجاني، وله في ذلك حكايات، منها: انّ امرأة علويّة شكت إليه زوجها، وأنّه لا يقوم بموَونتها، وشهد لها من حضر بالصدق في ما ذكرت، فاستحضره الشريف وأمر به، فبُطِح وأمر بضربه فضرب، والمرأة تنظر أن يكف والاَمر يزيد حتى جاوز ضربه مائة خشبة ؛ فصاحت المرأة:«وايتم أولادي كيف يكون حالنا إذا مات هذا؟» فكلّمها الشريف بكلام فظّ، وقال: ظننت أنّك تشكينه إلى المعلّم؟(2) لا شكّ أنّه كان من وظيفة الشريف الرضي نصح الزوج، ودعوته إلى الرفق بالمرأة، والقيام بلوازم حياتها لا الاَمر ببطحه وضربه ضرباً كاد يقضي على حياته.

وعلى فرض أنّ الشريف كان آيساً من تأثير النصح في ذلك الرجل، كان يجب عليه القيام بما جاء به الشرع من مورد التعزيرات، إذ لا شكّ أنّ ذلك المورد ليس من موارد الحدود بل من موارد التعزيرات، فإنّ الحدود ما جاء به الشرع


(1) بحار الاَنوار:78|7.
(2) الروضات:6|196.

(45)

بمقرّر وحدّ خاص، وأسبابه كما في «الشرائع» على ما قرّر في الفقه ستّة: الزنا وما يتبعه، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وقطع الطريق.

و المورد ليس من تلك الموارد، ففيه التعزير، وقد قرّر في محلّه أنّه يجب أن يكون التعزير أقلّ من الحدّ.

روى حمّاد بن عثمان عن الصادق _ عليه السلام _ قال قلت له: التعزير؟ فقال: دون الحدّ، قال قلت: دون ثمانين؟قال: لا، ولكن دون أربعين فإنّها حدّ المملوك، قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوّة بدنه.(1)

وبما أنّ حدّ القاذف في الحر هو ثمانون جلدة، فلو قلنا بأنّ حدّ المملوك فيه نصف ما على الحر، يصير الحدّ المقرر هو أربعون جلدة، قال تعالى:(فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما علَى المُحْصناتِ مِنَ الْعَذابِ)(2)فيجب أن يكون التعزير على هذا، دون الاَربعين.

وفي خبر القاسم بن سليمان: سئل الصادق _ عليه السلام _ عن العبد إذا افترى على الحرّ كم يُجلد؟ قال:« أربعين».(3)

ولو قلنا بأنّه لا يشترط في الثمانين الحرية وأنّ حدّ القاذف في الحر والعبد سواء كما هو المشهور وأنّ الفاحشة (في الآية) التي تصرّح باختلاف حدّ الحر مع العبد ظاهرة في الزنا فقط، وحدّها حسب تصريح الذكر الحكيم هو مائة جلدة، يكون أقلّ الحدّ هو خمسين.(4)

وإن قلنا: إنّ قوله: «دون الحد» منصرف عن حدود العبد، والاَمة لاَنّ الاَحكام المتعلّقة بهما في الاِسلام، أحكام موَقتة ثابتة مادامت الرقية موجودة، فإذا


(1) الوسائل: 18|584 أبواب بقية الحدود، الباب 10، الحديث 2.
(2) النساء:25.
(3) المنتظم: 7|279.
(4) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1|32.

(46)

ارتفع الموضوع ولم يوجد في أديم الاَرض أية رقية، ترتفع أحكامها بارتفاع موضوعها. والناظر في التشريع الاِسلامي يقف على أنّ الشارع اهتمّ بتحرير العبيد والاِماء بطرق كثيرة كانت تقضي على حديث الرقية وأنّ الحكومات القائمة باسم الاِسلام ما قامت بوظيفتها في ذاك المجال.

فلو قلنا بذلك الانصراف، وقلنا بأنّ ما ورد في حدّ القيادة من أنّه يضرب ثلاثة أرباع الزاني خمسة وسبعين سوطاً (1)حدّ لا تعزير ولا توضيح لاَحد مصاديقه، يكون «أقل الحدّ» هو أربعة وسبعون سوطاً ممّا دونه، وعلى كلّ تقدير ليس في الفقه الاِمامي تعزير يتجاوز عن المائة، وكان الرضي يعمل بالفقه الاِمامي ويعتنقه وليس ممّن يخفى عليه ذاك الحكم الذي كان يمارسه طيلة نقابته للطالبيين.

وعلى كلّ هذه التقادير كيف أمر الشريف بجلد ذلك الرجل حتى جاوز مائة خشبة مع أنّه رحمه اللّه ذلك الورع التقي الذي اتّفق الجميع على طهارته، ونزاهته وتقواه؟

وما نرى ذلك إلاّفرية أراد الجاعل الحطّ بها من مكانة السيد الشريف قدس اللّه روحه.

وقد روي عن أبي جعفر أنّ أمير الموَمنين _ عليه السلام _ أمر قنبراً أن يضرب رجلاً حدّاً، فغلط قنبر، فزاده ثلاثة أسواط، فأقاده عليّ _ عليه السلام _ من قنبر بثلاثة أسواط.(2)

إنّ الشريف الرضي هو الذي يعرّفه ابن الجوزي في المنتظم: كان الرضي نقيب الطالبيين ببغداد، حفظ القرآن في مدّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة، وعرف من الفقه والفرائض طرفاً قويّاً، وكان عالماً، فاضلاً، وشاعراً مترسّلاً، عفيفاً، عالي الهمّة، متديّناً، اشترى في بعض الاَيام جزازاً من امرأة بخمسة دراهم فوجد


(1) صحاح الاَخبار: 61.
(2) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة:1|33. ولاحظ الغدير:1|250.

(47)

جزءاً بخط أبي عبد اللّه بن مقلة، فقال للدلاّل: أحضر المرأة، فأحضرها فقال: قد وجدت في الجزاز جزءاً بخط ابن مقلة، فإن أردت الجزء فخذيه وإن اخترت ثمنه فهذه خمسة دراهم، فأخذتها، ودعت له، وانصرفت.(1)

فمن كان هذا مبلغ تقواه وورعه، لا يقدم على معاقبة الزوج أمام زوجته بتلك المعاقبة الخشنة الخارجة عن حدود الشرع.

هذا ابن أبي الحديد يعرّفه في كتابه بقوله: كان عفيفاً، شريف النفس، عالي الهمّة، ملتزماً بالدين وقوانينه، ولم يقبل من أحد صلة ولاجائزة.(2)

وهذا الرفاعي يعرّفه في صحاح الاَخبار بقوله: كان أشعر قريش، وذلك لاَنّ الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر، والمكثر ليس بمجيد، والرضي جمع بين فضلي الاِكثار والاِجادة، وكان صاحب ورع وعفّة، وعدل في الاَقضية، وهيبة فيالنفوس.(3)

فمن كان عفيفاً شريف النفس ملتزماً بالدين وقوانينه، وكان صاحب ورع وعفّة، وعدل في الاَقضية أترى يتجاوز عن حدود الشريعة ويرتكب ما لا يرتكبه من له أدنى ورع؟ ما هكذا تورد يا سعد الاِبل!!

لقد تولّى الشريف نقابة الطالبيّين وأمارة الحجّ والنظر في المظالم سنة 380هـ وهو ابن واحد وعشرين سنة على عهد الطائع، وصدرت الاَوامر بذلك من بهاءالدولة وهو بالبصرة عام 397هـ، ثمّعهد إليه في 16 محرم عام 403هـ بولاية أُمور الطالبيّين في جميع البلاد فدُعي نقيب النقباء، ولم يبلغ أحد من أهل البيت تلك المنزلة إلاّالاِمام عليّبن موسى الرضا سلام اللّه عليه الذي كانت له ولاية عهد


(1) المنتظم:15|115برقم 3065.و الجُزاز: قطعة من الصوف الذي يُجزّ من الغنم.
(2) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة:1|33.
(3) صحاح الاَخبار: 61.

(48)

المأمون. وأُتيحت للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر.(1)

و النقابة موضوعة لصيانة ذوي الاَنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، ولا يساويهم في الشرف ليكون عليهم أحبى، وأمره فيهم أمضى، وهي على ضربين: خاصّة وعامة، أمّا الخاصة فهو أن يختصر بنظره على مجرّد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حدّ، فلا يكون العلم معتبراً في شروطها ويلزمه فيالنقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقّاً، وقد ذكرها الماوردي في الاَحكامالسلطانية.

وأمّا النقابة العامّة فعمومها أن يردَ إلى النقيب في النقابة عليهم، مع ما قدمناه من حقوق النظر، خمسة أشياء:
1. الحكم بينهم في ما تنازعوا فيه.
2. الولاية على أيتامهم في ما ملكوه.
3. إقامة الحدود عليهم في ما ارتكبوه.
4. تزويج الاَيامى اللاّتي لا يتعيّن أولياوَهنّ أو قد تعيّنوا فعضلوهن.
5. إيقاع الحَجر على من عته منهم أو سفه وفكه إذا أفاق ورشد.

فيصير بهذه الخمسة عامَّ النقابة، فيعتبر في صحّة نقابته وعد ولايته أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد ليصحّ حكمه، وينفذ قضاوَه.(2)

فمن تصدّى لهذه المناصب الخطيرة أعواماً وسنين عديدة مضافاً إلى ولاية المظالم والولاية على الحج، والكلّ يتطلّب خصوصيات وصفات نفسانيّة عالية، وسجايا أخلاقية رفيعة جدّاً حتى انّه يجب أن يكون ظاهر العفّة، قليل الطمع، كثير الورع، لايعقل أن يقوم بما جاء ذكره في القصة السابقة التي لاتوجد إلاّ في


(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1|38. و لاحظ الغدير:4|205.
(2) الاَحكام السلطانية، ص 82ـ86.

(49)

علبة القصّاصين وجعبة الوضّاعين.

كلّ ما مرّ عليك من الاَكاذيب والتهم قد أُلصقت إمّا بالشريف الرضي أو بأخيه المرتضى، وكان الهدف من وراء وضعها تكبير هذا بتصغير ذلك أو بالعكس، هذا يرشد إلى أنّ كليهما كانا موضع حقد البعض وبغضهم وحسدهم.

و يوَيّد ذلك ما اتُّهما به على وجه الاشتراك، وأوّل ما رُميا به ما ذكره ابن خلّكان في تاريخه إذ قال: اختلف الناس في كتاب«نهج البلاغة» المجموع من كلام الاِمام عليّ بن أبي طالب هل هو جَمْعه ـ الشريف الرضي ـ أم جمع أخيه المرتضى؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام عليّ، وإنّما الذي جمعه ونَسَبه إليه، هو الذي وضعه.(1)

وتبعه اليافعي من دون تحقيق وردّد نفس ما قاله ابن خلّكان في تاريخه.(2)

فما تورّط فيه هذان الكاتبان من نسبة الكتاب إلى علم الهدى واتّهامه بوضعه أو أخيه سيدنا الشريف الرضي، ممّا لا يقام له في سوق الحقائق وزن وليس له مناخ إلاّ حيث تربض فيه العصبية العمياء، ويكشف عن جهل أُولئك، وقد قام عدّة من المحقّقين بتفنيد هذه النسبة عن طريق ذكر مصادر نهج البلاغة الموَلّفة قبل أن يولد الرضي أو الشريف المرتضى، فنحن نضرب عن ذلك صفحاً ونمرّ عليها كراماً.

وفي كتاب مصادر نهج البلاغة للعلاّمة الخطيب السيدعبد الزهراء الحسني، وما كتبه الاَُستاذ عبد اللّه نعمة، وما أفرد العلاّمة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في ذلك المضمار وطبع مع كتابه مستدرك نهج البلاغة، غنى وكفاية في دحض الشبهة، وإبطال الفرية. واللّه الهادي.


(1) وفيات الاَعيان:2|313، بيروت، ط دار الثقافة.
(2) لاحظ الروضات:4|304. و لاحظ الرياض:4|55.

(50)

الشيخ سعد الدين بن نحرير بن عبد العزيز

ابن البراج (400 ـ 481هـ)

مكانة الفقه

إنّ شرف كلّ علم بشرف موضوعه، وشرف ما يبحث فيه عن عوارضه وأحواله.

فكلّ علم يرتبط باللّه سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، أو يرجع إلى معرفة سفرائه وخلفائه وما أوحى إليهم من حقائق وتعاليم، وأحكام وتكاليف يعدّ من أشرف العلوم، وأفضلها، وأسناها.

وقد تمتع (علم الفقه) بمكانة خاصة بين تلك المعارف والعلوم، لاَنّه منهج للحياة في كافة المجالات لا سيما العبادات والمعاملات كالنكاح والاِرث والقضاء وفض الخصومات والمنازعات وغيرها.

وفي الجملة: هو المنهاج الوحيد والبرنامج الدقيق لحياة المسلم الفردية، والاجتماعية، وقد أشار أمير الموَمنين _ عليه السلام _ إلى أهمية تلك التعاليم والبرامج، من خلال الاِشارة إلى آثارها في حياة الفرد والجماعة إذ يقول:

«فرضَ اللّهُ الاِيمانَ تطهيراً من الشرك، والصَّلاة تنزيهاً عن الكبر، والزَّكاة تسبيباً للرِّزق. والصّيام ابتلاء لاخلاص الخلق، والحجَّ تقوية للدِّين: والجهاد عزَّاً


(51)

للاِسلام، والاَمر بالمعروف مصلحة للعوامِّ، والنّهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقناً للدِّماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفة، وترك الزِّنا تحصيناً للنَّسب، وترك اللِّواط تكثيراً للنَّسل، والشَّهادات استظهاراً على المجاحدات، وترك الكذب تشريفاً للصِّدق، والسَّلام أماناً من المخاوف، والاِمامة نظاماً للاَُمَّة، والطّاعة تعظيماً للاِمامة».(1)

وإذا كان الفقه كفيلاً بسعادة العباد في الدارين ومبيناً لفرائضهم ووظائفهم، فقد اختار اللّه سبحانه أفضل خلائقه، وأشرف أنبيائه لاِبلاغ تلك المهمة الجسيمة، فكان النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حياته مرجعاً للمسلمين، في بيان وظائفهم وما كانوا يحتاجون إليه من أحكام، كما كان قائدهم في الحكم والسياسة، ومعلمهم في المعارف والعقائد؟

إكمال الشريعة بتمام أبعادها

إنّ الشريعة التي جاء بها خير الرسل، هي آخر الشرائع التي أنزلها اللّه سبحانه، لهداية عباده فهو ـ صلوات اللّه عليه ـ خاتم الاَنبياء، كما أنّ كتابه وشريعته خاتمة الشرائع، وآخر الكتب.

قال سبحانه: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتم النَّبِيّينَ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)(2)

وهي شريعة كاملة الجوانب، جامعة الاَطراف لم يفوتها بيان شيء، وأغنت المجتمع البشري عن كلّتعليم غير سماوي.


(1) نهج البلاغة، قسم الحكم، الحكمة رقم 252.
(2) الاَحزاب:40.

(52)

قال تعالى: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلام دِيناً).(1)

وظاهر قوله: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ ) أنّه سبحانه أكمل دينه النازل على نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من جميع الجوانب، وكافة الجهات.

فهذا الدين كامل في معارفه وعقائده ، كامل في وظائفه وأحكامه ، كامل في مقومات استمراره، وموجبات خلوده، ومتطلبات بقائه، على مدى الاَيام والدهور.

فلا وجه ـ اذن ـ لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية، وجانب دون آخر، فهي بإطلاقها تنبىء عن كمال الشريعة في جميع جوانبها، ومجالاتها من غير اختصاص بالاِيمان، أو بالحج، أو بغيره.

على أنّحديث الاِكمال الوارد في هذه الآية، لا يختص بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة وتبليغ الشريعة، بل يعم الاِكمال بقاء الشريعة واستمرارها طيلة الاَعوام ، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفية والاَدبية وما يشبه ذلك، فانّ الاِكمال في هذه المناهج يتحقّق بمجرّد بيان نظامها وتوضيح خطوطها الفكرية، سواء تحققت على الصعيد العملي أم لا وسواء دامت أو اندثرت ، بل الدين شريعة إلهية انزلت بغية تحقيقها في الخارج ابتداءٍ و استمراراً حسب الاَجل الذي أُريد لها.

فتشريع الدين من دون الاَخذ بنظر الاعتبار عوامل استمراره يعد ديناً ناقصاً.

ولاَجل ذلك دلت السنّة على نزول الآية (الْيَوم أَكْمَلْتُ ) يوم غدير خم عندما قام النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنصب علي _ عليه السلام _ للولاية والخلافة.(2)


(1) المائدة:3.
(2) راجع الغدير:1| 210ـ 217.

(53)

والعجب أنّابن جرير أخرج عن ابن جريج، قال: مكث النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بعد ما نزلت هذه الآية (الْيَوم أَكْمَلْتُ ...) احدى وثمانين ليلة.(1)

وبما أنّالجمهور أطبقوا على أنّ وفاة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كانت في الثاني عشر من ربيع الاَوّل، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، وهو يوم الغدير الذي قام النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فيه بنصب علي _ عليه السلام _ للخلافة والولاية.

وقد بلغت هذه الآية من الاَهمية بمكان حتى روى المحدّثون عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود للمسلمين: إنّكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا ـ معشر اليهود ـ نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأيّ آية؟ قال: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي).

أخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الاَنصاري قال: كنّا جلوساً في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الاِسلام: لقد أُنزلت عليكم آية لو أُنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم، وتلك الساعة عيداً ما بقي اثنان، وهي قوله: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ ). وكما روى ابن جرير، عن ابن جريج، عن السدى أنّه لم ينزل بعد هذه الآية حرام وحلال، ورجع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فمات.(2)

بماذا يتحقّق الكمال؟

لا شكّ أنّ الشريعة الاِسلامية اكتملت بأمرين أحدهما: كتاب اللّه سبحانه، والآخر سنّة نبيّه الكريم.

أمّا الاَوّل فقد عرّف سبحانه مكانته، وسعة معارفه بقوله: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَالكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) .(3)


(1) الدر المنثور:2|257و259.
(2) الدر المنثور: 2|257.
(3) النحل:89.

(54)

فلا شكّ أنّ المراد من لفظة (كلّ شيء) هو كلّ شيء أُنيط بيانه إلى سفرائه وأنبيائه سبحانه من العلوم والمعارف، والمناهج والتعاليم التي لا يصل الفكر الاِنساني إلى الصحيح منها مهما بلغ من الكمال.

فهذه الاَُمور تكفّل الكتاب الكريم ببيانها وذكر خصوصياتها، وأمّا بقية العلوم كالهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب، وليس بيانها من مهامه ووظائفه.

نعم ربَّما يحتمل أن يكون للآية معنى أوسع ممّا ذكر، غير أنّ هذا الاحتمال ـ على فرض صحته ـ لا يصحح أن يكون (القرآن الكريم) مصدراً لتلك المعارف، حتى يرجع إليه كافة العلماء الاَخصاء في هذه العلوم، وإنّما يتيسر استخراج هذه العلوم والمعارف لمن له قابلية علمية إلهية غيبية، حتى يتسنّى له استخراج هذه الحقائق والمعارف من بطون الآيات.

وأمّا مكانة السنّة فيكفي فيها قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى)(1)وقوله سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَ ما نَـهَاكُمْ عَنْهُ فَانتهُوا) (2) وغير ذلك من الآيات التي تنص على لزوم اقتفاء أثر النبي، وتصريح على وجوب اتّباعه، وعدم مخالفته ومعصيته.

وعلى ذلك تكون الشريعة الاِسلامية شريعة كاملة الجوانب، قد بيّنت معارفها، وأحكامها بكتاب اللّه العزيز وسنّة نبيّه الكريم، فلم يبق مجال للرجوع إلى غير الوحي الاِلهي وإلى غير ما صدر عن النبي الكريم. وهذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية ـ بوضوح ـ وأنّ الدين اكتمل في حياة النبي بفضل كتابه وسنته، مما أطبقت عليه كلمة العترة الطاهرة بلا خلاف، نأتي ببعض ما ورد عنهم في ذلك المجال.


(1) النجم: 3.
(2) الحشر:7.


(55)

لكلّ شيء أصل في الكتاب والسنّة

لقد صرّح أئمّة أهل البيت والعترة الطاهرة بأنّه ما من شيء في مجالي العقيدة والشريعة إلاّ وله أصل في الكتاب والسنّة وهذا هو ما يظهر من كلماتهم ونصوصهم الوافرة.

روى مرازم، عن الصادق _ عليه السلام _ أنّه قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى أنزل في القرآن الكريم تبيان كلّشيء حتى واللّه ما ترك اللّه شيئاً يحتاج إليه العباد إلاّ بيّنه للناس حتى لا يستطيع عبدٌ يقول: لو كان هذا نزل في القرآن إلاّ وقد أنزل اللّه فيه».(1)

وروى عمرو بن قيس، عن الاِمام الباقر _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول:« إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلى يوم القيامة، إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه».(2)

وروى سليمان بن هارون قال: سمعت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: «ما خلق اللّه حلالاً ولا حراماً إلاّو له حدّ كحدّ الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصفالجلدة».(3)

وروى حماد، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة»(4)

وعن المعلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّو له أصل في كتاب اللّه عزّ وجلّ، ولكن لا تبلغه عقول الرجال».(5)


(1) الكافي:1|59 ح1.
(2) الكافي: 1|59 ح2 من كتاب فضل العلم.
(3) الكافي:1|59 ـ 60 ح3 و 4 و 6 من كتاب فضل العلم.
(4) الكافي:1|59 ـ 60 ح3 و 4 و 6 من كتاب فضل العلم.
(5) الكافي:1|59 ـ 60 ح3 و 4 و 6 من كتاب فضل العلم.

(56)

وعن سماعة، عن أبي الحسن موسى _ عليه السلام _ قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّشيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _».(1)

هذا هو حال الكتاب والسنّة عند أئمّة العترة الطاهرة، فلو لم نجد حكم كثير من الموضوعات والحوادث، في الكتاب والسنّة ولاوقفنا على جملة من المعارف والعقائد فيهما، فما ذلك إلاّ لاَجل قصور فهمنا وقلّة بضاعتنا، لاَنّ في الكتاب رموزاً وإشارات، وتنبيهات وتلويحات منها تستنبط أحكام الحوادث والموضوعات، ويهتدي بها الاِنسان إلى المعارف والعقائد وقد اختص علمها بهم دون غيرهم.

كما أنّ عندهم سنّة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ التي لم تصل كثير منها إلى أيدي الناس، هذه هي حقيقة الحال عن أئمّة العترة الطاهرة، وعلى ذلك اقتفت شيعتهم أثرهم في تشييد صرح المعارف والعقائد، وإرساء فقههم، وفروعهم وأُصولهم.

إنّ القارىء الكريم لو راجع الجوامع الحديثية والتفسيرية، ووقف على كيفية استدلال الاَئمّة الطاهرين، بالآيات والسنّة النبوية على كثير من المعارف والاَحكام لاَذعن بصحة ما قلناه، وهو أنّ عندهم علم الكتاب بالمعنى الجامع الوسيع، كما أنّ عندهم السنّة النبوية بعامتها.

وهذا لا ينافي أن يكون الكتاب هادياً للاَُمّة جمعاء، وأن تكون السنّة في متناول أيدي الناس، غير أنّ الاكتناه برموز الكتاب وإشاراته، والاِحاطة بعامة سننه، من خصائص العترة الطاهرة.

وقد قام بعض الاَفاضل بجمع الاَحاديث، التي استدل فيها الاَئمّة الطاهرون بالكتاب والسنّة على أُمور وأحكام، ممّا لم تصل إليه أفهام الناس، وإنّما خصّ علم ذلك بهم.


(1) الكافي:1|62 ح 10 من كتاب فضل العلم.

(57)

فإذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة وكمال الشريعة الاِسلامية، وجب أن تتقارب الخطى والمواقف بين المسلمين، ويقل حدة الخلاف والنقاش بينهم، ويجتمع الكل على مائدة القرآن والسنّة من دون أن يختلفوا في عقائدهم، ولا أن يتشاجروا في تكاليفهم ووظائفهم.

ولكنّنا ـ مع الاَسف ـ نشاهد في حياة المسلمين أمراً خلاف ذلك، بل يضاده، وينادي بأنّالرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يأت بشريعة كاملة جامعة الاَطراف شاملة لكلّ شيء.

وتلك الحقيقة المرّة والخلافات المتجذرة التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بل قبيلها أيضاً.

فقد نشب النزاع بينهم في أبسط المسائل إلى أعقدها، وافترقوا فرقتين أو فرقاً حتى انتهوا إلى سبعين فرقة.

فهذا هو التاريخ يحدّثنا أنّ أوّل نزاع نشب في مرضه (عليه الصلاة والسلام) روى البخاري باسناده عن عبد اللّه بن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبيّ مرضه الذي مات فيه، قال: «ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي»، فقال عمر: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه، وكثر اللغط، فقال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :«قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع» قال ابن عباس: الرزية كلّالرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه.(1)

ولم ينحصر الخلاف في أُخريات حياته، بل ظهر الخلاف أيضاً عند تجهيز جيش أُسامة، حيث إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمر أُسامة بأن يسير إلى المكان التي سار إليها أبوه من قبل، وجهز له جيشاً وعقد له راية، فتثاقل أكابر الصحابة عن


(1) صحيح البخاري:1|29، باب كتابة العلم؛ وج4|69، كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد؛ وصحيح مسلم:5|76، كتاب الوصية، باب ترك الوصية.

(58)

المسير معه لمّا رأوا مرض النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو يصرّ على مسيرهم، حتى أنّه خرج معصب الجبين، وقال: جهزوا جيش أُسامة، لعن اللّه من تخلف عنه.(1)

ِ

وأمّا اتساع رقعة الخلاف، ودائرة الاختلاف بعد لحوقه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بالرفيق الاَعلى فحدث عنه ولا حرج.

فقد اختلفوا في موته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال عمر بن الخطاب : من قال إنّمحمّداً قد مات قتلته بسيفي هذا، وإنّما رفع إلى السماء كما رفع عيسيعليه السَّلام .

ولمّا جاء أبو بكر بن أبي قحافة من السُّنْح، وقرأ قول اللّه سبحانه: (وَما مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِل انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّه شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشاكِرين)(2)رجع عمر عن قوله، وقال: كأنّي ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر.(3)

وأخطر الخلافات وأعظمها هو الاختلاف في الاِمامة، وإدارة شوَون الاَُمّة الاِسلامية، فمنهم من قال بتعدد الاَُمراء فأمير من الاَنصار وأمير من المهاجرين، ومن قائل بلزوم انتخابه عن طريق الشورى، ومن قائل ثالث بالتنصيص بالولاية والامارة.

ولاَجل ذلك يقول الشهرستاني في «ملله ونحله»: ما سل سيف في الاِسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سلّعلى الاِمامة في كلّ زمان.(4)

ولم يقف الخلاف والاختلاف عند هذا الحدّ، فقد اتّسع نطاقه بعد الاختلاف في الزعامة السياسية، حتى شمل القيادة الفكريّة، فحدثت مذاهب


(1) الملل والنحل للشهرستاني:1|23، المقدمة الرابعة؛ وشرح نهج البلاغة:2|20.
(2) آل عمران:144.
(3) الملل و النحل:1|23.
(4) الملل والنحل:1|24.

(59)

واتّجاهات، ووجدت مناهج متباينة في المعارف الاعتقاديّة، التي تشكل دعامة الدين وأُصوله وجذور الاِسلام وأسسه.

فاختلف المسلمون ـ في هذا المجال ـ إلى معتزلة وجبريّة.

وانقسمت الاَُولى إلى: واصليّة، هذليّة، نظاميّة، خابطيّة، بشريّة، معمريّة، مرداريّة، ثماميّة، هشاميّة، جاحظيّة، خياطيّة.

كما انقسم خصوم المعتزلة (أعني الجبريّة) إلى: جهمية، نجارية، ضرارية.

وقد كان هذا الاختلاف في إطار خاص، أي في معنى الاِسلام والاِيمان وما يرجع إلى فعل اللّه سبحانه، ثمّ اختلفوا في صفاته سبحانه إلى: أشعرية، ومشبّهة وكراميّة.

ونشبت حروب طاحنة على إثر تلك الاختلافات والنقاشات أسفر عنها سفك دماء الاَبرياء من المسلمين.

غير أنّ اطار الاختلاف لم يقف عند هذا الحدّ، فقد حدث اختلاف في مصير الاِنسان وما يوَول إليه بعد موته من البرزخ ومواقفه، ويوم القيامة وخصوصياته، إلى غيرها من الاختلافات والمنازعات الفكرية، التي فرقت شمل المسلمين، ومزقت وحدتهم وكأنّهم نسوا قول اللّه تعالى: (إِنَّ هذِهِ أُمّتكُمْ أُمّة واحِدَةً وَأَنا رَبّكُمْ فَاعْبُدُون) .(1)

فصارت الاَُمّة الواحدة أُمماً متعددة، وأصبحت اليد الواحدة أيدي متشتتة.

ولو أضفنا إلى ذلك ما نشب بين المسلمين من الاختلاف في المناهج الفقهية التي أرساها الصحابة والتابعون، إلى أن وصلت النوبة إلى الاَئمّة الاَربعة لهال الاِنسان هذا الاختلاف الواسع المروع ، وعند ذلك يسأل المرء نفسه: ترى


(1) الاَنبياء:92.

(60)

أي الاَمرين أحقّ وأصحّ؟
1. ما نصّ به القرآن الكريم، وحدّث عنه سيّد المرسلين عن كمال الدين بأُصوله وجذوره، وشعبه وفروعه بحيث لم يبق للمسلم حاجة إلاّرفعها، ولا حادثة إلاّ بيّن حكمها، ومقتضى ذلك أنّ تقليل حدّة الخلاف والنقاش إلى أقلّحدّ ممكن.
2. ما نلمسه ونراه ـ بوضوح ـ من الخلاف والتشاجر في أبسط الاَُمور وأعقدها من دقيقها وجليلها، بحيث لم يبق أصل ولا فرع إلاّ وفيه رأيان بل آراء.

إنّ حديث الاختلاف الكبير هذا لا يمكن أن يعد أمراً هيناً، كيف والاِمام علي _ عليه السلام _ يعتبره دليلاً على نقصان الدين إن كان المختلفون على حق، وإلاّكان اختلافهم أمراً باطلاً، لاَنّ كمال الشريعة يستلزم أن يكون كلّ شيء فيها مبيناً، فلا مبرر ولا مصحّح للاختلاف.

يقول الاِمام _ عليه السلام _ في ذم اختلاف العلماء في الفتيا:

ترد على أحدهم القضية في حكم من الاَحكام، فيحكم فيها برأيه ثمّترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الاِمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعاً. وإلههم واحد، ونبيّهم واحد، وكتابهم واحد أفأمرهم اللّه ـ سبحانه ـ بالاختلاف فأطاعوه؟! أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل اللّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل اللّه سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن تبليغه وأدائه، واللّه سبحانه يقول: (ما فرّطنا في الكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) وفيه تبيان لكلّ شيء وذكر أنّ الكتاب يصدق بعضه بعضاً.(1)


(1) نهج البلاغة: الخطبة رقم18.

(61)

ترى أنّه _ عليه السلام _ بعدما يندّد بالاختلاف، يقول أم أنزل اللّه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟

فإكمال الدين في كافة أبعاده ينفي وجود الثاني، كما أنّ وجود الخلاف في عامة المسائل لا يجتمع مع إكمال الدين، فما هو الحل لهذين الاَمرين المتخالفين؟!

الاِجابة على هذا السوَال

إنّ هناك تحليلين يمكن أن يستند إليهما الباحث في حلّ تلك المعضلة:

الاَوّل: انّالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإن أكمل دينه في أُصوله وفروعه غير انّالمسلمين في القرون الغابرة وقفوا أمام النصوص الاِسلامية، فأوجدوا مناهج ومذاهب لا تلائم القرآن الكريم ولا السنّة النبويّة.

بيد انّهذه الاِجابة لا تتفق مع الواقع، بل تعتبر قسوة على الحقّ وأصحابه، لاَنّ الدين كان عند المسلمين في الصدر الاَوّل من أعز الاَشياء وأغلاها، فكانوا يضحون بأنفسهم وأموالهم في سبيله.

فعند ذلك كيف يمكن أن ينسب إليهم بأنّهم قد وقفوا في وجه النصوص الاِسلامية، وقابلوها بآرائهم، ورجحوا أفكارهم ونظرياتهم على الوحي؟

كيف والقرآن الكريم يصف تلك الثلة بقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَشِداءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَوراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).(1)


(1) الفتح:29.

(62)

الثاني: انّالشريعة الاِسلامية قد جاءت بدقائق الاَُمور وجلائلها، غير أنّ الشارع الحكيم قد أودع علم كتابه والاِحاطة بسنة نبيّه ـ اللّذين اكتملت بهما الشريعة، وتمت بهما النعمة. واستغنت الاَُمّة بهما عن التطفل على موائد الآخرين ـ عند أُناس منزهين عن الاِثم والذنب، مصونين عن الزلل والخطأ، قد أحاطوا بمحكم القرآن ومتشابهه، ومجمله، ومفصّله وناسخه ومنسوخه، وعامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيده، بل بدلالاته وتنبيهاته، ورموزه وإشاراته التي لا يهتدي إليها إلاّ من شملته العناية الاِلهيّة، وعمّته الفيوض الربّانية.

كما وأحاطوا بسنّة نبيّهم، وشوارد أقواله، ووجوه أفعاله، وألوان تقريره وإقراره.

فالتحق _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرفيق الاَعلى والحال هذه، أي أنّالعلم بحقائق الكتاب ومتون سنّته مخزون عند جماعة خاصّة، قد عرّفهم صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بصفاتهم وخصوصيّاتهم تارة، وأسمائهم وأعدادهم تارة أُخرى كما سيوافيك.

ولو أنّالاَُمّة الاِسلاميّة رجعوا في مجال العقائد والمعارف، وموارد الاَحكام والوظائف إلى تلك الثلّة الطاهرة، لاَوقفوهم على كلّ غرة لائحة، وحجّة واضحة، وقول مبين، وبرهان متين، واستغنوا بذلك عن كلّ قول ليس له أصل في كتاب اللّه وسنّة رسوله، ولمسوا إكمال الدين في مجالي العقيدة والشريعة بكلّ وضوح.

فحديث إكمال الدين في جميع مجالاته أمر لا غبار عليه، ولكنّ الخلاف والنقاش حدث في أسس الاِسلام وفروعه لاَجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم، وجمع سنّة الرسول من دون أن يرجعوا إلى من عنده رموز الكتاب وإشاراته، ودلائله وتنبيهاته، فهم ورّاث الكتاب (1)وترجمان السنّة، فافترقوا ـ لاَجل هذا الاعراض ـ إلى فرق كثيرة ومناهج عديدة.


(1) إشارة إلى قوله سبحانه: (ثُمّ أَورَثْنَا الكِتاب الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) . (فاطر|32).

(63)

إنّ الاستقلال في فهم المعارف والاَُصول واستنباط الفروع، ألجأ المسلمين إلى الاَخذ بالقياس والاستحسان، وتشييد قواعد ومقاييس ظنية كسد الذرائع والمصالح المرسلة، وغيرها من الاَُمور التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وذلك لاَنّهم واجهوا من جانب إكمال الدين من حيث الفروع والاَُصول، بحيث لا يمكن إنكاره حسب الآيات والاَحاديث، ومن جانب آخر واجهوا الحاجات والحوادث المتجددة التي لم يجدوا لها دليلاً، لا في الكتاب ولا في السنّة، فلاذوا إلى العمل بهذه المقاييس حتى يسدوا الفراغ، ويبرّئوا الشريعة الاِسلامية عن وصمة النقص.

قال ابن رشد مستدلاً على حجّية القياس: إنّ الوقائع بين أشخاص الاَُناس غير متناهية، والنصوص والاَفعال والاِقرارات (أي تقرير النبي) متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى.(1)

وكأنّه يريد أن يقول: إنّه لولا القول بحجّية القياس لاَصبحت الشريعة ناقصة غير متكاملة.

وهذا الجواب(وهو إيداع علم الكتاب عند العترة وإحاطتهم بالسنّة) ممّا يلوح عند الغور في غضون السنّة، ولعلّ القارىَ الكريم يزعم ـ بادىَ بدء ـ أنّهذا الجواب غير مدعم بالبرهان، غير أنمن راجع السنّة يرى النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم يصرّح في خطبة حجّة الوداع بأنّ عترته أعدال الكتاب العزيز وقرناوَه، وهم يصونون الاَُمّة عن الانحراف والضلال، ولا يفارقون الكتاب قدر شعرة، ومع الرجوع إليهم لا يبقى لقائل شك ولا ترديد.

روى الترمذي، عن جابر قال: رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حجّة يوم عرفة، وهو على ناقته القصوى يخطب فسمعته يقول:

«يا أيها النّاس إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب اللّه


(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد:1|2 راجع أيضاً المدخل الفقهي العام : 1|77.

(64)

وعترتي أهل بيتي».(1)

وروى مسلم في صحيحه: «أنّ رسول اللّه قام خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة... ثمّ قال: ألا يا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب وانّي تارك فيكم ثقلين: أوّلها كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به ...وأهل بيتي».(2)

وقد روى هذا الحديث أصحاب الصحاح والسنن بعبارات مختلفة، كما رووا أنّه نطق به النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حجّة الوداع، وفي غدير خم وقبيل وفاته، فدراسة الحديث توقفنا على مكانة أهل البيت النبوي، وعترة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذين هم عدل القرآن الكريم في الهداية والنور، والعصمة، فمن فارقهم فقد فارق الكتاب والسنّة وحاد عن جادة الحقّ إلى هاوية الضلالة.

عدد الاَئمة

إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكتف بالتنصيص بالوصف، بل أخبر بأنّ عدد الاَئمّة الذين يعقبوه هو اثنا عشر، وقد رواه أصحاب الصحاح والمسانيد، فروى مسلم، عن جابر بن سمرة، انّه سمع النبي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش».(3)

وروى البخاري قال: سمعت النبي يقول: يكون اثنا عشر أميراً: «فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي: قال كلّهم من قريش».(4)


(1) صحيح الترمذي: 3|199، باب مناقب أهل بيت النبي.
(2) صحيح مسلم:7|123، باب فضائل علي بن أبي طالب.
(3) صحيح مسلم:6|3ـ4، باب الناس تبع لقريش، من كتاب الاَمارة.
(4) صحيح البخاري: 6|65، كتاب الاَحكام.

(65)

وهناك نصوص أُخرى لهذا الحديث تصرح بأنّ عدد الولاة اثنا عشر وأنّهم من قريش.

وجاء علي _ عليه السلام _ يفسّر حديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويوضح إبهامه، ويقول: «إنّالاَئمّة من قريش في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا يصلح الولاة من غيرهم».(1)

إحاطة العترة بالسنّة

ما ذكرناه آنفاً من أنّ العترة الطاهرة أحاطوا بالسنّة النبوية، التي لم تحتفظ بأكثرها الاَُمّة وانّكلّما يروون من أحاديث في مجالي العقيدة والشريعة، كلّها رواية عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن طريق آبائهم.

وقد وردت في هذا الصعيد نصوص لا مجال لنقلها برمتها، بل نكتفي بالقليل من الكثير:

روى حماد بن عثمان وغيره، قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير الموَمنين عليه السَّلام ، وحديث أمير الموَمنين حديث رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحديث رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قول اللّه عزّوجلّ».(2)

وعن جابر قال: قلت لاَبي جعفر _ عليه السلام _ : إذا حدثتني بحديث، فاسنده لي، فقال: «حدّثني أبي عن جدّي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، عن


(1) نهج البلاغة، الخطبة 142.
(2) جامع أحاديث الشيعة:1|127ـ 128.

(66)

جبرئيل _ عليه السلام _ ، عن اللّه عزّوجلّ وكلّ ما أحدّثك (فهو) بهذا الاسناد» وقال: «يا جابر لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها».(1)

ومن كتاب حفص بن البختري، قال: قلت لاَبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعة، أو من أبيك، فقال: «ما سمعته منّي فأروه عن أبي، وما سمعته فاروه عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _».(2)

وعن يونس، عن عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: إن كان كذا وكذا ما كان القول فيها، فقال له: «مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _، لسنا نقول برأينا من شيء».(3)

كيفية بيان الفقه عند الاِمامية

لقد عكفت الشيعة بعد لحوق النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرفيق الاَعلى على دراسة الفقه، وجمع مسائله وتبويب أبوابه وضم شوارده، وأقبلوا عليه إقبالاً تاماً قلّ نظيره لدى الطوائف الاِسلامية الاَُخرى، حتى تخرّج من مدرسة أهل البيت وعلى أيدي أئمّة الهدى، عدّة من الفقهاء العظام، فبلغوا الذروة في الفقاهة والاجتهاد، نظراء: زرارة ابن أعين، ومحمد بن مسلم الطائفي، وأبي بصير الاَسدي، ويزيد بن معاوية، والفضيل بن يسار، وهوَلاء من أفاضل خريجي مدرسة أبي جعفر الباقر وأبي عبداللّه عليمها السَّلام ، فأجمعت العصابة على تصديق هوَلاء، وانقادت لهم بالفقه والفقاهة.

ويليهم في الفضل والفقاهة ثلة أُخرى، وهم خريجو جامعة أبي عبد اللّه


(1) جامع أحاديث الشيعة.
(2) المصدر نفسه: 1|128ـ129.
(3) المصدر نفسه ، ومن أراد الوقوف على المزيد فليرجع إلى المصدر المذكور ص 126ـ 219.

(67)

الصادق _ عليه السلام _ ، نظراء: جميل بن دراج، وعبد اللّه بن مسكان، وعبد اللّه بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان.

كما أقرت العصابة على فقاهة ثلة أُخرى من تلاميذ أصحاب الاِمام موسى ابن جعفر الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا عليمها السَّلام ، نظراء: يونس بن عبد الرحمان، وصفوان ابن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، وعبد اللّه بن المغيرة، والحسن بن محبوب والحسين بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب.(1)

هوَلاء أفذاذ الشيعة في الفقه والحديث في القرنين: الاَوّل والثاني من الهجرة، وقد تخرّجوا من جامعة أهل البيت _ عليهم السلام _ وأخذوا منهم الفقه وأُصول الاجتهاد والاستنباط.

نعم لا ينحصر المتخرّجون من جامعتهم في هوَلاء الذين ذكرناهم، فقد تخرّج منها جماعة كثيرة تجاوزت المئات بل الآلاف، وقد ضبطت كتب الرجال أسماءهم وخصوصياتهم وكتبهم.

ومع أنّ كتب الرجال والفقه تنص على مكانتهم في الفقاهة، ومدى استنباطهم الاَحكام الشرعية، غير أنّ كتبهم في القرون الثلاثة الاَُولى كانت مقصورة على نقل الروايات بأسنادها، والاِفتاء في المسائل بهذا النحو، مع تمييز الصحيح عن السقيم والمتقن عن الزائف.

وتطلق على كتبهم عناوين: الاَصل، الكتاب، النوادر، الجامع، المسائل، أو خصوص باب من أبواب الفقه، كالطهارة، والصلاة، وما شابه ذلك.

هذه الكتب المدونة في القرون الثلاثة بمنزلة «المسانيد» عند العامة، فكلّ كتاب من هوَلاء الرواة يعد مسنداً للراوي، قد جمع فيه مجموع رواياته عن الاِمام


(1) راجع رجال الكشي: 206و32، 466.

(68)

أو الاَئمّة في كتابه، وكان الاِفتاء بشكل نقل الرواية بعد إعمال النظر ومراعاة ضوابط الفتيا.

ومع إطلالة القرن الرابع خرج لون جديد في الكتابة والفتيا، وهو الاِفتاء بمتون الروايات مع حذف أسنادها، والكتابة على هذا النمط مع إعمال النظر والدقة فخرج الفقه ـ في ظاهره ـ عن صورة نقل الرواية، واتخذ لنفسه شكل الفتوى المحضة.

وأوّل من فتح هذا الباب في وجه الشيعة على مصراعيه هو والد الشيخ الصدوق «علي بن الحسين بن موسى بن بابويه» المتوفّى عام 329هـ، فألّف كتاب «الشرائع» لولده الصدوق، وقد عكف فيه على نقل متون ونصوص الروايات، وقد بثّ الصدوق هذا الكتاب في متون كتبه: كالفقيه، والمقنع والهداية، كما يظهر ذلك من الرجوع إليها.

ولقد استمر التأليف على هذا النمط، فتبعه ولده الصدوق المتوفّى عام 381، فألّف «المقنع والهداية»، وتبعه شيخ الاَُمّة ومفيدها «محمد بن محمد بن النعمان» المتوفّى عام 413 في «مقنعته»،وتلميذه شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفّى عام 460 في «نهايته».

ولما كانت متون هذه الكتب والموَلّفات مأخوذة من نفس الروايات والاَُصول وقعت متونها موضع القبول من قبل الفقهاء فعاملوها معاملة الكتب الحديثية، وعولوا عليها عند اعوازهم النصوص على اختلاف مشاربهم وأذواقهم.

وكان سيدنا الاَُستاذ آية اللّه البروجردي (1292 ـ1380هـ) يسمّي تلك الكتب بـ«المسائل المتلقاة»، وسماها بعض الاَجلّة بـ:«الفقه المنصوص».


(69)

مبدأ تطور الفقه عند الشيعة الاِمامية

إنّ ظهور النمط الثاني (تجريد المتون عن الاَسانيد) تمخّض عنه اندثار الطريقة القديمة السائدة طيلة قرون، لكنّه لم يكن رافعاً للحاجة وسادّاً للفراغ، لاَنّهناك وقائع وأحداث لم ترد بعينها في متون الروايات وسنن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وإن كان يمكن استنباط أحكامها من العمومات والاِطلاقات والاَُصول الواردة في الكتاب والسنّة.

ولذلك دعت الحاجة في أوائل القرن الرابع إلى إبداع منهج خاص في الفقه، وهو الخروج عن نطاق عبائر النصوص والاَلفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، وعرض المسائل على القواعد الكلية الواردة في ذينك المصدرين، مع التحفظ على الاَُصول المنقولة عن أئمّة الشيعة من نفي القياس والاستحسان ونفي الاعتماد على كلّنظر ورأي ليس له دليل.

وهذا اللون من الفقه وإن كان سائداً بين فقهاء العامة، لكنّه كان مبنياً على أُسس وقواعد زائفة، كالعمل بالقياس وسائر المصادر الفقهية.

وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الاَُمّة، هو شيخ الشيعة وفقيهها الاَجل، الحسن بن علي بن أبي عقيل أبو محمد الحذّاء عرّفه النجاشي بقوله: فقيه متكلم ثقة، له كتب في الفقه وا لكلام منها: كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول»، كتاب مشهور في الطائفة، وقيل: ما ورد الحاج من خراسان إلاّطلب واشترى منه نسخاً، وسمعت شيخنا أبا عبد اللّه (المفيد)رحمه اللّه يكثر الثناء على هذا الرجل رحمه اللّه.(1)


(1) رجال النجاشي: 35. واختلف أرباب المعاجم في كنيته واسم أبيه لاحظ تعليقات فوائد الرجال للعلامة بحر العلوم:2|212.

(70)

وهذا شيخ الطائفة الطوسي يعرّفه ويعرّف كتابه المذكور في فهرسته، ويقول: وهو من جملة المتكلّمين، إماميّالمذهب، ومن كتبه كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» في الفقه وغيره، وهو كتاب كبير حسن.(1)

ويقول العلاّمة: ونحن نقلنا أقواله في كتبنا الفقهية، وهو من جملة المتكلّمين وفضلاء الاِمامية.

ويصف كتابه «المتمسك بحبل آل الرسول» بأنّه كتاب مشهور عندنا(2) وقد نقل آراءه العلاّمة في «مختلف الشيعة» في جميع أبواب الفقه، وهذا يكشف عن أنّالكتاب المذكور كتب على أساس الاستنباط، وردّ الفروع إلى الاَُصول، والخروج عن دائرة ألفاظ الحديث، عملاً بقول الصادق: علينا إلقاء الاَُصول إليكم، وعليكم التفريع.(3)

ولعلّه لاَجل هذا قال العلاّمة بحر العلوم في «فوائده الرجالية»: هو أوّل من هذّب الفقه واستعمل النظر، وفتق البحث في الاَُصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى وبعده الشيخ الفاضل «ابن الجنيد».(4)

وقال موَلف «روضات الجنات» أيضاً: إنّ هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع أساس النظر في الاَدلّة، وطريق الجمع بين مدارك الاَحكام بالاجتهاد الصحيـح، ولذا يعبّـر عنـه وعن الشيـخ أبي علي ابن الجنيد في كلمـات فقهاء أصحابنا بالقديمين، وقد بالغ في الثناء عليه أيضاً صاحب «السرائر»، وغيره وتعرضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنفاتهم.(5)


(1) الفهرست: 79. ضبط الشيخ اسم أبيه «عيسى»،والنجاشي«علي»؛ والثاني أقرب إلى الصواب.
(2) الخلاصة: 40.
(3) السرائر قسم المستطرفات: 477 في ما أورده من جامع البزنطي.
(4) الفوائد الرجالية: 2|229.
(5) روضات الجنات:2|259.

(71)

والتاريخ وإن لم يضبط عام وفاته، غير أنّه من معاصري الشيخ الكليني المتوفّى عام 329هـ، ومن مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، المتوفى عام 369هـ، وقد ترجم له السيد الاَمين رحمه اللّه في أعيان الشيعة ترجمة مبسوطة.(1)

والثاني هو محمد بن أحمد بن جنيد، أبو علي الكاتب الاسكافي، الذي قال النجاشي عنه: وجه في أصحابنا، ثقة، جليل القدر، صنّف فأكثر، ثمّ ذكر فهرس كتبه ومنها: كتاب «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة»، وكتاب «الاَحمدي للفقهالمحمدي».(2)

ويصف الشيخ الطوسي كتاب «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة»: بأنّه كتاب كبير في عشرين مجلداً، يشتمل على عدّة من كتب الفقه على طريق الفقهاء.(3)

وقوله: على طريقة الفقهاء إشارة إلى أنّه كان كتاباً على نمط الكتب الفقهية الاستدلالية، نظير الكتب الفقهية للعامة.

ولاَجل ذلك يقول موَلف «روضات الجنات» : إنّهذا الشيخ تبع الحسن ابن أبي عقيل العماني فأبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة.

ونقل عن «ايضاح العلامة» أنّه قال: وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد، ما صورته: وقع إليّ من هذا الكتاب ـ أي كتاب «تهذيب الشيعة» ـ مجلد واحد، وقد ذهب من أوّله أوراق، وهو كتاب النكاح، فتصفحته ولمحت مضمونه فلم أر لاَحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه، ولا أبلغ ولا أحسن عبارة، ولا أدق معنى، وقد استوفى منه الفروع والاَُصول، وذكر الخلاف في المسائل واستدل


(1) أعيان الشيعة:22|192ـ202.
(2) رجال النجاشي: 273.
(3) الفهرست:160.

(72)

بطريق الاِمامية وطريق مخالفيهم، وهذا الكتاب إذا أمعن النظر فيه وحصلت معانيه علم قدره ومرتبته، وحصل منه شيء كثير ولا يحصل من غيره.

ثمّ يقول العلاّمة: قد وقع إليّمن مصنفات هذا الشيخ المعظم الشأن كتاب «الاَحمدي في الفقه المحمّدي»،وهو مختصر هذا الكتاب، جيد يدلّ على فضل هذاالرجل وكماله، وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة».(1)

وبذلك يعلم أنّ استعمال القياس في فقهه كان لاَجل الاستدلال على طريق المخالفين، ولعلّه إلى ذلك ينظر الشيخ حيث يقول في «عدّته» : لما كان العمل بالقياس محظوراً في الشريعة عندهم لم يعملوا به أصلاً، وإذا شذ واحد منهم عمل به في بعض المسائل، على وجه المحاجة لخصمه، وإن لم يكن اعتقاده، رووا قوله وأنكروا عليه.(2)

الثالث: الشيخ الفقيه المحقّق النقّاد نابغة العراق، ونادرة الآفاق، الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (338ـ413هـ).

يقول تلميذه، أبو العباس النجاشي عنه في رجاله : شيخنا وأُستاذنا رضي اللّه عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والوثاقة والعلم.(3)

ويقول عنه تلميذه الآخر الشيخ الطوسي في فهرسته: محمد بن محمد بن النعمان المفيد، يكنّى أبا عبد اللّه المعروف بابن المعلم، من جملة متكلّمي


(1) روضات الجنات :6|145ـ147، نقلاً عن إيضاح العلاّمة: 88ـ 89،ط إيران، وقد نقله بعض الاَجلّة عن خلاصة العلاّمة، وهو ليس بصحيح.
(2) عدة الاَُصول: 1|339 الطبعة الحديثة. لاحظ أيضاً في ذلك ما حقّقه السيد بحر العلوم في فوائده: 3|213ـ 225.
(3) رجال النجاشي:399 برقم 1067.

(73)

الاِمامية، انتهت إليه رئاسة الاِمامية في وقته، وكان مقدماً في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنف كبار وصغار.(1)

وكفى في فضل الرجل وتقدّمه في الفقه والكلام انّه تخرّج عليه وتربّى في مدرسته العلمان الكبيران: السيد المرتضى، والشيخ الطوسي قدس اللّه أسرارهما .

وقد ذكر النجاشي من أسامي موَلفاته نحواًمن مائة وأربعة وستين كتاباً. وقد طبع منه في الفقه: المقنعة ، (والمسائل الصاغانية «والاعلام» فيما اتّفقت عليه الاِمامية وهو كالذيل لكتاب أوائل المقالات) غير أنّرسائله في الفقه كثيرة معروفة، يظهر لمن راجع الفهارس.

الرابع: علي بن الحسين الملقّـب بـ «علم الهـدى» والمعــروف بـ «السيـد المرتضى» (355ـ436هـ).

قال عنه تلميذه الشيخ الطوسي: متوحّد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدّم في العلوم مثل علم الكلام والفقه وأُصول الفقه، ثمّ ذكر تصانيفه.

وقال عنه تلميذه الآخر أبو العباس النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه وسمع من الحديث فأكثر. وذكر تآليفه.(2)

ومن تآليفه في الفقه: الانتصار في انفرادات الاِمامية، صنّفه للاَمير الوزير عميد الدين في بيان الفروع التي شنّع على الشيعة لاَنّهم خالفوا فيها الاِجماع فأثبت انّلهم فيها موافقاً من فقهاء سائر المذاهب، وانّلهم عليها حجّة قاطعة، من الكتاب والسنّة، وقد طبع الكتاب كراراً.


(1) فهرست الشيخ الطوسي: 166.
(2) فهرست الشيخ: 125؛ رجال النجاشي: 270 برقم 708.

(74)

وكتابه هذا في الفقه، وكتابه الآخر أعني: «الذريعة في أُصول الفقه» يعربان عن أنّالسيد من الشخصيات البارزة التي يضن بها الدهر إلاّ في فترات قليلة.

الخامس: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (385ـ460هـ)، فقيـه الشيعـة وزعيمهم في القرن الخامس بعد السيدالمرتضى الشهير بعلم الهدى، فقد قام بتأليف كتاب على هذا النمط وأسماه كتاب «المبسوط»، وألّفه بعد كتابه المسمّى بـ«النهاية» الذي كتبه على النمط الاَوّل من التأليف.

قال في مقدمة «المبسوط»: كنت عملت في قديم الوقت كتاب «النهاية»، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأُصولها من المسائل، وفرّقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه، وجمعت فيه النظائر... ولم أتعرض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الاَبواب، وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالاَلفاظ المنقولة، حتى لا يستوحشوا من ذلك وعملت بآخره مختصر جمل العقود، وفي العبارات سلكت فيه طريق الاِيجاز والاختصار، وعقود الاَبواب في ما يتعلّق بالعبادات ... ووعدت فيه أن أعمل كتاباً في الفروع خاصة، يضاف إلى كتاب «النهاية»، ويجتمع مع ما يكون كاملاً كافياً في جميع ما يحتاج إليه.

ثمّ رأيت أنّذلك يكون مبتوراً يصعب فهمه على الناظر فيه، لاَنّ الفرع إنّما يفهمه إذا ضبط الاَصل معه، فعدلت إلى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلوها الفقهاء، وهي نحو من ثلاثين كتاباً، أذكر كلّ كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الاَلفاظ، واقتصرت على مجرد الفقه دون الاَدعية والآداب، وأعقد فيه الاَبواب وأقسم فيه المسائل، وأجمع بين النظائر واستوفيه غاية


(75)

الاستيفاء، وأذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون.(1)

وقد لخّصنا عبارة الشيخ في مقدمته، وقد أوضح فيها طريقته الحديثة، التي اجتمعت فيه مزية التفريع والتكثير، والاِجابة على الحاجات الجديدة، وبيان أحكام الحوادث مع عدم الخروج عن حدود الكتاب والسنّة، بل الرجوع إليهما في جميع الاَبواب.

وقد نال هذا الكتاب القيم رواجاً خاصّاً، وهو أحد الكتب النفيسة للشيعة الاِمامية في الفقه، وقد طبع في ثمانية أجزاء.

كما أنّ للشيخ الطوسي كتاباً آخر وهو كتاب «الخلاف»، سلك فيه مسلك الفقه المقارن.

والحقّ أنّ شيخ الطائفة قد أُوتي موهبة عظيمة وفائقة، فخدم الفقه الاِسلامي بألوان الخدمة، فتارة كتب كتاب «النهاية» على طريقة الفقه المنصوص أو المسائل المتلقاة كما كتب «المبسوط» على نهج الفقه التفريعي، وأثبت أنّ الشيعة مع نفيهم للقياس والاستحسان، قادرون على تفريع الفروع، وتكثير المسائل، وتبيين أحكامها من الكتاب والسنّة مع التحفّظ على أُصولهم بالاجتهاد.

ثمّ ألف كتاب «الخلاف» على نمط الفقه المقارن، فأورد فيه آراء الفقهاء في عصره والعصور الماضية، وهو من أحسن الكتب وأنفسها، كما أنّه ابتدع نوعاً رابعاً في التأليف، فأخرج أُصول المسائل الفقهية بأبرع العبارات وأقصرها وأدرجها في فصول خاصة، أسماها «الجمل والعقود»، وقد أشار إليها في مقدمته إذ قال وأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضل أدام اللّه بقاه في املاء مختصر، يشتمل على ذكر كتب العبادات، وذكر عقود وأبواب وحصر جملها، وبيان أفعالها، وأقسامها إلى الاَفعال والتروك وما يتنوع من الوجوب والندب، وأضبطها بالعدد، ليسهل على


(1) المبسوط: 1|2ـ3.

(76)

من يريد حفظها، ولا يصعب تناولها ويفزع إليه الحافظ عند تذكّره، والطالب عند تدبّره.

فهذه الاَلوان الاَربعة في كتب الشيخ يسدّ كلّمنها ناحية من النواحي الفقهية.

السادس: الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير(1)بن عبد العزيز بن براج الطرابلسي، تلميذ السيد المرتضى، وزميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف بالقاضي تارة وبابن البراج أُخرى، فقيه عصره وقاضي زمانه، وخليفة الشيخ في الشامات.

وهو أحد الفقهاء الاَفذاذ في القرن الخامس بعد شيخيه: المرتضى والطوسي، صاحب كتاب «المهذب» في الفقه وغيره من الآثار الفقهية فهو قدَّس سرَّه اقتفى خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب والتفريع، ويعد الكتاب من الموسوعات الفقهية البديعة في عصره.

وقبل كلّشيء نذكر أقوال أئمّة الرجال والتراجم في حقّه، فنقول:
1. يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرست : القاضي سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الاَصحاب، وفقيههم، وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات منها: «المهذب»و «المعتمد» و«الروضة» و«المقرب» و«عماد المحتاج في مناسك الحاج» أخبرنا بها الوالد، عن والده، عنه.(2)
2. ويقول ابن شهر آشوب في «معالم العلماء»: أبو القاسم عبد العزيز بن


(1) نقل السيد بحر العلوم في فوائده:3|61 انّفي نسختين من نسخ إجازة العلاّمة لاَبناء زهرة «بحر» مكان نحرير وجعله أصحّ لكون «بحر» أكثر في الاَسماء من «نحرير».
(2) بحار الاَنوار: 105|441، و قد طبع فهرست منتجب الدين في هذا الجزء من أجزاء البحار.

(77)

نحرير بن عبد العزيز، المعروف بابن البراج، من غلمان (1)المرتضى رضي اللّه عنه، له كتب في الاَُصول والفروع، فمن الفروع: الجواهر، المعالم، المنهاج، الكامل، روضة النفس في أحكام العبادات الخمس، المقرب، المهذب، التعريف، شرح جمل العلم والعمل للمرتضيرحمه اللّه .(2)
3. وقال العلاّمة الحلّي في إجازته لاَولاد زهرة المدرجة في كتاب الاِجازات للمجلسي الملحق بآخر أجزاء البحار، قال: ومن ذلك جميع كتب الشيخ عبد العزيز بن نحرير البراج.(3)
4. وقال الشهيد في بعض مجاميعه في بيان تلامذة السيد المرتضى : ومنهم أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج، وكان قاضي طرابلس، ولاّه القاضي جلال الملكرحمه اللّه وكان أُستاذ أبي الفتح الصيداوي، وابن رزح[كذا]، من أصحابنا.
5. وقال ابن فهد في اصطلاحات المهذب: والقاضي عبد العزيز بن البراج تولى قضاء طرابلس عشرين سنة.

وقال في رموز الكتاب :وبكتابي القاضي: إلى المهذب والكامل.(4)
6.وقال الشيخ علي الكركي في إجازته للشيخ برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي في حقّ ابن البراج: الشيخ السعيد، خليفة الشيخ الاِمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية، عز الدين عبد العزيز بن نحرير ابن البراج قدَّس سرَّه .(5)


(1) المراد من الغلمان في مصطلح الرجاليين هوالخصيص بالشيخ، حيث إنّه تلمذ عليه و صار من بطانة علومه.
(2) معالم العلماء: 80.
(3) البحار:105|265.
(4) الفوائد الرجالية:3|63.
(5) رياض العلماء:3|144، وما نقلناه من الشهيد آنفاً نقلناه من ذاك المصدر.

(78)

7.وذكره الشهيد الثاني في إجازته، قال: «...وعن السيد المرتضى علم الهدى، وعن الشيخ سلار والقاضي عبد العزيز بن البراج، والشيخ أبي الصلاح بجميع ما صنفوه ورووه».

وقال في حاشية هذا الموضع: وجدت بخط شيخنا الشهيد انّ ابن البراج تولّى قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين.(1)
8. وقال بعض تلامذة الشيخ علي الكركي، في رسالته المعمولة في ذكر أسامي مشايخ الاَصحاب: ومنهم الشيخ عبد العزيز بن البراج الطرابلسي، صنف كتباً نفيسة منها: المهذب، والكامل، والموجز، والاِشراق، والجواهر، وهو تلميذ الشيخ محمد بن الحسن الطوسي.
9. وقال الاَفندي التبريزي في الرياض: وقد وجدت منقولاً عن خطّالشيخ البهائي، عن خط الشهيد أنّه تولّى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وكان للشيخ أبي جعفر الطوسي أيام قراءته على السيد المرتضى كلّ شهر اثنا عشر ديناراً ولابن البراج كل شهر ثمانية دنانير، وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته جميعاً.
10. ونقل عن بعض الفضلاء أنّابن البراج قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة إلى أن مات المرتضى، وأكمل قراءته على الشيخ الطوسي، وعاد إلى طرابلس في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وأقام بها إلى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى وثمانين وأربعمائة وقد نيف على الثمانين.(2)


(1) ولاحظ الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم:3|62.
(2) رياض العلماء:3|141ـ 142.

(79)

11. ونقل صاحب الروضات عن «أربعين الشهيد»، نقلاً عن خط صفي الدين المعد الموسوي: انّ سيدنا المرتضى ـ رضي اللّه عنه ـ كان يجري على تلامذته رزقاً فكان للشيخ أبي جعفر الطوسيرحمه اللّه أيّام قراءته عليه كلّ شهر اثنا عشر ديناراً وللقاضي كلّ شهر ثمانية دنانير، وكان وقف قرية على كاغذ الفقهاء.(1)
12. وقال عنه التفريشي في رجاله: فقيه الشيعة الملقّب بالقاضي، وكان قاضياً بطرابلس.(2)
13. وقال المولى نظام الدين القريشي في نظام الاَقوال: عبد العزيز بن البراج، أبو القاسم، شيخ من أصحابنا، قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكمل قراءته على الشيخ الطوسي، وعبر عنه بعض ـ كالشهيد في الدروس وغيره ـ بالقاضي، لاَنّه ولي قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين، مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى وثمانين وأربعمائة.(3)
14. وقال الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل:... وجه الاَصحاب وفقيههم، وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات، ثمّ ذكر نفس ما ذكره منتجب الدين في فهرسته، وابن شهر آشوب في معالمه، والتفريشي في رجاله.(4)
15. وقال المجلسي في أوّل البحار: وكتاب المهذب وكتاب الكامل وكتاب جواهر الفقه للشيخ الحسن المنهاج، عبد العزيز بن البراج، وكتب الشيخ الجليل ابن البراج كموَلفها في غاية الاعتبار.(5)


(1) روضات الجنات: 4|203. وانظر رجال السيد بحر العلوم:3|105.
(2) نقد الرجال: 189.
(3) رياض العلماء: 3|145، نقلاً عن نظام الاَقوال.
(4) أمل الآمل:2|152ـ 153.
(5) بحار الاَنوار: 1|20و38.

(80)

16. وفي مجمع البحرين. مادة «برج»:وابن البراج: أبو القاسم عبد العزيز من فقهاء الاِمامية وكان قاضياً بطرابلس.
17. وقال التستري في مقابيس الاَنوار: الفاضل الكامل، المحقّق المدقق، الحائز للمفاخر والمكارم ومحاسن المراسم: الشيخ سعد الدين وعز الموَمنين، أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي الشامي نوّر اللّه مرقده السامي، وهو من غلمان المرتضى، وكان خصيصاً بالشيخ وتلمذ عليه وصار خليفته في البلاد الشامية، وروى عنه وعن الحلبي، وربما استظهر تلمذته على الكراجكي وروايته عنه أيضاً.(1)وصنف الشيخ له ـ بعد سوَاله ـ جملة من كتبه معبراً عنه في أوائلها بالشيخ الفاضل، وهو المقصود به والمعهود، كما صرح به الراوندي في «حل المعقود»، وكتب الشيخ أجوبة مسائل له أيضاً، وكان من مشايخ ابن أبي كامل، والشيخ حسكا، والشيخ عبد الجبار، والشيخ محمد بن علي بن محسن الحلبي، وروى عنه ابناه الاَُستاذان: أبو القاسم وأبو جعفر اللّذان يروي عنهما القطب الراوندي وابن شهر آشوب السروي وغيرهم، وله كتب منها: المهذب، والجواهر، وشرح جمل المرتضى، والكامل، وروضة النفس، والمعالم، والمقرب، والمعتمد، والمنهاج، وعماد المحتاج في مناسك الحاج، والموجز، وغيرها، ولم أقف إلاّ على الثلاثة الاَُول، ويعبر عنه كثيراً بابن البراج.(2)
18. وقال المتتبع النوري:... الفقيه العالم الجليل، القاضي في طرابلس الشام في مدّة عشرين سنة، تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة، وكان يجري السيد عليه في كلّ شهر دينار(الصحيح ثمانية دنانير)، وهو المراد بالقاضي على الاِطلاق


(1) سيوافيك من صاحب رياض العلماء خلافه وأنّ الذي تتلمذ عليه هو تلميذ القاضي لا نفسه، وأنّ الاشتباه حصل من وحدة الاسم واللقب.
(2) مقابيس الاَنوار:7ـ 9.

(81)

في لسان الفقهاء، وهو صاحب المهذب والكامل والجواهر وشرح الجمل للسيد والموجز وغيرها... توفّي رحمه اللّه ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة 481هـ وكان مولده ومنشأه بمصر.(1)
19. وقال السيد الاَمين العاملي: وجه الاَصحاب، وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات، ... كتاب في الكلام، وكان في زمن بني عمار.(2)
20. وقال الحجّة السيد حسن الصدر عنه: القاضي ابن البراج، هو الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الاَصحاب وفقيههم امام في الفقه، واسع العلم، كثير التصنيف، كان من خواص تلامذة السيد المرتضى حضر عالي مجلس السيد في شهور سنة 429 إلى أن توفّي السيّد.

ثمّ لازم شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي حتى صار خليفة الشيخ وواحد من أهل الفقه، فولاّه جلال الملك قضاء طرابلس سنة 438، وأقام بها إلى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى وثمانين وأربعمائة، وقد نيف عليالثمانين، وكان مولده بمصر وبها منشوَه.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات المعطرةالتي فاحت بها كتب التراجم والرجال والتي تعرب عن مكانة الرجل ومرتبته في الفقه وانّه أحد أعيان الطائفة في عصره، وقاضياً من قضاتهم في طرابلس.

غير أنّ من الموَسف أنّ أرباب التراجم الذين تناولوا ترجمة الرجل عمدوا إلى نقل الكلمات حوله بعضهم عن بعضهم من دون تحليل لشخصيته، ومن دون إشارة إلى ناحية من نواحي حياته العلمية والاجتماعية.


(1) المستدرك: 3|481.
(2) أعيان الشيعة:7|18.
(3) تأسيس الشيعة لفنون الاِسلام : 304.

(82)

ولاَجل ذلك نحاول في هذه المقدمة القصيرة تسليط المزيد من الاَضواء على حياته، وتحليلها.

أضواء على حياة الموَلف

ميلاده: لم نقف على مصدر يعين تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق، غير أنّكلمة الرجاليين والمترجمين له اتّفقت على أنّه توفي عام 481هـ وقدنيف على الثمانين، فعلى هذا فإنّ أغلب الظن أنّهرحمه اللّه ولد عام 400هـ أو قبل هذا التاريخ بقليل.

هو شامي لا مصري

وأمّا موطنه فقد نقل صاحب «رياض العلماء» عن بعض الفضلاء أنّ مولده كان بمصر، وبها منشأه.(1)

وأخذ منه صاحب «المقابيس» والسيد الصدر كما عرفت، ولكنّه بعيد جدّاً.

والظاهر أنّه شامي لا مصري، ولو كان من الديار المصرية لزم عادة أن ينتحل المذهب الاِسماعيلي، وينسلك في سلك الاِسماعيليين، لاَنّ المذهب الرائج في مصر ـ يومذاك ـ كان هو المذهب الاِسماعيلي، وكان الحكام هناك من الفاطميين يروّجون لذلك المذهب، فلو كان المترجم له مصري المولد والمنشأ فهو بطبيعة الحال إذا لم يكن سنياً، يكون إسماعيلياً، وبما أنّه يعد من أفذاذ فقهاءالشيعة الاِمامية لزم أن يشتهر انتقاله من مذهب إلى مذهب، ولذاع وبان، مع انّه لم يذكر في حقّه شيء من هذا القبيل.


(1) رياض العلماء:3|143.

(83)

هذا هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي، الفقيه الفاطمي الاِسماعيلي، موَلف كتاب «دعائم الاِسلام » المتوفّى في القاهرة في جمادى الآخرة عام 363 هـ قد عاش بين الفاطميين وألّف على مذهبهم، ومات عليه، وصلّى عليه المعز لدين اللّه.

وترجمه السيد بحر العلوم في الجزء الرابع ص 145 من فوائده، وعلّق عليهالمعلق تعليقات مفيدة، فشكر اللّه مساعي الموَلف والمعلق فلاحظ.

فالظاهر أنّ ابن البراج شامي، وقد انتقل بعد تكميل دراسته في بغداد إلى مولده ـ البلاد الشامية ـ للقيام بواجباته، وحفظ الشيعة من الرجوع إلى محاكمالآخرين.

منزلته العلمية

قد وقفت في غضون كلمات الرجاليين والمترجمين انّ السيد المرتضى كان يجري الرزق على الشيخ الطوسي اثني عشر ديناراً وعلى الموَلف ثمانية دنانير، وهذا يفيد أنّ الموَلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة والبراعة بعد الشيخ الطوسي في مجلس درس السيد المرتضى، كيف وقد اشتغل الشيخ بالدراسة والتعلم قبله بخمسة عشر عاماً، لاَنّه ولد عام 400 هـ أو قبله بقليل وولد الشيخ الطوسي عام 385هـ.

وحتى لو فرض أنّهما كانا متقاربين في العمر ومدّة الدراسة، ولكن براعة الشيخ وتوقده ونبوغه ممّا لا يكاد ينكر، وعلى كلّتقدير فالظاهر أنّ هذا السلوك من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية.


(84)

زمالته للشيخ

لقد حضر الموَلف درس السيد المرتضيرحمه اللّه عام 429هـ وهو ابن ثلاثين سنة أو ما يقاربه فقد استفاد من بحر علمه وحوزة درسه قرابة ثمان سنين، حيث إنّ المرتضى لبّى دعوة ربّه لخمس بقين من شهر ربيع الاَوّل سنة 436هـ.(1)

فعندما لبّى الاَُستاذ دعوة ربّه، حضر درس الشيخ إلى أن نصب قاضياً في طرابلس عام 438هـ، وعلى ذلك فقد استفاد من شيخه الثاني قرابة ثلاث سنوات، ومع ذلك كلّه فالحقّ أنّ القاضي ابن البراج زميل الشيخ في الحقيقة، وشريكه في التلمذ على السيد المرتضى، وأنّه بعدما لبّى السيد المرتضى دعوة ربّه وانتهت رئاسة الشيعة ـ في بغداد ـ إلى الشيخ الطوسي، حضر درس الشيـخ الطوسي توحيداً للكلمة، وتشرفاً وافتخاراً، أوّلاً، واستفادة ثانياًكما قبل من جانبه الخلافة والنيابة في البلاد الشامية.

وتدل على أنّ ابن البراج كان زميلاً صغيراً للشيخ لا تلميذاً له أُمور:
1. عندما توفي أُستاذه السيد المرتضيرحمه اللّه ، كان القاضي ابن البراج قد بلغ مبلغاً كبيراً من العمر، يبلغ الطالب ـ في مثله ـ مرتبة الاجتهاد، وهو قرابة الاَربعين، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذ المحض بل هو لاَجل ما ذكرناه قبل قليل.
2. انّ السيد المرتضى عمل كتاباً باسم «جمل العلم والعمل» في الكلام والفقه على وجه موجز، ملقياً فيها الاَُصول والقواعد في فن الكلام والفقه.

وقد تولّى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه وهو ما يعبّر عنه بـ«تمهيد الاَُصول» وقد طبع الكتاب بهذا الاسم وانتشر.


(1) رجال النجاشي: 193.

(85)

بينما تولّى القاضي ابن البراج ـ المترجم له ـ شرح القسم الفقهي ومن هذا يظهر زمالة هذين العلمين، بعضهما لبعض في المجالات العلمية، فكلّواحد يشرح قسماً خاصاً من كتاب أُستاذهما.
3. انّشيخنا الموَلّف ينقل في كتابه«شرح جمل العلم والعمل» عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الاَجناس الزكوية ما هذا عبارته: «وقد ذكر في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي اللّه عنه من الرواية الواردة، من الدرهم أو الثلثين، والاَحوط إخراجها بقيمة الوقت، وهذا الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا أبي جعفر الطوسي ورأيت من علمائنا من يميل إلى ذلك».(1)

وهذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث والتحرير.
4. نرى أنّ الموَلّف عندما يطرح في كتابه«المهذب» آراء الشيخ يعقبه بنقد بنّاء ومناقشة جريئة، مما يدل على زمالته للشيخ لا تلميذاً آخذاً، ونأتي لذلك بنموذجين:

أوّلاً: فهو يكتب في كتاب الاَيمان من «المهذب» إذا ما حلف الرجل على عدم أكل الحنطة، فهل يحنث إذا أكلها دقيقاً أو لا، ما هذا عبارته:

كان الشيخ أبو جعفر الطوسيرحمه اللّه قد قال لي يوماً في الدرس: إن أكلها على جهتها حنث، وإن أكلها دقيقاً أو سويقاً لم يحنث.

فقلت له: ولم ذلك؟ وعين الدقيق هي عين الحنطة، وإنّما تغيرت بالتقطيعالذي هو الطحن.

فقال: قد تغيرت عمّا كانت عليه. وإن كانت العين واحدة، وهو حلف أن لا يأكل ما هو مسمى بحنطة لا ما يسمى دقيقاً.


(1) شرح جمل العلم والعمل: 268، وقد حقق نصوصه الاَُستاذ مدير شانه3چي دام ظله.

(86)

فقلت له: هذا لم يجز في اليمين، فلو حلف: لا أكلت هذه الحنطة مادامت تسمّى حنطة، كان الاَمر على ما ذكرت، فإنّما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة.

فقال: على كلّ حال قد حلف أن لا يأكلها وهي على صفة، وقد تغيّـرت عن تلك الصفة، فلم يحنث.

فقلت: الجواب هاهنا مثل ما ذكرته أوّلاً، وذلك: إن كنت تريد أنّه حلف أن لا يأكلها وهي على صفة. أنّه أراد وهي على تلك الصفة، فقد تقدّم ما فيه، فإن كنت لم ترد ذلك فلا حجّة فيه.

ثمّ يلزم على ما ذكرته أنّه لوحلف أن لا يأكل هذا الخيار وهذا التفاح، ثمّ قشره وقطعه وأكله إلاّ يحنث ولا شبهة في أنّه يحنث.

فقال: من قال في الحنطة ما تقدم، يقول في الخيار والتفاح مثله.

فقلت له: إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته: من أنّالعين واحدة، اللّهمّ إلاّ إن شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح وهو على ما هو عليه، فأنّ الاَمر يكون على ما ذكرته؟ وقد قلنا إنّ اليمين لم يتناول ذلك.

ثمّ قلت: على إنّ الاحتياط يتناول ما ذكرته، فأمسك.(1)

ثانياً: ما جاء في كتاب الطهارة، في الماء المضاف إذا اختلط بالماء المطلق وكانا متساويين في المقدار، فذهب القاضي إلى أنّه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، ولا إزالة النجاسة، ويجوز في غير ذلك، ثمّ قال:

وقد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه اللّه قال لي يوماً في الدرس: هذا


(1) المهذب:2|419و420، كتاب الكفارات.

(87)

الماء يجوز استعماله في الطهارة وإزالة النجاسة.

فقلت له: ولم أجزت ذلك مع تساويهما؟

فقال: إنّما أجزت ذلك لاَنّ الاَصل الاِباحة.

فقلت له: الاَصل وإن كان هو الاِباحة، فأنت تعلم أنّالمكلّف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلاّبالماء المطلق، فتقول أنت بأنّهذا الماء مطلق؟! فقال: أفتقول أنت بأنّه غير مطلق؟

فقلت له: أنت تعلم أنّ الواجب أن تجيبني عمّا سألتك عنه قبل أن تسألني بـ«لا» أو «نعم» ثمّ تسألني عمّا أردت، ثمّإنّني أقول بأنّه غير مطلق.

فقال: ألست تقول فيها إذا اختلطا وكان الاَغلب والاَكثر المطلق فهما مع التساوي كذلك؟

فقلت له: إنّما أقول بأنّه مطلق إذا كان المطلق هو الاَكثر والاَغلب، لاَنّ ما ليس بمطلق لم يوَثر في إطلاق اسم الماء عليه، ومع التساوي قد أثر في إطلاق هذا الاسم عليه، فلا أقول فيه بأنّه مطلق، ولهذا لم تقل أنت بأنّه مطلق، وقلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الاَكثر والاَغلب، ثمّ إنّ دليل الاحتياط تناول ما ذكرته، فعاد إلى الدرس ولم يذكر فيه شيئاً.(1)

وهذا النمط من البحث والنقاش والاَخذ والرد في أثناء الدروس يرشد إلى مكانة القاضي في درس الشيخ الطوسي، وانّمنزلته لم تكن منزلة التلميذ بل كان رجلاً مجتهداً ذا رأي ونظر ربما قدر على اقناع أُستاذه وإلزامه برأيه.
5. انّ الناظر في ثنايا كتاب «المهذب» يرى بأنّالموَلف ـ المترجم له ـ يعبر عن أُستاذه السيد المرتضى بلفظة «شيخنا» بينما يعبر عن «الشيخ الطوسي»


(1) المهذب :1|24ـ25، كتاب الطهارة.

(88)

بلفظة «الشيخ أبو جعفر الطوسي» لا بـ«شيخنا» والفارق بين التعبيرين واضح وبيّن.

وهذا وإن لم يكن قاعدة مطردة في هذا الكتاب إلاّ انّها قاعدة غالبة. نعم عبّر في «شرح جمل العلم والعمل» عنه بـ«شيخنا» كما نقلناه.
6. ينقل هو رأي الشيخ الطوسي في مواضع كثيرة بلفظ «ذكر»أي قيل، وقد وجدنا موارده في مبسوط الشيخرحمه اللّه ونهايته.

ولا شكّ أنّ هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن أُستاذه.

وعلى كلّتقدير فرحم اللّه الشيخ والقاضي بما أسديا إلى الاَُمة من الخدمات العلمية، ووفقنا للقيام بواجبنا تجاه هذين العلمين، والطودين الشامخين.

استمرار الاجتهاد والمناقشة في آراء الشيخ

لقد نقل صاحب المعالم عن والده ـ الشهيد الثاني ـ رحمه اللّه بأنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنّهم به، فلمّا جاء المتأخرون وجدوا أحكاماً مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أنّمرجعها إلى الشيخ وأنّ الشهرة إنّما حصلت بمتابعته.

قال الوالد ـ قدّس اللّه نفسه ـ : وممّن اطّلع على هذا الذي تبيّنته وتحقّقته من غير تقليد: الشيخ الفاضل المحقّق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين ابن طاووس، وجماعة.

وقال السيدرحمه اللّه في كتابه المسمّى بـ«البهجة لثمرة المهجة»: أخبرني جدي الصالح ـ قدّس اللّه روحه ـ ورام بن أبي فراس ـ قدّس روحه ـ أنّالحمصي


(89)

حدّثه أنّه لم يبق مفت للاِمامية على التحقيق بل كلّهم حاك. وقال السيد عقيب ذلك:والآن فقد ظهر لي أنّ الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلامالمتقدمين.(1)

ولكن هذا الكلام على إطلاقه غير تام، لما نرى من أنّابن البراج قد عاش بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة، وألّف بعض كتبه كالمهذّب بعد وفاة الشيخ وناقش آراءه بوضوح، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على إطلاقه: «لم يبق مفت للاِمامية على التحقيق بل كلّهم حاك».

وخلاصة القول : إنّ في الكلام المذكور نوع مبالغة، لوجود مثل هذا الفقيه البارع.

منزلته عند الشيخ الطوسي

قد عرفت مكانة الشيخ ومنزلته العلمية، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر إليه بنظر الاِكبار والاِجلال، ولاَجل ذلك نرى أنّ الشيخ ألف بعض كتبه لاَجل التماسه وسوَاله .

فها هو الشيخ الطوسي يصرّح في كتابه «المفصح في إمامة أمير الموَمنين» بأنّه ألّف هذا الكتاب لاَجل سوَال الشيخ (ابن البراج) منه فيقول:

سألت أيها الشيخ الفاضل أطال اللّه بقاءك وأدام تأييدك املاء كلام في صحّة إمامة أمير الموَمنين، علي بن أبي طالب، صلوات اللّه عليه.(2)

كما أنّه ألف كتابه «الجمل والعقود» بسوَاله أيضاً حيث قال: أمّا بعد فأنا مجيب إلى ما سأل الشيخ الفاضـل ـ أدام اللّه بقاءه ـ، من إملاء مختصر يشتمل على


(1) معالم الدين: 408 ـ الطبعة الجديدة ـ المطلب الخامس في الاِجماع .
(2) الرسائل العشر: 117.

(90)

ذكر كتب العبادات.(1)

ونرى أنّه ألّف كتابه الثالث«الاِيجاز في الفرائض والمواريث» بسوَال الشيخ أيضاً فيقول: سألت أيدك اللّه املاء مختصر في الفرائض والمواريث.(2)

ولم يكتف الشيخ بذلك، فألف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضاً إذ يقول: أمّا بعد فإنّي قد أجبت إلى ما تكرر سوَال الشيخ الفاضل فيه، من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وعن الاَئمّة من بعده إلى زمن القائم _ عليهم السلام_ ، ثمّ أذكر من تأخر زمانه عن الاَئمّة من رواة الحديث.(3)

ويقول المحقّق الطهراني في مقدمته على «التبيان» عند البحث عن «الجمل والعقود»: قد رأيت منه عدّة نسخ في النجف الاَشرف، وفي طهران، ألّفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، وهو القاضي ابن البراج، وقد صرح في هامش بعض الكتب القديمة بأنّ القاضي المذكور هو المراد بالشيخ، كما ذكرناه في الذريعة ج5ص 145.(4)

ويقول المحقّق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب «الرسائل العشر»:

وفي هامش النسخة من كتاب «الجمل والعقود» التي كانت بأيدينا، قد قيد أنّ الشيخ هو ابن البراج.

وعلى ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة هو الشيخ القاضي ابن البراج، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في


(1) الرسائل العشر: 155.
(2) الرسائل العشر: 269.
(3) رجال الشيخ : 2.
(4) التبيان ، ج1، مقدمة المحقق الطهراني ص(ث).

(91)

أوّل كتاب الفهرست حيث قال:

ولما تكرر من الشيخ الفاضل ـ أدام اللّه تأييده ـ الرغبة في ما يجري هذا المجرى وتوالى منه الحث على ذلك، ورأيته حريصاً عليه، عمدت إلى كتاب يشتمل على ذكر المصنفات والاَُصول ولم أفرد أحدهما عن الآخر...، وألتمس بذلك القربة إلى اللّه تعالى، وجزيل ثوابه، ووجوب حقّ الشيخ الفاضل ـ أدام اللّه تأييده ـ وأرجو أن يقع ذلك موافقاً لما طلبه إن شاء اللّه تعالى.(1)

ونرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعني «الغيبة» حيث يقول:

فانّي مجيب إلى ما رسمه الشيخ الجليل (أطال اللّه بقاه) من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان(2) وربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس، هو الشيخ المفيد، ولكنّه غير تام لوجهين:

أوّلاً: انّه قدَّس سرَّه قد عين تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول عمره حيث قال: فإن قيل: ادعاوَكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات، مع بقائه ـ على قولكم ـ كامل العقل تام القوة والشباب، لاَنّه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة....

ومن المعلوم انّ الشيخ المفيد قد توفي قبل هذه السنة بـ34 عاماً.

أضف إلى ذلك أنّه يصرّح في أوّل كتاب الغيبة بأنّه (رسمه مع ضيق الوقت وشعث الفكر، وعوائق الزمان، وطوارق الحدثان)، وهو يناسب أُخريات إقامة الشيخ في بغداد، حيث حاقت به كثير من الحوادث الموَسفة الموَلمة، حتى ألجأت الشيخ إلى مغادرة بغداد مهاجراً إلى النجف الاَشرف، لما دخل طغرل بك


(1) فهرست الشيخ :24.
(2) الغيبة: 78.

(92)

السلجوقي بغداد عام 447، واتّفق خروج الشيخ منها بعد ذلك عام 448، فقد أحرق ذلك الحاكم الجائر مكتبة الشيخ والكرسي الذي يجلس عليه في الدرس، وكان ذلك في شهر صفر عام 448. (1)

أضف إلى ذلك أنّ شيخ الطائفة ألف كتاباً خاصاً باسم «مسائل ابن البراج» نقله شيخنا الطهراني في مقدمة «التبيان» عن فهرس الشيخ.(2)

أساتذته

لا شكّ أنّابن البراجرحمه اللّه أخذ أكثر علومه عن أُستاذه السيد المرتضيرحمه اللّه وتخرج على يديه، قال السيد بحر العلوم: وقد تلمذ على السيد المرتضى وأخذ عنه العلم والفقه، الجم الغفير من فضلاء أصحابنا وأعيان فقهائنا منهم ...والقاضي السعيد «عبد العزيز بن البراج». وحضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي سمعت، غير أنّنا لم نقف على أنّه عمّن أخذ أوليات دراساته في الاَدب وغيره (3).

وربّما يقال إنّه تتلمذ على المفيد، كما في «رياض العلماء» (4)وهو بعيد جدّاً، لاَنّ المفيد توفّي عام 413هـ، والقاضي بعد لم يبلغ الحلم لاَنّه من مواليد 400 أوبعام قبله، ومثله لا يقدر على الاستفادة عادة من بحث عالم نحرير كالمفيد رحمه اللّه.

وقد ذكر التستري صاحب المقابيس أنّه تلمذ على الشيخ أبي الفتح محمد ابن علي بن عثمان الكراجكي أحد تلاميذ المفيد ثمّ السيد، وموَلف كتاب «كنز


(1) لاحظ المنتظم لابن الجوزي:8|173، الكامل لابن الاَثير:8|81.
(2) التبيان ص أ ـ ب . ونص به أيضاً العلاّمة الطباطبائي في فوائده الرجالية لاحظ :3|233.
(3) الفوائد الرجالية: 3|139.
(4) رياض العلماء:3|142.

(93)

الفوائد» وغيره من الموَلفات البالغة ثلاثين تأليفاً.(1)

وقال في الرياض نقلاً عن المجلسي في فهرس بحاره: إنّ عبد العزيز بن البراج الطرابلسي من تلاميذ أبي الفتح الكراجكي، ثمّ استدرك على المجلسي بأنّ تلميذه هو القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، لا عبد العزيز بن نحرير(2) غير أنّ التستري لم يذكر على ما قاله مصدراً، نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ عن مثله.

وربّما يقال بتلمذه على أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، صهر الشيخ المفيد وخليفته، والجالس محله الذي وصفه النجاشي في رجاله بقوله: بأنّه متكلّم فقيه قيم بالاَمرين جميعاً.(3)

ولم نقف على مصدر لهذا القول، سوى ما ذكره الفاضل المعاصر الشيخ كاظم مدير شانه3چي في مقدمة كتاب «شرح جمل العلم والعمل» للقاضي ابنالبراج.

وربّما عدّ من مشايخه أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الدين (347 ـ 447هـ)، عن عمر يناهز المائة، وهو خليفة الشيخ في الديار الحلبية، كما كان


(1) ريحانة الاَدب: 5|40.
(2) رياض العلماء:3|142.
(3) رجال النجاشي: 288، وهذا الشيخ هو الذي اشترك مع النجاشي في تغسيل السيد المرتضى، يقولالشيخ النجاشي عند ترجمة المرتضى: وتوليت غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن ابن حمزة الجعفري وسالار بن عبد العزيز،وبذلك يظهر أنّه كان حياً عام وفاة المرتضى، وهو 436 والاَخير هو الحقّ الحقيق بالتصديق لاحظ مقال العلاّمة الحجّة السيد موسى الزنجاني دام ظله في مجلة «نور علم» العدد 11و12.

وليعلم أنّ الشيخ أبا يعلى غير محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، وهو الذي يقول فيه الشيخ منتجب الدين: فقيه، عالم، واعظ له تصانيف منها: الوسيلة، الواسطة، الرائع في الشرائع، المعجزات، مسائل في الفقه (البحار:102|271).


(94)

القاضي خليفته في ناحية طرابلس.

كما يحتمل تلمّذه على حمزة بن عبد العزيز الملقّب بسلاّر صاحب المراسم، المتوفّى عام 463هـ، المدفون بقرية خسرو شاه من ضواحي تبريز، ولم نجد لذلك مصدراً وإنّما هو وما قبله ظنون واحتمالات، وتقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر «مدير شانه3چي» وعلى ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الدوريستي الذي هو: «ثقة عين، عدل، قرأ على شيخنا المفيد، والمرتضى علم الهدى».(1)

وقد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبد الرحمان الرازي، والشيخ المقرىَ ابن خشاب، ونقله عن فهرست منتجب الدين، غير أنّا لم نقف على ذلك في فهرست منتجب الدين وإنّما الوارد فيه غير ذلك.(2)

فقد قال الشيخ منتجب الدين: الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي، شيخ الاَصحاب بالري، حافظ، ثقة، واعظ، سافر في البلاد شرقاً وغرباً، وسمع الاَحاديث عن الموَالف والمخالف، وقد قرأ على السيدين: علم الهدى المرتضى، وأخيه الرضي، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والمشايخ:سالار ، وابن البراج، والكراجكي ـ رحمهم اللّه جميعاً ـ وقال أيضاً: الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد اللّه بن علي المقرىَ الرازي فقيه الاَصحاب بالري، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلمين من السادة والعلماء، وقد قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي جميع تصانيفه وقرأ على الشيخين سالار وابن البراج.(3)


(1) فهرست منتجب الدين: 215ـ 216.
(2) وقد رفعنا رسالة في هذا الموضوع إلى الفاضل المعاصر «مدير شانه3چي» فتفضل بالجواب مصرّحاً بأنّ الحق انّهما من تلاميذه لا من مشايخه.
(3) بحار الاَنوار:105|242 عن فهرست منتجب الدين.

(95)

عام تأليف الكتاب

قد ذكر القاضي في كتاب الاِجارة تاريخ اشتغاله بكتابة باب الاِجارة وهو عام 467 هـ (1). فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية، ومزاولة طويلة شغلت عمر الموَلف مدّة لا يستهان بها، وعلى ذلك فهو ألّف الكتاب بعد تخلّيه عن القضاء، لاَنّه اشتغل بالقضاء عام 438هـ ومارسها بين عشرين وثلاثين عاماً، فعلى الاَوّل كتبها بعد التخلّي عنه، وعلى الثاني اشتغل بالكتابة في أُخريات ممارسته للقضاء.

وعلى ذلك فالكتاب يتمتع بأهمية كبرى، لاَنّهرحمه اللّه وقف في أيّام تولّيه للقضاء على موضوعات ومسائل مطروحة على صعيد القضاء، فتناولها بالبحث في الكتاب وأوضح أحكامها، فكم فرق بين كتاب فقهي يوَلّف في زوايا المدرسة من غير ممارسة عملية للقضاء، وكتاب يوَلّف بعد الممارسة لها أو خلالها.

ولاَجل ذلك يعتبر الكتاب الحاضر «المهذب» من محاسن عصره.

تلاميذه

كان شيخنا المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يوَلف في موضوعات فقهية وكلامية، وفي نفس الوقت كان مفيداً ومدرساً، فقد تخرج على يديه عدة من الاعلام نشير إلى بعضهم:
1. الحسن بن عبد العزيز بن المحسن الجبهاني(الجهياني) المعدل بالقاهرة، فقيه، ثقة، قرأ على الشيخ أبي جعفر الطوسي، والشيخ ابن البراج ـ


(1) راجع الجزء الثاني، كتاب الاِجارة، ص 476 قال: إذا استأجر داراً فقال الموَجر وهو مثلاً في رجب: آجرتك هذه الدار في شهر رمضان، أو كان في مثل هذه السنة وهي سنة سبع وستين وأربعمائة، فقال: أجرتك هذه الدار سنة ثمان و ستين وأربعمائة، إلى آخره.

(96)

رحمهم اللّه جميعاًـ .(1)
2. الداعي بن زيد بن علي بن الحسين بن الحسن الاَفطسي الحسيني الآوي، الذي عمّر عمراً طويلاً كما ذكره صاحب المعالم في إجازته الكبيرة، وهو يروى عن المرتضى، والطوسي، وسلاّر، وابن البراج، والتقي الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم وجميع ما رووه وأُجيز لهم روايته.(2)
3. الشيخ الاِمام شمس الاِسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، نزيل الري المدعو حسكا، جدّالشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقه:فقيه، ثقة، قرأ على شيخنا الموفق أبي جعفر ـ قدّس اللّه روحه ـ جميع تصانيفه بالغري ـ على ساكنه السلام ـ وقرأ على الشيخين : سلاّر بن عبد العزيز، وابن البراج جميع تصانيفهما.(3)
4. الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمان بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي.
5. الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد اللّه بن علي المقري الرازي، وقد توفّي بطرابلس، ودفن في حجرة القاضي، كما حكى عن خط جدّ صاحب المدارك، عن خط الشهيد وكان حياً إلى عام 503هـ. (4)

وقد عرفت نصّ الشيخ منتجب الدين في حقّ الرجلين.
6. الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي، فقيه، صالح، أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي رحمه اللّه .(5)


(1) فهرست منتجب الدين المطبوع في الجزء 105 من البحار، ص 219.
(2) المستدرك: 3|444؛ طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس: 75.
(3) فهرست منتجب الدين المطبوع في بحار الاَنوار:105|219.
(4) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس: 103و 107.
(5) فهرست منتجب الدين المطبوع في بحار الاَنوار:105|265.

(97)

وقال في «الرياض»: انّه يظهر من إجازة الشيخ علي الكركي للشيخ عليالميسي وغيرها من المواضع، انّه يروي عن القاضي عبد العزيز بن البراج ـ قدّس اللّه روحه ـ الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلي(1) ينقل عنه.

وقال في تلك الاِجازة في مدح ابن البراج هكذا: الشيخ السعيد الفقيه، الحبر العلامة، عزّ الدين، عبد العزيز بن البراج قدَّس سرَّه.(2)
7. عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عزّ الدين الطرابلسي، سميّ شيخناالمترجم له، يروي عن: المترجم له، والشيخ الطوسي، وسلاّر، ويروي عنه: عبد اللّه بن عمر الطرابلسي كما في «حجّة الذاهب».(3)
8. الشيخ كميح والد أبي جعفر، يروي عن ابن البراج.(4)

9و10. الشيخان الفاضلان الاَُستاذان ابنا الموَلف: أبو القاسم (5)وأبو جعفر اللّذان يروي عنهما الراوندي والسروي وغيرهم.(6)

11و12. أبوالفتح الصيداوي وابن رزح، من أصحابنا .(7)

هوَلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم وليست تنحصر فيمن عددناهم.


(1) ووصفه الشيخ منتجب الدين: بالحلبي كما نقلناه آنفاً.
(2) رياض العلماء: 3|144.
(3) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس: 106.
(4) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس: 4.
(5) وبما أنّ كنية القاضي هو أبو القاسم، فلازم ذلك أن يكون اسم ابنه القاسم لا أبا القاسم،ومن جانب آخر فإنّ التسمية بنفس القاسم وحده بلا ضمّ كلمة الاَب إليه قليل في البيئات العربية، فيحتمل وحدة الكنية في الوالد والولد.
(6) المقابيس: 90.
(7)7. رياض العلماء: 3|143و145.

(98)

وقال السيد بحر العلوم: وله كتاب الموجز في الفقه، قرأ عليه الفقيه شمس الاِسلام الحسن بن الحسين بن بابويه(1) والشيخ الفقيه الحسين بن عبد العزيز(2)، وشيخ الاَصحاب عبد الرحمان بن أحمد الخزاعي (3) وفقيه الاَصحاب عبد الجبار بن عبد اللّه الرازي(4) و عبيد اللّه (5) عن الحسن بن بابويه.(6)

وفي خاتمة المطاف ننبه على أُمور:
1. انّه كثيراً ما يشتبه الاَُستاذ بالتلميذ لاَجل المشاركة في الاسم واللقب، فتعد بعض تصانيف الاَُستاذ من تآليف التلميذ.

قال في «رياض العلماء»: وعندي أنّ بعض أحوال القاضي سعد الدين عبد العزيز ابن البراج هذا، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي(7). ويظهر من الشهيد الاَوّل في كتابه «الاَربعين» في سند الحديث الثاني والثلاثين، وسند الحديث الثالث والثلاثين مغايرة الرجلين.

قال الشهيد الاَوّل في سند الحديث الثاني والثلاثين: ...حدثنا الشيخ الاِمام قطب الدين أبو الحسين المعروف بالقطب الراوندي، عن الشيخ أبي جعفر محمد ابن علي بن المحسن الحلي.(8)


(1) وهو جدّ الشيخ منتجب الدين المدعو بـ«حسكا» تجد ترجمته في فهرست منتجب الدين.
(2) ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسته ص 4وقال: «الموفق الشيخ أبو محمد الحسين بن عبدالعزيز ابن الحسن الجهاني المعدل بالقاهرة. فقيه، ثقة، قرأ على: الشيخ أبي جعفر الطوسي، والشيخ ابن البراج».
(3) ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسته: 7، ونص على تلمذه على ابن البراج.
(4) لاحظ المصدر نفسه.
(5) لاحظ المصدر أيضاً ، ص 15.
(6) الفوائد الرجالية:3|23.
(7)7. رياض العلماء:3|143و145.
(8)8. وقد عرفت أنّ الصحيح هو «الحلبي».

(99)

قال: حدّثنا الشيخ الفقيه الاِمام سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي، قال: حدّثنا السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، إلى آخره، وفي سند الحديث الثالث والثلاثين... حدّثنا الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، عن الشيخ الفقيه المحقّق أبي الصلاح تقي بن نجم الدين الحلبي، عن السيد الاِمام المرتضى علم الهدى... إلى آخره.(1)

ولاحظ الذريعة ج23، ص 294 فلا شكّ ـ كما ذكرنا ـ فإنّ القاضي عبد العزيز ابن أبي كامل، تلميذ القاضي بن نحرير.
2. يظهر من غضون المعاجم أنّ بعض ما ألّفه القاضي في مجالات الفقه كان مركزاً للدراسة، ومحوراً للتدريس، حيث إنّ الشيخ سعيد بن هبة اللّه بن الحسن الراوندي ـ الشهير بالقطب الراوندي ـ كتب بخطه إجازة لولده على كتاب «الجواهر في الفقه» لابن البراج عبد العزيز وهذه صورتها:

قرأه عليّ ولدي نصير الدين أبو عبد اللّه الحسين ـ أبقاه اللّه ومتّعني به ـ، قراءة إتقان، وأجزت له أن يرويه عن الشيخ أبي جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنف.(2)

ولم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب «الجواهر»، بل كان كتابه الآخر وهو (الكامل) كتاباً دراسياً أيضاً.

ولذلك نرى أنّ الشيخ أبا محمد عبد الواحد الحبشي، من تلاميذ القاضي عبد العزيز بن أبي كامل الطرابلسي، قرأ الكامل عليه.


(1) الاَربعون للشهيد، في شرح الحديث الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين: 23 ـ 24، فيظهر من السندين مغايرة الرجلين وتعاصرهما.
(2) قد مضى أنّه من تلاميذ القاضي.

(100)

والكامل من موَلفات شيخنا المترجم له.(1)
3. نقل صاحب الرياض أنّه تولّى القضاء في طرابلس، لدفع الضرر عن نفسه بل عن غيره أيضاً، والتمكن من التصنيف، وقد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق الشيعة، وقد نصبه على القضاء جلال الملك عام 438هـ.(2)
4. وقال صاحب الروضات: إنّ المستفاد من كتاب (الدرة المنظومة) لسيدنا العلاّمة الطباطبائي انّه يعبر عن القاضي بالحافي، ولم نجد له مصدراً قبله.

قال في منظومته:

وسنّ رفع اليد بالتكبير * والمكث حتى الرفع للسرير

والخلع للحذاء دون الاحتفا * وسن في قضائه الحافي الحفا(3)

تآليفه

خلّف المترجم له ثروة علمية ضخمة في الفقه والكلام، تنبىَ عن سعة باعه في هذا المجال، وتضلّعه في هذا الفن.

وإليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم:
1. الجواهر : قال في رياض العلماء: رأيت نسخة منه في بلدة ساري، من بلاد مازندران،وهو كتاب لطيف، وقد رأيت نسخة أُخرى منه بإصفهان عندالفاضل الهندي، وقد أورد قدَّس سرَّه فيه المسائل المستحسنة المستغربة


(1) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس: 168.
(2) رياض العلماء:3|152؛وتأسيس الشيعة: 304.
(3) روضات الجنات:4|205 ، لكن من المحتمل أن يكون «الحافي»مصحف «القاضي»لقرابتهما فيالكتابة فلاحظ.

(101)

والاَجوبة الموجزةالمنتخبة.(1)
2. شرح جمل العلم والعمل.
3. المهذب ، وهو الكتاب الذي بين يديك.
4. روضة النفس.
5. المقرب في الفقه (الذريعة 22، ص 108).
6. المعالم في الفروع (الذريعة ج21، ص 197).
7. المنهاج في الفروع(الذريعة ج23، ص 155).
8. الكامل في الفقه، وينقل عنه المجلسي في بحاره (الذريعة ج17، ص 257).
9. المعتمد في الفقه(الذريعة ج21، ص 214).
10. الموجز في الفقه، وربما ينسب إلى تلميذه ابن أبي كامل الطرابلسي (لاحظ الذريعة ج23، ص 251).
11. عماد المحتاج في مناسك الحاج (لاحظ الذريعة ج15، ص 331).

ويظهر من الشيخ ابن شهر آشوب في «معالم العلماء» أنّ كتبه تدور بين الاَُصول والفروع كما أنّ له كتاباً في علم الكلام.

ولكنّه مع الاَسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية، وذهبت أدراج الرياح ولم يبق إلاّ الكتب الثلاثة: الجواهر، المهذب، شرح جمل العلم والعمل.

ويظهر من ابن شهر آشوب أنّه كان معروفاً في القرن السادس بابن البراج، مما يوَكد على أنّ ابن البراج كان شخصية من الشخصيات، حتى أنه نسب القاضي إلى هذا البيت.


(1) رياض العلماء:3|142.

(102)

هذه هي كتبه وقد طبع منها «الجواهر» ضمن «الجوامع الفقهية» على وجه غير نقي عن الغلط، فينبغي لرواد العلم إخراجه وتحقيق متنه على نحو يلائم العصر (1).

كما أنّه طبع من موَلفاته «شرح جمل العلم والعمل» بتحقيق الاَُستاذ كاظم مدير شانه3چي.

وقد كان سيدنا الاَُستاذ آية اللّه العظمى البروجردي قدَّس سرَّه يحث الطلاب على مراجعة المتون الفقهية الموَلّفة على يد الفقهاء القدامى، وكان يعتبر الشهرة الفتوائية على وجه لا يقل عن الاِجماع المحصّل.

وكان من نواياه قدَّس سرَّه طبع بعض الكتب الفقهية الاَصيلة منها:
1. الكافي، للفقيه أبي الصلاح الحلبي.
2. الجامع للشرائع، ليحيى بن سعيد الحلي.
3. كشف الرموز، للفقيه عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي، تلميذ المحقّق وشارح كتاب «النافع» شرحاًحسناً متوسطاً وقد أسماه ـ كما عرفت ـ بـ«كشف الرموز».
4. المهذب، للقاضي ابن البراج.



(1) وقد أنجز هذه الاَُمنية الشيخ المحقق البهادري فقد حققه وانتشر وقدمنا له مقالاً سيوافيك فيما بعد.


(103)

الشيعة والتشريع الاِسلامي

تدويناً وتطويراً (1) الكتاب والسنّة هما المصدران الرئيسيّان للتشريع الاِسلامي لدى المسلمين، فالكتاب نور وهداية للاَُمّة في شتى حقول الحياة، قال سبحانه: (ونزّلنا عَلَيْكَ الذِّكْر تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (2)فلو شكّكنا في عمومية الشيء في الآية الشريفة وسعته لكل ما يصدق عليه، فلا يُشك في أنّالتشريع أعني وظيفة الاِنسان امام اللّه وامام أخيه المسلم من أوضح مصاديقه، فهو مبيّن لكلّ ما يحتاج إليه الاِنسان فيما يرجع إلى المبدأ والمعاد، وإلى ما يحتاج إليه في حياته الفرديّة والاجتماعيّة من السنن والقوانين.

فإذا كانت هذه مكانة الكتاب، فما هي مكانة السنّة في ذلك الحقل؟

إنّ السنّة أوّلاً مبيِّنة لاِجمال الكتاب وإبهامه، وموضحة لتنزيله وتفسيره. قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكر لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نزّل إليهمْ وَلَعلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .(3)

وثانياً: انّ الرسول هو الاَُسوة والقدوة، فهو بقوله وفعله يبيّن عزائمالشرع ورخصه، فرائضه ونوافله. قال سبحانه:(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)


(1) طبعت هذه المقالة كمقدمة لكتاب جواهر الفقه لابن البراج.
(2) النحل: 98.
(3) النحل: 44.

(104)

لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّه وَاليَوم الآخر وذَكَرَ اللّهَ كَثيراً)(1)، وقال سبحانه: (وَما آتاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا) (2).

وقال الرسول الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم_:ألا إنّي أُوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته، يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم من حلال فاحلّوه وماوجدتم من حرام فحرّموه...».(3)

وفي ظل هذين المصدرين المباركين استغنت الاَُمّة عن كلّتقنين بشري وتشريع غير إلهي إلى يوم القيامة فقد كان لهم في هدى الكتاب والسنّة غنى وكفاية. كيف لا وقد أطلق سبحانه حكم الجاهلية على كلّ تشريع غير إلهي، وقال: (أَفَحُكْم الجاِهِليّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنُون) .(4)

فإذا كان هذه منزلة السنة النبوية، كان من الواجب على الاَُمّة القيام بضبط كلّ دقيق وجليل أُثر عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم_، ولكن ـ يا للاَسف ـ تقاعست الاَُمّة الاِسلامية عن تدوين السنّة وجمعها وضبطها في حياة صاحبها وبعد رحيله، وتوانت عن القيام بهذا الواجب إلى منتصف القرن الثاني بعد ضياع قسم كبير من السنّة وتسرّب الاِسرائيليات والاَحاديث الموضوعة إلى أوساط المسلمين عامة والمحدثين خاصة، وبعد ان ألمّ بهم الندم قاموا بواجبهم ولما ينفعهم الندم.

روى السيوطي، قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن واستشار فيها أصحاب رسول اللّه فأشار إليه عامّتهم بذلك فلبث عمر بن الخطاب شهراً يستخير اللّه تعالى في ذلك شاكاً فيه، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه تعالى له، فقال:


(1) الاَحزاب: 21.
(2) الحشر: 7.
(3) مسند أحمد:4|131.
(4) المائدة: 50.

(105)

إنّـي كنت فكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم، ثمّ تذكرت فإذا أُناس من أهل الكتاب كتبوا مع كتاب اللّه كتباً فاكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وانّي واللّه لا البس كتاب اللّه بشيء فترك كتابة السنن.

وروى ابن سعد بسنده عن الزهري قال: لمّا أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار اللّه شهراً ثمّ أصبح وقد عزم اللّه له فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه.(1)

هذا قرظة بن كعب الاَنصاري، قال: أردنا الكوفة فشيَّعنا عمر إلى صرار، وقال: تدرون لم شيّعتكم؟ قلنا: نعم. نحن أصحاب رسول اللّه، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالاَحاديث، فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم.(2)

وقدجرت السيرة في ظل هذا الحظر على ترك كتابة السنّة نجم عنها حرمان الاَُمّة من عدل الكتاب وقرينه، ولوصحّ ما ذكره الخليفة من التعليل، لوجب على الاَُمّة في جميع الاَجيال والقرون تمزيق الصحاح والمسانيد والقضاءعلى السنّة النبوية، ولا ينتج ذلك إلاّ البُوَس والشقاء والتجاءها إلى القوانين الموضوعة في مجال التشريع والاَخلاق والسياسة والنظم الاجتماعية.

نعم أحس الخليفة الاَموي عمر بن عبد العزيز (المتوفّـى 101هـ) بخطورة الموقف وضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى عالم المدينة أبي بكر بن حزم وقال: انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فانّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلاّ أحاديث النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_ ولتفشوا العلم


(1) السيوطي: تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك الفائدة الثانية: وراجع: فتح الباري بشرح صحيح البخاري المقدمة : 6،ط دار المعرفة.
(2) ابن سعد: الطبقات الكبرى:6| 7؛ الحاكم: المستدرك:1|102.

(106)

ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فانّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(1)

ومع هذا الاِصرار الموَكَّد من الخليفة حالت رواسب الحظر السابق من جانب الخلفاء الماضين عن قيام ابن حزم بمهمته الملقاة على عاتقه، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة إلى ان دالت دولة الاَُمويّين وقامت دولة العباسيين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون عام 143، بتدوين الحديث، فهذا هو السيوطي يشرح تلك المأساة ويقول: «شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، ابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قالـ: وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)وقد أدى ذلك التقاعس والتواني إلى أنّه لما تكثرت الفروع بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم ولم يجدوا في السنة النبوية نصّاً فيها، مال قسمٌ من العلماء إلى القول بالرأي والاستحسان، فافتوا بآرائهم فيما لا يجدون نصّاً فيه فاشتهروا بأصحاب الرأي والقياس، وكان أكثر أهل العراق من أتباع هذهالمدرسة، كما أنّ أكثر أهل الحجاز كانوا يتجنّبون عنه، وقد روي انّه لما سأل ربيعـة بن عبد الرحمان (المتوفّـى 136هـ) سعيد بن المسيـب عن علّة الحكم، فأجاب: أعراقي أنت؟(3)

ولم تكن إحدى الطائفتين أولى من الاَُخرى في أداء الوظيفة، فإذا كان العمل بالرأي والقياس أمراً محظوراً فالتزمّت بالنصوص المحدودة وعدم هداية الاَُمّة إلى


(1) البخاري: الصحيح، كتاب العلم، ج1، ص 27.
(2) السيوطي: تاريخ الخلفاء: 261.
(3) أحمد أمين: فجر الاِسلام: 1|290.

(107)

واجبها في مجال الفروع والتكاليف محظورٌ مثله، وما ذلك إلاّ أنّ الحظر الذي فرضه الخليفة بعد رحلة النبي أدّى إلى ذلك وقسم العلماء والفقهاء إلى قسمين بين معتمد على المقاييس والمعايير الظنية كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع وشرع من قبلنا إلى غير ذلك ممّا لم ينزل اللّه بها من سلطان، ومتزمت حصر التشريع الاِلهي في النصوص المحدودة التي لا تتجاوز عن أربعمائة حديث أو ما يقرب من ذلك.(1)

وقد ظهر أثر ذلك التقاعس في ضبط الحديث في عصر الخلفاء فضلاً عن الاَعصار المتأخرة فلنأت بنموذج أو نموذجين من ذلك:
1. انّ مسألة العول شغلت بال الصحابة فترة من الزمن وكانت من المسائل المستجدة التي واجهت جهاز الحكم بعد الرسول، قد طرحت أيّام خلافة عمر بن الخطاب، فتحيّر فأدخل النقص على الجميع استحساناً، وقال: واللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه وأيّكم أخّر. ما أجد شيئاً أوسع لي من ان أُقسم المال عليكم بالحصص، وادخل على ذي حقّ ما أدخل عليه من عولالفريضة.(2)

أو يصح الاعتماد في الفتيا على هذا التعليل الوارد عن الخليفة أو يجب أن يصدر المفتي عن دليل شرعي إلهي يقنعه بأنّه قام بواجبه؟
2. سُئل عمر بن الخطاب عن رجل طلّق امرأته في الجاهلية تطليقتين وفي الاِسلام تطليقة واحدة فهل تُضم التطليقتان إلى الثالثة أو لا؟ فقال للسائل: لا آمرك ولا أنهاك.(3)

وقد أدّى ذلك إلى القول بحجّية قول الصحابيّ وفعله وتقريره وعومل معه معاملة المعصوم في حجّية أقواله وأفعاله وتقريراته، يقول محمد بن عمر


(1) محمّد رشيد رضا: الوحي المحمّدي: 125.
(2) الجصاص: أحكام القرآن: 2|109؛ الحاكم: المستدرك: 4|340.
(3) المتقي الهندي: كنز العمال: 5|116.

(108)

الاَسلمي: وكلّ أصحاب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم_ كانوا أئمّة يقتدى بهم ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون(1)وهذا يناقض موقف أهل السنّة من حصر العصمة فيالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم_.

موقف الشيعة من السنّة النبوية:

هذا حال الاَُمّة المنتسبة إلى السنّة وهم الجمهور الاَعظم من المسلمين، ولكن كان حال أئمّة الشيعة وقادتهم ومتابعيهم على خلاف ذلك فهم لم يتقاعسوا عن أداء الواجب بل عمدوا إلى ضبط سنّة النبي دقيقها وجليلها، فهذا أميرالموَمنين كتب ما أملى عليه رسول اللّه، في الحلال والحرام والعزائم والرخص، أخرج الحمويني بسنده عن الاِمام محمد الباقر عن أبيه عن جده عن أمير الموَمنين _ عليهم السلام_ قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم_ : يا علي؛ اكتب ما أملي عليك، قلت: يا رسول اللّه أتخاف عليَّالنسيان؟ قال: لا، وقد دعوت اللّه ـ عزّ وجلّـ أن يجعلك حافظاً، ولكن أُكتب لشركائك الاَئمة من ولدك، بهم تسقى أُمتي الغيث، وبهم يستجاب دعاوَهم، وبهم يصرف اللّه عن الناس البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء، وهذا أوّلهم وأشار إليالحسنعليه السَّلام . ثمّ قال: وهذا ثانيهم وأشار إلى الحسين _ عليه السلام_ . ثمّ قال: والاَئمّة من ولده.(2)

وقد ورث هذا الكتاب أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام_ واحداً تلو واحد فيصدرون عنه، وهذا هو عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر _ عليه السلام_، فكان يسأله وكان أبو جعفر _ عليه السلام_ له مكرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر _ عليه السلام_ : « هذا خط علي _ عليه السلام_ وإملاء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم_» وأقبل على الحَكَم، وقال:


(1) ابن سعد: الطبقات الكبرى: 2|376.
(2) القندوزي: ينابيع المودة: 20 ط عام 1301 هـ ؛ بحار الاَنوار:36|232، الحديث 14.

(109)

«يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمة وأبو المقداد حيث شئتم يميناً وشمالاً، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل».(1)

نعم كان لاَمير الموَمنين غير هذا كتبٌ أُخرى مثل كتاب الفرائض، وكتاب الآداب وغيرهما ممّا ورد في الكتب الحديثية.

الطبقة الاَُولى

ثمّ إنّ الطبقة الاَُولى من الشيعة اقتدوا بإمامهم أمير الموَمنين _ عليه السلام_ فألّفوا في ذلك كتباً ورسائل حفظوا بذلك السنّة النبوية، واستقوا العلم من نميره العذب وقد ذكرهم أصحاب المعاجم في طبقاتهم وإليك أسماء لفيف منهم:
1. أبو رافع مولى رسول اللّه وخازن بيت المال في عهد أمير الموَمنين، صنّف كتاب السنن والاَحكام والقضايا.(2)
2. عبيد اللّه بن أبي رافع موَلف كتاب «من شهد حروب أمير الموَمنين من أصحاب النبي».(3)

3. علي بن أبي رافع، كاتب أمير الموَمنين، صنّف كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الاَبواب.(4)
4. ربيعة بن سميع صنّف كتاب زكاة النعم على ما سمعه من أميرالموَمنين.(5)
5. سليم بن قيس موَلف الاَصل المعروف المطبوع المنتشر.(6)


(1) النجاشي: الرجال: 2| 260 برقم 967، ذكره في ترجمة محمّد بن عذافر الصيرفي.
(2) النجاشي: الرجال: 1|64 برقم 1.
(3) الطهراني: الذريعة: 1|14.
(4) النجاشي: الرجال: 1|65 برقم 1.
(5) النجاشي: الرجال:1|67 برقم 2.
(6) المصدر نفسه: برقم 3.

(110)

6. الاَصبغ بن نباتة المجاشعي، قد كتب عهد أمير الموَمنين إلى مالكالاَشتر النخعي ووصيته إلى ابنه محمّد بن الحنفية.(1)
7. سلمان الفارسي الصحابي الجليل، ذكر ابن شهر اشوب له كتاب خبر جاثليق.(2)
8. أبو ذر الغفاري، قال ابن شهر اشوب: له خطبة يشرح فيما الاَُمور بعدالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_(3)كتاب وصايا النبيّ، وقد شرحه العلاّمة المجلسي وأسماه عينالحياة .
9. أبو ا لاَسود الدوَلي، التابعي المعروف، أخذ النحو عن أمير الموَمنين وكتبه في كراس وعرضه على أمير الموَمنين، فقال: نعم ما نحوت.(4)
10. زيد بن وهب الجهني الكوفي، جامع خطب أمير الموَمنين _ عليه السلام_ على المنابر في الجمع والاَعياد.(5)

الطبقة الثانية

ثمّ إنّ الطبقة الثانية نهجوا منهاج سلفهم، حذو القذة بالقذة وألّفوا كتباً ورسائل في الحديث والفقه والتفسير، فبلغوا الذروة في فهم الحديث وفقهه واستنباط الاَحكام من المصادر، نظراء: زرارة بن أعين (المتوفّـى150هـ)، ومحمّد ابن مسلم الطائفي، وأبي بصير الاَسدي (المتوفّـى150هـ) وبريد بن معاوية،


(1) المصدر نفسه: برقم 4.
(2) ابن شهر اشوب: معالم العلماء: 57 برقم 382.
(3) المصدر نفسه: 32 برقم 180.
(4) التستري: قاموس الرجال : 5|171 نقله عن الذهبي.
(5) ابن شهر اشوب: معالم العلماء: 51 برقم 34.

(111)

والفضيل بن يسار من تلاميذ مدرسة أبي جعفر الباقر (المتوفّـى 114هـ) والاِمام الصادق (المتوفّـى 148هـ).

ويليهم في الفضل ثلة أُخرى وهم خريجو مدرسة الاِمام الصادق، نظراء: جميل بن دراج، وعبد اللّه بن مسكان،وعبد اللّه بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان، وهم أصحاب الاَُصول والكتب المذكورة في المعاجم.

وهناك طبقة رابعة من خريجي مدرسة الاِمام الكاظم وأبي الحسن الرضا _ عليه السلام_ ذكرت أسماوَهم وآثارهم في المعاجم.

وكفاك في عنايتهم بحديث رسول اللّه المروي عن طريق العترة الطاهرة الذين هم أعدال الكتاب وقرناوَه في حديث الثقلين انّ أبان بن تغلب (المتوفّـى 141هـ) وهو من خريجي مدرسة الباقر والصادق _ عليه السلام_ ، حدّث عن الصادق _ عليه السلام_ بثلاثين ألف حديث.(1)

لا قياس ولا استحسان ولا...

وفي ظلّ أحاديث العترة الطاهرة المروية عن النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم استغنى فقهاءالشيعة عن القياس والاستحسان والاعتماد على كلّ دليل ظني ما لم يدل دليلٌ قطعيٌ على حجّيته، حيث إنّهم دوّنوا الاَُصول والفروع في حياة أئمّتهم وجاءوا بجوامع حديثية عديدة في أعصارهم (2)وبعدهم (3)إلى أن وصلت النوبـة إلى المحمدين الثلاثـة: أبي جعفر الكليني (المتوفّـى329هـ)


(1) البهائي: الوجيزة: 6، الطبعة الحجرية.
(2) كجامع الحسين بن سعيد الاَهوازي المعروف بالثلاثين. (الرجال للنجاشي 172، برقم 135). وجامع علي بن مهزيار من أصحاب الاِمام الجواد.( الرجال للنجاشي622 برقم 665).
(3) كنوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى، يقول النجاشي: وهو كتاب كبيرحسن، ج2|244 برقم 940.

(112)

والشيـخ الصدوق (306 ـ 381هـ) والشيخ الطوسي ( 385 ـ460هـ) فألفوا الجوامع الحديثية الكبرى، فصارت مداراً في استنباط الاَحكام، فألّف الكليني كتاب الكافي في الاَُصول والفروع في ثمانية أجزاء، والصدوق كتاب «الفقيه» في أربعة أجزاء، والطوسي كتاب التهذيب في عشرة أجزاء والاستبصار في أربعة أجزاء، شكر اللّه مساعيهم.

مراحل تدوين الفقه وتطويره

كان تدوين الفقه بين الشيعة بعد رحلة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم_ على غرار تدوين الحديث، فالكتب الفقهية هي الكتب الحديثية، لكنّها مختصة بروايات وردت حول الفروع والاَحكام والسنن والآداب، فكان الفقهاء من أصحاب الاَئمّة يوَلّفون الكتب الفقهية ويذكرون الحديث بسنده ونصه ولا يتجاوزون ذلك. وربما يرون ذلك أمراً غير صحيح، إلى أن وصلت النوبة، إلى علي بن الحسين بن بابويه (المتوفّـى 329هـ) فقام بتدوين الفقه على نمطٍ جديد، وأحدث فيه تطويراً، فحذف الاَسانيد، وأتى بالمتون على ترتيب الكتب الفقهية، فألّف كتاب الشرائع وقد كان عمله هذا ثورة في ذلك المجال، وتبعه ابنه الصدوق فألف المقنع والهداية على ذلك الغرار، وتبعه الشيخ المفيد فألف المقنعة، والشيخُ الطوسي النهاية وراج هذاالنمط في الفقه. وهو كان تدويناً وتطويراً للفقه تلقاها الاَجيال بالقبول، وتعد تلك المرحلة، المرحلة الاَُولى بالنسبة إلى التطوير، كما تعد المرحلة الثانية بالنسبة إلى تدوين الفقه، وقد كانت المرحلة للتدوين ذكر المتون مع الاَسانيد.

ولما اتسع نطاق الفقه باتساع دائرة الحاجات، لم ير فقهاء الشيعة محيصاً عنالتجاوز عن متون الاَحاديث إلى صياغة فروع جديدة مستنبطة من تلك الاَحاديث ومضامينها بعبارات جديدة، انطلاقاً من قولهم _ عليهم السلام_ علينا إلقاء


(113)

الاَُصول وعليكم التفريع.(1)

ولعلّ أوّل كتاب خرج على هذا النمط هو كتاب «المتمسك بحبل آلالرسول» تأليف الشيخ الاَقدم الحسن بن علي بن أبي عقيل المعاصر للشيخالكليني وكتاب «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة» تأليف محمّد بن أحمد ابن الجنيد المعاصر للصدوق.

ثمّ قام شيخ الطائفة بتأليف المبسوط على ذلك الغرار فخرج في ثمانيةأجزاء، كما ألّف الخلاف في الفقه المقارن الذي أودع فيه آراء فقهاء المذاهب الاِسلامية؛ وتوالت حركة التأليف بعده على ذلك النمط إلى يومنا هذا، فألّفت مجاميع فقهية مفصلة تتجاوز المئات والاَلوف.

وتشكل هذه المرحلة الثالثة من تدوين الفقه، وبما أنّ الشيعة الاِمامية التزمت بانفتاح باب الاجتهاد ووجوب رجوع العاميّ إلى المجتهد الحي لم يزل هذا النوع يتكامل من صورة إلى أُخرى يقف عليها السائر في الكتب الفقهية لهذه الطائفة. وشتان ما بين استنباط الاَحكام والفروع من الكتاب والسنّة وبين الرجوع فيها إلى المقاييس الظنية.

وقد قامت موَسسة النشر الاِسلامي في الآونة الاَخيرة بنشر آثار فقهية وكلاميّة لثلاثة من كبار فقهاء الشيعة في القرن الخامس:
1. جواهر الفقه، للقاضي عبد العزيز بن البراج(400ـ 481هـ) موَلف المهذب والكامل في الفقه الاِمامي، وهو من اعلام الفقه في عصره وتلميذ المرتضى وزميل شيخ الطائفة.
2. المسائل الميافارقية، للسيّد الشريف المرتضى(355ـ 436هـ) صاحب


(1) الحرّ العاملي: وسائل الشيعة :18، كتاب القضاء، الباب 6، الحديث52.

(114)

التآليف الممتعة في مجال الفقه والاَُصول والكلام.
3. العقائد الجعفرية، لشيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي (385ـ 460هـ). وهو أُستاذ الشيعة في عصره ومهذب أُصولهم وفروعهم وله يد بيضاء على العلم وأهله.

والرسالتان الاَُوليان في الفقه والثالثة في عقائد الاِمامية يجمعها كونها من آثار القدماء ومن تراث الشيعة الخالد قام بتأليفها أُستاذٌ بعد أُستاذ، فالمرتضى أُستاذ شيخ الطائفة وهو أُستاذ ابن البراج، ولاِيقاف القارىَ على حياتهم نذكر شيئاً يسيراًمنها.

القاضي ابن البرّاج(1)



الشيخ سعد الدين أبو القاسم، عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي، يعرّفه الشيخ منتجب الدين بقوله: «وجه الاَصحاب وفقيههم وكان قاضياً بطرابلس، وله مصنفات، منها: «المهذّب» و «المعتمد» و«الروضة» و«المقرب»: و«عماد المحتاج في مناسك الحاج» أخبرنا بها الوالد عن والده عنه.(2)

يقول ابن شهر اشوب: «أبو القاسم المعروف بابن البراج، من غلمان المرتضى ـ رضي اللّه عنه ـ له كتب في الاَُصول والفروع، فمن الفروع: الجواهر، المعالم، المنهاج، الكامل، روضة النفس في أحكام العبادات الخمس، المقرب، المهذب، التعريف، شرح جمل العلم والعمل للمرتضى رحمه اللّه .(3)


(1) قدّمنا ذكره لكون كتابه أبسط من التأليفين الآخرين، ولاَجل ذلك قدم في الطبع عليالآخرين.
(2) منتجب الدين: الفهرست: 107، برقم 218.
(3) ابن شهر اشوب: معالم العلماء: 80 برقم 545.

(115)

وقد أثنى عليه كلّ من تأخر عنه كالعلاّمة الحلّي في إجازته لبني زهرة، والشهيد الاَوّل في بعض مجاميعه، وابن فهد في مهذّبه، والمحقّق الثاني في إجازته، والشهيد الثاني في إجازته، إلى غير ذلك من أئمّة الفقه، تراهم أثنوا عليه ثناء بليغاً كاملاً.(1)

وقد تعرفت على أسماء تآليفه فقد طبع منها ثلاثة:
1. شرح جمل العلم والعمل، وهو شرح كتاب جمل العلم والعمل للسيّد المرتضى على وجه موجز، ألقى فيها الاَُصول والقواعد في فني الكلام والفقه وقد تولّى شيخ الطائفة شرح القسم الكلامي منه وانتشر باسم تمهيد الاَُصول، بينما تولى القاضي ابن البراج شرح القسم الفقهي، ونشر وحقق نصوصه الاَُستاذ الشيخ كاظم مدير شانه چي دام ظلّه.
2. المهذَّب ، وهو أبسط كتاب فقهي استدلالي بعد كتاب المبسوط للشيخالطوسي، وقد اشتغل به عام 467، فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية شغلت عمر الموَلف وقد انتشر في جزءين ضخمين:
3.جواهر الفقه، وهو كتاب فقهي اقتصر فيه الموَلف على ذكر الفتيا، لعلها كانت رسالة عملية لمن كان يرجع إليه في الشامات.

الشريف المرتضى (355ـ 436هـ)

هو السيد المرتضى، علم الهدى، ذو المجدين، أبو القاسم علي بن الحسين ابن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الاِمام موسى الكاظم _ عليه السلام_ مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة، وإمام من أئمّة العلم والحديث والاَدب، وبطل من أبطال الدين والعلم والمذهب، وهو بعد أُستاذ الكلام ومحقّقه، وإمام الفقه


(1) راجع للوقوف على نصوصهم تقديمنا لكتاب المهذب لابن البراج:1|32ـ 36.

(116)

وموَسس أُصوله.

ولاَجل إيقاف القارىَ على منزلته العلمية نأتي ببعض ما ذكره علماء الفريقين في حقّه:

قال النجاشي(372ـ 450هـ):

أبو القاسم المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً ،عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا.(1)

وقال تلميذه الآخر شيخنا الطوسي (385ـ 460هـ):

إنّه أكثر أهل زمانه أدباً وفضلاً، متكلم، فقيه، جامع العلوم كلّها ـ مدّ اللّه في عمره ـ .(2)

وقال في فهرسته: المرتضى متوحّد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم، مثل علم الكلام، والفقه، وأُصول الفقه، والاَدب والنحو، والشعر، ومعاني الشعر، واللغة، وغير ذلك، له من التصانيف ومسائل البلدان شيء كثير مشتمل على ذلك فهرسته المعروف.(3)

وقال الثعالبي:

وقد انتهت الرسالة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والاَدب والفضل والكرم، وله شعر في نهاية الحسن.(4)

وقال ابن خلكان (608ـ681هـ):

كان إماماً في علم الكلام والاَدب والشعر، وله تصانيف على مذهب الشيعة


(1) النجاشي: الرجال: 1|102 برقم 706.
(2) الطوسي: الرجال: 484 برقم 53، باب في من لم يرو عنهم.
(3) الطوسي: الفهرست: 99.
(4) الثعالبي: تتميم يتيمة الدهر: 1|53.

(117)

ومقالة في أُصول الدين، وذكره ابن بسام في الذخيرة ، وقال: كان هذا الشريف إمام أئمّة العراق بين الاختلاف والاِتفاق، إليه فزع علماوَها وعنه أخذ عظماوَها، صاحب مدارسها وجمّاع شاردها وآنسها، ممن سارت أخباره وعرفت له أشعاره، وحمدت في ذات اللّه مآثره وآثاره، إلى تآليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين ممّا يشهد أنّه فرع تلك الاَُصول ومن أهل ذلك البيت الجليل.(1)

ترى نظير هذه الكلمات كثيرة مبثوثة في طيات الكتب والمعاجم كلّها تشير إلى مكانته المرموقة ومآثره الجليلة.

ويشهد على ذلك: التراث العلمي الذي خلفه السيّد المرتضى وكان ولم يزل مرجعاً لاَعلام الدين،وهي تربو على 86 كتاباً ورسالة في مجالات مختلفة وحيث لا يمكن لنا سرد أسمائها والاِشادة بأبعادها نكتفي في المقام بكتبه الفقهية والاَُصولية، ومن أراد التفصيل، فليرجع إلى المعاجم.
1. الذريعة في أُصول الفقه، وهو أبسط كتاب في أُصول الفقه، فرغ منه في نهاية القرن الرابع (سنة 400هـ) على ماشاهدت في بعض النسخ الخطية في مدينة قزوين، وطبع الكتاب في جزءين.
2. مفردات في أُصول الفقه.
3. الخلاف في الفقه.
4. الناصريات في الفقه.
5. الانتصار فيما انفردت به الاِمامية.

ثمّ إنّ للسيد رسائل وافرة في الكلام والفقه وفنون شتى، ومنها رسالة «المسائل الميافارقية» وتشتمل على 65 مسألة فقهية وغير فقهية ذكرها


(1) ابن خلّكان: وفيات الاَعيان: 3|313 برقم 443.

(118)

ابن شهراشوب في ترجمته.

وللسيد رسائل أُخرى في مسائل فقهية وكلامية وأُصولية، نطوي الكلام عنها رعاية للاِيجاز.

هذا هو السيد المرتضى وهذه كلمات الثناء من العلماء في حقّه وهذه آثاره، وأمّا تلاميذه فكفى انّه قد انجبت مدرسته أفذاذاً يفتخر بهم الدهر، وإليك أسماوَهم:
1. شيخ الطائفة، أبو جعفر الطوسي (ت460هـ).
2. أبو يعلى سلاّر بن عبد العزيز الديلمي موَلف «المراسم» (ت463هـ).
3. أبو الصلاح تقي بن النجم، خليفته في بلاد حلب (ت 447هـ).
4. القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي (ت481هـ).
5. الشريف أبو يعلى محمّد بن الحسن بن حمزة الجعفري (ت 463هـ).
6. الشيخ أبو الفتح محمّد بن علي الكراجكي (ت 449هـ).
7. أبو الصمصام ذوالفقار بن معبد الحسيني المروزي.
8. السيدنجيب الدين أبو محمّد الحسن بن محمّد بن الحسن الموسوي.
9. السيد التقي بن أبي طاهر الهادي النقيب الرازي.
10. الشيخ أبو الحسن سليمان الصهرشتي، صاحب كتاب «قبس المصباح».

إلى غير ذلك من الشخصيات البارعة الذين استقوا من منهل علمه ومعين فقهه.(1)


(1) قد استقصى العلاّمة الاَميني في موسوعته أسماء تلامذة السيد، فلاحظ: الغدير: 4|270ـ271.

(119)

شيخ الطائفة ، محمّد بن الحسن الطوسي (385ـ 460 هـ)

لا عتب على اليراع أن تهيب شخصية شيخ الطائفة، ومكانته العلمية ومنزلته الرفيعة، وجهاده المتواصل في طريق نشر العلم والهدى، ومناهضته المخالفين والمعاندين إلى غير ذلك من مآثر وفضائل جمة لا يحيط بها القلم ولا يبلغ مداها البيان ويعجز عن تحديدها ورسمها، وبما انّ الميسور لا يسقط بالمعسور، نكتفي بتعريف بعض نواحي شخصيته، قال تلميذه الجليل النجاشي:

أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقة، عين، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه (المفيد).(1)

وقال العلاّمة الحلّـي (648ـ728هـ):

شيخ الاِمامية ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارفٌ بالاَخبار والرجال والفقه والاَُصول، والكلام، والاَدب وجميعالفضائل تُنسب إليه، صنّف في كلّ فنون الاِسلام، وهو المهذّب للعقائد فيالاَُصول والفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والاَدب، وكان تلميذ الشيخ المفيد، وُلدَ ـ قدّس اللّه سرّه ـ في شهر رمضان سنة 385 هـ، وقدم العراق سنة 408 هـ، وتوفي رضي اللّه عنه ليلة الاثنين الثاني والعشرين من محرم سنة 460 بالمشهد المقدّس الغروي ودفن بداره.(2)

وقد ألّف شيخ الباحثين، الشيخ الطهراني رسالة مستقلة في ترجمة شيخناالطوسي، أدّى فيها حقّ المقام، ولم يبق في القوس منزعاً، ولكن نكمّل مقاله بكلمة قيمة هي:


(1) النجاشي: الرجال: 2|332، برقم 1069.
(2) العلاّمة الحلي: خلاصة الاَقوال في علم الرجال: 148.

(120)

كلمة السيد المحقّق البروجردي (1292 ـ 1380هـ)

كان السيد البروجردي كثير الاِعجاب بالشيخ وتآليفه القيمة، وقال في تقديمه على كتاب الخلاف ما هذا نصه: ويستفاد من أدعيته للمفيد في كتاب التهذيب(1) عند نقل عبارة المقنعة إلى أواخر كتاب الصلاة بقوله : قال الشيخ أيّده اللّه تعالى: ومنه إلى آخر الكتاب بقوله: قال الشيخرحمه اللّه ، أنّه كتب الطهارة والصلاة من التهذيب في حياة الشيخ المفيد، وهو من أبناء أربع أو ثمان وعشرين سنة، ولكنك إذا نظرت إلى كلماته في الكتابين(2)وما جادل به المخالفين في المسائل الخلافية كمسألة مسح الرجلين، وما أفاده في مقام الجمع بين الاَخبار، واختياراته في المسائل وما يستند إليه فيها وما يورده من الاَخبار في كلّ مسألة، تخيّلته رجلاً من أبناء السبعين وصرف عمره في تحصيل العلوم الاَدبية والاَُصولين، والقراءات والتفسير، ومسائل الخلاف والوفاق، وطاف البلاد في طلب أحاديث الفريقين وما يتعلق بها من الجرح والتعديل حتى صار له قدم راسخة في جميع العلوم الدينية، ولو قيل لك إنّه كان شاباً حدثاً لاَنكرت ذلك ولقلت«إنْ هذا لشيء عجاب».(3)

ثمّ إنّ تآليف شيخنا الطوسي في نواح مختلفة تشهد على كونه متخصصاً في العلوم وملمّاً بكثير منها، وقد ذكر أصحاب المعاجم فهرس كتبه.(4)

وأمّا تلاميذه فحدّث عنهم ولا حرج، وقد ذكر السيد البروجردي أسماء بعض تلاميذه ممن قرأوا عليه وصدروا عنه في تقديمه على كتاب الخلاف، ومن أراد التفصيل فليرجع إليه.



(1) التهذيب للشيخ الطوسي شرح استدلالي على كتاب المقنعة للشيخ المفيد.
(2) المقصود بالكتابين، التهذيب والاستبصار.
(3) البروجردي: مقدمة الخلاف، ص 1و2 الطبعة الحجرية.
(4) النجاشي: الرجال: 2|332 برقم 1065؛ العلامة: خلاصة الاَقوال: 148. وقد ذكر الشيخالطوسي، ـ قدس سره ـ فهرس تآليفه في فهرسته:188 برقم 712.

(121)

أحمد بن علي بن أبي طالب

الطبرسي ( ... ـ حوالي 550 هـ)

المعارف والعقائد بين التشبيه والتعطيل

لم تزل المعارف والعقائد منذ أن صدع بها القرآن الكريم والسنّة النبويّة، يتلاعب بها رجال بين آونة وأُخرى.

فمنهم من يبني عقائده الدينيّة على أساس الحسّ، فلا يتورَّع عن وصفه سبحانه بأوصاف وأفعال لا تفترق عن التشبيه والتجسيم قدر شعرة، فيرى أنّ له صورة وجوارح، وأعضاءً، من يدٍ ورِجلٍ ، ورأس وعينين. فهذه هي المجسّمة والمشبّهة يصفونه سبحانه بما توحي إليهم القوّة الخياليّة، الاَسيرة لعالم الحسّ والمادّة، وآخر ما عندهم في ساحة التنزيه: «انّهذه الاَعضاء له سبحانه ولكن بلا كيف، وأنّها لا تشابه ما لدى الاِنسان من أعضاء».

ومنهم من يعطِّل العقول عن الوصول إلى المعارف قائلاً بأنّه لا يمكن للاِنسان إدراك عالم الغيب، فالواجب عليه: الاِطلاق، والاِمرار، ثمّ السكوت، وهم الذين يقولون :إنّ كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته، والسكوت عليه.(1)


(1) الرسائل الكبرى لابن تيمية: 1|32، نقله عن سفيان بن عيينة.

(122)

وربما يتفلسف ويقول: إنّما أُعطينا العقل لاِقامة العبودية لا لاِدراك الربوبية، فمن شغل ما أُعطي لاِقامة العبودية في إدراك الربوبيّة، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية.(1)

وكأنّه يتصوّر أنّ العبودية تنحصر في القيام والقعود لاَداء الصلاة، والاِمساك للصوم، ولكنّه غفل عن أنّ ركناً من العبودية يعود إلى العقل والقلب، وأقلّ مراتبه الاِيمان بالغيب.

فإذا أمكن له استشعار الغيب وما فيه من المعارف عن طريق الاِمعان في الكتاب والسنّة، والاَقيسة العقليّة، فقد قام بوظيفة الربوبية.

وهذا يعرب عن أنّ الطائفتين تائهتان، وتسيران في وادٍ مُظْلِم، فالاَُولى توَدّي إلى التجسيم والتشبيه، والثانية إلى تعطيل وإيصاد باب المعرفة في وجه الاِنسان.

فلو كان التفكّر العقلي في المعارف الاِلهيّة أمراً ممنوعاً، وكانت الوظيفة منحصرة في القراءة فحسب، كما يقوله ابن قدامة المقدسي:«وعلى هذا درج السلف والخلف، فهم متّفقون على الاِقرار والاِمرار والاِثبات، لما ورد من الصفات في كتاب اللّه وسنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله»(2) فما بال القرآن يثير في الاِنسان التفكّر في المعارف، ويأخذ بيده للوصول إلى غايتها الممكنة، ويقول: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ).(3)

وقال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلى بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ فَسُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ).(4)


(1) رضا نفسان، علاقة الاِثبات والتفويض، نقلاً عن الحجّة في بيان المحجة: 33.
(2) المراد من التأويل تفسيرها بما يتجاوب مع تنزيهه على ضوء سائر الآيات والاَقيسة المنطقيّة.
(3) الاَنبياء:22.
(4) الموَمنون:91.

(123)

وقال سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قبلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ).(1)

إنّ ثمة أُصولاً يعتقد بها الاِلهيّون جميعاً، وفي مقدّمتهم المسلمون، لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تساعدهم في فهمها ولا أن تهدي إليها البشر. كالبحث في أنّالمصدر لهذا العالم والمبدع له، أزليّ أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركب، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا؟ هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا؟ هل لقدرته نهاية أو لا؟ هل هو أوّل الاَشياء وآخرها أو لا؟هل هو ظاهر الاَشياء وباطنها أو لا؟

فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعيّة والحسّية غير ممكن،والاعتماد على الوحي للتعرّف عليها غير مقدور، لاَنّه يجب معرفتها قبل معرفة الوحي وحامله، فكيف يُتعرَّف عليها عن طريق النبيّ والوحي المنزل عليه.

نرى أنّه سبحانه يذكر الفوَاد إلى جانب السمع والبصر ويقول:

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاََبْصارَ وَالاََفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .(2)

والمراد من الشكر في ذيل الآية: صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفوَاد هو درك المعقولات غير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفوَاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحسّ وغير واقع في متناول أدواته. ولاَجل أن يتّخذ القرآن في بعض المجالات موقف المعلِّم فيعلّم المجتمعَ البشري كيفية البرهنة العقلية على توحيد الخالقية والتدبير فيقول:


(1) الاَنبياء:24.
(2) النحل:78.

(124)

(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ* أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ* ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ...* أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ* ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ* لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ* إِنّا لَمُغْرَمُونَ* بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ* أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَالَّذي تَشْرَبُونَ* ءَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُمِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ* لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ* أَفَرَأَيْتُمُالنّارَ الَّتي تُورُونَ* ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ).(1)

إنّ تعطيل العقول عن المعارف الاِلهيّة يجرّ الاِنسان إلى التشبيه والتجسيم، وإن تبرّأ منهما وانبرى إلى نفي هذه الوصمة عن نفسه وأهل ملّته.(2)

نظرة إجمالية في كتابين:

إنّ هناك أثرين أُلِّفا في عصر متقارب، قام بتأليف أحدهما الحافظ محمّد بن إسحاق بن خزيمة(223ـ311) أسماه كتاب «التوحيد وإثبات صفات الربّ عزّ وجلّ»، وقد بلغ في حشد الاِسرائيليّات والموضوعات والمجعولات بمكان أثار حفيظة الرازي عليه، وقال في تفسير قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) : «واعلم أنّ محمّد ابن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بالتوحيد وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لاَنّه كان رجلاً مضطرب الكلام قليل الفهم، ناقص العقل».(3)

ولو سبر الاِنسان فهرس هذا الكتاب الذي طبع في آخره، لوقف على


(1) الواقعة:57ـ72.
(2) لاحظ مقدّمة الجزء السادس من موسوعتنا «مفاهيم القرآن»: 15ـ16.
(3) تفسير الاِمام الرازي: 27| 150.

(125)

أنّ الرجل من روَوس المشبّهة، لكنّه تستّر في غير واحد من المقامات بقوله:«إنّا نثبت للّه ما أثبته اللّه لنفسه، نقرّ بذلك بألسنتنا، ونصدِّق بذلك بقلوبنا، من غير أن نشبّه وجه خالقنا بوجه أحد المخلوقين، وعزَّ ربّنا أن يشبَّه بالمخلوقين، وجلّ ربّنا عن مقالة المعطّلين».

وهذه واجهة الرجل والغطاء الذي تستّر خلفه، لكنّه لمّا صار بصدد نقض أهل التنزيه، وقع في ورطة التجسيم، فقد صار في كتابه إلى إثبات النفس والوجه والعين واليد والرِجْل للّه سبحانه، واستوائه على العرش، وكونه في السماء بالمعنى الحرفي منها، ويكفيك نموذجاً قوله في الاَخير:

«قد ذكرنا استواء ربّنا على العرش في الباب قبله، فاسمعوا الآن ما أتلوا عليكم عن كتاب ربّنا الذي هو مسطور بين الدفّتين، مقروء في المحاريب والمكاتيب، ممّا هو مصرّح في التنزيل، انّ الربّ جلّوعلا في السماء، لا كما قالت الجهميّة المعطّلة إنّه في أسفل الاَرضين، فهو في السماء، عليهم لعائن اللّه البالغة».(1)

وقام بتأليف الآخر صدوق الاَُمّة ومحدِّثها وحافظها محمد بن علي بنالحسين ابن موسى بن بابويه (306ـ 381هـ) وأسماه بالتوحيد، والكتاب مطبوع منتشر، ترى أنّه جمع فيه الخطب والروايات المأثورة عن الاِمام علي أمير الموَمنين وعترته في مجال التوحيد وسائر المعارف، فهو يندّد بالمعطّلة الذين عطّلوا العقول عن المعارف، ويرون أنّ وظيفة الاِنسان، هو توصيف الربّ بالصفات والسكوت عليها، كما يندّد بالمشبّهة، الذين نزّلوا الربّ درجة الجسم والجسمانيّات، وفيه بحوث عقليّة ومنطقيّة تتجاوب مع الفطرة وصريح المعقول.

قارن بين الكتابين، ثمّاقض أيّهما ألصق بمقام الوحي والنبوّة، وأيّهما أليق


(1) توحيد ابن خزيمة: 110.

(126)

بتعريف التوحيد للعالم.

إنّكشف الحقائق ورفع الحجب عنها يتمّ بأُمور ثلاثة، دعا إليها الكتاب العزيز وقال: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) .(1)

والمراد من الحكمة ـ واللّه العالم ـ الحجّة التي تنتج الحقّ الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام والقرآن مليَ بها، خصوصاً في مجال التنديد بالوثنيّة، ودحض الشرك، وقد تعرّفت على بعض الآيات في صدر المقال.

والموعظة، هو البيان الذي تلين به النفس، ويرقّ به القلب، لما فيه صلاح حال السامع.

والجدل هو الحجّة التي تستعمل لاِفحام الخصم، عن طريق مسلّماته، أو مسلّمات الناس، فلعلّ الآية إشارة إلى ما يذكره أهل المنطق بالبرهان والخطابة والجدل.

غير أنّ القرآن يقيّد العظة والجدل بالتي هي أحسن، مشيراً إلى أنّهما على قسمين، ثمّ إنّ مبدأ الكلام لو كان هو القسم الاَوّل، فتقسَّمُ بالبرهان، وإن كان هو القسم الثاني، فتوصف بالخطابة، وإن كان الثالث، فبالجدل. والاحتجاج مَقْسمٌ، له أقسامه الثلاثة الماضية، وبعد دعوة القرآن الكريم إلى الاحتجاج بالطرق الثلاثة لا يبقى شكّ في مشروعية الاحتجاج في باب المعارف، سواء كان الهدف إقناع النفس وهدايتها، أو إقناع الغير.

أضف إليه أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_ والعترة الطاهرة عليهم السَّلام هم الاَُسوة في المجالات كلّها، ولهم مناظرات ومراجعات يقف عليها من سبر كتب الحديث والسيرة والتاريخ.


(1) النحل:125.

(127)

نعم، ربّما يتخيّل الغافل أنّ أئمّة أهل البيت، نهوا عن المناظرة والاحتجاج، ولكنّه لو صحّ فإنّما نَهُوا من ليس له قدم ثابت في باب المعارف، ولا له معرفة بصناعة الكلام وإقامة البرهان، فيقع في قلبه عندالمناظرة ما لا تحمد عاقبته.

كما أنّ الغاية من النهي عن الجدل، هو الجدل المبني على التعصّب والاَنانيّة لا التعرّف على الواقع وكشف الحجب عن وجه الحقيقة.

هذا هو رئيس الشيعة وإمام مذهبهم الاِمام الصادق _ عليه السلام_ ، قد ربّى في حجره رجالاً عارفين بصناعة المناظرة، فناظروا المخالفين في مجالات شتّى، وأفحموهم فخرجوا مرفوعي الروَوس، وهذا هشام بن الحكم ناظر عمرو بن عبيد (المتوفّـى142هـ) رئيس المعتزلة في وقته، وهو جالس في مسجد البصرة وله حلقة كبيرة، وعليه شملة سوداء من صوف متّزر بها، وشملة مرتدٍ بها، والناس يسألونه، فاستفرج هشامُ الناسَ، فأفرجوا له، ثمّ قعد في آخر القوم، فقال له: أيّها العالم إنّي رجل غريب، تأذن لي في مسألة؟!

وقد نقل مناظرته مع عمرو بن عبيد للاِمام الصادق فضحك وقال: «يا هشام من علّمك هذا؟» قال هشام: شيء أخذته منك وألفته.(1)

لقد تخرّج على يدي الاِمام الصادق _ عليه السلام_ رجال بارعون في الكلام، ناظروا المخالفين مناظرة مبنيّة على أسس صحيحة من الكتاب، والسنّة والعقل كحُمران ابن أعين، وقيس بن الماصر وموَمن الطاق المعروف بالاَحول وغيرهم؛ روى الكليني عن يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد اللّه، فورد عليه رجل من أهلالشام، فقال: إنّي رجل صاحب كلامٍ وفقه، وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك... فالتفت أبو عبد اللّه _ عليه السلام_ إليّ، وقال: «يا يونس لو كنت تُحسِنُ الكلامَ كلّمتَه» قال يونس: فيا لها من حسرة. ثمّ قال لي: «أُخرج إلى الباب فانظر من


(1) الكافي: 1|170.

(128)

ترى من المتكلّمين فأدخله» قال: فأدخلت حُمْرانَ بن أعين ، وكان يحسن الكلام، وأدخلت الاَحول، وكان يُحسِن الكلام، وأدخلت هشام بن سالم وكان يُحسِن الكلام، وأدخلت قيس بن الماصر وكان عندي أحسنهم كلاماً، وكان قد تعلّم الكلام من علي بن الحسينعليمها السَّلام ـ إلى أن قال ـ فورد هشام بن الحكم، وهو أوّل ما اختطّت لحيته، وليس فينا إلاّ من هو أكبر سنّاً منه، قال: فوسَّع له أبو عبد اللّه وقال: «ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ـ ثمّ قال ـ يا حُمران كلِّم الرجل» فكلّمه، فظهر عليه حمران، ثمّ قال: «يا طاقي كلِّمه» فكلّمه فظهر عليه الاَحول، ثمّ قال: «يا هشام بن سالم كلِّمه» فتعارفا.(1)ثمّ قال أبو عبد اللّه لقيس الماصر: «كلِّمه» فكلّمه، فأقبل أبو عبد اللّه _ عليه السلام_ يضحك من كلامهما ، ممّا قد أصاب الشامي.(2)

كلّ ذلك يعرب عن أنّه لو صدر نهي عن المناظرة، فإنّما هو لغايات أُخرى، لوجود ضعف في المناظِر، وعدم وقوفه على أُصولها.

قال السيد المرتضى (355ـ436هـ): قلت للشيخ المفيد (أدام اللّه عزّه): إنّ المعتزلة والحشوية يزعمون أنّ الذي نستعمله من المناظرة شيءٌ يخالف أُصول الاِمامية، ويخرج عن إجماعهم، لاَنّ القوم لا يرون المناظرة ديناً، وينهون عنها، ويروون عن أئمّتهم بتبديع فاعلها، وذمّ مستعملها، فهل معك رواية عن أهل البيت _ عليهم السلام_ في صحّتها، أم تعتمد على حجج العقول، ولا تلتفت إلى من خالفها، وإن كان عليه إجماع العصابة؟

فقال: أخطأت المعتزلة والحشوية فيما ادّعوه علينا من خلاف جماعة أهل مذهبنا في استعمال المناظرة، وأخطأ من ادّعى ذلك من الاِماميّة أيضاً، وتجاهل،


(1) أي لم يظهر غلبة لاَحدهما على الآخر، وفي نسخة: فتعاركا.
(2) الكافي: 1|171ـ 172، الحديث4، كتاب الحجّة. لاحظ في التعرّف على مضمون المناظرة، نفسالحديث.

(129)

لاَنّ فقهاء الاِماميّة وروَساءهم في علم الدين كانوا يستعملون المناظرة، ويدينون بصحّتها، وتلقّى ذلك عنهم الخلف ودانوا به، وقد أشبعت القول في هذا الباب، وذكرت أسماء المعروفين بالنظر وكتبهم ومدائح الاَئمّة لهم في كتابي «الكامل في علوم الدين»، وكتاب «الاَركان في دعائم الدين»، وأنا أروي لك في هذا الوقت حديثاً من جملة ما أوردت في ذلك إن شاء اللّه، ثمّ روى بسنده عن أبي جعفر محمّد ابن النعمان عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام_ قال: قال لي: «خاصِمُوهم وبيّنوا لهم الهدى، الذي أنتم عليه، وبيّنوا لهم ضلالهم، وباهلوهم في عليّ عليه السَّلام».(1)

ويظهر من ديباجة كتاب الاحتجاج أنّ هذه الفكرة قد كانت موجودة في عصره أيضاً، ولاَجل ذلك قام بتأليف كتاب الاحتجاج ردّاً عليها، قال:

ثمّ إنّ الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب، عدول جماعة من الاَصحاب، عن طريق الحجاج جدا، وعن سبيل الجدال وإن كان حقّاً، وقولهم: «إنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والاَئمّة _ عليهم السلام_ لم يجادلوا قطّ، ولا استعملوه ولا للشيعة فيه إجازة، بل نهوهم عنه وعابوه» فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من محاوراتهم في الفروع والاَُصول، مع أهل الخلاف وذوي الفضول، قد جادلوا فيها بالحقّ من الكلام، وبلغوا غاية المرام. وانّهم _ عليهم السلام_ إنّما نهوا عن ذلك الضعفاء والمساكين من أهل القصور عن بيان الدين، دون المبرزين في الاحتجاج، الغالبين لاَهل اللجاج، فإنّـهم كانوا مأمورين من قِبَلِهم بمقاومة الخصوم، ومداواة الكلوم، فَعَلَت بذلك منازلهم، وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم.(2)


(1) الفصول المختارة من العيون والمحاسن: 284(للسيد المرتضى، اختارها من كتاب العيون للشيخالمفيد).
(2) مقدمة الاحتجاج: 13. وقد عقد العلاّمة المجلسي باباً في البحار تحت عنوان: ما جاء في تحرير المجادلة والمخاصمة في الدين والنهي عن المراء. راجع البحار، ج2، ص 124 حيث نقل فيه 61 أثراً.

(130)

تقييم كتاب الاحتجاج

إنّكتاب الاحتجاج ضمَّ بين دفّتيه، احتجاجات النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والاَئمّة _ عليهم السلام_ في شتّى المجالات، وأناروا لطلبة الحقّ والحقيقة طريقَ الهدى، كما قطعوا الطريق على أهل اللجاج، وبذلك انتشرت علومهم، وفضائلهم وليس لهذا الكتاب مثيل في موَلفات أصحابنا، حيث جمع في كتاب واحد ما وصل إليه من مناظراتهم، إلاّ أنّه ربّما يوَخذ عليه بعض الاَشياء، لا بأس بالتنويه عليها:
1. أكثر ما أورده في الكتاب من المناظرات مراسيل لا مسانيد.

إنّ الموَلف يجيب عن هذا الاِشكال بقوله: «ولا نأتي في أكثر ما نورده من الاَخبار بإسناده، إمّا لوجود الاِجماع عليه، أو موافقته لما دلّت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين الموَالف والمخالف، إلاّ ما أوردته عن أبي محمّد الحسن العسكري _ عليه السلام_ فإنّه ليس في الاشتهار على حدّ ما سواه، وإن كان مشتملاً على مثل الذي قدّمناه. فلاَجل ذلك ذكرتُ إسناده في أوّل جزء من ذلك دون غيره، لاَنّجميع ما رويت عنه، إنّما رويته بإسناد واحد من جملة الاَخبار التي ذكرها _ عليه السلام_ في تفسيره.(1)

والسند الذي روى به احتجاجات الاِمام العسكري ذكره في أوّل الكتاب على النحو التالي:

حدّثني السيد العالم العابد أبو جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي (رضي اللّه عنه) قال: حدّثني الشيخ الصدوق أبو عبد اللّه جعفر بن


(1) مقدمة الاحتجاج: 1|15.

(131)

محمّد بن أحمد الدوريستي(1)(رحمة اللّه عليه) قال: حدّثني أبي محمّد بن أحمد، قال: حدّثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّيرحمه اللّه قال:حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم المفسّر الاسترابادي(2) قال: حدّثني أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمد بن سيّار وكانا من الشيعة الاِمامية قالا: حدّثنا أبو محمّد الحسن بن علي العسكري....

وبهذا الاسناد الذي ذكره في أوّل الكتاب، أخرج ما رواه عن الاِمام العسكري وأشار إليه في الباب الخاصّبه.

سواء كان ما اعتذر به الموَلّف مقبولاً أو غير مقبول، فقد عولجت هذه النقيصة في هذه الطبعة(3)على القدر المستطاع، حيث قام المحقّقان لهذا الكتاب بإرجاع مراسيلها إلى المسانيد، وذلك بالغور في كتب مشايخنا الاِمامية، كالكافي للشيخ الكليني، وكتب الصدوق المختلفة، وغيرهما، وبذلك أصبحت جل أحاديثه مسندة، خارجة عن الاِرسال.

على أنّ ما اعتذر به الموَلف عذر مقبول؛ وذلك لاَنّ المسائل العقائدية تختلف عن المسائل الفرعية العملية، فالمطلوب في الثانية هو العمل وإن لم يكن هناك يقين بالصحّة، وهذا بخلاف الحال في الاَُولى، فإنّ المطلوب فيها هو الاعتقاد والاِذعان، وهو رهن قوّة البرهان ورصانة الحجّة. فلو توفّرت فيه لنال الاِنسان ضالّته المنشودة وإلاّ فلا، من غير فرق بين كونه مسنداً أو مرسلاً، فلاَجل ذلك ترك الموَلف الاسناد ورواها بالشكل المرسل اعتماداً على مضمون الحجّة، وقوّتها.


(1) نسبة إلى «دوريست»، قرية من قرى الري. ويقال لها الآن«درشت»، كما في «الكنى والاَلقاب» لشيخنا المحدّث القمّي 2: 480.
(2) وهو الراوي لتفسير الاِمام العسكري، روى عنه الشيخ الصدوق في الفقيه وغيره.
(3) طبعة منظمة الاَوقاف.

(132)

إنّ موقف النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_ والاَئمّة _ عليهم السلام_ في عامّة المناظرات، هو موقف المعلّم المحايد، والمرشد الناصح وهو يعتمد على قوة العارضة وحصافة الرأي، لا على كونه نبيّاً موحى إليه أو وصيّاً قائماً مقام النبيّ. ولولا اتّخاذ ذلك الموقف لما أنتجت تلك المناظرات وصارت عقيمة، وعلى ضوء ذلك، فالاعتماد إنّما هو على المضمون والمحتوى، سواء أصحّ اسناده إلى المعصوم أو لا.

أضف إلى ذلك أنّه ليس علينا ردّ المراسيل بما أنّها مراسيل، وكيف يكون ذلك، فإنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام_ يقول: «لا تكذّبوا الحديث إذا قام به مرجئيّ ولا قدريّ ولا حروريّ، ينسبه إلينا فإنّكم لا تدرون لعلّه شيءٌ من الحقّ، فيكذّب اللّه فوق عرشه».(1)
2. نقل في ثنايا الكتاب رواية ظاهرة في وقوع التحريف في الذكر الحكيم. غير أنّه أورد ما أورد، على سبيل التأليف، وألقى التحقيق على عاتق القارىَ، كشأن كلّكتاب كانت الغاية منه جمع الشوارد، ولَـمِّ المتفرّقات، بغضّ النظر عنالصحّة وعدمها.

ولعلّ ما جاء في التعليق على هذا الموضع في هذه الطبعة ما يروي الغليل ويقطع السبيل، فلاحظ.

هذا بعض ما يمكن أن يقال في تقييم الكتاب، وأمّا ما يرجع إلى مادة الكتاب وما فيه من البراهين الدامغة، والحجج اللامعة في أبواب المعارف والحكم فحدّث عنه ولا حرج. ويكفيك العيان عن البيان ولانطيل الكلام، وأخصّ بالذكر مناظرات الاِمام الطاهر عليّ بن موسى الرضا عليمها السَّلام ، ففيها الحجّة على رفعة منزلته وعلوّ شأنه وسعة اطّلاعه على كتب العهدين.


(1) المحاسن:1|230.


(133)

حياة الطبرسي

الموَلّف هو أحمد بن عليّ بن أبي طالب المعروف بالطبرسي، من علماء القرن السادس من مشايخ ابن شهر آشوب، المتوفّى عام (588هـ).
1. قال في معالم العلماء: شيخي أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي، له كتاب الكافي في الفقه حسن، الاحتجاج، مفاخرة الطالبية، تاريخ الاَئمّة _ عليهم السلام _ ، فضائل الزهراء _ عليها السلام_ ، كتاب الصلاة.(1)
2. قال الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل: هو عالم فقيه، فاضل محدّث ثقة، له كتاب الاحتجاج على أهل اللجاج كثير الفوائد (ثمّ ذكر روايته عن الشيخ الصدوق بالطريق الذي ذكره هو في أوّل كتاب الاحتجاج وقد عرفت نصّه).(2)
3. قال أيضاً في خاتمة كتاب الوسائل عند ذكر الكتب المعتمدة: كتابالاحتجاج تأليف الشيخ الجليل أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي.(3)
4. قال العلاّمة المجلسي: كتاب الاحتجاج وإن كان أكثر أخباره مراسيل لكنّه من الكتب المعروفة المتداولة، وقد أثنى السيد ابن طاووس على الكتاب وعلى موَلّفه، وقد أخذ عنه أكثر المتأخّرين.(4)
5. قال الفقيه الشيخ يوسف البحراني: الفاضل العالم ا لمعروف بالشيخ أبي منصور الطبرسي صاحب الاحتجاج وغيره، كان من أجلاّء العلماء ومشاهيرالفضلاء.(5)


(1) معالم العلماء (باب الاَلف): 25(برقم 125).
(2) أمل الآمل: 2|17.
(3) وسائل الشيعة: 20|41.
(4) بحار الاَنوار:1|28.
(5) كشكول البحراني: 1|300ـ 301.

(134)

وقال أيضاً: كثيراً ما ينقل الشيخ في شرح الاِرشاد فتاواه وأقواله، فمن ذلك ما نقله في كتاب القصاص في شرح الاِرشاد في مسألة أنّللمولى القصاص من دون ضمان الدية للديان بهذه العبارة: وجمع الشيخ أبو منصور الطبرسي بينالروايتين في كتابه، بأنّ القائل....(1)
6. قال الخونساريّ: إنّ هذا الرجل «أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي» من أجلاّء أصحابنا المتقدّمين،وإنّ كتاب الاحتجاج كتاب معتبر معروف بينالطائفة، مشتمل على كلّ ما اطّلع عليه من احتجاجات النبيّ والاَئمّة ، بل كثير من أصحابهم الاَماجد مع جملة من المخالفين، وفي خواتيمه توقيعات كثيرة خرجت من الناحية المقدّسة إلى بعض أكابر الشيعة.(2)
7. وقال شيخنا المجيز الطهراني: أحمد بن علي بن أبي طالب الشيخ أبو منصور الطبرسي صاحب الاحتجاج ومن مشايخ رشيد الدين محمّد بن علي بن شهر آشوب (المتوفّـى 588هـ) ترجمه وذكر تصانيفه في معالم العلماء، وهو يروي عن السيد العابد أبي جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي في أوّل الاحتجاج.(3)

هذه كلمات مشايخ الاِماميّة في حقّ الرجل وكتابه، والسابر في كتب التراجم يجد نظير هذه الاِطراءات في حقّه، اكتفينا بهذا المقدار منها، وعلى كلّ تقدير فلم تعلم سنة ولادته ولا عام وفاته، فهو من علماء القرن الخامس، أدرك أوائل القرن السادس، ولعلّه توفّي حوالي عام (530هـ) أو أزيد بقليل.


(1) المصدر نفسه.
(2) روضات الجنّات:1| 64(رقم الترجمة 14).
(3) طبقات أعلام الشيعة ( القرن السادس): 12.

(135)

تآليفه

إنّ لشيخنا المترجم تآليف ذكرها تلميذه ابن شهر آشوب في معالم العلماء، وقد عرفت نصّه. وإليك أسماءها:
1. الاحتجاج.
2. تاريخ الاَئمّة _ عليهم السلام_ .
3. كتاب الصلاة.
4. الكافي في الفقه، ووصفه تلميذه بأنّه حسن.
5. مفاخر الطالبية.(1)

ومع الاَسف أنّالدهر قد عفا على الجميع، فلم يبق منها إلاّ كتاب الاحتجاج، ولعلّ في بعض المكتبات توجد نسخة من بعضها.

إزاحة شبهة

وربّما ينسب هذا الكتاب إلى الشيخ أبي علي الطبرسي موَلّف «مجمع البيان»، ويظهر من روضات الجنّات أنّ ابن أبي جمهور الاِحسائي موَلّف «الغوالي» (المتوفّـى حوالي 900هـ) والمحدّث الاَمين الاسترابادي (المتوفّـى 1035هـ) نسبا الكتاب إلى صاحب التفسير.(2)

وقال العلاّمة المجلسيّ في مقدّمات البحار: وينسب هذا الكتاب «الاحتجاج» إلى أبي علي الطبرسي وهو خطأ، بل هو تأليف أبي منصور أحمد بن


(1) ولعلّ الصحيح: «مفاخر الطالبيين».
(2) روضات الجنّات:1|65.

(136)

علي بن أبي طالب، كما صرّح به السيد ابن طاووس في كتاب «كشف المحجّة»(1) وابن شهر آشوب في «معالم العلماء».(2)

ويكفي في المقام قول تلميذه ابن شهر آشوب، حيث عدّه من تآليفه، وهو أعرف بحال أُستاذه من غيره، أضف إلى ذلك أنّ ما ذكره من السند لروايات الاِمام العسكري ـ على ما عرفت ـ يدلّ على أنّه ليس من تآليف صاحب التفسير، إذ لم يعرف له مثل هذا السند.

ونقل السيد الاَمين في «أعيان الشيعة» عن «رياض العلماء»، أنّهذا الطبرسي المترجم غير صاحب «مجمع البيان» لكنّه معاصر له، وهما شيخا ابن شهر آشوب وأُستاذاه، وظنّي أنّه بينهما قرابة.(3)

المعروفون بالطبرسي

قد اشتهر لفيف من علماء الاِماميّة بهذا اللقب:
1. أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، موَلّف «الاحتجاج».
2. أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، موَلّف «مجمع البيان» (471 ـ 548هـ).
3. أبو نصر الحسن بن الفضل بن الحسن رضي الدين، صاحب «مكارم الاَخلاق»، ابن أبي عليّ صاحب «مجمع البيان».


(1) ذكره في كتاب «المجلي» على ما في كشكول المحدّث البحراني.
(2) بحار الاَنوار: 1|9.
(3) أعيان الشيعة: 1|29. والمطبوع من رياض العلماء، فاقد لهذا النصّ، وإنّما جاء فيه ما ذكره المحدّث البحراني من الترجمة في حقّالرجل. ويظهر من السيد الاَمين، وكذا صاحب الروضات1: 34، كون الجزء في متناولهما. ولكن صريح محقّق كتاب «رياض العلماء» أنّ الجزء الاَوّل والثاني مفقودان.

(137)

4. أبو الفضل علي بن الحسن بن الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب «مشكاة الاَنوار».
5. أبو علي محمّد بن الفضل الطبرسي، كما في «أمل الآمل» وقال: كان عالماً صالحاً عابداً يروي ابن شهر آشوب عنه، من تلاميذ الشيخالطوسي.(1)
6. أحمد بن علي بن عبد الجبار الطبرسي القاضي الراوي عن سعيد بن هبة اللّه القطب الراوندي(المتوفّـى 573هـ).(2)

وهناك أعلام للطائفة اشتهروا بهذا الاسم لم نذكرهم روماً للاختصار.

هل الطبرسي منسوب إلى طبرستان؟

اشتهر على الاَلسن وذاع بين الناس، وذكرته بعض الكتب(3)أنّ الطبرسي نسبة إلى طبرستان المعروفة اليوم باسم «مازندران» وهي تشمل أكثر ما يقع على ضفاف بحر الخزر، ولكن للنظر فيه مجال:
1. إنّ النسبة إلى المركّب المزجي تتحقّق بحذف الجزء الثاني، وإلحاق الياء إلى الجزء الاَوّل، فيقال في «بعلبك» «بعليّ»، وفي «معدي كرب» «معديّ»، قال ابن مالك في ألفيّته:

وانسب لصدر جملة وصدر ما * ركِّبَ مزجاً وبثان تمّما

إضافة مبدوءة بابن أو أب * أو اله التعريف بالثاني وجب

قال ابن عقيل في شرحه: إذا نسب إلى الاسم المركّب، فإن كان مركّباً


(1) أمل الآمل:2|293.
(2) طبقات أعلام الشيعة، القرن السادس:13.
(3) الفوائد الرضويّة للمحدّث القمّي:1|352.

(138)

تركيب جملة أو تركيب مزج حذف عجزه وأُلحق صدره ياء النسبة، فتقول في «تأبّط شرّاً» «تأبطيّ» وفي «بعلبك» «بعليّ» وإن كان مركّباً إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً، أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره وأُلحق عجزه ياء النسبة، فتقول في «ابن الزبير» «زبيري» وفي «أبي بكر» «بكريّ» وفي «غلام زيد» «زيديّ»....(1)

وعلى ضوء ذلك، فالصحيح في النسبة إلى طبرستان هو «الطبريّ» لاَنّها مركّبة من «طبر» الذي هو معرّب «تبر» في الفارسية بمعنى الفأس، ومن «ستان» الذي بمعنى الناحية فركّبا معاً وقيل طبرستان ومعناه المنطقة التي يكثر فيها الفأس، وذلك لاَنّ أكثر أهلها كانوا يصطحبونه إمّا للدفاع عن أنفسهم من هجوم الوحوش المنتشرة في غاباتها الكثيرة، وإمّا لقطع الاَشجار، فالصحيح عند النسبة حذف العجز أعني «ستان» وإدخال الياء على الصدر فتكون «الطبريّ».

هذا إذا كان المتكلّم بهذه النسبة هم العرب، وأمّا غيرهم فلا يتّبعون تلك القاعدة العربيّة، فيدخلون الياء على جميع المركّب، فيقولون في «عربستان» «عربستاني» وفي «تاكستان» «تاكستاني» وفي المقام «طبرستاني»، فهذا يدلّ على أنّ لفظ الطبرسي ليس منسوباً إلى طبرستان، لا عند العرب ولا عند غيرهم.
2. تصريح اللغويّين بذلك، قال في «تاج العروس» في مادة «طبر»: طبرستان بلاد عظيمة، منها دهستان، وجرجان، واستر آباد، وآمل، والنسبة إليها «طبري».(2)

قال في «معجم البلدان»: النسبة إلى طبرستان «الطبريّ»، وأمّا «الطبريّة» فالنسبة إليها «الطبراني» على غير قياس، فكأنّه لمّا كثرت النسبة بالطبريّ إلى طبرستان أرادوا التفرقة بين النسبتين، فقالوا «طبراني» إلى طبرية، كما قالوا


(1) شرح ابن عقيل: 2| 391(طبع مصر).
(2) تاج العروس: مادة «طبر».

(139)

«صنعاني» بالنسبة إلى صنعاء.(1)

فقد تحقّق بذلك أنّ الكلمة غير منسوبة إلى طبرستان، فيتعيّن كونها منسوبة إلى نفس «طبرس» وأمّا تعيين ذلك المكان وأين يقع من بلاد إيران، فيحدّثنا الموَرخ أبو الحسن علي بن زيد البيهقي المعروف بابن فندق المتوفّى سنة (565هـ) في تاريخ بيهق الموَلّف باللغة الفارسيّة ، أنّ «طبرس» رستاق واقع بين قاشان وإصفهان، وأنّ الشيخ الطبرسي صاحب التفسير من ذلكالمكان.(2)

وقد ذكر الحسن بن محمّد بن الحسن القمي المعاصر لابن العميد في تاريخ قم، تلك الناحية فعبّر عنها بـ «طبرس» وأُخرى رستاق «طبرش» ولعلّ في تبديل الشين إلى السين والتلفّظ بـ«طبرس» مكان «طبرش» لاَجل إكمال التعريب، ولا ينطبق هذا المكان إلاّعلى بلدة «تفرش» التي هي واقعة بين «قم» و«أراك» ولعلّ تعبير البيهقي بأنّها واقعة بين قاشان وإصفهان، غير دقيق. ولكنّ الجاري على الاَلسن عند التعبير عن هذه البلدة هو «تفريش» بكسر الراء وإضافة الياء، ولعلّ التغيير طرأ عند التعريب.(3)



(1) معجم البلدان:4|18(طبع دار إحياء التراث العربي).
(2) تاريخ بيهق: 242ـ 243، وقد ذكر هذا الكلام في ترجمته للشيخ الطبرسي موَلّف التفسير و يظهر من عبارته أنّه كان بينهما معاشرة، حيث إنّ الشيخ الطبرسي قطن في بيهق مدّة من الزمن، واستمرّت زمالتهما.
(3) و من أراد التبسّط في تحقيق الحال، فليرجع إلى تعاليق الاَُستاذ أحمد بهمنيار على تاريخ بيهق ومذكّرات الاَُستاذ محمّد القزويني: 5|285، ومقدّمة الشهيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي على «جوامع الجامع» للشيخ أبي علي الطبرسي موَلّف مجمع البيان (طبعة تبريز).

(140)

أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد

الحلبي (من أعيان القرن السادس)

العقيدة و الشريعة أو الفقه الاَكبر والفقه الاَصغر

يعتمد الاِسلام في دعوته العالمية، على العقيدة والشريعة من دون تفريق وفصل بينهما.

فبالدعوة إلى الاَُولى يغذّي العقل والفكر، ويرفع الاِنسان إلى سماء الكمال، ويصونه عن السقوط في مهاوي الشرك والوثنية، وعبادة غير اللّه سبحانه، ويلفت نظره إلى مبدئه ومصيره، وانّه من أين جاء ولماذا جاء، وإلى أين يذهب.

وبالدعوة إلى الثانية يمهد طريق الحياة له ويضيىَ دُروبها الموصلة إلى سعادته الفردية والاجتماعية، الدنيوية والاَُخروية.

والجدير بالذكر هو أنّ الاِسلام لا يفرّق بين العقيدة والشريعة، ويندد بالذين يكرسون اهتمامهم في العقيدة دون الشريعة، ويختصرون الدين في الاِيمان المجرّد عن العمل، بل يرى أنّ ترك العمل قد يوَدي إلى زوال العقيدة، ويقول سبحانه: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَساءُوا السُّوأى أن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ)(1)


(1) الروم: 10.

(141)

وفي نفس الوقت يندد بالذين يحطّون من شأن العقيدة ويعكفون على العمل والعبادة من دون تدبّر في غاياتها، ومقاصدها، والتفكير في الآمر بها، وتتلخص العبادة عندهم في السجود والركوع فقط ويغفلون عن قوله سبحانه: (الَّذينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَـى جُنُوبِهمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذابَ النَّارِ) (1)

وتأكيداً لهذه الصلة بين العلمين، قام لفيف من علمائنا القدامى والمتأخرين بالجمع بينهما حتى في التأليف، فكان الفقه الاَكبر (العقائد) إلى جانب الفقه الاَصغر (الاَحكام). نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
1. السيد الشريف المرتضى (355 ـ 436 هـ) صاحب الآثار الجليلة. فقد جمع بين العلمين في كتابه المسمى بـ «جمل العِلم والعمل».

وقد تولى شيخ الطائفة محمّد بن الحسـن الطوسي (385 ـ 460 هـ) شـرح القسم الكلامي منه وأسماه: «تمهيد الاَُصول» وقد طبع ونشر.

كما تولى تلميذه الآخر القاضي ابن البـراج (401 ـ 481 هـ) شرح القسم الفقهي منه وأسماه: «شرح جمل العلم والعمل» وقد طبع أخيراً.
2. الشيخ أبو الصلاح تقي الدين الحلبـي (374 ـ 447هـ) فقد ألّف كتاباً باسم: «تقريب المعارف في العقائد والاَحكام» وقد طبع ونشر.
3. أبو المكارم عزّ الدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبيّ (511 ـ 585هـ) موَلف: «غنية النزوع» فقد أدرج في كتابه العقائد وأُصول الفقه والاَحكام.
4.علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي من أعلام القرن السادس الهجري.


(1) آل عمران: 191.

(142)

5. المحقق الفقيه الشيخ جعفر النجفي المعروف بكاشف الغطاء (1156 ـ 1228هـ) موَلف كتاب «كشف الغطاء» حيث ضـم إلى جـانب الفقه مباحث هامة كلامية وأُصولية لا يستغني عنها الباحث، وبذلك أثبت أنّ العمل ثمرة العقيدة، وقرينها تكويناً وتشريعاً.

إلى غير ذلك من تآليف على هذا النمط يطول الكلام بذكرها.

فقد ألّف كتابه هذا المسمى بـ «إشارة السبق إلى معرفة الحق» على هذا المنوال، وقد طبع الكتاب في ضمن «الجوامع الفقهية» عام 1276هـ بالطبعة الحجرية، وأعيد طبعه بصورةٍ محقّقةٍ مصححة بهيّة.

ترجمة الموَلّف:

إنّ التاريخ قد بَخَس الموَلف حقّه حيث لم يذكر عنه شيئاً جديراً بشخصيته العلميّة الممتازة، ولم يكن الموَلف هو الوحيد الذي أصابه هذا البخس، فكم له من نظير في تاريخ علمائنا.

هذا هو الفقيه الطائر الصيت عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبيّ موَلّف «كشف الرموز» (1)شرحاً على كتاب «النافع» للمحقق، فلا تجد لذلك الفقيه الكبير ـ الذي يعرب كتابه عن تضلّعه في الفقه ـ ترجمة ضافية لائقة بشخصيته، إلاّ جملاً عابرة فلا عتب علينا إذا لم نوفق لاَداء حق موَلفنا فلنذكر ما وقفنا عليه من جمل الاِطراء وعبارات الثناء عليه:
1. قال المحقق الشيخ أسد اللّه التستري (المتوفّـى 1234 هـ) صاحب المقابس:


(1) فرغ من تأليف كتابه عام 672هـ و لا نعلم من ترجمته غير أنّه تلميذ المحقّق (المتوفى عام 676هـ).

(143)

ومنها ابن أبي المجد الشيخ الفقيه المتكلّم النبيه علاء الدين أبو الحسن علي ابن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي ـ نور اللّه مرقده ـ وهو صاحب كتاب «إشارة السبق إلى معرفة الحق» في أُصول الدين وفروعه إلى الاَمر بالمعروف، وتاريخ كتابة نسخته الموجودة عندي سنة ثمان وسبعمائة، ويظهر من الامارات أنّها كانت عند صاحب «كشف اللثام» وأنّ هذا الكتاب هو الذي يعبّـر عنه فيه بالاِشارة (1)
2. وقال الخوانساري: إنّ «إشارة السبق إلى معرفة الحق» الذي يعبر عنهالمتأخرون بالاشارة، هو مختصر في أُصول الدين وفروعه إلى باب الاَمر بالمعروف فهو بنصّ الفاضل الهندي، وصاحب الرياض وغيرهما تصنيف الشيخ علاءالدين أبي الحسن بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي، ثم نقل عبارة صاحب «مقابس الاَنوار» التي تقدمت(2)
3. وقال الشيخ حبيب اللّه الكاشاني: منهم علاء الدين وهو علي بن أبيالفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي، كان متكلماً ومن مصنفاته كتاب «إشارة السبق» (3)
4. قال شيخنا الطهراني: علي بن الحسن ابن أبي المجد الحلبي علاء الدين أبو الحسن موَلف كتاب «إشارة السبق إلى معرفة الحق» المطبوع في مجموعة «الجوامع الفقهية» في 1276هـ . قال صاحب المقابس: إنّ تاريخ كتابة النسخة الموجودة عنده 708 هـ وكنية والده أبو الفضل بن أبي المجد(4)


(1) مقابس الاَنوار: 12 موَسسة آل البيت، قم.
(2) روضات الجنات: 2 |114، وأوعز إليه أيضاً في ج4 ص 356.
(3) لباب الاَلقاب في ألقاب الاَطياب: 21.
(4) طبقات أعلام الشيعة النابس في القرن الخامس: 119. وكان اللازم أن يذكره في قسم سادس القرون لا خامسها.

(144)

5. وقال في الذريعة: «إشارة السبق إلى معرفة الحق» في أُصول الدين وفروعه العبادية من الطهارة إلى آخر الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، للشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي. ترجمه سيدنا الحسن صدر الدين في التكملة (1)وذكر صاحب الروضات تصريح الفاضل الهندي، وصاحب رياض العلماء بنسبة الكتاب إليه، وذكر أنّ نسبته إلى الشيخ تقي الدين بن نجم الدين الحلبي كما ذكر البعض نشأت من الاشتراك في النسبة إلى حلب، وقال الشيخ أسد اللّه في المقابس: إنّ النسخة الموجودة عندي من هذا الكتاب تاريخ كتابتها سنة 708 ، وطبع ضمن مجموعة تسمى «الجوامع الفقهية» سنة 1276هـ.(2) والاِمعان في الكتاب يُورث الاطمئنان بأنّه كان من فقهاء القرن السادس الذين ظهروا بعد الشيخ الطوسي وعاصروا الشيخ الطبرسي (المتوفّـى 548 هـ) وعمـادالديـن محمـد بن علـي بن حمـزة الطوسي (المتوفّى بعد سنة 566 هـ)، وقطبالدين الراونـدي (المتوفّـى 573 هـ) موَلف «فقه القرآن»، وقطب الدين محمد بن الحسن الكيدري البيهقي الذي كان حيّاً إلى سنة 576 هـ، موَلف كتاب «الاصباح»، ورشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب (المتوفّى 588 هـ ). إلى غير ذلك من نوابغ القرن السادس الذي احتفل التاريخ، وكتب التراجم بأسمائهم وأسماء كتبهم وتآليفهم.

والموَلف من مدينة حلب الشهباء أكبر مدينة سورية بعد دمشق التي تبعد عن الحدود التركية قرابة خمسين كيلو متراً، وقد فتحها المسلمون سنة 16 هـ، وقد أنشأ سيف الدولة الحمداني الدولة الحمدانية فيها، وجعل عاصمتها حلب،


(1) وهذا القسم من التكملة بعد مخطوط، وأمّا المطبوع فيرجع إلى علماء جبل عامل.
(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 2 | 99.

(145)

ودخلت مدينة حلب آنذاك في عهدجديد وهو عهد أمجادها التي لم تشهد لها مثيلاً، وأصبحت مركزاً ثقافياً وعلمياً وعسكرياً من أعظم المراكز التي عرفها الاِسلام، وقد وفد كبار الشعراء والعلماء على بلاط سيف الدولة، فصار ملتقى رجال العلم والفكر الذين وجدوا في العاصمة حامياً لهم .

وينسب إلى حلب من رواة الشيعة الاَقدمين آل أبي شعبة، في أواسط المائة الثانية، وهذا البيت بيت كبير نبغ فيه محدّثون كبار، منهم الحسن بن علي (المعروف بابن شعبة) من علماء القرن الرابع موَلف «تحف العقول».

وكان في حلب سادات آل زهرة وكانوا نقباء، وخرج منهم جملة من العلماء منهم السيد أبو المكارم: صاحب «الغنية» وقبره بسفح جبل «جوشن» إلى اليوم، وذرية بني زهرة موجودة إلى الآن في قرية الفوعة من قرى حلب (1)

وقد طلع من تلك المدينة في القرنين الرابع والخامس فحول من فقهاء الشيعة نذكر أسماء بعضهم:
1. علي بن الحسن بن شعبة، من أعلام القرن الرابع ، موَلف «تحفالعقول».
2. أبو الصلاح تقي الدين، (374 ـ 447 هـ) موَلف كتاب «الكافي» .
3. حمزة بن علي بن زهرة (511 ـ 585 هـ) صاحب «غنية النزوع».
4. السيد جمال الدين أبو القاسم عبد اللّه بن عليّ بن حمزة (531ـ580هـ) أخو أبي المكارم حمزة بن علي.

إلى غيرهم من الفطاحل الاَعلام الذين أنجبتهم تلك التربة الخصبة بالفكر والفضيلة.


(1) دائرة المعارف الشيعية: 3| 17ـ 36.

(146)

الماع إلى كتاب إشارة السبق:

الكتاب مجموعة من المعارف والاَحكام وقد بسط الكلام في الاَوّل واختصر في الثاني، فحرر أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وختم الكلام مشعراً بأنّه قد فرغ عمّـا قصده، ويعرب أنّ الكتاب كان رسالة عملية للموَلف وقد كتبه بصورة واضحة وإن كانت براهينه في المعارف مشرقة عالية لا يتحملها إلاّ الاَمثل فالاَمثل.

وختاماً، نرجو من اللّه سبحانه أن يتغمد الموَلف الفقيه برحمته الواسعة.

كما نرجو منه سبحانه أن يوفق المسلمين للعودة إلى أحضان الفقه الاِسلامي، والاَخذ بأحكام الشريعة في جميع المجالات، ونبذ القوانين الوضعية الكافرة المستوردة.

وقد تمّ تحقيق الكتاب في موَسسة الاِمام الصادق _ عليه السلام_ وقامت بنشره موَسسة النشر الاِسلامي المعروفة بغزارة الاِنتاج العلمي.

حيّا اللّه رجال العلم والفقه، والاجتهاد من أبناء أُمّتنا الاِسلامية المجيدة.


(147)

السيد أبو المكارم حمزة بن علي الحسيني

ابن زهرة الحلبي (115 ـ 585 هـ )

التشيّع في حلب عبْر القرون و ترجمة الموَلف

انتشر الاِسلام في عصر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_ في الجزيرة العربية، كما انتشر بعد رحيله في شتّى الاَقطار وما ذلك إلاّ لانّه دين الفطرة، يدعو إلى عبادة ربّ واحدٍ، لا شريك له، ونبذ عبادة الاَصنام، والحجر والبشر، وإلى العدل والمساواة، وكلّ عمل وخلق حسن، وينهى عن كلّ خلق وعمل قبيح، إلى غير ذلك ممّا يرفع الاِنسانَ عن حضيضِ الحيوانيّة إلى ذروة الكمال.

و والاه التشيّع في الانتشار بسرعة في الاَقطار الاِسلامية، وما ذلك إلاّ لاَنّ أكثر المهاجرين والاَنصار كانوا يشايعون عليّاً _ عليه السلام_ ويحاربون معه لاسيما في الحروب التي نشبت أيام خلافته. فبعد ما نزل الاِمام بالكوفة، انتشر التشيّع في العراق.

ولما غادر الاِمام الصادق _ عليه السلام_ المدينةَ المنورة ونزل بالكوفة أيّام أبي العباس السفاح حيث مكث فيها مدّة سنتين، فعمِد الاِمام إلى نشر علومه، وتخرج على يديه الكثير من العلماء. فقويت شوكةُ التشيّع وهذا الحسن الوشّاء يحكي لنا


(148)

إزدهار مدرسة الاِمام في العراق في تلك الظروف ويقول: أدركتُ في هذا المسجد يعني مسجدَ الكوفة تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدثني جعفر بن محمد(1)

وقد كان لهذه المدرسة العظيمة للاِمام أكبر الاَثر في انتشار التشيّع في أقطار العالم وإن كانت جذوره موجودة قبل الاِمام الصادق _ عليه السلام_ في الشام ومصر وغيرهما وقد انتشر التشيّع بواسطة مدرسة الاِمام في معظم الاَمصار الاِسلامية خصوصاً في ثالث القرون وما بعده.

ومع انّ الشام كانت معقلَ الاَُمويين ودارَ خلافتهم نرى انّ التشيّع قد دبّ فيها دبيبَ الماء في الورد، فما من بلدة أو قرية إلاّو فيها نجم لامع من علماء الشيعة يقتفي أثر أهل البيت وينادي بموالاتهم التي نصّ القرآن الكريم عليها وقدكان لسماع كلمات أهل البيت _ عليهم السلام_ جاذبيّة خاصة في قلوب المسلمين حيث يحنُّون إليهم حنانَ العاشق للمعشوق، لا سيما إنّهم كانوا يصلون على أهل بيت محمّد وآله وعترته في كلّيوم وليلة تسعَ مرات . و هذا الاَمر يدفعهم إلى التعرف عليهم والاِعتناء بشأنهم.

و لهذا وذاك، قوي انتشار التشيّع والموالاة لاَئمّة أهل البيت في أكثر الاَقطار الاِسلامية حتى في معاقل الاَعداء ودار خلافتهم.

حلب الشهباء وجمالها الطبيعي

من المناطق التي اعتنقت التشيعَ منذ عصور قديمة هي الشام وأخصّ منها بالذكرحلب الشهباء التي نبغ فيها كثير من بيوتات الشيعة، وتربّى في أحضانها جيل كبير من المحدثين والفقهاء والمتكلمين والاَُدباء من الشيعة التي ستمرّ عليك أسماء بعضهم. وقبل التعرف عليهم، نذكر شيئاً عن هذه المدينة الزاهرة.


(1) النجاشي، الرجال:1|137 رقم 79.

(149)

يقول ياقوت الحموي: «حَلَب» بالتحريك مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيّبة الهواء صحيحة الاَديم والماء.(1)

وقد وصف الشعراء والاَُدباء أزهارها وأثمارها، وأشاروا إلى ضواحيها ونواحيها وما فيها من جمال الطبيعة وكمال الصنع، وكانّك ترى ماءها الفضيّ يجري على تراب كالذهب. وترى فيها أنواعاً من الاَزهار والفواكه كلّها تسقى بماء واحد وكأنّ الشاعر بشعره يقصد تلك البلدة إذ يقول:

صُبغت بلون ثمارها أوراقها * فتكاد تُحسبُ أنّهن ثمار

و للشاعر أبي بكر الصنوبريّ قصيدة تبلغ مائة وأربعة أبيات يصف فيها منتزهات حلب وقراها مستهلّها:

إحبسا العيس إحبسا ها * وسلا الدارّ سلاها

و من جملتها:

أنا أحمى حلباً دا * رَاً و أحمى من حماها

أي حسن ما حوته * حلبٌ أو ما حواها

إلى أن يقول:

حلب أكرم مأوى * وكريم من أواها

بسط الغيثُ عليها * بسط نورٍ، ماطواها

وكساها حللا، أبــ * دع فيها إذ كساها

حللا لُحْمتها السُّو * سن و الوَرْدُ سَداها (2)


(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج2، ص 282 و 286.
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج2، ص 282 و 286.

(150)

قال السيد الخوانساري نقلاً عن كتاب تلخيص الآثار:

انّ حلب مدينة عظيمة بأرض الشام كثيرة الخيرات، طيّبة الهواء ، صحيحة التربة، لها سور حصين، وكان الخليل _ عليه السلام_ يحلب غنمه، ويتصدق بلبنها يوم الجمعة، ولقد خصّ اللّه هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يُزرع بأرضها القطن، والسمسم، والدخن، والكرم، والمشمش، والتين، يسقى بماء المطر، وهي مسورة بحجر أسود، والقلعة بجانب السور لانّ المدينة في وطأ من الاَرض، والقلعة على جبل مدور، لها خندق عظيم، وصلَ حفره إلى الماء، وفيها مقامان للخليل _ عليه السلام_ يزاران إلى الآن، وفي بعض ضياعها بئر إذا شرب منها من عضَّه الكلب الكلِيب برأ.

ومن عجائبها سوق الزجاج لكثرة ما فيها من الظرائف اللطيفة ، والآلات العجيبة.(1)

التشيّع في حلب عبْـر القرون

دخل التشيّع في حلب قبل عهد الحمدانين (293ـ 392 هـ) ولكنّه انتشر وقوى فيها على عهدهم وذلك لانّ الدولة الحمدانيّة كانت من الدول الشيعيّة، يجاهرون بالتشيّع وينصرونه وكانوا يكرمون الاَُدباء والشعراء والعلماء والمحدثين، لا سيما الذين يجاهرون منهم بالتشيّع وولاء أهل البيت . ومن أبرز شعراء الحمدانيّين أبو فراس الحمداني (320ـ 357 هـ) وله القصيدة الميميّة الطائرة الصيت التي مستهلّها:

الحق مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول اللّه مقتسم


(1) السيد الخوانساري، روضات الجنات: 2|115.

(151)

إلى أن قال:

قام النبي بها يوم الغدير لهم * واللّه يشهد و الاَملاك والاَُمم

حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * باتت تنازعها الذوَبان والرخم

و صيّروا أمرهم شورى كانّهم * لا يعلمون ولاةَ الحـقّ أيّـهم

تاللّه ما جهل الاَقوامُ موضعها * لكنّهم ستروا وجهَ الذي علموا

ثمّ ادعاها بنو العباس ملكهم * ولا لهم قَدَم فيها ولا قِدَم

ولاَجل تلك المناصرة، ووجود المناخ المساعد، أصبح التشيّع مذهباً رائجاً في تلك البلدة الخصبة ممتداً إلى ضواحيها كالموصل وتشهد بذلك نصوص كثير من الموَرخين.
1. يقول ياقوت الحموي وهو يذكر حلب: والفقهاء يفتون على مذهبالاِمامية.(1)

2. وقال ابن كثير الشامي في تاريخه: كان مذهب الرفض فيها في أيّام سلطنة الاَمير سيف الدولة بن حمدان رائجاً رواجاً تاماً.
3. وقال موَلف نهر الذهب: لم يزل الشيعة بعد عهد سيف الدولة في تصلّبهم حتى حلّ عصبتَهم وأبطل أعمالهم نورُ الدين الشهيد (543) ومن ذلك الوقت ضعف أمرهم غير انّهم ما برحوا يجاهرون بمعتقداتهم إلى حدود (600) فأخفوها.

ثمّ ذكر أنّ مصطفى بن يحيى بن حاتم الحلبي الشهير بـ «طه زاده» فَتك بهم في حدود الاَلف فاخفوا أمرهم، وذكر بعض ما يفعله الحلبيّون مع الشيعة من


(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان: ج2، ص 273.

(152)

الاَعمال الوحشية والمخازي والقبائح التي سوّدت وجه الاِنسانية ويخجل القلم من نقلها.

وقال القاضي المرعشي: «أهل حلب كانوا في الاَصل شيعة وإلى أواخر زمانالخلفاء العباسية كانوا على مذهب الاِمامية، وقد أُجبروا في زمان انتقال تلكالولاية إلى حكم السلاطين العثمانية على ترك مذهبهم» وما مرّ من فعل (طهزاده) يوَيد ذلك فإن استيلاء العثمانيين على حلب كان في أوائل المائة العاشرة.

وقال موَلّف نهر الذهب: انّه لم يزل يُوجد في حلَب عدّة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيّع ويتهابون الزواج معهم مع أنّ ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنة. (1)
4. وقال ابن كثير:

لما سار صلاح الدين إلى حلب فنزل على جبل جوشن، نُودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نورُ الدين فتودّد إليهم وتباكى لديهم وحرّضهم على قتال صلاح الدين وذلك عن إشارة الاَُمراء المقدّمين فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كلّ أحد وشرط عليهالروافض منهم أن يعاد الاَذانَ بحيّ على خير العمل، وأن يذكر في الاَسواق وأن يكون لهم في الجامع، الجانبَ الشرقي، وأن يذكر أسماء الاَئمّة الاثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمساً، وأن تكون عقود أنكحتهم إليالشريف أبي طاهر أبي المكارم حمزة بن زاهر(2)الحسيني فأجيبوا إلى ذلك


(1) السيد الاَمين، أعيان الشيعة: ج1، ص 201.
(2) كذا في المصدر والصحيح «زهرة».

(153)

كلّه، فأذِّن بالجامع وسائر البلد بحيّ على خير العمل.(1)

ونقل السيد الاَمين عن أعلام النبلاء عن كتاب الروضتين، عن ابن أبي طي انّه قال: فأذّن الموَذنون في منارة الجامع وغيره بحيّ على خير العمل، وصلّى أبي في الشرقي مُسبّلا، وصلّى وجوه الحلبيين خلفه وذكروا في الاَسواق وقُدام الجنائز أسماء الاَئمّة وصلّوا على الاَموات خمس تكبيرات، وأُذن للشريف ـ ابن زهرة ـ أن يكون عقود الحلبيين من الاِمامية إليه وفعلوا جميع ما وقعت الاَيمان عليه.(2)
5. قال ابن كثير:

إنّ بدر الدولة أبا الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب لما أراد بناء أوّل مدرسة للشافعية بحلب لم يمكِّنه الحلبيون، إذ كان الغالب عليهم التشيعَ.

إنّ ابتداء إمرة سليمان هذا في حلب نيابة عن عمّه «ايلغاري» بن ارتق، كان سنة 515 هـ وانتهاوَها 517 وإنّ تلك المدرسة تسمى «الزجاجية» وانّه كلما بنى فيها شيء نهاراً خرّبه الحلبيون ليلاً إلى أن أعياه ذلك، فاحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الاِسحاقي الحسيني والتمس منه أن يباشر بناءها فكفّ العامة عن هدم ما يبنى، فباشر الشريف البناء ملازماً له حتى فرغ منها.(3)

وخرج من حلب عدّة من علماء الشيعة وفقهائهم منهم الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي الفقيه الثقة الصالح، كان يقول: بوجوب الاجتهاد عيناً


(1) ابن كثير: البداية و النهاية: 12|309 حوادث سنة 570 وفي غير واحد من المعاجم، كالرياض 2|208. تبعاً لمجالس الموَمنين: 1 |63 وقد صحِّف فيهما لفظ السبعين بسبع فلاحظ.
(2) السيد الاَمين: أعيان الشيعة: ج6، ص 250 ، ترجمة ابن زهرة.
(3) السيد محسن الاَمين: أعيان الشيعة: 7|69، و زهرة المذكور جدّ الموَلّف فيعرب عن مكانة الموَلف في عصره حيث كان رئيساً مطاعاً.

(154)

وعدم جواز التقليد قرأ على الشيخ الطوسي وبينهما مكاتبات وسوَالات وجوابات.(1)

و منهم الفقيه المقدام أبو الصلاح تقي بن نجم الحلبي (374 ـ 447) موَلف «الكافي»، و «التهذيب» و «المرشد» و «تقريب المعارف»، ـ وقد طبع الاَول والاَخير ـ وغيرها.

وقد كانت الصلة بين شيعة حلب وشيعة الكوفة وثيقة جدّاً ولاَجل ذلك نرى انّ بعض البيوت العراقية ينتسب إلى حلب وما ذلك إلاّ لوجود الصلة التجارية أو العلمية بين البلدين، فهذا هو عبيد اللّه بن علي بن أبي شعبة المعروف بالحلبي وما هو إلاّانّه كان يتجّر هو وأبوه واخوته إلى حلب فاشتهروا بالحلبيّين. وعبيد اللّه هذا من فقهاء الشيعة في القرن الثاني وله كتاب يرويه أصحابنا عنه (2) ورواياته مبثوثة في المعاجم الحديثية.

هذا بعض ما كان للشيعة من الشأن في تلك التربة الزاهرة وأمّا مصيرهم في القرون فقد حدّث عند الموَرخون وقد مرّ تصريح بعضهم بما جرى على شيعة آل البيت من المجازر فيها. ولنشير إلى النزر اليسير منها ونترك الكثير إلى مجال آخر.

إنّ تاريخ الشيعة تاريخ حافل بالتضحيات حيث إنّهم عاشوا بين الخوف والرجاء، وبين الحجر والمدر، وقد تعامل معهم الاَُمويّون والعباسيّون بشكل يَندى له جبينالبشرية، فلم يكن السبب وراء ذلك إلاّ عدم تحالفهم مع الظالمين، ومع ذلك فبقاء الشيعة اليوم يعدّ من أكبر المعاجز ومن خوارق العادات، إذ لم يشهدالتاريخ أُمة أصابها النوائب والمظالم والقتل الذريع مثل ما أصابت شيعة أهل البيت ومواليهم، ولو انّك وقفت على ما في طيات كتب التاريخ لضُقتَ ذرعاً


(1) الخوانساري: روضات الجنات ج2،ص 115.
(2) النجاشي، الفهرست ترجمة عبيد اللّه ، رقم 640.

(155)

ولملئت ممّا جاء فيها رُعباً.
6. قال كرد علي في خطط الشام:

كان أهل حلب سنة حنفية، حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح ـ في عهد سيف الدولة ـ فصار فيها شيعة وشافعية، وأتى صلاح الدين، وخلفاوَه فيها على التشيّع، كما أتى عليه في مصر، وكان الموَذن في جوامع حلب الشهباء يوَذّن بحيّ على خير العمل، وحاول السلجوقيون مرات، القضاء على التشيّع، فلم يوفَّقوا إلى ذلك، وكان حكم بني حمدان وهم شيعة، من جملة الاَسباب الداعية إلى تأصل التشيّع في الشمال، ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل «جوشن» بظاهر حلب ذكر الاَئمّة الاثني عشر، وقد خرب الآن.(1)
7. وقال ابن جبير: للشيعة في هذه البلاد أُمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها، وقد عموا البلاد بمذاهبهم.(2)

دخل صلاح الدين الاَيوبي إلى حلب عام 579 وحمل الناس على التسنن وعقيدة الاَشعري ولا يُقدَّم للخطابة ولا للتدريس إلاّ من كان مقلِّداً لاَحد المذاهب الاَربعة، ووضع السيف على الشيعة فقتلهم وأبادهم مثل عمله في مصر، إلى حدّيقول الخفاجي في كتابه:«فقد غالَ الاَيوبيّون في القضاء على كلّ أثر للشيعة».(3)

وبما انّه سبحانه شاء أن يبقى التشيّع في حلب، نرى أنّ الدولة الاَيوبيّة لم تتمكن من القضاء على التشيّع فيها تماماً بل بقى مع ما أصابه من الكوارث والمحن.


(1) كرد علي خطط الشام:6|258.
(2) ابن جبير، الرحلة، ص 250 ط مصر. قام برحلته هذه عام 581 و استغرقت ثلاث سنوات.
(3) الخفاجي: الاَزهر في ألف عام:1|58.

(156)

8. هذا هو ياقوت الحموي يكتب عن حلب عام 636 هـ أي بعد دخول الاَيوبي لها بسبع وخمسين سنة ما لفظه: وعند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، رُوَي فيه في النوم، وداخل باب العراق مسجدُ غوث، فيه حجر عليه كتابة زعموا انّها خطّ علي بن أبي طالب _ عليه السلام_ وفي غربي البلد في سفح جبل جوشن قبر المحسِن بن الحسين يزعمون انّه سقط لما جيء بالسبي من العراق ليُحْمَل إلى دمشق، أو طفل كان معهم بحلب فدفن هنالك، وبالقرب منه مشهد مليح العمارة تعصب الحلبيون، وبنوه أحكمَ بناءٍ، وأنفقوا عليه أموالاً، يزعمون أنّهم رأوا علياً _ عليه السلام_ في المنام في ذلك المكان.(1)

هكذا استمر التشيّع في حلب رفيع البناء، لم يقلعه تلك الهزَّاتُ العنيفة، ولم تقوّضه تلك العواصف الشديدة، إلى أن أفتى الشيخ نوح الحنفي (2)بكفر الشيعة واستباحة دمائهم وأموالهم ، تابوا أو لم يتوبوا، فزحفوا على شيعة «حلب» وأبادوا منهم أربعين ألفاً أو يزيدون، وانتهبتْ أموالهم، وأُخرج الباقون منهم من ديارهم إلى «نبل» و«النغاولة» و« أُمّ العمد» و«الدلبوز» و«الفوعة» وغيرها من القرى، واختبأ التشيّع في أطراف حلب في هذه القرى والبلدان.
9. هاجم الاَمير ملحم بن الاَمير حيدر، بسبب هذه الفتوى جبل عامل عام 1048 فانتهك الحرمات واستباح المحرمات يوم وقعة قرية «أنصار» فلا تسأل عمّـا أراق من دماء، واستَلب من أموال، وانتهك من حريم، فقد قتل ألفاً وخمسمائة، وأسّر ألفاً وأربعمائة، فلم يرجعوا حتى هلك في الكنيف ببيروت.

فياللّه من هذه الجرأة الكبرى على النفوس والاَعراض، ومن تلك الفتيا، الّتي غرّرت بأُولئك على تلك الفظائع والجرائم.(3)


(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان: 2|284.
(2) كان مفتي قونية في عصر الخلافة العثمانية توفي عام 1070. اقرأ ترجمته في الاَعلام للزركلي: 8|51.
(3) محمد حسين المظفر، تاريخ الشيعة، ص 147.

(157)

10. ولم يكن ذلك الفتك الذريع أوّل تصفية جسدية للشيعة، بل صُبّت عليهم قوارع في دار الخلافة، قبل قرنين بالوحشية التامة يَنْدى لهاجبين الاِنسانية. فقد قتل السلطان سليم في الاناضول وحدها أربعين ألفاً، وقيل سبعين لا لشيء إلاّ أنّـهم شيعة.(1)

ما أقبحها من عصبية وما أقساها.

ترى أكان يسوغ في شريعة الاِنصاف أن يُسام قوم يدينون بدين الحقّ، ويتّبعون أوصياء النبيّ الشرعيين الّذين أوصى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم_ بموالاتهم ومحبتهم، ويمنعوا من أبسط حقوقهم الاِنسانية وهي حرّية الرأي والمعتقد، خاصة إذا كان ذلك المعتقد من النوع الذي يأخذ بصاحبه إلى الفضيلة والطهر، والاِنسانية والكمال؟!

ترى أكان يسوغ أن تمنع جماعة يحترمون وصية النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم في ذريته وخلفائه الاَبرار، من أداء شعائرهم النابعة من الكتاب والسنة إلاّفي غطاء التقية؟! وإذا كانت التقية أمراً قبيحاً فعمل من حملهم عليها أقبح.

وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى(2)يصف مظالم «جزار» والي عكا وفظايعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت ولم تزل داراً للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات وقد صوّر الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الاَفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميميّة نقتطف منها ما يلي:


(1) محمد جواد مغنية، الشيعة والحاكمون، ص 194 نقلاً عن أعيان الشيعة.
(2) اقرأ ترجمته في الجزء الثاني من دائرة المعارف اللبنانية لرئيس الجامعة اللبنانية فوَاد البستاني.

(158)

يعزّ علينا أن نروحَ و مصرنا * لفرعونَ مغنى يصطفيه و مغنم

منازلُ أهل العدل منهم خليّة * وفيها لاَهل الجور جيش عرمرم

وعاثت يدُ الاَيام فينا و مجدنا * وبالرغم مني أن أقول مهدَّم

ولست ترى إلاّ قتيلاً و هارباً * سليباً و مكبوباً يغلّ و يزغم

وكم علَم في عامل طُوّحت به * طوائح خطب جرحها ليس يلاَم

وأصبح في قيد الهوان مكبّلاً * وأعظمُ شيء عالم، لا يعظّم

وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى * وفي جيده حبل من الذلّ محكم

وكم هائم في الاَرض تهفوا بلبّه * قوادم أفكار تغور و تتهم

ولما رأيتُ الظلم طال ظلامه * وانّ صباح العدل لا يتبسم

ترحلتُ عن دار الهوان و قلما * يَطيب الثوى في الدار والجار، أرقم

تملكها ـ و الملك للّه ـ فاجر * سواء لديه ما يحلّ و يحرم

عتلّ زنيم، يُظهر الدين كاذباً * و هيهات أن يخفى على اللّه مجرم(1)

نسب الموَلف

اتّفقت كلمة المترجمين على أنّ نسبَه ينتهي إلى الاِمام الصادق _ عليه السلام_ ، ولكن اختلفوا في عددِ الوسائط فذكر الاَفنديّ التبريزي نسبَه بالنحو التالي:

السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي علي الحسن ، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن


(1) محمد جواد مغنية ، الشيعة والحاكمون، ص 196.

(159)

أبي إبراهيم محمد النقيب، بن علي، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبداللّه الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق الموَتمن، بن أبي عبد اللّه جعفر بن محمدالصادق _ عليهم السلام_ الحسيني الحلبي، وقال:

هذا الذي ذكرناه، من نسبه هو الموجود في المواضع المعتبرة ، ورأيت في أواخر بحث أُصول الفقه من بعض نسخ الغنية له، نسبه هكذا:

السيد أبو المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن أحمد، بن محمّد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق _ عليه السلام_ ، ولعلّ فيه اختصاراً كما هو الشائع في الاَنساب(1)وعلى ما ذكره يصل نسب الموَلف إلى الاِمام الصادق _ عليه السلام_ باثنتي عشرة واسطة.

و قد ذكر شيخ الباحثين الطهراني نسبه بالنحو المتقدم وكأنّه تبع صاحب الرياض.(2)

و يقول السيد الخوانساري: السيد بن زهرة الحلبي ينتهي نسبه إلى الاِمام جعفر بن محمد الصادق باثنتي عشرة واسطة سادات أجلاء.(3)

نعم حكى السيد الاَمين عن كتاب اعلام النبلاء «أنّه قد أبقت أيدي الزمان قبر المترجم في تربته الكائنة في سفح جبل جوشن جنوبيّ المشهد، وبينها وبين التربة أذرع وقد كانت تلك التربة مردومة فاكتشفت في جمادي الاَُولى سنة 1297 وقد حاط جميل باشا ما بقي من هذه التربة بجدران حفظاً لها ، وقبر المترجم ظاهر فيها وعلى أطرافه كتابة حسنة الخط هذا نصه:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: هذه تربة الشريف الاَوحد ركن الدين أبي


1. الاَفندي التبريزي، الرياض:ج2، ص 202.

2. الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 87.
3. الخوانساري، روضات الجنات: ج2، ص 374.


(160)

المكارم حمزة، بن علي، بن زهرة، بن علي، بن محمد، بن محمد، بن أحمد، بن محمد، بن الحسين، بن إسحاق بن جعفر الصادق صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وأبنائه الاَئمّة الطاهرين وكانت وفاته في رجب سنة 585 هـ ـ رضي اللّه عنه ـ. (1)

وعلى ما ذكره ينتهي نسبه إلى الاِمام الصادق _ عليه السلام_ بوسائط تسع.

وذكر العمري نسب أبي إبراهيم محمد الذي هو الجدّ السادس للموَلف إلى الاِمام الصادق _ عليه السلام_ بالنحو التالي:

أبو إبراهيم: محمد، بن جعفر، بن محمد، بن أحمد، بن الحسين، بن إسحاق، ابن جعفر الصادق _ عليه السلام_ .(2)قال: وكان أبو إبراهيم لبيباً عاقلاً ولم تكن حاله واسعة، فزوجه الحسين الحرّاني، بنته خديجة المعروفة بأُمّ سلمة ـ إلى أن قال: ـ فأمدَّ أبا إبراهيم ، الحسين الحرّاني بماله وجاهه، ونبغ أبو إبراهيم وتقدّم وخلف أولاداً سادة فضلاء، ولهم عقب منتشر بحلب. (3)

وقال الزبيدي في تاج العروس: بنو زهرة شيعة بحلب بل سادة نقباء، علماء، فقهاء، محدثون كثر اللّه أمثالهم وهو أكبر بيت من بيوت الحسين وهم:

أبو الحسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد الحرّاني وهو المنتقل إلى حلب وهو ابن أحمد الحجازي، بن محمد، بن الحسين، (وهوالذي وقع إلى حرّان) بن إسحاق، بن محمد(4) الموَتمن، ابن الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام_ الحسيني الجعفري، وجمهور عقب إسحاق بن جعفر ينتهي إلى أبي إبراهيم المذكور».(5)


(1) السيد الاَمين، أعيان الشيعة: 6|249.
(2) العمري المجدي، ص 99.
(3) العمري المجدي، ص 99.
(4) كذا في المصدر و الصحيح «أبو محمد»، إذ لا واسطة بين إسحاق، والاِمام الصادق عليه السَّلام .
(5) الزبيدي، تاج العروس: ج3، ص 248 (مادة زهرة).

(161)

ولاَجل التعرف على بعض الشخصيات الذين شادوا هذا البيت الرفيع نذكر شيئاً من ترجمة أبيه وجدّه ونترك ترجمة الباقين من أجداده إلى مجال آخر فإنّ الاشارة إلى حياتهم تحوجنا إلى القيام بتأليف مفرد.

أبوه: علي بن زهرة

قال في الرياض : وكان علي، والد السيد ابن زهرة هذا من أجلة العلماء بحلب، ويروي هو عن والده زهرة الحلبي المذكور، ويروي عنه ولده السيد ابن زهرة المذكور على ما رأيته بخطّ بعض الاَفاضل نقله عن خط الشيخ سديد الدين يوسف والد العلاّمة ـ قدّ س اللّه سرّه ـ ، وصرّح بذلك محمد بن جعفر المشهديّ في مزاره الكبير أيضاً. وقال الكفعمي في أواخر فرج الكرب وفرج القلب: إنّ السيد العالم علي بن زهرة الحسيني طاب ثراه ألف في التغاير كتاباً سماه آداب النفس، ومراده بالتغاير ما هو مصطلح علماء البديع أعني به ما سماه بعضهم التلطيف. ثمّ قال: واعلم انّ هذا السيد وأباه زهرة وأولاده يحيى وحمزة وسائر سلسلته المعروفين، كلّهم من أكابر العلماء ببلاد حلب.(1)

جدّه أبو المحاسن(2)

زهرة

قال في الرياض : كان من أكابر العلماء بحلب، ويروي عنه ولده عليّ المذكور، وهو يروي عن ابن قولويه على ما رأيته بخطّ بعض الاَفاضل نقلاً عن خطّالشيخ سديد الدين يوسف والد العلاّمة ـ قدّس سرّه ـ وبه صرّح الشيخ


(1) الاَفندي التبريزي، رياض العلماء، ج4، ص 97 ولاحظ روضات الجنات، ج2، ص 374 وطبقات الاَعلام القرن السادس، ص 181.
(2) اختلفت كلمة أصحاب المعاجم في كنيته، فصاحب الرياض على أنّه «أبو المحاسن» بينما يصرّ السيد الاَمين على انّ كنيته «أبو الحسن» و انّالاَوّل كنية «زهرة» الثاني.

(162)

محمد بن جعفر المشهديّ في المزار الكبير أيضاً، لكنّه قال: انّه يروي عن الصدوق.

والسيد زهرة الحلبي هذا هوالذي ينسب إليه سبطه حمزة المعروف بالسيد ابن زهرة وسائر أولاد زهرة وبنو زهرة معروفون.(1)

ولو كان يروي عن ابن قولويه المتوفى عام 369 هـ أو الصدوق المتوفى عام 381هـ، فقد عاش (جدّالموَلف) في العقد الثاني من القرن الرابع وأدرك سنين كثيرة من القرن الخامس.

ولعلّ في هذا الالمام العابر، غنى وكفاية للقارىَ في التعرف على حياة والد الموَلف وجدّه بوجه موجز.

لقد ظلّ البيت ، عامراً بالعلم والفضل، والفقه والحديث، مُشعِّاً عبْر القرون، حتى بعد مضي موَلفنا الجليل الذي عاش بين (511ـ 585 هـ) ومع ما أصابته من نكبات ونوائب تدمي القلوب، وتهزّالمشاعر في أواخر القرن السادس ـ على ما عرفت ـ فما برح البيت ساعياً في تربية نوابغ العلم وابطال الفقه وجهابذة الحديث حتى القرن السابع والثامن وبعدهما ويكفيك ما نذكره في المقام من استجازة عدّة من أعلام البيت وفقهائهم ، علاّمةَ عصره وفقيه دهره الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي (648ـ 726 هـ)، المشتهر بالعلاّمة على الاِطلاق وهذا نصّ اجازته لبني زهرة نقتطف منه ما يلي قال: بعد البسملة والتحميد والمقدمة:

وبلغنا في هذا العصر ، ورود الاَمر الصادر من المولى الكبير، والسيد


(1) الاَفندي التبريزي، الرياض، ج2، ص 356 ولاحظ أعيان الشيعة، ج7، ص 69.

أقول: نقل الجدّ عن الصدوق فضلاً عن ابن قولويه بعيد جداً، لاَنّ حفيده المترجم له المتوفى عام 585هـ ينقل عنه، فكيف يصحّ لشيخه أن ينقل عن الصدوق المتوفى عام 381هـ أو عن إبن قولويه المتوفى عام 369هـ، إذ لازم ذلك أن يكون الجدّ من المعمّرين و لم يذكر في عدادهم!.


(163)

الجليل، الحسيب النسيب، نسل العترة الطاهرة، وسلالة الاَنجم الزاهرة، المخصوص بالنفس القدسيّة، والرئاسة الانسية، الجامع بين مكارم الاَخلاق، وطيب الاعراق، أفضل أهل عصره على الاِطلاق، علاء الملّة والحقّ والدين، أبي الحسن علي،(1) بن أبي إبراهيم محمد، ابن أبي علي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة، بن أبي المواهب علي، بن أبي سالم محمد، بن أبي إبراهيم محمد النقيب، بن أبي علي أحمد، بن أبي جعفر محمد، بن أبي عبد اللّه الحسين، بن أبي إبراهيم إسحاق الموَتمن ، ابن أبي عبداللّه جعفر الصادق ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ابن أبي جعفر محمد الباقر ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ابن أبي الحسن علي زين العابدين ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ابن أبي عبد اللّه الحسين السبط الشهيد ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ ابن أمير الموَمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ.

نسب تضاءلت المناسبُ دونه * فضيـاوَه لصباحه في فجـره

أيّده اللّه تبارك وتعالى بالعنايات الاِلهية، وأمَدّه بالسعادات الربانية، وأفاض على المستفيدين من جزيل كماله كما أسبغ عليهم من فواضل نواله.

يتضمن سبب اجازة صادرة من العبد له ولاَقاربه السادات الاَماجد، الموَيّدين من اللّه تعالى في المصادر والموارد، وأجوبة عن مسائل دقيقة لطيفة،


(1) هكذا في البحار المطبوع ، الجزء 104|61. فلو حذفنا الكنى يكون نسب المستجيز هكذا: على بن محمد بن الحسن، بن زهرة و على هذا، تكون الواسطة بينة وبين زهرة اثنين ولا يخفى بعده لانّه يُصبح المستجيز تِرْب ولد الموَلف الذي كان يعيش في أوائل القرن السابع، و من البعيد أن يروي عن العلاّمة عام 723. وفي البحار الجزء 26|21 المطبوع عام 1315 «علاء الدين أبو الحسن ، علي بن إبراهيم، بن محمد، بن أبي الحسن، بن أبي المحاسن زهرة فيكون نسبه بعد حذف الكنى هكذا: علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة، فتكون الواسطة بينهما ثلاث، ولا يخلو عن بعد أيضاً. أضف إليه ما فيه من الغلط فانّ محمّداً والد إبراهيم هو الحسن لا ابن الحسن.

(164)

ومباحث عميقة شريفة، فامتثلت أمره رفع اللّه قدره، وبادرتُ إلى طاعته وإن استلزمت سوءَ الاَدب، المغتَفر في جنب الاحتراز عن مخالفته، وإلاّفهو معدن الفضل والتحصيل، وذلك غنى عن حجّة ودليل.

وقد أجزت له أدام اللّه أيّامه.

ولولده المعظم والسيد المكرم ، شرف الملة والدين أبي عبد اللّه الحسين .

ولاَخيه الكبير الاَمجد والسيد المعظم الممجّد بدر الدين أبي عبد اللّه محمد.

ولولديه الكبيرين المعظمين أبي طالب أحمد أمين الدين، وأبي محمد عز الدين حسن عضدهما اللّه تعالى بدوام أيّام مولانا.

أن يروي هو وهم، عني جميعَ ما صنفته في العلوم العقلية والنقلية أو أنشأته أو قرأته أو أُجيز لي روايته أو سمعته من كتب أصحابنا السابقين، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، وجميع ماأجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم واستفدت من أنفاسهم... إلى آخرها. (1)

و الاجازة مفصلّة جديرة بالمطالعة، تعرب عن تضلّع العلاّمة في غالب الفنون والعلوم، واتصاله المستمر بالمشايخ واستجازته عن أساتذته العلوم والحديث والفقه وقد أرّخها بـ 25شعبان 723.

وهذا الثناء العاطر الذي سمعناه عن العلاّمة على أبناء زهرة في القرن الثامن يُوقفنا على انّ ذلك البيت العلوي لم يزل باقياً على ذروة العلم وكان كشجرة طيّبة توَتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها إلى حدّ نرى انّ العلامة الحلي، يتواضع للمستجيز، ويعدّ سوَاله، أمراً صادراً منه، فإذا كان هذا حال البيت في الاَثمار والاضاءة في القرن الثامن فكيف حاله في عصر الموَلف وبعده؟ ولذلك نشير إلى شخصيات معاصرة للموَلف كلّهم من نتاج بيته الرفيع.


(1) المجلسي: البحار: 104|61ـ 62.(ط بيروت).


(165)

أقطاب الطائفة في عصر الموَلّف

1. الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وهو أخو الشريف أبي المكارم موَلفنا الجليل. قال المقريزي في خططه:

أنشد الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وقد اجتاز بالمعشوق يريد الحج:

قد رأيت المعشوقَ و هو من المهجر * بحال تنبُو النواظر عنه

أثر الدهر فيه آثار سوء * قد أدالت يد الحوادث منه

و« المعشوق» كما في معجم البلدان: قصر عظيم بالجانب الغربي من دجلة قبالة سامراء في وسط البرية عمره المعتمد.(1)
2. عبد اللّه بن علي بن زهرة أخوه الآخر ولد عام 531 وتوفي عام 580.

وقد قرأ النهاية على أخيه أبي المكارم، وله كتاب التجريد لفقه الغنية عن الحجج والاَدلة، ولعلّه لخّص كتاب أخيه «الغنية»، وله ترجمة في غير واحد من الكتب.(2)
3. السيد محي الدين أبو حامد محمد بن عبد اللّه بن علي بن زهرة وهو ابن أخي الموَلف، ويروي عنه، يحيى بن سعيد موَلف الجامع للشرائع المتوفّـى عام 690هـ، وعلي بن موسى بن طاووس المتوفّـى سنة 664هـ، والمحقّق الحلّي المتوفّـى سنة 676هـ، وقد قرأ مقنعة المفيد على عمّه أبي المكارم سنة 584 هـ، وله من العمر أقلّ منالعشرين فيكون من مواليد حوالى عام 565 هـ، وله ترجمة


(1) المقريزي، الخطط: ج3، ص 259، لاحظ أعيان الشيعة: ج7، ص 70.
(2) الطهراني، طبقات أعلام الشيعة القرن السادس، ص 165

(166)

في طبقات أعلامالشيعة.(1)
4. أحمد بن محمد بن جعفر الشريف النقيب أبو طالب أمين الدين الحسيني، يروي عنه: السيد محي الدين أبو حامد، محمد بن عبد اللّه بن زهرة في «الاَربعين» ، وابن أخي السيد أبي المكارم كما مرّ ، وقد صرّح بأنّ الشريف خال والده عبد اللّه بن علي بن زهرة، والظاهر انّه من السادة العلماء النقباء بحلب من بني زهرة.(2)

هوَلاء بعض الشخصيات البارزة الذين تخرجوا من هذا البيت فهم بين متقدم على الموَلّف أو معاصر له أو متأخر عنه، وهناك فقهاء أجلاء نبغوا من هذا البيت عبر العصور فالقيام بترجمتهم ولو بصورة المامة عابرة يحوجنا إلى تأليف مفرد.

حياة الموَلف وأشواطه العلمية

أظنّ انّه قد حان الوقت لاستعراض ترجمة موَلفنا الكبير أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة.

و ننقل قبل كل شيء كلمات الاَعلام في حقّه:
1. قال ابن شهر آشوب (488 ـ 588هـ) : حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي، له كتاب قبس الاَنوار في نصرة العترة الاَخيار، وغنية النزوع حسن.(3)
2. وقال العلاّمة الحلي: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني (بضم الزاي) الحلبي، قال السيد السعيد صفي الدين معد (رحمه اللّه): انّ له كتاب قبس الاَنوار


(1) لاحظ الجزء المختص بالقرن السابع باسم الاَنوار الساطعة في المائة السابعة، ص 160.
(2) السيد الاَمين: أعيان الشيعة: 3|91.
(3) ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص 46 برقم 303.

(167)

في نصرة العترة الاَطهار وكتاب غنية النزوع.(1)
3. قال الزبيدي: فمِنْ وُلْد عليٍ، الشريف أبوالمكارم حمزة بن علي المعروف بالشريف الطاهر، قال ابن العديم في تاريخ حلب:كان فقيهاً أُصولياً نظّاراً على مذهب الاِمامية، وقال ابن أسعد الجواني: الشريف الطاهر عز الدين أبو المكارم حمزة ولد في رمضان سنة 511 وتوفي بحلب سنة 585.(2)
4. وقال الطباخ الحلبي في اعلام النبلاء: الشريف حمزة بن زهرة الاِسحاقي الحسيني أبوالمكارم السيد الجليل، الكبير القدر، العظيم الشأن، العالم، الكامل، الفاضل، المدرس، المصنف، المجتهد، عين أعيان السادات والنقباء بحلب، صاحب التصانيف الحسنة والاَقوال المشهورة، له عدّة كتب، وقبره بحلب بسفح جبل جوشن، عند مشهد الحسين، له تربة معروفة مكتوب عليها اسمه ونسبه إلى الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وتاريخ موته أيضاً.(3)
5. وقال نظام الدين القرشي في كتاب نظام الاَقوال: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، أبو المكارم المعروف بابن زهرة، عالم فاضل، متكلّم من أصحابنا، له كتب: منها غنية النزوع في الاَُصول والفروع، وكتاب قبس الاَنوار في نصرة العترة الاَطهار، ولد في شهر رمضان في سنة احدى عشرة وخمسمائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وروى عنه ابن أخيه محمد بن عبد اللّه بن علي بن زهرة ومحمد بن إدريس.(4)
6. وقال الشيخ الحر العاملي: هو فاضل عالم ثقة جليل القدر له مصنفات


(1) العلاّمة الحلي، ايضاح الاشتباه: 168ـ 169.
(2) الزبيدي، تاج العروس: ج3، ص 249(مادة زهرة).
(3) أعلام النبلاء: 4|269 برقم 132.
(4) الاَفنديّالتبريزي، الرياض: ج2، ص 206 نقله عن نظام الدين القرشي.

(168)

كثيرة، ثمّ ذكر تآليفه التي ستوافيك.(1)
7. وقال القاضي نور اللّه ما هذا خلاصته: إنّالسيد أبا المكارم حمزة بن زهرة كان من مجتهدي علماء الاِمامية، وصاحب التصانيف الكثيرة وكان رئيساً كبيراً بحلب ـ ثمّ قـال:ـ وكان من أفاضـل المتأخـرين ، المناظرين ومن هذه السلسلة السيد علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي إبراهيم محمد بن أبي علي الحسن بن أبي المحاسن زهرة بن أبي علي الحسن، ثمّ ساق نسب علاء الدين إلى الاِمام أميرالموَمنين _ عليه السلام _ .(2)
8. وقال العلاّمة المجلسي: وكتاب «غنية النزوع في علم الاَُصول والفروع» للسيد العالم الكامل أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني.(3)

وقال في الفصل الثاني من فهرس البحار: وكتاب الغنية موَلفه غني عن الاِطراء وهو من الفقهاء الاَجلاّء، وكتبه معتبرة مشهورة لا سيما هذا الكتاب.(4)
9. وقال السيد الخوانساري: السيد أبو المكارم من كبار فقهائنا الاَصفياء النبلاء، وكلما أطلق السيد ابن زهرة ينصرف الاِطلاق إليه وله كتاب «غنية النزوع إلى علم الاَُصول والفروع» تعرض بتبيين مسائل الاَُصولين ثمّ الفقه في نحو من أربعة آلاف بيت، وهو غير «غنية» أخيه، والنزوع (بضم النون) بمعنى الاشتياق.(5)
10. وقال المحدّث النوري: السيد عزالدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي الفقيه الجليل المعروف صاحب الغنية وغيرها المتولد في الشهر المبارك سنة احدى عشر وخمسمائة، المتوفّـى سنة خمس وثمانين


(1) الحر العاملي، أمل الآمل: 2|105 رقم 293.
(2) القاضي نور اللّه المرعشي ، مجالس الموَمنين:1|508.
(3) المجلسي: بحار الاَنوار: 1|21و40.
(4) المجلسي: بحار الاَنوار: 1|21و40.
(5) السيد الخوانساري، روضات الجنات: ج2، ص 374ـ 375 رقم الترجمة 225.

(169)

وخمسمائة، هو وأبوه وجدّه وأخوه وابن أخيه من أكابر فقهائنا، وبيتهم بيت جليل بحلب.(1)
11. وقال المحدّث القمي: أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي العالم الفاضل الجليل الفقيه الوجيه صاحب المصنفات الكثيرة في الاِمامة والفقه والنحو وغير ذلك. ثمّ ذكرت آليفه.(2)
12. وقال شيخنا المدرس في موسوعته: ابن زهرة حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة، عالم فاضل جليل القدر من أكابر علماء الاِمامية ومتكلميهم وفقهائهم، ويروي بواسطة واحدة عن أبي علي ولد الشيخ الطوسي المتوفّـى سنة 515هـ.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة التي تعرب عن مكانة الموَلف العليا، ولعلّ في ما ذكرناه من الكلمات غنى وكفاية.

آثاره وتآليفه:

إنّ أحسن ما يستدل به على مكانة الاِنسان وسعة باله وكثرة اطّلاعه ورصانة تفكيره، هو الآثار التي يتركها الاِنسان بعد رحيله فانّها مرآة لما كان ينطوي عليه من المواهب والطاقات وقد ترك موَلفنا الجليل آثاراً قيمة، خالدة على جبين الدهر مشرقة عبر القرون والاَجيال لا تندرس بمرّالحقب والاَيام، وهاهو أثره القيم الذي يزفه الطبع إلى القراء لم يزل مصدراً للعلم ومرجعاً للفقهاء منذ تأليفه إلى يومنا هذا وقد كان محور الدراسة في عصره وبعد رحيله حتى انّ المحقق الطوسي قرأه على معين الدين المازني المصريّ، وكتب أُستاذه اجازة له في خاتمة الكتاب


(1) النوري، المستدرك، الخاتمة ،3| الفائدة الثالثة، ص 475.
(2) القمي، الكنى والاَلقاب، ج1، ص 294.
(3) المدرس التبريزي، ريحانة الاَدب، ج7، ص 550.

(170)

وسيوافيكنصّها.

و ها نحن نذكر صورة موجزة من تصانيفه:
1. الاعتراض على الكلام الوارد من حمص(1)
2. الجواب عمّا ذكره مطران (2)نصيبين.
3. الجواب عن الكلام الوارد من ناحية الجبل.
4. جواب الكتاب الوارد من حمص، رواها عنه ابن أخيه السيد محيي الدين محمد وغيره ويحتمل اتحاده مع الاَوّل.
5. جواب المسائل الواردة من بغداد.(3)
6. قبس الاَنوار في نصرة العترة الاَخيار. وقد رد عليه بعض المخالفين من معاصري العلامة الحلي أسماه «المقتبس» ثمّ رد عليه الشيخ علي بن هلال بن فضل (المتوفّـى 874 هـ) وأسماه الاَنوار الجالبة لظلام الغلس من تلبيس صاحب المقتبس (الذريعة: 17|31).
7. مسائل في الرد على المنجمين تبلغ 21 مسألة ، وللشريف المرتضى أيضاً كتاب بهذا الاسم(الذريعة: 2|387).
8. مسألة في انّ النظر الكامل على انفراده كاف في تحصيل المعارف العقلية.
9. مسألة في نفي الروَية واعتقاد الاِمامية ومخالفيهم ممن ينسب إلى السنة


(1) حِمْص: بالكسر ثمّ السكون بلد مشهور قديم و هي بين دمشق و حلب، بناها رجل يقال له حمص بن المهر، معجم البلدان، ج2، ص 302. وفي الذريعة 5|185 جواب الكتاب الوارد من حمص.
(2) مطران: بفتح الميم و سكون الطاء رئيس الكهنة، و هو فوق الاَُسقف و دون البطريرك و الكلمة أصلها يونانية. المنجد مادة «مطر». وفي الذريعة 5|193 جواب المسألة الواردة من نصيبين.
(3) وفي الذريعة ( 5|216 جواب المسائل البغدادية).

(171)

والجماعة.

وعبر عنها في الروضات (2|375) بـ « الشافية» ، تلك المسألة التي تفترق فيها العدلية عن الاَشاعرة فالطائفة الاَُولى ينزهون الربّ عنها في الدنيا والآخرة والاَشاعرة ينفونها في الدنيا ويثبتونها في الآخرة.
10. مسألة في كونه تعالى جباراً حيّاً.
11. المسألة الشافية في ردّ من زعم انّالنظر على انفراده غير كاف في تحصيل المعرفة به تعالى.(1)
12. مسألة في أنّ نية الوضوء عند المضمضة والاستنشاق.
13. مسألة في تحريم الفقاع.
14. مسألة في الرد على من ذهب إلى انّ الحسن والقبح لا يعلمان إلاّ سمعاً.

وهذه المسألة تعبر عنها، بأنّالحسن والقبح عقليّان ـ كما عليه العدلية ـ أو شرعيّان كما عليه الاَشاعرة.
15. مسألة في الردّعلى من قال في الدين بالقياس.
16. مسألة في إباحة نكاح المتعة.
17. نقض شبه الفلاسفة.
18. النكت في النحو.
19. غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع.(2)


(1) قد كتب غير واحد من علمائنا رسالة في هذا الموضوع لاحظ الذريعة ج5|192 برقم 882.
(2) الحر العاملي: أمل الآمل: 2|105 رقم 293، ذكر فهرس تصانيفه، بالنحو الذي ذكرنا، و ذكرنا موارد اختلافه مع الذريعة في الهامش والمتن. والعجب انّبعض ما ذكر في أمل الآمل، لم نعثر عليه في الذريعة و لعلّه ذكره تحت عنوان آخر .

(172)

وذكر في الذريعة ما يلي:

20. جوابات مسائل البلدان للسيد أبي المكارم عز الدين حمزة بن زهرة (الذريعة5|216).
21. مسائل البلدان أوعز إليه في ج5|216 قائلاً بانّه يأتي في الميم. ولم يذكرها في محلّها ويحتمل اتحادهما.

والظاهر انّ الزمان قد لعب بتصانيفه، إذ لم نجد في المعاجم شيئاً يدلّ على وجود نسخة من كتبه في المكتبات والمتاحف، غير كتاب «الغنية»الذي نحن بصدد التقديم له، فما ظنّك بكتب عالم أو طائفة أُغير عليها بخيل وركاب، وقُتلوافي عقر دارهم، أو أجبروا على ترك ديارهم، والنزول في الجبال والقرى النائية؟!

مشايخه وأساتذته

إنّوليد بيت العلم والفضل كابن زهرة يتخذ ـ بطبع الحال ـ مشايخ بيته، سناداً وعماداً لرقيّه. وأساتذة لعلومه ولذلك قرأ سيدنا المترجم على لفيف منهم، وإليك أسماء من وقفنا عليهم من أساتذته.
1. والده: علي بن زهرة الحلبي.(1)
2. جدّه: السيد أبو المحاسن زهرة الحلبي.(2)
3. أبو منصور محمد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي تلميذ أبي علي ولد شيخ الطائفة.(3)


(1) السيد الخوانساري: الروضات: 2|374.
(2) السيد الخوانساري: الروضات: 2|374.
(3) السيد الاَمين: أعيان الشيعة: 6|250 و هو يصرّ بأنّ كنيته «أبو الحسن».

(173)

4. أبو عبد اللّه الحسين بن طاهر بن الحسين، وهو يروي عن الشيخ أبيالفتوح.(1)

تلامذته ومن يروي عنه

يروي عنه لفيف من الاَكابر.
1. الشيخ معين الدين المصري.(2)
2. الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي الّذي كان حياً سنة 584 هـ. (3)
3. الشيخ محمد بن جعفر المشهدي صاحب «المزار» المشهور.(4)
4. ابن أخيه السيد محيي الدين محمد. (5)
5. محمد بن إدريس الحلي موَلف السرائر (المتوفّـى 598هـ) ولو صحّ فهو من مشايخ روايته لا انّه تتلمذ عليه كما يظهر من تعبيره عنه في السرائر. (6)

وقال السيد حسين البروجردي في نخبة المقال:

وابن علي بن زهرة الاَجل * ذو غنية عنه ابن إدريس نقل

ولعل من سبر الكتب والمعاجم يعثر على أسماء أُخرى تروي عن الموَلف أو يروي هو عنهم.


(1) الاَفندي التبريزي ، الرياض: 2|205 وفي المصدر المعري مكان المصري والصحيح ما أثبتناه.
(2) السيد الخوانساري: الروضات: 2|375 و أمل الآمل: 2|106.
(3) السيد الخوانساري: الروضات: 2|375 و أمل الآمل: 2|106.
(4) الحرّالعاملي: أمل الآمل: 2|106 ولاحظ ريحانة الاَدب: 7|551.
(5) طبقات أعلام الشيعة، القرن السابع:160.
(6) ذكره في أمل الآمل و الروضات وغيرهما لاحظ السرائر: 2، ص443.

(174)

غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع

هذا الكتاب مشتمل على العلوم الثلاثة:

أ. الفقه الاَكبر: وهذا القسم مشتمل على مهمات المسائل الكلامية من التوحيد إلى المعاد.

ب. أُصول الفقه: وهو حاو لبيان القواعد الاَُصولية التي يستنبط منها الاَحكام الشرعية ، ألفّه على غرار أُصول القدماء، ومن فصوله النافعة ، بحثه عن القياس، وآثاره السلبية في الفقه. وقد خلت كتب المتأخرين من أصحابنا من طرح هذه المسألة ودراسة أدلّة المثبتين والنافين، وما هذا إلاّ لانّ عدم حجّيته هو الاَصل المسلّم في فقه أهل البيت.

ج. الفروع والاَحكام الشرعية: وهو دورة فقهية كاملة، استدلالية، يستدل بالكتاب والسنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة والاِجماع، وهذا القسم من محاسن الكتب وجلائلها وإليك مواصفاته:
1. يستمد من الكتاب العزيز في مسائل كثيرة على وجه ليس له مثيل فيما بأيدينا من كتب القدماء فقد استدل ، بقرابة مائتين وخمسين آية، في موارد مختلفة فهو بحقّ جدير بالتقدير.
2. يعتمد على أحاديث نبوية وافرة إمّا استدلالاً على المطلوب، أو احتجاجاً على المخالف وهو الغالب على اسلوب الكتاب فهي عنده أشبه بأُصول موضوعية تلقاها المخالف بالقبول ولاَجل هذا الامتياز صار الكتاب فقهاً مقارناً، سدّ به الفراغ الموجود في المكتبة الفقهية في عصره.
3. يعتمد على الاِجماع في مسائل كثيرة تبلغ قرابة ستمائة وخمسين مسألة ومراده من الاِجماع ليس الاِجماع المصطلح، وهو اتّفاق الاَُمة أو الاِمامية على


(175)

الحكم بشرائطه الخاصة، بل المصطلح الخاصّ له في هذا الكتاب وقبله للشيخ الطوسي في كتاب الخلاف، وقد صرّح بهذا الاصطلاح في القسم الثاني من الكتاب في مبحث الاِجماع وحاصله: «انّ المراد منه في مقام الاحتجاج هو قول المعصوم. لاَنّ ملاك حجّية الاِجماع عند الاِمامية هو اشتماله على قوله، وليس الاِجماع إلاّ طريقاً إلى كشفه، فإذا اكتشفناه عن غير ذاك الطريق، يطلق عليه الاِجماع، توسعاً ومجازاً».

ولا شكّ انّه استعمال على خلاف الاصطلاح الدارج، لكنّه التجأ إليه لاَجل المجاراة مع المخالف في مقام الاحتجاج على المدّعى، وسيوافيك تعبيره في مبحث الاِجماع في القسم الثاني من الكتاب.

وبذلك يعلم ، أن ما يساق إليه من الاعتراض من عصر صاحب الجواهر والشيخ الاَنصاري إلى يومنا، من أنّه كيف يدّعي الاِجماع في مسائل غير معنونة، أو مختلفة، فهو ناشىَ عن عدم الرجوع إلى مصطلحه في الكتاب.

وقد كان سيد مشايخنا المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه يبرِّر بذلك الاِجماعات الواردة في كتاب الخلاف لشيخ الطائفة، في درسه الشريف الذي كنّا نحضره عام 1369 عند البحث عن حجّية الاِجماع المنقول بخبر الواحد.
4. انّ الموَلف يسير على ضوء كتاب الانتصار والناصريات للسيد المرتضى، وكتاب الخلاف والمبسوط للشيخ الطوسي، وقد استفاد المحقّق بالرجوع إليها في تحقيق نصّ الكتاب وتصحيحه.
5. انّ الموَلف كان فقيهاً متضلّعاً عارفاً بفقه أهل السنّة كعرفانه بفقه الاِمامية، ولم يكن اطلاعه على الاَوّل أقلّ من الثاني وبذلك أضفى على كتابه صبغة السعة والشمول.


(176)

يحيى بن الحسن الاَسدي الحلي

ابن البطريق (523 ـ 600 هـ )

العمدة لاِبن البطريق

لقد قامت الاِمامية بتدوين مناقب أهل البيت من أقدم العصور إلى زماننا هذا، فألّفوا في هذا المضمار كتباً حافلة ورسائل ذات أهميّة بصور متنوّعة.

ومن أحسن ما أُلّف في هذا الباب في أُخريات القرن السادس ، هو كتاب «العمدة» لمحدّث عصره ، وعلاّمة زمانه، الحافظ: يحيى بن الحسن بن البطريق الاَسدي الحلي ( 523 ـ 600هـ) فقام بتدوين الفضائل والمناقب لوصيّ المختار، بصورة بديعة لم يسبقه إليها أحد من أصحابنا الاِمامية حتّى شيخه العلاّمة الحافظ:محمد بن علي بن شهر آشوب السروي ( 488 ـ 588هـ) فقد دوّن جلّ ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد بشكل ممتاز، موضحاً لمشكلاته ، ومبيّناً لمعضلاته، معلّقاً عليها كلّما استدعت الحاجة ، ويقف الباحث على موقع الموَلّف ومكانته العلمية، من خلال الثناء عليه من أعلام الطائفة ، وإليك بعض ما وقفنا عليه:
1. قال العلامة في إجازته لبني زهرة : ومن ذلك جميع مصنّفات الشيخ أبي زكريا: يحيى بن علي البطريق ، ورواياته عنّي عن والدي ـ قدّس اللّه روحه ـ عن


(177)

السيّد فخار عن المصنف(1)

وعلى ذلك فيروي العلاّمة (648ـ 726 هـ) عن شيخنا المترجم بواسطتين: والده والسيد فخار.
2. قال الشيخ الحر العاملي: الشيخ أبو الحسين يحيى بن الحسن ابنالحسين بن علي بن محمد بن البطريق الحلي ، كان عالماً ،فاضلاً، محدّثاً، محقّقاً، ثقة، صدوقاً، ثم ذكر كتبه (2)
3. وقال المتتبّع الخبير عبداللّه الاَفندي التبريزي : الشيخ الاَجل شمسالدين أبوالحسين يحيى بن (الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن ) البطريق الحلّي الاَسدي ، المتكلم الفاضل ، العالم ، المحدث الجليل ، المعروف بابن البطريق: صاحب كتاب العمدة وغيره من الكتب العديدة فيالمناقب، وقد رأيت في بعض المواضع في مدحه هكذا : الاِمام الاَجل شمس الدين جمال الاِسلام ، العالم الفقيه، نجم الاِسلام، تاج الاَنام مفتي آلالرسول(3)
4. وقال العلامة المجلسي في أول البحار : وكتاب العمدة، وكتاب المستدرك، كلاهما في أخبار المخالفين في الامامة للشيخ أبي الحسين يحيى (بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد ) بن البطريق الاَسدي (4)


(1) إجازة العلاّمة لبني زهرة المطبوعة في البحار: 107|60 ـ 137،وهذه الاِجازة الكبيرة من العلاّمة لبني زهرة الحلبيين توصف بالاِجازة الكبيرة كتبها عام 723، وهم عبارة عن: علاء الملة والحق والدين أبي الحسن علي بن أبي إبراهيم محمد بن أبي علي الحسن بن أبي المحاسن بن زهرة، وولده المعظم شرف الملة والدين أبي عبداللّه الحسين ، وأخيه بدر الدين أبي عبداللّه محمد، وولديه أبي طالب أحمد أمين الدين وأبي محمد عز الدين الحسن ـ رحمهم اللّه ـ.
(2) أمل الآمل: 2|45.
(3) رياض العلماء: 5|358.
(4) بحار الاَنوار: 1|10 و 29.

(178)

ثم قال : وكتاب العمدة وموَلّفه مشهوران مذكوران في أسانيد الاِجازات، وأمّا المستدرك فعندنا منه نسخة قديمة نظن أنّها بخط موَلّفها (1)
5. وقال في الروضات بعد نقل ما ذكره الشيخ الحر في أمله في حقه : وفي بعض كتب الاِجازات اكتناء الرجل بأبي زكريا وفي بعضها تلقّبه بشمس الدين، شرف الاسلام.

ثم قال: ويروي في الاَغلب عن عماد الدين محمد بن القاسم الطبري ، وهو يروي عن الشيخ أبي علي، ولد شيخنا الطوسي.(2)
6. وقال الميرزا الاسترآبادي في رجاله الكبير: يحيى بن الحسن ... كان عالماً فاضلاً، محدثاً، محققاً، ثقة، صدوقاً ، له كتب... الى آخر ما ذكره الشيخ الحر العاملي في أمله(3)
7. وقال المحدّث النوري: الشيخ الاَجل شمس الدين أبو الحسين أو أبوزكريا ـ كما في إجازة العلاّمة لبني زهرة ـ : يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن بطريق الحلّي الاَسدي موَلف كتاب «العمدة» الذي جمع فيه ما في الصحاح الستة، وتفسير الثعلبي، ومناقب ابن المغازلي من مناقب أمير الموَمنين _ عليه السلام _ بحيث لم يغادر شيئاً من ذلك، ولم يذكر فيه شيئاً من غيرها، ولم يسبقه الى هذا التأليف البديع أحد من أصحابنا ، وموَلف كتاب المستدرك بعد العمدة ، أخرج فيه قريباً من ستمائة حديث من كتب أُخرى لهم ، عثر عليها بعد تأليف العمدة، كالحلية لاَبي نعيم ، والمغازي لابن إسحاق ، والفردوس لابن شيرويه الديلمي ، ومناقب الصحابة للسمعاني وغير ذلك من الموَلفات(4).


(1) بحار الاَنوار: 1|10 و 29.
(2) روضات الجنات: 8|196.
(3) منهج المقال: 513.
(4) المستدرك: 3|13، ط موَسسة آل البيت .

(179)

8. قال السيد الصدر : أبو الحسين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي ابنمحمد بن البطريق الاَسدي ، المتكلم الفاضل ، المحدث الجليل ، المعروفبابن البطريق ، يروي عن ابن شهر آشوب سنة خمس وتسعين(1)وخمسمائةوهو صاحب «كتاب العمدة في مناقب الاَئمة» و «الخصائص» في مناقب أمير الموَمنين _ عليه السلام _ ، وهو أشهر من أن تشرح أحواله ، من كبار شيوخ الشيعة رضياللّه عنه(2).
9. وقال شيخنا الطهراني : الشيخ شمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد الراوي عن محمد بن علي بن شهر آشوب في 575، وقد أرّخ في «كشف الحجب» وفاته سنة 600 عن سبع وسبعين سنة ، وهو صاحبكتاب «العمدة» المعروف بعمدة ابن البطريق وله « رجال الشيعة » الذي نقل عنه ابن حجر في « لسان الميزان» الذي كتبه في ما زاد على « ميزان الاعتدال » للذهبي(3)

هذا ما ذكره أعلام الامامية في حق المترجم له ، وترجمه من غيرهم، ابن حجر العسقلاني.
10. قال في لسان الميزان نقلاً عن تاريخ ابن النجّار(4): يحيى بن الحسن


(1) هكذا في النسخة المطبوعة ، والظاهر انّه مصحّف سبعين ،وقد توفي الشيخ ابن شهر آشوب عام 588 فكيف يمكن أن يروي عنه المترجم عام595؟! وقدنقل شيخنا الطهراني عام الرواية كما ذكرناه.
(2) تأسيس الشيعة لعلوم الاِسلام 130.
(3) مصفى المقال :502.
(4) وهو غير ابن النجار الشيعي، أعني: أبا الحسن محمد بن جعفر بن محمد التميمي النحوي المعروف بابن النجار المتوفّـى سنة 402هـ موَلف تاريخ الكوفة ، الموسوم بالمصنف، الذي ينقل عنه السيد عبدالكريم بن طاووس المتوفّى سنة 692هـ في كتابه فرحـة الغري، وهو يروي عن أبي بكر الدارمي الذي أجاز التلعكبري سنة 330هـ وهذا الكتـاب من أنفس الكتب ، نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا للعثور عليه ونشره.

(180)

بن الحسين بن علي الاَسدي الحلّي الربعي المعروف بابن البطريق ، قرأ على أخمص الرازي الفقه والكلام على مذهب الاِمامية وقرأ النحو واللغة وتعلّم النظم والنثر، وجدّ حتى صارت إليه الفتوى في مذهب الاِمامية ، وسكن بغداد مدة ، ثم واسط وكان يتزهّد ويتنسّك، وكان وفاته في شعبان سنة600 وله سبع وسبعون سنة(1).

أقول : وعلى ذلك يكون المترجم له من مواليد عام 523هـ، وقد نصّ بذلك شيخنا المجيز الطهراني في الثقات العيون ص338.

والقارىَ الكريم يجد نظير هذه الكلمات من الثناء على الموَلف وكتبه في المعاجم والتراجم مثل أعيان الشيعة ج10ص289، والفوائد الرضوية ص709، وهدية العارفين ج 2ص522، وريحانة الاَدب ج7 ص415.

و الكلّ متّفقون على جلالة قدر الرجل في الاَدب وغيره من الفنونالاِسلامية وفي ما ذكرنا من الكلمات حول الآثار العلمية التي خلّفها أقوى شاهد عليه، وإليك هذه الآثار:

آثاره العلمية

إنّ حياة شيخنا المترجم له كانت مفعمة بالتأليف والتصنيف والتربية والتدريس فخلّف آثاراً مشرقة تدل على نبوغ الرجل وتضلّعه في فنون الحديث والرجال ، وإليك أسماء ما وقفنا عليه منها في المعاجم وكتب التراجم:
1. اتفاق صحاح الاَثر في إمامة الاَئمّة الاثني عشر

واسمه يحكي عن مسمّـاه ، وعنوا نه يكشف عن محتواه.


(1) لسان الميزان :6 |247.

(181)

2. تصفّح الصحيحين في تحليل المتعتين

والمراد من المتعتين متعة الحج ومتعة النساء اللتين دلّت نصوص الكتاب والسنّة على جوازهما في العصر النبوي ، وبعده الى أن نهي عنهما نهياً سياسياً، فبقيتا متروكتين بين أبناء السنّة دون غيرهم.
3. خصائص الوحي المبين في مناقب أميرالموَمنين _ عليه السلام _

وقد قام بهذا التأليف بعد كتابي العمدة والمستدرك، قال في الرياض: «ورأيت منه نسخة عتيقة بتبريز وعندنا منه نسخة » قد أورد فيه أخبار المخالفين في تفسير الآيات التي نزلت في شأن علي ـ عليه السلام ـ طبع في إيران سنة 1311هـ طبعة حجرية.
4. الرد على أهل النظر في تصفّح أدلّة القضاء والقدر

ولعلّ الكتاب حول إبطال استنتاج نظرية الجبر من القول بالقضاء والقدر.
5. العمدة من عيون الاَخبار في مناقب إمام الاَبرار أميرالموَمنين علي بن أبي طالب وصيّ المختار _ صلى الله عليه وآله وسلم_ وعلى الاَئمة من ذريته الاَطهار
6. عيون الاَخبار

قال في الرياض : نسبه إليه المولى محمد طاهر القمي في مقدمة كتاب الاَربعين نقلاً عن كتاب الصراط المستقيم.
7. المستدرك المختار في مناقب وصيّ المختار

والكتاب استدراك لكتاب العمدة(1)


(1) قال في البحار عندنا منه نسخة قديمة، وذكر الطهراني في الذريعة وجود نسخه في المكتبات .

(182)

8. نهج العلوم إلى نفي المعدوم المعروف بسوَال أهل حلب(1) 9. رجال الشيعة

وينقل عنه ابن حجر في لسان الميزان كما مر.

مشايخه وأساتذته

قرأ شيخنا المترجم له على لفيف من علماء الفريقين وأخذ عنهم الحديث والتفسير والفقه .

فمن الخاصة يروي عن عدة من الاَعلام:
1. الشيخ عماد الدين الطبري صاحب بشارة المصطفى ، كما يظهر من إجازة الشيخ محمد سبط الشهيد الثاني ، للمولى محمد أمين الاستر آبادي.

والشيخ عماد الدين الطبري هو العالم الجليل الواسع الرواية ، يروي في كتابه: « البشارة » عن عدة من مشايخه، من سنة 503هـ إلى سنة517هـ منهم نجل شيخنا الطوسي والفقيه «حسكا» الحسن بن الحسين بن بابويه(2)
2. محمد بن شهر آشوب ( 488ـ 588هـ) صاحب «المناقب» و «المعالم» وغيرهما من الموَلّفات(3)

هوَلاء بعض مشايخه من أعلام الطائفة ، وأمّا مشايخه من العامة فقد ذكر أسماءهم عند ذكر طرقه إلى الصحاح الستة في مقدمة كتاب« العمدة » و«الخصائص» وإليك بعض من ذكرهم :


(1) هذه الكتب ذكرها الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل:2|345، ونقلها عنه صاحب رياضالعلماء: 5|354، وغيره من الموَلفين.
(2) لاحظ رياض العلماء :5|358.
(3) الثقات العيون: 278و 338.

(183)

3. أبو جعفر إقبال بن المبارك بن محمد العكبري الواسطي ، روى عنه في جمادى الاَُولى من شهور عام584هـ.
4. الشيخ الاِمام المقري أبوبكر عبداللّه بن منصور بن عمران الباقلاني ، روى عنه في شهر رمضان سنة 579هـ ، وهويروي صحيح البخاري عن طريقيهما معاً كما يروي صحيح مسلم عن طريق الاَخير فقط.
5. فخر الاِسلام أبو عبداللّه أحمد بن الطاهر وهو يروي مسند أحمد عن طريقه.
6. السيد الاَجل محمد بن يحيى بن محمد بن أبي السطلين العلوي الواعظ البغدادي يروي عنه تفسير الثعلبي الموسوم بالكشف والبيان في سنة 585هـ.

هوَلاء بعض مشا ئخه وأساتذة حديثه وقد أتى بأسمائهم وخصوصياتهم في مقدمة كتابي «العمدة»و«الخصائص».

الراوون عنه

لقد تتلمذ على يد شيخنا المترجم له ، وروى عنه لفيف من المشائخ والعلماء في الحديث والرجال،وقد جاءت أسماوَهم في غضون المعاجم نأتي بما وقفنا عليه:
1. علي بن يحيى بن الحسن ولد الموَلف المكنّى بأبي الحسن الكاتب .

قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ما لفظه : أبو الحسن علي بن يحيى ابن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد البطريق بن نصر بن حمدون بن ثابت الاَسدي الحلّي ، ثم الواسطي، ثم البغدادي، الكاتب الشاعر الشيعي ، فقيه الشيعة...


(184)

ثم قال : كان فاضلاً ذكياً جيد النظم والنثر ، لكنّه مخذول محجوب عنالحق، وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من أشعاره الدالة على غزارة مادته في العلم والذكاء رحمه اللّه (1)

والعجب من ابن كثير يصفه بأنّه« مخذول محجوب عن الحق » وهو يعترف بفضله وعلو كعبه في العلم والاَدب!!

أفهل يكون حب أهل البيت الذين أمر اللّه بحبّهم ومودّتهم موجباً لخذلان من يتولاّهم؟!

أفهل يكون المتّبع لآثارهم بعيداً عن الحق وقد أمر النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بطاعتهم؟!

نعم هكذا يرى ابن كثير ، فمن تولّى أعداء الرسالة هو العزيز ، ومن أحبّ خصوم أهل البيت هو الواقف على الحق؟!!

وقد قرأ الشيخ كمال الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم العفيف الموصلي كتاب «العمدة» عليه ، وكتب عليه إجازة، وهذه صورتها:

قرأ عليّ الاَجل الاَوحد العالم العامل الورع كمال الدين عزّ الاِسلام كهف الطائفة أبو العباس أحمد بن الاَجل تاج الدين إبراهيم بن أحمد بن الاَجل العفيف الموصلي أدام اللّه سعادته وبلغه إرادته، من أوّل هذا الكتاب وهو كتاب العمدة في عيون صحاح الاَخبار تأليف والدي رحمه اللّه إلى فصل: «انّه ـ عليه السلام ـ أوّل من أسلم» وأذنت له أن يروي ذلك عنّي وعن والدي المصنّف بالقراءة(2) وسيوافيك ما نقله الشارح الحديدي منه.
2. علي بن يحيى بن علي الخياط الشيخ الفقيه أبو الحسن السور آوي ،


(1) البداية والنهاية: 13|164.
(2) الاَنوار الساطعة في القرون السابعة: 3.

(185)

يروي عن ابن إدريس المتوفّى عام598هـ وعن يحيى بن البطريق(1)
3. فخار بن معد بن فخار بن أحمد شرف الدين أبو علي العلوي الموسوي الحائري المتوفّى عام 630هـ، وهو يروي عن جماعة منهم والده معد بن فخار و أبوالمكارم حمزة بن زهرة ويحيى بن علي بن البطريق(2)
4. السيد نجم الدين محمد بن أبي هاشم العلوي قرأ رجال الكشي على شيخنا المترجم له وكتب شهادة القراءة له في عدّة مواضع من النسخة وهي موجودة عند العلاّمة الورع الشيخ حسن المصطفوي(3)
5. محمد بن معد بن علي وهو صفي الدين أبو جعفر الموسوي من تلاميذ ابن البطريق ومشايخ سديد الدين الحلّي ( والد العلاّمة الحلي) وابن طاووس كما صرّح به في كتاب اليقين عند روايته عنه في العشر الاَخير من صفر عام 616هـ(4)
6. محمد بن عبداللّه بن علي بن زهرة الكبير المعروف بابن زهرة، وهو ابن أخ أبي المكارم حمزة بن زهرة صاحب كتاب الغنية المتوفّى عام 585هـ، وهو يروي عن شيخنا المترجم له.

قال في الرياض : ويروي عنه محمد بن عبداللّه بن زهرة الحسيني الحلبي، كما يظهر من إجازة الشيخ محمد سبط الشهيد الثاني،للمولى محمد أمين الاسترآبادي(5).


(1) الاَنوار الساطعة:118.
(2) الاَنوار الساطعة:130.
(3) الثقات العيون: 310.
(4) المصدر نفسه: 338، الاَنوار الساطعة: 176.
(5) رياض العلماء: 5|358، و لاحظ الثقات العيون: 338.

(186)

7. الفقيه مجد الدين أبو المكارم أحمد بن الحسين بن علي أبي الغنائم كما يظهر من أسانيد بعض أحاديث كتبه(1)

هذا وفي أمل الآمل : ويروي الشهيد عن محمد بن جعفر المشهدي عن ابن البطريق ، وقد قرأ كتبه عليه(2)

أقول: وما ذكره غير صحيح، لاَنّ محمد بن المشهدي موَلف المزار ولد حوالي سنة 510 وابن البطريق ولد عام 533 وقراءة الاَكبر على الاَصغر ، والرواية عنه بعيدة.

أضف إلى ذلك انّ شيخنا المجيز الطهراني استخرج مشايخ المشهدي الذين يروي عنهم في كتاب « المزار» فبلغ خمسة عشر رجلاً ، ولم يذكر ابنالبطريق فيهم، بل ذكر من مشايخه، نظراء: أبي المكارم حمزة بن زهرةالحسيني الحلبي المتوفى عام 584هـ، والشيخ الفقيه عماد الدين محمد بن أبيالقاسم الطبري المتوفّى عام 553هـ، ومحمد بن علي بن شهر آشوب المتوفّى 588هـ (3)

ثمّ إنّ رواية الشهيد عن ابن المشهدي غير صحيحة قطعاً ، لاَنّ الشهيد من أعلام القرن الثامن ، وقد ولد عام 734 هـ، وتوفّي عام 786هـ، فكيف يمكن له الرواية عن ابن محمد المشهدي الذي هو من مواليد حوالي سنة510هـ ؟!

كما أنّ ما في الرياض ج5 ص49 من أنّ صاحب المزار يروي عن نصير الدين الطوسي غير صحيح جداً ، لاَنّ الطوسي توفّي عام 672 هـ، فكيف يصح لابن المشهدي أن يروي عنه؟

و ما في أعيان الشيعة من أنّ صاحب المزار توفّي في 4 ذي الحجة سنة


(1) رياض العلماء : 5|358.
(2) أمل الآمل: 2|345.
(3) راجع الذريعة: 20|324.

(187)

336هـ بالحلّة ونقل إلى مشهد الحسين _ عليه السلام _ و دفن فيه، غير تام جداً.

هذا هو ما وقفنا عليه من تلاميذ المترجم له ومن يروون عنه.

أولاده

خلّف المترجم له ولدين كريمين فاضلين هما:

1ـ علي بن يحيى بن البطريق نجم الدين أبو الحسن الحلّي الكاتب.

قال محمد بن شاكر في فوات الوفيات ما لفظه : علي بن يحيى بن بطريق : نجم الدين أبو الحسن الحلّي الكاتب ، كتب بالديار المصرية أيام الدولة الكاملية، ثم اختلَّت حاله، فعاد إلى العراق، ومات ببغداد سنة اثنتين و أربعين وستمائة، وكان فاضلاً أُصولياً . ثم نقل طرفاً من أشعاره (1)

و يظهر من الشارح الحديدي وجود الخلطة والصداقة بينهما حيث ينقل عنه في شرحه، ويقول : كان صديقنا علي بن يحيى البطريق(رحمه اللّه)، يقول: لولا خاصة النبوّة وسرّها ، لما كان مثل أبي طالب ـ وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها ـ يمدح ابن أخيه محمداً وهو شاب قد رُبِّـي في حجره وهو يتيمه ومكفوله ، وجار مجرى أولاده، بمثل قوله :

و تلقوا ربيع الاَبطحين محمّدا * على ربوة في رأس عنقاء عيطل

وتأوى إليه هاشم، إنّ هاشماً * عرانين كعب آخر بعد أوّل

ومثل قوله:

و أبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للاَرامل

يطيف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة و فواضل


(1) فوات الوفيات: 3|112.

(188)

فإنّ هذا الاُسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس ، وإنّما هو من مديح الملوك والعظماء ، فإذا تصوّرت انّه شعر أبي طالب ، ذاك الشيخ المبجّل العظيم في محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم_ وهو شاب مستجير به ، معتصم بظلّه من قريش، قد ربّاه في حجره غلاماً وعلى عاتقه طفلاً ، وبين يديه شابّاً، يأكل من زاده،ويأوى إلى داره علمت موضع خاصّية النبوّة وسرّها ، وانّ أمره كان عظيماً وانّ اللّه تعالى أوقع في القلوب والاَنفس له منزلة رفيعة ومكاناً جليلاً.(1)
2. محمد بن يحيى بن البطريق ، انظر ترجمته في تأسيس الشيعة: 130.

نكات يجب التنبيه عليها

1. قد أطبقت كلمة المترجمين لشيخنا الموَلّف على أنّ اسمه هو: يحيى ابن الحسن بن الحسين فما في تعليقات بعض الاَعاظم بترجمته ، بالحسن بن الحسين محمول على سهو القلم ويصحّح بسقوط لفظ « يحيى » قبل الحسن.

كما أنّ عد شيخنا المترجم له من علماء أهل السنّة كما صدر عنه سهو آخر حيث قال : وانّ كتاب العمدة من الكتب المعتبرة المعتمدة لديهم(2)

وكيف خفي على مثله أنّه من أعيان الطائفة المحقّة ومحدّثيهم ومن المتفانين في حب أهل البيت المقتفين آثارهم؟!
2. قال السيد الصدر في تأسيس الشيعة : آل البطريق بيت جليل بالحلّة من الشيعة الاِمامية ، بيت علم وفضل و أدب، اشتهر منهم صاحب الترجمة وابناه: علي بن يحيى ومحمد بن يحيى(3)


(1) شرح نهجالبلاغة: 14|63، طبع مصر.
(2) لاحظ إحقاق الحق: 2|406 و 509 و 3|6.
(3) تأسيس الشيعة: 130.

(189)

3. قال في القاموس : البطريق كالكبريت: القائد من قوّاد الروم ، تحت يده عشرة آلاف رجل، ثم الطرخان على خمسة آلاف، ثم الفومس على مائتين.
4. قال شيخنا المجيز الطهراني: ولعل الموَلّف من ولد البطريق الذي عدّه ابن النديم مع ابنه يحيى بن بطريق من السريان المترجمين إلى العربية في عهد المنصور العباسي وإليه تعزى ترجمة «تيماوس» لاَفلاطون، فيكون انتماوَه إلى بني أسد بالولاء(1)
5. المشهور انّ المترجم له توفّي عام 600 عن عمر يبلغ 77، غير أنّ إسماعيل باشا في هدية العارفين ج2ص522 ذكر أنّ المترجم له توفي حدود 605 ولم يذكر مصدره.
6. إنّ شيخنا الطهراني قد عنون المترجم له في الثقات العيون في سادسالقرون، وذكر أنّه ولد عام 523 وتوفّي عام600.

ومع ذلك قد عنونه في الاَنوار الساطعة في المائة السابعة وأرّخ ميلاده ووفاته (623 ـ700 هـ).

و الصحيح هو ما ذكره في الثقات العيون ، ولعلّه تصحيف لتاريخه الصحيح وهو 523 ـ600، بتبديل خمسة إلى ستة في الميلاد وستة إلى سبعة في الوفاة، ومع ذلك لم يعلم وجه لتكراره في الاَنوار الساطعة، لاَنّه لم يكن من علماء القرن السابع بل كان من علماء القرن السادس.

تعريف بكتاب العمدة

لقد قام الموَلّف في كتابالعمدة بجمع وتدوين مناقب الاِمام أميرالموَمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ الواردة في الصحاح والسنن والمسانيد لاَهل السنّة


(1) طبقات أعلام الشيعة: 2|337 : القرن السادس .

(190)

على نسق خاص وترتيب مبتكر.

وقد استخرج هذه المناقب من : صحيحي البخاري ومسلم ، ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي ، ومن كتاب الجمع بين الصحاح الستة لجامعه الشيخ أبي الحسن رزين بن معاوية بن عمار العبدري ومسند أحمد بن حنبل الشيباني، وتفسير الثعلبي الموسوم بالكشف والبيان لاَبي إسحاق أحمد ابن محمد بن نعيم الثعلبي ، ومناقب الفقيه أبي الحسن بن علي بن محمد الطيب المعروف بابن المغازلي الواسطي، ومناقب أحمدبن حنبل المعروف بفضائل الصحابة، إلى غير ذلك من الكتب التي أشار إليها الموَلّف في ديباجة الكتاب ، وخلال فصوله.

وقد كان هذا الكتاب خير بداية لهذا النوع من التأليف والتصنيف أعني «جمع المناقب من الصحاح والمسانيد أو السنن المعتبرة عند أهل السنة» و توالت التآليف والمصنّفات على هذا النمط من بعد.

هذا والكتاب الحاضر، يشتمل على تسعمائة وثلاثة عشر حديثاً في ستة وثلاثين فصلاً ثم ذيّله بعدة أُمور ترى تفصيلها في فهرس الكتاب ولم يخصّها بالفصل، وقد ذكر عدد أحاديث كل فصل في مقدّمته.

كما ذكر الموَلّف أسانيده وطرقه إلى موَلّفيها ورواتها في صدر الكتاب، وهو يعرب عن مكانته في الحديث وتضلّعه فيه ، وكثرة مشايخه وأساتذته، وبلوغه الذروة في الاِحاطة بالمناقب والفضائل.


(191)

محمد بن الحسين البيهقي

قطب الدين الكيدري (كان حياً سنة 610 هـ )

الشريعة الاِسلامية ودورها في الحياة البشرية

بُعث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بكتاب مبين، وسنّة زاهرة، وشريعة جامعة، فأحدث رجّة في كافة جوانب الحياة الاِنسانية، ولم يبق مظهر للحياة إلاّ اهتزّ وظهرت معالم التطوّر فيه.

كانت الشريعة الاِسلامية زلزالاً في حقل الدين والعقيدة فعصفت بالشرك وجعلت من الاِنسان المشرك، موحّداً ضحّى بنفسه ونفيسه في سبيل التوحيد ومكافحة الوثنية.

كانت زلزالاً في جانب العادات والتقاليد والآداب والاَخلاق، فقد أبادت الرسوم الجاهلية وذهبت بأعرافها فاصبح الاِنسان العاكف عليالخرافات الموروثة منالآباء، فرداً موضوعياً رافضاً لما يخالف الفطرة والعقل السليم.

كانت هزّة عنيفة في مجال العلم والمعرفة بعالم الوجود وفسيح الكون وقد دعت إلى النظر في بديع الصنع وخاطبت الاِنسان، بقوله: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِيالسَّمواتِ وَالاَرض) (1) فعاد الجاهل عالماً بالسنن الكونية، سابحاً في بحار


(1) يونس: 101.

(192)

المعرفة بتأسيسه علوماً وفنوناً لم يكن لها مثيل من ذي قبل، كما أكمل فنوناً موروثة من المتقدّمين.

ومن أعجب ما أحدثته في الحياة الاِنسانية تشريع أُسُس ونُظُم في حقل التكاليف والحقوق مبنية على الفطرة والخلقة البشرية لا تحيد عنها قيد شعرة، ولم يرتحل صاحب الدعوة وحامل الشريعة حتى أرسى دعائم أعظم حضارة عرفتها البشرية فكان رائدها وموجدها حيث لم ير التاريخ مثلها فيما عبر وغبر في الشمولية والعمومية. فصارت الشريعة الاِسلامية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توَتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها، وصار المسلمون مراجع في الكلام والعقيدة، وأساتذة في الاَخلاق وعباقرة العلوم، وعلماء شامخين في الحقوق، استغنوا في ظل التشريع الاِسلامي عن أي تشريع سواه. ومن مميزاتها البارزة شموليّتها وعموميّتها بحيث لم يبق موضوع إلاّ وتناولته تشريعاً وتقنيناً، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الشريعة الاِسلامية ليست وليدة الفكر البشري المتناهي وإنّما هي أثر العلم والقدرة الواسعين غير المتناهيين.

حفّاظ الشريعة وحملتها:

لبّى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دعوة ربّه وترك كنزين ثمينين ووديعتين كريمتين عرّفهما في حديثه الخالد المعروف بحديث الثقلين، وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» فكان الكتاب شمساً ساطعة، والعترة الطاهرة أقماراً منيرة أناروا الطريق للمهتدين.

ومن حسن الحظ أنّ جيلاً كبيراً من الاَُمّة الاِسلامية قد استضاءوا بنورهم ووصلوا القمة في مجال العلم والعمل، ومعالم الفقه ومكارم الاَخلاق، فصاروا نجوماً في سماء العلم يهتدي بهم الناس في حياتهم فحملوا الشريعة دقيقها


(193)

وجليلها إلى الآخرين إلى أن تواصلت حلقات العلم والحديث والتفسير والفقه إلى العصر الحاضر.

فسلام اللّه على العترة الطاهرة حملة السنّة النبويّة وحفظة الشريعة، وعلى أصحابهم المتربّين في حجورهم الطاهرة، الحافظين لعلومهم وأسرارهم، والناقلين لاَمانتهم إلى الاَجيال اللاحقة، فهم كما قال رسول اللّه: «يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد»(1)

ولو عرضنا أسماء من تخرّجوا من مدرستهم في القرون الاِسلامية الاَُولى وبالاَخص في القرن الثاني والثالث لطال بنا الكلام وطال موقفنا مع القرّاء الكرام، وبما أنّ موَلف هذا الكتاب من علماء القرن السادس ومن كبار المجتهدين على مذهب العترة الطاهرة في ذلك العصر، نذكر أسماء مشاهير فقهاء ذلك القرن من الاِمامية بوجه موجز مقتصراً على اسمهم وعصرهم، كي يقف القارىَ الكريم على أنّ الفقه الشيعي الاِمامي قد بلغ القمة في تلك العصور ونبغ فيها فطاحل الفقه وأبطال الاجتهاد عندما تجمد الفقه وانحسر عن التطور على مذهب الجمهور، فلو كان القرن السادس والسابع عصر الجمود والركود لفقههم، فقد كان ذانك القرنان عصر ازدهار الفقه الشيعي وتطوره، وقد كثر الفقهاء والمحقّقون في الفقه فيهما، كما كثر التأليف أيضاً بمختلف الاَلوان وشتى الوجوه، وإليك قائمة مشاهير الفقهاء في القرن السادس:
1. الحسـن بن محمّد بن الحسن الطوسي المجاز عن والده شيـخ الطائفة في سنة 455هـ. الـراوي عن والده وعن سلار الديلمي (المتوفّى463هـ) ويروي عنه جمع كثير، منهم: أبو الرضا فضل اللّه بن عليالراوندي وكان حياً عام 515هـ.


(1) رجال الكشّـي: 10.

(194)

2. الاِمام فضل اللّه بن علي بن هبة اللّه المعروف بالسيد الاِمام ضياء الدين أبي الرضا الحسنيّ الراوندي الكاشاني، جمع مع علو النسب، كمال الفضل والحسب، وكان أُستاذ أئمّة عصره، كان حياً سنة 548 هـ.
3. الاِمام الطبرسي: الفضـل بن الحســن بن الفضــل (471 ـ 548هـ) صاحب «مجمع البيان في تفسير القرآن» وهو غني عن التعريف وآراوَه في الفقه معروفة.
4. الحسين بن علي بن محمد جمال الدين أبو الفتوح النيسابوري الخزاعي، نزيل الري صاحب التفسير الكبير باسم «روض الجنان» من مشايخ ابن شهرآشوب وكان حياً عام 552هـ.
5. الاِمام قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي موَلف «فقه القرآن» المتوفّـى 573هـ.
6. عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه بن حمزة أُستاذ موَلف هذا الكتاب قطب الدين الكيدري، وستوافيك اجازته للمترجم.
7. عبـد اللّه بن علي بـن زهرة أخـو أبي المكارم صاحب «الغنية» (531 ـ 580هـ) له «التجريد لفقه الغنية عن الحجج والاَدلّة» وغيره.
8. الشيـخ الاِمام رشيـد الديـن محمد بـن علي بن شـهر آشـوب (488 ـ 588هـ) صاحب المناقب والمتشابهات.
9. حمزة بن علي بن زهـرة المعـروف بـ «ابن زهــرة» (511 ـ 585 هـ) له «غنيةالنزوع في علمي الاَُصول والفروع» فقيه شهير.
10. محمد بن المنصور المعـروف بـ «ابن إدريس العجلي» (543 ـ


(195)

598هـ) صاحـب كتاب«السرائر والحاوي لتحرير الفتاوي»، أحد الفقهاء الكبار المعروف بالجرأة على الخلاف.
11. سديد الدين محمود بن علي بن الحسن، علاّمة زمانه في الاَُصولين، له «المصادر في أُصول الفقه» توفي سنة 600هـ.
12. علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبيّ موَلف كتاب «إشارة السبق» المحقّق المنتشر أخيراً.

هوَلاء نماذج من مشاهير فقهاء القرن السادس الذي نبغ فيه شيخنا الموَلف قطب الدين الكيدري البيهقي، وإليك ترجمته حسب ما وقفنا عليه في كتب التراجم وغيرها.

الاِقليم الخصب بالمواهب والقابليات :

إنّ إقليم خراسان إقليم خصب، بالمواهب والاستعدادات، بل كانت ولم تزل تربّي في أحضانها رجالاً كباراً وأفذاذاً في العلم والحديث.

ولقد كانت هذه المنطقة في القرن السادس ولا سيما منطقة بيهق بيئة شيعية، خرج منها العديد من الفقهاء منهم الشيخ قطب الدين البيهقي الذي نحن بصدد ترجمته.

قال في معجم البلدان: وقد أخرجت هذه الكورة من لا يحصى من الفضلاءوالعلماء والفقهاء والاَدباء ومع ذلك والغالب على أهلها مذهب الرافضية.(1)


(1) ياقوت الحموي: معجمالبلدان: 1|538.

(196)

حياة الموَلف ومشايخه وموَلفاته:

هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن تاج الدين الحسن بن زين الدين محمد ابن الحسين بن أبي المحامد البيهقي النيسابوري.

كل من ذكر شيخنا المترجم له فقد أطراه وأثنى عليه، وإن كان ما ذكر في حقّه من الكلمات لا تستطيع أن ترسم لنا حياته منذ شبابه إلى شيخوخته، أو تحدد ميلاده ووفاته، أو تضبط مشايخه في الرواية والدراية، وتلامذته والرواة عنه، ومع هذا النقص الذي ابتلى به كثير من أكابر الطائفة نذكر ما عثرنا عليه من الكلمات في حقّه:
1. قال الشيخ الحر العاملي: الشيخ قطب الدين محمد بن الحسين بن أبي الحسين القزويني فقيه صالح، قاله منتجب الدين. (1)
2. قال السيد بحر العلوم: محمد بن الحسين بن أبي الحسين بن أبي الفضل القزويني المعروف بـ «قطب الديـن القزويني»، فقيـه فاضل من أهل بيت العلم والفقه، ذكره الشيخ منتجب الدين وذكر أباه وأخويه ـ إلى أن قال: ـ ولعل الشيخ قطب الدين محمد بن الحسين القزويني المذكور، هو الشيخ قطب الدين الكيدري المشهور أحد الفضلاء الاَعلام والفقهاء المنقول عنهم الاَحكام.(2)

وهذان النّصان مأخوذان من عبارة الشيخ منتجب الدين وإليك نصه:

المشايخ: قطب الدين محمد، وجلال الدين محمود، وجمال الدين مسعود، أولاد الشيخ الاِمام أوحد الدين، الحسين بن أبي الحسين القزويني كلّهم فقهاء صلحاء(3).


(1) الحرّالعاملي: أمل الآمل: 2|266 برقم 770.
(2) بحرالعلوم: الرجال: 3|240 ـ 241.
(3) منتجب الدين: الفهرست: 187 برقم 89.

(197)

غير أنّ الشك يساور انطباق ما ذكره الشيخ منتجب الدين على شيخنا الكيدري، وذلك من جهتين:
1. أنّه منسوب إلى «بيهق» و«كيدر» من مضافاته، وكلاهما تعرفان اليوم بـ«سبزوار» و«بيهق» من أعمال خراسان وأين هما من بلدة قزوين الواقعة في غرب طهران؟!
2. أنّ الشيخ الفقيه عبد اللّه بن حمزة من أساتذة شيخنا وقد أجاز له وذكر اسمه في إجازته هكذا: محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي، كما سيوافيك، وهو يغاير الموجود في فهرست منتجب الدين. كلّ ذلك يورث الظّن القويّ بأنّ المترجم في الفهرست، غير شيخنا الكيدري.

نعم قال الحموي في معجم البلدان:

كندر: موضعان: أحدهما: قرية من نواحي نيسابور من أعمال طريثيث(1) والثاني: قرية قريبة من قزوين.(2)

ولعل صاحب المعجم لم يقف على «كيدر» بتاتاً، ولاَجل ذلك لم يذكره في معجم البلدان وإنّما ذكر «كندر» .

واحتمال أنّ «كيدر» مصحف «كندر» والمترجم من منطقة «كندر» في قزوين حتى ينطبق عليه ما ذكر في الفهرست بعيد جدّاً، كيف وقد وصفه أُستاذه ابن حمزة المشهدي بالكيدري لا بالكندري؟! كما أنّ العلاّمة الحلي أكثر عنه النقل في مختلف الشيعة وأسماه بقطب الدين الكيدري.

كل ذلك يدل على أنّ عبارة منتجب الدين في فهرسته لا تمتُّ للمترجَم


(1) كذا في المصدر.
(2) معجم البلدان: 4|482.

(198)

بصلة فلا محيص لنا من التتبع في سائر المعاجم حتى نقف على ترجمته.
3. وصفه شيخه عبد اللّه بن حمزة في إجازته له بقوله: الاِمام الاَجل، العالم الزاهد، المحقّق المدقّق، قطب الدين تاج الاِسلام فخر العلماء ومرجع الاَفاضل محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي وفّقه اللّه لما يتمنّاه في دنياه وعقباه(1).

4. قال صاحب الروضات (المتوفّـى 1313هـ):

كان من أكمل علماء زمانه في أكثر الاَفنان، وأكثرهم إفادة لدقائق العربية في جموعه ا لملاح الحسان(2)
5. وقال المحدّث النوري نقلاً عن صاحب الرياض: إنّ قطب الدين يطلق على جماعة كثيرة: الاَوّل: على قطب الدين الراوندي.

والثاني: على الشيخ أبي الحسن قطب الدين محمد بن الحسن بن الحسين الكيدري السبزواري صاحب «مناهج النهج» بالفارسية وغيره (3)
6. وقال شيخنا الطهراني: محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي الشيخ قطب الدين أبو الحسن النيسابوري الشهير بـ «قطب الدين الكيدري» شارح نهج البلاغة سنة 576 هـ، ثم ذكر تآليفه(4) 7. وقال المحدّث القمي: أبو الحسن محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الاِمامي الشيخ الفقيه، الفاضل الماهر والاَديب الاَريب، البحر الزاخر


(1) سوف يوافيك نصّ الاِجازة في أثناء المقال.
(2) الخوانساري: روضات الجنات: 6|295 رقم الترجمة 587.
(3) النوري: المستدرك: 3|448. و لكن الصحيح في اسمه :الحسين بن الحسن.
(4) الطهراني: طبقات أعلام الشيعة (القرن السادس):259.

(199)

صاحب «الاِصباح» في الفقه، وأنوار العقول في جمع أشعار أمير الموَمنين عليه السَّلام وشرح النهج(1)
8. وذكر شيخنا المدرس في ريحانته قريباً ممّا ذكر(2)

مشايخه:

روى عن جمع من مشايخ الاِمامية، وإليك أسماءهم:
1. الشيخ الاِمام نصير الدين أبو طالب عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي الشارحي المشهدي وعرفه منتجب الدين في فهرسته بقوله: فقيه، ثقة، وجه(3).
2. المفسّـر الكبير الفضل بن الحسن الطبرسي (471 ـ 548هـ) قال شيخنا الطهراني: يظهر نقله عنه من أثناء كتابه هذا (أنوار العقول) عند ذكر الحرزالمشهور عن أمير الموَمنين _ عليه السلام _ في قوله:«ثلاث عصى طفقت بعد خاتم»(4)
3. الاِمام أبو الرضا فضل اللّه بن علي بن هبة اللّه المعروف بضياء الدين أبيالرضا الحسنيّ الراوندي الكاشاني ذكر العماد الكاتب الاصفهاني في خريدةالقصر أنّه رآه في كاشان سنة 533هـ وهو يعظ الناس في المدرسة المجدية.

نقل شيخنا المجيز الطهراني رواية الكيدري عنه وأنّه يروي عنه بغير


(1) الكنى و الاَلقاب:3|74.
(2) المدرس التبريزي: ريحانة الاَدب:4|473.
(3) منتجب الدين: الفهرست: 269 برقم 272.
(4) الذريعة: 2|431 برقم 1697، تحت عنوان أنوار العقول.

(200)

واسطة، و ربّما يروي عنه بواسطة أُستاذه الشيخ عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي(1) ولعل الثاني أقرب .
4. محمد بن سعيد بن هبة اللّه الراوندي المعـروفبـ «ظهير الدين» (المتوفّـى573هـ)فقد ترجمه منتجب الديـن في فهرستـه وقـال: فقيـه ثقـة، عدل، عين. ذكر شيخنا الطهراني أنّ صاحب الترجمة يروي عنه في كتابه «بصائر الاَُنس بحظائر القدس» نقله البياضي في الصراط المستقيم(2)

تآليفه:

إنّ لشيخنا الكيدري تآليف في موضوعات مختلفة يظهر أنّه كان ميّالاً لاَكثر من فن واحد، نذكرها حسب ترتيب حروف الهجاء:
1. إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: وهذا هو الكتاب الذي يزّفه الطبع إلى القراء وسوف نبرهن على أنّه من تآليفه، لا من تأليف الفقيه الصهرشتي.
2. أنوار العقول من أشعار وصيّ الرسول: وهو ديوان أشعار منسوبة إلى الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ مرتبة قوافيها ترتيب حروف الهجاء، قال شيخنا الطهراني: من جمع قطب الدين الكيدري أوّله: «الحمد للّه لانت لعزته الجبابرة، وتضعضعت دون عظمته الاَكاسرة» ذكر في أوّله أنّه جمع أوّلاً خصوص أشعاره المشتملة على الآداب والحكم والمواعظ والعبر وسمّاه «الحديقة الاَنيقة»، ثم جمع أشعاره _ عليه السلام _ جمعـاً عامـاً في هذا الكتاب الّذي سمّـاه «أنـوار العقول»(3).


(1) طبقات أعلامالشيعة(سادسالقرون):260، وهو غير محمد بن علي بن حمزة الطوسيالفقيه موَلف «الوسيلة» و ان كانا معاصرين. و يظهر منالمحقق السيد عبدالعزيزالطباطبائي كونه صاحبالوسيلة. تراثنا:العدد:39|303. والحق خلافه.
(2) طبقات أعلام الشيعة (سادسالقرون):265، و لاحظ أيضاً ص260.
(3) الطهراني: الذريعة:2|431 برقم 1697(أنوار العقول).

(201)

3. البراهين الجليّة في إبطال الذوات الاَزليّة: ذكره صاحب الروضات وشيخنا الطهراني في الذريعة(1)
4. بصائر الاَُنس بحظائر القدس(2)
5. تنبيه الاَنام لرعاية حقّ الاِمام: ذكره الموَلف في كتاب إصباح الشيعة(3)
6. حدائق الحقائق في تفسير دقائق أفصح الخلائق: شرح على كتاب نهجالبلاغة وفرغ منه عـام 576هـ، ذكر صاحب الروضات أنّه وجد في آخر نسخة عتيقة من الشرح المذكور صورة خط لبعض أعاظم فضلاء عصر الشارح المعظم، بهذه الصورة: وافق الفراغ من تصنيف الاِمام العالم الكامل المتبحر الفاضل قطب الدين نصير الاِسلام مفخر العلماء مرجع الاَفاضل محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي تغمده اللّه تعالى برضوانه في أواخر الشهر الشريف شعبان سنة ست وسبعين وخمسمائة (4)و قد ألّفه بعد شرح ظهير الدين البيهقي المعروف بابن فندق (493 ـ 565هـ) (5)وقد أسماه معارج نهج البلاغة طبع عام 9041هـ، بتحقيق «محمد تقي دانش پژوه» ونشرته مكتبة السيد المرعشي في قم، وشرح شيخه قطب الدين الراوندي، وقد أسمى شرحه بمنهاج البراعة، وطبع بتحقيق المحقق العطاردي عام 1403هـ، ثمّ أُعيدت طبعته في ثلاثة أجزاء عام 1406هـ، بتحقيق السيّد عبد اللطيف القرشي .

وقد ذكر صاحب الروضات ملامح الكتاب وقد نقل شيئاً من مقدّمة الكتاب وأنّه قال في ديباجته:


(1) نفس المصدر:3|80 برقم 241.
(2) طبقات أعلامالشيعة سادسالقرون، ص265 و لاحظ أيضاً ص 260.
(3) إصباح الشيعة: 128.
(4) الخوانساري: روضات الجنات: 6|298، الاَمين: أعيانالشيعة: 8|245.
(5) ياقوت الحموي: معجمالاَدباء:5|208.

(202)

«إنّه كامل بإيراد فوائد على ما فيهما (يريد كتابي المنهاج لابن فندق والمعارج لاَُستاذه قطب الدين الراوندي) زوائد، لا كزيادة الاَديم، بل كما زيد في العقل من الدرر اليتيم، ومتمم ما تضمّناه بتتمة لا تقصر في الفضل دونهما، إن لم ترب عليهما، وأنّه قد اندرج فيه من علوم نوادر اللغة والاَمثال، ودقائق النحو وعلم البلاغة، وملح التواريخ والوقائع، ومن غوامض الكلام لمتكلمي الاِسلام، وعلوم الاَوائل، وأُصول الفقه والاَخبار، وآداب الشريعة وعلم الاَخلاق ومقامات الاَولياء، ومن علم الطب والهيئة والحساب، على ما اشتمل عليه المعارج، كل ذلك لا على وجه التقليد والتلقين، بل على وجه يجدي بلجَّ اليقين.(1)

وقد نقل عنه المحقّق ابن ميثم في شرحه على نهج البلاغة في تفسير الخطبة الشقشقية(2)

و قد نقل عنه العلاّمة المجلسي في بحاره في أجزاء السماء والعالم(3) 7. الحديقة الاَنيقة: وقد مضى أنّه ألّفه قبل تأليف أنوار العقول.
8. الدرر في دقائق علم النحو: ذكره شيخنا المدرس في موسوعته(4)
9. شرح الاِيجاز في النحو: لاحظ مجلة تراثنا العدد: 39|302.
10. شريعة الشريعة: ذكره في حدائق الحقائق: 3|1451.


(1) روضات الجنات:6|295 برقم 587. و ذكر شيخناالطهراني أن منه نسخة في المدرسة الفاضلية الذريعة:6|285.
(2) ابن ميثم: شرح نهجالبلاغة:1|269 ـ 271.
(3) بحارالاَنوار:55|279، و قد ذكرالسيد بحرالعلوم بعض مواضعالنقل، لاحظ الفوائد الرجالية:3|242.

والعجب انّالمحدّثالنوري ذكر انّ اسم شرحه عليالنهج هو «الاِصباح» لاحظ المستدرك:3|513. أضف أنّه ذكره تارة باسم «أبي الحسن البيهقي» و اُخرى باسم «أبيالحسين».
(4) ريحانةالاَدب:4|475.


(203)

11. كفاية البرايا في معرفة الاَنبياء: ذكره شيخنا الطهراني في الذريعة قال: وقد نقل جملة من عباراته شيخنا النوري في خاتمة المستدرك (1)
12. لبّ الاَلباب في بعض مسائل الكلام: ذكره الطهراني في الذريعة، والمدرس في موسوعته(2) 13. مباهج المحج في مناهج الحُجج (بالفارسية): ذكر شيخنا الطهراني أن له منتخباً فارسياً باسم «بهجة المناهج» في فضائل النبي والاَئمة ومعجزاتهم(3)

وذكر السيد المحقّق الطباطبائي في مذكّراته أنّ منه نسخة في مكتبة المسجد الاَعظم في قم المشرفة ذكرت في فهرستها ص383، ومخطوطة أُخرى فى مكتبة مدرسةالسيّد الگلپايگاني في قم رقم 2125 ذكرت في فهرستها: 3|169.

إصباح الشيعة من موَلفات الكيدري:

إنّ هذا الكتاب من تأليف شيخنا المحقّق الكيدري بلا ريب، وإنّ نسبته إلى الشيخ سليمان بن الحسن بن سليمان الصهرشتي خطأ، وذلك بالاَدلّة التالية:

أوّلاً: أنّ الشيخ منتجب الدين الذي قام في فهرسته بترجمة علماء الاِمامية من بعد عصر الشيخ إلى زمانه (460 ـ 600هـ) ترجم شيخنا الصهرشتي وذكر تآليفه ولم يذكر له ذلك الكتاب وقال: الشيخ الثقة أبو الحسن سليمان بن الحسن ابن سليمان الصهرشتي فقيه، وجه، دين، قرأ على شيخنا الموّفق أبي جعفر الطوسي وجلس في مجلس درس سيدنا المرتضى علم الهدى(ره) وله تصانيف،


(1) الذريعة: 8|89 برقم 812، و ذكره شيخناالمدرس في ريحانةالاَدب:4|475، و لم نعثر عليه فيالمستدرك.
(2) الذريعة: 18|282 برقم 117، و ريحانةالاَدب:4|475.
(3) الذريعة: 19|460 برقم 241، و رياضالعلماء:2|445 و ذكره فيالذريعة: 22|349 باسم «مناهجالمنهج» و قال: والظاهر انّالصحيح «مباهج المهج في مناهجالحجج».

(204)

منها: كتاب النفيس، كتاب التنبيه، كتاب النوادر، كتاب المتعة أخبرنا بها الوالد عن والده عنه(1) ولو كان له ذلك الكتاب الرائع لما غفل عن ذكره.

وثانياً: أنّ العلاّمة الحلي (648 ـ 726 هـ) قد نقل عن ذلك الكتاب شيئاً كثيراً ونسبه إلى المحقّق الكيدري، وذلك في مواضع كثيرة والنصوص المنقولة موجودة في هذا الكتاب(2) وثالثاً: أنّ نفس الكتاب ينفي أنّه تأليف الصهرشتي الذي هو من تلاميذ المرتضى والشيخ الطوسي ويبدو أنّه قد توفي في أواخر القرن الخامس وكان حياته بين (400 ـ 500 هـ) وذلك لاَنّه ينقل في ذلك الكتاب(3)من السيد الجليل حمزة ابن علي بن زهرة المعروف بـ «ابن زهرة» المشهور بكتابه «غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع» وقد ولد كما في نظام الاَقوال في رمضان 511هـ، وتوفي سنة 585هـ، فكيف يمكن أن يكون الكتاب أثراً للصهرشتي الذي أجازه النجاشي سنة 442؟!

قال صاحب الرياض: إنّ الشيخ الصهرشتي قال في أواخر «قبس المصباح»: فصل: أخبرنا الشيخ الصدوق أبو الحسن أحمد بن علي بن أحمد النجاشي والصيرفي المعروف بـ «ابن الكوفي» ـيعني النجاشي صاحب الرجال ـ ببغداد في آخر شهر ربيع الاَوّل سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وكان شيخاً، بهيّاً، ثقة، صدوق اللسان عند الموالف والمخالف رضي اللّه عنه، ثم ذكر رواياته عن أبي يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري المتوفّـى عام 463هـ وغيره(4)


(1) منتجبالدين: الفهرست:85 برقم 184، و رياضالعلماء:2|445.
(2) لاحظ مختلف الشيعة كتاب زكاة الفطرة:199، كتاب الخمس:205، كتاب الشُفعة: 403، كتاب الوقف:491 و 494، كتاب النكاح:543 و 553 و 556 و 559، نكاح المتعة:560 و 564، كتاب الفرائض:733 في ميراث العمّ والخال؛735، و غير ذلك كلّه من الطبعة القديمة الحجرية.
(3) لاحظ إصباح الشيعة: 99 و 100.
(4) رياض العلماء:2|445.

(205)

ورابعاً: أنّ من سبر الكتاب يقف على أنّ الموَلف سار على ضوء كتاب الغنية، ترتيباً للكتب، تبويباً للاَبواب غالباً، وربما يستخدم من عباراتها شيئاً في طرح المسائل وشرحها.

وهذه الوجوه تثبت بوضوح أنّه من تأليف شيخنا الموَلف الذي بخس التاريخ حقّه، فلم يذكر عن حياته إلاّ شيئاً قليلاً .

ثم إنّ أوّل من نسب الكتاب إلى الشيخ الصهرشتي هو شيخنا العلاّمة المجلسي عند ذكر مصادر بحار الاَنوار حيث قال: وكتاب «قبس المصباح» من موَلّفات الشيخ الفاضل أبي الحسن سليمان بن الحسن الصهرشتي من مشاهير تلامذة شيخ الطائفة ـ إلى أن قال: ـ وكتاب إصباح الشيعة بمصباح الشريعة له أيضاً(1).

ولمّا كان ذلك العزو غير مرضي عند صاحب الرياض قال: ونسَبه الاَُستاذ الاستناد في البحار إليه وينقل عنه فيه، والذي يظهر من كتب الشهيد، أنّ الاِصباح المذكور من موَلّفات قطب الدين الكيدري، لاَنّ العبارات التي ينقلها عن القطب المذكور هي مذكورة في الاِصباح المزبور(2)

وتبع صاحب البحار، شيخنا المجيز الطهراني في طبقات أعلام الشيعة في ترجمة شيخنا الصهرشتي وقال: وله «إصباح الشيعة بمصباح الشريعة» كذا في فهرست منتجب ابن بابويه(3)

و ما نسبه إلى فهرست منتجبالدين ليس بموجود فيه إذ لم يذكر الكتاب في ترجمة الصهرشتي(4)

ومنهم: السيد الاَمين فقد تبع صاحب الذريعة فنسب الاِصباح إلى


(1) المجلسي، البحار:1 | 15.
(2) رياضالعلماء:2|446.
(3) طبقات أعلامالشيعة(القرنالخامس):88.
(4) منتجبالدين: الفهرست:86.

(206)

الصهرشتي(1).

ولم يبق في المقام سوى احتمال أنّ الموَلفين الجليلين ألّفا كتابين مسمّين باسم إصباح الشيعة بمصباح الشريعة، غير أنّه وصل إلينا أحدهما دون الآخر، وقد عرفت أنّ الواصل إلينا ليس إلاّ تأليف الشيخ الكيدري.

نعم اشترك الموَلفان في اسم كتاب آخر وهو التنبيه غير أنّ ما ألّفه الصهرشتي أسماه «تنبيه الفقيه» (2)وما ألّفه شيخنا الموَلف أسماه بـ «تنبيه الاَنام لرعاية حق الاِمام».

إجازة ابن حمزة للموَلف:

إنّ شيخنا الموَلف لما فرغ من كتاب «حدائق الحقائق» الذي ألّفه شرحاً لنهج البلاغة، على غرار ما ألّفه ابن فندق البيهقي، وشيخه قطب الدين الراوندي، عرضه على أُستاذه الشيخ عبد اللّه بن حمزة، فاستحسنه وكتب تقريظاً له، وأجازه فيه أن يروي عنه ما صحت له روايته ونص الاَجازة موجودة على ظهر مصورة كتاب إصباح الشيعة بمصباح الشريعة في مكتبة المرعشي المسجل برقم 127 واليك نصها:

هذا الكتاب الموسـوم بـ«حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة» كتاب جامع لبدائع الحكم، وروائع الكلم، وزواهر المباني وجواهر المعاني، فائق ما صنّف في فنّه من الكتب، حاوٍ في فنون من العلم لبابَ الاَلباب، ونكت النخب، ألفاظه رصينة متينة، ومعانيه واضحة مستبينة، فبالحري أن يُمسي لكلام أفصح العرب بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شرحاً، ويقابل بالقبول والاَقبال، ولا يعرض عنه صفحاً، وصاحبه الاِمام الاَجل العالم الزاهد، المحقّق المدقق، قطب الدين تاج الاِسلام، مفخرُ العلماء، مرجعُ الاَفاضل، محمد بن الحسين بن


(1) الاَمين: أعيانالشيعة:7|297.
(2) ابن شهراشوب: معالمالعلماء: 56 برقم 373.

(207)

الحسن الكيدري البيهقي، وفّقه اللّه لما يتمناه في دنياه وعقباه، قد عبّ في علوم الدين من كل بحر ونهر، وقلب كل فن ممّا انطوى عليه الكتاب بطناً لظهر، ولم يأل جهداً في اقتناء العلوم والآداب، وأدأب نفسه في ذلك، غاية نهار عمره كل الاِداب، حتى ظفر بمقصوده، وعثر على منشوده، وها هو منذ سنين يقتفي آثاري ويعشو إلى ضوء ناري، يغتذي ببقايا زادي، ويطأ مصاعَد جوادي.

وقد صح له وساغ رواية جميع ما سمعته وجمعته من الكتب الاَُصولية والفروعية والتفاسير والاَخبار والتواريخ وغير ذلك على ما اشتمل عليه فهارس كتب أصحابنا وغيرهم، من مشايخي المشهورة لا سيما الكتاب الذي شرحه هو، وهو نهج البلاغة.

وله أن يرويه بأجمعه عنّي، عن السيد الشريف السعيد الاَجل أبي الرضا فضل اللّه بن علي الحسين الراوندي، عن مكي بن أحمد المخلّطي، عن أبي الفضل محمد بن يحيى الناتلي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمد الديباجي، المعروف بسبط بشر الحافي، عن السيد الشريف الرضي ـرضي اللّه عنهـ، وعن غير هوَلاء من مشايخي.

وهو حري بأن يوَخذ عنه، وموثوق بأن يعول عليه. وهذا خط العبد المذنب المحتاج إلى رحمة اللّه عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي في شهر رمضان عظم اللّه بركته سنة ست وتسعين وخمسمائة.

وأظنّ أنّ التسعين مصحّف السبعين، لمقاربتهما كتابةً، ويبدو أنّ الموَلف لمّا فرغ من شرحه على النهج عام 576هـ، عرض على أُستاذه في هذه السنة أو وقف أُستاذه عليه عفواً، ومن البعيد أن يقف عليه بعد الفراغ بعشرين سنة، أو يعرضه عليه موَلّف الكتاب بعد تلك الفترة من تأليفه.

فالاَجازة دليل على حياة ابن حمزة في تلك السنة، كما هي دالة على أنّ شيخنا الموَلف كان أحد الموَلّفين الاَفذاذ الكبار في ذلك العصر.


(208)

ثم إنّ شيخنا قطب الدين المجاز صرّح بقراءته على أُستاذه ابن حمزة في بعض كتبه الذي ألّفه عام 573 هـ قال المحدّث النوري: قال محمد بن الحسين القطب الكيدري تلميذه في كتاب كفاية البرايا في معرفة الاَنبياء والاَوصياء: حدّثني مولاي وسندي الشيخ الاَفضل، العلاّمة، قطب الملّة والدين نصير الاِسلام والمسلمين، مفخر العلماء، مرجع الفضلاء، عمدة الخلق، ثمال الاَفاضل عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه بن حمزة الطوسي أدام ظل سمّوه وفضله للاَنام، وأهله ممدوداً، وشرّع نكته وفوائده لعلماء العصر مشهوداً قراءة عليه بـ«ساترواربهق»(1) في شهور سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة(2)

وفاته:

لم تحدّد وفاته بالضبط ، لكنه كان حيّاً في سنة 610هـ، لاَنّه كتب في هذا التاريخ اجازةً على ظهر كتاب «الفائق» لمن قرأه عليه، أورد ابن الفوطي صورتها في ترجمةالكيدري(3)

كلمة في الكتاب وموَلّفه :

1. إنّ موَلّفنا الجليل ينقل في كتابه هذا عن كتاب «المبسوط» و«النهاية» لشيخ الطائفة وكتاب «المراسم» لسلاّر الديلمي، و«الغنية» لابن زهرة، وكثيراً ما ينقل آراء السيد المرتضى وابن البراج الطرابلسي ولا يذكر مصادر رأيهما .
2. إنّ المعروف أنّ القرن السادس قرن الجمود والتقليد لما ورث الفقهاء من الآراء عن الشيخ الطوسي قدَّس سرَّه وأن أوّل من نهض لرفض الجمود هو الشيخ محمد بن إدريس الحلي (المتوفّـى 598 هـ) ولكن ذلك زعم غير صحيح،

(1) معرب «سبزوار بيهق».
(2) النوري: المستدرك: 3|472.
(3) مجلة تراثنا: العدد 39|302.

(209)

وهذا هو الشيخ ابن البراج الطرابلسي (400 ـ 481هـ) قد خالف في كتابه «المهذّب» آراء أستاذه أبي جعفر الطوسي، وقد ذكرنا بعض مناظراته الفقهية مع الشيخ الطوسي.

والنموذج البارز لبطلان ذلك الزعم هو كتاب «إصباح الشيعة» لشيخنا الكيدري، فمع أنّ الرأي المنقول عن الشيخ، والموجود في كتابه «النهاية» في فريضة الخمس هو دفنه أو الوصاية حيث قال: ولو أنّ إنساناً استعمل الاحتياط وعمل على أحد الاَقوال المقدّم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوماً (1)

مع أنّ هذا كان هو رأي شيخنا الطوسي لكن يتراءى أنّ موَلّفنا أبدى بشجاعة علمية خاصة رأياً آخراً وألّف كتاباً فيه، وقال: فأمّا ما عدا ذلك من أخماسهم، فلا يجوز لاَحد التصرّف فيه، وحكمه في أيدي شيعتهم ومن اشتغل به ذمتهم، حكم ودائع المسلمين وأماناتهم. وقد أمليت في ذلك مسألةً مستوفاةً مستقصاةً وسميتها «تنبيه الاَنام لرعاية حق الاِمام» يطلع بها على ثنايا هذه المسألة وخباياها(2)
3. لم يكن كتاب إصباح الشيعة كتاباً مهجوراً عند العلماء كيف وقد نقلعنه لفيف من المتأخّرين منهم شيخنا صاحب «الجواهر» في مبحثالاَقاريرالمبهمة(3) والفاضـل الهندي في «كشف اللثـام» في مبحـث آداب الخلوة(4)، كما نقل عنه المتقدّمون عليهما كالعلاّمة في «المختلف» كما نقل غيره.
4. قد سبق أن شيخنا الموَلف كانت له شجاعة أدبية في التعبير عن آرائه وكان لا يأبه بمخالفة المشهور، نرى أنّه ربّما يفتي بخلاف المشهور، فقد أفتى في صلاة الاحتياط بالتخيير بين قراءة الحمد والتسبيح(5)مع أنّ المشهور بين الفقهاء قراءة الحمد.


(1) الطوسي: النهاية: 201.
(2) إصباحالشيعة: 128.
(3) النجفي: الجواهر: 35|39.
(4) الفاضلالهندي، كشفاللثام:1|19.
(5) لاحظ إصباح الشيعة:83.


(210)

الشيخ يحيى بن سعيد

الحلي الهذلي (601 ـ 690 هـ )

لمحة عن تاريخ تدوين الحديث

لقد رحل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد ان عانى ما عانى من المشاق وتحمل ما تحمل من المتاعب، وقد خلف في أُمّته الاِسلامية وديعتين عظيمتين هما: «الكتاب والعترة» وأمر بالتمسك بهما إلى يوم القيامة حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».

وتواتر هذا الحديث،واستفاضته وصحّة متنه وسنده تغنينا عن الاِفاضة حوله.(1)

وقد أخرجه علماء الفريقين في موسوعاتهم الحديثية والتفسيرية والتاريخية.

وهذا الحديث يعرب عن أنّ العترة كالقرآن الكريم في العصمة عن الخطاء والزلل.


(1) ويكفي في المقام انّ العالم المحقّق المتتبّع السيد مير حامد حسين قد جمع أسناد الحديث، وطرقه في كتابه القيم «عبقات الاَنوار» وطبع في 6 مجلدات، وقد نشرت جماعة دار التقريب بين المذاهبالاِسلامية رسالة حول أسناد الحديث و متنه المستفيض.

(211)

وقد وصف اللّه سبحانه كتابه بقوله: (وَإِنّه لَكتاب عَزيز* لا يَأْتيهِ الباطل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) (1)

فلو كانت العترة من حيث العصمة كما وصفناها صحّ جعلها قرينة للقرآن وصحّ قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

ولو كان غير ذلك وجوزنا عليهم الخطاء والزلل لكانت المعادلة غير صحيحة ولا سديدة.

والحديث المذكور كما يعرب عن ذلك الاَمر يعرب أيضاً عن أنّ الملجأ المشروع للاَُمّة الاِسلامية بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو«الكتاب والعترة»، وانّذينك المصدرين هما العاملان الوحيدان للوحدة والاتفاق،والتآخي والاتحاد.

التمسك بالكتاب والعترة عامل الوحدة

هب أنّ الاَُمّة اختلفت في أمر الخلافة ـ إلى قائل بنظرية «التنصيص» وانّه لابدّ أن يكون الاِمام بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ معيناً بنصه، ومن قائل بنظرية «الانتخاب» وانّ الاِمام ينتخب بتعيين أهل الحلّ والعقد ـ.

إلاّ أنّها لا تختلف في هذا الحديث المبارك ومفاده ومضمونه، فيجب عليها الاَخذ به، والتمسك بالكتاب والعترة، وإن اختلف سلفهم في أمر الخلافة والاِمامة الذي مضى عصره، وانقضى دوره. ولاَجل هذا يعد الرجوع إلى مذهب العترة الطاهرة سبباً للوفاق والوئام، ووسيلة لجمع شمل الاَُمّة.

الشيعة وتدوين الحديث

كانت الشيعة ممن أخذت السنة عن لسان العترة واعتنت بها كاعتنائها


(1) فصلت: 41 ـ 42.

(212)

بالقرآن الكريم، ومن هنا كان حرصهم على تسجيل كل ما صدر عن العترة كحرصهم على تسجيل كل ما صدر عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، واعتبارهما مفسرين للكتاب العزيز، ومبينين لاَحكامه وتعاليمه.

ولما كانت أهمية هذا الموقف لا تتضح إلاّ بعد الوقوف على سير تدوين الحديث في التاريخ الاِسلامي، كان لابدّ من إلقاء الضوء على هذه المسألة.

لا ريب انّالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بحكم القرآن الكريم، لا ينطق عن الهوى، فحديثه حجّة كقرآنه الذي أتى به من عند اللّه، دون فرق بينهما، إلاّ أنّ القرآن معجزة خالدة، وحديثه حجّة كذلك كما انّ أحاديث عترته بنص النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أيضاً حجج خالدة، بيد انّ بعض الحوادث عاقت المسلمين عن كتابة حديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذلك لاَمر صادر عن أحد الخلفاء بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بأنّ «من كتب حديثاً فليحرقه»!!(1)

ث

وربّما برر بعضهم هذا النهي بما نسبوه إلى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من قوله: «لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».(2)

ولا يتردد المحقّق الباحث في أنّ هذا الاَمر قد صدر لاَغراض سياسية وانّما نسب إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إنّما هو من الاَوهام الباطلة التي لا تصح نسبتها إليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

واللّه وحده يعلم كم خسر الاِسلام والمسلمون بسبب هذا القرار، وكم فقد من الحديث النبوي بسبب النهي عن كتابة الحديث.

ولاَجل التقليل من الاَضرار الناجمة عن المنع قام الخليفة «عمر بن عبدالعزيز» بإصدار أمر بتدوين الحديث بعد مضي قرن من هجرة الرسول الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيث كتب من الشام إلى «أبي بكر بن حزم» وهو من


(1) كنز العمال: 5|239.
(2) رواه الدارمي في مقدمة سننه.

(213)

كبار المحدّثين بالمدينة : «انظر من حديث رسول اللّه فاكتبه فانّي خفت دروس العلم وذهابالعلماء».(1)

غير انّ الشيعة اقتفوا أثر أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ ، فقاموا بكتابة الحديث المروي عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعترته الطاهرة غير مكترثين بذلك النهي.

فقد قام الاِمام أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ بتأليف عدّة كتب في حياة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيث أملى رسول اللّه كثيراً من الاَحكام الاِسلامية على علي _ عليه السلام _ ، ودوّن ما أملاه رسول اللّه عليه في حياته الشريفة، واشتهر ذلك بكتاب علي، وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب «كتابة الحديث» وباب «إثم من تبرأ من مواليه».(2)

و قد اقتفت شيعته النهج الذي سار عليه فجمعوا شذرات الحديث وشوارد السير، وأُصول الاَخلاق، وقد جمع الشيخ أبو العباس النجاشي ـ كغيره في أوّل فهرسته أسماء عدّة منهم، وإليك هذه الاَسماء:
1. أبو رافع مولى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصاحب بيت مال أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ صنف كتاب السنن والاَحكام والقضايا.
2. عبيد اللّه بن أبي رافع كاتب أمير الموَمنين وأوّل من ألّف فيالرجال.
3. علي بن أبي رافع كاتب أمير الموَمنين _ عليه السلام _ صنف كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الاَبواب.
4. ربيعة بن سميع صنف كتاب زكاة النعم على ما سمعه عن أمير الموَمنين _ عليه السلام _ في صدقات النعم وما يوَخذ من ذلك.
5. أبو صادق سليم بن قيس الهلالي صاحب أمير الموَمنين _ عليه السلام _ ألّف أصله المعروف المطبوع.


(1) صحيح البخاري:1|27،كتاب العلم.
(2) صحيح البخاري: 1|29، كتاب العلم.

(214)

6. الاَصبغ بن نباتة المجاشعي من خيار أصحاب أمير الموَمنين ومن شرطة الخميس، له كتاب عهد أمير الموَمنين إلى مالك الاَشتر النخعي، ووصيته إلى ابنه محمد ابن الحنفية.
7. أبو عبد اللّه سلمان الفارسي، له كتاب خبر جاثليق، وقد أملى الخطبة الطويلة والاحتجاجات.
8. أبو ذر الغفاري، له كتاب وصايا النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وشرحه العلامة المجلسي وأسماه عين الحياة.

هذا حال الطبقة الاَُولى منهم، وأمّا الّذين أعقبوهم فالرواة المعاصرون للاَئمّة الهداة خلال القرنين منذ قبض الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ إلى عصر العسكري _ عليه السلام _ لم يُوَْثر عنهم فتور في تدوين العلوم وضبط الحديث، وجمع قواعد الفقه وتنسيق طبقات الرجال، وضم حلقات التفسير وإتقان مباني و أُسس الكلام إلى غير ذلك من الموضوعات واللّه وحده يعلم عدد الموَلفين وتصانيفهم في ذينك القرنين.

وتشهد بذلك الفهارس الموجودة التي ذكرت مصنفات الشيعة وموَلفاتهم في ذلك العصر لا سيما الجوامع الرجالية الاَربعة:(كرجال ابن عمرو الكشي المعاصر للشيخ الكليني (المتوفّـى عام 329 هـ) ورجال النجاشي (372 ـ 450هـ) وفهرست شيخ الطائفة الطوسي(385ـ460هـ) فهذه الفهارس وغيرها كفهرس أبي غالب الزراري وبالاَخص ما ألفه الشيخ المتتبع الطهراني في موسوعته الخالدة (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) يدلّ على مدى ما بذلوه من جهد في تدوين الحديث وجمعه، كيف وقد أدرك الحسن بن علي الوشاء في عصر واحد 900 رجل في مسجد الكوفة كلّهم يقول حدثني جعفر بن محمد عليمها السَّلام .(1)


(1) رجال النجاشي ، ترجمة الحسن الوشاء، ص 29.

(215)

وقد أحصى الشيخ أبو العباس «ابن عقدة» الثقات من أصحاب الاِمام الصادق فصاروا أربعة آلاف.(1)

حتى قام جماعة من المحدّثين في عهد الاِمام الرضا _ عليه السلام _ بتأليف مجاميع حديثية كبيرة تسمى بالجوامع الاَوّلية أمثال:
1. يونس بن عبد الرحمان،وقد وصفه ابن النديم في فهرسته بعلاّمة زمانه، له جوامع الآثار، والجامع الكبير، وكتاب الشرائع.
2. صفوان بن يحيى البجلي الذي كان أوثق أهل زمانه، صنّف ثلاثين كتاباً.
3. الحسن والحسين ابنا سعيد بن حماد الاَهوازي، صنّفا الكتب الثلاثين.
4. أحمد بن محمد بن خالد البرقي، له كتاب «المحاسن».

إلى غير ذلك من أصحاب الجوامع الحديثية المسماة بالجوامع الاَوّلية التي ترك استنساخها بعد تأليف الجوامع الثانوية بيد أعلام هذه الطائفة، حيث ألفوا جوامع متقنة استمدت موادها من الجوامع السابقة وهذبوها وهذه الجوامع عبارة عن:
1. الكافي لثقة الاِسلام الكليني.
2. من لا يحضره الفقيه لاَبي جعفر الصدوق محمد بن علي بن موسى بن بابويه، نزيل الري ،المتوفّـى عام 381هـ.

3 و 4. الاستبصار والتهذيب لشيخ الطائفة الطوسي.

ثمّ وصلت النوبة في التدوين والتصنيف والتحقيق والتهذيب للحديث إلى المشايخ المتأخرين فجاءوا بجوامع أوسع من الجوامع السابقة الاَُولى والثانية وهي عبارة عن:


(1) راجع المناقب:1|247 وغيره، و قد أوردنا نصوص علمائنا حول هوَلاء الرواة في كتاب «كليات في علم الرجال».

(216)

1. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة لمحمد بن الحسن الحر العاملي، المتوفّى عام 1104هـ، ويقع في 20 مجلداً من القطع الوزيري.
2. الوافي في الاَُصول والفروع والسنن والاَحكام في عدة أجزاء، وهو للمحدّث المحقّق الفيض الكاشاني، وقد اقتصر فيه على النقل من الكتب الاَربعة.
3. بحار الاَنوار للعلاّمة المحقّق محمد باقر المجلسي الذي طبع موَخراً في 110 مجلدات.

إلى غيرها من الجوامع الحديثية الاَُخرى التي يضيق المجال بذكرها.

وقد قام أخيراً سيّد الطائفة الاَُستاذ الاَكبر الحاج حسين البروجردي بتشكيل لجنة من ذوي الفضل والتحقيق لجمع أحاديث الشيعة بترتيب خاص في موسوعة كبيرة وقد توفقرحمه اللّه في ذلك كلّ التوفيق وكانت نتيجة جهود تلك اللجنة تأليف كتاب «جامع أحاديث الشيعة» وقد طبع في ستّة وعشرين جزءاً تحت رياسةالعالم الكبيرالشيخ إسماعيلالمعزّي دامت إفاضاته.

والمتتبع لحالات علماء الحديث والرجال يقف على مدى عنايتهم بجمع الحديث ولم شعثه وتحقيقه وتهذيبه وتعريف رجاله بالاستقامة والضعف إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الحفاظ على تلك الوديعة النبوية في الاَُمّة الاِسلامية.

ومن الموَسف أن يظهر في الآونة الاَخيرة ممّن ينصب العداء لاَهل البيت النبوي ولاَحاديثهم وآثارهم ويبادر إلى إضعاف أحاديث الشيعة بحجّة انّ كلّ ما يرويه الشيعة الاِمامية يرجع إلى الضعفاء من الرواة فقام بجمع أسمائهم في كتاب خاص أسماه «رجال الشيعة في الميزان».(1)

وقد بدأ كتابه هذا بقوله: «أمّا بعد فقد استفحل خطر التشيع في غفلة من أهل الحقّ».


(1) و هو تأليف عبد الرحمان بن عبد اللّه، وقامت دار الاَرقم بنشره بالكويت.

(217)

وفي الحقيقة ليس خطر الشيعة إلاّ خطر منطقهم القوي وحجّتهم الدامغة، وإلاّفليست الشيعة إلاّالحفظة الاَُمناء لآثار الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وآثار عترته، فقد عزب عن الكاتب انّ ما وقف عليه بعد تتبع كتب الشيعة ومصنفاتهم من وجود 130 راوياً ضعيفاً في اسناد أحاديث الشيعة الذين صرح بضعفهم علماوَهم بعد تسليم ادّعائه وصحّة استنتاجاته، لهو خير دليل على أنّالشيعة كانوا بالمرصاد لكلّمن كان يحاول الدس والتحريف، أو يزاول الحديث من دون أهلية لازمة.

أجل انّ تصريح علماء الرجال الشيعة بهذا المقدار من الضعاف خير شاهد على مدى حرصهم على سلامة الحديث من كلّ ما يسقط اعتباره.

والكاتب بعد ما تصعد وتصوب، فقد أتى بأسماء 130 راوياً يعدّون من الضعاف عند محدثي الشيعة، فلو كان وجود الضعفاء دليلاً على سقوط أحاديث الشيعة جمعاء، فليكن وجود الكذابين والوضّاعين والدّجّالين في أحاديث أهل السنّة دليلاً على كون صحاحهم ومسانيدهم موضوعة مكذوبة أيضاً ،فإنّ وجود الكذابين والوضاعين في رجال أحاديث أهل السنة ممّا لا ينكر، فقد جمع العلاّمة الاَميني طائفة منهم في موسوعته «الغدير» فبلغت سلسلة الوضاعين والكذابين إلى سبعمائة رجل.(1)

أضف إلى ذلك انّ كثيراً ممّن وصفهم بالضعف إنّما هي نظرية شخصية للكاتب لا يوافقه فيها أحد من علماء الرجال من الشيعة، وما ذلك إلاّلاَجل عدم وقوفه على ما هو الهدف من تضعيف الشخصيات العظيمة، كزرارة من جانب أئمّة أهل البيت، فلم يكن الهدف إلاّحفظ دمائهم بالتبرّي منهم.

و الكاتب وإن كان يهدف في الظاهر إلى تضعيف مجموعة من رواة الشيعة غير انّ له وراء هذا الاِدّعاء هدفاً آخر، وهو تضعيف جميع رجال الشيعة


(1) لاحظ الغدير الجزء الخامس.

(218)

واتّـهامهم بأنواع التهم.

غير انّه عزب عنه انّه لو صحّ ما رآه من الاَحلام لزم إضعاف صحاح أهل السنّة ومسانيدهم أيضا،لاَنّ أصحابها رووا عن الشيعة كثيراً.(1)

إنّ ما ارتكبه الكاتب لا يثير العجب، بل انّما يثير الدهشة والحزن والاَسى هو أن ينبري من يدّعي التشيع والولاء إلى تأليف كتاب يحاول فيه أضعاف جملة كبيرة من أحاديث الشيعة وقد أسماه بـ«معرفة الحديث وتاريخ نشره وتدوينه وثقافته عند الشيعة الاِمامية».

و ما أكثر الاَسماء التي لا تنطبق على المسمى، فليس الكتاب إلاّمجموعة من النظريات الشخصية المسبقة حول رجال أحاديث الشيعة، وليست حجّة حتى على صاحبها، وما حاول من الاستدلال عليها بالنصوص التاريخية والرجالية ليست إلاّ محاولة سخيفة لا يركن إليها، ولاَجل أن يقف القارىَ على بعض ما في هذا الكتاب من النظريات الساقطة ،نعرض ما ذكره في مقدمة الكتاب وحسب انّها كبيت القصيد من كتابه حيث كرر في مقدمته وفي ثناياها صحيحة حمّاد ونظرية الكاتب حولها.

صحيحة حماد ونظرية الكاتب حولها

لقد زعم الكاتب انّ الحديث المروي في الفقيه بسند صحيح عن حمّاد بن عيسى عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ موضوع، والحديث جزء من الاَحاديث البيانية لاَجزاء الصلاة وشرائطها، وقد رواه صاحب الوسائل (2)وقد أقام دلائل


(1) لاحظ كتاب المراجعات للاِمام شرف الدين :42ـ 105، فقد جمع أسماء مجموعة كبيرة من رواة الشيعة الذين احتج بهم أصحاب الصحاح والمسانيد.
(2) الوسائل: 4|673، الباب الاَوّل من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1.

(219)

ثلاثة على كون الحديث موضوعاً ومكذوباً على حماد، وإليك بيانها:
1. قال أبو الحسين أحمد بن العباس بن النجاشي في فهرسته ص 19: قال حماد بن عيسى: «سمعت من أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ ، سبعين حديثاً، فلم أزل أدخل الشك على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين» وهذه العشرون حديثاً هي التي نراها في كتاب قرب الاسناد ص 12ـ15 طبعة النجف.

رواها عبد اللّه بن جعفر الحميري عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن ابن ظريف وعلي بن إسماعيل كلّهم عن حماد بن عيسى الجهني، وليس فيها هذه الرواية المذكورة عن حماد عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ . فإذا كانت رواياته عن أبي عبد اللّه محصورة في تلك العشرين حديثاً وليس منها هذه الرواية المذكورة فلابدّ وانّها موضوعة عليه.
2. مات حمّاد بن عيسى سنة 209، وله نيف وسبعون سنة، نصّعلى ذلك شيخنا أبو عمرو الكشي، ونقله عنه شيخنا أبو جعفر الطوسي في اختياره ص 317، ونص على ذلك شيخنا ابن داود الحلي أيضاً كما في رجاله ص 556، فيكون مولد حماد حوالي سنة 135، ولم يكن له حين وفاة الصادق _ عليه السلام _ إلاّثلاثة عشر سنة أو نحوها، فإذا كان لقاوَه لاَبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ في صغره، فكيف يقول أبو عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ لغلام ليس له إلاّ اثني عشر سنة ونحوها:«ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة»؟
3. حماد بن عيسى الجهني، هو راوية كتاب حريز في الصلاة ولا يروي أصحابنا كتاب حريز إلاّ عن حماد بن عيسى الجهني هذا، بعد ما قال حماد لاَبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ : «يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز» فلم يعبأ أبو عبد اللّه بمقاله وادّعائه وقال: «لا عليك. قم فصلّ». لابد وانّحماداً قام وصلّى بين يديه _ عليه السلام _ بأحسن الآداب التي كان قد حفظها من كتاب حريز في الصلاة،


(220)

ونحن راجعنا روايات حريز في الصلاة برواية حماد بن عيسى الجهني هذا فوجدنا يروى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ نفس هذه الآداب المذكورة في هذا الحديث بل وأحسن منها وأتم وأوفى، وإذا كان حماد حفظ نفس هذه الآداب بل حفظ أتمها وأوفاها وتأدب بها في صلاته بين يدي أبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ ، كيف يرد عليه الاِمام أبو عبد اللّه الصادق عليه السَّلام ويقول له: «يا حماد، لا تحسن أن تصلي، ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة»؟(1) ربما يتبادر إلى ذهن القارىَ الكريم انّلما استنتجه لمسة من الحقيقة أو مسحة من الصدق، ولا يدري أنّ في ما ذكره خلطاً واغفالاً وأخذاً بما يوَيد نظريته، وتركاً لما لا يوافقه، وإليك بيان ذلك:
1. انّما نقله عن ابن النجاشي صحيح غير انّ ما رتب عليه من النتيجة باطل والنتيجة المذكورة هي عبارة عن قوله: «وهذه العشرون حديثاً هي التي نراها في قرب الاسناد ص 12ـ15 طبع النجف رواها عبد اللّه بن جعفر الحميري... عن حماد بن عيسى، وليس فيها هذه الرواية المذكورة عن حماد عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام، فإذاكانت رواياته عن أبي عبد اللّه محصورة في تلك العشرين حديثاً وليس منها هذه الرواية المذكورة، فلابدّ وانّها موضوعة عليه».

فنحن نسأل الكاتب بأيّ دليل يقول: إنّما اقتصر عليه حماد من عشرين حديثاً هي نفس ما وردت في قرب الاسناد عنه في الصحائف المذكورة، مع أنّ لحمّـاد روايات عن أبي عبد اللّه بلا واسطة تقرب الستين في الجوامع الحديثية من الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار وغيرها من الكتب الحديثية.

فلماذا لا تكون تلك الاَحاديث العشرون ما ورد في تلك الجوامع الحديثية


(1) معرفة الحديث وتاريخ نشره وتدوينه: 3 ـ 5 المقدمة .

(221)

دون ما ورد في قرب الاسناد؟

لماذا لا تكون مبثوثة بين تلك الجوامع وبين قرب الاسناد؟ فانّمجرّد ورود عشرين حديثاً في قرب الاسناد لا يكون دليلاً على أنّما اقتصر عليه حماد هي تلك الاَحاديث العشرون مع أنّأحاديثه التي تقرب عن الستين حديثاً مبثوثة في الجوامع الحديثية وكلّها عن الاِمام الصادق بلا واسطة.(1)

وأمّا ما رواه المحدثون عنه (أي عن حماد) في مختلف الكتب من الاستبصار وأمالي الصدوق وكامل الزيارات، والخصال، وإكمال الدين، وثواب الاَعمال وتفسير القمي، ومعاني الاَخبار، وبصائر الدرجات، وقصص الاَنبياء للراوندي، والاِمامة والتبصرة، وأربعين الشهيد، فحدث عنه ولا حرج.(2)

إنّ بعض هذه الاَحاديث وإن وردت في تلك الكتب بصورة مكررة إلاّ أنّ


(1) وحتى يقف الكاتب على تلك الاَحاديث نأتي بإجمال ما وقفنا عليه:

لاحظ الكافي الاَجزاء والصفحات والاَحاديث التالية:

1|286 الحديث4، 2|467 الحديث 5، 2|613 الحديث 2، 5|376 الحديث 5، 6|46 ـ 167 ـ 479 ـ 494 ـ 496 الحديث 2 و 2 و 6 و 5 و 7، 8|303 الحديث 466.

و لاحظ الفقيه الاَجزاء و الصفحات والاَحاديث التالية:

2|296 الحديث 2505، 3|429 الحديث 4487، 4|101 الحديث 5182.

ولاحظ التهذيب الاَجزاء والصفحات والاَحاديث التالية:

1|374 الحـديـث 4، 2|81 الحـديـث 69، 3|23 ـ 170 الحـديـث 81 و1، 4|331 الحـديـث 107، 5|163ـ 232 ـ 386 ـ 430 ـ 447 ـ 487 الحــديـث 71 و 125 و 261 و 140 و 204 و 382، 6|275 ـ 287 الحـديث 153 و 20، 7|61 الحـديـث 7، 9|20 ـ 433 الحديث 81 و 39.
(2) لاحظ الموسوعة الحديثية الكبيرة: «معجم الاَسانيد لاَحاديث الشيعة» للعلاّمة الحجّة السيد محمد باقر الاَبطحي الاِصفهاني دام ظله الوارف، وقد تفضل علينا بما ذكرناه حول روايات حماد فيالكتبالحديثية.


(222)

مجموع أحاديثها عن الصادق _ عليه السلام _ بلا واسطة يتجاوز ويفوق ما نقله في «قرب الاسناد» من العشرين حديثاً، وعند ذلك فمن أين وكيف وقف الكاتب بأنّما اقتصر عليه من العشرين حديثاً هي نفس ما وردت في «قرب الاسناد»، وليس شيء ممّا ورد في هذه الجوامع والكتب من جملة تلك العشرين، فهل هذا إلاّ رجم بالغيب،ورمي الكلام على عواهنه؟! أعاذنا اللّه منه.

ثمّ إنّ ما نقله النجاشي من أنّ حماداً قال: «سمعت من أبي عبد اللّه سبعين حديثا،ً فلم أزل أدخل الشكّ على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين» إنّما ذكره النجاشي مرسلاً لا مسندا،ً فلا يمكن الاحتجاج بهذا المرسل.

نعم نقله الكشي عن حماد مسنداً بواسطة محمد بن عيسى العبيدي، وهو ممّن اختلفت أنظار علماء الرجال في حقّه، والكاتب ممّن بالغ في تضعيفه في كتابه ص 222، فكيف يحتج بحديث روى عن مثل العبيدي؟! فإسقاط صحيحة حماد بمثل هذه الرواية عند الكاتب أمر عجيب، وهذا يعرب عن أنّ هدفه ليس إلاّ إسقاط روايات الشيعة عن الحجية بأيّ وسيلة ممكنة وإن كانت باطلة.
2. نقل في الدليل الثاني عن أبي عمرو الكشي انّحماداً مات وله نيف وسبعون سنة، فاستنتج منها انّحماد كان حين وفاة الصادق _ عليه السلام _ في السنة الثالثة عشرة من عمره أو نحوها، ثمّرتب عليه بأنّه لا يصحّ أن يخاطب الاِمام غلاماً كهذا بالجملة التالية: ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون أو سبعون الخ.

إنّ ما نقله عن أبي عمرو الكشي صحيح ،غير انّا نسأله كيف غفل (أوتغافل) عن نقل ما في رجال النجاشي فإنّه قال: «مات حماد بن عيسى غريقاً بوادي قناة وهو واد يسيل من الشجرة إلى المدينة، وهو غريق الجحفة في سنة تسع ومائتين، وقيل ثمان ومائتين، وله نيف وتسعون سنة رحمه اللّه»(1)


(1) لاحظ رجال النجاشي: 142 برقم 370.

(223)

وعلى ذلك يكون عمره حين خاطبه الاِمام _ عليه السلام _ في الحديث على الاَقل (34سنة) وعلى حمل «نيف» على الثمانية يكون (37 سنة). وحينها يصح مخاطبة الرجل الكامل الذي يقارب عمره «الاَربعين» بهذا الكلام. وليس ابن النجاشي وحيداً في هذا النقل، فقد نقل شيخنا المفيد بأنّحماداً عاش نيفاً وتسعين(1).

فلو كان من نية الكاتب هو تحقيق الحقّ، فلماذا نقل قول الكشي الذي يتوافق مع ما يتبناه وتغافل عن ذكر قول ابن النجاشي والشيخ المفيد الذي يخالف ما يتبناه.

أهكذا يكون أدب العلم ونهج التحقيق؟!

مع أنّالمحتمل أن يكون «سبعين» في نسخة الكشي مصحف «تسعين» وقد يتفق ذلك كثيراً.

على أنّه إذا دار الاَمر بين ما ينقله الكشي وابن النجاشي فالاَخذ بالثاني هو المتعين لدقة الثاني دون الاَوّل واشتماله على أغلاط واشتباهات هذبها شيخنا الطوسي وأسماه «باختيار الرجال».
3. نقل في الدليل الثالث قول حماد لاَبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ : يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، فلم يعبأ أبو عبد اللّه بمقاله وقال له: لا عليك قم فصلّ.

إلى هنا صحّ ما نقله من متن الرواية.

غير انّه رتب على ذلك نتيجة واهية حيث قال: لابدّ وانّحماداً قام وصلّى بين يديه _ عليه السلام _ بأحسن الآداب التي كان قد حفظها من كتاب حريز في الصلاة.

فانّا نسأل الكاتب كيف وصل إلى هذه النتيجة؟ أو ليس معروفاً انّ بين


(1) لاحظ معجم رجال الحديث: 6|227.

(224)

العلم والعمل بوناً شاسعاً، فانّ كثيراً من المصلين ـ مع وقوفهم على أحكام الصلاة وواجباتها وآدابها وسننها ـ لا يراعون ذلك.

أو ليس من المحتمل انّحماداً لم يأت في الصلاة بما حفظه من كتاب حريز، ولاَجل ذلك وبّخه الاِمام بقوله: ما أقبح بالرجل منكم... الخ.

وما ذكرناه من الاحتمال، وإن لم يكن إلاّ احتمالاً غير انّه يكفي في الاَخذ بالحديث وعدم جواز الرد إلاّ إذا قام الدليل القاطع على بطلانه.

أضف إلى ذلك انّ الكاتب حذف لفظة «منكم» من قوله _ عليه السلام _ : «ما أقبح بالرجل منكم...» التي تعرب عن أنّ التوبيخ لم يكن متوجهاً إلى حماد وحده، بل لعلّه من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة».

و أمّا ما ذكره من أنّ ما ورد في كتاب حريز من الآداب أحسن وأتم وأوفى ممّا ورد في رواية حماد فهو أيضاً بعيد عن الصواب بل النسبة بين الروايتين عموم وخصوص من وجه، ويظهر ذلك بمقارنة الروايتين.

إنّ الكاتب يدّعي انّ الزنادقة كانوا يدسّون في أحاديث الشيعة، واستدل لذلك بما يحكى عن عبد الكريم بن أبي العوجاء، من انّه لما قبض عليه محمد بن سليمان وهو والي الكوفة من قبل المنصور، واحضره للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة قال: «لئن قتلتموني ، فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة» (1).

إنّ الاستدلال بقول (عبد الكريم بن أبي العوجاء) ذلك الزنديق الملحد من عجائب الاستدلالات أفيصح الاستدلال بقول الفاسق فضلاً عن الكافر؟! فمن أين وقف الكاتب على صدق مقاله وحقيّة كلامه؟! انّ من المعلوم انّ الاِنسان الآيس من حياته، المحكوم بالقتل والصلب يطلق الكلام على عواهنه ويأتي بالغث


(1) أمالي المرتضى: 1|128.

(225)

والسمين ليثير غضب الحاكم من غير أن يكون ملتزماً بصدق مقاله ونعم ما قال القائل:

إذا يئس الاِنسان طال لسانه كسنور مغلوب يصول على الكلب

والقارىَ الكريم جد عليم بأنّه لو صحّ ما نقله عن المرتضى فإنّما يتوجه ذلك إلى الاَحاديث غير الشيعية، فإنّه قال ما قال لمحمد بن سليمان الذي كان والياً من قبل المنصور، والكتب التي دس فيها كتب لا تمت إلى الشيعة بصلة.

ويدل على ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات في حقّ الرجل «ابن أبي العوجاء» من انّه كان ربيباً لحماد بن سلمة، وقد دس في كتب حماد بن سلمة (1)

و قد نص بذلك أيضاً الذهبي في ميزان الاعتدال ج 1ص 590 ـ 595، وابن حجر في تهذيب التهذيب ج3 ص 11 ـ 16.

فالكلّ ينص بأنّ الرجل دسّ ما دسّ في كتب أبي سلمة البصري المشتهر بحماد بن سلمة الذي كان يعدّ من محدّثي السنة، فأين ذلك من الدس في كتب الشيعة؟ كما نبه بذلك العلاّمة مرتضى العسكري في بعض المنشورات.(2)

***

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير ممّا في هذا الكتاب من الجرأة والاِساءة إلى هذه الطائفة وأُصولها وفروعها، ونعوذ باللّه من سبات العقل وقبح الزلل.

هذا وانّالعلاّمة الحجّة السيد موسى الزنجاني أحد أساتذة الحوزة العلمية الخبير في علمي الرجال والدراية، قد أخذ على عاتقه نقد هذا الكتاب وتبيين زلاته كما حدثني هو بذلك شفهياً.


(1) راجع الموضوعات ص 37 ، طبع المدينة المنورة.
(2) لاحظ دور الاَئمّة في إحياء الدين، ج7 قسم المستدرك.

(226)

مميزات الفقه الاِمامي وأُسسه

من أهمّ ما يمتاز به الفقه الاِمامي الشيعي الاِسلامي هو استناده بعد الكتاب العزيز إلى السنّة المروية من لدن حياة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بواسطة عترته الطاهرة وأتباعهم الصادقين الضابطين بلا انقطاع، في الوقت الذي فقد الآخرون مثل هذا المنبع الصافي مدّة تزيد على مائة سنة، ولهذا اضطروا إلى استعمال القياس والاستحسان والاستصلاح وقاعدة المصالح المرسلة إلى غير ذلك من الاستنباطات الظنية لاَجل قلّة النصوص وكثرة الاحتياج إلى الفروع الفقهية الجديدة.

كما أنّ من أهمّ ما يمتاز به هو سعة منابعه الحديثية بفضل عطاء العترة الذي دام 250 سنة بعد وفاة الرسول، فيما كان يفقد الآخرون مثل هذا المنبع الواسع، الزاخر المستمر.

كما أنّ من أهمّما يمتاز به، هو نقاوة المصدر الذي كان يشكل الركيزة الاَساسية للفقه الاِمامي بعد القرآن الكريم بفضل ما تتمتع به العترة الطاهرة من العصمة التي جعلها ثقلاً قريناً للقرآن كما عرفت.

و من هذه الشجرة الطيبة، الراسخة الجذور، المتصلة بالنبوة، نتجت هذه الثمرة وهي «الفقه الاِمامي».

و امتاز أيضاً بالسعة والشمولية، والعمق والدقة، والانسجام الكامل مع الروح الاِسلامية، والنقاوة، والبرهنة الساطعة، والقدرة على مسايرة مختلف العصور ومستجداتها في الاِطار الاِسلامي دون تخطّي الحدود المرسومة لها.

هذا عن مميزات هذا الفقه.

وأمّا عن الاَُسس التي يعتمد عليها أو بالاَحرى المصادر التي يستمد منها هذا الفقه مادته، فهي قبل كلّ شيء، القرآن الكريم، الذي استمد منه منذ الاَيام الاَُولى من تاريخه.


(227)

وأمّا مصدره الثاني فهو الحديث النبوي وأحاديث عترته الطاهرة التي مرّ عليك بيان كيفية حرص الشيعة على تدوينها وتسجيلها بدقة وأمانة، منذ العهد النبوي إلى يومنا هذا، انطلاقاً من حديث الثقلين السالف ذكره.

ثمّ إنّ الفقه الاِمامي الشيعي الاِسلامي كما يستمد مادته من ذينك المصدرين ، كذلك يستمد من العقل في إطار خاص مثل باب الملازمات العقلية، كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، وحرمة الشيء وحرمة ضدّه، وحرمة الشيء وفساده، وتوقف تنجز التكليف على البيان وقبح العقاب بدونه، واستلزام الاشتغال اليقيني البراءة القطعية إلى غير ذلك ممّا يبحث عنه في الملازمات العقلية.

كما انّه يستمد مادته أيضاً من الاِجماع الكاشف عن وجود النص الوارد في المسألة وإن لم يصل إلى يد الباحث في العصور اللاحقة.

هذه هي أهمّ الاَُسس التي يقوم عليها صرح الفقه الاِمامي الشيعي الاِسلامي.

و قد ألّفت الشيعة الاِمامية حول الفقه وأُصوله ومبادئه ومقدماته موَلفات كثيرة لا تحصى كثرة، ولا تعد وفرة، ولا يفي بذكر أسمائها الفهارس المطولة غير انّالاَمر الذي يجب التنبيه عليه هو انّ موَلفات فقهاء الاِمامية الاَقدمين الذين جاءوا بعد وفاة الاِمـام العسكري إلى زمـان الشيخ الطوسي (المتوفّـى 460هـ) اتّسمت بأنّـها كانت نفس متون الاَحاديث وعين عباراتها بحذف الاسناد.

وكأنّهم كانوا حريصين على أن لا يتخطوا العبارات التي جاءت في الاَحاديث حفاظاً على الاَصالة، وتجنباً من أية زيادة أو نقيصة.

ويعد كتاب الفقه الرضوي والمقنع للصدوق، ونهاية الشيخ الطوسي من هذا النوع.


(228)

غير انّه لما اتسع نطاق الفقه باتساع دائرة الحاجات الّتي أدّت بدورها إلى اتساع دائرة الاستنباط، وتجدد الفروع، اضطر فقهاء الاِمامية إلى الكف عن الالتزام بنفس متون الاَحاديث وعينها في كتابة الموَلفات الفقهية وإلى صياغة فروع جديدة مستنبطة من نفس تلك الاَحاديث ومضامينها بعبارات جديدة انطلاقاً من قولهم: «علينا إلقاء الاَُصول وعليكم التفريع».(1)

ويعد كتاب المبسوط والخلاف في الفقه للشيخ الطوسي شيخ الطائفة أبرز وأقدم نموذج من هذا النوع.

وتشكل هذه المرحلة، المرحلة الثانية في تطور الفقه الاِمامي الشيعي الاِسلامي، بعد المرحلة الاَُولى التي اتسمت ـ كما قلنا ـ بالتــزام نفس عبـارات الاَحاديث في صياغة المتون الفقهية.

ويعد من أبرز رواد هذه المرحلة الفقهاء التالية أسماوَهم:
1. الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد (المتوفّـى 413هـ).
2. الشريف المرتضى علي بن الحسين (المتوفّى عام 436هـ).
3. الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385ـ 460هـ).
4. الفقيه البارع أبو الصلاح الحلبي صاحب الكافي في الفقه (374 ـ 447هـ).
5. القاضي الشيخ عبد العزيز بن نحرير بن البراج(المتوفّى سنة 481هـ) صاحب المهذب البارع الذي هو كالمبسوط في غزارة الفروع.

هوَلاء هم أعيان علماء المرحلة الثانية في تاريخ الفقه الاِمامي.


(1) الوسائل: الجزء 18، كتاب القضاء، الباب 6 ، الحديث 52. وقد كان سيد الطائفة آيةاللّهالبروجردي قدَّس سرَّه يسمى القسم الاَوّل: «الاَُصول المتلقاة من الاَئمّة _ عليهم السلام _ ».

(229)

و قد استمر البحث والتنقيب حول المسائل الفقهية بين علماء الشيعة في جميع القرون التي مضت إلى يومنا هذا، ولم يكن ذلك إلاّ لاَجل انفتاح باب الاجتهاد لديهم، ووجوب رجوع العامي إلى المجتهد الحي، وهم يرون انّ إفتاء علماء المذاهب الاَربعة بإقفال باب الاجتهاد، خسارة جسيمة للعلم وما جاءوا به من التعليلات لتوجيه هذا الاِغلاق وجوه عقيمة لا جدوى لها.(1)

ولم يكن لذلك الاِغلاق إلاّ حافز سياسي قد أوضحناه في كتابنا «مفاهيم القرآن».(2)

عصر الجمود أو عصر الازدهار

يصف «مصطفى أحمد الزرقاء» القرن السابع بأنّه قرن الانحطاط والجمود، ويقول: «في هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، فقد بدأ في أوائله بالركود، وانتهى في أواخره إلى الجمود، وقد ساد في هذا العصر الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الاَفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الاَحكام إلى الحفظ الجاف والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان لحركة التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح مريد الفقه يدرس كتاب فقيه معيّن من رجال مذهبه، فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان مريد الفقه قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده.

و قد أصبحت الموَلفات الفقهية ـ إلاّ القليل ـ أواخر هذا العصر اختصاراً


(1) لاحظ المدخل الفقهي العام تأليف مصطفى أحمد الزرقاء :1|187، وكتاب «الملكية ونظرية العقد في الشريعة الاِسلامية» تأليف الشيخ محمد أبو زهرة ص 38ـ 39، ترى انّالكاتبين يذكران وجوهاً عليلة لاِغلاق باب الاجتهاد.
(2) لاحظ مفاهيم القرآن: 3|209 ـ 303 و أيضاً الخطط المقريزية:2|333ـ344.

(230)

لما وجد من الموَلفات السابقة أو شرحاً له، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة الاَلفاظ وحفظها ،وفي أواخر هذا الدور حل الفكر العامي محلّ الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهبالفقهية».(1)

وفي هذا العصر نجد ازدهار الفقه الشيعي حيث اكتسب نضارة قلما نجد نظيرها في القرون السابقة، كما أنّه بزغت في المحافل العلمية شخصيات لامعة في الفقه والاَُصول تعد من النوابغ القلائل الذين يضن بهم الدهر إلاّ في فترات، أمثال:
1. الحسن بن زهرة بن الحسن بن زهرة الكبير، وهو الجدّ الاَعلى لبني زهرة المجازين عن العلاّمة الحلّي في سنة 723هـ.

قال الذهبي في «شذرات الذهب»: رأس الشيعة بحلب وعزهم وجاههم كان عالماً بالعربية والقراءات والاَخبار والفقه على رأي القوم واندكت الشيعة بموته في 620.(2)
2. نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما الشهير بابن نما ، المتوفّـى سنة 645هـ من مشايخ سديد الدين يوسف بن المطهر والد العلاّمة، والمحقّق الحلي المتوفّـى عام 676هـ وقد بلغ المترجم له في سلامة النفس وتحرّي الحقيقية مبلغاً عظيماً حيث وقّع فتوى للمحقّق الحلي وسديد الدين يوسف الحلي في مسألة «مقدار الواجب من المعرفة» مع أنّ الاَخيرين من تلاميذه.

إنّ بيت ابن نما بيت عريق في العراق شهير بالعلم والفضل، وقد خرج من هذا البيت علماء وفقهاء لا يدرك شأوهم ولا يشق غبارهم.

منهم نجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما ولد المترجم.


(1) المدخل الفقهي العام :1|186 ـ 187.
(2) طبقات أعلام الشيعة في المائة السابعة: 38.

(231)

ومنهم ابنه الآخر نظام الدين أحمد بن محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما، فالكل ـ يعني الوالد والولدين ـ معدودون من الاَجلاّء في هذا القرن، وكلّما اطلق ابن نما ينصرف إلى الوالد.
3. أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس المتوفّى عام 673هـ وهو من مشايخ العلاّمة الحلّي ، وتقي الدين الحسن بن علي بن داود صاحب الرجال، وهو يروي عن جماعة، منهم: نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما وفخار بن معد بن فخار بن أحمد ترجمه تلميذه ابن داود في رجاله، ويصفه السيد حسين البروجردي في منظومته بقوله:

فقيه أهل البيت ذو الشمائل * هو ابن طاووس أبوالفضائل

هو ابن موسى شيخ بن داود * في باخع (673) مضى إلى الخلود

و هو أوّل من قسم أحاديث الشيعة إلى الصحيح والحسن والموثق والضعيف، وكلّما أُطلق «ابن طاووس» في كتب الفقه والرجال ينصرف إلى هذا، كما انّه كلّما أُطلق في كتب الاَدعية والزيارات ينصرف إلى أخيه رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس المتوفّى 664هـ.
4. جعفر بن الحسن بن يحيى الاَكبر بن الحسن بن سعيد المشتهر بـ«نجم الدين المحقّق» على الاِطلاق (600ـ 676هـ) وهو غني عن الاِطراء والتوصيف له أثره الخالد «الشرائع» وقد عكف على ذلك الكتاب العلماء بالدراسة والشرح والتعليق، وله شروح وتعاليق ذكرها شيخنا الطهراني في موسوعته القيمة «الذريعة».
5. الفقيه البارع أبي زكريا نجيب الدين يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن ابن سعيد الهذلي الشهير بـ :يحيى بن سعيد منسوباً إلى جدّه الاَعلى، (601 ـ 689 أو 690 هـ )، ذكره المترجمون مقروناً بكثير من التجليل والتكريم والاِشادة


(232)

بمكانته الرفيعة التي كانت له بين علماء عصره وفضلاء زمانه، وله «الجامع للشرائع» الذي نقدّمه إلى القرّاء.

كلمات الثناء وجمل الاِطراء في حقّ الموَلف

قال السيوطي في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: يحيى بن أحمد ابن سعيد الفاضل نجيب الدين الحلي الشيعي. قال الذهبي: لغوي أديب حافظ للآثار بصير باللغة والاَدب، من كبار الرافضة سمع من ابن الاَخضر، ولد بالكوفة سنة إحدى وستمائة، ومات ليلة عرفة سنة تسع وثمانين وستّمائة.(1)

وقال ابن داود في رجاله: يحيى بن أحمد بن سعيد شيخنا الاِمام العلاّمة الورع القدوة، كان جامعاً لفنون العلوم الاَدبية والفقهية والاَُصولية وكان أورع الفضلاء وأزهدهم له تصانيف جامعة للفوائد منها كتاب «الجامع للشرائع» في الفقه كتاب «المدخل» في أُصول الفقه وغير ذلك، مات سنة تسع وثمانين وستّمائة.(2)

و قال القاضي نور اللّه التستري: الشيخ الفاضل يحيى بن أحمد بن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي مجيب نداء (يا يحيى خذ الكتاب بقوّة) والمقتبس من مشكاة الولاية والنبوة من أعاظم مجتهدي الشيعة.(3)

وقال الشيخ الحر العاملي في «أمل الآمل»: الشيخ أبو زكريا يحيى بن سعيد وهو ابن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي من فضلاء عصره، روى عنه السيد عبد الكريم بن أحمد بن طاووس كتاب «معالم العلماء» لابن شهر اشوب


(1) بغية الوعاة:2|331.
(2) لاحظ رجال ابن داود، ويقرب منه ما ذكره الاَردبيلي في جامع الرواة:2|334، والتفريشي في نقدالرجال:370.
(3) مجالس الموَمنين: 234.

(233)

وغيره كما رأيته بخط ابن طاووس، ويروي عنه العلاّمة، له كتاب «جامع الشرائع» وغيره، وذكر العلاّمة انّه كان زاهداً ورعاً.(1)

وقال حجّة التاريخ المتتبع الخبير عبد اللّه الاَفندي في كتابه القيم «رياض العلماء»: كانقدَّس سرَّه مجمعاً على فضله وعلمه بين الشيعة وعظماء أهل السنة أيضاً.(2)

وقال الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القسيني تلميذ فخار بن معد الموسوي، وابن نما في إجازة للشيخ المحقّق الفاضل نجم الدين طمان بن أحمد العاملي الشامي، انّه قال بعد ذكر جماعة من مشايخه المعظمين: رويت عن الفقيه المعظم السعيد الشيخ نجمالدين جعفر بن سعيد جميع ما صنفه وألفه ورواه، وكنت في زمن قراءتي على شيخنا الفقيه نجيب الدين محمد بن نما أتردد إليه أواخر كلّنهار وحفظت عليه كتابه المسمى بـ«نهج الاَُصول إلى معرفة الاَُصول» في أُصول الفقه وشرحه لي قال: وقرأت كتاب الجامع في الشرائع تصنيف الفقيه السعيد المعظم شيخ الشيعة في زمانه نجيب الدين أبي زكريا يحيى ابن أحمد بن سعيد، عليه أجمع، وسمع بقراءتي جماعة منهم النقيب الطاهر العالم الزاهد جلال الدين محمد بن علي بن طاووس والفقيه جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي والوزير شرف الدين أبو القاسم على الوزير المعظم بن موَيدالدين محمد بن العلقمي....

و قال صاحب الروضات بعد نقل هذه العبارة: يظهر منه انّ الشيخ نجيبالدين يحيى بن أحمد الذي هو ابن عم المحقّق من غير واسطة لو لم يكن في زمانه بأشهر منه في الفقه ومتقدماً لدى الفضلاء لما كان بأنقص منه.(3)


(1) أمل الآمل:2|346ـ 347.
(2) رياض العلماء:5|336.
(3) روضات الجنات:2|188 وقد ترجم الموَلف في كتابه أيضاً لاحظ : 7|198ـ 199، وقد سقط لفظة «بن» في «بن موَيد الدين» من النسخة المطبوعة، فلاحظ.

(234)

إلى غير ذلك من جمل الاِطراء وكلمات الثناء التي يطول المقام بذكرها ونقلها.

تأليفات الموَلف

قد ترك الموَلف ثروة علمية بين أبناء أُمّته نذكر منها ما يلي:
1.«الجامع للشرائع» وهو ثمرة غنية وناضجة من تلك الدوحة الفقهية (دوحة الفقه الاِمامي) الذي سبق الحديث عن مميزاته وأُسسه وقواعده، وشيء من تاريخ نشوئه وتطوره، وبعض أدواره ورجاله .

وقد مدحه بعض الفضلاء بقوله:

ليس في الناس فقيه * مثل يحيى بن سعيد

صنف الجامع فقهاً * قد حوى كلّ شريد

ومدحه بعض آخر بقوله:

يا سعيد الجدود يابن سعيد * أنت يحيى والعلم باسمك يحيى

ما رأينا كمثل بحثك بحثا * ظنه العالم المحقّق وحيا(1)

و يظهر من ثنايا الكتاب انّ الكتاب أُلّف حوالي 654هـ، قال: وفي هذه السنة وهي سنة أربع وخمسين وستّمائة في شهر رمضان احترق المنبر وسقوف المسجد إلى آخر ما ذكره.(2)
2. نزهة الناظر في الجمع بين الاَشباه والنظائر:


(1) رياض العلماء:5|340ـ 341.
(2) لاحظ الجامع للشرائع: 481.

(235)

وصفه صاحب الروضات بأنّه : كتاب لطيف في الفقه ينوف على ثلاثة آلاف بيت تقريباً، وقد طبع أخيراً بتحقيق العلاّمة السيد أحمد الحسيني ونور الدين الواعظي عام 1388هـ، وأثبـت المحقّقان انّ هذا التأليف للموَلف لا للشيخ مهذبالدين، وناقشا ما ذكره صاحب الرياض في هذا المقام.
3. «المدخل في أُصول الفقه» ذكره أكثر من ترجم للمترجم له.
4. «قضاء الفوائت» نسبه إليه الشهيد في غاية المراد.(1)
5. «الفحص والبيان عن أسرار القرآن» نسبه إليه الشيخ زين الدين البياضي في كتاب «الصراط المستقيم» وقال: إنّهقدَّس سرَّه قد قابل في ذلك الكتاب الآيات الدالة على اختيار العبد، بالآيات الدالة على الجبر ،فوجد آيات العدل تزيد على آيات الجبر بسبعين آية.(2)
6. «كشف الالتباس عن نجاسة الاَرجاس» نسبه إليه الكفعمي في بعض مجاميعه.(3)
7. «كتاب السفر» نسبه إليه الشهيد في الذكرى.(4)

مشايخه وأساتذته

يروي عن عدّة من المشايخ والفضلاء، ذكرت أسماء بعضهم في آخر هذا الكتاب (الجامع للشرائع) عند نقل رواية ظريف بن ناصح.

منهم:

1. السيد الفقيه محيي الدين أبو حامد محمد بن عبد اللّه بن علي بن زهرة

(1) أعيان الشيعة: 50|18، و العجب انّ سيدنا الاَمين لم يترجم الموَلف إلاّ بسطر واحد.
(2) رياض العلماء:5|337ـ 338.
(3)3 . رياض العلماء:5|337ـ 338.
(4)4 . رياض العلماء:5|337ـ 338.

(236)

الحسيني الحلبي، وليس هذا السيد بالسيد ابن زهرة المشهور صاحب الغنية المتوفّى سنة 585 بل هو ابن أخيه.
2. الشيخ محمد بن أبي البركات بن إبراهيم الصنعاني، وذكر الموَلف انّ تاريخ الرواية شهر رجب سنة ست وثلاثين وستّمائة.(1)
3. والده الشيخ أحمد عن جدّه يحيى الاَكبر.
4. السيد الاَجل فخار بن معد المتوفّى سنة 630هـ.
5. الشيخ نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما الحلي. إلى غير ذلك من المشايخ التي تقف على أسمائهم عند المرور على ترجمة الموَلف في غضون كتب التراجم، وقد جمع صاحب الرياض أسماءهم وبعض خصوصياتهم، فلاحظ.(2)

تلامذته والراوون عنه
1. السيد عبد الكريم بن طاووس (المتوفّى 693هـ) أجازه في ذي القعدة سنة 686هـ. (3)
2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ).(4)
3. ولده صفي الدين محمد بن يحيى بن سعيد.
4. الشيخ جلال الدين أبو محمد الحسن بن نما الحلّي.
5. السيد شمس الدين محمد بن أبي المعالي.


(1) رياض العلماء: 5|337ـ 338.
(2) لاحظ الجامع للشرائع: 605ـ 606 .
(3) رياض العلماء: 5|337، وقد نقل صورة الاجازة.
(4) لاحظ إجازته لبني زهرة التي كتبها سنة 723هـ.

(237)

6. السيد عز الدين الحسن بن علي بن محمد بن علي المعروف بابن الاَبزرالحسيني، وكان تاريخ إجازته سنة خمس وخمسين وستّمائة وقد نقل صاحب رياض العلماء صورة الاِجازة في حالات المجاز له، فلاحظ.(1)
7. السيد نجم الدين أبو عبد اللّه الحسين بن أردشير بن محمد الطبري، وقد أجازه وكتب الاِجازة بخطه الشريف على ظهر نهج البلاغة، وكان تاريخها سنة سبع وسبعين وستّمائة(2) وقد نقل صاحب رياض العلماء صورة الاِجازة في ترجمة السيد نجم الدين.
8. الشيخ كمال الدين علي بن حماد الليثي الواسطي، كما يظهر من إجازة ولد ذلك الشيخ (الشيخ حسين) للشيخ نجم الدين خضر بن محمد بن نعيم المطار آبادي.
9. الحمويني موَلف فرائد السمطين، فقد قرأ عليه في داره في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستّمائة.
10. الشيخ عمرو بن الحسن بن خاقان قرأ عليه المبسوط، أجاز له سنة 674هـ.
11. أحمد بن عبد الكريم وقد كتب كتاب الجامع بخطه وكتب الموَلف عليه إجازة بخطه في جمادى الاَُخرى سنة 681هـ.(3)
12. علي بن محمد بن أحمد شرف الدين أبو القاسم بن الوزير موَيد الدين ابن العلقمي، قرأ على الموَلف كتاب جامع الشرائع.
13. شمس الدين محمد بن أحمد بن صالح السيبي القسيني على ما ذكره


(1) ونقله المتتبع الطهراني في الاَنوار الساطعة: 41.
(2) رياض العلماء:5|338.
(3) لاحظ الاَنوار الساطعة: 7.

(238)

في إجازته للشيخ طومان.(1)
14. العالم الزاهد جلال الدين محمد بن علي بن طاووس.

هذه حياة الموَلف المفعمة بالبحث والتحقيق والدراسة والتربية ـومعالاَسف ـ انّه لم ينتشر له شيء سوى «نزهة الناظر» فقامت ثلة من الفضلاء باستنساخ الكتاب وتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه.



(1) لاحظ الاَنوار الساطعة: 109، وقد مرّ نص العبارة في ذلك، فلاحظ.

(239)

علي بن عيسى

الاِربلي (... ـ المتوفّـى عام 693هـ)

إنّ التاريخ البشري حافل بأنواع من الحوادث والكوارث والملمات والمحن والنجاحات والاِخفاقات، فكلّتلك الظواهر لابدّ لها من سبب ينشئها ويوجدها ولم يكن تحققها على مسرح التاريخ أمراً اعتباطياً أو اتفاقياً تحققت صدفة.

فالباحث عن التاريخ عندما يستعرض السير التاريخي للحوادث لابدّ أن يأخذ بنظر الاعتبار العلل التي حققتها وأظهرتها على الساحة التاريخية ويبدأ بتحليلها بغية اقتناص العبر المفيدة وتطبيقها على حياته الفردية والاجتماعية، وعند ذلك يصبح التاريخ محل العبر، ومثار العظات ومصدر العلم بالسنن الاِلهية في حياة المجتمعات الاِنسانية وانفساخها.

و بالتالي يكون التاريخ مدرسة تطبيقية للوقوف على الاَُصول التي فيها حياة الاَُمّة وبقاوَها أو موتها وفناوَها.

و قد كان التاريخ في القرون السالفة يتلخص في قراءة الحوادث وتتابعها بسرد حوادث تتضمن انتصارات أقوام على أقوام، ونشوء أُمم وفناءها، دون أن يقوم الموَرخ بتحليل تلك الحوادث التاريخية والوقوف على أسبابها وعللها، والوقوف على نتائجها ومضاعفاتها. وقد أُطلق على هذا النوع من كتابة التاريخ بالتاريخ النقلي، وهو أشبه بسرد القصص من دون تحليل واستنتاج.


(240)

وأمّا اللون الآخر للتاريخ الذي أصبح علماً مستقلاً احتل مكانة ممتازة بين العلوم الاِنسانية هو التاريخ التحليلي، وهو أن يقوم الموَرخ بتحليل الظواهر التاريخية، ويعيّـن علل الحوادث ونتائجها، ويميّز الصحيح عن الزائف تحت المشراط العلمي، وهذا اللون من التاريخ وإن شاع في العصور المتأخرة، ولكن ليس كلّ موَرخ محلل، ولا كل تحليل تحليلاً صحيحاً.

إنّ القرآن الكريم يدعو إلى دراسة التاريخ والتدبر فيه على النمط الثاني وهو يتلو على أسماعنا ما جرى على الاَُمم السالفة من سعادة وشقاء، وما استخلفوا من صالح الاَعمال وطالحها، ولم يبرح يحث على السبر والغور في حياة الاَُمم السالفة، والتفكر فيما حلّ بهم من تقدّم وتدهور حتى يستنتج من قراءة القصص قانوناً عاماً لمجتمعه ويعرف لهم عوامل الرقي والازدهار أو عوامل السقوط والانحلال، قال سبحانه: (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيد)(1) وقال سبحانه: (أَفَلَمْ يَسيرُوا فِي الاََرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ اتقوا أَفَلا تَعْقِلُونَ) (2)وقال في آية أُخرى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاََرْضِ فَتَكُون لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بها فَانَّها لا تعمى الاََبْصار وَلكِن تعمى القُلُوب الّتي فِي الصُدُور)(3).

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة الواردة في هذا المضمار.


(1) هود: 100.
(2) يوسف: 109.
(3) الحج: 46.


(241)

سيرة الاَنبياء والاَولياء

إنّ كلّ صفحة من صفحات التاريخ يستلهم منها دروس وعبر، لكن تاريخ الصلحاء وفي طليعتهم الاَنبياء والاَولياء من أهم المواضع التي يجب أن تستأثر بالاهتمام، فإنّ حياتهم المشرقة احتلت أنصع صفحات التاريخ، ففيها دروس هداية تأخذ بيد البشر وتهديهم إلى ساحل النجاة والسعادة.

فقراءة تاريخ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاَئمّة المعصومين قراءة حياة أُمّة كبيرة يعدون مصابيح الدجى وأعلام التقى وذوى النهى وخزان العلم ومنتهى الحلم وأُصول الكرم وقادة الاَُمم ودعائم الاَخيار وساسة العباد وأركان البلاد ففي كلّ صفحة من حياتهم دروس وافية تنير الدرب للسائرين.

ولاَجل ذلك قامت أُمّة كبيرة بتدوين تاريخ النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وأئمّة أهل البيت، فخلفوا تراثاً تاريخيّاً ضخماً.

و هانحن نشير إلى لفيف من الموَرخين الذين بذلوا جهوداً كبيرة في تدوين سيرة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وآله المعصومين وفي مقدمتهم:
1. محمد بن إسحاق المدني (المتوفّـى 151هـ) صاحب كتاب «المغازي» الذي لخصه ابن هشام، واشتهر بالسيرة النبوية.
2. لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف (المتوفّـى 158هـ) له من الكتب: «المغازي» ، «السقيفة» ، «فتوح الاِسلام» ، «فتوح العراق» ، «صفين»، و«قتل الحسين».(1)،

ك
3. إمام علماء الاَخبار والمغازي نصر بن مزاحم (المتوفّـى 212هـ) تلميــذ لوط بن يحيى أبي مخنف، أثنى عليه النجاشي، وأورد فهرست كتبه،وقال: كوفي


(1) النجاشي: الرجال: 2|191 برقم 873.

(242)

مستقيم الطريقة ،صالح الاَمر، وعدَّ من موَلفاته وقعة صفين، النهروان، الغارات، المناقب، مقتل الحسين.(1)

إلى غير ذلك من التآليف التي سردها النجاشي في رجاله.
4. هشام بن محمد السائب، أبو المنذر الناسب (المتوفّـى 206هـ) العالم بالاَيام المشهور بالفضل والعلم، وكان يختص بمذهبنا، ذكر النجاشي كتبه وتاريخه، منها: الجمل، وصفين، والنهروان، والغارات، ومقتل أمير الموَمنين، ومقتل الحسين، إلى غير ذلك من الكتب التي سردها النجاشي في رجاله.(2)

هوَلاء هم روّاد التاريخ من أصحابنا وتبعهم عدّة جليلة من أئمّة العلم والاَدب إلى أن انتهت النوبة إلى فخر الشيعة محي آثار الاَئمّة وناشر مناقبهم وفضائلهم، أعني :بهاء الدين أبا الحسن علي بن فخر الدين عيسى بن أبي الفتح الاِربلي نزيل بغداد ودفينها، وقد أثنى عليه كلّ من ذكره من أصحاب المفاهيم ولنذكر نزراً يسيراًمن أقوال العلماء في حقّه:
1.قال الصفدي (المتوفّـى 764هـ): علي بن عيسـى، الاِربلي المنشـىَ، الكاتب البارع، له شعر وترسل، كان رئيساً كتب لمتولّي إربل(3)ابن صلايا، ثمّ خدم ببغداد في ديوان الانشاء أيّام علاء الدين صاحب الديوان، ثمّ إنّه فتر سوقه في دولة اليهود ثمّ تراجع بعدهم وسلم، ولم يُنكب إلى أن مات سنة اثنتين وتسعين وستّمائة وكان صاحب تجمّل وحشمة ومكارم، وفيه تشيّع، وكان أبوه


(1) النجاشي: الرجال: 2|384 برقم 1149.
(2) النجاشي: 2|399 برقم 1167.
(3) إربل: وهي مدينة كبيرة، وقلعة حصينة تقع على تل عال من التراب ما بين الزابين تعد من أعمال الموصل وبينها مسيرة يومين وأكثر أهلها أكراد قد استعربوا، بينها و بين بغداد مسيرة سبعة أيام للقوافل. معجم البلدان:1|138.

(243)

والياً بإربل، ولبهاء الدين مصنفات أدبية مثل المقامات الاَربعة ورسالة الطيف المشهورة وغير ذلك.(1)
2. وذكر ابن شاكر الكتبي نفس النص الماضي من الصفدي، ثمّ ذكر قسماً من أشعاره.(2)

ولكنّهم لم يقفوا على أثره الخالد المسمّى «كشف الغمة في معرفة الاَئمّة» وإنّما ذكره المعلّق على كتاب فوات الوفيات في التعليقة.
3. وقال الشيخ الحر العاملي: الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى ابن أبي الفتح الاِربلي، كان فاضلاً، عالماً، محدّثاً، ثقة، شاعراً، أديباً منشئاً ،جامعاً للفضائل والمحاسن، له كتب منها:

كشف الغمة في معرفة الاَئمّة، جامع حسن فرغ من تأليفه سنة 687هـ، وله رسالة الطيف وديوان شعر وعدّة رسائل وله شعر كثير في مدح الاَئمّة عليهم السَّلام ، ذكر جملة منها في كشف الغمة.(3)
4. وقال في آخر وسائل الشيعة: كشف الغمة في معرفة الاَئمّة، تأليف الشيخ الصدوق الجليل علي بن عيسى بن أبي الفتح الاِربلي.(4)
5. ووصفه الاَفندي التبريزي بقوله: «الوزير الكبير والشيخ الخبير بهاء الدين أبو الحسن علي بن عيسى فخر الدين بن أبي الفتح الاِربلي، وكان يعرف بابن الفخر وقد كان قدّس اللّه سرّه صاحب الفضائل الجمة والعالم الجليل الذي كشف الغمة وأزال الحيرة عن الاَُمّة، وهو موَلف كتاب كشف الغمة في معرفة


(1) الصفدي: الوافي بالوفيات: 21|378 برقم 250.
(2) ابن شاكر الكتبي : فوات الوفيات:3|57 برقم 347.
(3) أمل الآمل: 2|195 برقم 588.
(4) وسائل الشيعة: 20|43.

(244)

الاَئمّة، وهو مجلدان كبيران في أحوال النبي وفاطمة والاَئمّة _ عليهم السلام _، ثمّ ذكر من مشايخه السيد جلال الدين عبد الحميد بن فخار، وقال: وكان معاصراً للسيد رضي الدين علي بن طاووس ويروي عنه وعن غيره من العلماء من العامة والخاصة كما يظهر من الكتاب المذكور.

ثمّ قال: وكان ولده الشيخ تاج الدين محمد وسبطه الشيخ عيسى بن محمد ابن علي بن عيسى الاِربلي من الفضلاء، وكلاهما يرويان الكتاب عنه مع جماعة أُخرى.(1)
6. وقد ذكر الفوطي في كتابه الحوادث الجامعة في موارد مختلفة نقتبس منها ما يلي:

قال: وفي سنة 657 وصل بهاء الدين علي بن الفخر عيسى الاِربلي إلى بغداد، ورتب كاتب الانشاء بالديوان، وأقام بها إلى أن مات.(2)

وقال: إنّه توفي ببغداد سنة 693هـ.

وقال أيضاً: تولّى تعميرمسجد معروف سنة 678هـ.

وقال أيضاً: له قصيدة رثى بها نابغة زمانه نصير الدين الطوسي والملك عزالدين عبد العزيز.

و لمّا قضى عبدالعزيز بن جعفر * و أردفه رزء النّصير محمّد

جزعت لفقدان الاَخلاّء وانبرت * شوَوني كمرفض الجمان المبدد

و جاشت إليّ النفس جزعاً ولوعة * فقلت: تعزِّي واصبري فكأن قدِ(3)

وقال أيضاً: إنشاوَه كتاب صداق في تزويج الخواجة شرف الدين هارون


(1) الاَفندي التبريزي: رياض العلماء: 4|166.
(2) انظر الحوادث الجامعة: 341، 480، 38.
(3) انظر الحوادث الجامعة: 380 ـ 381.

(245)

بن شمس الدين الجويني بابنة أبي العباس أحمد بن الخليفة المستعصم في جماديالآخرة سنة 670هـ ، وإليك جملاً من الكتاب.

الحمد للّه الذي جمع الشمل ونظمه، وقوى عقد الاِلفة وأحكمه، وأوثق الاجتماع وأبرمه، وصلواته على سيدنا محمد الذي شرفه وأعظمه، ورفع قدره وكرمه، وعلى آله وصحبه الذين أوضحوا منار الاِيمان وعلمه، وأظهروا برهانه.(1)

هذه الكلمات تعطينا صورة إجمالية عن حياة موَلفنا الجليل وقد احتل مكان الصدارة بين موَرخي الشيعة وكتّابهم ومحدّثيهم، كما أنّه كان معدوداً من الشخصيات البارزة في الدولة العباسية وإنّ رحى الديوان يومذاك كان يدور على تدبيره وتفكّره، وانشائه وتحبيره، والذي يمكن أن يوَخذ على ابن الفوطي موَلف الحوادث انّه أرّخ وفاته 693هـ ولكن المتفق عليه بين أصحاب المعاجم هو 692هـ.
7. وحكى شيخنا الاَميني عن صاحب رياض الجنة في الروضة الرابعة انّه قال: كان وزيراً لبعض الملوك وكان ذا ثروة وشوكة عظيمة، فترك الوزارة واشتغل بالتأليف والتصنيف والعبادة والرياضة في آخر أمره.(2)

أقول: لم نقف في المصادر على تصدّي شيخنا الموَلف لمنصة الوزارة غير ما ذكره معاصره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة ما مرّ من أنّه وصل إلى بغداد ورتب كاتب الاِنشاء في الديوان وأقام بها إلى أن مات، وغير ما نقلناه من الصفدي وتبعه الكتبي من انّه خدم ببغداد في ديوان الانشاء أيّام علاء الدين صاحب الديوان، وما ذكراه لا يدل على تحمّله أعباء الوزارة.

نعم كان علي بن عيسى بن داود وزيراً للمقتدر باللّه في أُخريات القرن الرابع، ولعلّ اشتراكهما في الاسم صار سبباً لهذه النسبة، والعجب من العلاّمة


(1) انظر الحوادث الجامعة: 369.
(2) الغدير: 5|452.

(246)

الاَميني مع تضلعه وحيطته تبع صاحب رياض الجنة، وقال: هو أحد ساسة عصره الزاهي ترنّحت به أعطاف الوزارة وأضاء دستها، كما ابتسم به ثغر الفقه والحديث،وحميت به ثغور المذهب، وسفره القيمـ كشف الغمة ـ خير كتاب أُخرج للناس في تاريخ أئمّة الدين وسرد فضائلهم والدفاع عنهم والدعوة إليهم، وهو حجّة قاطعة على علمه الغزير، وتضلّعه في الحديث، وثباته في المذهب، ونبوغه في الاَدب، وتبريزه في الشعر، حشره اللّه مع العترة الطاهرة صلوات اللّه عليهم.(1)

تآليفه

وقد ترك المترجم له ثروة أدبية وتاريخية ، نذكر منها ما يلي:
1. رسالة الطيف، كما ذكرها ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، وقد مرّ كلامه.
2. التذكرة الفخرية، وقدكتبها لفخر الدين أبي نصر منوجهر الهمداني، وقد كان يلوذ بعلاء الدين الجويني الحاكم على بغداد، وقد طبع في بيروت عام 1407هـ بتحقيق الدكتور نوري حمودي القيسي والدكتور حاتم الصالح الظامىَ.
3. المقامات الاَربع، كما ذكره الصفدي والكتبي كما عرفت.
4. جلوة العشاق وخلوة المشتاق، وقد جاء اسمها في مقدمة رسالة الطيف.
5. ديوان شعر، وهو من المكثرين في المدايح والمراثي، وقد نقل قسماً من أشعاره في كشف الغمة ، كما نقل شيئاً منه في أمل الآمل.
6. عدّة رسائل ذكرها الشيخ الحر العاملي كما عرفت.
7. كشف الغمة في معرفة الاَئمّة.


(1) الغدير: 5|446.

(247)

مشايخه في الرواية

يروي عن عدّة من أعلام الاَُمّة، وإليك سرد بعض ما نصّعليه نفسه في كشف الغمة أو نبّه عليه غيره.
1. سيدنا رضي الدين السيد علي بن طاووس المتوفّى 664 هـ .
2. السيد جلال الدين علي بن عبد الحميد بن فخار، أجاز له سنة 676هـ.
3. تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب، الشهير بابن الساعي البغدادي السّلامي المتوفّـى 674هـ نص عليه في كشف الغمة.(1)وقال: أروي عنه كتاب معالم العترة النبوية العليّة تأليف الحافظ أبي محمد عبد العزيز ابن الاَخضر الجنابذي المتوفّـى 611هـ.
4. الحافظ أبو عبد اللّه الكنجي الشافعي (المتوفّى658هـ) نصّ عليه في كشف الغمة(2)، وقال: قرأت عليه كتابيه (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب، والبيان في أخبار صاحب الزمان)و ذلك بإربل سنة 648هـ.
5. كمال الدين أبو الحسن علي بن وضاح( المتوفّـى 672هـ). (3)
6. الشيخ رشيد الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي القاسم، قرأ عليه كتاب «المستغيثين باللّه عند المهمات والحاجات»، قال في كشف الغمة: كانت قراءتي عليه في شعبان من سنة 686 بداري المطلة على دجلة ببغداد(4)إلى غير ذلك ممن يروي عنهم في كتبه.


(1) كشف الغمة: 13، الطبعة الحجرية.
(2) كشف الغمة: 1|105.
(3) كشف الغمة: 1|373.
(4) كشف الغمة: 224 ، الطبعة الحجرية.

(248)

الرواة عنه

يروي عنه عدّة من الفطاحل، منهم: العلاّمة الحلي، والشيخ رضي الدين علي بن المطهر، والسيد شمس الدين محمد بن فضل العلوي الحسني، والشيخ تقي الدين بن إبراهيم بن محمد بن سالم، وولده الوارث علمه وماله الشيخ تاج الدين محمد بن علي، إلى غير ذلك.

ما هو كشف الغمة؟

قد عرفت أنّه في أحوال الاَئمّة، وهو خير كتاب في خير موضوع، فاق على كثير ممّا أُلّف قبله في هذا الموضوع، في جودة السرد، ووضوح العبارة ، والاَمانة في النقل، والركون إلى المصادر الموثوقة بها بين الفريقين، وبالجملة فهو ضالة الخطيب وأمنية الطالب، ولنعم ما قال في حقّه الشيخ جمال الدين أحمد بن منيع الحلي.(1)

ألاقل لجامع هذا الكتاب * يميناً لقد نلت أقصى المراد

وأظهرت من فضل آل الرسول * بتأليفه ما يسوء الاَعادي

توفي ببغداد عام 692 هـ، ودفن بالجانب الغربي من بغداد، وفي البيت الكبير المعروف اليوم (بكار پردازخانه) وكانت دار سكناه يوم دفن فيه. قال شيخنا الطهراني: وكانت تلك الدار التي دفن فيها الاِربلي باقية إلى عصرنا، وقد زرت قبره في بقعة في وسط الدار أنا والعلاّمة الميرزا محمد الطهراني العسكري في سنة 1345هـ وكانت يسكنها السفير الاِيراني ببغداد، ولكنّها هدمت فلا أثر لهااليوم (1389هـ) .(2)

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً.


(1) وهو من أُدباء الحلة، وقد ترجم له في البابليات، ج1.
(2) الذريعة: 21|12، و لاحظ 18|47.

(249)

الحسن بن يوسف بن المطهّر

العلاّمة الحلّـي (648 ـ 726هـ )

الحمد للّه على سوابغ النعم وضوافي الآلاء، حمد معترف بالقصور عن إدراك أقلّ مراتب الثناء، وصلّى اللّه على محمد عبده ورسوله، أفضل الاَنبياء وأكرم الاَصفياء وعلى آله السادة النجباء.

أمّا بعد:

فإنّ الاِمام الهمام علاّمة العلماء، وأُستاذ الفقهاء، جمال الدين أبا منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر غني عن التعريف والاِطراء، فقد سارت بذكره الركبان في حياته، فعطّروا كتبهم بذكره الجميل، وسطّرت أقلامهم له أنصع الصفحات.

وبما انّي بصدد التقديم لواحد من كتبه الفقهية، ممّا جاد به يراعه نقتصر في ترجمته على ذكر لمحة خاطفة عن حياته وسيرته، ثمّ نعطف عنان القلم إلى الاِشادة بما هو المقصود بالذات من هذا التقديم، فنقول:

ولد قدَّس سرَّه في شهر رمضان سنة 648 هـ في بيت عريق في العلم والتقوى، أخذ عن والده الفقيه المتكلم سديد الدين يوسف بن المطّهر، وعن خاله شيخ الاِمامية المحقّق الحلّي (602ـ 676هـ) الّذي كان له بمنزلة الاَب


(250)

الشفيق، فحظا باهتمامه ورعايته، وأخذ عنه الفقه و الاَُصول وسائر علوم الشريعة، ولازم الفيلسوف نصير الدين الطوسي (597ـ 673هـ) واشتغل عليه في العلوم العقلية ومهر فيها، وقد برع وتقدّم في العلوم الاِسلامية في مقتبل عمره على العلماء الفحول، وفرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية قبل أن يكمل له 26 سنة.

يعرّفه معاصره ابن داود الحلّي، ويقول: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، وصاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الاِمامية إليه في المعقول و المنقول.(1)

وعرّفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله: عالم الشيعة وإمامهم ومصنّفهم، وكان آية في الذكاء وكان مشتهر الذكر، حسن الاَخلاق.(2)

إلى غير ذلك من كلمات الاِطراء في حقّه التي لا مجال لذكر معشارها، ولنعطف عنان القلم إلى ما نحن بصدد بيانه:

قد قدّمتُ منذ زمن ليس ببعيد مقدّمة لاَحد كتبه الكلامية ألا وهو كتاب «نهاية المرام في علم الكلام ». وحينما سرحت النظر فيه ازداد إعجابي به، فأدركت انّـي أمام بحر لجيٍّ بعيد الاَغوار، لا يدرك ساحله، كيف، وهو في الكلام فارس حلبته، وخبير خباياه وعويصات مسائله، وحلاّل عقده وغوامضه، فقد أورد في كلّمسألة آراء الاَوائل والملّيين والاِسلاميين من الاَشاعرة والمعتزلة والاِمامية وسائر الفرق وقارن بين المناهج الكلامية وحسم الموقف برأيه الصائب وعقله الثاقب، وقد تبلورت في هذا الكتاب شخصيته الكلامية وعقليته الفلسفية، فالكتاب عديم النظير بين سائر الموسوعات الكلامية في تبويب المواضيع ومقارنة الآراء، والقضاء الحاسم بينها، وعدم الحياد عن جادة الحقّ، وانصاف الخصم من نفسه وقد طبع


(1)رجال ابن داود:119 برقم 461.
(2) لسان الميزان: 2|17 برقم 1295.

(251)

وانتشر(1)ذى في ثلاثة أجزاء ضخام.

وأمّا في الفقه واستنباط الاَحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية فواسطة عقده ومرتكز لوائه، وهو ـ بحق ـ ممّن لا يقف على ساحله أو يكتفي بظاهره، بل خاض غماره واقتحم لجته فسبر أغواره ووقف على حقيقته.

وها نحن الآن بصدد التقديم لكتاب فقهي له قدَّس سرَّه وهو كتاب «تحرير الاَحكام الشرعية على مذهب الاِمامية» الّذي يصفه الموَلف في خلاصته بأنّه حسن جيد استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره. وقد حقّق الكتاب بتحقيق رائع يجاوب روح العصر، وهو على عتبة النشر.

والكتاب واحد من موَلفاته الكثيرة في الفقه، إذ له وراء ذلك موسوعات فقهية وكتب جامعة لعامة أبواب الفقه، منها:

أ. تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين.

ب. إرشاد الاَذهان إلى أحكام الاِيمان.

ج. قواعد الاَحكام في مسائل الحلال والحرام.

د. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة.

هـ. تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء، وذكر قواعد الفقهاء.

و. منتهى المطلب في تحقيق المذهب.

ز. نهاية الاَحكام في معرفة الاَحكام.

إلى غير ذلك من الكتب أو الرسائل الفقهية التي خلَّفها مضافاً إلى ما ألّفه في مجال أُصول الفقه بين مقتضب كتهذيب الاَُصول، إلى مسهب كنهاية الوصول إلى علم الاَُصول.


(1) نشرته موَسسة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في قم المشرّفة.

(252)

ومن تمعّن في هذه الكتب يجد أمامه دورات فقهية وموسوعات ضخمة قلّما يتفق لاَحد أن يقوم ببعضها.

وثمّة سوَال يطرح نفسه، وهو لماذا قام العلاّمة بهذا العبء الثقيل وألّف كتباً فقهية مختلفة المنحى والمنهج أسفر عن اختلاف فتاواه وآرائه في كتاب بعد كتاب، فما هو السر وراء ذلك؟

والاِجابة على هذا رهن الوقوف على الغايات التي كانت وراء تأليف تلك الكتب.

فقد تكرر منه تأليف تلو تأليف في علم واحد لاَجل غايات مختلفة، وإليك دراسة هذه الكتب على وجه الاِيجاز، لتعلم الغايات المتوخاة منها، وربما يعرب أسماوَها عن الغرض المطلوب.

الاَوّل: تبصرة المتعلمين

هذا الكتاب دورة فقهية كاملة موجزة بدون شرح واستدلال طرح فيها العلاّمة آراءه الفقهية وفتاواه في جميع الاَبواب.

يقول في مقدمته: وضعناها لاِرشاد المبتدئين وإفادة الطالبين مستمدين من اللّه المعونة والتوفيق، فانّه أكرم المعطين، وأجود المسوَولين، ونبدأ بالاَهم فالاَهم.

والكتاب لوجازته وسلاسة ألفاظه صار موضع اهتمام الفقهاء منذ عصر موَلفه إلى يومنا هذا وتولَّوه بالشرح والتعليق، وقد كان في سالف الزمان كتاباً دراسياً، وذكر شيخنا المجيز في الذريعة ما يقارب 35 شرحاً وتعليقاً عليه، ومن أحسن الشروح إيضاحاً شرح أُستاذنا الكبير الشيخ محمد علي التبريزي المعروف بالمدرّس، وقد طبع الجزء الاَوّل منه والجزء الثاني لم ير النور، عسى اللّه أن يُشحذ الهمم بغية نشر الباقي.


(253)

الثاني: إرشاد الاَذهان إلى أحكام الاِيمان

وهو دورة فقهية كاملة غير استدلالية للفقه الاِمامي من الطهارة إلى الديات، ويعد من الكتب الفقهية المعتمد عليها.

يعرفه موَلفه في خلاصته بأنّه حسن الترتيب.(1)

وقال شيخنا الطهراني: هو من أجل كتب الفقه وأعظمها عند الشيعة، ولذلك تلقّاها علماوَهم بالشرح والتعليق عبر القرون من عصر موَلفه إلى يومنا هذا، وقد أحصى مجموع مسائله في خمس عشرة ألف مسألة، فرغ منه سنة 676 هـ أو 696.(2)

والكتاب بالنسبة إلى ما سبقه أشبه بالمفصل إلى المجمل، فقد بسط القول فيه أكثر ممّا ورد في الاَوّل، ألّف الاَوّل للمتعلّمين المبتدئين ثمّ ألّف هذا لمن ارتقى مرتبة من العلم.

وقد ذكر شيخنا الطهراني في موسوعته أسماء 36 شرحاً وتعليقة على الكتاب(3)، وأنهاها محقّق كتاب إرشاد الاَذهان في تقديمه إلى 15 شرحاً وتعليقة.(4)

الثالث: قواعد الاَحكام في مسائل الحلال والحرام

وهو من الكتب المتداولة المشهورة، وقد ذكر فيه من القواعد ما يناهز 660 قاعدة في الفقه، لخص فيه فتاواه وبيّن قواعد الاَحكام، ألّفه بالتماس ولده فخر


(1) كما في أمل الامل: 2|84 ، ولم ترد هذه الكلمة في الخلاصة المطبوعة.
(2) الذريعة: 13|73 و 1|510.
(3) الذريعة: 1|510 برقم 2509.
(4) إرشاد الاَذهان: 185ـ 193، قسم المقدمة.

(254)

المحقّقين، وفرغ منه عام 693هـ أو 692هـ.(1)

وذكره في خلاصته باسمه ولم يصفه بشيء. لكن وصفه في أوّله بقوله: هذا قواعد الاَحكام في معرفة الحلال والحرام لخصت فيه لب الفتاوى خاصة، وبيّنت فيه قواعد أحكام خاصة، إجابة لالتماس أحب الناس إليَّ وأعزّهم عليَّ، وهو الولد العزيز محمد الّذي أرجو من اللّه طول عمره بعدي وأن يوسدني في لحدي.(2)

وفي آخر الكتاب وصية قيّمة للعلاّمة يوصي بها ولده بقوله:

اعلم يا بني أعانك اللّه تعالى على طاعته... قد لخّصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الاَحكام، وبيّنت لك قواعد شرائع الاِسلام بألفاظ مختصرة وعبارات محرّرة، وأوضحت لك فيه نهج الرشاد وطريق السداد، وذلك بعد ان بلغت من العمر، الخمسين ودخلت في عشرة الستين، وقد حكم سيد البرايا بأنّها مبدأ اعتراك المنايا....(3)

وبما انّ العلاّمة من مواليد عام 648هـ، فقد بلغ الخمسين عام 698هـ ، وتجاوز عنه عام 699 أو 700هـ ، وبذلك يعلم انّ ما ذكره شيخنا المجيز من أنّه ألّف القواعد عام 693 أو 692 هـ ليس بتام .

وممّا يجدر ذكره هو انّ براعة العلاّمة ونبوغه لم يتلخّص في الفقه والاَُصول والكلام، بل تعدّاها إلى علوم أُخرى، كالرياضيات العالية التي تتجلّى مقدرته فيها بوضوح في كتابه هذا، وأخص بالذكر «كتاب الوقوف والعطايا، المطلب الثالث في الاَحكام المتعلقة في الحساب»، فقد نجح إلى حد كبير في حلّ غوامض المسائل الرياضية الجبرية المعقدة.


(1) الذريعة: 17|176 برقم 930.
(2) قواعد الاَحكام:2.
(3) قواعد الاَحكام: 2|346.

(255)

واستغرقت بحوثه الرياضية أكثر من 50 صفحة بالقطع الرحلي.

وإذا عطفت النظر إلى كتاب الفرائض، فترى نظير تلك ا لبحوث فيها.

فسبحان اللّه معطي المواهب ومفيض النعم.

ليس من اللّه بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد

الرابع: مختلف الشيعة في أحكام الشريعة

ذكره في الخلاصة وقال:ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة وحجة كلّ شخص والترجيح لما يصير إليه.(1)

وقال في مقدمته: إنّي لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين رضوان اللّه عليهم، ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافاً في مسائل كثيرة متعددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الاَحكام الشرعية، والمسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الكبير المسمّى بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فانّه مجمع بين مسائل الخلاف والوفاق.

ومن محاسن ذلك الكتاب انّه إذا لم يجد للمخالف دليلاً يحاول أن يلتمس دليلاً له.

قال: ثمّ ان عثرنا في كلّ مسألة على دليل لصاحبها نقلناه وإلاّحصَّلناه بالتفكّر وأثبتناه، ثمّ حكمنا بينهم على طريقة الاِنصاف، متجنبي البغي والاعتساف ووسمنا كتابنا هذا بمختلف الشيعة.(2)


(1) الخلاصة:45.
(2) مختلف الشيعة:1|173.

(256)

والكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ومن مزاياه انّه حفظ آثار علمائنا السابقين، أمثال: ابن الجنيد، وابن أبي عقيل، والصدوق الاَوّل وغيرهم ولولاه لاندثرت آثارهم.

وقد شرع في تأليفه قبل سنة 699هـ، وانتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمان وسبعمائة، أي قبل وفاته بثمانية عشر سنة.

ومن فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية وتميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الاِجماع في مسألة، ولها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب.

الخامس: تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء وذكر قواعد الفقهاء

وهي موسوعة فقهية استدلالية كبيرة يذكر فيها أقوال الفقهاء من الشيعة والسنة، ويذكر دليل كل قول ويناقشه، وربما يحاول أن يذكر للمخالف دليلاً من جانبه ثمّ يجيب عنه ، وهو تراث علمي قيم.

وإليك بعض ميزاته:

أ. أثبت في تأليفه هذا انّالفقه الاِمامي الذي يرفض العمل بالقياس والاستحسان قادر على الاِجابة على المسائل الفقهية عامة مستمداً من الاَدلّة الاَربعة: الكتاب، والسنّة، والاِجماع، والعقل.

يقول العلاّمة في مقدمة الكتاب: وقد عزمنا على تلخيص فتاوى العلماء وذكر قواعد الفقهاء على أحقّ الطرائق وأوثقها برهاناً وأصدق الاَقاويل وأوضحها بياناً، وهي طريقة الاِمامية الآخذين دينهم من الوحي والعلم الرباني، لا بالرأي والقياس، ولا باجتهاد الناس، على سبيل الاِيجاز والاختصار وترك الاِطالة والاِكثار.


(257)

ب. انّه يقارن الاَقوال بعضها ببعض ويحاكم بينها بأُسلوب متين، ويشير إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: أشرنا إلى كلّمسألة إلى الخلاف و اعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الاِنصاف.(1)

ج. انّه أُلّف بصورة الفقه المقارن، والمراد منه جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها بالتماس أدلّتها وترجيح بعضها على بعض، وهذا هو المسمّى عند القدماء بعلم الخلاف.

فالموَلف في هذا الصدد يجعل نفسه مسوَولاً عن فحص جميع الاَدلّة والقضاء بينها واختيار أتقنها وأوثقها بالقواعد وهو ليس أمراً سهلاً، وللفقه المقارن فوائد جمة يذكرها السيد محمد تقي الحكيم حيث يقول:

أ. محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الاِسلامي من أيسر طرقه وأسلمها، وهي لا تتضح عادة إلاّ بعد عرض مختلف وجهات النظر فيها وتقييمها على أساس موضوعي.

ب. العمل على تطوير الدراسات الفقهية والاَُصولية والاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.

ج. ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين، ومحاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية وإبعادها عن مجالات البحث العلمي.

د. تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، و الحد من تأثير العوامل المفرّقة التي كان من أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأُسس وركائز البعض الآخر، ممّا ترك المجال مفتوحاً أمام تسرّب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقوّل عليهم بما لا يوَمنون به.(2)


(1) التذكرة:1|3و4.
(2) الاَُصول العامة للفقه المقارن:10.

(258)

والموجود بين أيدينا من الكتاب ينتهي إلى أواخر كتاب النكاح، إلاّ أنّ ثمّة شواهد تشير إلى أنّ الموَلف انتهى في كتابته إلى أكثر من ذلك:

أوّلاً: انّ ولده فخر المحقّقين يقول في كتابه «إيضاح الفوائد في شرح القواعد» في آخر شرحه لاِرث الزوج: قد حقّق والدي هذه المسألة وأقوالها وأدلّتها في كتاب التذكرة.(1)

وثانياً: انّه فرغ من كتاب النكاح سنة 720هـ بالحلة، فقد عاش بعده حوالي ست سنين، ومن البعيد أن يهمل إنهاء ذلك الكتاب الّذي يعد من ثمرات عمره اليانعة.(2)

وفي الختام أود أن أُشير إلى ما جاء في مجلة رسالة الاِسلام لدار التقريب بين المذاهب الاِسلامية في القاهرة حول هذا الكتاب والاِشادة به حيث يقول:

من ذخائر الفكر الاِسلامي كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ العلاّمة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي ، هذا كتاب من أنفس كتب الفقه الاستدلالي المقارن، وقد جرت عادة الموَلّفين في الفقه المقارن من علماء السنة أن يعرضوا للمذاهب الاَربعة متحدّثين عن آراء علمائها، وعن أدلّتهم دون أن يخرجوا عن نطاقها فيعرضوا للمذاهب الاَُخرى لا سيما مذهب الشيعة الاِمامية.

وقد أوحى ذلك إلى كثير من طلاب العلم وأساتذة الفقه بمعنى فيه ظلم كثير للفقه الاِمامي، وهو انّهذا الفقه ليس كفقه السنة استيعاباً واستنباطاً ودقة نظر، وانّه لا يستند إلى أدلّة يمكن مناقشتها ومقارنتها.

ولما اتسع نطاق الفقه المقارن في كلية الشريعة وأصبح حتماً على الاَساتذة والطلاب أن يعرفوا رأي الاِمامية في مسائل المقارنة وأن يوازنوا بين أدلّتهم وأدلّة


(1) إيضاح الفوائد: 4|242.
(2) لاحظ الذريعة: 4|43.

(259)

غيرهم من أهل المذاهب الفقهية، كانوا يجدون كثيراً من الصعوبات في الرجوع إلى مصادر هذا الفقه الاِمامي، وإذا عثروا على مرجع من هذه المراجع وجدوه مطبوعاً طبعاً حجرياً على نحو غير مألوف عندنا في مصر، فلم يستطيعوا الاِفادة منه على الوجه الذي ينبغي.

إلى أن قال: وكنت أعرف كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ الحلّي وهو المعروف بالشيخ العلاّمة، وله موَلّفات كثيرة غير هذا الموَلّف، ولكن تذكرة الفقهاء بين أيدينا، ولكنّه رهين محبسين: محبس من عدم معرفة علماء السنّة به وعدم اطّلاعهم عليه إلاّقليلاً منهم، ومحبس من هذه الطبعة الحجرية الضيقة التي تجعله بعيداً عن متناول الذين يهتمون بالفقه ودراسته وأُصوله المحررة.

ولذلك تمنيت لو انّهذا الكتاب طبع طبعة حديثة حتّى يمكن لعلماء الاَزهر وغيرهم أن يقروَه ، إذاً لوجدوا فيه علماً غزيراً، وخيراً كثيراً،ولاستطاعوا أن يملاَوا جو المقارنة الفقهية بما يذكره من آراء وأدلة، ولعرفوا انّهناك فقهاً لا يقل في مستواه العلمي والفكري عن فقههم، ولما بقي في بعضهم أثر من الرغبة عن هذا الفقه استهانة به أو تعصباً عليه.

ثمّ إنّ صاحب المقال أخذ شيئاً من كتاب النكاح فطبعه في آخر مقاله، يبلغ عدد صفحاته قرابة 31 صفحة، وبذلك حاول أن يُلفت نظر الفقهاء في الاَزهر وغيره إلى هذا الكتاب الثمين وما فيه من مادة فقهية قلّما يتفق في غيره.(1)

ونحن نزفّ البشرى إلى صاحب المقال، وهي انّ الكتاب قد طبع طبعة أنيقة رشيقة محققة مع تخريج مصادر الروايات والاَقوال بشكل مثير للاِعجاب، وقد قام بهذا العبء الثقيل موَسسة آل البيت _ عليهم السلام _ لاِحياء التراث، وقد خرج منه لحدّ الآن ثمانية أجزاء والباقي قيد الطبع.


(1) مجلة رسالة الاِسلام: العدد 51 و52، الموَرخة عام 1382هـ.

(260)

والحقّ انّ أغلب التراث الفقهي للشيعة الاِمامية رهين محبسين: عدم اطّلاع علماء السنة عليه، ورداءة طبعه بل لم يزل الكثير منها مخبوءاً لم ير النور.

السادس: منتهى المطلب في تحقيق المذهب

وهو كتاب ضخم يتسم بطابعين: «الاستدلال» و«المقارنة» وهو نظير «التذكرة» ولكن أوسع وأشمل منه، ولذلك يصفه العلاّمة في بعض الموارد بقوله ينتهي بانتهاء عمرنا.

ويصفه في الخلاصة، بقوله: لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، رجحنا ما نعتقده، بعد إبطال حجج من خالفنا فيه، يتم إن شاء اللّه تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و تسعين وستمائة سبع مجلدات.(1)

ويصفه في مقدمة الكتاب بقوله: أحببنا أن نكتب دستوراً في هذا الفن (الفقه) يحتوي على مقاصده، ويشتمل على فوائده على وجه الاِيجاز والاختصار، مجتنبين الاِطالة والاِكثار مع ذكر الخلاف الواقع بين أصحابنا، والاِشارة إلى مذاهب المخالفين المشهورين، مع ذكر ما يمكن أن يكون حجّة لكلّ فريق على وجه التحقيق، وقد وسمناه بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» و نرجو من لطف اللّه تعالى أن يكون هذا الكتاب بعد التوفيق لاِكماله أنفع من غيره.(2)

وعلى ضوء ذلك فقد حاز العلاّمة الحلّي قصب السبق على غيره في تطوير الفقه المقارن، فتارة ألّف كتاباً لبيان الخلافات في الفقه الاِمامي وقارن الاَقوال بعضها ببعض مثل المختلف، وأُخرى لبيان الخلافات بين المذاهب


(1) الخلاصة: 45.
(2)منتهى المطلب: 4.

(261)

الاِسلامية سنّية وشيعية، بين مقتضب كالتذكرة ، ومسهب كالمنتهى.

وهذا النوع من الفقه المقارن من خصائصه ولم يسبقه أحد قبله.

نعم، قام غير واحد من مشايخ الشيعة بتصنيف كتب في الفقه المقارن على النمط الثاني كالانتصار للسيد المرتضى(355ـ 436هـ) والخلاف للشيخ الطوسي (385ـ 460هـ) والكتاب يعد من ذخائر التراث الفقهي الاِسلامي، وقد طبع في جزءين كبيرين بالطبعة الحجرية ينتهي الجزء الاَوّل إلى آخر الصلاة، والجزء الثاني إلى آخر الحجّ.

وقال في إجازته للسيد مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الاِمامي المدني قاضي المدينة المتوفّى عام 754هـ، قال: كتاب منتهى المطلب خرج منه العبادات سبع مجلدات.(1)

إنّه قدَّس سرَّه يشير إلى الفرق بين التذكرة والمنتهى في نهاية كتاب تحرير الاَحكام الذي سيأتي الكلام فيه.

يقول في نهاية هذا الكتاب: «هذا آخر ما أخذناه في هذا الكتاب، وهو قيم يعرض طالب التوسط في هذا الفن، ومن أراد الاِطالة فعليه بكتابنا الموسوم بتذكرة الفقهاء الجامع لاَُصول المسائل وفروعها مع إشارة وجيزة إلى وجوهها وذكر الخلاف الواقع بين العلماء وإيراد ما بلغنا من كلام الفضلاء.

ومن أراد الغاية وقصد النهاية فعليه بكتابنا الموسوم بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» واللّه الموفق للصواب منه المبدأ وإليه المعاد».(2)

وقد قام بتحقيقه وإخراجه في حلة قشيبة قسم الفقه في مجمع البحوث الاِسلامية بمشهد الرضا _ عليه السلام _ وخرج منه إلى الآن خمسة أجزاء.


(1) أجوبة المسائل المهنائية:155؛ البحار: 104|147.
(2) تحرير الاَحكام: 2|281.

(262)

السابع: نهاية الاِحكام في معرفة الاَحكام

كتاب يحتوي على جلّ المسائل الفرعية الفقهية مع الاِشارة إلى الدلائل بعبارة موجزة.

يعرّفه العلاّمة في مقدمة الكتاب بقوله: لخصت فيه فتاوى الاِمامية على وجه الاِيجاز وأشرت فيه إلى العلل مع حذف الاِطالة والاِكثار.

وخرج منه كتاب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، البيع إلى آخر الصرف.

وقد فرغ كتاب الصلاة في شهر شعبان من شهور سنة 705هـ.

وقد طبع في جزئين بتحقيق السيد مهدي الرجائي (حفظه اللّه) وهو ممّن وقف عمره في إحياء التراث ونشر مآثر الشيعة.

والفرق بينه وبين التحرير طفيف جداً، فالاِشارة إلى الدليل فيه أكثر من التحرير لكن الثاني يفوق عليه بجودة الترتيب والتخريج. واشتماله على تمام الكتب الفقهيّة.

الثامن: تحرير الاحكام

وها نحن الآن بصدد استعراض كتاب فقهي آخر وهو كتاب تحرير الاَحكام الشرعية إلى مذهب الاِمامية.

وقد عرّفه العلاّمة في مقدمة الكتاب بقوله: جمعنا فيه معظم المسائل الفقهية وأوردنا فيه أكثر المطالب الشرعية الفرعية من غير تطويل بذكر حجّة ودليل، إذ جعلنا ذلك موكولاً إلى كتابنا الموسوم بـ«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فانّه قد شمل المسائل أُصولها وفروعها وذكر الخلاف الواقع بين


(263)

المسلمين إلاّ ما شذ، واستدلال كلّفريق على مذهبه مع تصحيح الحقّ وإبطال الباطل وإنّما اقتصرنا في هذا الكتاب على مجرّد الفتاوى لا غير.(1)

وعرّفه في الخلاصة بقوله: حسن جيد، استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره.(2)

وقال شيخنا المجيز: اقتصر فيه على مجرد الفتوى وترك الاستدلال، لكنّه استوعب الفروع والجزئيات حتّى أنّه أُحصيت مسائله فبلغت أربعين ألف مسألة(3) رتّبها على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد: العبادات، والمعاملات، والاِيقاعات، والاَحكام؛ بادياً بمقدمة ذات مباحث في معنى الفقه وفضله وآدابه ومعرفته وعدم كتمانه. ثمّ ذكر النسخ الموجودة منه في المكتبات.(4)

عصر التخريج والتفريع

لقد تألّق نجم المذاهب الاَربعة منذ منتصف القرن الرابع، فسرت روح التقليد للاَئمة الاَربعة سرياناً عاماً اشترك فيه العلماء وجمهور الناس.

لقد تلقّى الجمهور تلك المذاهب تراثاً إسلامياً بلغ من القداسة كأنّها وحي من اللّه لا يمكن النقاش فيها ولا يجوز الخروج عن إطارها، فأصبحت نصوص الاَئمّة الاَربعة كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم وموَدّى لفظهم، وقد خلّف ذلك مضاعفات حالت دون تكامل الفقه، منها:

أ. نشوء روح التقليد بين فقهاء تلك الاَعصار والتعصّب لمذهب الاَسلاف.


(1) تحرير الاَحكام:1|2.
(2) الخلاصة: 45 برقم 52.
(3) ولعلّ المراد هي الفروع لا المسائل، لاَنّ الاَُولى تقارب هذا المقدار دون الثانية.
(4) الذريعة: 3|378.

(264)

ب. كثرة التخريج والتفريع والترجيح بين فقهاء المذاهب، فانّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب والسنّة، انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الاَُصول الثابتة عند أئمّة المذاهب، ولاَجل ذلك كثر التأليف والتصنيف في هذه العصور وأكثرها يحمل طابع التخريج والتفريع.

إنّباب الاجتهاد وإن أقفل في هذه الفترة لكن نشط الاجتهاد في إطار مذهب معين. فلذلك بدأ التخريج والتفريع في مسائل كثيرة فلم يكن لاَئمّتهم فيها نص، وبذلك ألفت كتب في هذا المضمار، أي استنتاج الفروع من الاَُصول وما لا نص فيه من أئمّتهم عمّا فيه نص منهم.

وهذا نوع من الاجتهاد المحدّد بمذهب خاص، وقد نشأ العلاّمة في هذه الاَجواء التي تطلب لنفسها التخريج والتفريع، فشمّر عن ساعد الجد وألّف كتاب «تحرير الاَحكام» لتلك الغاية،ولو صحّ ما نقله شيخنا المجيز عن بلوغ مسائله إلى أربعين ألف، فقد تحمل عبئاً ثقيلاً في جمع تلك الفروع في الاَبواب الفقهية المختلفة وعرضها على الاَدلّة واستخراج حكمها منها وليست تلك المحاولة جديدة من نوعها، فقد سبقه فيها الشيخ الطوسي بتأليفه كتاب «المبسوط» وكانت الغاية من تأليفه هو الاِجابة على الفروع التي لا نصّفيها مستخرجاً أحكامها ممّا نص فيه، يقول:

فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الاِمامية ويستنزرونه وينسبونهم إلى قلّة الفروع وقلّة المسائل، وانّ من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الاَُصول، لاَنّ جلَّ ذلك مأخوذ من هذين الطريقين.

ثمّ ردَّ على وجهة النظر تلك بقوله: إنّ جلَّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه تلويحاً عن أئمّتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى


(265)

قول النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إمّا خصوصاً أو عموماً أو تصريحاً أو تلويحاً.(1)

والتخريج في الفقه الاِمامي يختلف عن التخريج في فقه المذاهب الاَربعة، فإنّ التخريج هناك على ضوء النصوص الموروثة عن أئمّتهم التي لا تتجاوز عن كونها فتاوى فقهية لهم مستنبطة غالباً من الاَساليب الظنية.

وأمّا التخريج في الفقه الاِمامي فهو تابع لضوابط معيّنة، إذ يستخرج حكم الفروع من الاَُصول المنصوصة إمّا خصوصاً أو عموماً أو تصريحاً أو تلويحاً كما صرّح به الشيخ.

فالاجتهاد عند السنّة في هذا المجال، اجتهاد شخصي في فهم كلام إمام المذهب، ولكن الاجتهاد في الفقه الاِمامي اجتهاد في فهم النصوص الشرعية الواردة من النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وآله المعصومين الذين تجري أقوالهم مجرى قول النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لحديث الثقلين.

هذه هي الكتب الفقهية الثمانية المعروفة للعلاّمة الحلّي المنتشرة على نطاق واسع، وله كتب فقهية أُخرى غير مشهورة، وانّ قسماً منها لم ير النور.

مشكلة الاختلاف في آرائه

من استعرض فتاوى العلاّمة الحلّي في كتبه الفقهية ربما يقف على آراء مختلفة له في مسألة واحدة في مختلف الكتب، وقد أثارت هذه المسألة العديد من التساوَلات.

فربما يفسر اختلاف فتاواه بحرصه على التأليف واستعجاله في التصنيف، وانّه كان يكتب كلّ ما يرتسم في ذهنه بلا مراجعة إلى أقواله المتقدمة، أو انّه كان لا يفحص في الاَحاديث والاَدلّة حقّالفحص. فبدا له التجدّد في الرأي والتلوّن


(1) المبسوط: 1|2.

(266)

في الاجتهاد.(1)

وقريب منه ما ذكره المحدّث البحراني في لوَلوَة البحرين.(2)

وربما يجاب عن الاِشكال:

بأنّ فتاوى العلاّمة كانت في متناول فقهاء عصره الذين بلغ عددهم في الحلّة إلى 440 مجتهداً.(3)

فقد كانت تنهال عليه مناقشات العلماء والمجتهدين فيما أفتى به وذهب إليه فكان ـ رضي اللّه عنه ـ ينظر فيها ويبحثها معهم، فإن لم يقتنع بها ردّها، وإن رآها سديدة قبلها برحابة صدر، وغيّر فتواه.(4)

وهذا النوع من الدفاع وإن كان صحيحاً إجمالاً ولا يختص هذا بالعلاّمة وعصره، فانّ تغيير الفتاوى لاَجل مناقشات المعاصرين ليس أمراً جديداً، لكن تبرير هذا النوع من الاختلاف الشاسع عن هذا الطريق غير كاف، إذ لو كان هذا هو السبب الرئيسي لاَشار إليه العلاّمة في طيات كتبه، وانّه رجع عمّا كان يراه فيما سبق لاَجل هذه المناقشة، ولكن صياغة كتبه تأبى عن ذلك التبرير فيجب التماس وجه آخر.

وهو انّ العلاّمة الحلّي قد عاش في عصر ازدهرت فيه عملية التخريج والتفريع، وكانت له صلة وثيقة بفقهاء كلا الفريقين طوال ستين سنة، وكان ذا ذكاء خارق وذهن ثاقب، وآية في الدقة والتحقيق، فمثل هذا الفقيه الذي هو في


(1) لاحظ تنقيح المقال: 1|315، نقله عن السماهيجي.
(2) لوَلوَة البحرين: 226.
(3) رياض العلماء: 1|361، قال: ومن الغرائب ما نقل انّه كان في الحلّة في عصر العلاّمة أو غيره 400 مجتهداً وأربعين.
(4) إرشاد الاَذهان: 160، قسم المقدمة.

(267)

خضمِّ الاحتكاكات الفقهية من جانب وكثرة أسفاره ولقائه بعلماء كلا الفريقين أتاح له الفرصة في خلق أفكار فقهية جديدة حسب ما يوحي إليه فهمه الخلاق، وليس هذا بعزيز.

فهذا هو محمد بن إدريس الشافعي (150ـ 204هـ) قد خلف فتاوى قديمة وفتاوى جديدة، فلما غادر الحجاز إلى العراق ومكث فيه سنين طوال كانت له آراء، فلما هبط مصر بدت له فتاوى أُخرى غير تلك الفتاوى القديمة، وصارت معروفة بالفتاوى الجديدة.

فمثير هذه الشبه انطلق من جمود فكري وعدم معرفة كاملة بواقع الفقه، ولو كان من فرسان هذه الحلبة لسهل له هذا الاَمر ولم ينقم على العلاّمة كثرة فتاواه.

فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً


(268)

محمد بن إبراهيم الشيرازي

صدر المتألّهين (979 ـ 1050 هـ )

يتضمّن هذا التقديمُ استعراضَ تاريخ الحديث عند الشيعة الاِمامية، وتألُّق نجمه في القرن الرابع الهجريّ على يد شيخ المحدثين، ثقة الاِسلام، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، وبيان خدماته الجليلة في هذا الصعيد.

كما يتضمّن حياة وسيرة صدر الحكماء المتألّـهين، واستعراض المراحل الثلاث التي مرّ بها في حياته المِعْطاء، والآثار العلمية القيمة التي خَلَّفَها للاَجيالاللاحقة، والاَُصول التي أسّسها وأرساها في ميدان المعرفة، وإخلاصهلكتاب اللّه العزيز، والسنة المحمدية الشريفة، ولاَحاديث العترة المطهَّرة.

ويسعِدُنا أن تأتي هذه الترجمة لذينك العَلَمين الفذّين، والرائدين العبقريّين من روّاد الحديث والفلسفة، في مطلع كتابٍ التقى فيه رافِدا «الحديثِ» و«الحكمة» ليوَكّدَ هذا التلاقي المبارك على مدى التوافق بين «الدين الحنيف» و«العقلِ الحصيف» ومدى التعاضدِ بين «العلمِ والعقيدة».



(269)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي عجزت العقول عن كنه معرفته، وقصرت الاَلسن عن وصف جلاله وجبروته. والصلاة والسلام على سيّد بريّته، محمّد المصطفى وآله من عترته.

أمّا بعد:

إنّ إحياء ذكرى نوابغ الفكر وأساطين العلم ـ هو في الحقيقة ـ إحياء للعلم نفسه وتثمين للجهود المبذولة في هذا السبيل، وتقييم للتراث الذي خلّفوه، ودعوة للجيل الصاعد إلى اقتفاء آثارهم والاِقتداء بمناهجهم.

ومن حسن الحظ ودواعي المسرّة والغبطة أن يقام موَتمر لاِحياء الذكرى المئوية الرابعة لمنار العلم وا لفكر وحامل لوائه، في عصر أخذ فيه التفكير العقلي يخبو ويتراجع تراجعاً ملحوظاً ـ أمام المدّ الاَخباري ـ ألا وهو الحكيم الجليل محمد بن إبراهيم الشيرازي (979 ـ 1050هـ) المعروف بصدر المتألهين أنار اللّه برهانه.

وقد قام غير واحد من الكتّاب بتسليط الاَضواء على سيرته وآثاره وما قدّم إلى الساحة الفكرية من تراث عظيم، ولكن مازالت ثمّة خبايا من حياته لم يبحث عنها ولم تلق عناية لاَكثر من كتب عنه، لعلّنا نوافيك بها في هذا المقال الذي هو تقديم لكتابه القيّم «شرح أُصول الكافي» لثقة الاِسلام الكليني فيناسب طرح موضوعات لها صلة بالموَلّف والشارح وكتابيهما والتيارات الفكرية التي سادت


(270)

في عصرهما ولاِيفاء ذلك الغرض نطرح الموضوعات التالية وليكون أداءً لبعض الحقوق:
1. تصوير الظروف والتيارات الفكرية التي سادت عصر الشيخ الكليني.
2. عرض نبذة مختصرة عن سيرة الكليني والبيت العريق الذي نشأ فيه.
3. لمحة خاطفة عن الآثار التي تركها وأخصّ بالذكر كتابه القيّم«الكافي».
4. سيرة الشارح وحياته وآثاره.
5. الخطوط العريضة لفلسفته.
6. تحليل كتابه باسم «شرح أُصول الكافي».

هذه هي الخطوط الرئيسيّة لمقالنا.

فنقول:

الحديث المصدر الثاني في التشريع

يُعدّ الحديث المصدر الرئيس للمسلمين قاطبةً في العقائد والاَحكام بعد القرآن الكريم، وهو كالكتاب وحي بمعناه وإن لم يكن وحياً بلفظه، وكيف لا يكون كذلك والنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لا يصدر في تبيين العقيدة والشريعة إلاّ عن الوحي، قال سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌّ يُوحى) (1)‌ وقال سبحانه: (وَأَنْزَلَاللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالحِكْمَة)(2) إنّ مقتضى عطف الحكمة على الكتاب، أنّها غيره، وليست هي إلاّ السنّة المأثورة عن طريق قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وفعله وتقريره.


(1) النجم: 3 ـ 4.
(2) النساء: 113.

(271)

إنّ العترة الطاهرة بما أنّهم قرناء الكتاب وأعداله وخلفاء الرسول وأوصياوَه، فهم حفظة سننه، وعيبة علمه، فقولهم وفعلهم وتقريرهم يجسّد سنّة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم بصورها الثلاث.

لقد وقف المسلمون على مكانة السنّة وعظمتها وأنّها ركن مهم في التشريع الاِسلامي ولكن حالت السياسة بعد رحيل النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دون نقلها وتدوينها ودراستها لطيلة قرن من الزمن، وقد ألمح بعض الصحابة في عهد الرسول إلى فكرة «حسبنا كتاب اللّه» وأنّ المسلمين في غنى عن غيره فكانت هذه أخطر عملية منعٍ، لكتابة الحديث وتدوين السنّة عقب وفاة الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

روى البخاري عن ابن عباس، قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ وجعه، قال: «إئتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».

قال عمر: إنّ النبيّغلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه، حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط.

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «قوموا عنّي فلا ينبغي عندي التنازع».

فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه.(1)

لم تكن فكرة الاستغناء عن سنّة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مجرّد أُمنية تراود بعض الصحابة بل نفذّها على الصعيد العملي عندما تولى مقاليد الخلافة، وكان المانع هو نفسه الذي تزعّم عملية الحظر لما أراد النبي كتابتها.

روى الخطيب قال: إنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّفي أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم


(1) البخاري: الصحيح: 1|30 باب كتابة العلم، من كتاب العلم.

(272)

كتب، فأحبّها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يُبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوِّمها على أمر حتى لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب.(1)

لقد صار عمل الخليفة سنّة رائجة في حياته وبعده إلى عصر المنصور الذي دعا الناس إلى تدوين الحديث وكتابته بعد خسارات فادحة أُصيب بها الحديث.

قال الذهبي: وفي سنة 143هـ شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قال: ـ وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة.(2)

أمّا شيعة أئمّة أهل البيت فلم يُعيروا أهمية لهذا الحظر، بل دأبوا على كتابة السنّة وتدوينها ونشرها بين أبنائهم لعلمهم بأنّ السنّة وحي كالقرآن الكريم لا يمكن التساهل والتسامح فيها دون نشرها وإلاّ تذهب أدراج الرياح، لاَنّ ما في الصدور يذهب بذهاب أصحابها بخلاف الكتاب فإنّه يبقى عبر الاَزمنة والقرون.

كان لرفع الحظر عن كتابة الحديث وتدوينه والتحريض على دراسته أثر ملحوظ في انكباب العلماء والمحدّثين على دراسته وكتابته وتدوينه، وشدّ الرحال إلى آفاق بعيدة بُغية جمع السنّة النبوية، فراج الحديث على اثرها أواخر القرن الثاني وبلغ ذروته أوائل الرابع، فصارت الحواضر الاِسلامية مراكز مهمة للحديث وجمعه لا سيما حاضرة العراق وضاحيتها الكوفة، والري وضواحيها


(1) الخطيب البغدادي: تقييد العلم، ص 52.
(2) تاريخ الخلفاء، للسيوطي، ص 261.

(273)

وخراسان ومدنها، فأُلِّفت خلالها مسانيد وصحاح وجوامع وموسوعات، كصحيح البخاري لمحمد ابن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (194ـ256هـ) وصحيح مسلم لاَبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري (201ـ261هـ) إلى غير ذلك من الصحاح والسنن عند أهل السنّة.

كما خرج للشيعة الاِماميّة كتاب «الجامع» لاَحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي المتوفّى(221هـ) وكتاب «الثلاثين» لحسين بن سعيد الاَهوازي الذي يروي عن الاِمام الرضا _ عليه السلام _ المتوفّى (203هـ) والاِمام الجواد _ عليه السلام _ المتوفّى (220هـ) وكتاب «المحاسن» لاَحمد بن محمد بن خالد المتوفّى (274هـ) ونوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى الاَشعري المتوفّى (حوالي 293هـ) إلى غير ذلك من محدّثي الشيعة الكبار الذين خدموا السنّة وأحاديث العترة ببيانهم وأقلامهم وألسنتهم وحفظوها عن الضياع والاندثار.

والجوامع التي أشرنا إليها على وجه الاِيجاز كانت هي المادة المستقاة لشيخنا الكليني في تصنيفه للكافي في الاَُصول والفروع باسناد متّصلة قراءة وسماعاً.

* * *

التيارات الفكرية في عصر الكليني

نشأ الكليني في النصف الثاني من القرن الثالث وأدرك الربع الاَوّل من القرن الرابع، حيث إنّه ولد في عصر إمامة العسكري _ عليه السلام _ التي دامت ستّ سنين (254ـ260هـ) وتوفّي عام 328هـ أو 329هـ،فقد أدرك عصر الظهور والغيبة الصغرى جميعاً، وكان ذلك العصر مشحوناً بتيّارات فكرية مختلفة لم يكن لها مثيل من قبل.

فمن متحدِّث سلفيّ يحمل لواء التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة والجبر ويضم إلى حزمته كلّ غثّ وسمين لا يبالي عمّن أخذ وما أخذ.


(274)

إلى مرجئي ينادي بكفاية الاِيمان باللّه ورسوله عن القيام بالتكاليف، وبالتالي يدعو إلى الانحلال عن القيود الشرعية.

إلى قدريّ يرى حاجة الفاعل في ذاته إلى اللّه سبحانه دون فعله، وكأنّه إله ثان في الاَرض في مقام الاِيجاد والتأثير يهدم بمعوله التوحيد في الخالقية.

إلى خارجيّ يكفّر جميع طوائف المسلمين بملء فمه وينزّه الخليفتين الاَوّلين ويبغض الآخرين بذريعة أنّه لا حكم إلاّ للّه.

إلى دخلاء في الاِسلام يتظاهرون به في حين يصوّبون سهامهم إلى ظهر المسلمين.

إلى غير ذلك من التيارات التي عجّت بها تلك الحقبة من الزمان.

ومع أنّ الحواضر الاِسلامية كانت مشحونة بهذه الفرق المختلفة إلاّ أنّ الطابع العام الذي كان سائداً على سياسة الحكومات آنذاك هو تأييد السلفية ودعاة الحديث خدمة لمصالحها، ولذلك نجد بين أهل الحديث من رفع راية التجسيم والتشبيه بحماس من غير خوف ولا وجل من أهل التنزيه، منهم:
1. عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني صاحب «المسند»، ولد قبل المائتين وتوفّي عام 280هـ، له كتاب «النقض» يقول فيه: اتّفق المسلمون على أنّ اللّه تعالى فوق عرشه وسماواته.(1)
2. خشيش بن أصرم مصنّف كتاب «الاستقامة» يعرّفه الذهبي بأنّه يردّفيه على أهل البدع(2)توفّي سنة 522هـ.(3)


(1) سير أعلام النبلاء: 13|325.
(2) تذكرة الحفّاظ: 2|551.
(3) سير أعلام النبلاء: 2|250.

(275)

ويريد من هذه الكلمة أهل التنزيه الذين لا يثبتون للّه سبحانه خصائص الموجود الاِمكاني وينزّهونه عن الجسم والجسمانيات.
3. أحمد بن محمد بن أزهر بن حريث السجستاني السِّجزي، نقل الذهبي في ميزان الاعتدال عن السلمي، قال: سألت الدار قطني عن الاَزهري، فقال: هو أحمد بن محمد بن الاَزهر بن حريث، سجستاني منكر الحديث لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً (1)توفّي عام 213هـ.(2)

أقول: وكفى بهذا ضعفاً، لاَنّ ابن خزيمة هو رئيس المجسّمة والمشبّهة في عصره، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل.
4. محمد بن أبي إسحاق بن خزيمة (المتوفّى 311هـ) موَلّف كتاب «التوحيد في إثبات صفات ربّ العالمين» وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الاَخيرة الذي يقول في حقّه الرازي عند تفسيره قوله سبحانه:(ليس كمثله شيء).

واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه «التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لاَنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(3)
5. عبد اللّهبن أحمد بن حنبل (213ـ 290هـ) راوية أحاديث أبيه أحمد بن حنبل وكتابه «السنّة» المطبوع لاَوّل مرّة بالمطبعة السلفية ومكتبتها عام 1349هـ مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب وتكلّمه وأصبعه


(1) ميزان الاعتدال: 1|132.
(2) سير أعلام النبلاء: 14|396.
(3) الرازي: مفاتيح الغيب: 27|150.

(276)

ويده ورجله وذراعيه.

وقد كان لكتاب «التوحيد» لابن خزيمة صدًى واسع في القرن الرابع وبعده، هذا ابن كثير يذكر في حوادث عام 460هـ: وفي يوم النصف من جماديالآخرة قُرىَ «الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة والاِنكار على أهل البدع. وقَرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدّث كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام واعترفوا بالموافقة.(1)

وقد ظهر في عصر الكليني، الاِمام أبو الحسن الاَشعري (260ـ324هـ) وقد تربّى في أحضان المعتزلة وتتلمذ على يد أبي علي الجبّائي (236ـ303هـ) ثمّ رفض الاعتزال والتحق بمنهج الحنابلة ونادى بأعلى صوته في الجامع الكبير في البصرة وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان كنت قلت بخلق القرآن، وإنّ اللّه لا يرى بالاَبصار، وإنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للردّ على المعتزلة.(2)

إنّ كثيراً ممّن يُحسن الظنّ بإمام الاَشاعرة يفسّرون انقلابه إلى منهج الحنابلة بفكرة القيام بإصلاح عقيدة أهل الحديث التي كانت سائدة في أكثر البلاد وأنّ الاِصلاح لم يكن ميسّراً إلاّ بالتزيّ بزيّهم، ولوصحّت تلك في بدء الاَمر، ولكنّه لم يتخلّص من أكثر ما كان عليه أهل الحديث في ذلك اليوم غير أنّ الجبر والتشبيه والتجسيم صريح في كلمات المحدّثين، وهي مروية في كتب الاَشعري ومن والاه.

يقول الدكتور أحمد أمين: في رأيي لو سادت المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم


(1) البداية والنهاية:6|96.
(2) فهرست ابن النديم: 271.

(277)

وشلّهم الجبر، وقعد بهم التواكل.(1)

ففي هذا الجو المشحون بالاَهواء النفسية والافتخارات الجاهلية والتعصّبات الباطلة، تألّق نجمٌ محدّثٌ شيعيّ واع جمع سنّة النبيّ وحديث عترته الطاهرة بعد أن غادر مسقط رأسه (كلين) متابعاً رحلته في طلب الحديث حتى جاب البلاد واجتازها، فألّف كتابه الكبير الكافي في الاَُصول والفروع في عشرين عاماً، يضمّ في طيّاته حوالي ستة عشر ألف حديث من أحاديث النبي وأئمّة أهل البيت الذين هم أدرى بالبيت؛ صانوا بذلك السنّة من عبث الوضّاعين والجعّالين، وإليك لمحة عن سيرته:

سيرة الكليني

هو الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق المكنّى بأبي جعفر، ولد في قرية كُلَين ـ بضمّ الكاف وفتح اللام ـ قرية من قرى الري تقع على بعد 38 كيلومتراً جنوبي غربي بلدة الري الحالية، شرقي مدينة قم بينها وبين الطريق 5 كيلومترات.

وأمّا كلَين ـ بفتح اللام ـ فهي قرية من قرى «ورامين» وربّما يُنسب شيخنا إليها وهواشتباه واضح.

أمّا أُسرته فوالده عالم من علماء الري انتقل إلى موطنه وبقي فيها إلى أن توفّي، وقبره هناك معروف يزار. هذا من جانب الاَب.

وأمّا أُسرته من جانب الاَُمّ فأُمّه من بيت عريق في العلم والحديث، ويبدو أنّالاَُمّ كانت عالمة فاضلة، لاَنّها تربّت في أحضان هذا البيت الذي أنجب العديد من المحدّثين والعلماء.

فوالدها هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن أبان، وصفه الشيخ الطوسي بقوله:


(1) ضحى الاِسلام:3|70.

(278)

محمد بن إبراهيم المعروف بعلان الكليني، خيّر.(1)

وعمّها هو الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أبان يعرّفه الطوسي بقوله: أحمد بن إبراهيم المعروف بعلان الكليني ، خيّر، فاضل من أهل الري.(2)

وأخوها، هو الشيخ علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني، يعرّفه النجاشي بقوله: علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بعلان، يكنّى أبا الحسن، ثقة، عين، له كتاب أخبار القائم _ عليه السلام _ .(3)

وممّا ذكرنا يظهر أنّ علاّن لقب العائلة، حيث إنّ الجدّ والاَب والخال يطلق عليهم علاّن وخاله هذا من مشايخ الكليني.

يقول العلاّمة المامقاني: وهو الذي يروي عنه الكليني بغير واسطة كثيراً، وهو داخل في العدّة التي يروي الكليني بواسطتهم عن سهل بن زياد، وقال غير واحد إنّه أُستاذ الكليني وخاله.(4)

ويظهر من العلاّمة المامقاني أنّ ابن الخال: محمد بن علي وحفيده القاسم بن محمد من العلماء.(5)

وفي هذه الاَُسرة العريقة بالعلم والاَدب نشأ شيخنا الكليني وتألّق نجمه، فصار من أكابر المحدّثين، وأعظم المجتهدين في عصره على وجه أطلق لسان كلّ موافق ومخالف للثناء عليه وإطرائه، وفاحت بذكره المعطر أقلامهم، فلو نقلنا أقوال الفريقين في حقّه لطال بنا المقام، ولكن نكتفي ببعض الكلمات:


(1) رجال الطوسي، باب من لم يرو عنهم _ عليهم السلام _ : 496، باب الميم برقم 29.
(2) رجال الطوسي، باب من لم يرو عنهم _ عليهم السلام _: 438، باب الاَلف برقم 1.
(3) النجاشي: 2|88 برقم 680.
(4) تنقيح المقال: 2|302 برقم 8446.
(5) المصدر نفسه.

(279)

1. يذكره الشيخ المفيد بقوله:وقد ذكر الكلينيرحمه اللّه في كتاب «الكافي» وهو من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة.(1)
2. يقول النجاشي: محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني، شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، صنّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمّى «الكافي» في عشرين سنة.(2)ثمّ ذكر كتبه.
3. وقال الشيخ الطوسي: محمد بن يعقوب الكليني يكنّى أبا جعفر، جليلالقدر ،عالم بالاَخبار، وله مصنّفات يشتمل عليها الكتاب المعروفبالكافي.(3)
4. وقال في الفهرست: محمد بن يعقوب الكليني،، يكنّى أبا جعفر، ثقة، عارف بالاَخبار، له كتب منها كتاب «الكافي» يشتمل على ثلاثين كتاباً.(4)

هذا بعض ما قاله علماء الشيعة في حقّه، وإليك بعض النصوص من علماء السنّة، وقد ذكروه بإجلال من دون أيّ غمض فيه.
5. ذكره مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الاَثير (544ـ 606هـ) في جامع الاَُصول في تفسير ما رواه أبو هريرة عن رسولاللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «إنّ اللّه يبعث لهذه الاَُمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها». وقال: أخرجه أبو داود.(5)


(1) المفيد: تصحيح الاعتقاد: 27، طبعة تبريز.
(2) رجال النجاشي: 2|290 برقم 1027.
(3) رجال الطوسي: 496، باب من لم يرو عن الاَئمّة ، باب الميم برقم 27.
(4) الفهرست: 161برقم 603.
(5) لسان الميزان: 5|433.

(280)

ثمّ ذكر أنّ العلماء تكلّموا في تأويل هذا الحديث كلّ واحد في زمانه، ثمّ قال: ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الاِسلام التي عليها مدار المسلمين في أقطار الاَرض وهي: مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومذهب الاِمامية ومن كان المشار إليه من هوَلاء على رأس كلّ مائة سنة.

ثمّ ذكر أنّالاِمام الباقر هو مجدّد مذهب الاِمامية على رأس المائة الاَُولى، والاِمام عليّبن موسى الرضا _ عليه السلام _ على رأس المائة الثانية.

ثمّقال: وأمّا من كان على رأس المائة الثالثة... أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي من الاِمامية.(1)
6. وذكره عزّ الدين أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن الاَثير (558ـ 630هـ) في حوادث عام 328هـ وقال: وفيها توفّي محمد بن يعقوب، (وقتل محمد بن علي) أبو جعفر الكليني وهو من أئمّة الاِمامية وعلمائهم.(2)
7. وذكره ابن عساكر محمد بن مكرم (630ـ 711هـ) في تاريخ دمشق وهذا يعرب عن أنّه ممّن دخل دمشق وزارها وقال: محمد بن يعقوب ويقال (محمد ابن علي ) أبو جعفر الكليني، من شيوخ الرافضة،حدّث عن علي بن إبراهيم بن هاشم بسنده إلى جعفر بن محمد قال: قال أمير الموَمنين: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».

ثمّ قال: الكليني بضمّ الكاف والنون بعد الياء وإمالة اللام، توفّي محمد بن


(1) أخرجه برقم 4291، في الملاحم باب ما يذكر في حول المائة ،لاحظ جامع الاَُصول:1|423.
(2) ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 11|323، نشر وتوزيع دار الفكر، الطبعة الثانية، 1403هـ.

ما بين القوسين موجود في الطبعتين القديمة والحديثة لاحظ الكامل: 8|364 حوادث عام 328هـ ولاحظ الطبعة القديمة:6|274.ولعلّ«قتل» مصحف «قيل» كما يظهر من كلام ابن عساكر الآتي.


(281)

يعقوب سنة 328هـ.(1)

هذا ما وقفنا عليه في مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، ثم وقفنا على نفس تاريخ ابن عساكر حيث جاء فيه: أبو جعفر الكليني الرازي من شيوخ الرافضة، قدم دمشق وحدّث ببعلبك عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري، وعلي بن إبراهيم بن هاشم.

روى عنه أبو سعد الكوفي شيخ الشريف المرتضى، وأبو عبد اللّه أحمد بن إبراهيم، وأبو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، وعبد اللّه بن محمد بن ذكوان.

أنبأنا أبو الحسن... بن جعفر قالا: أنا جعفر بن أحمد بن الحسين بن السراج، أنا ابوالقاسم المحسن بن حمزة... الورّاق بتنيس أنا ابو على الحسن بن علي بن جعفر الديبلي بتنيس في المحرم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، أنا ابو القاسم علي بن محمد بن عبدوس الكوفي، أخبرني محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن ابراهيم الى أن انتهى الاسناد الى أمير الموَمنين _ عليه السلام _ انّه قال: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».(2)
8. وقال صلاح الديـن خليـل بن أيبـك الصـفـدي (697ـ 764هـ): الكليني محمد بن يعقوب أبو جعفر الكليني من أهل الري سكن بغداد إلى حين وفاته، وكان من فقهاء الشيعة والمصنّفين على مذهبهم، حدّث عن أبي الحسين محمد بن علي الجعفري السمرقندي، ومحمد بن أحمد الخفّاف النيسابوري، وعلي بن إبراهيم بن هاشم، توفّي سنة 328هـ.(3)


(1) مختصر تاريخ دمشق لاِبن عساكر:23|362 برقم 386.
(2) تاريخ ابن عساكر: 56|297.
(3) الوافي بالوفيات:5|226 برقم 2003.

(282)

9. وعرّفه ابن حجر (المتوفّى 852هـ) بقوله: محمد بن يعقوب بن إسحاق أبو جعفر الكليني الرازي، سكن بغداد وحدّث بها عن محمد بن أحمد بن عبد الجبار، وعلي بن إبراهيم بن هاشم وغيرهما، كان من فقهاء الشيعة والمصنّفين على مذهبهم، توفّي سنة 328هـ ببغداد.(1)

ثقافته العلمية

إنّ من أمعن النظر في مشايخ الكليني الذين أكثر عنهم الرواية يقف على أنّه تألّق نجمه في الحديث في بلدة الري وضواحيها، حيث إنّ أكثر من يروي عنهم هم من أهل الري وقم، وهذا يدل على أنّه قد اكتملت شخصيته الحديثية والعلمية قبل رحيله إلى العراق عام 327هـ ، وإليك نزراً من مشايخه القميين والرازيين الذين تتلمذ عليهم:
1. أبو علي الاَشعريّ أحمد بن إدريس (المتوفّى 306 هـ)، فقد روى عنه في الكافي 1029 حديثاً.
2. أبو عبد اللّه الحسين بن محمد بن عمران الاَشعري القمّي المعروف بابن عامر(2)، تبلغ رواياته عنه 83 حديثاً.

3. علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي، تبلغ رواياته عنه 7028 حديثاً.
4. علي بن محمد، وهو مردّد بين علي بن محمد البندار (3)المعروف بماجيلويه أو علي بن محمد بن إبراهيم علاّن الكليني والظاهر هو الثاني، لاَنّالكليني روى في موارد كثيرة عن علي بن محمد عن سهل بن زياد، وقد ذكرالمحقّقون أنّ علان الكليني


(1) لسان الميزان:5|433.
(2) لاحظ ترجمته في تنقيح المقال: 1|342.
(3) إقرأ ترجمته في تنقيح المقال:2|303.

(283)

أحد العدة التي يروي بها عن سهل بن زياد.
5. محمد بن إسماعيل البندقي النيسابوري، وقد بلغت رواياته عنه 758 حديثاً.
6. محمد بن يحيى العطار القمّي، وقد بلغت رواياته عنه 5073 حديثاً.

هذه أجلّة مشايخ الكليني الذين أكثر عنهم الحديث وكلّهم من محدّثي قم والري.

ويبدو أنّ الشيخ الكليني بعدما أخذ ما أخذ من القمّيين والرازيين والخراسانيين، بدأ رحلته إلى العراق ليجوب البلاد ويلتقي بالمشايخ في أخذ الحديث ويكمِّل به كتابه.

وهذا هو الشيخ الطوسي يذكر في سنده إلى كتاب الكافي أنّه يرويه عن أحمد ابن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أحمد بن أبي رافع وأبي الحسين عبد الكريم ابن عبد اللّه بن نصر البزاز بتنيس(1)وبغداد، عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني جميع مصنفاته وأحاديثه سماعاً وأجازه ببغداد بباب الكوفة بدرب السلسلة سنة 327هـ.(2)

وهذا يدلّ على أنّ شيخنا الكليني كان يقطن بغداد في ذلك العام، وأمّا السنة التي غادر موطنه ونزوله بغداد، فغير معلوم ولعلّه كان في تلك السنة أو قبلها بكثير أو قليل.

ذكر الشيخ في الفهرست أنّه يروي كتب الكليني بالطريق المذكور في المشيخة، وقال: أخبرنا أبو عبد اللّه أحمد بن عبدون، عن عبد الكريم بن عبد اللّه


(1) كذا في المصدر وفي فهرست الشيخ (تفليس) والثاني بعيد جداً والاَوّل مبهم.
(2) تهذيب الاَحكام: 10|29 قسم المشيخة.

(284)

بن نصر البزاز بتفليس وبغداد، عن الكليني بجميع مصنّفاته ورواياته(1)ولم يذكر سنة إجازة الشيخ الكليني لتلميذه عبد الكريم بن عبد اللّه.

و قد عرفت عن تاريخ دمشق لابن عساكر أنّ شيخنا الكليني دخل دمشق وحدّث ببعلبك، إلى آخر ما ذكرنا، وهذا يعرب عن أنّه دخل بغداد قبل زمان الاِجازة حتى أُتيحت له الفرصة أن يغادر العراق إلى دمشق ومنها إلى بعلبك حتى التقى بالمشايخ فيها وحدّث بها ثمّ رجع إلى العراق وقطن بغداد وحدّث هناك.

وعلى هذا فقد جاب شيخنا الكليني مراكز الحديث واحداً تلو الآخر، فرحل من موطنه كلين إلى الري، ثمّ قم، ثمّ بغداد، ثمّ دمشق، ثمّ بعلبك راجعاً إلى بغداد نزيلاً بها مفيضاً، إلى أن لقي اللّه تبارك وتعالى عام329هـ، كما ذكره النجاشي في فهرسته والشيخ في رجاله.

قال النجاشي: مات رحمه اللّه ، أبو جعفر الكليني ببغداد سنة 329هـ سنة تناثر النجوم، وصلّى عليه محمد بن جعفر الحسني أبو قيراط، ودفن ببابالكوفة.(2)

وقال الشيخ في رجاله :مات سنة329 في شعبان في بغداد، ودفن بباب الكوفة.(3)

ولكن قدَّس سرَّه أرّخ وفاته في الفهرست عام 328هـ، وما ذكره النجاشي هو الاَقرب إلى الواقع.

وقد ذكر النجاشي في ترجمة والد الصدوق أنّه قدم بغداد سنة 328هـ، ومات سنة 329هـ وهي السنة التي تناثرت بها النجوم.

غير أنّ ابن الاَثير أرّخ سنة التناثر بـ323هـ حيث قال في حوادث سنة 323: وفيها أي في الليلة الثانية عشرة من ذي القعدة وهي التي أوقع القرمطي


(1) الفهرست: 162، طبع النجف.
(2) رجال النجاشي:2|292.
(3) رجال الطوسي: 495.

(285)

بالحجاج، انقضت الكواكب من أول الليل إلى آخره انقضاضاً دائماً مسرفاًجدّاً لم يعهد مثله.(1)

وبما أنّ النجاشي أقرب إلى الواقعة وألصق بها فقوله أقرب إلى الحقّ.

نعم ذكر الشيخ في ترجمة والد الصدوق أنّه روى عنه التلعكبري وقال: سمعت منه (والد الصدوق) في السنة التي تهافتت فيها الكواكب دخل بغداد فيها، وذكر أنّ له منه إجازة بجميع ما يرويه.(2)

ومن الممكن أن يكون عام السماع هو عام وفاة المجيز ولا دلالة له على أنّ وفاته كان في غير ذلك العام لما عرفت من أنّ ليلة التناثر كانت في شهر شعبان، ويمكن أن تتقدّم الاِجازة على التناثر بعدة أشهر.

مشايخه

روى الكليني عن العديد من علماء أهل البيت ورجالهم ومحدّثيهم بما يضيق المجال بذكرهم ونقتصر على مشاهيرهم:
1. أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمّي، صاحب كتاب : «بصائر الدرجات»(المتوفّى 290هـ).
2. أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الاَشعري القمّي (المتوفّى 306هـ).
3. أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم، صاحب التفسير المعروف(المتوفّى حوالي 308هـ).
4. أبو جعفر محمد بن يحيى العطّار القمّي.

إلى غير ذلك من مشايخ الحديث وفطاحله.


(1) الكامل في التاريخ: 6|249، حوادث سنة 323.
(2) رجال الطوسي، باب من لم يرو عنهم _ عليهم السلام _ مادة علي، برقم 34.

(286)

تلاميذه والرواة عنه

و أمّا تلاميذه وا لرواة عنه فحدّث عنهم ولا حرج، فمنهم على سبيل المثال:
1. أبو الحسين أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، المعروف بـ«ابن عقدة» (المتوفّى333هـ).
2. أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين بن سنسن الرازي (285ـ 368هـ).
3. أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه صاحب «كامل الزيارات» (المتوفّى 369هـ).
4. أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، المعروف بـ«ابن زينب» كان خصيصاً به يكتب كتابه الكافي.

إلى غير ذلك ممّن يروي عنه، تجد أسماءهم مبسوطة في مقدمة كتاب «الكافي» بقلم الاَُستاذ حسين علي محفوظ البغدادي.

آثاره

ترك الشيخ تراثاً علمياً ضخماً للاَُمّة، ومن أشهر تآليفه كتاب «الكافي» وهو في ثمانية أجزاء، يقول النجاشي: صنّف الكتاب الكبير المعروف بالكافي في عشرين سنة، ثمّ شرح كتبه وقال:
1.كتاب العقل، 2. كتاب فضل العلم، 3. كتاب التوحيد، 4. كتاب الحجّة، 5. كتاب الاِيمان والكفر، 6. كتاب الوضوء والحيض، 7. كتاب الصلاة، 8. كتاب الصيام، 9. كتاب الزكاة والصدقة، 10. كتاب النكاح والعقيقة، 11.كتاب الشهادات، 12. كتاب الحج، 13. كتاب الطلاق ،14. كتاب


(287)

العتق، 15. كتاب الحدود، 16. كتاب الديات، 17. كتاب الاَيمان والنذور والكفارات، 18. كتاب المعيشة، 19. كتاب الصيد والذبائح، 20. كتاب الجنائز، 21. كتاب العشرة، 22. كتاب الدعاء، 23. كتاب الجهاد، 24. كتاب فضل القرآن، 25. كتاب الاَطعمة، 26. كتاب الاَشربة، 27. كتاب الزي والتجمّل، 28. كتاب الدواجن والرواجن، 29. كتاب الوصايا، 30. كتاب الفرائض، 31. كتاب الروضة.(1)

روى فيه 15508 حديثاً وقد أخذها عن مشايخه سماعاً وقراءة، وهو عمل شاق ضخم لم يسبقه إليه أحد من أئمّة الحديث، فقد قام بتصنيف الكافي واستخدم في تأليفه الاَُسلوب الكامل وهو توزيع الاَحاديث بعد جمعها على مجموعة من الكتب، والكتب على مجموعة من الاَبواب، والاَبواب على عدد من الاَحاديث شريطة أن تكون تلك الاَحاديث مناسبة لاَبوابها والاَبواب لكتبها، وقد حقّق الكليني هذا المطلب على أحسن ما يرام إذ قسم كتابه الكافي على ثلاثة أقسام رئيسية وهي:
1. أُصول الكافي، 2. فروع الكافي، 3. روضة الكافي.

ثمّ قسم أُصول الكافي على ثمانية كتب، اشتمل على 499 باباً، وأخرج فيها 3881 حديثاً.

وتجد هذا التصنيف نفسه مع فروع الكافي أيضاً، إذ اشتمل على 26 كتاباً، فيها 1744 باباً ومجموع أحاديثها 11021.

وأمّا قسم الروضة فلم يخضعه إلى هذا المنهج من التصنيف بل ساق أحاديثه تباعاً من غير كتب أو أبواب بل جعله كتاباً واحداً وقد احتوى على 606


(1) رجال النجاشي:2|291 برقم 1027، ما ذكره من الترتيب لا يوافق ما هو المطبوع، وذكره الشيخ في الفهرست وهو ينطبق مع ما هو المطبوع، لاحظ الفهرست : 161.

(288)

أحاديث.

وذكر النجاشي له كتباً أُخرى، نظير: كتاب «الردّعلى القرامطة»، وكتاب «رسائل الاَئمّة _ عليهم السلام _»، وكتاب «تعبير الروَيا»، وكتاب «الرجال»، وكتاب «ما قيل في الاَئمّة منالشعر».(1)

وله غير ذلك منها: كتاب «خصائص الغدير» ذكره السيد المحقّق عبد العزيز الطباطبائي في كتابه الغدير في التراث الاِسلامي.(2)

وممّا يوَسف له حقّاً أنّ هذه الكتب ـ سوى الكافي ـ قد لعب بها الدهر فضاعت ولم نجد لها أثراً.

نماذج من إنشائه

إنّ شيخنا الكليني لم يكن محدّثاً فحسب بل كان كاتباً بارعاً يصبّ المعاني والمفاهيم العالية في قوالب جميلة، وكان نثره نموذجاً رائعاً من النثر الرائج في القرن الرابع، وإليك جملاً من أوّل كتابه، يقول:

الحمد للّه المحمود لنعمته، المعبود لقدرته، المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله، المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه، علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كلّ منظر، الذي لابدء لاَوليّته، ولا غاية لاَزليته، القائم قبل الاَشياء، والدائم الذي به قوامها، والقاهر الذي لا يوَوده حفظها، والقادر الذي بعظمته تفرّد بالملكوت، وبقدرته توحّد بالجبروت، وبحكمته أظهر حججه على خلقه، اخترع الاَشياء إنشاءً، وابتدعها ابتداءً بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع، ولا لعلّة فلا يصحّ الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحّداً بذلك


(1) رجال النجاشي: 2|291برقم 1027.
(2) الغدير في التراث الاِسلامي: 38 ولم يذكر مصدره.

(289)

لاِظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته، لا تضبطه العقول،ولا تبلغه الاَوهام، ولا تدركه الاَبصار ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلّت دونه الاَبصار، وضلّ فيه تصاريف الصفات.

آراوَه الكلامية

لم يقتصر أمر شيخنا الكليني على جمع الحديث دون تحقيقه وتبيينه، وإنّما قام بشرح الحديث في مواضع تحتاج إلى الشرح، تجلّت فيه أفكاره الكلامية، فلاحظ في ذلك الجزء الاَوّل باب جوامع التوحيد.(1)

ومن نماذج آرائه هي صياغة قاعدة يتم على ضوئها تمييز صفات الذات عن صفات الفعل، وحاصل القاعدة:« أنّ كلّوصف غير خاضع للنفي والاِثبات فهو من صفات الذات كالعلم والقدرة، فلا يصحّ أن يقال إنّاللّه يعلم ولا يعلم، أو يقدر ولا يقدر، وأمّا ما كان خاضعاً لهما فهو من صفات الفعل فيقال: يريد ولا يريد».

يقول: ألا ترى أنّا لا نجد في الوجود مالا يُعلم وما لا يقدر عليه، وكذلك صفات ذاته الاَزليّ لسنا نصفه بقدرة وعجز، ويجوز أن يقال: يحبّ من أطاعه ويبغض من عصاه، ويوالي من أطاعه ويعادي من عصاه، وإنّه يرضى ويسخط. وفي الدعاء: «اللّهمّ ارض عنّي ولا تسخط عليّوتولّني ولا تعادني» إلى آخر ما أفاده.(2)


(1) أُصول الكافي:1|134ـ142.
(2) لاحظ الكافي، كتاب التوحيد: 1|111، باب جملة القول في صفات الذات و صفات الفعل.

(290)

الشروح والتعاليق

ومن حسن الحظّ أنّكتاب الكافي صار محطّاً للنظر والشرح والتعليق، وقد كُتب عليه تعاليق وشروح نافت على ثلاثين شرحاً وتعليقاً.

وممّن شرحه المولى المحقّق صدر المتألّهين الشيرازي (979ـ1050هـ) وسيوافيك الكلام عن هذا الشرح بعد بيان لمحة عن سيرته وآثاره.

هذه المامة عابرة عن حياة الشيخ الكليني وسيرته وآثاره.

* * *

صدر المتألّهين سيرته وحياته

لا عتب على اليراع إن وقف عاجزاً عن الاِفاضة في تعريف شخصية فذّة وفيلسوف كبير يعدّ من نوابغ الدهر، من الذين يضنُّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، ألا وهو الفيلسوف الاِسلامي الكبير محمد بن إبراهيم الشيرازي المشهور بصدر المتألهين، صاحب منهج الحكمة المتعالية في الفلسفة.

نشأ فيلسوفنا الكبير في أجواء مشحونة بالعداء للفكر وأهله، ساد فيها الفكر الاخباري الذي كان يقود المجتمع نحو السذاجة والجمود.وقد كان له ولاَُستاذه السيد الداماد سهم عظيم في كسر السدود والقيود التي كانت تكبّل العقول والاَلباب، ولذلك تعرّض إلى انتقاد مرّ أصبح هدفاً لسهام اللوم والتكفير، فها نحن نسلّط قبساً من النور على سيرته ليكون مناراً يُضيىَ الدرب لطلاّب الحقيقة.


(291)

هو صدر الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى الشيرازي، ولد عام 979هـ،(1) وكان والده إبراهيم بن يحيى المعروف بالقوامي أحد وزراء العهد الصفوي، وترعرع في بيت ساده العلم والوعي.

يصفه السيد المدني في سلافته: بأنّه كان عالم أهل زمانه في الحكمة متقناً لجميع الفنون.(2)

يقول صاحب الروضات: كان فائقاً على من تقدّمه من الحكماء الباذخين، والعلماء الراسخين إلى زمن مولانا نصير الدين الطوسي، منقّحاً أساس الاِشراق والمشاء بما لا مزيد عليه.(3)

هذه الكلمات وما قيل في حقّه كلمات قاصرة عن تبيين مكانته، وألطف كلمة قيلت في حقّه ما نقل عن الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الاصفهاني (1296ـ1361هـ) أنّه قال: لو أعلم أحداً يفهم أسرار كتاب الاَسفار لشددت إليه الرحال للتَّلْمذَة عليه وإن كان في أقصى الديار.

وزاد عليه الشيخ المظفّر في مقدمته على هذه الكلمة: بأنّ أُستاذه يريد أن


(1) لم يذكر المترجمون تاريخ ولادته لكن استخرجناها ممّا ذكره هو في حاشية المشاعر الطبعة القديمة، ص 77 في مبحث اتحاد العاقل والمعقول عند ما يقول: «كل صورة إدراكية سواء كانت معقولة أو محسوسة فهي متّحدة الوجود مع وجود مدركها ببرهان فائض علينا من عند اللّه» فكتب في الهامش النص التالي: تاريخ هذه الاِفاضة كانت ظهيرة يوم الجمعة سابع جمادى الاَُولى لعام 1037 من الهجرة النبوية ،و قد مضى من عمر الموَلّف ثمان و خمسون سنة.

فعند طرح 58 سنة من 1037 تكون سنة ولادته هو عام 979هـ.

وأوّل من اطلعني على ذلك هو زميلنا المرحوم الشيخ محمد فريد النهاوندي ـ رضوان اللّه عليه ـ حيث كانت تلك التعليقة مكتوبة أيضاً في حاشية أسفاره، فأثبتنا هذه التعليقة في حاشية الاَسفار التي كنّا نملكها.
(2) سلافة العصر في أعيان أهل العصر.
(3) روضة الجنات:4|120 برقم 356.


(292)

يفتخر أنّه وحده بلغ درجة فهم أسراره، أو أنّه بلغ درجة من المعرفة أدرك فيها عجزه عن اكتناه مقاصده العالية.

وأضاف: إنّي من الموَمنين بأنّ صدر المتألهين أحد أقطاب في الدورة الاِسلامية: هو والمعلم الثاني أبو نصر الفارابي (المتوفّى 339هـ) والشيخ الرئيس ابن سينا (373ـ427 هـ) والمحقّق نصير الدين الطوسي (597ـ672 هـ) هوَلاء هم في الرعيل الاَوّل وهم الاَُصول للفلسفة، وصاحبنا خاتمتهم والشارح لآرائهم وا لمروّج لطريقتهم والاَُستاذ الاَكبر لفنّهم. ولولا خوف المغالاة لقلت هو الاَوّل في الرتبة العلمية، لا سيما في المكاشفة والعرفان.(1)

أقول: هذه هي الكلمات التي ذكرها الاَساطين في ترجمة صدر المتألهين، والذي انكشف لي طول ممارستي لدراسة كتبه والاِمعان فيها أنّه كان يتميّز بأُمور، أوضحها:

أوّلاً: إنّه لم يكن فيلسوفاً ناقلاً للاَفكار بل كان محقّقاً لها، كاشفاً الشبهات عن وجهها، وموَسساً لاَُصول كان لها دور عظيم في تحوّل الفلسفة الاِسلامية تحوّلاً جذرياً لها تأثير في المعارف والعقائد كما سيوافيك.

ثانياً: إنّ أفكاره وكتبه صارت محوراً للدراسة والبحث في المعاهد العلمية ما يربو على ثلاثة قرون، وقد عكف على دراستها أساتذة الفلسفة دراسة وتمحيصاً.

ثالثاً: إنّ من أعقبه من فطاحل الحكماء الذين يعدّون في الرعيل الاَوّل كلّهم عيال على فلسفته في أفكارهم وتحقيقاتهم، نظراء:
1. المولى المحقّق ملاّمحمد صادق الاَردستاني (المتوفّى 1113هـ).
2. المحقّق ملاّ إسماعيل الخواجوي (المتوفّى 1137هـ).
3. السيد محمد البيد آبادي (المتوفّى1147هـ).


(1) الاَسفار:1|3، قسم التقديم.

(293)

4. الشيخ محمد رضا القمشئي (المتوفّى1241هـ).
5. الفيلسوف الكبير ملاّ علي النوري (المتوفّى1246هـ).
6. المحقّق ملاّ هادي السبزواري (1212ـ 1289هـ).
7. المدرس الكبير علي المدرس (1234ـ 1307هـ).
8. السيد أبو الحسن جلوة (1238ـ1314هـ).

إلى غير ذلك من كبار أساتذة الفلسفة الذين تخرّجوا على يد العلمين الاَخيرين أخيرهم لا آخرهم أُستاذنا الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي (1321ـ 1402هـ)، الذي تتلمذ عليالسيد حسينالبادكوبي (1293ـ 1387هـ) وهو من أبرز تلاميذ السيد أبو الحسن جلوة، فهوَلاء هم الذين حملوا أفكار صدر المتألهين وقرّروها بأحسن ما يمكن ولا تجد هذه الميزات الثلاث عند أحد غيره.

رابعاً: إنّه جمع بين ما عليه الاشراقيون من أنّه لا يصل الاِنسان إلى الحقائق إلاّ عن طريق الرياضة والتصفية والشهود، وما عليه المشاوَون من أنّاقتناص الحقائق رهن الدراسة والتحقيق، فصار الموَلف يجمع بين الاَُسلوبين ويصرّ على أنّ الاَقيسة والمقدّمات المنطقية توصل الاِنسان إلى ما يوصله إليه تجريد النفس عن شهواتها ولذّاتها وتخلّصها من أدران الدنيا وأوساخها، فالسبيلان ينتهيان إلى هدف واحد، والفرق بينهما كالفرق بين من يسمع وصف الحلاوة وبين من يذوقها، ويندّد بمن يكرس اهتمامه على أحد دون الآخر، ويقول في هذا الصدد:«ولا تشتغل بترَّهات عوام الصوفية من الجهلة، ولا تركن إلى أقاويل المتفلسفة جملة فإنّها فتنة مضلّة، وللاقدام عن جادة الصواب مزلّة وهم الذين إذا جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وقانا اللّه وإياك شرّ هاتين الطائفتين ولا جمع اللّه بيننا وبينهم طرفة عين أبداً».(1)


(1) الاَسفار، المقدمة:1|12.

(294)

ولاَجل أنّ الميزة الرابعة هي المهمة في الوقوف على ما بذله موَلفنا في هذا المضمار نتكلّم حولها بإسهاب، فنقول: صاغ صدر المتألهين أسساً جديدة في الفلسفة الاِسلامية ووضع حجر الزاوية لها وأسماها بالحكمة المتعالية، وصارت فيما بعد محوراً للدراسات الفلسفية في الجامعات العلمية فعكف عليها روّاد العلم وعشّاق الحقيقة.

صبّ سيّدنا الموَسس اهتمامه بتحليل المباحث الهامة وشرحها وعطف نظره إلى القواعد العامة الجارية في نظام الوجود من غير أن يختصّ بموجود دون آخر، فدقّق النظر فيها في بابها الخاص أعني الفن الاَعلى، كما إنّه بحث بحثاً وافياً في الاِلهيات وأتقنها أيّ إتقان.

وقد استعان رحمه اللّه فيما أحدث من أُصول جديدة للفلسفة وفيما جاء من المنهج الجديد والتفكير الحديث، بما وصل إليه من الاَغارقة الاَقدمين لا سيما أفلاطون وأرسطو ونظرائهما، وضمّ إلى تلك الاَنظار الجليلة ما استفاده من أساتذة الشرق وفلاسفتهم ممّا جادت بها قرائحهم ونشرتها أقلامهم، إلى منتصف القرن الحادي عشر الهجري.

لا شكّ أنّه لاحظ وتأمّل فيما كتبه فطاحل المشائيين والاشراقيين، وما جاد به ذوق العرفاء الشامخين، فجاء مبدعاً خامره كثير من التجديد والابتكار، وأعانه في ذلك فطنته المتوقّدة وذكاوَه الملتهب.

ومن إبداعاته أنّه جاء بنظام متكامل في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير، فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية في ترتيبها المنطقي.

نهض بهذا العبء الثقيل ولا نصير له سوى براعته وهمّته القعساء، وعقله الكبير، وقلبه البصير، ولذلك جاء مهبطاً للعلوم والمعارف، وصار بذلك بطلاً


(295)

مقداماً في تلك الميادين.

ولقد توفّقرحمه اللّه كلّ التوفيق في الجمع بين آراء أفلاطون (موَسّس مدرسة الاشراق) وتلميذه أرسطو (مبتكر منهج المشائين) وكان الاَوّل من المعلّمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّالطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج لا غير، وكان الثاني مخالفاً له في المنهج، قائلاً بأنّالدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة.

ولم يزل التشاجر قائماً على قدم وساق بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأُوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الاِسلاميين وهم بين مشّائي لا يقيم للاِشراق وزناً، وإشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.

وقد قضى الحكيم الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي شغل بال العديد من فلاسفة الاغريق والمسلمين طوال هذه القرون فطوى بأفكاره وأُسلوبه، صفحة هذا الجدل العقيم، ومن كان له إلمام بأساسه الرصين يعرف كيف ختم هذا المبتكر الفذ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالاَُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الاَُصول أن يعدّ أحدهما مقابلاً للآخر.

وقصارى القول: إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الاَوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الاَنظار نتائج جهود عظماء الفلسفة وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الاِسلامية إلى عصر الموَسس.


(296)

مراحل أطوار حياته

لقد طوى فيلسوفنا الفذ حياته في مراحل ثلاث: مرحلة تلقّي المعارف الاِلهية، ومرحلة تهذيب النفس وتزكيتها، ومرحلة التأليف والتصنيف.

هذه هي المراحل التي اجتازها مترجمنا ويظهر ذلك من الاِمعان فيما كتبه في مقدمة الاَسفار فإنّه (قدّس اللّه سرّه) لما كان يعتقد بأنّ تحصيل المعارف ليس رهن مدارستها فحسب بل إنّ تهذيب النفس سبيل آخر لتهيئة الاِنسان لاِفاضة المعارف الاِلهية على قلبه فلذلك طوى المرحلتين، فلمّا اكتملت لديه أدوات المعرفة انصرف إلى التأليف والتصنيف وما وقف عليه عن طريق المدارسة وما أُفيض عليه من المعارف في قالب التأليف والتصنيف.

ويشير إلى المرحلة الاَُولى بقوله:

ثمّ إنّي قد صرفت قوّتي في سالف الزمان منذ أوّل الحداثة والريعان، في الفلسفة الاِلهية، بمقدار ما أُوتيت من المقدور، وبلغ إليه قسطي من السعي الموفور، واقتفيت آثار الحكماء السابقين والفضلاء اللاحقين مقتبساً من نتائج خواطرهم وأنظارهم، مستفيداً من أبكار ضمائرهم وأسرارهم، وحصّلت ما وجدته في كتب اليونانيين والروَساء المعلّمين تحصيلاً يختار اللباب من كل باب، ويجتاز عن التطويل والاِطناب، مجتنباً في ذلك طول الاَمل مع قصر العمل، معرضاً عن إسهاب الجدل مع اقتراب الساعة والاَجل، طلباً للجاه الوهميّ، وتشوّقاً إلى الترأس الخيالي، من غير أن يظفر من الحكمة بطائل أو يرجع البحث إلى حاصل.(1)

ثمّ إنّه وقف في برهة من عمره على خطئه في هذه المرحلة مع أنّ هذه العلوم من دون أن تتزامن مع تهذيب النفس لا تسمن ولا تغني من جوع.


(1) الاَسفار:1|4.

(297)

يقول في حقّ نفسه: وإنّي لاَستغفر اللّه كثيراً ممّا ضيّعت شطراً من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث، حتى تبيّن لي آخر الاَمر بنور الاِيمان وتأييد اللّه المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم.(1)

يقول في معرض كلامه عن المرحلة الثانية ـ بعد الشكوى من طائفة كانت تضمر له العداء ـ يقول: فألجأني خمود الفطنة وجمود الطبيعة، لمعاداة الزمان وعدم مساعدة الدوران ، إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار واستترت بالخمول والانكسار منقطع الآمال، متوفّراً على فرضٍ أُوَدّيه، وتفريطٍ في جنب اللّه أسعى في تلافيه، لا على درس أُلقيه، أو تأليف أتصرّف فيه إذ التصرّف في العلوم والصناعات وإفادة المباحث ودفع المعضلات، وتبيين المقاصد ورفع المشكلات ممّا يحتاج إلى تصفية الفكر، وتهذيب الخيال عمّا يوجب الملال والاختلال، واستقامة الاَوضاع والاَحوال مع فراغ البال، ومن أين يحصل للاِنسان مع هذه المكاره التي يسمع ويرى من أهل الزمان ويشاهد ممّا يكبّ عليه الناس في هذا الاَوان.(2)

وفي معرض كلامه عن المرحلة الثالثة يقول: فلمّا بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال، زماناً مديداً وأمداً بعيداً، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالاً نورياً، والتهب قلبي بكثرة الرياضات التهاباً قوياً ففاضت عليها أنوار الملكوت، وحلّت بها خبايا الجبروت، ولحقتها الاَضواء الاَحدية، وتداركتها الاَلطاف الاِلهية فاطّلعت على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان ـ إلى أن قال:ـ فبلغ الكتاب أجله وأراد اللّه تقديمه وقد كان أجَّله فأظهره في الوقت الذي


(1) الاَسفار، المقدمة:1|11.
(2) الاَسفار، المقدمة:1|6.

(298)

قدّره وأبرزه على من له يسّره، فرأيت إخراجه من القوة إلى الفعل والتكميل، وإبرازه من الخفاء إلى الوجود والتحصيل، فأعملت فيه فكري، وجمعت على ضمّ شوارده أمري، وسألت اللّه تعالى أن يشدّ أزري ويحط بكرمه وزري، ويشرح لاِتمامه صدري، فنهضتْ عزيمتي بعد ما كانت قاعدة، وهبّت همّتي غبَّ ما كانت راكدة، واهتزّ الخامد من نشاطي، وتموّج الجامد من انبساطي، وقلتُ لنفسي: هذا أوان الاهتمام والشروع وذكر أُصول يستنبط منها الفروع، وتحلية الاَسماع بجواهر المعاني الفائقة، وإبراز الحقّ في صورته المعجبة الرائقة، فصنّفت كتاباً إلهياً للسالكين المشتغلين بتحصيل الكمال، وأبرزت حكمة ربّانية للطالبين لاَسرار حضرة ذي الجمال والجلال.(1)

تهجّده وعبادته

يرى صدر المتألهين أنّ الاِشراق والاِلهام يعدّان من أدوات المعرفة وهما رهن تخلية النفس من كدر الذنوب ومساوىَ الاَعمال والاَخلاق، وتحليتها بفضائل الاَعمال والرياضات النفسية، فلا تعجب ممّا ذكر أصحاب التراجم أنّه حجّ سبع مرات مشياً على الاَقدام.

إخلاصه لاَئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _

يعدّ الحكيم الموَسّس أحد الموالين المخلصين لاَئمّة أهل البيت عليهم السَّلام، ويظهر إخلاصه في كلماته في كتاب الاَسفار وغيرها من كتبه بوضوح، ولنذكر مقاطع من كلامه في المقام:

يقول: إنّي أعلم يقيناً أنّه لا يمكن لاَحد أن يعبد اللّه كما هو أهله ومستحقّه،


(1) الاَسفار، المقدمة:1|8 ـ 9.

(299)

إلاّ بتوسّط من له الاسم الاَعظم وهو الاِنسان الكامل خليفة اللّه فيالخلافة الكبرى.

ويقول في مقدمة الاَسفار: فألقينا زمام أمرنا إلى اللّه وإلى رسوله النذير المنذر، فكلُّ ما بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه، اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه، امتثالاً لقوله تعالى: (وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(1)حتى فتح اللّه على قلبنا ما فتح، فأفلح ببركة متابعته وأنجح.(2)

ويقول أيضاً: إنّي أستعيذ ربّي الجليل في جميع أقوالي ومعتقداتي ومصنّفاتي، في كلّما يقدح في صحّة متابعة الشريعة التي أتانا بها سيّد المرسلين عليه وآله أجزل صلوات المصلّين، أو يشعر بوهن في العزيمة في الدين أو ضعف في التمسّك بحبل المتين.(3)

ومن قرأ شرحه على كتاب الحجّة من أُصول الكافي يجده رحمه اللّه مفعماً بإخلاصه لاَئمّة أهل البيت وإيمانه بعصمتهم وطهارتهم وعلومهم ومقاماتهم الرفيعة، وها نحن نذكر لك شيئاً يسيراً ممّا ذكره في مستهلّ كتاب الحجة حيث يقول:

الحمد للّه الذي اجتبى من صفوة عباده إصابة أهل الحقّ واليقين، المقتبسين أنوار الحكمة والدين من مشكاة النبوّة والولاية، وخصّهم من بين سائر الفرق بمزايا اللّطف والمنّة، وأفاض عليهم من نور هدايته ما كشف لهم به حقائق الملّة والشريعة وأسرار الكتاب والسنّة، واتّبعوا به سبيل حجج اللّه الناطقة، وبراهينه الساطعة من الذوات المقدّسة والنفوس المطهّرة الذين طهّرهم اللّه به عن نزعات الشياطين تطهيراً، ونوّر بواطنهم بأنوار الولاية والقرب تنويراً لهم


(1) الحشر: 7.
(2) الاَسفار:1|12.
(3) رسالة العرشية: 69، طبعة اصفهان.

(300)

باقتفاء هذه الحجج والبراهين وأهل بيت النبوّة التي أتى بها سيّد الاَوّلين والآخرين وخاتم الاَنبياء والمرسلين محمّد المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _ اهتدوا إلى أسرار العلم واليقين، وأدركوا ببصائرهم أنوار الكتاب المستبين وأخبار الاَولياء المعصومين، وأطلقوا بضمائرهم على طرق التلفيق بين مقتضى الشرائع وموجبات العقول، وتحقّقوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحقّ المعقول.(1)

تمتّع صدر المتألّـهين بحرّية التفكير ورفض التقليد في كلّ ما يكتب ويحرّر، فهو مع التزامه بالكتاب والسنّة وأن لا يخرج عنهما قيد شعرة لم يصدّه ذلك عن الحرية في التفكير وكسر قيود الجمود، وهو يصرّح بذلك تارة ويلوّح أُخرى.

يقول: وأنشدك باللّه وملكوته وأهل رسالاته أن تترك عادة النفوس السفلية من الاِلف بما هو المشهور بين الجمهور، والتوحّش عمّا لم تسمعه من المشايخ والآباء وإن كان مبرهناً عليه بالحجّة البيضاء، فلا تكن ممّن ذمّهم اللّه على التقليد المحض في مواضع كثيرة من القرآن:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً ولا كِتابٍمُنير).(2)

فإيّاك أن تجعل الشريعة الاِلهية وحقائق الملّة الحقيقة مقصورة على ما سمعته من معلّميك وأشياخك منذ أوّل إسلامك، فتجمد دائماً على عتبة بابك ومقامك غير مهاجر إلى ربِّك.(3)

وقال أيضاً في معرض كلامه عن ذمّ التقليد: وليعلم أنّمعرفة اللّه تعالى وعلم المعاد وعلم طريق الآخرة، ليس المراد بها الاعتقاد الذي تلقّاه العامي أو الفقيه وراثة وتلقّفاً، فإنّ المشعوف بالتقليد والمجمود على الصورة، لم ينفتح له


(1) شرح أُصول الكافي: 438، كتاب الحجّة، الطبعة الحجرية.
(2) الحج:8.
(3) العرشية: 200.

(301)

طريق الحقائق كما ينفتح للكرام الاِلهيين، ولا يتمثل له ما ينكشف للعارفين المستصغرين لعالم الصورة واللّذات المحسوسة، من معرفة خلاّق الخلائق وحقيقة الحقائق، ولا ما هو طريق تحرير الكلام والمجادلة في تحسين المرام، كما هو عادة المتكلّم، وليس أيضاً هو مجرّد البحث البحت كما هو دأب أهل النظر، وغاية أصحاب المباحثة والفكر فإنّ جميعها (ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْيَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) (1)بل ذلك نوع يقين هو ثمرة نور يُقذف في قلب الموَمن بسبب اتّصاله بعالم القدس والطهارة، وخلوصه بالمجاهدة عن الجهل والاَخلاق الذميمة.(2)

موَلّفاته

إنّ من سبر كتب صدر المتألهين لا سيما الاَسفار الاَربعة، يقف على أنّه تمتّع بموهبة كبيرة في مجال البيان وتبيين المعضلات وحلّ المشكلات بنحو لم يسبق إليه أحد من الحكماء، وأنت إذا قارنت كتب صدر المتألهين مع كتب الشيخ الرئيس لوجدت الفرق الواضح بينها في التقرير والعرض، ولا غرو في ذلك فإنّ صدر المتألهين تلميذ السيد الداماد الملقّب بأمير البيان، ولكن التلميذ حسب زعمي بلغ مدارج الرقي والكمال وبرع أكثر من أُستاذه، ولذلك نرى أنّ شيخنا المظفّر يقول في حقّه: بالغ في تصوير آرائه باختلاف العبارات والتكرار، حسبما أوتي من مقدرة بيانية، وحسبما يسعه موضوعه من أدائه بالاَلفاظ، وهو كاتب موهوب لعلّه لم نعهد له نظيراً في عصره وفي غير عصره، وإذا كان أُستاذه الجليل السيد الداماد أمير البيان، فإنّ تلميذه ناف عليه وكان أكثر منه براعة وتمكّناً من البيان السهل.(3)


(1) النور:40.
(2) الاَسفار: المقدمة: 1|11.
(3) الاَسفار: قسم التقديم: 1|16.

(302)

وقد ترك صدر المتألهين تراثاً علمياً في حقل الفلسفة والعرفان والتفسير وشرح الحديث ما يُنيفُ على 33 كتاباً وقد ذكر تفاصيلها وخصوصياتها سلسلة من الاَعلام لا سيما الشيخ أبو عبد اللّه الزنجاني في أُطروحته المسمّاة «الفيلسوف الفارسي الكبير صدر المتألّهين» والعلاّمة الشيخ المظفر (رضوان اللّه عليه) في تقديمه على الاَسفار والعلاّمة الشيخ عبد اللّه نعمة في فلاسفة الشيعة، غير أنّا نشير إلى ما هو المهم:
1. الاَسفار الاَربعة، وربما يطلق عليها: الحكمة المتعالية في الاَسفار العقلية، وهذا الكتاب هو المرجع لباقي موَلفاته لا سيما : كتابيه المبدأ والمعاد، والمشاعر، وقد طبع في إيران على الحجر في أربعة مجلّدات كبار سنة 1282هـ يقع مجموعها في 926 صفحة بالقطع الكبير وعلى الاَجزاء الثلاثة تعاليق المحقّق السبزواري، والاَسفار جمع سفر ـ بفتح السين والفاء ـ ويراد منه السياحة الفعلية الاَربعة التي نوّه إليها في مقدّمة الكتاب وهي:

الاَوّل: السفر من الخلق إلى الخلق.

الثانـي: السفر بالحقّ في الحقّ.

الثالث: السفر من الحقّ إلى الخلق بالحقّ.

الرابـع: السفر بالحقّ في الخلق.

وقد أُعيد طبعه بصف جديد في تسعة أجزاء عام 1384هـ مزيّناً بتعليقات المحقّق السبزواري وأُستاذنا الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي (1321ـ 1402هـ) وعليها تقديم بقلم الشيخ العلاّمة محمد رضا المظفر.
2. المبدأ والمعاد، طبع عام 1314هـ وهو في الفنّين: الربوبيات والمعاد، جمع فيه بين مسلكي أهل البحث والعرفان.


(303)

3. الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، لخّص فيه آراءه في المسائل الحكمية، طبع عام 1286هـ.
4. المشاعر، طبع عام 1315هـ وفيه حصيلة ما أسّسه من الاَُصول في الفلسفة.
5. الحكمة العرشية على الطريقة العرفانية طبع مع المشاعر.
6. أسرار الآيات وأنوار البيّنات في معرفة أسرار آيات اللّه تعالى وصنائعه وحكمه على الطريقة العرفانية مع تطبيق الآيات القرآنية على أكثر بحوثه مرتبة على مقدمة وثلاثة أطراف كلّ طرف ذو مشاهد، الطرف الاَوّل في علم الربوبية، والثاني في أفعاله تعالى، والثالث في المعاد، طبعت في إيران مكرراً.
7. شرح الهداية الاَثيرية، نهج فيه منهج أهل الحديث تبعاً للمتن، طبع عام 1313هـ.
8. شرح إلهيات الشفاء، نهج فيه منهج المتن، طبع بالقطع الكبير عام 1303 هـ مع إلهيات الشفاء في مجلّد واحد.
9. رسالة الحدوث، رسالة مبسوطة في مسألة حدوث العالم طبع عام 1302هـ.
10. كتاب مفاتيح الغيب، طبع مع شرح أُصول الكافي.

الاَثر الخالد: شرحه على أُصول الكافي

هذه هي الكتب المهمّة في مجال الفلسفة، وله رسائل أُخرى ولكن الذي صار سبباً لتحرير هذا التقديم هو كتابه الذي نلوّح به ألا وهو «شرح أُصول


(304)

الكافي» وشرحه هذا طبع مرّتين، مرّة على القطع الرحلي بالطبع الحجري في جزءين يقع الجميع في 492 صفحة، وفرغ الموَلف من الجزء الاَوّل عام 1044هـ وانتهى فيه إلى باب الاَخذ بالسنّة.

كما أنّه انتهى في الجزء الثاني إلى باب أنّ الاَئمّة ولاة أمر اللّه وخزنة علمه من كتاب الحجة.

وفي الحقيقة لو طابقنا شرحه على الطبعة الحديثة من الكافي ينتهي الشرح إلى صفحة 210 من طبعة الغفاري (حفظه اللّه).

وقد طبع مع هذا الشرح كتابه الآخر «مفاتيح الغيب» كما تقدّم.

وأُخرى ما قامت بطبعه موَسسة «مطالعات وتحقيقات إسلامي» فطبعته طبعة حديثة في أجزاء ونقل في ذيل كلّ جزء ما علّقه الحكيم النوري على الشرح، وقد حقّقه محمد الخواجوي عام 1370هـ ش.

إلمامه بالرجال

إنّ التوغّل في العلوم العقلية ومدارسة مسائلها طيلة الزمان يعوق الاِنسان عن الاِلمام بالعلوم النقلية إلاّ من وفّقه اللّه تعالى للجمع بينهما، فحكيمنا الموَسّس من هذه النخبة التي جمعت بين العلوم النقلية والعقلية، فهو في الوقت الذي يوَلّف موسوعة كبيرة في الفلسفة، يقوم بشرح أُصول الكافي ولم يكتف بشرح المفاهيم، بل تعداه إلى دراسة أسانيد الحديث الرجالية بالتعديل والجرح وهذه موهبة كبيرة تمتّع بها الموَلف وقلّما يتّفق أن يدرس حديثاً، إلاّ ويدرس عنه سنده اتقاناً وضعفاً.


(305)

مشايخه

إنّ كتب التراجم أهملت الكثير من تفاصيل حياته وسيرته ولم تذكر من أساتذته في مراحل صباه وشبابه إلاّ شيئاً يسيراً، واتّفق الجميع على أنّه تخرج في العلوم النقلية على يد الشيخ بهاء الدين العاملي (953ـ1003هـ) والعلوم العقلية على السيد المحقّق الداماد (المتوفّى 1040هـ).

وقد أجازه شيخنا البهائي كما ذكره صدر المتألهين في شرح أُصول الكافي حيث قال:

حدّثني شيخي وأُستاذي ومن عليه في العلوم النقلية استنادي، عالم عصره وشيخ دهره بهاء الحق والدين محمد العاملي الحارثي الهمداني (نوّر اللّه قلبه بالاَنوار القدسية) عن والده الماجد المكرّم وشيخه الممجّد المعظّم الشيخ الفاضل الكامل حسين بن عبد الصمد(أفاض اللّه على روحه الرحمة والرضوان وأسكنه دار الجنان) عن شيخه الجليل وأُستاذه النبيل عماد الاِسلام وفخر المسلمين الشيخ زين الملّة والدين العاملي (طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه) عن الشيخ المعظّم المفخّم والمطاع، الموَيّد المكرّم، عالي النسب سامي اللقب، المجدّد للمذهب علي بن عبد العال الكركي (قدّس اللّه سرّه ) عن الشيخ الورع الجليل علي بن هلال الجزائري، عن الشيخ الفاضل القائد أحمد بن فهد الحلّي، عن الشيخ علي بن الخازن الحائري، عن الشيخ الفاضل والنحرير الكامل السعيد الشهيد محمد بن مكي (أعلى اللّه رتبته).(1)

كما إنّه يذكر أُستاذه في العلوم العقلية بالنحو التالي ويقول:أخبرني سيدي وسندي وأُستاذي واستنادي في المعالم الدينية، والعلوم الاِلهية، والمعارف الحقيقية، والاَُصول اليقينية السيّد الاَجل الاَنور، العالم المقدّس الاَطهر، الحكيم


(1) شرح أُصول الكافي، الطبعة الحجرية، ص 16.

(306)

الاِلهي والفقيه الربّاني، سيّد عصره وصفوة دهره، الاَمير الكبير والبدر المنير، علاّمة الزمان، اعجوبة الدوران المسمّى بمحمد الملقّب بباقر الداماد الحسيني قدّس اللّه عقله بالنور الربّاني، عن أُستاذه وخاله المكرّم المعظّم الشيخ عبد العال رحمه اللّه، عن والده السامي المطاع، المشهور اسمه في الآفاق والاَصقاع الشيخ علي بن عبد العال، مسنداً بالسند المذكور وغيره إلى الشيخ الشهيد محمد بن مكي قدَّس سرَّه ، عن جماعة من مشايخه منهم الشيخ عميد الدين عبد المطلب الحسيني، والشيخ الاَجل الاَفضل فخر المحقّقين أبو طالب محمد الحلّي، والمولى العلاّمة قطب الدين الرازي، عن الشيخ الاَجل العلاّمة آية اللّه في أرضه جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن مطهر الحلّي قدّس اللّه روحه، عن شيخه المحقّق رئيس الفقهاء والاَُصوليين نجم الملّة والدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّي، عن السيد الجليل النسّابة فخار بن معد الموسوي، عن شاذان بن جبرئيل القمّي، عن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ الفقيه أبي علي الحسن، عن والده الاَجل الاَكمل شيخ الطائفة محمد بن حسن الطوسي نوّر اللّه مرقده، عن الشيخ الاَعظم الاَكمل المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي سقى اللّه ثراه، عن الشيخ الاَجل ثقة الاِسلام وقدوة الاَنام محمد بن علي بن بابويه القمي أعلا اللّه مقامه، عن أبي القاسم جعفر بن قولويه، عن الشيخ الجليل ثقة الاِسلام سند المحدثين أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني.(1)

ومن أساتذته الآخرين الحكيم الاِلهي السيد أبو القاسم المعروف بالمير فندرسكي (970 ـ 1050) ابن ميرزا بيك بن الاَمير صدر الدين الموسوي الحسيني المعاصر للعلمين بهاء الدين العاملي، والمحقّق المير داماد.


(1) شرح أُصول الكافي، الطبعة الحجرية، ص 16.

(307)

تلامذته

وقد خرج على يديه نخبة من الاَكابر أشهرهم اثنان:

الاَوّل: صهره المحقّق الكبير والعالم النحرير محمد بن المرتضى المدعو بالمحسن الفيض الكاشاني (1007ـ1091هـ) له آثار علمية كثيرة أشهرها: 1.الصافي في تفسير القرآن الكريم ، 2. الوافي، جمع فيه أحاديث الكتب الاَربعة، 3. المحجّة البيضاء في احياء الاحياء إلى غير ذلك من الآثار.

الثاني: الحكيم الاِلهي الكبير المولى عبد الرزاق اللاهيجي(المتوفّى 1070هـ) موَلّف «الشوارق» ألّفه شرحاً على تجريد الاعتقاد للمحقّق الطوسي.

وقد ذكر من تلامذته القاضي سعيد القمي صاحب شرح «توحيد الصدوق» الذي هو من أنفس الكتب الحكمية والعرفانية ولكنّه من تلاميذ تلامذته، حيث تتلمذ على الفيض الكاشاني والشيخ المولى عبد الرزاق اللاهيجي، توفّي بقم عام 1103هـ.(1)

وفاته

والمعروف أنّه توفّي بالبصرة عند سفره إلى الحجّ ولم يعلم أنّه توفّي عند ذهابه أو إيابه.

يقول السيد حسين البروجردي في نخبة المقال:

ثمّ ابن إبراهيم صدر الاَجل * في سفر الحجّ مريضاً ارتحل

قدوة أهل العلم والصفاء * يروي عن الداماد والبهائي


(1) ريحانة الاَدب:4|413.

(308)

فكلمة «مريضاً» على الحساب الاَبجدي ينطبق على عام وفاته الذي هو عبارة عن: 1050هـ.

ووفاته في البصرة وإن كانت مشهورة لكن صهره الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي موَلّف الشوارق من أهل بيته وهو أدرى بما في البيت، حيث رثاه في قصيدة فارسية غرّاء ذكر فيها أنّه توفّي في النجف وقال في مطلعها:

زين هفت خوان كه پايهَ او بر سر فناستب * در شش جهت به هر چه نظر ميكنى خطاست

يچاره آن دلى كه ميكند تكيه بر سپهر * سر گشته آن سرى كه به بالين آسياست

إلى أن يقول:

در راه كعبه مرده وآسوده در نجف * اى من فداى خاك تو اين مرتبت كراست

از راه كعبهت نجف آورد سوى خويش * اين جذبه كار قوّت بازوى مرتضى است

اين هم اشارهاى است مبرّا ز شك وريب * آن را كه دل به كعبـه ـ تحقيـق آشناست

يعني ميانهَ نجف وكعبه فرق نيست * آسوده باش ما ز خدا وخدا ز ماست(1)


(1) ديوان الحكيم فياض اللاهيجي، ص 118ـ 122 بتحقيق الدكتورة أميرة كريمي.

(309)

الخطوط العريضة لفلسفته

إنّ الاَُصول التي صاغ عليها فلسفته والتي أوجدت تحوّلاً جذرياً في عالم الفلسفة الاِسلامية تمخّضت عنها نتائج باهرة في حقل العقائد هي عبارة عن:

الاَصل الاَوّل: أصالة الوجود

لقد اختلف المشاء والاِشراق فيما هو الاَصيل والمجعول، فذهب المشاء إلى أنّ المجعول هو الوجود، وذهب الاِشراق إلى أنّ المجعول هو الماهية، وبذلك ظهر هنا مذهبان فيما هو الاَصيل في الجعل بعد اتفاقهم على أنّ واجب الوجود وجود بحت لا ماهية له، وكان النزاع على قدم وساق بين الطائفتين حتى ظهر صدر المتألهين على ساحة الفلسفة فطرح المسألة وأقام عليها براهين دامغة أزاحت الشكوك عن وجهها، فعاد القولان قولاً واحداً.

وممّا يدل على أنّ المشاء وفي طليعتهم شيخ المشائين أعني ابن سينا كانوا من دعاة القول بأصالة الوجود، ما ذكره الشيخ عند البحث عن نفي الماهية عن الواجب تبارك وتعالى حيث قال:

والذي يجب وجوده لغيره دائماً فهو أيضاً غير بسيط الحقيقة، لاَنّ الذي له باعتبار ذاته، غير الذي له من غيره، وهو حاصل الهوية منهما جميعاً في الوجود، فلذلك لا شيء غير واجب الوجود بعريّ عن ملابسته ما بالقوة والاِمكان باعتبار نفسه، وهو الفرد، وغيره زوج تركيبي.(1)

وهذه العبارة صريحة في أنّ ما يفاض من الواجب هو الوجود وأنّ ملاك


(1) الشفاء، بحث نفي الماهية عن الواجب، ص 305 والطبعة الجديدة ص 60 تحقيق الاَُستاذ «حسن زاده» ولاحظ الاَسفار: 1|14.

(310)

المعلومية والحاجة إلى العلّة هو الماهية التي تتساوى إليها نسبة الوجود والعدم.

وليس الشيخ وحيداً في هذه العقيدة بل المحقّق الطوسي أيضاً يدعم تلك النظرية لما قال:

«إذا صدر عن المبدأ الاَوّل شيء كان لذلك الشيء هوية مغايرة للاَوّل بالضرورة ومفهوم كونه صادراً عن الاَوّل غير مفهوم كونه ذا هويةٍ ما، فإذن هاهنا أمران معقولان: أحدهما الاَمر الصادر عن الاَوّل وهو المسمى بالوجود، الثاني هو الهوية اللازمة لذلك الوجود وهو المسمّى بالماهية.(1)

كما أنّ تلميذ الشيخ أعني بهمنيار في كتابه «التحصيل» حسب ما ينقله صدر المتألهين عنه حيث يقول:

الوجود حقيقته أنّه في الاَعيان وكيف لا يكون في الاَعيان ما هذه حقيقته.(2)

ولم نجد حكيماً يذبّ عن أصالة الماهية سوى أُستاذ صدر المتألهين، المحقّق الداماد حيث قوّى نظرية شيخ الاِشراق في أصالة الماهية.

نعم كان صدر المتألهين متأثّراً بأفكار أُستاذه لكنّه رجع عنه كما قال: «إنّي كنت شديد الذبّ عنهم في اعتبارية الوجود وتأصّل الماهيات، حتى هداني اللّه وانكشف لي انكشافاً أنّ الاَمر على خلاف ذلك، وهو أنّ الوجودات هي الحقائق المتأصّلة الواقعة في العين، وأنّ الماهيات المعبّر عنها في عرف طائفة من أهل الكشف واليقين بالاَعيان الثابتة ما شمَّت رائحة الوجود.(3)

ويترتّب على هذا الاَصل أُمور:


(1) شرح الاِشارات: 3|245.
(2) الاَسفار:1|39.
(3) الاَسفار:1|49.

(311)

1. توحيد الصفات

اتّفق أهل الحقّ على أنّ صفات الواجب متباينة مفهوماً، متّحدة حقيقة معالذات، كما أنّ كلّ واحدة منها متّفقة مع الاَُخرى كذلك، وقالوا: القادر والعالم والحيّ والمريد متغايرات مفهوماً متّحدات وجوداً ومصداقاً.

وهذا يترتّب على القول بأصالة الوجود، وذلك لاَنّ الوجود مدار الوحدة والماهيات مثار الكثرة، إذ يمتنع أن يكون مفهوم العالم أو القادر عين الذات أو متّحداً مع مفهوم القادر.

2. توحيد الاَفعال

قد أثبت البرهان على أنّه لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد، فاللّه سبحانه هو الواحد لا يصدر منه إلاّ واحد، هذا من جانب.

ومن جانب آخر أنّ الموجودات الاِمكانية متكّثرات ومتخالفات فكيف يمكن صدور المختلف من الواحد من جميع الجهات، ولا تحلّ العقدة إلاّ بالقول بأصالة الوجود، فالصادر هو الوجود المنبسط القائم بالذات قيام المعنى الحرفي بالاسمي، وإنّما جاء الاختلاف من جانب القوابل والماهيات.

3. صحّة الحمل في القضايا

إنّ صحّة المحمول على الموضوع وادّعاء الهوهوية لا يتمّ إلاّبأصالة الوجود ويمتنع على القول بالماهية، وقد بيّنه صدر المتألهين في المشاعر وقال: لو كانت موجودية الاَشياء بنفس ماهيّاتها لا بأمر آخر، لامتنع حمل بعضها على بعض والحكم بشيء منها على شيء، كقولنا: زيد حيوان والاِنسان ماشٍ، فإنّ الحمل


(312)

يقتضي الاتّـحـاد في الخــارج والمغايرة في الذهن. فلو لم يكن الوجود شيئاً غير الماهية، لم تكن جهة الاتّحاد مخالفة لجهة المغايرة. واللازم باطل.(1)

***

الاَصل الثاني: اشتراك الوجود

هذا الاَصل يبتني على أمرين:

الاَوّل: وحدة مفهوم الوجود وأنّه موضوع بالاشتراك المعنوي على حدّ سواء في الواجب والممكن، وهو صادق عليها بوضع واحد وهذا ما يعبّر عنه بوحدة الوجود مفهوماً وأنّه مشترك معنويّ موضوع لمعنى جامع بين جميع المصاديق، وقد استدلّ عليه صدر المتألهين بقوله: البديهة حاكمة بأنّ المعنى الواحد لا يمكن أن تكون حيثية الاتّصاف ومناط الحكم به ذوات متخالفة من حيث تخالفها من غير جهة جامعة فيها. (2)

الثاني: وحدة الوجود حقيقة، وهو أنّ الوجود في عامة مراتبه حقيقة واحدة تختلف بالشدّة والضعف على وجه تكون الشدة عين الوجود والضعف حدّاً له، وعلى ذلك فحقيقة الوجود عبارة عن طرد العدم وهو متحقّق في عامة المراتب من العلّة والمعلول، والواجب والممكن.

أمّا الاَمر الاَوّل فالمخالف فيها قليل وإنّما الاختلاف في الاَمر الثاني، فالمشاوَون على أنّ الوجود حقائق متباينة ليس بين المراتب أيّة جهة اشتراك، وأنّ


(1) المشاعر، ص 12.
(2) الاَسفار:6|62، 1|69ـ 70.

(313)

الواجب والممكن والوجود والعرض كالاَجناس العالية حقائق متباينة يمتاز كلّ عن الآخر بتمام الذات لا بالفصول.والذي دعاهم إلى تلك النظرية هو أنّ الواجب علّة للممكن، والجوهر علّة للعرض، على وجه لو كان الوجود حقيقة واحدة فلا وجه لاَن يكون بعض الوجود علّة للبعض الآخر.

وأمّا الاِشراقيون فقد ذهبوا إلى أنّ الوجود حقيقة واحدة في عامة المراتب وأنّ كلّ مرتبة تتمايز عن الاَُخرى بالكمال والنقص، وليس الكمال إلاّ نفس الوجود كما أنّ النقص حدّ الوجود، وليس داخلاً فيه وبذلك صحّحوا ملاك العلّية وأنّ القوي علّة للضعيف، لكن لا بمعنى أنّ الشدّة مقوّمة لحقيقة الوجود حتّى لا يكون الضعيف لاَجل ضعفه من مصاديق الوجود، ولا الضعف مقوّماً له حتى يخرج الشديد عن تحت الوجود بل الشدّة مقوّمة للمرتبة لا للحقيقة.

وقد استدلّوا على وحدة الحقيقة بما سبق في الاَمر الاَوّل من هذا الاَصل من وحدة مفهوم الوجود واشتراكه المعنوي، إذ لو كان الوجود حقائق متباينة لا جهة اشتراك بينها لامتنع انتزاع مفهوم واحد من حقائق متباينة، وإليه يشير الحكيم السبزواري بقوله:

لاَنّ معنى واحـداً لا ينتزع * ممّا لها توحد ما لم يقـــع

و هذان الاَصلان لهما الدور الكبير في تحوّل الفلسفة، ويترتّب على الاَصل الثاني الاَمر التالي:

توحيد الذات ونفي تعدّد الواجب

إنّ توحيد ذاته سبحانه ونفي تعدّد الواجب من المسائل المهمّة في الحكمة الاِلهية، وقد استدلّوا عليه بقولهم: لو كان الواجب متعدّداً يلزم أن يكون بينهما


(314)

وجه اشتراك ووجه امتياز، وعندئذٍ فما به الاشتراك في كلّ واحد غير ما به الاِمتياز فيلزم التركيب وهو آية الحاجة. هذا هو أساس الاستدلال وقد اعتمد عليه الحكماء الاِلهيون إلى القرن السابع حتّى ظهرت شبهة ابن كمونة(1)وحاصل شبهته :

لماذا لا يجوز أن تكون هناك هويّتان بسيطتان متباينتا الذات ليس بينهما قدر اشتراك حتى يحتاج إلى ما به الامتياز، ويكون صدق الوجود عليهما عرضياً كصدق العرض على الاَجناس التسعة العرضية؟

وحلّ الشبهة واضح على القول بالوحدة المفهومية والحقيقية للوجود، وهو أنّه لا شكّ أنّ مفهوماً واحداً باسم الوجود ينتزع من كلا الواجبين من حاق ذاتهما، فافتراض هويَّتين بسيطتين متباينتي الذات ليس بينهما أيّوجه اشتراك، لا يجتمع مع وحدة المفهوم، لما سبق من أنّه يمتنع انتزاع مفهوم واحد من أمرين متباينين، وإلى الشبهة والدفاع يشير الحكيم السبزواري ويقول:

هويّتان بتمام الذات قد * خالفتا لابن الكمونة استند

وارفع بأن طبيعة ما انتزعت * ممّا تخالفت بما تخالفت

الاَصل الثالث: اتّحاد جوهر العاقل والمعقول

إنّاتّحاد العاقل والمعقول من المسائل الغامضة، وقد حقّقها صدر المتألّهين وأقام براهينها، وأوضحها بما يلي:
1. انّ نسبة الصور المعقولة بالذات إلى النفس كنسبة الصور الجسمية


(1) هو سعد بن منصور البغدادي الملقّب بعزّ الدولة المعروف بابن كمونة، توفي عام 683 هـ أو 690هـ.

(315)

بالنسبة إلى المادة، فكما أنّ الثانية محصّلة لها ومخرجة لها من النقص إلى الكمال، فهكذا الصور المعقولة محصّلة للنفس الاِنسانية، فإنّ العقل الهيولاني مادة المعقولات، وهي صور لها، ويقول في هذا الصدد: وليس وجود الصور الاِدراكية عقلية كانت أو حسية للجوهر المدرك كحصول الدار والاَموال والاَولاد لصاحب الدار والمال والولد، فإنّ شيئاً من ذلك الحصول ليس في الحقيقة حصولاً لذات الشيء لدى ذات أُخرى بل إنّما ذلك حصول إضافة لها فقط، نعم حصول الصورة الجسمانية الطبيعية للمادة التي يستكمل بها وتصير ذاتاً متحصّلة أُخرى يشبه هذا الحصول الاِدراكي، فكما ليست المادة شيئاً من الاَشياء المعيّنة بالفعل إلاّ بالصور، وليس لحوق الصور بها، لحوقَ موجود بموجود بالانتقال من أحد الجانبين إلى الآخر بل بأن(1) يتحوّل المادة من مرتبة النقص في نفسها إلى مرتبة الكمال، فكذلك حال النفس في صيرورتها عقلاً بالفعل بعد كونها عقلاً بالقوّة، وليس لحوق الصورة العقلية بها عند ما كانت قوّة خيالية بالفعل عقلاً [و]بالقوة، كلحوق موجود مباين لموجود مباين كوجود الفرس لنا، أو كلحوق عرض لمعروض جوهري مستغنى القوام في وجوده عن ذلك العرض، إذ ليس الحاصل في تلك الحصولات إلاّ وجود إضافات لا يستكمل بها شيء وحصول الصورة الاِدراكية للجوهر الدرّاك أقوى في التحصيل والتكميل له من الصور الطبيعية في تحصيل المادّة وتنويعها.(2)

نعم قد أقام صدر المتألهين برهاناً آخر يُدعى برهان «التضايف» قائلاً بأنّ العاقل والمعقول متضايفان والمتضايفان متكافئان قوّة وفعلاً، ولكن البرهان عقيم لاَنّ التضايف لا يثبت إلاّ وجودهما في مرتبة واحدة وأمّا كون أحدهما نفس الآخر


(1) كذا في المصدر والظاهر زيادة «بان».
(2) الاَسفار:3|319ـ 321 ولاحظ الاَسفار: 277، الطبعة الحجرية.

(316)

كما هو المطلوب، فلا.(1)

يقول الحكيم السبزواري: وأمّا مسلك التضايف الذي سلكه صدر المتألهين في المشاعر وغيره لاِثبات هذا المطلب، فغير تام لما ذكرنا في تعاليق الاَسفار.

الاَصل الرابع: بسيط الحقيقة كلّ الاَشياء

واعلم أنّكونه سبحانه عالماً بالاَشياء بعد الاِيجاد، أمر لا سترة فيه فإنّنفس الاَشياء فعله وفي الوقت نفسه علمه، كالصور الذهنية للنفس فإنّها فعلها وفي الوقت نفسه علمها الفعلي.

إنّما الكلام في إثبات علمه تعالى بالاَشياء قبل الاِيجاد فذهب المشاء إلى أنّ علمه سبحانه بها من قبيل الصور المرتسمة في ذاته الحاكية عن الاَشياء، ومن الواضح أنّالقول بالصور المرتسمة ـ مع أنّها لا تخلو من اشكالات ـ لا تثبت علمه سبحانه بها في مقام الذات، بل أقصاه إثباته دون الذات، ولاَجل ذلك حاول حكيمنا الموَسّس إثبات علمه سبحانه بها في مقام الذات بحيث تكون الذات كاشفة عمّا وراءها من الاَشياء، وإثبات مثل هذا العلم مشكل جدّاً ولذلك يصفه بقوله:

واعلم أنّ كون ذاته عقلاً بسيطاً هو كلّ الاَشياء، حقّ لطيف غامض، ولكن لغموضه لم يتيسّر لاَحد من فلاسفة الاِسلام وغيرهم ـ حتى الشيخ الرئيس ـ تحصيله وإتقانه على ما هو عليه، إذ تحصيل مثله لا يمكن إلاّ بقوّة المكاشفة مع قوّة البحث الشديد، والباحث إذا لم يكن له ذوق تام وكشف صحيح، لم يمكنه الوصول إلى ملاحظة أحوال الحقائق الوجودية، وأكثر هوَلاء القوم، مدار بحثهم


(1) لاحظ المشاعر، المشعر السابع في أنّه تعالى يعقل ذاته و يعقل الاَشياء كلّها من ذاته، ص 50، ولاحظ شرح المنظومة، قسم الفلسفة، ص33.

(317)

وتفتيشهم على أحكام المفهومات الكلية وهي موضوعات علومهم دون الانِّيات الوجودية، ولهذا إذا وصلت نوبة بحثهم إلى مثل هذا المقام ظهر منهم القصور والتلجلج والمجمج في الكلام، فيرد عليه الاعتراض فيما ذكروه من أنّه كيف يكون شيء واحد بسيط غاية الوحدة، والبساطة صورة علمية لاَشياء مختلفة؟(1) ثمّ إنّه أثبت القاعدة المشهورة وهي «أنّ بسيط الحقيقة كل الاَشياء وليس بشيء منها» بعد بيان مقدمات وأصل، وإليك بيان لبّها:

إنّ كلّما تحقّق شيء من الكمالات الوجودية في موجود من الموجودات فلابدّ أن يوجد أصل ذلك الكمال في علّته على وجه أعلى وأكمل، وهذا ممّا يفهم من كلام «معلّم المشائين» في كثير من مواضع كتابه في الربوبيات المسمّى «باثولوجيا» ويعضده البرهان ويوافقه الذوق السليم والوجدان، فإنّ الجهات الوجودية للمعلول كلّها مستندة إلى علّته الموجدة، وهكذا إلى علّة العلل ففيه جميع الخيرات كلّها ولكن سلبت عنها القصورات والنقائص والاَعدام اللازمة للمعلولية بحسب مراتب نزولها.(2)

ثمّ قال: فإذا تمهّدت هذه الاَُصول فنقول:

الواجب تعالى هو المبدأ الفيّاض لجميع الحقائق والماهيات، فيجب أن يكون ذاته تعالى مع بساطته وأحديته كلّ الاَشياء، ونحن قد أقمنا البرهان في مباحث العقل والمعقول على أنّ البسيط الحقيقي من الوجود يجب أن يكون كلّ الاَشياء. وإن أردت الاطّلاع على ذلك البرهان فارجع إلى هناك . فإذن لمّا كان وجوده تعالى وجودَ كلّ الاَشياء فمن عقل ذلك الوجود عقل جميع الاَشياء،


(1) الاَسفار:6|239، الفصل التاسع في حلّمذهب القائلين بأنّعلمه تعالى بما سواه علم واحد إجمالي.
(2) الاَسفار: 6|269.

(318)

وذلك الوجود هو بعينه عقل لذاته وعاقل، فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه، وعقله لذاته مقدّم على وجود جميع ما سواه. فعقله لجميع ما سواه، سابق على جميع ما سواه فثبت: أنّ علمه تعالى بجميع الاَشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته قبل وجود ما عداه سواء كانت صوراً عقلية قائمة بذاته، أو خارجة منفصلة عنها، فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه والاِجمالي بوجه، وذلك لاَنّ المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى موجودة بوجود واحد بسيط، ففي هذا المشهد الاِلهي والمجلى الاَزلي ينكشف وينجلي الكلّ من حيث لا كثرة فيها، فهو الكلّ في وحدة.(1)

الاَصل الخامس: الحركة الجوهرية

اتّفقت كلمة الفلاسفة على وقوع الحركة في الاَعراض الاَربعة (الكيف ـ الكمّ ـ الوضع ـ الاَين) واختلفوا في إمكان وقوعها في غيرها من الاَعراض.

ولتوضيح الحركة في هذه المقولات الاَربع نقول: إنّ حركة الماء من البرودة إلى السخونة حركة في الكيف، وحركة الرحى على مدارها حركة في الوضع، ونمو الشجرة من حيث الحجم أي تعاظمها من حيث الطول والعرض حركة الكم وحركة السيارة من مكان إلى آخر حركة في الاَين.

ثمّ إنّهم لم يجوّزوا الحركة في الجوهر كما لم يجوّزوا الحركةفي الاَعراض غير الاَربعة. لكن حكيمنا الموَسّس كشف عن وجود الحركة في الجوهر وبيّن تعدّي التغيّر من سطوح الطبيعة إلى أعماقها، ومن ظواهرها إلى بواطنها، وقد احتلّت هذه المسألة مكان الصدارة في الفلسفة الاِسلامية، وأقام على مدعاه براهين دقيقة وأزاح عمّا في طريقها من الاِشكالات.


(1) الاَسفار:6|271.

(319)

أمّا الثاني فنحيله إلى محلّه وإنّما المهم بيان براهين الحركة في الجوهر فنقول:

البرهان الاَوّل

إنّ وجود الحركة في العرض لا ينفكّ عن الحركة في الجوهر، أي أنّحركة الجسم وتكامله التدريجي في الاَوصاف، خير دليل على حركته وتكامله وتدرّجه من حيث الذات والجوهر.

وبعبارة أُخرى: إنّ الشيء الذي يتحرّك في ناحية الكيف أو الكم، تلازمه حركة أعمق ممّا نشاهده في سطوح الجسم وظواهره، وهي الحركة في الذات والجوهر.(1)

البرهان الثاني

إنّ البرهان الثاني يهدف إلى أنّ الزمان داخل في جوهر الاَشياء ومنتزع من حاقّها وما هذا حاله لا يمكن أن يكون جامداً في طبيعته، بل سيّالاً في ذاته. وبما أنّ لهذا البرهان قيمة علمية كبيرة حيث كشف حكيمنا الموَسّس دخول الزمان في جوهر الاَشياء وأنّه البعد الرابع للطبيعة، كان من الاَفضل أن نشرحه فنقول:

لا شكّ في أنّ البعد الزماني من الاَُمور الواقعية التي يلمسها كلّ إنسان، فلا يمكن مثلاً إنكار البعد الزماني بين السيّد المسيح _ عليه السلام _ ونبيّنا صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وتقدّم الاَوّل وتأخّر الثاني.

والبعد الزماني لا ينكره إلاّ من أنكر العالم من الاَساس ونحن في فسحة عن مناقشته وجداله.


(1) لاحظ تفصيل البرهان في كتاب «اللّه خالق الكون»: 530ـ536.

(320)

غير أنّ كلّ من اعترف بأنّ للزمان واقعية وجد نفسه أمام السوَال التالي: ما هو حقيقة الزمان وأين مبدوَه ومنشوَه؟

هل يكفي أن يقال: إنّ وصف الاَشياء والظواهر بالتقدّم والتأخّر، إنّما هو لانطباق أحدها مع طلوع الشمس والآخر مع غروبها، أو بوقوع أحدها في أوّل الشهر، والآخر في نهايته؟

إنّ هذه الاِجابة ـ رغم صحّتها في نفسها ـ وإن كانت تُقنع العامي، ولكنّها لا تقنع الفيلسوف المتحرّي للحقيقة، لاَنّه سيسأل أيضاً: ويقول بماذا نَصِفُ طلوع الشمس بالتقدّم وغروبها بالتأخّر، وما هو الملاك لهذا الوصف؟

ولو أُجيب بأنّ هناك ملاكاً آخر لوصف طلوع الشمس بالتقدّم، والغروب بالتأخّر لنُقل السوَال إلى ذلك الملاك أيضاً، وهكذا.

ولهذا لجأت الفلاسفة ـ لحلّ هذا الاِشكال ـ إلى القول بأنّ ثمّة بعداً مستقلاً مستمرّاً وسيالاً جارياً توصف أجزاوَه بالتقدّم والتأخّر اتّصافاً ذاتياً، أي ليس التقدّم والتأخّر صفة عارضة له بل هويّته هويّة مستقلّة وعين التقدّم والتأخّر وهو لا يرتبط بالكائنات والظواهر المادّية، إلاّ من حيث كونها وعاءً لهذه الكائنات والظواهر المادّية، وليس هذا البعد إلاّ الزمان.

نعم إذا قيست الكائنات والظواهر المادّية إلى هذا البعد والوجود المستقلّ وصفت تلك الاَشياء بالتقدّم والتأخّر.

وعلى ذلك فليس في ذات الكائنات المادّية أيّ تقدّم أو تأخّر، أي ليست الكائنات المادية متقدّمة أو متأخّرة بالذات، بل قد استعارت وصف التقدّم والتأخّر من الزمان، لاَجل وقوعها في هذا الظرف أو ذاك، بحيث لو حذفنا الزمان من صفحة الوجود لما وصفت تلك الكائنات المادية بالتقدّم والتأخّر.


(321)

وهذا القول (أي وجود بعد مستقلّ، هويته نفس السيلان والجريان، وذاته عين التقدّم والتأخّر وهو في حدّ نفسه وعاء للكائنات المادّية فهي واقعة فيه وقوع المظروف في الظرف) وإن أجاب عن السوَال المطروح حول ملاك وصف بعض الكائنات بالتقدّم، والبعض الآخر بالتأخّر، إلاّ أنّه ليس بمرضيّ عند الفيلسوف الاِسلامي الكبير «صدر الدين الشيرازي» الذي تعرّض له بالنقد بالبيان التالي:

إنّ محصّل هذا القول هو: أنّ الزمان شيء والكائنات شيء آخر، وليس الزمان داخلاً في جوهر الموجودات المادّية، واقعاً في حقيقتها، وإنّما هو وعاء يقع العالم فيه، فبما أنّ لاَجزاء ذلك البعد تقدّماً وتأخّراً بالذّات وصفت الكائنات التي تقع في ذلك الظرف بذلك الوصف استعارة ومجازاً، وعندئذٍ يُطرح السوَال التالي:

لو كانت طبيعة الكائنات المادّية منزّهة بالذات عن الزمان، وعارية عنه بحسب ذاتها، استحال وصفها بالتقدّم والتأخّر على وجه الحقيقة، إذ على هذا يكون ذلك البعد السيّال المتقدّم بعضه والمتأخّر بعضه الآخر، خارجاً عن جوهر الكائنات وذات هذا الكون، ويكون أمراً عرضياً لا يتجاوز عن كونه وعاءً وظرفاً للكون والكائنات، وعند ذلك فكيف يصحّ وصف تلك الكائنات بأنّها متقدّمة أو متأخّرة حقيقة، والحال أنّ المتقدّم والمتأخّر ـ في الحقيقة ـ هو وعاء هذه الكائنات وظرف هذا الكون؟

أو ليست نسبة هذا الاَمر واسناده إلى الظواهر المادية ـ على هذا القول ـ نسبة خاطئة واسناداً مجازياً غير حقيقي، مع أنّ ما نجده هو خلاف هذا فإنّنا عندما نصف كائناً بالتقدّم وآخر بالتأخّر ونسند إليهما هذين الوصفين، نفعل ذلك على وجه الحقيقة لا المجاز، أي أنّنا نعتبر التقدّم والتأخّر صفة لنفس الظاهرة حقيقة.

إنّ قولهم بأنّ التقدّم والتأخّر خارجان عن حقيقة الكائنات المادّية غير أنّها


(322)

يسند إليها التقدّم والتأخّر بالمجاز والعناية، يشبه وصف الجسم الذي لا يقبل الحرارة بأنّه حارّ حقيقة، أو الذي لا يقبل الاحتراق بأنّه محترق بالحقيقة.

فلو كانت الكائنات المادّية قارّة في حقيقة ذاتها، ثابتة في صميم طبيعتها، استحال أن توصف باللاّ قرار واللاّ ثبات، والتقدّم والتأخّر إلاّ بالمجاز والعناية، ويكون وصفها من قبيل الوصف بحال المتعلّق.(1)

ولكن اتّصافها بالتقدّم والتأخّر، والتصرّم والانقضاء، والمضيّ والاستقبال، على الحقيقة، خير دليل على أنّ لهذا الوصف منشأ في ذات الجسم وطبيعته، وحقيقة جوهره.

ولاَجل ذلك نرى أنّ الموجودات الخارجة عن أُفق الزمان (كالمجرّدات) لا تقع في نطاق الزمان ولا توصف به ولا توصف بالتقدّم والتأخّر(2)أي لا تكون ضمن الزمان ولا معه بل هي خارجة عنه غير موصوفة به، ونسبتها إلى الزمان المتقدّم والمتأخر سواء.

وهذا بخلاف الكائنات المادّية فإنّ نسبتها إلى الزمان ليست على نحو واحد، ففيها المتقدّمات وفيها المتأخّرات على وجه الحقيقة لا المجاز.

ولاَجل ذلك يجب أن نقول: إنّ ملاك الوصف بالتقدّم والتأخّر، موجود في نفس هويّات الكائنات وطبائعها، وأنّ لها هوية سيالة متقدّمة ومتأخّرة.

وبعبارة أُخرى: إنّ مثل الكائنات المادية ونسبتها إلى الزمان مثل نسبتها إلى المكان، فكما أنّالبعد المكاني داخل في هوية الكائنات المادّية، بمعنى أنّ الجسم


(1) مثل قولنا: زيد طويل ثوبه
(2) ويشبه ذلك القوانين الرياضية مثل 2+2=4 فإنّ هذا الاَمر نزيه عن الزمان و إن كان كلّ واحد من مصاديق هذه الاَرقام أُموراً زمانية، ولكن تلك القاعدة الكلّية منزّهة عن الزمان مبرّأة من السيلان و هو أشبه شيء بالمجرّدات في عالم الاَعيان غير المادية.

(323)

يمتدّ بذاته طولاً وعرضاً وعمقاً، فكذلك يوصف الجسم بالسيلان والجريان(وإن شئت قلت: بالزمان) بالذات.

فكما أنّ الشيء إذا لم يكن بذاته قابلاً للتحيّز استحال استعارة المكان له من الخارج، كذلك إذا لم يكن قابلاً للزمان بذاته، استحال أن نستعير له الزمان من الخارج أيضاً.

فهذا الوصف أدلّدليل على أنّ العامل لهذا هو نفس طبيعة الجسم غير القارة، وأنّ سيلان الجسم وتدرّجه لاقراره، هو منبع تولّد الزمان وصفه به.

وبعبارة أوضح: إنّ وصف الجسم بالمكان كما أنّه دليل على كونه ذا أبعاد ثلاثة(الطول والعرض والعمق) بالذات، كذلك وصفه بالزمان علامة على أنّللاَجسام والكائنات المادية هذه بعداً رابعاً هو «الزمان».

فلو أنّ الفلاسفة أدخلوا الاَبعاد الثلاثة في حقيقة الجسم معرّفين له بأنّه ما يكون له أبعاد ثلاثة، فإنّ نظرية الفيلسوف «الشيرازي» في الحركة الجوهرية تضيف إلى الجسم بعداً آخر هو البعد الزماني، فلابدّ من تعريفه بأنّ الجسم ما يكون ذا أبعاد أربعة: الطول والعرض والعمق والزمان بمعنى السيلان والجريان الذي هو عين التقدّم والتأخّر.

وبما أنّ حقيقة الجسم ذات تصرّم وسيلان، انتزع منه الزمان، ووصف بالتقدّم والتأخّر، وكان الزمان على هذا عجيناً بالجسم وجزءاً من جوهره وبعداً رابعاً له إلى جانب الاَبعاد الثلاثة الاَُخرى.

فعلى هذا يجب أن يكون وجود الطبائع والكائنات كوجود نفس الزمان في السيلان والجريان، ولا يكون لوجودها قرار وثبات، بل يكون قرارها وثباتها موتها وفناءها، كما أنّ قرار الزمان وثباته عين فنائه وموته.

وإليك نصّ عبارة هذا الفيلسوف القدير في هذا الصدد: «لا شبهة في أنّ


(324)

كون الشيء واقعاً في الزمان وفي مقولة «متى» ـ سواء كان بالذات أو بالعرض ـ هو نحو وجوده، كما أنّ كون الشيء واقعاً في المكان وفي مقولة «أين» ـ سواء كان ذلك الوقوع بالذات أو بالعرض ـ هو نحو وجوده.

فإنّ العقل المستقيم يحكم بأنّ شيئاً من الاَشياء الزمانية أو المكانية يمتنع بحسب وجوده العيني وهويته الشخصية أن ينسلخ عن الاقتران بهما ويصير ثابت الوجود، بحيث لا يختلف عليه الاَوقات، ولا يتفاوت بالنسبة إليه الاَمكنة ومن جوّز ذلك فقد كابر مقتضى عقله، وعاند ظاهرُه باطنَه ولسانُه ضميرَه.

فإذن كون الجسم بحيث يتغيّر وتتبدّل عليه الاَوقات ويتجدّد له المضي والحال والاستقبال ممّا يجب أن يكون لاَمر صوري داخل في قوام وجوده في ذاته، حتى يكون في مرتبة قابليته لهذه التجدّدات، غير متحصّلة الوجود في نفس الاَمر إلاّ بصورة التغيّر والتجدّد».(1)

ويقول أيضاً:

«إنّ الزمان عند القوم ذا هوية متفاوتة في التقدّم والتأخّر، والسبق واللحوق والمضي والاستقبال، ولكن الطبيعة عندنا كالزمان عندهم من غير تفاوت إلاّ أنّهذه هويّة جوهرية والزمان عرض.

والحقّ أنّ الهوية الجوهرية الصورية هي المنعوتة بما ذكرناه بالذات، لا الزمان، لاَنّ الزمان عرض عندهم، ووجوده تابع لوجود ما يتقدّر به، [لكنّ] الزمان عبارة عن مقدار الطبيعة المتجدّدة بذاتها من جهة تقدّمها وتأخّرها الذاتيّين كما أنّ الجسم التعليمي مقدار الطبيعة من جهة قبولها للاَبعاد الثلاثة، فللطبيعة امتدادان ولها مقداران أحدهما: تدريجيّ زمانيّ يقبل الانقسام الوهمي إلى متقدّم ومتأخّر


(1) الاَسفار: 7|290 ـ 291.

(325)

زمانيّين، والآخر: دفعيّ مكانيّ يقبل الانقسام إلى متقدّم ومتأخّر مكانيّين».(1)

انظر أيّها القارىَ الكريم إلى هذه النظريّة التي وصل إليها الحكيم والفيلسوف الكبير الشيرازي قبل أربعة قرون حيث صرّح بأنّ الاَجسام (أو ما سماها بالطبائع الجرمية) ذات أربعة أبعاد: الطول والعرض والعمق والزمان، قبل أن يقف عليه أقطاب علماء الطبيعة في هذا العصر.

وعلى ذلك تصير النتيجة ـ بناءً على هذا البرهان ـ أنّ وجود الاَجسام كالزمان الذي له وجود سيّال، غير قار الذات حتى لحظة واحدة، بل ويكون قراره : فناءَه، وسكونه: انعدامه، وعلى هذا تكون الكائنات المادّية سيّالة غير قارة يجري وجودها، ويتدرّج ـعلى غرار جريان الزمان وسيلانهـ و ما ذلك إلاّ لاَجل كون الطبيعة عجينة بالزمان، ولكون الزمان داخلاً في هويّتها، فلا يمكن أن يختلفا في الحكم.

ثمّ إنّ حكيمنا الموَسّس خرج عن البحث بنتائج باهرة:

الاَُولى: الزمان وليد حركة المادّة وسيلانها.

الثانية: الزمان مقدار حركة المادة.

الثالثة: حدوث العالم المادّي.

الرابعة: الحركة بحاجة إلى محرّك.

الخامسة: الحركة تلازم الغاية.

وقد استوفينا البحث في هذه الغايات في بعض محاضراتنا.(2)

***


(1) الاَسفار:3|139ـ140.
(2) انظر«اللّه خالق الكون» : 543ـ555.


(326)

الاَصل السادس: فعلية كلّ مركّب بصورته لا بمادته

قد ذكر قدَّس سرَّه في إثبات المعاد الجسماني وأنّ المعاد في الآخرة والبدن الدنيوي، أُصولاً عشرة نشير إلى أصلين مهمّين هما دعامتان لما يرتئيه من إثبات المعاد الجسماني فقال، حول الاَصل الاَوّل:

إنّ كلّ مركب بصورته هوهو، لا بمادته فالسرير سرير بصورته لا بمادته، والسيف سيف بحدّته لا بحديده، والحيوان حيوان بنفسه لا بجسده، وإنّما المادة حاملة قوّة الشيء وإمكانه، وموضوعه انفعالاته وحركاته حتى لو فرضت صورة المركب قائمة بلا مادة لكان الشيء بتمام حقيقته موجودة.

وبالجملة نسبة المادة إلى الصورة نسبة النقص إلى التمام، فالنقص يحتاج إلى التمام والتمام لا يحتاج إلى النقص وكذلك الفصل الاَخير في الماهيات المركّبة من الاَجناس والفصول كالناطق للاِنسان، هو أصل الماهية النوعية، وسائر الفصول والاَجناس من اللوازم غير المجعولة لهذا الاَصل فقد يقع في تعريفه الحدّي وإنّما دخولها في الحدّ بما هو محدود.(1)

وقال في بيان الاَصل الثاني: إنّ هوية البدن وتشخّصه إنّما يكونان بنفسه لا بجرمه، فزيد مثلاً زيد بنفسه لا بجسده، ولاَجل ذلك يستمرّ وجوده وتشخّصه مادامت النفس باقية فيه وإن تبدّلت أجزاوَه وتحوّلت لوازمه من أينه وكمّه وكيفه ووضعه ومنتهاه كما في طول عمره، وكذا القياس لو تبدّلت صورته الطبيعة بصورة مثالية كما في المنام وفي عالم القبر والبرزخ إلى يوم البعث، أو بصورة أُخروية كما في الآخرة، فإنّ الهوية الاِنسانية في جميع هذه التحوّلات والتقلّبات واحدة هي هي بعينها، لاَنّها واقعة على سبيل الاتّصال الوحداني التدريجي، ولا عبرة


(1) الاَسفار:9|187.

(327)

بخصوصيات جوهرية وحدود وجودية واقعة في طريق هذه الحركة الجوهرية، وإنّما العبرة بما يستمرّ ويبقى وهي النفس لاَنّها الصورة التمامية في الاِنسان التي هي أصل هوّيته وذاته، ومجمع ماهيته وحقيقته، ومنبع قواه وآلاته، ومبدأ أبعاضه وأعضائه وحافظها مادام الكون الطبيعي، ثمّ مبدّلها على التدريج بأعضاء روحانية، وهكذا إلى أن تصير بسيطة عقلية إذا بلغت إلى كمالها العقلي بتقدير ربّاني وجذبة إلهية....(1)

ثمّ إنّه استنتج من هذين الاَصلين بضميمة الاَُصول الثمانية أنّ المعاد في الآخرة، هو البدن الدنيوي ويقول: إنّ المُعاد في المَعاد مجموع النفس والبدن بعينهاوشخصها وإنّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مباين له عنصرياً كان كما ذهب إليه جمع من الاِسلاميين، ومثالياً كما ذهب إليه الاِشراقيون.(2)

وعلى هذين الاَصلين تتعلّق النفس بالبدن المثالي أو الاَُخروي ويصدق عليه قوله سبحانه:(قُلْيُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم) (3)

لاَنّ واقعية الاِنسان بصورته لا بمادّته، بنفسه لا بمتعلّقه، فالنفس تحتاج إلى الجرم بغية اكتساب الكمالات.

أقول: إنّ الحكيم الموَسّس إنّما اختار ما اختار من تعلّق النفس بالبدن المثالي أو البدن الاَُخروي الّذي هو أكمل من المثالي ولكنّهما غير البدن العنصريّ الذي شهد الكتاب العزيز بعوده وبعثه، لاَجل شبهتين طرأتا:


(1) الاَسفار : 9|190.
(2) المصدر نفسه: 9|197.
(3) يس: 79.

(328)

الشبهة الاَُولى: رجوع ما بالفعل إلى ما بالقوّة

إنّ تعلّق النفس بالبدن العنصري يستلزم رجوعها عن الفعل إلى القوّة، فكما أنّ النفس بعد الانتقال عن المرتبة المعدنية إلى النباتية أو الحيوانية لا ترجع وراءها وإنّما تأخذ بالتكامل من الحيوانية إلى الاِنسانية، فإنّ النفس بالموت تنتقل من عالم المادّة إلى عالم التجرّد، ومن عالم العنصر إلى عالم القدس، فرجوعها إلى عالم المادة وتعلّقها بالبدن العنصري يستلزم رجوع ما بالفعل إلى ما بالقوّة.

وبعبارة أُخرى: تعلّقه بالبدن العنصري نحو انحطاط لها وتنزّل من درجة عالية إلى درجة دانية.

هذا وإنّ الشبهة مردودة بوجهين:

الاَوّل: فلاَنّ صدر المتألّهين قد صوّب ذلك في شرحه على الهداية الاَثيرية قال: ثمّ اعلم، أنّ إعادة النفس إلى بدن مثل بدنها الذي كان لها في الدنيا، مخلوق من سنخ هذا البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة كما نطقت به الشريعة من نصوص التنزيل وروايات كثيرة متضافرة لاَصحاب العصمة والهداية غير قابلة للتأويل، كقوله تعالى:(قالَمَنْ يُحْيِى العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)(1)

(فَإِذا هُمْ مِنَ الاََجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ)(2)

(أَيَحْسَبُ الاِِنْسانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ*بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ)(3) أمر ممكن غير مستحيل فوجب التصديق بها لكونها من ضرويات


(1) يس: 78ـ 79
(2) يس : 51.
(3) القيامة: 3 ـ 4.

(329)

الدين وإنكاره كفر مبين.(1)

والثاني: إنّ خروج النفس من البدن بالموت لا يعني صيرورتها أمراً بالفعل ومجرّداً تامّاً غير قابل لتعلّقها بالمادة، وذلك لاَنّ النفس وإن كانت في وحدتها كلّ القوى ولكنّها في عالم العقل عقل، وفي عالم النفس نفس، وفي عالم المثال خيال، وفي عالم الحسّ حسّ، وعلى ذلك فهو لا ينقلب عمّا هو عليه ولا يخرج عمّا كان له من القوّة، فعلى ذلك فالنفس تتعلّق بالبدن العنصري بما فيه من القوّة الموجودة في مرتبة الحسّ وتكون مدبّرة للبدن بما لها هذه الحقيقة.

هذا كما أنّ العقل الفعّال يدبّر ما دونه من العوالم المثالية والعنصرية ولا يستلزم تدبيرهما رجوع ما بالفعل إلى ما بالقوّة حيث إنّ له تعلّقاً بهما تعلّقاً تدبيريّاً، كذلك النفس تدبّر البدن العنصري من دون أن تتنزل عن مقامها الشامخ.

الشبهة الثانية: شبهة التناسخ

وحاصل هذه الشبهة أنّ عود الروح إلى البدن العنصري نوع من التناسخ، والتناسخ باطل لوجوه، منها: لزوم تعلّق نفسين ببدن واحد كما في المقام فإنّ البدن المعاد مستحقّ لتعلّق النفس به من عالم الغيب وواهب الصور وموجد النفوس، فالقابل كامل في القابلية كما أنّ الواهب كذلك في الاِفاضة فتتعلّق به النفس بلا تريّث، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، تعود النفس المفارقة وتتعلّق بذلك البدن كما هو المفروض فيلزم تعلّق نفسين ببدن واحد.

يلاحظ عليه: بأنّ التناسخ باطل وله أقسام قرّر في محلّه، ولكن تعلّق النفس المفارقة بنفس البدن الدنيوي ليس من أقسام التناسخ ولا يستلزم تعلّق نفسين


(1) شرح الهداية الاَثيرية : 381، ط 1313هـ.ق.

(330)

ببدن واحد، وذلك أنّ إفاضة النفس من الواهب ليس على نحو الجبر وإنّما هو باختيار منه، فعدم إفاضة النفس على ذلك البدن لا ينافي كونه جواداً مطلقاً وإنّما ينافي إذا لم تتعلّق به النفس أبداً، ويكفي في ذلك تعلّق النفس المفارقة بالبدن حتّى يتهيّأ للمثوبات الاَُخروية أو العقوبات كذلك، والمادة الخارجية وإن كانت تنتهي إلى التجرد قهراً ـ إذا وقعت في صراط الحركة الجوهرية ـ فيلزم محذور تعلّق النفسين بالبدن الواحد، لكنّه فيما إذا كان البدن حصل الحركة ومخلوقاً بالتدريج لا ما إذا خلق دفعة واحدة كما هو الحال في يوم البعث . قال سبحانه:(حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَة بَغْتَةً). (1)

وبذلك وقفت على أنّ الشبهتين ليستا على نحو يجرّ الحكيم إلى التصرّف في الآيات الصريحة والروايات القطعية وإجماع المسلمين على المعاد العنصري، ولكن بما أنّ البدن الاَُخروي والحياة الاَُخروية حياة لطيفة فلا يلزم من القول بالمعاد العنصري رجوع الاِنسان إلى الدنيا بعد مفارقتها، وذلك لاَنّ الحياة الاَُخروية وإن كانت عنصرية لكنّها حياة رفيعة لا تنافي حكمته سبحانه.

هذه هي الاَُصول المهمّة التي أسسها صدر المتألهين وهناك أُصول أُخرى نشير إلى عناوينها:

الاَصل السابع: النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء

الاَصل الثامن: اتّحاد العلّة مع المعلول حسب الحقيقة والرقيقة.

الاَصل التاسع: النفس في وحدتها كلّالقوى.

الاَصل العاشر: إنّ العلم ليس من قبيل الجوهر والعرض وإنّما هو نحو من الوجود.


(1) الاَنعام: 31.

(331)

هذه هي الاَُصول العشرة في كلام حكيمنا الموَسس وله آراء وأفكار أُخرى يقف عليها من آنس بكتبه وعاش مع أفكاره.

كانت هذه إلمامة عابرة لسيرة صدر المتألّهين وكتبه وآثاره والاَُصول التي أسّسها.

فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً


(332)

السيد عبد الفتاح بن علي

الحسيني المراغي (المتوفّـى عام 1246 هـ )

دور الفقهاء في الحفاظ على الدين وصيانته من الضياع

«ألا إنّ الفقيه من أفاض على الناس خيره، وأنقذهم من أعدائهم، ووفر عليهم نعم جنان اللّه، وحصل لهم رضوان اللّه تعالى».(1)

الاِمام علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام

نفتتح هذا التقديم بهذا الحديث القيم المروي عن الاِمام علي بن موسى الرضا عليمها السَّلام الذي قام بالحفاظ على الدين وصيانته من الضياع والاندثار، في عصر تراكمت فيه على الاِسلام شبهات الاَعداء من كلّ جانب، وراجت فيه الاَفكار الشاذة المستوردة على أيدي الاَحبار والرهبان الذين سربوا خرافاتهم وأباطيلهم إلى مختلف مجالات الثقافة الاِسلامية، وعرضوا بذلك أفكار المسلمين لمخاطر عقائدية وأخلاقية رهيبة، إلى درجة انّه تأثرت بها طوائف من المسلمين خاصة في مجال أسماء اللّه وصفاته، وأحوال الاَنبياء وموقف البشر من أفعاله وأعماله.


(1) الاحتجاج للطبرسي، كما في البحار: 2|5.

(333)

فكان ذلك الاِمام الطاهر يبدد ـ بما أُوتي من علم جم، ومدد إلهي ـ شبهاتهم ويبطل أقاوليهم ببياناته الشافية، وكلماته الرائعة التي سجلها التاريخ وحفظها في ثناياه، ونقلها رواة الاَخبار، وحفاظ الآثار.

على أنّ هذا الدور لم يكن مختصاً بالاِمام الرضـا _ عليه السلام _ فحسب بل شمل الاَئمّة الهداة في عهودهم، كل حسب الاِمكانيات المتاحة، والظروف المهيّأة له.

وقد اقتدى بهم بعد عصر الغيبة علماء الاِسلام وفي طليعتهم علماء الشيعة ، إذ قاموا بصيانة الدين من أخطار الشبهات المقيتة وحفظه من كيد التيارات المنحرفة، فكانوا بحقّ حفظة لدين اللّه ورعاة لكتابه ومصاديق بارزة لقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«في كلّ خلوف من أُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».(1)

ولم يكن جهد هوَلاء العلماء الاَفذاذ ليقتصر على علم دون علم، ومجال دون مجال، بل سلكوا سبل البرهنة والاستدلال للحفاظ على أُصول الاعتقاد، والمعارف الاِسلامية، كما بذلوا جهوداً جبّارة في حفظ آثار النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأحاديثه ، وعلى صعيد آخر عملوا على إقامة صرح التشريع الاِسلامي في كلّ عصر ومصر، باذلين جهوداً كبرى في سبيل تنميته، وتعميقه، بغية تلبية كافة الاحتياجات المستجدة.

فكانوا بحق حصوناً للدين، وأُمناء على الشريعة، يخدمون الاِسلام، ويربون الجهابذة من العلماء، ويحذرون قومهم بعد أن تفقهوا في الدين ويبصرونهم بالشريعة بعد أن استوعبوها جيداً.

فإذا كان الدين الاِسلامي عقيدة وشريعة، والشريعة هي الثمرة العملية


(1) دعائم الاِسلام:1|81 كما في مستدرك الوسائل: 17|312 ؛ وذخائر العقبى 17؛ و الصواعق 141 مع اختلافات يسيرة.

(334)

للعقيدة، بل تجسيد حيّ وصادق لها في واقع الحياة، وإبقاء عليها في أعماق الفكر والضمير، إذ العقيدة بلا تطبيق للشريعة تتعرض للزوال شيئاً فشيئاً إلى أن لا يبقى أثر لها ولا خبر، كانت العقيدة هي الاَُخرى ذات تأثير على سلوك الاِنسان ونمط حياته.

وصفوة القول أنّ العقيدة والشريعة يشكلان معاً حقيقة الدين الاِسلامي، وكما انّللعقيدة أثراً فاعلاً في سلوك الاِنسان، كذلك التعبد العملي بالشريعة والقيام بالواجبات والفرائض الدينية يوجب ترسيخ العقيدة، وتجذيرها في العقول والنفوس.

الاجتهاد سر خلود الدين: عقيدة وشريعة

إنّ ممّا لا يقبل الانكار أنّ بقاء الدين في كلا حقليه العقائدي والتشريعي ، إنّما هو نتيجة الجهود المبذولة في سبيل صقل العقيدة، وتنمية الشريعة، فلو كان المسلمون يقتصرون على أخذ ما وصل إليهم عن طريق الوحي من دون تكرير وتقرير، ومن دون تدبر وإمعان، وبحث ونقاش لزال الدين واندرس ولم يبق منه خبر ولا أثر.

ولقد كان سيدنا الاَُستاذ الاِمام الخميني قدَّس سرَّه يقول في خلال أبحاثه ودروسه: لقد كانت البحوث والمناقشات العلمية الدائرة بين العلماء هي أحد العوامل التي ساعدت على بقاء الشريعة، ورسوخ العقيدة.

و كان يضيف قائلاً: ولو أنّ أحد الاَئمّة قدم الواجبات والمحرمات مدونة في كتاب إلى الاَُمّة، وحذّر الناس من البحث والمناقشة، والتدبّر والتأمّل في ذلك المكتوب، لمات الدين واندثرت الشريعة.

وقال المحقّق الكبير شيخ الشريعة الاِصفهاني: إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم المزايا التي أعظم اللّه بها النعمة عليهم، حيث حفظهم


(335)

عن وصمة محاباة أهل الكتابين الموَدية إلى تحريف ما فيها، واندراس تينك الملتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّبينوه، ولفاعل فيه تحريف إلاّقوّموه، حيث اتضحت الآراء، وانعدمت الاَهواء، ودامت الشريعة البيضاء على ملء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة عن التحريف، مصونة عن التصحيف.(1)

الثروة الفقهية عند الشيعة

تعد الثروة الفقهية الهائلة عند الشيعة من أعظم الثروات العلمية الاِسلامية التي أنتجتها جهود كبار الفقهاء من عصر الاَئمّة إلى يومنا هذا، تلك الجهود التي بذلوها ليل نهار في سبيل تنمية الشريعة، وإغناء الاَُمّة عن كلّ ما سوى الكتاب والسنّة، فازدهر على أثر ذلك فقه الشيعة في مختلف المجالات والمستويات والفروع التي تطورت عبر الزمن تطوراً عظيماً، مع الاَخذ بنظر الاعتبار عنصري الزمان والمكان.

إنّ مدخلية عنصري الزمان والمكان في استنباط الاَحكام الشرعية من الاَُمور الواضحة التي لا يمكن لفقيه واع تجاهله وإنكاره.

فحرمة بيع الدم ـ مثلاً ـ كانت أمراً مسلماً بين الفقهاء سابقاً، لاَنّ الغاية من ورائه هو الاَكل والشرب كما هو المتبادر من قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وََالدَّمَ وَ لََحْمَ الخِنْزيرِ وََما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ) .(2)

ولكن لما أثبتت الحضارة الحديثة للدم فوائد أُخرى حيوية غير الاَكل والشرب وتغير الموضوع، تغير بتبعه الحكم، وقس عليه غير الدم ممّا قلبته


(1) شيخ الشريعة الاِصفهاني : ابانة المختار: 5.
(2) البقرة: 173.

(336)

الحضارة الصناعية من فقدان المنفعة المحلّلة إلى وجدانها، وهذا هو المراد من مدخلية العنصرين: الزمان والمكان في تغير الحكم وتبدل الحكم لاَجل تبدل مصداق الموضوع، وكم له من نظير في الفقه الاِسلامي، إذا نظرنا إليه بدقة وإمعان، فما أكثر القيميات صارت مثليات كالاَواني.

ومن أراد أن يلمس مدخلية عنصري الزمان والمكان بالمعنى الذي ذكرناه، فعليه أن يقارن بين ما كتبه والد الصدوق (المتوفّى 329هـ) في كتاب الشرائع، والصدوق (306ـ381)هـ في المقنع والهداية، والشيخ الطوسي (385 ـ460هـ) في أوائل نشاطه الفقهي الاجتهادي في كتاب «النهاية»و بين ما كتبه المحقّق صاحب الشرائع (المتوفّى 676هـ) والعلاّمة الحلي (648ـ 726هـ) وما أنتجه يراعه كالتحرير، والتذكرة، وممن جاء بعدهما كالشهيدين والمحقّق الثاني، فانّه يرى بوناً شاسعاً وفرقاً كبيراً. وما هذا إلاّ لمدخلية الزمان والمكان في العملية الفقهية والحركة الاستنباطية.

ولهذا نرى الفقه الشيعي المعاصر كالجواهر للشيخ محمد حسن النجفي (1200ـ 1266 هـ)، والمتاجر للشيخ الاَنصاري (1212ـ 1281هـ) وما صنف بعدهما في القرن الرابع عشر على أيدي جهابذة الفقه، يتمتع بآفاق أوسع، وأبعاد أعمق.

القواعد الفقهية في فقه الشيعة

ولقد أثر عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ أنّهم كانوا يلقون على أصحابهم أُصولاً وقواعد ويأمرونهم بالتفريع على ضوئها، فها هو الاِمام الصادق _ عليه السلام _، يقول:«إنّما علينا إلقاء الاَُصول وعليكم التفريع».(1)


(1) الحرّ العاملي: وسائلالشيعة: ج18، الباب 6 من أبواب صفاتالقاضي، الحديث 51 .

(337)

ويقول الاِمام الرضا _ عليه السلام _ : «علينا إلقاء الاَُصول وعليكم التفريع».(1)

وقد كانت هذه الاَُصول تسمى بالاَُصول المتلقاة عن الاَئمّة _ عليهم السلام _ .(2)

ولقد ظهر على ضوء هذه الاَُصول لون جديد من الفقه عند الشيعة سمّي فيما بعد بالقواعد الفقهية حيث أُلّفت حولها كتب ومصنفات كثيرة.

وممن عرف باهتمامه بهذا النمط من الفقه: الشهيد السعيد محمد بن مكي المعروف بالشهيد الاَوّل (734ـ787هـ) ،حيث ألّف كتاب «القواعد».

ثمّ جاء بعده تلميذه الفاضل المقداد (المتوفّـى 808هـ) فرتب هذه القواعد في كتاب أسماه «نضد القواعد الفقهيّة» وكان بحق ترتيباً باهراً.

وتوالت حركة التأليف على هذا المنوال فيما بعد على يد العالم الفاضل الشيخ محمد باقر اليزدي الحائري الذي توفي في مطلع القرن الرابع عشر، ومنهم السيد الاَجل السيد مهدي القزويني المتوفّى سنة 1300هـ.

إلى غير ذلك ممن ألّفوا في هذا المضمار.

وممّن خطا على هذا النهج: الفقيه الكبير والمحقّق البارع السيد عبد الفتاح المراغي (قدّس اللّه سرّه ).

فقد قام المحقّق المذكور بتأليف كتاب في هذا المجال، وقال في مقدمته: وهذه عناوين الاَُصول المتلقاة التي أمرنا أن نفرع عليها، وقوانين الفصول التي ينبغي أن يستند إليها، امتثالاً لاَمر الملك المنّان، وقضاءً لحقّ الاِخوان من أهل الاِيمان، مراعياً في ذلك كلمة الاَصحاب، والذين هم أهل الديار المتّصلون بأهل


(1) الحرّ العاملي: وسائلالشيعة: ج18، الباب 6 من أبواب صفاتالقاضي، الحديث 52.
(2) وكان السيد الاَُستاذ، السيد حسين البروجردي (1292ـ 1380هـ) يقسم الفقه الموروث إلى الاَُصول المتلقاة و المسائل التفريعية، وكان هذا التقسيم كثير التداول على لسانه وفي درسه الشريف، وكان يرى لهذا القسم مكانة خاصة لا يحظى بها القسم الثاني.

(338)

بيت الحكمة والاَسرار، راجياً من اللّه أن يجعلها كلمة باقية، وتعيها أُذن واعية.(1)

ترجمة الموَلّف

إنّ خير ما يعرّف شخصية المترجم له، ما تركه من آثار علمية وخلفه من تلامذة جهابذة.

فالجهود التي بذلها المترجم له في هذين الحقلين، دليل واضح وقاطع على انّه كان رجل علم وتحقيق، وهمة وبراعة، ولذلك ترك في مجال العلم والفقه آثاراً وقدم للاَُمّة الاِسلامية فطاحلاً.

ويكفي للوقوف على هذه الحقائق أن نلقي نظرة عابرة على كتاب «العناوين» وهو نموذج واحد ممّا انتجه فكر هذا المحقّق البارع ودبجه يراعه الشريف، إذ انّنا نرى في هذا الموَلف أفكاراً جديدة وآراء سديدة وبراعة مشهودة في التفريع على الاَُصول المتلقاة، قلما نجد نظيرها في ما سواه من الموَلفات المشابهة.

ويكفيك أنّ هذا الكتاب هو أحد المصادر التي استند إليها الشيخ الاَنصاري في أبحاثه حول أحكام البيع والخيارات واحتج بآرائه، كما اهتم بآرائه، معاصروه نظير الشيخ أحمد النراقي موَلف «العوائد»، وكأنّ العلمين كانا كوكبين زاهرين في مجال هذا النوع من التأليف.

على أنّ كتاب «العناوين» جاء على غرار كتاب «العوائد» تأليفاً وتنسيقاً، وإن كان الفضل لصاحب العوائد لسبقه في هذا الميدان، وقد نقل عنه موَلفنا في موارد عديدة.


(1) مقدمة كتاب «العناوين» للسيد عبد الفتاح المراغي.

(339)

كلمات الاَعلام في حقّ الموَلّف

يقول المحقّق الطهراني في موسوعته حول طبقات الشيعة:

هو السيد عبد الفتاح بن علي الحسيني المراغي المتوفّى عام 1246هـ، ويصفه بقوله: فقيه كبير وعالم جليل، كان من الاَجلاّء الاَعلام والحجج العظام.(1)

ويصفه سيد أعيان الشيعة في موسوعته بقوله:« الفقيه النجفي، ثمّ يذكر مشايخه وآثاره العلمية».(2)

ويعرفه شيخنا المدرس في كتابه ويصفه بقوله: المتبحّر في الفقه والحديث.(3)

وقد أطراه الباحث العلاّمة جعفر الشيخ باقر آل محبوبه ويصف أثره المعروف، بقوله: إنّ كتابه هذا مشحون بالتدقيق والتحقيق.(4)

نظير سائر ما يذكره المترجمون في حقّه وشأنهرحمه اللّه .

أساتذته

لقد تخرج المترجم له على يد لفيف من علماء النجف الاَشرف، منهم:
1.الشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّـى 1241هـ) الذي تخرّج عليه كثير من العلماء المشاهير، الذين حازوا الرئاسة الدينية والزعامة العلمية، نظير: الشيخ محمد شريف العلماء (المتوفّـى 1246هـ)و السيد إبراهيم


(1) الطهراني: الكرام البررة: 2|755 رقم الترجمة 1394.
(2) السيد الاَمين: أعيان الشيعة: 8|31.
(3) المدرس التبريزي: ريحانة الاَدب:3|379.
(4) جعفر الشيخ باقر آل محبوبه: ماضي النجف و حاضرها:3|169.

(340)

صاحب الضوابط (1214ـ 1262هـ).
2. الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّـى 1251 هـ) الذي كان يحضر مجلس درسه ما يزيد على الاَلف من فضلاء العرب والعجم.(1)

إلى غير ذلك من كبار العلماء من مشايخه العظام.

آثاره العلمية

ترك المترجم له موَلفات قيمة هي كالتالي:
1. العناوين، وقد عرفت مكانته. والحقّ أنّه كتاب مشحون بالتدقيق والتحقيق، اللّذين يعرفهما كل من سبر غوره. وقد فرغ منه سنة 1246هـ كما جاء في آخر الكتاب، إذ يقول:

وقع الفراغ من تصنيف هذه النسخة بيد موَلفها المفتقر إلى رحمة اللّه، المتحسر على ما فرط في جنب مولاه: عبد الفتاح بن علي المراغي الحسيني في عصر اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك من سنة ست وأربعين بعد ألف ومائتين من الهجرة النبوية على مهاجرها السلام والتحية، في أرض الغري مشهد أمير الموَمنين علي _ عليه السلام _ لا فرّق اللّه بيني وبينه في الدارين.

والكتاب مرتب على أربعة و تسعين عنواناً، ابتدأ العنوان الاَوّل بالكلام في أدلّة اشتراك التكليف مورداً ودليلاً وبين المراد بقضايا الاَحوال، وختم الكتاب بالعنوان الرابع والتسعين طرح فيه، الاَصل المحكم في فعل المسلم ـ أعني: الصحّة ـ وذكر أدلّتها وعقبها بحل الشبه، وجعل للكتاب خاتمة بحث فيها عن القاعدة المعروفة في الرضاع من أنّه كالنسب.


(1) ماضي النجف و حاضرها : 3|169.

(341)

وفي العنوان الرابع والسبعين بحث قيم عن ولاية الفقيه وضبط مواردها والاِشارة إلى ثمراتها.

وأنت ترى في غضون الكتاب، عناوين لعدة من القواعد الفقهية التي هي بحاجة إلى بحث ضاف، وكلام حاسم.

فالكتاب مصباح الفقيه، وحجّة المجتهد، ووسيلة المستنبط.

إنّ شيخنا المجيز، المحقّق الطهراني يذكر انّ الكتاب تقرير لبحث أُستاذيه العلمين الجليلين المذكورين، وقد تبعه في ذلك موَلّف «ماضي النجف وحاضرها»ولكننا لم نجد في نفس الكتاب ما يشير إلى ذلك حسب.

وقد طبع هذا الكتاب بالطبعة الحجرية مرّة في تبريز عام 1274هـ. ق، وأُخرى عام 1297هـ.
2. مباحث الاَلفاظ في فن الاَُصول في مجلد واحد.
3. الخيارات.
4. الاِجارة.
5. الغصب.
6.تعليقات على الشرائع.
7. تعليقة على اللمعة الدمشقية.
8. رسالة في الموثقين، ذكر فيها ما يقرب عن خمسين رجلاً ممن قطع بوثاقتهم باجتهاده.
9. رسالة في عمل الدائرة الهندية.(1)


(1) لاحظ الذريعة في مختلف مواضعها، والكرام البررة : 2|755، ومصفى المقال: 232.

(342)

ويذكر شيخنا المجيز الطهراني أنّ هذه الكتب والموَلفات توجد في مكتبة الشيخ هادي كاشف الغطاء في النجف الاَشرف، ويظهر من مجموعها أنّموَلفها كان من حجج العلم الاثبات.(1)

عصره

لقد تميّز عصر المترجم بانكماش الاتجاه الاَخباري، بعد ازدهاره، أثر جهود العالم الكبير المجتهد البهبهاني (1118ـ 1208هـ) الذي واجه ذلك الاتجاه بحزم وقوّة، وقام بجهد كبير في توعيه الاَُمّة، وتحذيرها من مغبة الوقوع في شراك هذا الاتجاه.

ترك المسلك الاَخباري، مضاعفات خطيرة على الفقه أسفرت عن عرقلة نشاطه الاستنباطي فقامت سلسلة من المحاولات داخل الكيان الفقهي الشيعي للحد من نشاطه.

ولهذا كان تأليف المترجم للكتاب الحاضر ونظائره خطوة مباركة وجبارة في سبيل تصعيد نشاط العملية الاستنباطية والحركة الاجتهادية، ودعمها بالاَُسس الرصينة والقواعد المتينة.



(1) الكرام البررة : 2|755.

(343)

مرتضى بن محمد أمين التستري

الشيخ الاَنصاري (1214 ـ 1281 هـ )

الشيخ الاَنصاري رائد النهضة العلمية الحديثة

ارتحل النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد خلّف في أُمّته الثقلين والوديعتين العظيمتين، وهماالكتاب والعترة، وأمر بالتمسّك بهما إلى يوم القيامة، وقال: «إِنِّي تارِكٌفِيكُمُالثقْلَين: كِتاب اللّه وعِترتي ما إِن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».

ولقد بلغ إيصاء الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالكتاب وأهل بيته _ عليهم السلام _ من الاستفاضة بل التواتر بينالاَُمّة مبلغاً لا ينكره إلاّمكابرٌ للحقيقة، ومعاندٌ للحقّ، والحديث يعرب عن حقيقةٍ ناصعة، وهي أنّ الملجأ للاَُمّة الاِسلاميّة في حلّ المشاكل والمعضلات، بعدالنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو الكتاب والعترة.

وقد قامت العترة الطاهرة في الظروف التي أُتيح لها الاِجهار بالحقيقة، بتفسير الكتاب الكريم، وبيان فرائضه ومندوباته، وتبيين متشابهه ومعضلاته، كما قامت بنشر سنّة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كلُّ ذلك عند سنوح الفرص.

لقدتعلّقت مشيئة اللّه النافذة بانبثاق أنوار الهداية من هذه


(344)

البيوتالرفيعة(1)في هذه الظروف القاسية، حتّى تخرج من جامعتهم العديد من المحدّثين والفقهاء ممّن بلغوا الذروة والقمّة في علم الشريعة وفهم الكتاب، وقد سُجِّلت أسماوَهم وحياتهم في معاجم الرجال وكتب التاريخ، كيف وقد أدرك الحسن بن عليّبن زياد الوشّاء الكوفي من أصحاب الاِمام الرضا _ عليه السلام _ في عصرٍ واحد (900) رجل في مسجد الكوفة كلّهم يقولون: حدّثني جعفر بن محمّد وقد أحصى الشيخ أبوالعبّاس بن عقدة (المتوفّـى 333هـ) الثقـات من أصحـاب الاِمام الصادق _ عليه السلام _ فبلغوا أربعة آلاف.(2)

وقد قامت الشيعة الاِماميّة في تلك العصور بتدوين كلّ ما أُثِر عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن طريق الصحابة العدول والتابعين الثقات في كتب الحديث، كما قاموا بتسجيل أحاديث العترة في مجالي العقيدة والعمل وبذلك قدّموا إلى الاَُمّة الاِسلاميّة خدمةً جليلةً، مشكورة، كيف لا، وقد قاموا بذلك في عصر عدت فيه كتابة الحديث عملاً إجراميّاً يُعاقَب عليه فاعله، وكانت كتب الحديث تُحرق على روَوس الاَشهاد.(3)ولقد اهتمّوا بتسجيل أحاديث العترة بإيصاءٍ من النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولكون أقوالهم وأفعالهم برمّتها حاكيةً عن قول الرسول وفعله، فهم لا يقولون إلاّ بما قاله الرسول صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ولا يصدرون إلاّ عمّـا صدر عنه.

وقد روى سماعة عن الاِمام الطاهر موسى الكاظم _ عليه السلام _ قال: قلت


(1) اقرأ تفسير قوله سبحانه: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ...) (النور:36)، في «الدرّ المنثور» للحافظ جلال الدين السيوطي.
(2) رجال النجاشي«ترجمة الحسن الوشّاء» رقم:80، وقد لقي الرضا _ عليه السلام _ في خراسان، فيكون وفاته بعدالمائتين من الهجرة.
(3) تقييد العلم، للخطيب البغدادي: 52.

(345)

له: أكلُّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟(1) قال: «بل كلّشيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(2)

فجامعة العترة الطاهرة هي جامعة الكتاب العزيز والسنّة النبويّة، فهم ورّاث الكتاب (3) فلا يحتجّ به في مجال الفقه والاَحكام إلاّ بعد الرجوع إلى أحاديثهم، إذ عندهم مخصِّصُ الكتاب ومقيّده، كما هم ترجمان السنّة وخزنتها، ولاَجل ذلك جعلهم الرسول قرناء الكتاب وأعداله، وأسباباً للهداية،والصيانة عنالضلالة والغواية.

ولم يكن عمل الشيعة في مجال ضبط الحديث وتقييد العلم، إلاّ إقتداءً بإمامهم أمير الموَمنين _ عليه السلام _ حيث إنّه صلوات اللّه عليه قام بضبط ما أملى عليه رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الاَحكام الكثيرة وتبعه في ذلك أصحابه وتلاميذه وشيعته، وهذا «أبو رافع» خازن الاَمير _ عليه السلام _ صنّف كتاب السنن والاَحكام، والقضايا، وهذا عليّ ابن أبي رافع كاتب الاِمام عليّ _ عليه السلام _ صنّف كتباً في فنون من الفقه.(4)

ولقد استمرّ تقييد العلم وضبط الحديث بين الشيعة من حياة الرسول إلى غيبة الاِمام الثاني عشر فألّفوا في الحديث، جوامع كبرى معروفة عندهم بالجوامع الاَوّليّة، ثمّ تلتهم طائفة أُخرى بعد الغيبة فألّفوا الجوامع الثانويّة المعروفة بالكتب الاَربعة، وبذلك حازت الشيعة قصب السبق في مضمار تدوين الحديث الشريف، ـ كما ـ وقدّموا بذلك إلى الاَجيال المتلاحقة خدمةً جليلة، وحفظوا سنّة


(1) أي تقولون فيه بقولكم.
(2) الكافي:1|62، الحديث1.
(3) لاحظ تفسير قوله سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنَا الكِتاب الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) (فاطر:32).
(4) رجال النجاشي، برقم 1 و 2.

(346)

الرسول من الاندراس والزوال، وامتثلوا قول صادقهم: «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها».(1)

الاجتهاد في عصر الباقرين عليمها السَّلام

لم يكن الهدف من تخريج الاَحاديث وضبطها وتسجيلها في الجوامع، هونقلها بحرفيّتها فقط، من دون إمعانٍ ودقّة في الاَُصول الكلّيّة المتلقّاة من الاَئمّة،بل كان الرواة بين راوٍ حافظٍ لمتن الحديث وسنده، وراوٍ واعٍ يردُّ الفروع إلى الاَُصول المرويّة ويُفتي الناس بما فهم من كلامهم وأحاديثهم _ عليهم السلام _ امتثالاً لقولالاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «إنّما علينا أن نُلقي إليكم الاَُصول وعليكم أن تُفرّعوا».(2)

وقال الاِمام الرضا _ عليه السلام _ :« علينا إلقاء الاَُصول وعليكم التفريع».(3)

وليس التفريع إلاّ استخراج الفروع من الاَُصول الكلّيّة وتطبيق الكُبريات على الصغريات، ولا يعنى من الاجتهاد إلاّ هذا.

وهذه الروايات وأضرابها ـ التي لو أراد الباحث أن يجمعها لكلّفه ذلك تأليف رسالةٍ مفردةٍ في ذلك المجال ـ تعرب عن وجود عملية الاجتهاد والاِفتاء في عصر الباقرين وبعده لو لم نقل بوجودها قبله. كيف لا وقد قال أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ مخاطباً أبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإنّي


(1) الكافي: 1| 52، الحديث 10.وبهذا المضمون أحاديث أُخَر، فراجع.
(2) وسائل الشيعة 18: 40، الحديث 51 من الباب السادس من أبواب صفات القاضي.
(3) وسائل الشيعة 18: 40، الحديث 52 من الباب السادس من أبواب صفات القاضي.

(347)

أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك».وقد توفي «أبان»(1)في سنة 141هـ قبل وفاة الاِمام الصادق _ عليه السلام _ بسبع سنين.

كان الاَئمّة _ عليهم السلام _ يقومون بدور تعليم كيفيّة التفريع على الاَُصول واستخراج الاَحكام من الكتاب والسنّة لاَصحابهم، فهذا هو الاِمام الباقر عليه السَّلام يُجيب «زرارة» بعدما سأله بقوله: «من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس؟»، بقوله ـ بعد كلام طويل ـ :«لمكان الباء في قوله سبحانه: (وَامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ) ».(2)

و هذا هو عبد الاَعلى مولى آل سام سأل الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقال: عثرت فانقطع ظفري وجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء، قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب اللّه عزّ وجلّ، قال اللّه تعالى:(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج)(3)، امسح عليها.(4)

إلى غير ذلك من الاَحاديث العديدة التي قام الاَئمّة _ عليهم السلام _ فيها بتعليم خريجي مدرستهم طريقة الاجتهاد، وكيفيّة الاستدلال واستنباط الاَُصول من الفروع، ولم يكن موقفهم في هذا المقام إلاّ موقِفَ المعلِّم المرشِد الذي يقوم بوظيفة إرشاد المتعلّم إلى دلائل المطلب وبراهينه وقد جمعنا قسماً من هذه الاَحاديث في موسوعتنا القرآنيّة عند البحث عن الخاتميّة.(5)

وعلى ضوء هذا، فالاجتهاد بمعناه الوسيع هو: إعمال الدقّة والنظر في


(1) رجال النجاشي برقم 7.
(2) وسائل الشيعة 1: 290، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث1. والآية 6 من سورة المائدة.
(3) الحجّ: 78.
(4) وسائل الشيعة: 1|327، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.
(5) مفاهيم القرآن: 3| 306ـ 310.

(348)

الروايات، وترجيح بعضها على بعض، كان موجوداً ومعمولاً به في عصر الاَئمّة _ عليهم السلام _ بعد وفاة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ . نعم كلّما بَعُدَ العهد عن زمن الرسالة وتكثّرت الآراء والاَحاديث والروايات، ودخل فيها الدسُّ والوضع، وتوفّرت دواعي الكذب فيها، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يصعب ويحتاج إلى مزيدٍ من الموَونة، واستفراغ الوسع، ولاَجل ذلك ترى بوناً شاسعاً بين الاجتهاد الرائج في عصر الاَئمّة من بعد الغيبة بقرنٍ أو قرنين، والاجتهاد الرائج في هذه الاَعصار، والجيلان يشتركان في بذل الجهد في استنباط الاَحكام عن أدلّتها الشرعيّة، ويفترقان في أنّالاجتهاد بعد عصر الرسالة إلى قرون، كان خفيف الموَونة لقرب العهد وتوفّر القرائن، والاستغناء عنه في كثير من الموارد، لاِمكان السوَال المفيد للعلم، بخلافه في العصور المتأخّرة حيث اتّخذ الاجتهاد ـ لاَجل بُعد العهد ـ لنفسه صفة فنّيّة فلا يمكن أن يقوم به إلاّالاَمثل فالاَمثل من الواعين المتدبّرين في الكتاب والسنّة، حتّى لا يعمل بالعامّ في مكان الخاصّ. ولا بالمطلق عند وجود المقيّد، ولا بالاَصل العملي عند وجود الدليل الاجتهادي، ولا بالدليل المرجوح عند وجود الراجح، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي فرضها بُعدنا عن عهد المعصومين.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الاجتهاد ليس من البدع المحدثة، فقد كان بابه مفتوحاً على مصراعيه في وجه العلماء منذ زمن قديم.

الاجتهاد رمز خلود الدين

إنّالتشريع الاِسلامي تشريع خالد، وقد أغنى البشر عن كافة التشريعات غير الاِلهيّة، هذا من جانب، ومن جانبٍآخر كلّما تكاملت نواحي الحضارة،


(349)

وتشابكت وتعدّدت ألوانها، وواجه المجتمع أوضاعاً جديدة وقضايا مستحدثة، وطرحت عليه مشاكل طارئة لا عهد للاَزمنة السابقة بها؛ ازدادت حاجة المجتمع إلى قوانين وتشريعات جديدة ولم تزل تتزايد هذه الحاجة يوماً بعد يوم تبعاً لذلك.

فما هوالعلاج؟ وكيف يجمع بين هذين الاَمرين الثابتين؟ أيصحّ لمسلم الخضوع لتشريعات بشريّة لا تمتّ إلى تشريع السماء بصلة؟ أو أنّه لا مناص له من بذل الجهود في الكتاب والسنّة حتّى يقف على حكم هذه القضايا المستجدة من هذين المصدرين الاِسلاميّين المهمّين، كيف لا، وقد أخبر سبحانه عن اكتمال الدين عندما قرب عهد لحوق النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرفيق الاَعلى، قال سبحانه: (اليَوْمأَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً).(1)

إنّ خلود التشريع وبقاءه في جميع الاَجيال، واستغناءه عن كلّ تشريع سواه، يتوقّف على أن يكون التشريع ذا مادّة حيويّة خلاّقة للتفاصيل، بحيث يقدر معها علماء الاَُمّة على مواكبة الزمن باستنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع الاِسلامي في جميع الاَعصار. ولاَجل ذلك يجب أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً ليتسنّى للحاكم الاِسلامي الوقوف على حكم الموضوعات الحديثية بذلك فيحفظ للدين طراوته، ويصونه عن الاندراس، وبالتالي يُغني المسلمين عن التطفل على موائد الاَجانب بإعطاء كلّ موضوعٍ ما يقتضيه من حكم، ولا أظنّ أنّ أحداً يشكّ في لزوم الاجتهاد في أصل المذهب وانفتاحه في جميع الاَعصار إذا ما فتح عينيه على كثيرٍ من الموضوعات التي طُرحت ـ اليوم ـ على صعيد التشريع


(1) المائدة: 3.

(350)

ولم تزل تطرح وليس في النصوص ما يدلّ على حكمها بالخصوص.

ومن الموَسف جدّاً أنّه استحوذ الشكّ في لزوم دوام انفتاحه على عقول كثير من فقهاء السنّة، فأقفلوا هذا الباب بكلا مصراعيه في أواسط القرن السابع(1) ثمّ واجهوا مشاكل في جميع الاَعصار لا سيّما العصر الحديث.

وأمّا نحن معاشر الشيعة فنعتزّ على دوام انفتاحه، استلهاماً من قول الاِمام الصادق _ عليه السلام _ لتلميذه حمّاد: «ما من شيءٍ إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».(2)

ومن الواضح أنّ استخراج حكم كلّ شيءٍ من ذينك المصدرين يحتاج إلى بذل جهدٍ وسعي حثيث في التفريع والتطبيق على ما هو دأب المجتهد.

المراحل التي مرّ بها الفقه الشيعي

ولقد مرّ الفقه الشيعي بمراحل عديدة تعدّ كلّ مرحلةٍ تطوّراً لما قبلها.

1. الاِفتاء بنقل الروايات مع أسنادها

كان الرائج في عصر الاَئمة نقل الروايات بأسنادها في كتبهم والاِفتاء بها، فكانوا يدوّنون الاَحاديث في أبواب خاصّة كالطهارة والصلاة والزكاة والحجّ إلى آخر أبواب الفقه، ولم يكن المقصود من نقلها بأسنادها هو تسجيل الروايات فقط، بل كان الموَلّفون بين راوٍ لها وجامعٍ للاَحاديث، وواعٍ لها مراعٍ لضوابط الفتيا، فالفقهاء من خريجي جامعة الاِمام الباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السَّلام كانوا يسجّلون الاَحاديث على النمط الثاني بينما كانت الطبقة الوسطى أو


(1) الخطط المقريزيّة:2|333و334و344.
(2) الكافي: 1|59.

(351)

الاَدنى منهم يدوّنونها على حسب الرواية.

2. تجريد المتون عن الاَسانيد

وفي أوائل القرن الرابع ظهر لونٌ جديدٌ في الفُتيا وهو تجريد الروايات عن أسانيدها، وكتابة الفقه بنفس النصوص الواردة فيها، ولعلّ أوّل من بادر إلى ذلك هو والد الصدوق عليّ بن بابويه (المتوفّى 329هـ)، فألّف كتاب الشرائع على هذا النمط، كما كتب ولده الصدوق (المتوفّى 381هـ) «المقنع والهداية» على غرار كتاب الشرائع للوالد. ثمّ استمرّ التأليف على هذا النحو إلى أواسط القرن الخامس فألّف الشيخ المفيد (المتوفّى 413هـ) «المقنعة»، وتلميذه شيخ الطائفة الطوسي (المتوفّى 460هـ) «النهاية» على غرار ما كتب الصدوق، وكان سيّدنا الاَُستاذ آية اللّه البروجردي (المتوفّى 1380هـ) يطلق على: هذا النوع من الكتب بـ«المسائل المتلقّاة من الاَئمّة»، وإن شئت فسمّه بالفقه المنصوص.

ولمّا لم يكن هذا النوع من الكتابة رافعاً للحاجة وسادّاً للفراغ لطروء مسائل مستحدثة وموضوعات جديدة لم ترد فيها سنّة استدعى الحال إلى ظهور نمط آخر يختلف عن سابقيه.

3. مرحلة التفريع واستخراج الفروع من الاَُصول

وقد قام في أوائل القرن الرابع لفيف من فقهاء الشيعة بإبداع منهج ثالث وهو الخروج عن حدود النصوص، وعرض المسائل على القواعد الكلّيّة الواردة في الكتاب والسنّة.وأوّل من فتح هذا الباب في وجه الشيعة هو «الحسن بن علي بن أبي عقيل» المعاصر للكليني (المتوفّى329هـ) ويظهر من النجاشي في ترجمته أنّ كتابه «المتمسّك بحبل آل الرسول» كان مرجعاً فقهيّاً للشيعة يعمل به الناس


(352)

كعملهم بالرسائل العمليّة في يومنا الحاضر. يقول النجاشي في حقّ هذا الكتاب: «ما ورد الحاجّ من خراسان إلاّ طلب واشترى منه نسخاً».(1)

ثمّ اقتدى به: محمّد بن أحمد بن جنيد (المتوفّـى 381 هـ) فألّـف كتابين في هذا المضمار «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة» وكتاب «الاَحمدي للفقه المحمّدي»(2). وقد اتُّهم ابن جنيد باستعمال القياس غفلة عن حقيقة الحال، فإنّه لم يستعمل القياس إلاّ على وجه المحاجّة على الخصم ولم يكن ذلك اعتقاده ومنهجه.(3)

غير أنّ عمل الفقيهين الجليلين، وإن كان مشكوراً وجديراً بالاهتمام في تلك الظروف، ولكن لرسوخ التعبّد بالنصوص في أذهان كثيرٍ من الاَصحاب، لم يوَثّر تأثيراً كبيراً في العمليّة الفقهيّة إلى أن قام شيخ الطائفة بتأليف كتاب «المبسوط»؛ فأزاح العراقيل الماثلة أمام هذا النوع من التأليف إلى درجة أنّه نسخ به النمط الآخر، وأقبل الفقهاء على كتابة الفقه على نحو تفريع الفروع واستنباط أحكامها من الاَُصول من دون الالتزام بنفس النصوص، ويظهر ممّا ذكرهالشيخ في المقدّمة، أنّه ردّبذلك على تعبير قومٍ من المخالفين على فقه الشيعة بأنّه غير كافٍ لرفع الحاجة في مختلف المجالات لاِعراضهم عن القواعد الرائجة عندهم، كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع إلى غير ذلك من الاَُصول التي رفضتها الشيعة، فأثبت الشيخ بمشروعه الكبير هذا، أنّ الاَُصول والقواعد الفقهيّة الموروثة عن أئمّة أهل البيت كافية للاِجابة عن كافة التساوَلات، يقول:

«فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّهة والمنتسبين إلى علم


(1) رجال النجاشي، رقم 100.
(2) رجال النجاشي، رقم 1047.
(3) عدّة الاَُصول: 1| 339.ولاحظ ما حقّقه السيّد بحر العلوم في فوائده 3:213 ـ 215.

(353)

الفروع، يستحقرون فقه أصحابنا الاِماميّة وينسبونهم إلى قلّة الفروع، وقلّة المسائل، ويقولون: إنّ من ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الاَُصول، وهذا جهلٌ منهم بمذاهبنا، وقلّة تأمّل لاَُصولنا، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا، لعلموا أنّجلّ ما ذكروه من المسائل موجودٌ في أخبارنا ومنصوص عليه تلويحاً عن أئمّتنا، إمّا خصوصاً أو عموماً أو تصريحاً أو تلويحاً. ثمّ قال: وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوّق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك، تتوق نفسي إليه فيقطعني عن ذلك، القواطع، وتشغلني الشواغل، وتضعف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به، لاَنّهم ألِفوا الاَخبار وما رووها من صريح الاَلفاظ حتّى أنّ مسألة لو غُيّر لفظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم، لَعجبوا منها، وقَصُرَ فهمهم عنها، وكنت عملت على قديم الوقت كتاب «النهاية» وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنّفاتهم بأُصولها من المسائل وفرقوها في كتبهم ورتّبته ترتيب الفقه، وجمعت من النظائر، ورتّبت فيه الكتب على ما رتّبت للعلّة التي بيّنتها هناك، ولم أتعرّض للتفريع على المسائل ولا لتعقيد الاَبواب وترتيب المسائل وتعليقها والجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالاَلفاظ المنقولة حتّى لا يستوحشوا من ذلك».(1)

وقد نال هذا الكتاب شهرة واسعة في أوساط ا لعلماء، وهو أحد الكتب النفيسة للشيعة الاِماميّة في الفقه، وطبع في ثمانية أجزاء وصار عمله هذا بداية خير للفقهاء العظام بعده، فقد ألّف زميله عبد العزيز بن البراج (المتوفّى 481هـ) «المهذّب» على غراره، ثمّ تتابع التأليف بعدهما إلى عصرنا هذا.

ومن ألمّ بتاريخ الفقه الشيعي من عصر الاَئمّة إلى القرن العاشر يجد أنّ علماء الشيعة كانوا ميّالين إلى أحد المنهجين التاليَين:


(1) المبسوط: 1|1ـ2.

(354)

«منهج جمع الحديث الفقهي وضبطه ونقله ونشره، ومنهج تفريع الفروع واستنباط الاَحكام عن أدلّتها الشرعيّة ولكلٍّ عمله وجزيل أجره، فشكر اللّه مساعي الجميع».

وهذا واضح لمن سبر تاريخ فقه الشيعة، ودرس طبقات فقهائهم ومحدّثيهم، ولم يكن للمحدّثين مذهب فقهي خاص بهم، وللفقهاء والمجتهدين مذهبٌ آخريضادّ المنهج الاَوّل، بل كان لكلّ مسوَوليّة معيّنة، ووظيفة خاصّة تجاه الدين.

الاَخباريّة منهج مبتدع

قد تعرّفت على أنّه لم يكن بين علماء الشيعة منهجان متقابلان متضادّان في مجال الفروع، حتّى يكون لكلّ منهج مبادىَ مستقلّة، ويناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، وكان الاختلاف في لون الخدمة وكيفيّة أداء الوظيفة إلى أن ظهر في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الشيخ محمّد أمين ابن محمّد شريف الاسترآبادي الذي جاور المدينة المنوّرة ومكّة المشرّفة، وتتلمذ فيها على الشيخ محمّد بن علي الاستر آبادي صاحب كتاب :«منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال» عشر سنين(1) وتوفّي (عام 1033هـ)(2) فابتدع مسلكاً خاصّاً أسماه بالاَخبارية. وقد هاجم في تأليفاته المجتهدين العظام أمثال ابن أبي عقيل وابن الجنيد والشيخ الطوسي ومن اقتفى آثارهم، حتّى زعم أنّ مسلك «الاَخباريّة» الذي ابتدعه كان موجوداً في القرون السابقة غير أنّه كانت تمرّعليها مراحل من نشاطٍوفتور، وانتعاشٍ وخمول.


(1) الفوائد المدنيّة لمحمّد أمين الاستر آبادي: 18، وتوفّي أُستاذه عام 1028هـ.
(2) لوَلوَة البحرين للشيخ يوسف البحراني:119.

(355)

والعجب أنّه استدلّ على انقسام علماء الاِماميّة إلى الاَخباريّين والاَُصوليّين بأمرين:
1. ما ذكره شارح المواقف حيث قال: كانت الاِماميّة أوّلاً على مذهب أئمّتهم حتّى تمادى بهم الزمان فاختلفوا وتشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة وإلى الاَخباريّين، وما ذكره الشهرستاني في أوّل كتاب الملل والنحل من أنّ الاِماميّة كانوا في الاَوّل على مذهب أئمّتهم في الاَُصول ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم، حتّى تمادى بهم الزمان فاختارت كلّفرقةٍ طريقةً، فصارت الاِماميّة إلى معتزلة (إمّا وعيديّة) أو تفضيليّة، و إلى أخباريّةامّا (مشبّهة) أو سلفيّة.(1)
2. ما ذكره العلاّمة في نهايته عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد، فقال: أمّا الاِماميّة فالاَخباريّون منهم لم يعوّلوا في أُصول الدين وفروعه إلاّعلى أخبار الآحاد، والاَُصوليّون منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره وافقوا على خبر الواحد ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ كلا الشاهدين أجنبيّان عمّا يرومه الاَمين.

أمّا الشاهد الاَوّل: فهو نقله بالمعنى، ولو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارىَ الكريم ما رامه شارح المواقف، وإليك نصّه: ...وتشعّب متأخروهم إلى «المعتزلة» إمّا وعيديّة أو تفضيليّة (ظ. تفضلية) وإلى «أخباريّة» يعتقدون ظاهر ما ورد به الاَخبار المتشابهة، وهوَلاء ينقسمون إلى «مشبّهة» يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و«سلفيّة» يعتقدون أنّما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف وإلى ملتحقة بالفرقة الضالّة.(3)


(1) لاحظ شرح المواقف8: 392. ولم نجد النصّ في الملل و النحل. والفوائد المدنيّة:43و44.
(2) الفوائد المدنيّة: 43و44.
(3) المواقف 8: 392. يريد من الفرقة الضالّة، فرقة المعتزلة،وهذا التعبير الجارح بعيدعن أدب شارح المواقف السيّد شريف الجرجاني.

(356)

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ مسلك الاَخباريّة الذي ابتدعه الشيخ الاَمين ليس إلاّ مسلكاً فقهيّاً يشكل سُداه ولحمته عدم حجّيّة ظواهر الكتاب أوّلاً ولزوم العمل بالاَخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الاَسناد وعلاج التعارض بالحمل على التقيّة وغيرها ثانياً، وعدم حجّيّة العقل في استنباط الاَحكام ثالثاً.

وما ذكره شارح «المواقف» فهو راجع إلى المسائل العقائديّة دون الفرعيّة ومن بين هذه المسائل يخصّ الصفات الخبريّة بالبحث كاليد والاِستواء والوجه وغير ذلك ممّا ورد في الاَخبار بل الآيات واتّهم الاِماميّة بأنّهم يعتقدون بظواهر الاَخبار المتشابهة وينقسمون في التعبّد بها إلى طوائف ثلاث: مشبّهة، وسلفيّة، وملتحقة بالفرق الضالّة.

والحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جدّاً مع اختلافهما في موضوع البحث وابتناء المسلك الاَخباري على أُسس وقوائم لم تكن معروفة بها عند الطائفة الاَُولى.

وأمّا ما ذكره العلاّمة فهو أيضاً لا يمتّ إلى مسلك الاَخباريّة المبتدع بصلة، بل هو راجع إلى مسألة خلافيّة بين علماء الاِماميّة من زمن قديم، وهو هل الخبر الواحد حجّة في الاَُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا ؟ فالمحدّثون والممارسون للاَخبار والذين ليس لهم شأن إلاّ الغور في الاَخبار ذهبوا إلى القول الاَوّل، والممارسون لعلم الاَُصول الذين يحكِّمون العقل في مجال العقائد يقولون بالثاني.

فتفسير الاَخباري في كلام العلاّمة الذي لا يقصد إلاّمن يمارس الاَخبار ويدوّنها وينقلها كما يفعله كلّ المحدّثين، بمسلك الاَخباري الذي هو مسلك فكري اجتماعي عجيب جدّاً.

ولسنا متفرّدين بتوصيف مسلكه بالاِبتداع ـ لو لم نقل أنّه كان حركة رجعيّة


(357)

عرقلت خطى الاَُمّة عن التقدّم والتطوّر وأقفلت باب البحث في الاَسانيد والمتون كما سدّت البحث حول كثير من المسائل الاَُصوليّة ـ حتّى أنّ المحدّث البحراني ـ الذي كان أخباريّاً معتدلاً جدّاً ويعدّ كتابه الحدائق من أنفس الكتب الفقهيّة لا سيما في جمع الاَخبار وتفسيرها ـ يعترف بذلك ويقول في ترجمة الاَمين الاسترآبادي: «وكان فاضلاً محقّقاً مدقّقاً ماهراً في الاَُصولَيْن والحديث، أخباريّاً صلباً ، وهو أوّل من فتح باب الطعن على المجتهدين، وتقسيم الفرقة الناجية إلى أخباريّومجتهد، وأكثر في كتابه الفوائد المدنيّة من التشنيع على المجتهدين، بل ربّما نسبهم إلى تخريب الدين، وما أحسن وما أجاد، ولا وافق الصواب والسداد، لما قد ترتّب على ذلك، من عظيم الفساد، وقد أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في كتابنا« الدرر النجفيّة» وفي كتابنا «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» إلاّ أنّ الاَوّل منهما استوفى البحث في ذلك بما لم يشتمل عليه الثاني».(1)

وقد ترجمه صاحب «الروضات» ترجمةً مفصّلة وذكر الموارد التي طعن فيها على المجتهدين وذكر ردود المجتهدين عليه بما لا مزيد عليه.(2)

وممّا يدعو إلى العجب أنّ الاَمين: ينهي مسلكه إلى أُستاذه محمّد بن إبراهيم موَلّف كتاب «منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال» مع أنّ العناية بعلم الرجال والدقّة في الاَسانيد التي كرّس الاَُستاذ عمره فيها لا يجتمع مع مسلك الاَخباريّة القائل بقطعيّة الاَخبار، التي تُغني عن الرجوع إلى علم الرجال.


(1) لوَلوَة البحرين: 118ـ177، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العلوم.
(2) روضات الجنّات: 1| 120ـ 139.وذكر أنّ الفوارق بين المنهجين ترتقي إلى ثلاثين أصلاً، ثمّ ذكر روَوسها. فلاحظ الصفحات 127ـ130، الطبعة الحديثة، وبسط الكلام في ترجمته في مادّة «أمين» قائلاً: بأنّ تصديره بـ«محمّد» للتبرّك وليس جزءاً من الاسم، وعلى تلك الضابطة مشى في جميع الكتاب، وتبعه غيره في بعض تآليفه.


(358)

حَنَّ قِدْحٌ ليس منها

هذا ولقد قام في هذه الآونة الاَخيرة «علي حسين الجابري» من طلاّب كليّة الآداب في جامعة بغداد بتأليف رسالةٍ أسماها بـ«الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشريّة»، حاول فيه أن يثبت أنّ الفكرالسلفي هو الفكر الاِمامي الاثنا عشري الاَصيل قبل أن تتداخل فيه الاَهواء، وتتجاذبه الرياح العواصف، وقد طبع الكتاب ببيروت عام 1977م، ونال بهذا الموَلّف درجة الماجستير من نفس الكليّة، وقد أطراه أُستاذه المشرف على تلك الرسالة «كامل مصطفى الشيبي» بقوله: لقد خاض الجابري في بحر مائج، وجهد كثيراً حتّى أخرج منه صيداً شهيّاً يتمثّل في هذا الكتاب الذي يغبطه كلّباحث.

ونحن نقدّر جهد الموَلّف حيث إنّه أعدّالعدّة اللازمة لكتابة هذه المواضيع من تاريخ فقهنا المشرق، ولكن نوَاخذ عليه أُموراً:
1. إنّالسلفيّة لم تكن مذهباً خاصّاً ولا منهجاً معيّناً دارجاً بين المسلمين من غير فرق بين السنّة والشيعة، وإنّما هو من مبدعات ابن تيمية(المتوفّى 728هـ) ومَن تبعه في القرن الثاني عشر كمحمّد بن عبد الوهاب (المتوفّى1206هـ) وكانت الغاية من اختراع هذه الكلمة هو تبرير عقائدهما، فالتشبيه والتجسيم والجمود على حرفيّة الصفات الخبريّة كاليد والوجه للّه سبحانه تعدّ جميعها أساساً لمذهب الاَوّل، والمنع عن السفر إلى زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وطلب الشفاعة منه يُعدّ أساساً آخر لمذهب الثاني، فأبدعا ذلك المصطلح في كتبهم أو نسبا ما ابتدعاه إلى السلف، ولمّا أخذت الدعوة الوهابيّة تنتشر في الاَراضي المقدّسة تحت وطأة الترهيب والترغيب راج تداول لفظ السلفيّة بين أصحاب القلم ووسائل الاِعلام.

وفي هذا الصدد يقول بعض المفكّرين من أهل السنّة: إنّ اختراع هذا


(359)

المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الاَُمّة، ولا الخلف الملتزم بنهجه.(1)
2. إنّ الكاتب حاول أن يثبت أنّ مسلك الاَخباريّة الذي ابتدعه محمّد أمين الاستر آبادي في أوائل القرن الحاديعشر كان استمراراً للسلفيّة التي كانت تغلب على الشيعة في عصر الاَئمّة وحتّى بعد الغيبة إلى أن انتهت إلى عصر أمين الاَخباري، ثمّ إنّه لدعم ذلك أثبت لمعلّم الاَُمّة «الشيخ المفيد» جانباً سلفيّاً وجانباًعقليّاً، وزعم أنّ تلميذه المرتضى طوّر جانبه العقلي إلى أن وصل إلى ذروته، كما أثبت نظير ذلك لتلميذه الشيخ الطوسي، ولم يكتفِ بذلك حتّى قال في حقّ المحقّق: إنّه بغضّ النظر عن كلّ ما قيل عن دور المحقّق في ميدان التشريع الاَُصولي والعقلي، تبقى مسألة المحافظة السلفيّة عنده على الاَحاديث واضحة، ربّما بتأثير بعض شيوخه، وقد حلّ كتابه «شرائع الاِسلام» في حلقات الدرس الاَُصولي ـ الاثنى عشرية ـ بدلاً من كتاب «النهاية» للطوسي، وهذا يعني الكثير بالنسبة للفكرالسلفي.(2)

وما ذكره لا يبتني على أساس رصين، إذ كيف يتّهم الشيخ المفيد بجانب سلفي مع أنّه المتكلّم الذي يعتمد في إثبات الاَُصول والعقائد على «العقل» و«البرهان»و يقضي في الاَحاديث بالضوابط التي يقدّرها الاَُصوليّون في أبحاثهم، وليس كتابه «المقنعة» دليلاً على كونه سلفيّاً. وقدعرفت أنّ مشاهير الفقهاء كانت لهم ألوانٌ مختلفةٌ من الكتابة، فللشيخ الطوسي كتاب «النهاية»، وفي الوقت نفسه كتاب «الخلاف» و«المبسوط»، كما إنّ تأليف «شرائع الاِسلام» للمحقّق لا يمتّ إلى كونه سلفيّاً بصلة، بشهادة أنّه كتب «المعتبر» أيضاً فالاَوّل من المتون الفقهيّة الخالية


(1) السلفيّة مرحلة زمنيّة: 13. و لاحظ: بحوث في الملل والنحل: 1|318ـ 329.
(2) لاحظ: الفكر السلفي: 212و213و237.

(360)

عن الاستدلال إلاّقليلاً والثاني كتاب استدلالي مبني على الضوابط المقرّرة.

والعجب أنّ الكاتب يصرّ على أنّالفكرة السلفيّة الرائجة بين أصحاب الاَئمّة في القرون الثلاثة، والتي روّجها الاَمين، لم تزل رائجة بين علماء الشيعة عبر القرون من عصر الكليني إلى زمان الاَمين، مع أنّه يصرّح بانقطاع الفكرة بعد رحيل الكليني إلى زمانه، وأنّه هو الذي أعاد الفكرة على الساحة بفضل إرشاد أُستاذه الشيخ محمّد الاستر آبادي موَلّف الرجال الكبير والمتوسّط والصغير وإليك نصّ عبارته:

وأوّل من عقل عن طريقة أصحاب الاَئمّة _ عليهم السلام _ و اعتمد على فن الكلام وعلى أُصول الفقه المبنيَّين على الاَفكار العقليّة المتداولة بين العامّة ـ فيما أعلم ـ محمّد بن أحمد بن الجنيد (المتوفّى 385هـ) العامل بالقياس وحسن بن علي ابن أبي عقيل العماني المتكلّم، ولمّا أظهر الشيخ المفيد حسن الظنّ بتصانيفهما بين يدي أصحابه ـ ومنهم السيّد الاَجلّ المرتضى وشيخ الطائفة ـ شاعت طريقتهما بين متأخّري أصحابنا ـ قرناً فقرناً ـ حتّى وصلت النوبة إلى العلاّمة الحلّـي فالتزم في تصانيفه أكثر القواعد الاَُصوليّة للعامّة ثمّ تبعه الشهيدان والفاضل الشيخ علي (يريد المحقّق الكركي) (المتوفّى940هـ) رحمهمُ اللّه.(1)

ولو لاحظ الاِنسان ذلك الكتاب «الفكر السلفي» لرأى أنّ الموَلّف أتى بمصادر جمّة في الهوامش، وربّما يتخيّل للقارىَ معها أنّ الكاتب برهن على ما كتبه وسطّره بالمصادر والمآخذ، غير أنّه لا يجد في جميع ما كتبه حول القرون العشرة إلى زمان الشيخ محمّد أمين الاستر آبادي دليلاً واضحاً على أنّ المسلك الاَخباري بالمعنى الذي تبنّاه الاستر آبادي كان امتداداً لما كان عليه السلف في العصور السابقة، بل إنّ كلّ ما قاله الكاتب ليس سوى استنتاجات ونظريّات


(1) الفوائد المدنيّة: 30، ط دار النشر لاَهل البيت _ عليهم السلام _ .

(361)

شخصيّة تقصُر عن إثباتها، المصادر والمآخذ، ولاَجل ذلك لا مناص للقارىَ الكريم من أن يتّهم الاستر آبادي باختراع هذا المسلك، لاَنّه لا يرى له جذوراً بصورة منهج فقهي رسمي بين الاَصحاب المتقدّمين على الاسترآبادي، كما على القارىَ أن يتّهم الكاتب بأنّه يحاول إقصاء الشيعة عن مجال العقل والتعقّل، والفكر والتفكير، عبرَ رميهم بالسلفيّة واتّباع الظواهر من دون دراستها وتقييمها في عقليّة استنباطيّة اجتهاديّة، وبخاصّة أنّ الكتاب طبع في عهد النظام البعثي الذي يتبنّى محاربة هذه الطائفة وتوجيه الضربات إليها، وهو يهيمن على مراكز الثقافة والفكر كالمعاهد والجامعات.

كيف لا وقد عرفت ـ في ما أسلفنا ـ على أنّ انقسام العلماء إلى أهل الحديث وأصحاب الاجتهاد لا يدلّ على كون الاَوّل مسلكاً فقهيّاً أو عقائديّاً تبنّاه فحول الشيعة وأكابرهم، وإنّما كان ذلك تقسيماً للمسوَوليّات الدينيّة، وكلّ يختار ما يميل إليه ذوقه وتدعوه إليه فطرته.

بقي هنا شيء وهو تبيين المسلك الذي تبنّاه الاَمين الاستر آبادي، وأوجد ضجّة كبرى في العواصم الشيعيّة حتّى يكون القارىَ على بصيرة من وهن هذا المسلك فنقول: إنّ مسلك الاَمين الاستر آبادي يتكوّن من الاَُمور التالية:(1)

1. عدم حجّيّة ظواهر الكتاب والسنّة

إنّ الاَصل الاَوّل من أُصول هذا المسلك هو عدم حجّيّة الكتاب الذي يعرفه سبحانه بأنّه: (تِبيان كلّ شيء) (2) يقول الاَمين الاستر آبادي: إنّ القرآن في الاَكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة، وكذلك كثير من السنن


(1) ما جاء في المتن هو أُمّهات الفروق وأُصولها ،وإلاّ فقد عرفت أنّالفوارق تنتهي إلى ثلاثين أصلاً.
(2) النحل:89.

(362)

النبويّة، وأنّه لا سبيل لنا في ما لا نعلمه من الاَحكام النظريّة الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة إلاّ السماع من الصادقين _ عليهم السلام _، وأنّه لا يجوز استنباط الاَحكام النظريّة من ظواهر كتاب اللّه ولا من ظواهر السنّة النبويّة ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر _ عليهم السلام _ بل يجب التوقّف والاحتياط فيهما.(1)

وقال في موضعٍ آخر: فإن قال قائل: كيف عملكم معاشر الاَخباريّين في الظواهر القرآنيّة مثل قوله تعالى: (أَوفُوا بالعُقود)(2) وقوله تعالى: (أَولامَسْتُمُالنِّساء)(3)، وقوله تعالى: (إذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).(4)وفي ظواهر السنّة النبويّة مثل قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لا ضرر ولا ضرار في الاِسلام».

قلنا: بأنّا نوجب الفحص في أحوالهما بالرجوع إلى كلام العترة الطاهرة _ عليهم السلام _ فإذا ظفرنا بالمقصود وعلمنا حقيقة الحال عملنا بها، وإلاّ أوجبنا التوقّف والتثبيت.(5)

يلاحظ عليه بأنّه إذا دار الاَمر بين الاَخذ بقول الاستر آبادي في توصيف القرآن بأنّه ورد في الاَكثر على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة، وبين قول الرسول وعترته. فنحن نأخذ بالثاني.

فقد قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «وإنّ على كلّ حقّ حقيقةً، وعلى كلّ صوابٍ نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».(6)

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:« أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتابَاللّه فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله».(7)


(1) الفوائد المدنيّة: 47.
(2) المائدة: 1، 6.
(3) المائدة: 1، 6.
(4) المائدة: 1، 6.
(5) الفوائد المدنيّة: 164.
(6) الكافي: 1| 55.
(7)7. الكافي :1 |56.

(363)

وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف».(1)

وإذا لم يكن الكتاب حجّة في مجال الاِفتاء، فلماذا أرجع الاَئمّة عليهم السَّلام الرواة، في تمييز الشروط الصحيحة عن غيرها، إلى موافقة الكتاب ومخالفته، وقد تضافر عنهم قولهم: «المسلمون عند شروطهم»، إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّوجل فلا يجوز.(2)

إنّ توصيف الكتاب بعدم الحجّيّة في مجال العمل والعقيدة، إهانة كبيرة لحجّة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومعجزته الكبرى، وقد وصفه سبحانه بأنّ فيه هدىً وبياناً وموعظة للمتقّين، قال سبحانه: (هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوعِظةٌ لِلْمُتَّقين) .(3)

فلو لم يكن الكتاب مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ومرجعاً لاستنباط الاَحكام، فلماذا قام الاِمام الرضا _ عليه السلام _ بإفحام أبو قرّة المحدّث العامي حيث قال: رُوِينا أنّ اللّه قسّم الروَية والكلام، فلموسى _ عليه السلام _ الكلام، ولمحمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الروَية. فقال أبو الحسن _ عليه السلام _ : «فَمنِ المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين من الجنّوالاِنس (قوله تعالى) (لا ُتْدِرُكُه الاَبصار)(4)، (ولايُحِيطُونَ ِبِه عِلْماً)(5)و (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء)(6) أليس محمّد صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم؟ قال أبو قرّة: بلى. فقال الاِمام _ عليه السلام _ : «كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول:


(1) الكافي: 1|55.
(2) وسائل الشيعة12:323، كتاب التجارة، الباب السادس من أبواب الخيار، الحديث 2، وفي الباب أحاديث كثيرة في هذا المجال، فلاحظ.
(3) آل عمران:138.
(4) الاَنعام: 103.
(5) طه: 110.
(6) الشورى: 11.

(364)

(لا تدركه الاَبصار)، (ولا يحيطون به علماً ) و (ليس كمثله شيء)، ثمّ يقول: «أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر».(1)

وهذا هو حسن الصيقل يقول: قلت لاَبي عبد اللّه: رجل طلّق امرأته طلاقاً لا تحلّله حتّى تنكح زوجاً غيره، فتزوّجها رجل متعة أتحلّ للاَوّل؟ قال _ عليه السلام _ : لا، لاَنّاللّه يقول: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرهُ فَإنْ طَلّقَها)(2) ، والمتعة ليس فيها طلاق(3) هذا ومن تتبّع أحاديث العترة الطاهرة، يجدها تسير جنباً إلى جنب مع القرآن، تتمسّك بإشاراته فضلاً عن تصريحاته وظواهره،ولاَجل ذلك كان أبو حنيفة يقول عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : «لقد كان كلامه انتزاعات من القرآن».

ولتعلم أنّ التمسّك بالظواهر لا يمتّ إلى تفسير القرآن بالرأي بصلة.

2. ادّعاء قطعيّة أحاديث الكتب الاَربعة:

هذا هو الاَصل الثاني الذي ذهب إليه الاَخباريّون حيث جعلوا البحث عن حال الراوي من حيث الوثاقة وعدمها، أمراً لا طائل تحته، كما يكون تقسيم الاَخبار من جانب الاَُصوليّين إلى الاَقسام الاَربعة المعروفة، على طرف النقيض من هذا الاَصل.

يلاحظ عليه: أنّ دعوى القطعيّة دعوى بلا دليل، كيف لا؟ وموَلّفو الكتب الاَربعة لم يدّعوا ذلك، وأقصى ما يمكن أن ينسب إليهم أنّهم ادّعوا صحّة الاَخبار المودعة فيها، وهي غير كونها متواترة أو محفوفة بالقرائن، والمراد من الصحّة في


(1) الكافي: 1|74.
(2) البقرة: 230.
(3) وسائل الشيعة15:369، كتاب الطلاق، الباب التاسع من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 4.

(365)

مصطلحهم اقترانها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الاَئمّة، ولكن هل هذه الشهادة من المشايخ الثلاثة على صحّة روايات كتبهم حجّة لنا أو لا؟التحقيق لا، لاَنّ خبر العدل وشهادته إنّما يكون حجّة إذا أخبر عن الشيء عن حسٍّ لا عن حدس، والاِخبار عن الشيء بالحدس لا يكون حجّة إلاّ على نفس المخبِر، ولا يعدُو غيره إلاّفي موارد خاصّة. ولاَجل هذه النكتة نرى أنّ المشايخ نقلوا الروايات بأسنادها حتّى يتدبّر الآخرون فيما ينقلونه ممّا صحّ لديهم، ولو كانت شهادتهم على الصحّة حجّة على الكلّ لما كان وجه لتحمّل هذا العبء الثقيل، أعني نقل الروايات بأسنادها.

3. إنكار حجّيّة العقل في مجال الاستنباط

هذا هو الاَصل الركين عند الاَخباريّين وقد طعنوا به الاَُصوليّين الذين ذهبوا إلى حجّيّة العقل في مجال الاستنباط، وسمّاه محمّد أمين الاستر آبادي «الاعتماد على الدليل الظنّي في أحكامه تعالى» وقد استنبط ذلك من مقدّمة وصفها بأنّها دقيقة وشريفة وقال: العلوم النظريّة قسمان، قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الاِحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب، وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الاختلاف، وقسم ينتهي إلى مادّة بعيدة عن الاِحساس ومن هذا القسم الحكمة الاِلهيّة والطبيعيّة وعلم الكلام، وعلم أُصول الفقه، والمسائل النظريّة الفقهيّة، وبعض القواعد المذكورة في علم المنطق، ومن ثمّ وقع الاختلاف بين الفلاسفة ، في الحكمة الاِلهيّة والطبيعيّة، وبين علماء الاِسلام في أُصول الفقه والمسائل النظريّة الفقهيّة، وبعض القواعد المذكورة في علم المنطق، والسبب في ذلك هو أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة، وليس في المنطق قاعدة بها نعلم أنّ كلّ مادّة


(366)

مخصوصة داخلة في أيّ قسم من أقسام مواد الاَقيسة، بل من المعلوم عند أُولي الاَلباب امتناع وضع قاعدة تتكفّل بذلك.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الاَُصوليّين لا يعتمدون على الدليل العقلي الظنّي، بل يعتمدون على الاَحكام العقليّة القاطعة التي اتّفقت عليها عقول الناس وفِطَرُهُمْالسليمة، ولا يخالف فيه أحد، إلاّ إذا كان متأثّراً بفكرةٍ مسبقة، وهي عبارة عن الاَحكام القطعيّة التي يستقلّ العقل بها كما يستقلّ بوجود الصانع وصفاته، أو قبح إعطاء المعجزة للمتنبىَ الكاذب، أو لزوم عصمة النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

والاستلزامات العقليّة في أُصول الفقه لها دور خاصّفي استنباط الاَحكام الكلّيّة، والكلّ ينبع من مسألة واحدة، وهي إدراك العقل للحسن والقبح العقليّين، وليس هذا شيئاً مبتدعاً، بل هو أمر يعتمد الكتاب والسنّة عليه في احتجاجاتهما ومناظراتهما، ويتّخذانها أصلاً مسلّماً.

أمّا الكتاب فاللّه سبحانه يقول: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالْفُجّار)(2) ويقول: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمِين)(3) ويقول: (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحْسان) (4) ويقول: (وَإِذافَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ).(5)


(1) الفوائد المدنيّة: 129و 130، ولكلامه بقيّة مَن أرادها فليرجع إليه، وكلامه يُعرب عن أنّه كان يعتمد على الحسّ وما هو قريب منه لا على العقل البَحت وما هو بعيد عن الحسّ، والعَجَب أنّ تلك الفكرة نفسها كانت تنمو في المغرب آنذاك، من دون أن تكون بين المفكّرين صلة ـ حسب الظاهر ـ كما سيوافيك فيما بعد.
(2) سورة ص :28.
(3) القلم: 35.
(4) الرحمن: 60.
(5) الاَعراف: 28.

(367)

وهذه الآيات تستنطق فطرة كلّ إنسان وتنبّهها على أنّهناك أُصولاً مسلّمة عند جميع أصحاب الفطرة و العقول، وهي حسنُ بعضِ الاَشياء وقُبح البعض الآخر، وإنّ القرآن يعتمد في محاوراته عليها.

وأمّا السنّة: فيكفي في ذلك قول الاِمام الطاهر موسى بن جعفر عليمها السَّلام لتلميذه هشام بن الحكم في حديث مفصّل: يا هشام، إنّ للّه على الناس حجّتين، حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والاَنبياء والاَئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول».(1)

وهذا الحديث وغيره يعرب عن موقف الاِسلام السامي من الاَحكام التي يستقلّ بها العقل شريطة أن يتجرّد عن الاَفكار المسبقة، ويحكم حكماً باتّاً عقلانيّاً محضاً غير منبعث عن هذا الجانب، ويحترز عن بعض الاَساليب التي منع الشارع من إعمالها عند استنباطالحكم الشرعي كالاَقيسة والاستحسانات وغير ذلك من الظنون المحظورة الممنوعة، وعند ذلك يتلخّص دور العقل في مجال الاستنباط في الموارد التالية:
1. قبح العقاب بلا بيان، فتكون النتيجة الشرعيّة عدم لزوم الاحتياط.
2. الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة اليقينيّة، فتكون الوظيفة في مجال العلم الاِجمالي هو الاحتياط.
3. الملازمات التي يدركها العقل في عدّة موارد لو قلنا بها، كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته أو حرمة ضدّه إلى غير ذلك ممّا للعقل إليه سبيل.

وثانياً: إنّ ما ذهب إليه الاستر آبادي من إفاضة الحجّيّة على الحسّ، وإقصاء العقل عن مجال النظر هو نفس ما ذهب إليه الحسّيّون من الاَوربيّين،


(1) الكافي:1|13ـ 16، والحديث مفصّل مسهب، فراجعه.

(368)

وممّا يثير العجب أنّ هذه النظريّة اختارها الاستر آبادي في حين كانت النظريّة الحسّيّة رائجة في أوربا، وقد توفّي الاستر آبادي عام (1033هـ)، (1623م)، وقد توفّي ديكارت عام (1650م).وقد كان هذا العصر عصر النهضة العلميّة المبنيّة على الحسّ والتجربة، والفيلسوف الفرنسي «ديكارت» وإن لم يعتمد على الحسّ من باب أنّه من أدوات المعرفة، غير أنّالنهضة العلميّة التي أيّدها «ديكارت»، وبعده «جان لوك» (1704م)، كان عصر النهضة العلميّة الحسّيّة المبنيّة على الاِيمان بالمحسوسات، ورفض المغيّبات والعقليّات، ولا أدّعي أنّالشيخ الاسترآبادي تأثّر بتلك الموجة وإنّما هو من باب تداعي الخواطر.

هذه هي الاَُصول المهمّة التي اعتمد عليها الاَخباريّون وفي طليعتهم الاَمين الاستر آبادي في مسلكه المبتدع الذي لا يمتّ إلى مذهب السلف الصالح من علماء الاِماميّة بصلة.

إزدهار المسلك الاَخبارى بعد الاَمين

ولقد أخذ المسلك الذي ابتدعه الشيخ الاَخباري في الانتشار والذيوع، واشتهر خلال قرنين في المحافل العلميّة، حتّى تأثّر به عددٌ كبيرٌ من علماء الشيعة إلى عصر الاَُستاذ الاَكبر المحقّق البهبهاني (1118ـ 1206هـ)، وكانت الظروف آنذاك مناسبة لتنامي هذا المنهج لعللٍ لا يسع المجال لذكرها.

غير أنّ الاَُستاذ الاَكبر البهبهاني قد قضىعلى تلك الفكرة، بفكره الناضج، وحججه الباهرة القاهرة، وجهاده المتواصل إلى أن رجع كثير من المتأثّرين بالمسلك إلى الطريقة الحقّة والمنهج الصحيح، وعلى الرغم من ذلك فقد بقيت من المسلك المذكور مخلّفات وآثار غير محمودة عند المتأخّرين من العلماء، فقام الشيخ مرتضى الاَنصاري قدَّس سرَّه بإزالة ما بقي من تلك الرواسب في


(369)

الاَذهان بكتبه القيّمة، وأفكاره الناضجة، وبحوثه الرائعة التي ألقاها في النجف الاَشرف، فاستتبّ الاَمر للاَُصوليّين، ولم يبق من أتباع المذهب المبتدع إلاّ صبابة كصبابة الاِناء، تظهر بين آونةٍ وأُخرى.

ونحن على يقينٍ بأنّ إعادة هذه الفكرة إلى حيز الوجود في الحوزات العلمية ما هي إلاّ موَامرة حيكت لاِفراغ التشيّع عن طابعه العلمي، الذي كان سلاحه في مواجهة أعداء الدين عبر القرون، ومن الواضح بمكان أنّ أيّ أُمّة إن لم تعر أهمية للعقل والبرهان لاَضحت فريسة سائغة للاستعمار، فتذهب ثقافتها وثرواتها أدراج الرياح، وتصبح أُمّة مضطهدة مستعمرة لا تملك حولاً ولا قوة ولا، ولا.

حياة الشيخ الاَنصاري وشخصيّته

قد صبَّ الشيخ الاَعظم الاَنصاري جهوده العلميّة لاِرساء قواعد الفقه والاَُصول في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، واجتثاث أُصول المسلك الاَخباري من خلال بحوثه وكتبه، فأداء لبعض حقّه، نقوم بترجمة موجزة لحياته وشخصيّته.

ولد قدَّس سرَّه غدير عام (1214هـ) ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وقد سرد بعض شخصيّات أُسرته هكذا:

الشيخ مرتضى بن الشيخ محمّد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ شمسالدين بن الشيخ محمّد شريف بن الشيخ أحمد بن الشيخ جمال الدين بن الشيخ حسن بن الشيخ يوسف بن الشيخ عبيد اللّه بن الشي