welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : كليات في علم الرجال*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(203)

2ـ مشايخ الثقات

* محمد بن أبي عمير.

* صفوان بن يحيى.

* أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.


(204)


(205)

قد عرفت التوثيق ينقسم إلى توثيق خاص، وتوثيق عام. فلو كان التوثيق راجعاً إلى شخص معين، فهو توثيق خاص، ولو كان راجعاً إلى توثيق عدة تحت ضابطة فهو توثيق عام / وقد عد من الثاني ما ذكر الكشي حول جماعة اشتهرت بأصحاب الإجماع، وقد عرفت مدى صحته وأن العبارة لا تهدف إلاّ إلى وثاقتهم، لا إلى صحة أخبارهم، ولا إلى وثاقة مشايخهم.

ومن هذا القبيل ما اشتهر بين الاصحاب من ان محمد بن ابي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، فيترتب على ذلك أمران:

1 ـ ان كلّ من روى عنه هؤلاء فهو محكوم بالوثاقة، وهذهِ نتيجة رجاليّة تترتب على هذهِ القاعدة.

2. إنّه يؤخذ بمراسيلهم كما يؤخذ بمسانيدهم وان كانت الواسطة مجهولة، أو مهملة، أو محذوفة، وهذه نتيجة اصولية تترتب عليها، وهي غير النتيجة الأُولى.

ثم ان جمعاً من المحقّقين القدامى والمعاصرين، قد طرحوا هذه القاعدة على بساط البحث فكشفوا عن حقائق قيمة. لاحظ مستدرك الوسائل (ج 3،


(206)

ص 648 ـ 655) ومعجم رجال الحديث (ج 1، ص 63 ـ 69) ومشايخ الثقات (هو كتاب قيم اُلف حول القاعدة وطبع في 306 صفحات والكتاب كله حول القاعدة وفروعها) ومعجم الثقات (ص 153 ـ 197).

وفيما أفاده بعض الاجلة في دروسه الشريفة غنى وكفاية فشكر الله مساعيهم الجميلة. ونحن في هذا نستضيء من أنوار علومهم. رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم.

فنقول: الأصل في ذلك ما ذكره الشيخ في «العدة» حيث قال: «وإذا كان أحد الراويين مسنداً والاخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن ابي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمن يوثق به، بين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم، فأما إذا لم يكن كذلك ويكون ممن يرسل عن ثقة وعن غير ثقة فأنه يقدم خبر غيره عليه، وإذا انفرد وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به» (1). غير ان تحقيق الحال يتوقف على البحث عن هذه الشخصيات الثلاث واحداً بعد واحد واليك البيان.

1ـ ابن أبي عمير (المتوفّى عام 217 هـ)

قد يعبر عنه بابن عمير تارة، وبمحمد بن زياد البزاز أو الأزدي اخرى، وبمحمد بن أبي عمير ثالثة.

وقد عرفت انه يترتب على تلك الدعوى نتيجتان مهمتان، فلا جل ذلك


1 . عدة الأُصول: 1 / 386 من الطبعة الحديثة.


(207)

نقدم لتحقيقها اموراً:

الأول: ان ابن أبي عمير كما قال النجاشي: «هو محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي من موالي المهلب بن أبي صفرة، بغدادي الاصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى - عليه السلام -وسمع منه أحاديث، كناه في بعضها فقال: يا أبا أحمد، وروي عن الرضا - عليه السلام -، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، الجاحظ يكحي عنه في كتبه. وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية، وقال في «البيان والتبيين»: حدثني إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير، وكان وجهاً من وجوه الرافضة، وكان حبس في أيام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولي بعد ذلك، وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة، وأصحاب موسى بن جعفر - عليه السلام -، وروي انه ضرب أسواطاً بلغت منه إلى حد كاد ان يقر لعظيم الالم. فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر، ففرج الله عنه، وروي أنه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد، وقيل: ان اخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب، وقيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدث من حفظه، ومما كان سلف له في أيدي الناس، ولهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله وقد صنف كتباً كثيرة. ثمَّ نقل النجاشي عن أحمد بن محمّد بن خالد أنّ ابن أبي عمير صنّف أربعة وتسعين كتاباً منها المغازي ـ إلى ان قال: مات سنة سبع عشرة ومائتين» (1).

وقال الشيخ في الفهرست: «كان من أوثق الناس عند الخاصة والعامة وأنسكهم نسكاً، وأورعهم وأعبدهم، وقد ذكره الجاحظ في كتابه «فخر قحطان على عدنان»... انه كان أوحد أهل زمانه في الأشياء كلها وأدرك من


1 . رجال النجاشي: 326، رقم الترجمة 887.


(208)

الأئمة ثلاثة: أبا إبراهيم موسى - عليه السلام -ولم يرو عنه. وأدرك الرضا - عليه السلام -وروى عنه. والجواد- عليه السلام -. وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى كتب مائة رجل من رجال الصادق - عليه السلام -»(1).

الثاني: ان شهادة الشيخ على التسوية، لا تقصر عن شهادة الكشي على إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة، فلو كانت الشهادة الثانية مأخوذاً بها، فالأُولى مثلها في الحجية.

وليس التزام هؤلاء بالنقل عن الثقات أمراً غريباً، إذ لهم نظراء بين الأصحاب ـ وسيوافيك بيانهم ـ أمثال: أحمد بن محمد بن عيسى القمي، وجعفر بن بشير البجلي، ومحمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني، وعلي بن الحسن الطاطري ، والرجالي المعروف: النجاشي، الذين اشتهروا بعدم النقل إلاّ عن الثقة.

واما اطلاع الشيخ على هذه التسوية، فلأنه كان رجلاً بصيراً بأحوال الرواة وحالات المشايخ. ويعرب عن ذلك ما ذكره في العدة عند البحث عن حجية خبر الواحد حيث قال:

«انا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذة الاخبار، فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم. وقالوا وفلان متهم في حديثه، وفلان كذاب،وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، فلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها» (2).

وهذه العبارة ونظائرها، تعرب عن تبحر الشيخ في معرفة الرواة وسعة


1 . الفهرست: 168، رقم الترجمة 618.
2 . عدة الاصول: 1 / 366، من الطبعة الحديثة.


(209)

اطلاعه في ذلك المضمار، فلا غرو في ان يتفرد بمثل هذه التسوية، وان لم ينقلها أحد من معاصريه، ولا المتأخرون عنه إلى القرن السابع إلاّ النجاشي، فقد صرح بما ذكره في خصوص ابن أبي عمير من الرجال الثلاثة، كما عرفت.

وعلى هذا فقد اطلع الشيخ على نظرية مجموعة كبيرة من علماء الطائفة وفقهائهم في مورد هؤلاء الثلاثة وانهم كانوا يسوُّون بين مسانيدهم ومراسيلهم، وهذا يكفي في الحجية، ومفادها توثيق جميع مشايخ هؤلاء، قد عرفت انه لا يحتاج في التزكية إلى ازيد من واحد أو اثنين، فالشيخ يحكي اطلاعه عن عدد كبير من العلماء، يزكون عامة مشايخ ابن أبي عمير، ولاجل ذلك يسوّون بين مراسيله ومسانيده.

والسابر في فهرست الشيخ ورجاله يذعن باحاطته بالفهارس وكتب الرجال، وأحوال الرواة، وانه كانت تحضره مجموعة كبيرة من كتب الرجال والفهارس وكان في نقضه وابرامه وتعديله وجرحه، يصدر عن الكتب التي كانت تحضره، أو الآراء والنظريات التي كان يسمعها من مشايخه واساتذته.

نعم نجد التصريح بالتسوية من علماء القرن السابع إلى هذه الاعصار فقد اتى المحدث المتتبع النوري باسماء وتصريحات عدة من هذه الثلة ممن صرحوا بالقاعدة، ونحن نأتي بما نقله ذلك المتتبع، بتصريف يسير، مع تعيين مصادر النقل بقدر الامكان.

1 ـ قال السيد علي بن طاووس (المتوفّى عام 664 هـ ، في فلاح السائل بعد نقل حديث عن امالي الصدوق، بسند ينتهي إلى محمد بن أبي عمير، عمن سمع أبا عبد الله- عليه السلام -يقول: ما احب الله من عصاه...): «رواة الحديث ثقات بالاتفاق ومراسيل محمد بن ابي عمير كالمسانيد عند اهل الوفاق» ويأتي خلاف ذلك من اخيه، جمال الدين السيد أحمد بن طاووس


(210)

(المتوفّى عام 673 هـ) فانتظر.

2 ـ قال المحقق في المعتبر في بحث الكر: «الثالثة: رواية محمد بن ابي عمير عن بعض اصحابنا، عن ابي عبد الله- عليه السلام - قال: الكر ألف ومائتا رطل، وعلى هذه عمل الأصحاب ولا طعن في هذه بطريق الإرسال، لعمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير»(1).

3 ـ وقال الفاضل الآبي في كشف الرموز الذي هو شرح للمختصر النافع في رواية مرسلة لابن أبي عمير: «وهذه وان كانت مرسلة، لكن الأصحاب تعمل بمراسيل ابن ابي عمير، قالوا: لانه لا ينقل إلاّ معتمداً» (2).

وممن صرح بصحة القاعدة من علماء القرن الثامن:

4 ـ العلاّمة في النهاية قال: «الوجه المنع إلاّ إذا عرف ان الراوي فيه لا يرسل إلاّ عن عدل كمراسيل محمد بن ابي عمير في الرواية».

5 ـ وعميد الدين الحلي ابن اخت العلامة الحلي وتلميذه (المتوفّى عام 754 هـ) في كتابه «منية اللبيب في شرح التهذيب» المطبوع في بلاد الهند.

قال في بحث المرسل: «واختيار المصنف المنع من كونه حجة ما لم يعلم انه لا يرسل إلاّ عن عدل كمراسيل محمد بن أبي عمير من الامامية».

6 ـ وقال الشهيد (المتوفّى 786 هـ) في الذكرى في احكام اقسام الخبر: «أو كان مرسله معلوم التحرز عن الرواية عن مجروح، ولهذا قبلت الأصحاب


1 . المعتبر: 1 / 74، الطبعة الحديثة.
2 . والفاضل الآبي هو حسن بن ابي طالب المعروف بالآبي تارة، وابن الزينب أُخرى من اجلاء تلاميذ المحقق، وقد فرغ من شرح كتاب استاذه (المختصر النافع) عام 672 هـ ، وله آراء خاصة في الفقه، منها:
الف ـ انه لا تجوز الزيادة في النكاح على الاربع دائماً كان العقد أو انقطاعاً.
ب ـ القول بالمضائقة في القضاء.
ج ـ انه لا يصح الاداء مع وجود القضاء في الذمة.


(211)

مراسيل ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن ابي نصر البزنطي لانهم لا يرسلون إلاّ عن ثقة» (1).

وممن صرح بها من علماء القرن التاسع:

7 ـ ابن فهد الحلي (المتوفّى عام 841 هـ) في «المهذب البارع» في مسألة وزن الكر بعد نقل رواية ابن أبي عمير قال: «ولا يضعفها الإرسال، لعلمهم بمراسيل ابن أبي عمير».

وممن صرح بها من علماء القرن العاشر:

8 ـ المحقق الثاني، علي بن عبد العالي (المتوفّى عام 940 هـ) مؤلف كتاب «جامع المقاصد» قال: «والروايتان صحيحتان من مراسيل ابن ابي عمير الملحقة بالمسانيد».

9 ـ الشهيد الثاني (المتوفّى عام 965 هـ) في الدراية وشرحها قال: «المرسل، ليس بحجة مطلقاً على الاصح، إلاّ ان يعلم تحرز مرسله عن الرواية عن غير الثقة، كابن ابي عمير من اصحابنا، على ما ذكره كثير، وسعيد بن المسيب عند الشافعي، فيقبل مرسله ويصير في قوة المسند».

وممن صرح بها من علماء القرن الحادي عشر:

10ـ الميرزا الاسترآبادي في كتابه «منهج المقال» قال ما هذا حاصله (2): «إبراهيم بن عمر ثقة عند النجاشي وضعفه ابن الغضائري ويرجح الأول برواية ابن عمير عنه بواسطة حماد» (3).


1 . ذكرى الشيعة: 4.
2 . منهج المقال: 25، وقد طبع هذا الكتاب في مجلد كبير، وهو حسب تجزئة المؤلف في ثلاثة اجزاء، وفرغ المؤلف عنه عام 986 هـ، وقد علق عليه الوحيد البهبهاني بعض التعاليق، وطبعا معاً في مجلد كبير.
3 . منهج المقال: 25.


(212)

وقال في «ابن ابي الاغر النحّاس»: «تعتبر روايته ويعتد بها لأجل رواية ابن ابي عمير وصفوان، عنه» (1).

11 ـ الشيخ البهائي (المتوفّى عام 1030 هـ) قال في شرح الفقيه: «وقد جعل أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ مراسيل ابن ابي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها، لما علموا من عادته انه لا يرسل إلاّ عن ثقة».

12 ـ وممن نقل كلام الشيخ الطوسي، المحدّث الحر العاملي في خاتمة الوسائل في الفائدة السابعة (ج 20 ص 88).

13 ـ وقال الوحيد البهبهاني في تعليقته على منهج المقال: «ومنها رواية صفوان بن يحيى وابن ابي عمير عنه فأنها امارة الوثاقة لقول الشيخ في «العدة»: انهما لا يرويان إلاّ عن ثقة، والفاضل الخراساني في ذخيرته جرى على هذا المسلك» (2).

14 ـ وقال الشيخ عبد النبي بن علي بن أحمد بن الجواد في كتابه «تكملة نقد الرجال» الذي فرغ منه سنة 1240 هـ، في حق «برد الإسكاف»: «قال المحقق السبزواري في الذخيرة: لم يوثقه علماء الرجال إلاّ ان له كتاباً يرويه ابن ابي عمير ويستفاد من ذلك توثيقه» (3).

ثم المتتبع النوري نقل عن مفاتيح السيد المجاهد (المتوفّى عام 1242 هـ) دعوى المحقق الأردبيلي (وهو من علماء القرن العاشر) اتفاق الأصحاب على العمل بمراسيله.


1 . منهج المقال: 28.
2 . تعليقة المحقق البهبهاني: 10.
3 . التكملة: 1 / 221.


(213)

وقد اكتفينا بهذا القدر من نصوص القوم وتجد التضافر عليها من المتأخرين. ولا نرى حاجة لذكر نصوصهم.

نعم هناك ثلة من المحققين استشكلوا في هذه التسوية وسيوافيك بعض كلماتهم.

والظاهر ان دعوى غير الشيخ والنجاشي من باب التبعية لهما، وان الاشتهار في الاعصار المتأخرة من القرن السابع إلى العصر الحاضر، كان من باب حسن الظن بدعوى شيخ الطائفة وزميله النجاشي، لا من باب التتبع في أحوال مشايخه، والوقوف على انه لا يروي إلاّ عن ثقة، وعلى ذلك فما ذكره المحدّث النوري من بلوغ دعوى الاجماع إلى الاستفاضة وامكان علمهم بذلك بأخباره (ابن ابي عمير) المحفوفة بالقرائن أو بتتبعهم في حال مشايخه المحصورين أو بهما، مما لا يمكن الركون اليه.

ومع ذلك فلا يضر ما ذكرنا بحجية دعوى الشيخ، فانه وان كان لا يثبت به اتفاق علماء الامامية على التسوية ولكن يثبت به توثيق المشهور لمشايخ ابن ابي عمير، وانه كانت هناك شخصيات يزكون جميع مشايخه ولاجله يتعاملون مع جميع مراسيله معاملة المسانيد.

هذا، وهناك ثلة من العلماء لم يأخذوا بهذه التسوية، ولم يقولوا بحجية مراسيله، منهم:

1 ـ شيخ الطائفة، في غير موضع من تهذيبه واستبصاره قال: «فاما ما رواه محمد بن ابي عمير (قال: روى لي عن عبد الله ـ يعني ابن المغيرة ـ يرفعه إلى ابي عبد الله - عليه السلام -ان الكرّ ستمائة رطل) فأول ما فيه انه مرسل غير مسند، مع ذلك مضاد للاحاديث التي رويناها» (1).


1 . التهذيب: 1 / 43.


(214)

وقال (في باب بيع المضمون): «ان الخبر الأول (خبر ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان، عن بعض اصحاب عن ابي عبد الله) مرسل غير مسند» (1).

وقال (في باب ميراث من علا من الآباء وهبط من الاولاد): «ان الخبر الأول مرسل مقطوع الاسناد» (2).

ولكن ما ذكره في «العدّة» هو الذي ركن اليه في اُخريات حياته، وكأنه عدل عما ذكره في التهذيب والاستبصار، وكيف لا، وقد قام بتأليف التهذيب كالشرح لمُقنعة استاذه المفيد في زهرة شبابه وفي اواسط العقد الثالث من عمره، حيث ولد الشيخ عام 385 هـ، وتوفي استاذه المفيد عام 413 هـ، وهو يدعو له في كتابي الطهارة والصلاة بعد نقل عبارته بقوله «ايده الله تعالى»، وهذا يعرب عن انه شرع في تأليف «التهذيب» وهو في حوالي خمس وعشرين سنة أو ازيد بقليل، بينما هو في زمان ألَّف فيه «العدة» قد صار فحلا في الفقه والرجال، وعارفاً بكلمات الأصحاب وأنظارهم حول الشخصيات الحديثية.

2 ـ ما ذكره المحقق في «المعتبر» على ما نقله المحدث النوري قال: «والجواب ; الطعن في السند لمكان الإرسال ولو قال قائل: مراسيل ابن ابي عمير تعمل بها الأصحاب، منعنا ذلك، لأن في رجاله من طعن الأصحاب فيه، فاذا ارسل احتمل ان يكون الراوي أحدهم» (3).

وأجاب عنه الشيخ البهائي في وجيزته بقوله: «وروايته أحياناً عن غير الثقة، لا يقدح في ذلك كما يظن، لانهم ذكروا انه لا يرسل إلاّ عن ثقة لا أنه لا يروي إلاّ عن ثقة»(4).


1 . التهذيب: 1 / 31.
2 . التهذيب: 9 / 313.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 650.
4 . الوجيزة: 6 طبع المكتبة الاسلامية.


(215)

ولا يخفى ان ما ذكره الشيخ البهائي - قدس سره -لا ينطبق مع ما ذكره الشيخ في «العدة» حيث قال: « عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممن يوثق به» وعلى ذلك فهؤلاء كما لا يرسلون إلاّ عن ثقة، فهكذا لا يروون إلاّ عن ثقة، وعلى ذلك فلو وجد مورد أو موارد انهم نقلوا عن المطعونين لبطلت القاعدة المذكورة. وسيوافيك الكلام في روايته عن بعض المطعونين في بحث مستقل.

3 ـ السيد جمال الدين بن طاووس (المتوفّى عام 673 هـ) صاحب «البشرى» ونقل خلافه الشهيد الثاني في درايته.

4 ـ الشهيد الثاني في درايته حيث قال: «وفي تحقق هذا المعنى وهو العلم بكون المرسل لا يروي إلاّ عن الثقة، نظر» ثم ذكر وجهه (1). وسيوافيك لب اشكاله عند البحث عن اشكالات «معجم رجال الحديث».

5 ـ السيد محمد صاحب المدارك سبط الشهيد الثاني (المتوفّى عام 1009 هـ) في مداركه.

6ـ ولد الشهيد الثاني، الشيخ حسن صاحب «المعالم» (المتوفّى عام 1011 هـ) فقد استشكل في حجّية مراسيله(2). فمن أراد فليرجع إلى معالمه.

الثالث: ان المتتّبع في أسانيد الكتب الاربعة وغيرها، يقضي بكثرة مشايخه. فقد أنهاها بعض الأجلة إلى اربعمائة وعشرة مشايخ. وقد ذكر الشيخ في الفهرس أنه روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى القمّي كتب مائة رجل من رجال الصادق - عليه السلام -. ولعلّ المتتّبع في الاسانيد يقف على هذه الكتب ومؤلفيها.

وعلى كل تقدير; فلو ثبت ما ادّعاه الشيخ والنجاشي، لثبت وثاقة جمع


1 . شرح البداية في علم الدراية: 142.
2 . المعالم، طبعة عبد الرحيم: 214.


(216)

كثير من مشايخه، وانما المهم هو الوقوف على مشايخه باسمائهم وخصوصياتهم.

فقد ذكر المتتبع النوري منهم مائة وثلاثة عشر شيخاً وقال: «هذا ما حضرني عاجلاً ولعل المتتبع في الطرق والأسانيد يقف على أزيد من هذا» (1). وأما المائة كتاب التي رواها عنه أحمد بن محمد بن عيسى، فتعلم من مراجعة إلى فهرست الشيخ.

وأنهاهم صاحب «معجم الرجال» في ترجمة ابن أبي عمير (ج 22 ص 101 ـ 139، رقم الترجمة 14997) إلى ما يقارب المائتين وسبعين شيخاً بعد حذف المكررات.

وقد جمع في «مجمع الثقات» (ص 153) اسماء مشايخ الثقات الثلاث (ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي) وحذف من ورد فيه توثيق بالخصوص، فبلغ ثلاثمائة وواحداً وستين شيخاً.

ولقد احسن مؤلف «مشايخ الثقات» واتحف لمن بعده، بوضع فهرس خاص لمشيخة كل واحد من هؤلاء الثلاثة، مع تعيين مصادرها في المجامع الحديثية فبلغ ثلاثمائة وسبعة وتسعين شيخاً (2).

ولعل الباحث يقف على ازيد من ذلك. وقد عرفت ان بعض الأجلة انهى أساتذته إلى اربعمائة وعشرة مشايخ.

وهذا يعرب عن تضلع ابن أبي عمير في علم الحديث وبلوغه القمة في ذلك العلم، حتى توفق للأخذ عن هذه المجموعة الكبيرة وقد عرفت ان أحمد بن محمد بن عيسى قد نقل بواسطته مائة كتاب لمشايخ الأصحاب.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 649 الفائدة الخامسة .
2 . لاحظ مشايخ الثقات: 134 ـ 223، في خصوص ابن ابي عمير.


(217)

الرابع: ان مؤلف «مشايخ الثقات» قد عد في فهرسه الذي وضعه لبيان مشايخ ابن ابي عمير، اُناساً من مشايخه وليسوا منهم. والمنشأ له، اما سقم النسخة وعدم صحتها، أو عدم التدبر الكافي في ألفاظ السند. وما ذكرناه هنا يعطي استعداداً للقارئ، للاجابة عن بعض النقوض المتوجهة إلى الضابطة. واليك بيانها:

1 ـ محمد بن سنان: روى الشيخ الحرّ العاملي عن الصدوق في «علل الشرايع» عن محمد بن الحسن، عن الصفار عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن ابي عمير، عن محمد بن سنان، عمَّن ذكره عن ابي عبد الله - عليه السلام -في حديث: «ان نبيّاً من الانبياء بعثه الله إلى قومه فاخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فاتاه ملك فقال له: ان الله بعثني اليك فمرني بما شئت فقال: لي اُسوة بما يصنع بالحسين - عليه السلام -» (1).

فعدَّ محمد بن سنان من مشايخ ابن ابي عمير استناداً إلى هذه الرواية.

ولكن الاستظهار غير تامّ، فان محمد بن سنان من معاصري ابن ابي عمير، لا من مشايخه وقد توفّي ابن سنان 220 هـ وتوفي ابن ابي عمير سنة 217 هـ، فطبع الحال يقتضي ان لا يروي عن مثله.

أضف اليه ان الموجود في «علل الشرايع» (2) «ومحمد بن سنان» مكان «عن محمد بن سنان» فاشتبه «الواو» بـ «عن».

ويؤيد ذلك أن الشيخ ابن قولويه نقله في «كامل الزيارات» بسنده عن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد، جميعاً عن محمد بن سنان، عمَّن ذكره، عن أبي عبدالله


1 . مستدرك الوسائل ج 2، ابواب الجنائز، الباب 77 الحديث 19.
2 . علل الشرايع: الباب 67، الحديث 2، الصفحة 77 من طبعة النجف.


(218)

- عليه السلام -(1).

ترى أن يعقوب بن يزيد في هذا السند يروي عن محمد بن سنان بلا واسطة، ولو صحَّ ما في «الوسائل» لوجب أن يتوسط بينهما شخص ثالث، كابن أبي عمير وغيره، مع أنه ليس كذلك.

ان تبديل لفظة «الواو» بـ «عن» كثير في الاسانيد، وقد نبَّه عليه المحقّق صاحب «المعالم» في مقدمات «منتقى الجمان»، وبالتأمّل فيه ينحلّ كثير من العويصات الموجودة في الاسانيد، كما ينحلّ كثير من النقوض التي اُوردت على القاعدة كما ستوافيك. ولأجل كونه أساساً لحلّ بعض العويصات وردّ النقوض، نأتي بعبارة «المنتقى» بنصّها(2):

قال: «حيث إن الغالب في الطرق هو الوحدة ووقوع كلمة «عن» في الكتابة بين أسماء الرجال، فمع الاعجال يسبق إلى الذّهن ما هو الغالب، فيوضع كلمة «عن» في الكتابة موضع واو العطف، وقد رأيت في نسخة «التهذيب» التي عندي بخط الشيخ - رحمه الله -عدّة مواضع سبق فيها القلم إلى اثبات كلمة «عن» في موضع «الواو»، ثمّ وصل بين طرفي العين وجعلها على صورتها واواً والتبس ذلك على بعض النسّاخ فكتبها بالصورة الاصلية في بعض مواضع الاصلاح. وفشا ذلك في النّسخ المتجددة، ولما راجعت خطّ الشيخ فيه تبينت الحال. وظاهر أن ابدال «الواو» بـ «عن» يقتضي الزيادة التي ذكرناها (كثرة الواسطة وزيادتها) فاذا كان الرجل ضعيفاً، ضاع به الاسناد فلابدّ من استفراغ الوسع في ملاحظة أمثال هذا، وعدم القناعة بظواهر الاُمور.

ومن المواضع التي اتفق فيها هذا الغلط مكرراً، رواية الشيخ عن سعد


1 . كامل الزيارات: 46 ، الباب 19، الحديث 1 .
2 . منتقى الجمان: 25 ـ 26 الفائدة الثالثة .


(219)

بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، وعلي بن حديد، والحسين بن سعيد. فقد وقع بخط الشيخ - رحمه الله -في عدَّة مواضع منها، ابدال احد واوي العطف بكلمة «عن» مع أن ذلك ليس بموضع شكّ او احتمال، لكثرة تكرر هذا الاسناد في «كتب الرجال والحديث». ثم ذكر نموذجاً فلاحظ.

2ـ نجيَّة بن اسحاق الفزاري: روى الصدوق عن أبيه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن زياد مولى بني هاشم، قال: حدثنا شيخ لنا ثقة يقال له نجية بن اسحاق الفزاري، قال حدثنا عبدالله بن الحسن قال: قال لي ابو الحسن: «لمَ سميت فاطمة فاطمة... »(1).

ولكن كون المراد من محمد بن زياد هو ابن ابي عمير، لا دليل عليه، لانه لا يعبر عنه في كتب الحديث بـ «محمد بن زياد» إلاّ مقيداً بـ «الازدي» أو «البزاز» وقد عنون في الرجال عدة من الرواة بهذا الاسم، يبلغ عددهم إلى تسعة(2).

أضف اليه أن احداً من الرجاليين لم يصفه بـ «مولى بني هاشم». بل النجاشي وغيره، وصفوه بأنه من موالي المهلّب، أو بني اُمية، قال: والأول أصحّ.

وأما نجيّة بن اسحاق فلم يعنون في كتب الرجال وإنما المعنون «نجيَّة بن الحارث» فلاحظ.

3ـ معاوية بن حفص: روى الصدوق عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (المتوفّى عام 343 هـ) قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار قال: حدثنا


1 . علل الشرايع: 1 / 178، الباب 142، الحديث 2.
2 . لاحظ تنقيح المقال للمامقاني: 2 / 117.


(220)

الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن ابي عمير، عن حمّاد بن عثمان، ومعاوية بن حفص، عن منصور، جميعاً عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: «كان ابو عبدالله - عليه السلام -في المسجد الحرام... »(1).

فقد عدَّ المؤلف معاوية بن حفص، من مشايخ ابن ابي عمير. وهو غير معنون في الكتب الرجالية ولكن الدقّة في طبقات الرواة وملاحظة لفظة «جميعاً» تدلّ على خلافه، إذ لا معنى لارجاع «جميعاً» في قوله «عن منصور جميعاً» إلى منصور، فانه شخص واحد، فهذان الأمران، أي ملاحظة طبقات الوسائط، ولفظة «جميعاً»، تقتضيان كون معاوية بن حفص، معطوفاً على ابن ابي عمير، لا على حماد بن عثمان، ففي الحقيقة يروي الحسين بن سعيد عن الامام الصادق - عليه السلام -بسندين:

أـ الحسين بن سعيد، عن ابن ابي عمير، عن حمّاد، عن ابي عبدالله - عليه السلام -.

ب ـ الحسين بن سعيد، عن معاوية بن حفص، عن منصور، عن ابي عبدالله- عليه السلام -.

وعلى ذلك فمعاوية بن حفص، في نفس طبقة ابن ابي عمير، لا من مشايخه.

4ـ عبد الرحمن بن أبي نجران: روى الشيخ في «التهذيب» عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، ومحمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، عن جميل وعبد الرحمن بن ابي نجران، عن محمد بن حمران قال: «سألت أبا عبدالله - عليه السلام -عن النَّبت الذي في أرض الحرم،


1 . علل الشرايع: 2 / 453، الباب 210، الحديث 4.


(221)

أينزع... »(1).

فزعم المؤلف أن عبد الرحمن بن أبي نجران من مشايخ ابن ابي عمير وهو ثقة أيضاً.

والاستظهار مبنيّ على أن عبد الرحمن عطف على جميل، وهو غير صحيح. لأن عبد الرحمن ليس في طبقة «جميل بن درّاج» الذي هو من تلامذة الإمام الصادق- عليه السلام -. بل أبوه «أبو نجران» من افراد تلك الطبقة. قال النجاشي: «عبد الرحمن بن ابي نجران: كوفيّ روى عن الرضا، وروى أبوه، أبو نجران، عن ابي عبدالله - عليه السلام -» وعلى ذلك فعبد الرحمن من رواة طبقة ابن ابي عمير، لا من مشايخه. ويؤيده رواية «عبدالله بن محمد بن خالد» الذي هو من رواة الطبقة المتأخرة عن ابن ابي عمير، عن عبد الرحمن بن ابي نجران، كما في «رجال النجاشي» وعلى ذلك فمفاد السند:

أن الحسين بن سعيد تارة يروي عن فضالة بن أيّوب، ومحمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، عن جميل، عن أبي عبدالله - عليه السلام -.

واُخرى يروي عن عبد الرحمن بن ابي نجران، عن محمد بن حمران، عن ابي عبدالله- عليه السلام -. وبالنتيجة; إن عبد الرحمن عطف على فضالة ابن أيوب، لا على جميل.

ويوضح ذلك ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن جميل بن درّاج. وابن ابي نجران، عن محمد بن حمران، جميعاً، عن اسماعيل الجعفي(2).


1 . التهذيب: 5 / 380، الحديث 1328.
2 . التهذيب: 5 / 87، الحديث 290.


(222)

فالحسين تارة يروي عن صفوان، عن جميل بن درّاج، عن اسماعيل الجعفي، عن ابي جعفر - عليه السلام -. واخرى عن ابن ابي نجران، عن محمد بن حمران، عن اسماعيل الجعفي، عن الامام الباقر - عليه السلام -. وإنما توسط الجعفي بين محمد بن حمران والإمام، لأجل كون الرواية السابقة عن الامام الصادق - عليه السلام -، فيصحّ لمحمد بن حمران الرواية عنه، بخلاف هذه الرواية. فان المروي عنه هو ابو جعفر الباقر - عليه السلام -، فيحتاج إلى توسط راو آخر بينه وبين ابي جعفر الباقر - عليه السلام -.

5ـ المعلّى بن خنيس: روى الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد يعني ابن ابي عمير، عن معلّى بن خنيس، قال: قلت لابي عبدالله- عليه السلام -: «أشتري الزَّرع؟ قال: إذا كان على قدر شبر»(1).

ونقل صاحب «مشايخ الثَّقات» روايته عنه عن رجال الكشّي (الرقم 460).

والظّاهر سقوط الواسطة بين ابن ابي عمير والمعلى، لانه قتل في زمان الامام الصادق- عليه السلام -، قتله داود بن علي بأمر المنصور. ومن البعيد أن يروي عنه ابن ابي عمير (المتوفّى عام 217 هـ). لأن داود بن علي توفّي عام 133 هـ ، كما نقله الجزري في الكامل(2)، فالمعلّى قتل قبل هذا العام، وعليه لا يمكن لابن ابي عمير أن ينقل منه الحديث إلاّ إذا كان من مواليد 117 هـ، وعند ذلك يكون من المعمّرين الذين عاشوا قرابة مائة سنة، ولو كان كذلك، لذكروه في حقه، لأنّه من الشخصيات البارزة عند الشيعة، ويؤيد ذلك أن صفوان بن يحيى (المتوفّى عام 210 هـ) يروي كتاب المعلّى، عنه بواسطة معلّى بن زيد


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 11 من ابواب بيع الثمار، الحديث 4.
2 . الكامل في التاريخ: 5 / 448.


(223)

الأحول. لاحظ رجال النجاشي (الرقم: 1114). فالنتيجة ; ان المعلي ليس من مشايخ ابن ابي عمير، سواء كان ثقة كما هو الأصح بل الصحيح، ام لا.

وهذا قليل من كثير ممن عُدوا من مشايخه، وليسوا منهم وانما قدمنا ذلك لتكن كالمقدمة لحل بعض النقوض التي اوردت على الضابطة.

الخامس: هل المراد من قوله: «فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره» هو الانسان الموثوق به، سواء أكان إمامياً أم غيره أو خصوص العدل الإمامي؟

توضيحه ; انّه قد تطلق الثقة ويراد منها الصدوق لساناً وان كان عاصياً بالجوارح، وهي في مقابل الكذوب الذي يعصي بلسانه، كما يعصي بسائر اعضائه، وهذا هو الظاهر عند التوصيف بانه ثقة في الحديث.

وقد تطلق ويراد منها المتحرز عن المعاصي كلها، ومنها الكذب، سواء كان إمامياً أم غيره، والوثاقة بهذا المعنى في الراوي توجب كون خبره موثقاً لا صحيحاً. وقد تطلق ويراد ذاك المعنى باضافة كونه صحيح المذهب، أي كونه امامياً .

ان بعض الأجلة استظهر ان المراد منها في عبارة الشيخ هو المعنى الثالث، فقال ما هذا مفاده:

1 ـ ذكر الشيخ عند البحث عن ترجيح احد الخبرين على الآخر بأن رواية المخالف شيعياً كان أم غيره، إنما يحتج بها إذا لم يكن في مقابلها خبر مخالف مروي من الفرقة المحقّة، وإلاّ فلا يحتج بها، واليك نصه: «فإما إذا كان مخالفاً في الإعتقاد لأصل المذهب، وروى مع ذلك عن الائمة - عليهم السلام -،


(224)

نظر فيما يرويه، فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه، وجب اطراح خبره. وان لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به، وان لم يكن هناك من الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه، ولا يعرف لهم قول فيه، وجب ايضاً العمل به» (1).

وذكر نظير ذلك في حق سائر فرق الشيعة مثل الفطحية والواقفة والناووسية.

2 ـ ان الطائفة سوت بين مراسيل الثلاثة ومسانيد غيرهم، وبما ان المراد من مسانيد الغير، هو الاحاديث المروية عن طرق اصحابنا الإمامية، فيجب ان يكون المراد من الثقة الذي يرسل عنه هؤلاء الثلاثة، العدل الإمامي، حتى تصحّ التسوية بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم، وإلاّ فلو كان المراد منها هو الثقة بالمعنى الأعم، بحيث يشمل الامامي وغيره من فرق الشيعة وغيرهم، لكانت التسوية مخالفاً لما حقَّقه واختاره من التفصيل، فلا تصحّ التسوية إلاّ إذا كان الثقة الذي يرسل عنه ابن ابي عمير وأضرابه، عدلاً إمامياً.

وعلى ذلك فهؤلاء الاقطاب الثلاثة كانوا ملتزمين بأن لا يروون إلاّ عن الثقة بالمعنى الاخص، فلو وجدنا مورداً من مسانيد هؤلاء رووا فيه عن ضعيف في الحديث، او صدوق ولكن مخالف في المذهب، تكون القاعدة منقوضة، فليست نقوض القاعدة منحصرة بالنَّقل عن الضّعاف، بل تعمّ ما كان النقل عن موثق في الحديث مخالف للمذهب الحق.

ولا يخفى أن ما استنبطه من كلام الشيخ مبنيّ على ثبوت احد امرين:

الأول: أن يكون الثقة في مصطلح القدماء من يكون صدوقاً إمامياً، او عدلاً إمامياً، بحيث يكون للاعتقاد بالمذهب الحقّ دخالة في مفهومها حتى يحمل عليه قوله «لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثق به».


1 . عدة الاصول: 1 / 379، الطبعة الحديثة.


(225)

الثاني: أن يكون مذهبه في حجّية خبر الواحد هو نفس مذهب القدماء، بأن يكون المقتضي في خبر المخالف ناقصاً غير تامّ، ولاجل ذلك لا يعارض خبر الموافق، بخلاف الموافق فان الاقتضاء فيه تامّ، فيقدم على خبر المخالف، ولكن يعارض خبر الموافق الآخر. وفي ثبوت كلا الامرين نظر.

أما الأول، فلا ريب في افادتها المدح التامّ وكون المتصف بها معتمداً ضابطاً، وأما دلالتها على كونه امامياً فغير ظاهر، إلاّ إذا اقترنت بالقرائن، كما إذا كان بناء المؤلف على ترجمة اهل الحق من الرواة وذكر غيره على وجه الاستطراد، ففي مثل ذلك يستظهر كونها بمعنى الامامي، كما هو الحال في رجال النجاشي وغيره. وأما دلالتها على كون الراوي إمامياً على وجه الاطلاق فهي غير ثابتة، إذ ليس للثقة إلاّ معنى واحد، وهو من يوثق به في العمل الذي نريده منه، فالوثاقة المطلوبة من الاطباء غير ما تطلب من نقلة الحديث. فيراد منها الامين في الموضوع الذي تصدى له. وعلى ذلك يصير معنى الثقة في مورد الرواة من يوثق بروايته، وتطمئن النفس بها لاجل وجود مبادئ فيه تمسكه عن الكذب، وأوضح المبادئ الممسكة هو الاعتقاد بالله ورسله وأنبيائه ومعاده، سواء كان مصيباً في سائر ما يدين، أو لا.

نعم نقل العلاّمة المامقاني في «مقباس الهداية» عن بعض من عاصره بأنه جزم باستفادة كون الراوي اماميا من اطلاق لفظ الثقة عليه، ما لم يصرّح بالخلاف، كما نقل عن المحقق البهبهاني دلالته على عدالته(1).

ولكن كلامهما منزّل على وجود قرائن في كلام المستعمل تفيد كلاًّ من هذين القيدين، وإلاّ فهو في مظانّ الاطلاق لا يفيد سوى ما يتبادر منه عند أهل اللغة والعرف.

هذا ولم يعلم كون الثقة في كلام القدماء الذين يحكي عنهم الشيخ


1 . مقباس الهداية: 112.


(226)

قوله: «سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمَّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم» غير معناه المتبادر عند العرف، فان تفسير «عمَّن يوثق به» بالإمامي الصدوق او الإمامي العادل، يحتاج إلى قرينة دالّة عليه.

وأما الثاني، فان ما أفاده الشيخ من التفصيل في أخبار غير الإمامي إنما هو مختار نفسه، لا خيرة الاصحاب جميعاً، ولأجل ذلك قال عند الاستدلال على التفصيل: «فأما ما اخترته من المذهب، فهو أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق اصحابنا القائلين بالامامة... »(1).

ثم أخذ في الاستدلال على التفصيل المختار على وجه مبسوط، ويظهر من ثنايا كلامه أن الاصحاب يعملون بأخبار الخاطئين في الاعتقاد مطلقاً، حيث قال: «إذا علم من اعتقادهم تمسكهم بالدين وتحرّجهم من الكذب ووضع الاحاديث، وهذه كانت طريقة جماعة عاصروا الائمة- عليهم السلام -، نحو عبدالله بن بكير، وسماعة بن مهران، ونحو بني فضّال من المتأخرين عنهم، وبني سماعة ومن شاكلهم، فاذا علمنا أن هؤلاء الذين أشرنا اليهم وان كانوا مخطئين في الاعتقاد من القول بالوقف وغير ذلك، كانوا ثقاتاً في النقل، فما يكون طريقه هؤلاء، جاز العمل به»(2).

نعم يظهر من بعض عبائره أن ما اختاره من التفصيل هو خيرة الاصحاب أيضاً(3).

ومع ذلك كلّه فلا تطمئن النفس بأن ما اختاره هو نفس مختار قدماء


1 . عدة الاصول: 1 / 336، الطبعة الحديثة.
2 . عدة الاصول: 1 / 350.
3 . لاحظ ما ذكره في عمل الاصحاب بما رواه حفص بن غياث ونوح بن دراج والسكوني في عدة الأُصول : 1 / 380.


(227)

الاصحاب، وعلى ذلك فلا يكون مختار، في حجّية خبر الواحد، قرينة على أن المراد من الثقة في قولهم «لأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة» هو الثقة بالمعنى الاخص، إلاّ إذا ثبت أن خيرته وخيرة الاصحاب في حجّية خبر الواحد سواسية.

وعلى ذلك فينحصر النقض بما إذا ثبت رواية هؤلاء عن الضعيف في الرواية، لا في المذهب والاعتقاد ولا أقل يكون ذلك هو المتيقن في التسوية الواردة في كلام الاصحاب.

وبذلك يسقط النقض بكثير ممَّن روى عنه ابن ابي عمير وقد رموا بالناووسيَّة، او الوقف، أو الفطحية والعامية، واليك أسامي هؤلاء سواء كانوا ثقات من غير ذلك الوجه أم لا.

أما الواقفة فيقرب من ثلاثة عشر شيخاً أعني بهم:

1ـ إبراهيم بن عبد الحميد الاسدي 2ـ الحسين بن مختار 3ـ حنان بن سدير 4ـ داود بن الحصين 5ـ درست بن ابي منصور 6ـ زكريا المؤمن 7ـ زياد بن مروان القندي 8ـ سماعة بن مهران 9ـ سيف بن عميرة 10ـ عثمان بن عيسى 11ـ محمد بن اسحاق بن عمار 12ـ منصور بن يونس بزرج 13ـ موسى بن بكر.

وأما الفطحية من مشايخه فنذكر منهم:

14ـ اسحاق بن عمار الساباطي 15ـ اسماعيل بن عمار 16ـ يونس بن يعقوب 17ـ عبدالله بن بكير 18ـ خالد بن نجيح جوّان(1).

وقد روى عن جماعة من العامة منهم:


1 . لاحظ في الوقوف على روايته عنهم «مشايخ الثقات» القائمة المخصوصة لمشايخه.


(228)

19ـ مالك بن انس على ما في فهرست الشيخ في ترجمة مالك 20ـ محمد بن عبدالرحمن بن ابي ليلى القاضي المعروف، كما في كمال الدين ص 411. 21ـ محمد بن يحيى الخثعمي على ما في فهرست الشيخ في ترجمته. 22ـ أبو حنيفة على ما في الاختصاص ص 109.

وقد روى عن بعض الزيدية نظير 23ـ زياد بن المنذر على ما في فهرست الشيخ.

وقد روى عن بعض الناووسية مثل أبان بن عثمان المرميّ بالناووسية، وان كان الحقّ براءته منها. وعلى الجملة فروايته عن هؤلاء من أجل كونهم من الواقفة والفطحية، او العامة، لا تعدّ نقضاً إذا كانوا ثقات في الرواية، وانما تعدّ نقضاً إذا كانوا ضعافاً في نقل الحديث.

السادس: ان القدر المتيقن من التزامه بكون المروي عنه ثقة، إذا كان روى عنه بلا واسطة، واما النقل بواسطة فلم يظهر من العبارة التزامه به أيضاً، ولأجل ذلك لو ثبت نقله عن غير ثقة بواسطة الثقة فلا يعدّ نقضاً.

وبذلك يظهر أن حجّية مراسيله مختصة بما إذا أرسل عن واسطة واحدة، كما إذا قال: عن رجل، عن أبي عبدالله - عليه السلام -. واما إذا علم أن الارسال بواسطتين، فيشكل الأخذ به إلاّ ببعض المحاولات التي سنشير اليها في خاتمة البحث.

السابع: قد عرفت الايعاز على ان الشهيد الثاني استشكل على هذه التسوية ـ كما نقله المحدث النوري في مستدركه ـ وتبعه سبطه صاحب المدارك وولده في المعالم، وقد كان الوالد المغفور له، ينقل عن شيخه «شيخ الشريعة الاصفهاني» أنه كان معترضا على هذه التسوية وغير مؤمن بصحتها، وقد صبَّ صاحب معجم الرجال(1) ما ذكره الشهيد، وما اضاف اليه، في قوالب


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 64 ـ 68.


(229)

خاصة. ونحن نذكر الجميع مع ما يمكن أن يقال في دفعه فقال ـ دام ظله ـ: إن هذه التسوية لا تتمّ بوجوه:

أولا: لو كانت التسوية صحيحة لذكرت في كلام احد من القدماء فمن المطمأنّ به أن منشأ هذه الدعوى هو دعوى الكشي الاجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، وقد مرّ أن مفاده ليس توثيق مشايخهم، ويؤكد ما ذكرناه أن الشيخ لم يخصّ ما ذكره بالثلاثة المذكورين، بل عمَّمه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلاّ عمن يوثق به، وفي الظاهر أنه لم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي الاجماع على التصحيح، وممّا يكشف عن أن نسبة الشيخ التسوية المذكورة إلى الاصحاب مبتنية على اجتهاده، أن الشيخ بنفسه ردَّ في مواضع رواية ابن ابي عمير للارسال. وقد عرفت بعض موارد الردّ.

وفيه: أن قوله «لو كانت أمراً متسالماً عليه لذكرت في كلام أحد من القدماء» وان كان صحيحاً، إلاّ أن ما رتب عليه من قوله «وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر» غير ثابت، لانه إنما تصحّ تلك الدعوى لو وصل الينا شيء من كتبهم الرجالية، فان مظانّ ذكر هذا هو مثل هذه الكتب، والمفروض أنه لم يصل الينا منها سوى كتاب الكشي الذي هو أيضاً ليس اصل الكتاب، بل ما اختاره الشيخ منه، وسوى «رجال البرقي» الذي عبَّر عنه الشيخ في الفهرست بـ «طبقات الرجال» وعندئذ كيف يصحّ لنا أن نقول «وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر»؟

أضف إلى ذلك أنه من الممكن أن الشيخ استنبطها من الكتب الفقهية غير الواصلة الينا، حيث رأى أنهم يعاملون مراسيلهم عند عدم التعارض معاملة المسانيد، أو يعاملونها معاملة المعارض إذا كان في مقابلها خبر مخالف.

وما ذكره من «أن الشيخ لم يخصّه بالثلاثة المذكورين بل عمَّمه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلاّ عمَّن يوثق به ومن المعلوم أنه لم


(230)

يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي الإجماع على التصحيح» غير تامّ أيضاً، فإن الظاهر أن مراده من «وغيرهم من الثقات» هم المعروفون بأنهم لا يروون إلاّ عنهم، وقد ذكرنا اسماء بعضهم، والمتتّبع في معاجم الرجال وفهارسها يقف على عدّة كان ديدنهم عدم النقل إلاّ عن الثقات، ولاجل ذلك كانوا يعدّون النقل عن الضعفاء ضعفاً في الراوي ويقولون: «أحمد بن محمد بن خالد البرقي ثقة إلاّ انه يروي عن الضعفاء» وهذا يكشف عن تجنب عدة من الاعاظم عن هذا، ومعه كيف يصح أن يدعي «ولم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي».

ثم إنه أيُ فرق بين دعوى الكشي في حق اصحاب الاجماع فتقبل ثم يناقش في مدلولها، ودعوى الشيخ في حق هؤلاء الثلاثة فلا تقبل من رأس وترمى بأنها مستنبطة من كلام الكشي؟!

وأما مخالفة الشيخ نفسه في موارد من التهذيب والاستبصار فقد عرفت وجهه، وانه ألّف جامعيه في أوائل شبابه، ولم يكن عند ذاك واقفاً على سيرة الاصحاب في مراسيل هؤلاء، فلأجل ذلك ردَّ مراسيلهم بحجة الارسال. ولكنه وقف عليها بعد الممارسة الكثيرة بكتب الاصحاب الرجالية والفقهية، وكتب وألف كتاب «العدَّة» في

أيام الشريف المرتضى (المتوفّى عام 436 هـ) وهو في تلك الايام يتجاوز عمره الخمسين سنة، وقد خالط الفقه والرجال لحمه ودمه، ووقف على الاُصول المؤلفة في عصر الأئمة - عليهم السلام - وبعده.

وثانياً: فرضنا أن التسوية ثابتة، لكن من المظنون قويّاً أن منشأ ذلك هو بناء العامل على حجية خبر كل إمامي لم يظهر منه فسق، وعدم اعتبار الوثاقة فيه، كما نسب إلى القدماء، واختاره جمع من المتأخرين منهم العلاّمة على ما سيجيء في ترجمة أحمد بن اسماعيل بن عبدالله(1) وعليه لا أثر لهذه التسوية


1 . معجم رجال الحديث: 2 / 51.


(231)

بالنسبة إلى من يعتبر الوثاقة(1).

وفيه: أن نسبة العمل بخبر كل إمامي لم يظهر منه فسق إلى قدماء الامامية، تخالف ما ذكره عنهم الشيخ في «العدة»، وهو أبصر بآرائهم حيث قال في ضمن استدلاله على حجية الاخبار التي رواها الاصحاب في تصانيفهم: «ان واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فاذا أحالهم على كتاب معروف، او اصل مشهور، وكان راويه ثقة لا يُنكر حديثه، سكتوا وسلَّموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -ومن بعده من الائمة- عليهم السلام -»(2).

ترى أنه يقيد عملهم وقبولهم الرواية بكون راويه ثقة، والقول بحجية كل خبر يرويه إمامي لم يظهر فسقه، اشبه بقول الحشوية، وقريب من رأيهم في الاخبار، ولو كان ذلك مذهب القدامى من الامامية لما صح للسيد المرتضى ادّعاء الاتفاق على عدم حجية خبر الواحد، فإن ذلك الإدعاء مع هذه النسبة في طرفي النقيض.

ولو كان بناء القدماء على اصالة العدالة في كل من لم يعلم حاله، فلا معنى لتقسيم الرواة إلى الثقة، والضعيف، والمجهول، بل كان عليهم ان يوثقوا كل من لم يثبت ضعفه، ومن المعلوم ثبوت خلافه.

واما ما نقل عن العلاّمة في حق أحمد بن اسماعيل من قوله «لم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل ولم يرو فيه جرح، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض»(3) فمن الممكن أن يكون اعتماده عليه لأجل ما قاله النجاشي في ترجمته من أن «له عدة كتب لم يصنف مثلها، وأن أباه كان من غلمان أحمد بن


1 . معجم رجال الحديث: ج 1 ص 65.
2 . عدّة الأُصول: 1 / 338، الطبعة الحديثة.
3 . الخلاصة: 16.


(232)

ابي عبد الله البرقي وممن تأدب عليه وممّن كتَّبه» (1) وما قاله الشيخ في الفهرست: «كان من اهل الفضل والادب والعلم وله كتب عدة لم يصنف مثلها فمن كتبه كتاب العباسي، وهو كتاب عظيم نحو عشرة آلاف ورقة في اخبار الخلفاء والدولة العباسية مستوفى، لم يصنف مثله» (2)، وما قاله في رجاله: «أديب أستاذ ابن العميد»(3).

وهذه الجمل تعرب عن انه كان من مشاهير علماء الشيعة الإمامية وأكابرهم وفي القمة من الأدب والكتابة.

ومثل ذلك لا يحتاج إلى التوثيق، بل إذا لم يرد فيه جرح يحكم بوثاقته، فان موقفه بين العلماء غير موقف مطلق الراوي الذي لا يحكم في حقه بشيء إلاّ بما ورد فيه، فيحكم بالجهل او الاهمال، ولاجل ذلك كله كان ديدن العلماء في حق الأعاظم والأكابر هو الحكم بالوثاقة، وان لم يرد في حقهم التصريح بها، فلأجل ذلك نحكم بوثاقة نظراء إبراهيم بن هاشم والصدوق وغيرهما، وان لم يرد في حقهم تصريح بالوثاقة.

وثالثاً: ان اثبات ان هؤلاء لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، دونه خرط القتاد، فإن الطريق إليه إمّا تصريح نفس الراوي بأنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عنه، أو التتبع في مسانيدهم ومشايخهم وعدم العثور على رواية هؤلاء عن ضعيف.

اما الأول ; فلم ينسب إلى احد من هؤلاء اخباره وتصريحه بذلك، واما الثاني ; فغايته عدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود، على انه لو تم، فانما يتم في المسانيد دون المراسيل، فان ابن أبي عمير قد غاب عنه اسماء من


1 . رجال النجاشي: الرقم 240 .
2 . فهرست الشيخ: 23.
3 . رجال الشيخ: 455، الرقم 103.


(233)

روى عنهم، فكيف يمكن للغير ان يطلع عليهم ويعرف وثاقتهم.

وفيه: أنا نختار الشق الأول وانهم صرحوا، بذلك، ووقف عليه تلاميذهم والرواة عنهم، ووقف الشيخ والنجاشي عن طريقهم عليه، وعدم وقوفنا عليه بعد ضياع كثير من كتب القدماء من الاصحاب، اشبه بالاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، كما ان من الممكن ان يقف عليه الشيخ من خلال الكتب الفتوائية من تعامل الأصحاب مع مراسيلهم معاملة المسانيد، وعدم التفريق بينهما قيد شعرة.

ولنا ان نختار الشق الثاني، وهو التتبع في المسانيد، وما ذكره من ان غايته عدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود، غير تام، لأنه لو تتبعنا مسانيد هؤلاء ولم نجد لهم شيخاً ضعيفاً في الحديث، نطمئن بأن ذلك ليس إلاّ من جهة التزامهم بعدم الرواية إلاّ عن ثقة، ولم يكن ذلك من باب الصدفة، ولو ثبت ذلك لما كان هناك فرق بين المسانيد والمراسيل، واحتمال وجود الضعاف في الثانية دون الأولى، احتمال ضعيف لا يعبأ به.

إلى هنا ثبت عدم تمامية الاشكالات الثلاثة، والمهم هو الاشكال الرابع، وهو ثبوت رواية هؤلاء عن الضعاف، وذلك بالتتبع في مسانيدهم ومعه كيف يمكن ادعاء لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة.

Website Security Test