welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : كليات في علم الرجال*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(161)

الفصل السادس

التوثيقات العامة

1ـ أصحاب الاجماع.

2ـ مشايخ الثقات.

3ـ العصابة التي لا يروون إلاّ عن ثقة.

4ـ رجال أسانيد «نوادر الحكمة».

5ـ رجال أسانيد «كامل الزيارات».

6ـ رجال اسانيد «تفسير القمّي».

7ـ أصحاب «الصادق» - عليه السلام -.

8ـ شيخوخة الإجازة.

9ـ الوكالة عن الإمام - عليه السلام -.

10ـ كثرة تخريج الثقة عن شخص.


(162)


(163)

1ـ أصحاب الاجماع

* ما هو الاصل في ذلك.

* «أصحاب الاجماع» اصطلاح جديد.

* عددهم وما نظمه السيد بحر العلوم.

* كيفية تلقي الاصحاب هذا الاجماع وحجيته.

* مفاد «تصحيح ما يصح عنهم».


(164)


(165)

قد وقفت على الطُّرق التي تثبت بها وثاقة راو معيَّن وهناك طرق تثبت بها وثاقة جمع كثير تحت ضابطة خاصة، وإليك هذه الطرق واحداً بعد واحد. وأهمّها مسألة أصحاب الاجماع المتداولة في الألسن وهم ثمانية عشر رجلاً على المشهور.

إن البحث عن أصحاب الاجماع من أهمّ أبحاث الرجال، وقد اشار اليه المحدّث النوري وقال: «إنه من مهمّات هذا الفنّ، إذ على بعض التقادير تدخل آلاف من الاحاديث الخارجة عن حريم الصحة إلى حدودها أو يجري عليها حكمها»(1).

ولتحقيق الحال يجب البحث عن أمور:

الأول: ما هو الاصل في ذلك؟

الأصل في ذلك ما نقله الكشّي في رجاله في مواضع ثلاثة نأتي بعبارته في تلك المواضع.

1ـ «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله - عليهما السلام -: اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر - عليه السلام -


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 757.


(166)

وأصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأولين ستّة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الاسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: أفقه الستّة زرارة، وقال بعضهم مكان أبي بصير الاسدي، ابو بصير المرادي وهو ليث بن البختري»(1).

2ـ «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه من دون اُولئك الستّة الذين عددناهم وسمَّيناهم(2) وهم ستّة نفر: جميل بن درّاج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحمّاد بن عثمان، وحمّاد بن عيسى، وأبان بن عثمان، قالوا: وزعم أبو اسحاق الفقيه وهو ثعلبة بن ميمون(3) أن أفقه هؤلاء جميل بن درّاج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -»(4).

3ـ «تسمية الفقهاء من اصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن - عليهما السلام -: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستّة نفر أُخر دون ستّة نفر الذين ذكرناهم(5) في أصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -منهم: يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن مغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وقال بعضهم مكان الحسن بن


1 . رجال الكشي: 206.
2 . يريد بذلك العبارة المتقدمة التي نقلناها آنفاً.
3 . قال النجاشي (في الرقم 302): «كان وجهاً في أصحابنا قارئاً فقيهاً نحوياً لغوياً راوية وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن - عليهما السلام - ».
4 . رجال الكشي: 322، والمراد من الاحداث: الشبان.
5 . يريد العبارة الثانية التي نقلناها عن رجاله.


(167)

محبوب، الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوّب(1) وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوّب، عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمان وصفوان بن يحيى»(2).

ويظهر من ابن داود في ترجمة «حمدان بن أحمد» أنه من جملة من اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ منهم والاقرار لهم بالفقه(3) ونسخ الكشي خالية منه، ولعله أخذه من الاُصول، لا من منتخب الشيخ، كما احتمله المحدّث النوري، لكن التأمل يرشدنا إلى خلاف ذلك وأن العبارة كانت متعلقة بـ «حمّاد بن عيسى» المذكور قبل حمدان. وقد سبق قلمه الشريف فخلط هو أو النسّاخ ووجه ذلك أنه عنون أربعة اشخاص بالترتيب الآتي:

1ـ حمّاد بن عثمان النّاب. 2ـ حمّاد بن عثمان بن عمرو. 3ـ حمّاد بن عيسى. 4ـ حمدان بن أحمد وصرّح في ترجمة حمّاد بن عثمان الناب أنه ممّن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم وأتى بهذا المضمون في ترجمة حمدان، مع أن اللازم عليه أن يأتي به في ترجمة ابن عيسى ولعل الجميع كان مكتوباً في صفحة واحدة فزاغ البصر، فكتب ما يرجع إلى ابن عيسى في حق حمدان(4).

أضف إلى ذلك أن ابن داود نفسه خصّ الفصل الأول من خاتمة القسم الأول من كتابه بذكر أصحاب الاجماع ـ كما سيوافيك عبارته ـ وذكر أسماءهم


1 . الظاهر أن «الواو بمعنى «أو» أي أحد هذين، ويحتمل كونها بمعناها فيزداد العدد.
2 . رجال الكشي: الرقم 1050.
3 . رجال ابن داود: 84، الرقم 524.
4 . والجدير بالذكر ان تغاير «حمّادين» الاولين محلّ نظر. بل استظهر جمع من أئمة الرجال اتحادهما ولعله الاصح. راجع قاموس الرجال: 3 / 397 ـ 398 ; ومعجم رجال الحديث: 6 / 212 ـ 215.


(168)

مصّرحاً بكون حمّاد بن عيسى منهم من دون أن يذكر حمدان بن أحمد.

والعجب أنّه ذكر الطبقة الثّالثة بعنوان الطبقة الثانية وقال: إنّهم من أصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -مع أنّه صرح في ترجمة كل منهم أنّهم كانوا من أصحاب الرضا - عليه السلام -وبعضهم من أصحاب أبي إبراهيم وأبي جعفر الثاني- عليهما السلام -(1).

هذا، مضافاً إلى أنه لا اعتبار بما انفرد به داود مع اشتمال رجاله على كثير من الهفوات.

الثاني: «أصحاب الاجماع» اصطلاح جديد

إن التّعبير عن هذه الجماعة بـ «أصحاب الاجماع» أمر حدث بين المتأخرين، وجعلوه أحد الموضوعات التّي يبحث عنها في مقدمات الكتب الرجالية أو خواتيهما، ولكنّ الكشّي عبر عنهم بـ «تسمية الفقهاء من أصحاب الباقرين - عليهما السلام -» أو «تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق - عليه السلام -» أو «تسمية الفقهاء من اصحاب الكاظم والرضا - عليهما السلام -» فهو - رحمه الله - كان بصدد تسمية الفقهاء من أصحاب هؤلاء الأئمّة، الذين لهم شأن كذا وكذا، والهدف من تسميتهم دون غيرهم، هو تبيين أنّ الأحاديث الفقهية تنتهي إليهم غالباً، فكأنّ الفقه الإمامىّ مأخوذ منهم، ولو حذف هؤلاء وأحاديثهم من بساط الفقه، لما قام له عمود، ولا اخضرّ له عود، ولتكن على ذكر من هذا المطلب، فأنّه يفيدك في المستقبل.

الثالث: في عددهم

قد عرفت أنه لا اعتبار بما هو الموجود في رجال ابن داود من عدّ «حمدان بن أحمد» من أصحاب الإجماع، فلابدّ من الرجوع إلى عبارة


1 . الرجال: طبعة النجف، الرقم: 118، 442 ،454، 782، 909 و 1272.


(169)

الكشي فقد نقل الكشي اتفاق العصابة على ستة نفر من أصحاب الصادقين - عليهما السلام -وهم: 1. زرارة أعين، 2 ـ معروف بن خربوذ، 3ـ بريد بن معاوية، 4 ـ أبو بصير الأسدي، 5 ـ الفضيل بن يسار، 6 ـ محمد بن مسلم الطائفي.

ونقل أيضاً اتّفاقهم على ستة من أحداث أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -فقط وهم: 7 ـ جميل بن دراج، 8 ـ عبد الله بن مسكان، 9 ـ عبد الله بن بكير، 10 ـ حماد بن عثمان، 11 ـ حماد بن عيسى، 12 ـ أبأن بن عثمان.

كما نقل اتفاقهم على ستة نفر من أصحاب الامامين الكاظم والرضا - عليهما السلام -وهم: 13 ـ يونس بن عبد الرحمان، 14 ـ صفوان بن يحيى بيّاع السابري ، 15 ـ محمد بن أبي عمير، 16 ـ عبد الله بن مغيرة، 17 ـ الحسن بن محبوب، 18 ـ أحمد بن محمّد بن نصر.

هذا ما اختار الكشي في من اجمعت العصابة عليهم، ولكن نقل في حق الستة الأولى أن بعضهم قال مكان أبي بصير الأسدي، أبو بصير المرادي، فالخمسة من الستة الأولى موضع اتّفاق من الكشي وغيره، كما أن الستة الثانية موضع اتفاق من الجميع، وأما الطبقة الثالثة فخمسة منهم مورد اتفاق بينه وبين غيره حيث قال: «ذكر بعضهم مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال وفضالة بن أيوب، وذكر بعضهم مكان فضالة بن أيوب، عثمان بن عيسى» فيكون خمسة من الطبقة الثالثة مورد اتفاق بينه وبين غيره وبالنتيجة يكون ستة عشر شخصاً موضع اتفاق من الكل، وانفرد الكشي بنقل الإجماع على شخصين وهما أبو بصير الأسدي من الطبقة الأولى، والحسن بن محبوب من الثالثة ونقل الاخرون، الاتفاق على أربعة وهم: أبو بصير المرادي من الستة الأولى والحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب وعثمان بن عيسى من الثالثة، فيكون المجموع: اثنين وعشرين شخصاً، بين ما اتفق الكل على


(170)

كونهم من أصحاب الاجماع، أو قال به الكشي وحده أو غيره فالمتيقن هو 16 شخصاً، والمختلف فيه هو 6 اشخاص.

ثم إن المتتبع النوري قد حاول رفع الاختلاف قائلاً: «إنه لا منافاة بين الإجماعين في محل الانفراد لعدم نفي أحد الناقلين ما أثبته الآخر وعدم وجوب كون العدد في كل طبقة ستة، وأنما اطلع كل واحد على ما لم يطلع عليه الاخر، والجمع بينهما ممكن، فيكون الجميع مورداً للاجماع.

ونقل عن بعض الأجلة الاشكال عليه، بأنّ الكشّي جعل الستّة الأولى أفقه الأوّليين وقال: «فقالوا أفقه الأوّين ستة» ومعناه هؤلاء أفقه من غيرهم ومنهم أبو بصير المرادي. وعليه فالأسدي الّذي هو جزء من الستة أفقه من أبي بصير المرادي وعلى القول الآخر يكون المرادي من أفراد الستة ويكون أفقه من أبي بصير الاسدي، فيحصل التكاذب بين النقلين، فواحد منهم يقول: الأفقه هو الأسدي، والآخر يقول: الأفقه هو المرادي» (1).

وفيه أولاً: أنه يتم في القسم الأول من هذه الطّبقات الثلاث، حيث اشتمل على جملة «أفقه الأولين ستة» دون سائر الطبقات، فهي خالية عن هذا التعبير.

وثانياً أنه يحتمل أن يكون متعلق الاجماع هو التصديق والانقياد لهم بالفقه، لا الأفقهيّة من الكلّ، فلاحظ وتأمّل.

الرابع: فيما نظمه السيد بحر العلوم

إن السيد الجليل بحر العلوم جمع أسماء من ذكره الكشي في المواضع الثلاثة في منظومته وخالفه في أشخاص من الستة الأولى، قال - قدس سره -:

قد أجمع الكل على تصحيح ما           يصح عن جماعة فليعلما


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 3 / 757 ، الفائدة السابعة .


(171)

وهم أولو نجابة ورفعة           أربعة وخمسة وتسعة
فالستة الأولى من الأمجاد           أربعة منهم من الأوتاد
زرارة كذا بريد (1) قد أتى           ثم محمد (2)وليث (3) يافتى
كذا الفضيل (4) بعده معروف (5)           وهو الذي ما بيننا معروف
والستة الوسطى اولو الفضائل           رتبتهم أدنى من الأوائل
جميل الجميل (6) مع أبان (7)           والعبدلان (8) ثم حمّادان (9)
والستة الاخرى هم صفوان (10)           ويونس (11) عليهما الرضوان
ثم ابن محبوب (12) كذا محمد(13)           كذاك عبدالله (14) ثم أحمد (15)
وما ذكرناه الأصحّ عندنا           وشذّ قول من به خالفنا (16)

قوله: «وما ذكرناه الأصح» إشارة إلى الاختلاف الذي حكاه الكشي في عبارته حيث اختار الكشي ان أبا بصير الاسدي منهم، واختار غيره أن أبا


1 . المراد بريد بن معاوية.
2 . المراد محمد بن مسلم.
3 . ابو بصير المرادي وهو ليث بن البختري، وقد خالف فيه مختار الكشي.
4 . الفضيل بن يسار.
5 . معروف بن خربوذ.
6 . جميل بن دراج.
7 . أبان بن عثمان.
8 . عبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير.
9 . حمّاد بن عثمان وحمّاد بن عيسى.
10 . صفوان بن يحيى. المتوفّى عام 220 هـ .
11 . يونس بن عبد الرحمن.
12 . الحسن بن محبوب.
13 . محمد بن أبي عمير.
14 . عبد الله بن المغيرة.
15 . أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
16 . قد مضى القولان في عبارة الكشي.


(172)

بصير المرادي منهم واختار السيد بحر العلوم القول الثاني ونسب القول الأول إلى الشذوذ.

الخامس: في كيفية تلقي الأ صحاب هذا الاجماع

إن المتتبع النوري قد قام بتصفح كلمات الأصحاب حتى يستكشف من خلالها كيفية تلقيهم هذا الإجماع بالقبول وإليك الإشارة إلى بعض الكلمات التي نقلها المحدث النوري في الفائدة السابعة من خاتمة المستدرك بتحرير منّا حسب القرون:

1 ـ إن أول من نقله من الأصحاب هو أبو عمرو الكشي وهو من علماء القرن الرابع وكان معاصراً للكليني (المتوفّى عام 329 هـ) وتتلمذ للعياشي صاحب التفسير.

2 ـ ويتلوه في النقل، الشيخ الطوسي، وهو من علماء القرن الخامس (المتوفّى عام 460 هـ) حيث إنه قام باختصار رجال الكشي بحذف أغلاطه وهفواته، وأملاه على تلاميذه وشرع بالإملاء يوم الثلاثاء السادس والعشرين من صفر سنة 456 هـ ، بالمشهد الشريف الغري، ونقل سبط الشيخ، السيد الأجل «علي بن طاووس» في كتاب «فرج المهموم» عن نفس خط الشيخ في أول الكتاب أنه قال: «هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واخترنا ما فيها» (1). وظاهر كلامه أن الموجود في الكشي مختاره ومرضيه.

أضف إلى ذلك أنه يقول في العدة: «سوَّت الطائفة بين ما رواه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات، الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به، وبين ما


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 3 / 757، نقلاً عن فرج المهموم.


(173)

أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم»(1).

فان قوله «وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به» دليل على أن فيهم جماعة معروفين عند الاصحاب بهذه الفضيلة، ولا تجد في كتب هذا الفنّ من طبقة الثقات، عصابة مشتركة في هذه الفضيلة غير هؤلاء.

3ـ وممَّن تلقّاه بالقبول، رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب من علماء القرن السادس (المتوفّى عام 588 هـ) فقد أتى بما ذكره الكشّي في أحوال الطبقة الاُولى والثانية، وترك ذكر الثالثة، ونقل الطبقتين بتغيير في العبارة كما سيوافيك وجهه(2).

4ـ وممَّن تلقّاه بالقبول، فقيه الشيعة، العلامة الحلي من علماء القرن الثامن (المتوفّى عام 726 هـ) وقد أشار بما ذكره الكشّي في خلاصته في موارد كثيرة كما في ترجمة «عبدالله بن بكير» و«صفوان بن يحيى» و«البزنطي» و«أبان بن عثمان».

5ـ وقال ابن داود مؤلّف الرجال وهو من علماء القرن الثامن، حيث ولد عام 648 وألَّف رجاله عام 707 هـ : «أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم غير أنهم يتفاوتون ثلاث درج»(3).

6ـ وقال الشهيد الأول (المستشهد عام 786 هـ ) في «غاية المراد» عند


1 . عدة الاصول: 1 / 386، وسيوافيك حق القول في تفسير كلام العدة، وتقف على أن كلام العدة غير مستنبط من كلام الكشي، وانما ذكرناه في المقام تبعاً للمحدث النوري.
2 . المناقب: 4 / 211 ، أحوال الإمام الباقر، والإمام الصادق - عليهما السلام -: 280.
3 . رجال ابن داود: 209 ، خاتمة القسم الأول، الفصل الأول، طبعة النجف والصفحة: 384، طبعة جامعة طهران.


(174)

البحث عن بيع الثمرة بعد نقل حديث في سنده الحسن بن محبوب: «وقد قال الكشي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن الحسن بن محبوب».

نعم، لم نجد من يذكر هذا الاجماع أو يشير إليه من علماء القرن السّابع كالحسن بن زهرة (المتوفّى عام 620 هـ ) ونجيب الدين ابن نما (المتوفّى عام 645 هـ )، وأحمد بن طاووس (المتوفّى عام 673 هـ)، والمحقق الحلّي (المتوفّى عام 676 هـ ) ويحيى بن سعيد (المتوفّى عام 689 هـ).

كما لم نجد من يذكره من علماء القرن التّاسع كالفاضل المقداد (المتوفّى عام 826 هـ) وابن فهد الحلّي (المتوفّى عام 841).

نعم ذكره الشّهيد الثّاني (وهو من علماء القرن العاشر وقد استشهد عام 966 هـ) في شرح الدراية في تعريف الصحيح حيث قال: «نقلوا الاجماع على تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان مع كونه فطحيّاً، وهذا كلّه خارج عن تعريف الصحيح الّذي ذكروه».

كما نقل في الروضة البهية، في كتاب الطلاق عن الشيخ أنه قال: «ان العصابة اجمعت على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير وأقرّوا له بالفقه والثقة» (1).

وأما القرون التالية، فقد تلقاه عدة من علماء القرن الحادي عشر بالقبول كالشيخ البهائي (المتوفّى عام 1031 هـ). والمحقق الداماد (المتوفّى عام 1041 هـ)، والمجلسي الأوّل، وفخر الدين الطّريحي (المتوفّى عام 1085 هـ ) والمحقق السبزواري (المتوفّى عام 1090 هـ) مؤلّف «ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد».

كما تلقاه بالقبول كثير من علماء القرن الثاني عشر كالمجلسي الثاني


1 . الروضة البهية: 2 / 131، كتاب الطلاق .


(175)

(المتوفّى عام 1110 هـ) وعلماء القرون التالية ولا نرى حاجة في ذكر عبائرهم (1).

اقول: ان الأصحاب وان تلقوه بالقبول، لكن ذلك التلقّي لا يزيدنا شيئاً، لأنهم اعتمدوا على نقل الكشي ولولاه لما كان من ذلك الاجماع أثر، ولأجل ذلك نرى أن الشيخ لم يذكره في كتابي الرجال والفهرست، ولا نجد منه اثرا في رجال البرقي ورجال النجاشي، وذكره ابن شهرآشوب تبعاً للكشي وتصرف في عبارته، على أن ذكر الشيخ في رجال الكشي لا يدل على كونه مختاراً عنده لأنه هذبه عن الأغلاط، لا عن كل محتمل للصدق والكذب، وابقاؤه يكشف عن عدم كونه مردوداً عنده، لا كونه مقبولاً .

السادس: في وجه حجية ذاك الاجماع

عقد الاصوليون في باب حجية الظنون، فصلاً خاصاً للبحث عن حجية الاجماع المنقول بخبر الواحد وعدمها، فذهب البعض إلى الحجّية بادعاء شمول أدلة حجية خبر الواحد له، واختار المحققون وعلى رأسهم الشيخ الأعظم عدمها، قائلاً بأن أدلة حجّية خبر الواحد تختص بما إذا نقل قول المعصوم عن حس لا عن حدس، وناقل الإجماع ينقله حدساً لا حسّاً وذلك من ناحيتين:

الأولى: من ناحية السبب، وهو الاتفاق الملازم عادة لقول الإمام - عليه السلام -ووجه كونه حدسياً، لا حسياً، ان الجل ـ لولا الكل ـ يكتفون في احراز السبب، باتفاق عدة من الفقهاء لا اتفاق الكل، وينتقلون من اتفاق عدة منهم إلى اتفاق الجميع.

الثانية: من ناحية المسبب، وهو قول الإمام، فإنهم يجعلون اتفاق


1 . لاحظ خاتمة المستدرك: 3 / 758 ـ 759، بتحرير وتلخيص واضافات منا.


(176)

العلماء دليلاً على موافقة قولهم لقول الإمام - عليه السلام -حدساً لا حساً، مع ان الملازمة بين ذاك الاتفاق، وقول الامام غير موجودة، وعلى ذلك فناقل الاجماع ينقل السبب (اتفاق الكل) والمسبب (قول الامام) حدساً لا حساً، وهو خارج عن مورد أدلة الحجية.

والاشكال من ناحية السبب، مشترك بين المقام وسائر الاجماعات المنقولة، حيث ان المظنون ان ابا عمرو الكشي لم يتفحص في نقل إجماع العصابة على هؤلاء، وإنما وقف على آراء معدودة واكتفى، وهي لا تلازم اتفاق الكل.

وهناك اشكال اخر يختص بالمقام، وهو ان الاجماع المنقول لو قلنا بحجّيته، انما هو فيما إذا تعلق على الحكم الشرعي، لا على الموضوع، ومتعلق الاجماع في المقام موضوع من الموضوعات لا حكم من الأحكام، كما تفصح منه عبارة الكشي: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة...».

والاجماع على موضوع ولو كان محصلاً، ليس بحجة، فكيف إذا كان منقولاً.

والجواب عن الاشكال الأول مبني على تعيين المفاد من عبارة الكشي في حق هؤلاء الثمانية عشر، فلو قلنا بأن المراد منها هو تصديق هؤلاء الأعلام في نفس النقل والحكاية الملازم لوثاقتهم ـ كما هو المختار ويظهر من عبارة المناقب أيضاً وغيرها كما ستوافيك ـ فلا يحتاج في إثبات وثاقة هؤلاء إلى اتفاق الكل حتى يقال انه أمر حدسي بل يكفي توثيق شخص أو شخصين أو ثلاثة وقف عليه الكشي عن حس، ليس الاطلاع على هذا القدر أمراً عسيراً حتى يرمي الكشي فيه إلى الحدس، بل من المقطوع أنه وقف عليه وعلى أزيد منه.

نعم، لو كان المراد من عبارة الكشي هو اتفاق العصابة على صحة رواية هؤلاء، بالمعنى المصطلح عند القدماء اعتماداً على القرائن الخارجية،


(177)

فالإشكال باق بحاله، لان العلم بالصحة ليس أمراً محسوساً حتى تعمه أدلة حجية خبر الواحد إذا أخبر عنها مخبر، وليست القرائن الموجبة للعلم بالصحة، كلها من قبيل عرض الكتاب على الإمام - عليه السلام -وتصديقه إياه، أو تكرر الحديث في الاصول المعتمدة، حتى يقال «انها من قبيل الامور الحسية، وأن المسبب ـ أعني صحة روايات هؤلاء ـ وان كان حدسيّاً، لكن أسبابه حسّية، ولا يلزم في حجة قول العادل كون المخبر به أمراً حسياً، بل يكفي كون مقدمات حسية»، وذلك لأن القرائن المفيدة لصحة أخبار هؤلاء ليست حسّية دائماً، وإنما هي على قسمين: محسوس وغير محسوس، والغالب عليها هو الثاني وقد مر الكلام فيه عند البحث عن شهادة الكليني في ديباجة الكافي على صحة رواياته.

وقد حاول بعض الأجلة الإجابة عنه (ولو قلنا بأن المراد هو تصحيح روايات هؤلاء) بأن نقل الكشي، اتفاق العصابة على تصحيح مرويات هؤلاء بالقرائن الدالة على صدق مفهومها أو صدورها، وأن لم يكن كافياً في إثبات الاتفاق الحقيقي، لكنه كاشف عن اتفاق مجموعة كبيرة منهم على تصحيح مرويات هؤلاء، ومن البعيد أن يكون مصدره ادعاء واحد أو اثنين من علماء الطائفة، لأن التساهل في دعوى الإجماع شائعاً وأن كان بين المتأخرين، لكنه بين القدماء ممنوع جداً، هذا من جانب.

ومن جانب آخر إن اتفاق جماعة على صحة روايات هؤلاء العدة، يورث الاطمئنان بها، والقرائن التي تدل على الصحة وإن كانت على قسمين: حسي واستنباطي، لكن لما كان النظر والاجتهاد في تلك الأيام قليل، وكان الأساس في المسائل الفقهية وما يتصل بها، هو الحس والشهود، يمكن أن يقال باعتمادهم على القرائن العامة التي تورث الاطمئنان لكل من قامت عنده أيضاً، ككونه من كتاب عرض على الإمام، أو وجد في أصل معتبر، أو تكرر في الاصول، إلى غير ذلك من القرائن المشهورة.


(178)

والحاصل; أنه إذا ثبت ببركة نقل الكشي كون صحة روايات هؤلاء، أمراً مشهوراً بين الطائفة، يحصل الاطمئنان بها من اتفاق مشاهيرهم، لكونهم بعداء عن الاعتماد على القرائن الحدسية، بل كانوا يعتمدون على المحسوسات أو الحدسيات القريبة منها، لقلة الاجتهاد والنظر في تلك الأعصار.

أقول: لو صحت تلك المحاولة لصحت في ما ادعاه الكليني في ديباجة كتابه، من صحة رواياته، ومثله الصدوق في مقدمة «الفقيه»، بل الشيخ حسب ما حكاه المحدث النوري بالنسبة إلى كتابيه «التهذيب والاستبصار» والاعتماد على هذه التصحيحات، بحجة ان النظر والاجتهاد يوم ذاك كان قليلاً، وكان الغالب عليها هو الاعتماد على الامور الحسية مشكل جداً وقد مرَّ اجمال ذلك عند البحث عن أدلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال فلاحظ، على ان احراز القرائن الحسية بالنسبة إلى أحاديث هؤلاء مع كثرتها، بعيد غايته وسيوافيك بعض الكلام في ذلك عند تبيين مفاد العبارة.

واما الاشكال الثاني فالاجابة عنه واضحة، لأنه يكفي في شمول الأدلة كون المخبر به مما يترتب على ثبوته اثر شرعي، ولا يجب ان يكون دائماً نفس الحكم الشرعي، فلو ثبت بإخبار الكشي، اتفاق العصابة على وثاقتهم أو صحة اخبارهم، لكفى ذلك في شمول ادلة الحجية كما لا يخفى.

السابع: في مفاد «تصحيح ما يصح عنهم»

وهذا هو البحث المهم الذي فصل الكلام فيه المتتبع النوري في خاتمة مستدركه، كما فصل في الامور السابقة ـ شكر الله مساعيه ـ .

والخلاف مبني على ان المقصود من الموصول في «ما يصح» ما هو؟ فهل المراد، الرواية والحكاية بالمعنى المصدري، أو ان المراد المروي ونفس الحديث؟


(179)

فتعيين أحد المعنيين هو المفتاح لحل مشكلة العبارة، وأما الاحتمالات الاُخر، فكلها من شقوق هذين الاحتمالين، ويتلخص المعنيان في جملتين:

1 ـ المراد تصديق حكاياتهم.

2 ـ المراد تصديق مروياتهم.

وان شئت قلت: هل تعلق الإجماع على تصحيح نفس الحكاية وان ابن ابي عمير صادق في قوله، بأنّه حدثه ابن اُذينة أو عبدالله بن مسكان أو غيرهما من مشايخه الكثيرة الناهزة إلى أربعمائة شيخ أو تعلق بتصحيح نفس الحديث والمروي، وان الرواية قد صدرت عنهم- عليهم السلام -.

وبعبارة اخرى; هل تعلق بما يرويه بلا واسطة كروايته عن شيخه «ابن اُذينة»، أو تعلق بما يرويه مع الواسطة أعني نفس الحديث الذي يرويه عن الإمام بواسطة استاذه.

والمعنى الأول يلازم توثيق هؤلاء ويدل عليه بالدلالة الالتزامية، فان اتفاق العصابة على تصديق هؤلاء في حكايتهم وتحدثهم ملازم لكونهم ثقات، فيكون مفاد العبارة هو توثيق هؤلاء لأجل تصديق العصابة حكايتهم ونقولهم عن مشايخهم.

وأما المعنى الثاني فله احتمالات:

1 ـ صحة نفس الحديث والرواية وان كانت مرسلة أو مروية عن مجهول أو ضعيف لأجل كونها محفوفة بالقرائن.

2 ـ صحتها لأجل وثاقة خصوص هؤلاء الجماعة فتكون الصحة نسبية لا مطلقة، لاحتمال عدم وثاقة من يروون عنه فيتحد مع المعنى الأول.

3 ـ صحتها لأجل وثاقتهم ووثاقة من يروون عنهم حتى يصل إلى الإمام - عليه السلام -فعلى الاحتمال الثالث، تنسلك مجموعة كبيرة من الرواة ممَّن


(180)

لم يوثقوا خصوصاً، في عداد الثقات، فإن لمحمد بن ابي عمير مثلا «645» حديثاًيرويها عن مشايخ كثيرة (1).

واليك توضيح هذين المعنيين (2).

المعنى الأول: وهو ما احتمله صاحب الوافي في المقدمة الثالثة من كتابه: «ان ما يصح عنهم هو الرواية لا المروي» (3). وعلى هذا تكون العبارة كناية عن الاجماع على عدالتهم وصدقهم بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع على عدالته.

ونقل المحدث النوري عن السيد المحقق الشفتي في رسالته في تحقيق حال «أبان» ان متعلق التصحيح هو الرواية بالمعنى المصدري أي قولهم أخبرني، أو حدثني، أو سمعت من فلان، وعلى هذا فنتيجة العبارة أن أحداً من هؤلاء إذا ثبت أنه قال: حدثني، فالعصابة أجمعوا على أنه صادق في اعتقاده.

وقد سبقه في اختيار هذا المعنى رشيد الدين ابن شهر آشوب في مناقبه، حيث اكتفى بنقل المضمون وترك العبارة وقال: «اجتمعت العصابة على تصديق ستة من فقهائه (الإمام الصادق - عليه السلام -) وهم جميل بن دراج، وعبدالله بن مسكان... الخ» فقد فهم من عبارة الكشي اتفاق العصابة على تصديق هؤلاء وكونهم صادقين فيما يحكون، فيدل بالدلالة الالتزامية على وثاقة هؤلاء لا غير، والتصديق مفاد مطابقي، والوثاقة مفاد التزامي كما لا يخفى.


1 . لاحظ معجم رجال الحديث: 14 / 303 ـ 304، طبعة النجف.
2 . وقد ادغمنا الوجه الثاني والثالث من الاحتمال الثاني فبحثنا عنهما بصفقة واحدة، لان وثاقة هؤلاء ليست مورداً للشك والترديد وانما المهم اثبات وثاقة مشايخهم.
3 . الوافي: المقدمة الثالثة، الصفحة 12، وجعل الفيض كونها كناية عن الاجماع على عدالتهم وصدقهم في عرض ذلك الاحتمال، والظاهر أنه في طوله، لان تصديق حكايتهم في الموارد المجردة عن القرائن غير منفك عن التصديق بعدالتهم فلاحظ.


(181)

ويظهر ذلك أيضاً من استاذ الفن، الشيخ عبدالله بن حسين التستري، الذي كان من مشايخ الشيخ عناية الله القهبائي مؤلف «مجمع الرجال»، حيث نقل عن استاذه ما هذا عبارته: «قال الاستاذ مولانا النحرير المدقق، والحبر المحقق المجتهد في العلم والعمل عبدالله بن حسين التستري - قدس سره -(1)، هكذا: وربما يخدش بأن حكمهم بتصحيح ما يصح عنهم، انما يقتضي الحكم بوقوع ما أخبروا به، وهذا لا يقتضي الحكم بوقوع ما أخبر هؤلاء عنه في الواقع، والحاصل أنهم إذا أخبروا أنّ فلاناً الفاسق حكم على رسول الله مثلا بما يقتضي كفره (نستغفر الله منه) فان ذلك يقتضي حكمهم بصحة ما أخبروا به، وهو وقوع المكفّر عن الفاسق المنسوب اليه ذلك لا صحة ما نسب إلى الفاسق في نفس الأمر... إلى ان قال: ان الجماعة المذكورين في هذه التسميات الثلاث إذا أخبروا عن غير معتبر في النقل، فانه لا يلزم الحكم بصحة ما أخبروا عنه في الواقع، نعم يلزم ذلك إذا أخبروا عن معتبر».

وأضاف التلميذ: «ولا يخفى ان المذكورين في التسميات المذكورات هنا لا يروون إلاّّ عنهم- عليهم السلام -إلاّ قليلا، ولا عن غير معتبر إلاّ نادراً وهذا ظاهر مع ادنى تتّبع، فما افاد الاستاذ- رحمه الله -من المعنى الدقيق والمحمل الصحيح لا يؤثر فيما نفهم منها في أول الأمر»(2). ويظهر النظر في كلام التلميذ فيما سننقله من رواية هؤلاء عن غير الائمة بكثير فتربَّص.

وقد نقله أبو علي في رجاله عن استاذه صاحب الرياض حيث قال: «المراد دعوى الاجماع على صدق الجماعة، وصحة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه، فاذا قال احد الجماعة: حدثني فلان، يكون الاجماع منعقداً على صدق دعواه وإذا كان ضعيفاً أو غير معروف، لا يجديه نفعاً،


1 . توفي مولانا التستري عام 1021 هـ ، ويظهر من قوله «- قدس سره -» في حق استاذه ان المؤلف كان حياً عام وفاته وتوفي بعده.
2 . تعليقة مجمع الرجال: 1 / 286.


(182)

وذهب اليه بعض أفاضل العصر وهو السيد مهدي الطباطبائي»(1).

وأقول: هذا هو المختار ويؤيدّه أمور:

1ـ إنَّ الكشّي اكتفى في تسمية الطبقة الاُولى بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله - عليهما السلام -وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستّة» ولم يذكر في حقّهم غير تلك الجمل، فلو كان المفهوم من قوله «تصحيح ما يصحّ عن جماعة» إجماعهم على تصديق مرويّاتهم (لا حكاياتهم)، كان عليه أن يذكر تلك العبارة في حق الستّة الاُولى، لأنهم في الدرجة العالية بالنسبة إلى الطبقتين، وهذا يعرب عن كون المقصود من التصحيح، هو الحكم بصدقهم وتصويب نفس نقلهم، وبالدَّلالة الالتزامية يدلّ على وثاقهم.

2ـ فهم عدة من الاعلام ذلك المعنى من العبارة.

إنّ ابن شهرآشوب قد فهم من كلام الكشّي نفس ما ذكرناه، ولأجل ذلك حذف كلمة «تصحيح ما يصحّ» عند التعرّض للطبقة الثانية فعبَّر عنه بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديق ستَّة من فقهاء أصحاب الإمام الصادق - عليه السلام -وهم: جميل بن درّاج ـ إلى آخره».

نرى أنه وضع التصديق مكان «تصحيح ما يصحّ عنه» وهذا يعرب عن وحدة المقصود، ويظهر ذلك من بعض كلمات العلاّمة في المختلف حيث قال: «لا يقال: عبدالله بن بكير فطحي، لأنّا نقول: عبدالله بن بكير وان كان فطحيّاً، إلاّ أن المشايخ وثَّقوه» ونقل عبارة الكشّي، وقال بنظيره في ترجمة أبان بن عثمان الاحمر: «...، إلاّ انه كان ثقة وقال الكشي: إنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه» والظاهر أن التمسّك بقول


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 2 / 760.


(183)

الكشي، لاجل الاستدلال على قوله: «إن المشايخ وثَّقوه» أو «إلاّ أنه كان ثقة».

كما يظهر ذلك من ابن داود حيث قال: «أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم، غير أنهم يتفاوتون ثلاث درج»(1).

3ـ إمعان النظَّر في ما يتبادر من قوله: «ما يصحّ من هؤلاء» فاذا قال الكليني: «حدَّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا ابن ابي عمير، قال: حدثنا ابن أُذينة قال: قال ابو عبدالله - عليه السلام -» فلو فرضنا وثاقة الاولين من السَّند ـ كما هو كذلك ـ فانه يقال صحّ عن ابن ابي عمير كذا، فيجب تصحيح نفس هذا، لا غير، وبعبارة أخرى يجب علينا إمعان النَّظر في أنه ما هو الذي صحَّ عن ابن ابي عمير، حتى يتعلق به التصحيح. فهل هو حكاية كل واحد عن آخر؟ أو هو نفس الحديث ومتنه؟.

لا سبيل إلى الثاني، لان من صدّر به السند، لا ينقل إلاّ حكاية الثاني ولا ينقل نفس الحديث، وإنما يكون ناقلا لو نقله من الامام بلا واسطة، ومثله من وقع في السند بعده، فانه لا ينقل إلاّ حكاية الثالث له، فعندئذ ما صحَّ عن ابن ابي عمير ليس نفس الحديث، بل حكاية الاستاذ لتلميذه، وعليه يكون هذا بنفسه متعلقاً للتصحيح، وان ابن أبي عمير مصدق في حكايته عن ابن اُذينة، وهو صادق في نقله عنه، وأما ثبوت نفس الحديث، فهو يحتاج إلى كون الناقل لابن ابي عمير صادقاً وثقة وإلاّ فلا يثبت، نعم يثبت بتصحيح ما صحَّ عن ابن أبي عمير كونه ثقة، لكن لا بالدلالة المطابقية، بل بالدلالة الالتزامية.

واختار هذا المعنى سيّدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ وقال: «المراد تصديقهم لما أخبروا به وليس اخبارهم في الاخبار مع الواسطة إلاّ الاخبار عن قول


1 . رجال ابن داود: خاتمة القسم الأول، الفصل الأول الصفحة 209 طبعة النجف، والصفحة 384 طبعة جامعة طهران.


(184)

الواسطة وتحديثه، فإذا قال ابن أبي عمير «حدّثني زيد النرسي، قال: حدّثني علي بن مزيد، قال: قال ابو عبدالله - عليه السلام -كذا» لا يكون اخبار ابن أبي عمير إلاّ تحديث زيد، وهذا في ما ورد في الطبقة الأولى واضح وكذلك الحال في الطبقتين الاخيرتين أي الاجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم، لان ما يصحّ عنهم ليس متن الحديث في الإخبار مع الواسطة لو لم نقل مطلقاً، فحينئذ إن كان المراد من الموصول مطلق ما صحّ عنهم يكون لازمه قيام الاجماع على صحّة مطلق إخبارهم سواء كان مع الواسطة أو لا، إلاّ أنه في الإخبار مع الواسطة لا يفيد تصديقهم، وتصحيح ما صحّ عنهم بالنسبة إلى الوسائط، فلابّد من ملاحظة حالهم ووثاقتهم وعدمها»(1).

وإلى ما ذكر يشير الفيض في كلامه السابق ويقول: «ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المرويّ، وأما ما اشتهر في تفسير العبارة من العلم بصحة الحديث المنقول منهم ونسبته إلى اهل البيت- عليهم السلام -بمجرَّد صحته عنهم، من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه، حتى لو رووا عن معروف بالفسق أو بوضع، فضلا عمّا لو أرسلوا الحديث، كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى اهل العصمة، فليست العبارة صريحة في ذلك»(2).

هذا حال الأول ودلائله. غير أن المحدّث النوري أورد عليه وجوهاً نذكرها واحداً بعد واحد.

الأول: إن هذا التفسير ركيك خصوصاً بالنسبة إلى هؤلاء الاعلام.

الثاني: لو كان المراد ما ذكروه، لاكتفى الكشي بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديقهم».

الثالث: ان أئمة فنّ الحديث والدّراية صرَّحوا بأن الصحة والضعف


1 . الطهارة: 1 / 186 ـ 187.
2 . الوافي: 1 / 760 المقدمة الثالثة.


(185)

والقوة والحسن وغيرها من أوصاف متن الحديث، تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند، وقد يطلق على السند مسامحة، فيقولون: «في الصحيح عن ابن ابي عمير» وهو خروج عن الاصطلاح، فالمراد بالموصول في «ما يصحّ عنه» هو متن الحديث، لأنه الذي يتصف بالصحة والضعف.

ولكنَّ الكل غير واضح، أما الأول فأي ركاكة في القول بأن العصابة اتفقت على وثاقة هؤلاء؟ ولو كان ركيكاً، فلم ارتكبه نفس الكشي في الطبقة الأولى، حيث اكتفى فيهم مكان «تصحيح ما يصحّ عنهم» بقوله «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب الامامين- عليهما السلام -».

وأما الثاني، فإنما يرد لو قدم قوله «وتصديقهم» في الذكر على قوله «تصحيح ما يصحّ عنهم»، إذ عندئذ لا حاجة إلى الثاني، ولكن الكشي عكس في الذكر، فاحتاج الكلام إلى الجملة التوضيحية، فأتى بلفظ «وتصديقهم».

وأما الثالث، فلأن الصحة سواء فسِّرت بمعنى التمامية أم بمعنى الثبوت، يقع وصفاً للسند والمتن معاً إذا كان في كلّ ملاك للتوصيف به، وليس للصحة مصطلح خاص حتى نخصه بالمتن دون السند.

وأما تخصيص هؤلاء الثمانية عشر بالذكر دون غيرهم، مع أن هناك رواة اتفقت كلمتهم على وثاقتهم، فلأجل كونهم مراجع الفقه ومصادر علوم الأئمة- عليهم السلام -ولأجل ذلك اضاف على قوله «بتصديقهم»، قوله «وانقادوا لهم بالفقه» و «أقرّوا لهم بالفقه والعلم» فلم ينعقد الاتفاق على مجرّد وثاقتهم، بل على فقاهتهم من بين تلاميذ الائمة- عليهم السلام -. فهذه المميزات أوجبت تخصيصهم بالذكر دون غيرهم.

على أن الكشي كما عرفت لم يعنونهم باسم «أصحاب الاجماع» بل هو اصطلاح جديد بين المتأخرين، بل عنونهم في مواضع ثلاثة بـ «تسمية الفقهاء


(186)

من أصحاب الباقرين - عليهما السلام -» و«تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق - عليه السلام -» و«تسمية الفقهاء من أصحاب الامامين الكاظم والرضا - عليهما السلام -»، فالسّؤال ساقط من رأسه.

وأما التخصيص بالسّتة في كل طبقة فلأجل فقاهتهم اللاّمعة التي لم تتحقق في غيرهم في كل طبقة.

إلى هنا تبيّن صحة المعنى الأول وأنه المتعين. ثم إن ما جعله شيخنا النوري قولاً ثانيا وذكره تحت عنوان «ب»، من أن المراد كون الجماعة ثقات، يرجع إلى ذلك القول لبّاً والتفاوت بينهما هو أن الوثاقة مدلول المعنى بالدلالة الالتزامية في القول الأول، ومدلول المعنى بالدلالة المطابقية في القول الثاني كما لا يخفى، ولأجل ذلك جعلنا القولين قولاً واحداً.

إذا عرفت المعنى المختار فاليك الكلام في المعنى الثاني.

المعنى الثاني: قد عرفت أن لها احتمالات ثلاثة فنبحث عنها واحداً بعد واحد.

الاحتمال الأول:

هو الحكم بصحة رواياتهم لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية.

وبعبارة أخرى; المراد من «تصحيح ما يصحّ» هو الحكم بصحة روايات هؤلاء بالمعنى المعروف عند القدماء، وهو الاطمئنان بصدق رواياتهم من دون توثيق لمشايخهم، وهذا مبنيّ على أن المراد من «الموصول» هو نفس المروي والحديث، فاذا صحَّ المروي إلى هؤلاء فيحكم بصحته وان كان السند مرسلاً أو مشتملاً على مجهول أو ضعيف فيعمل به.

توضيح ذلك; ان الصحيح عند المتأخرين من عصر العلامة أو عصر شيخه أحمد بن طاووس الحلي (المتوفّى عام 673 هـ) هو ما كان سنده متّصلاً إلى


(187)

المعصوم بنقل الامامي العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات. ولكن مصطلح القدماء فيه عبارة عما احتفّت به القرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدقه، وان اشتمل سنده على ضعف، وقد مرَّت القرائن الخارجية عند البحث عن الحاجة إلى علم الرجال.

وبعبارة اخرى; ان الحديث في مصطلح القدماء كان ينقسم إلى قسمين: صحيح وغير صحيح، بخلافه في مصطلح المتأخرين، فانه على أقسام اربعة: الصحيح والموثق والحسن والضعيف.

نعم، إن من القرائن الدالة على صدق الخبر هو كون رواته ثقاتاً بالمعنى الاعم، أي صدوقاً في النقل، ولكنه احدى القرائن لا القرينة المنحصرة.

ثمَّ لما اندرست تلك القرائن الخارجية عمد المتأخرون في تمييز المعتبر عن غيره إلى القرائن الداخلية، من المراجعة إلى اسناد الروايات(1).

وعلى هذا فمعنى اتفاق العصابة على تصحيح أحاديث هؤلاء، أنهم وقفوا على ان رواياتهم محفوفة بالقرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدق الخبر وثبوته، وقد اختار هذا المعنى، المحقق الداماد في رواشحه وقال: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والاقرار لهم بالفقه والفضل والضبط والثقة، وان كانت روايتهم بارسال أو رفع أو عمن يسمونه وهو ليس بمعروف الحال ولمّة منهم في أنفسهم فاسدو العقيدة، غير مستقيمي المذهب ـ إلى ان قال: مراسيل هؤلاء ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم إلى من يسمونه من غير المعروفين، معدودة عند الاصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ من الصِّحاح من غير اكتراث منهم لعدم صدق حدّ الصحيح على ما قد علمته (من المتأخرين) عليها»(2).


1 . لاحظ «منتقى الجمان»: 1 / 13، والتكملة للمحقق الكاظمي: 1 / 19 ـ 20.
2 . الرواشح السماوية: 41.


(188)

واختاره المحقّق البهبهاني على ما في تعليقته حيث قال: «المشهور ان المراد صحة ما رواه حيث تصحّ الرواية اليه، فلا يلاحظ من بعده إلى المعصوم وإن كان فيه ضعيف»(1).

ولا يترتب على هذا الاحتمال ثمرة رجالية من توثيق هؤلاء أو توثيق مشايخهم إلى أن ينتهي السند إلى المعصوم، كترتّبها على الاحتمال الثاني من المعنى الثاني على ما سيوافيك. وأقصى ما يترتب عليه. صحة الحديث وجواز العمل به.

وقد أورد عليه المحدِّث النوري، بأن ذاك التفسير مبنيّ على تغاير الاصطلاحين في لفظ الصحيح، وانه في مصطلحهم، الخبر المؤيد بالقرائن الدالة على صدقه، وفي مصطلح المتأخرين كون الراوي إمامياً عدلاً ضابطاً وهذا غير ثابت، بل الصحيح عند القدماء هو نفسه عند المتأخرين، عدا كون الراوي إمامياً، فيكفي كونه ثقة بالمعنى الاعم، وما ذكره شيخنا البهائي في فاتحة «مشرق الشمسين» أو المحقق صاحب المعالم في «منتقى الجمان» من ان المدار في توصيف الرواية بالصحة هو الوثوق بالصدور ولو من جهة القرائن، غير ثابتة، بل لنا أن نسألهما عن مأخذ هذه النسبة، فإنّا لم نجد ما يدل على ذلك، بل هي على خلاف ما نسباهما ومن تبعهما، بل وجدناهم يطلقون الصحيح غالباً على رواية الثقة وان كان غير إمامي.

والحاصل ان الصحيح عند القدماء، نفسه عند المتأخرين من كون الراوي ثقة، ولو كان هناك فرق بين المصطلحين فانما هو في شرطيَّة المذهب، فالمتأخرون على شرطيَّته ولزوم كون الراوي إمامياً في اتصاف الحديث بالصحة، والقدماء على كفاية الوثاقة فقط.

أقول: الظاهر ان توصيف الخبر بالصحة لأجل القرائن الداخلية أو


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 762.


(189)

الخارجية أمر ثابت. أما القرينة الداخلية كوثاقة رواته، فعليه المتأخرون كلهم، واعترف به المحدث نفسه، وأما القرائن الخارجية، فقد أشار اليها المحقق ابو الهدى الكلباسي في تأليفه المنيف «سماء المقال» واليك القول فيه موجزاً:

1ـ العنوان الذي ذكره الشيخ في كتاب «العدّة» عند البحث عن التعادل والتراجيح، فانه يوضح المراد من الصحة وان المقصود منها ما يقابل الباطل، لا ما رواه الثقات من الإمام حيث قال: «في ذكر القرائن التي تدل على صحة اخبار الاحاد أو على بطلانها».

2ـ القرائن التي تدل على صحة مضمون أخبار الاحاد وأنها أربعة.

منها: أن يكون موافقاً لأدلة العقل وما اقتضاه.

ومنها: أن يكون الخبر مطابقاً لنصّ الكتاب.

ومنها: أن يكون الخبر موافقاً للسنَّة المقطوع بها من جهة التواتر.

ومنها: أن يكون موافقاً لما أجمعت عليه الفرقة المحقّة.

ثم قال: فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الاحاد، ولا تدلّ على صحتها انفسها، لإمكان كونها مصنوعة وان وافقت الأدلة، فمتى تجرَّد الخبر من واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضاً(1).

وهذا نصّ من الشيخ على أن الخبر في ظلّ هذه القرائن يوصف بالصحة من حيث المضمون، كما يتّصف بها ببعض القرائن الاُخر من حيث الصدور، فالقرائن تارة تدعم المضمون واُخرى الصدور، وعلى كل تقدير يتّصف بالصحَّة(2).


1 . عدة الاصول: الطبعة المحققة المحشاة بحاشية الشيخ خليل بن الغازي القزويني : 1 / 267.
2 . والعجب ان العلامة المحقق الكلباسي لم يستشهد بهذا النص الوارد في كلام الشيخ.


(190)

3ـ وكذلك القول فيما يرويه المضعَّفون، فان كان هنا ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها، وجب العمل بها، وان لم يكن ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في أخبارهم(1).

إلى غير ذلك من العبائر الموجودة في «العدّة»، الحاكية عن كون الصحيح عبارة عمّا دلت القرائن على صدق مضمونه أو صدوره، لا خصوص ما روته الثقات.

ثمَّ إن المحدث النوري أورد اشكالاً آخر وقال: «إن العلم باقتران أحاديث هؤلاء بالقرائن مع كثرتها أمر محال عادة، فكيف يحصل العلم بها؟».

هذا وسنبيّن ما يمكن الاجابة به عليه عند التعرّض للاحتمال الثالث الذي هو مختار المحدث النوري نفسه.

الاحتمال الثاني والثالث: الحكم بصحة رواياتهم استناداً إلى وثاقتهم ووثاقة مشايخهم(2).

إن هذين الاحتمالين كما مرَّ يتشعبان من المعنى الثاني وهو القول بأن المراد من الموصول «ما يصحّ» هو نفس الحديث ومتنه لكن الحكم بصحَّة الحديث ليس لاقترانه بالقرائن الخارجية الدالة على صدق نفس الحديث، بل لوثاقة هذه الجماعة ومن بعدهم إلى أن ينتهي إلى المعصوم.

وهذا الاحتمال يفترق عن المعنى الأول، لأنه يهدف إلى تصديقهم بالدلالة المطابقية، وإلى وثاقتهم بالدلالة الالتزامية، كما يفترق عن الاحتمال الأول للمعنى الثاني لأنه يهدف إلى صحّة أحاديثهم (وإن اشتمل السند على


1 . العدة: 1 / 383.
2 . وفي هذا المقام بحثنا عن الاحتمالين الثاني والثالث من المعنى الثاني بصفقة واحدة كما مرّ.


(191)

ضعف من بعدهم) لأجل القرائن ولا تترتب عليهما ثمرة رجالية حتى على المعنى الأول لأن وثاقة هؤلاء التي دلت العبارة عليها بالدلالة الالتزامية، ثابتة من غير طريق اتفاق العصابة، وأما على هذا الاحتمال (الاحتمال الثاني للمعنى الثاني) فيترتب على ثبوته ثمرة رجالية وهو التعديل الخاص لمشايخ هؤلاء، إلى أن ينتهي إلى الإمام، فتدخل في عداد الثقات مجموعة كبيرة من المجاهيل والضعاف، فان الستة الأولى وان كانوا يروون عن الصادقين - عليهما السلام -بلا واسطة غالباً، لكنهم يروون عن غيرهما معها بكثير أيضاً، كما ان الطبقتين ترويان عنهما مع الواسطة بكثير، فلاحظ طبقات المشايخ تجد لهم مشايخ كثيرة.

وهذا الاحتمال هو مختار المحدث النوري الذي بسط الكلام في تقريره وتوضيحه، بعد تسليم ان المراد من الموصول هو الحديث والمروي لا الحكاية والرواية، وان الصحة وصف لمتن الحديث لا لسنده.

واستدل على مختاره بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول : ان احراز صحة الأحاديث عن طريق القرائن الخارجية، أمر محال عادة، فلا بدّ ان يستند ذلك الاحراز إلى القرائن الداخلية، وليست هي إلاّ وثاقة هؤلاء ووثاقة من يروون عنه، هذاخلاصته واليك تفصيله:

ان القرائن التي تشهد على صدق الخبر اما داخلية كوثاقة الرواة، واما خارجية كوجود الخبر في كتاب عرض على الإمام، أو أصل معتبر ولكن التصحيح في المقام يجب ان يكون مستنداً إلى الجهة الأولى لا الثانية، لأن العلم بوثاقة هؤلاء وانهم لا يروون إلاّ عن ثقة أمر سهل، واما الحكم بصحة رواياتهم من جهة القرائن الخارجية فامر قريب من المحال حسب العادة لأن العصابة حكموا بصحة كل ما صح عن هؤلاء ،من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معينة، وبالجملة حكموا بتصحيح الكل، وما صح عنهم غير


(192)

محصور لعدم انحصار رواياتهم بما في كتبهم، والعلم باقتران هذه الروايات بها أمر مشكل جدّاً.

والحاصل أن الحكم بصحة روايات هؤلاء، لو كان مستنداً إلى القرائن الداخلية كوثاقة من يروون عنه، لكان لهذه الدعوى الكلية وجه، لامكان احراز ديدنهم على أنهم لا يروون إلاّ عن ثقة، كما هو المشهور في حق ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي، وأما لو كان الحكم بالصحة مستنداً إلى القرائن الخارجية التي تفيد الاطمئنان بصدق الخبر، فاحراز تلك القرائن في عامة ما يروونه من الاخبار، إنما يصحّ إذا كانت أحاديثهم محصورة في كتاب أو عند راو سمعها منهم، يمكن معه الاطلاع على الاقتران بالقرائن أو عدمه، وأما إذا لم يكن كذلك، فالحكم بصحة كل ما صح عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معيَّنة، يعدّ من المحالات العادية، ولأجله يكون ذلك الاحتمال ساقطاً عن الاعتبار.

وبعبارة ثالثة; إنه يمكن احراز ديدن جماعة خاصة والتزامهم بعدم الرواية إلاّ عن ثقة، فاذا صحَّ الخبر إلى هؤلاء، يمكن الحكم بالصحة لوثاقة من يروون عنه، لاجل الالتزام المحرز، وأما احراز كون عامة اخبارهم مقرونة بالقرائن حتى يصحّ الحكم بصحة أخبارهم من هذه الجهة، فاحراز تلك القرائن مع كثرة رواياتهم، وتشّتتها في مختلف الابواب والكتب، محال عادة.

ولا يخفى ما فيه، أما أولاً: فلأن معناه أن هؤلاء كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي روتها الثقات لهم، وكانوا يحترزون عن نقل الروايات إذا روتها الضعاف، وعلى هذا يجب أن يتحرزوا عن نقل الروايات المتواترة أو المستفيضة إذا كان رواتها ضعافاً، وهذا مّما لا يمكن المساعدة معه، إذ لا وجه لترك الرواية المتواترة أو المستفيضة وان كان رواتها ضعافاً أو مجاهيل، إذ لا تشترط الوثاقة فيهما، فبطل القول بأنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي ترويها الثقات فقط، وعندئذ كيف يمكن الحكم بوثاقة عامة مشايخهم بمجرد


(193)

الرواية عنهم، من أنهم رووا عن الضعاف فيما إذا كانت الرواية متواترة أو مستفيضة، ولا يمكن تفكيك المتواتر والمستفيض في أيامنا هذه حتى يقال: أن الكلام في أخبار الآحاد التي نقلوها لا غير، فان الكلّ غالباً يتجلى بشكل واحد.

وثانياً: كما إن حصر وجه الصحة بالقرائن الخارجية بعيد، كذلك حصر وجهها بالقرائن الداخلية التي منها وثاقة الراوي بعيد مثله، والقول المتوسط هو الأدق، وهو أنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات الصحيحة الثابت صدورها عن الإمام، إما من جهة القرائن الخارجية أو من جهة القرائن الداخلية، وعندئذ لا يمكن الحكم بوثاقة مشايخهم، أعني الذين رووا عنهم إلى أن ينتهي إلى الإمام، لعدم التزامهم بخصوص وثاقة الراوي، بل كانوا يستندون إلى الأعمّ منها ومن القرائن المورثة للاطمئنان بالصدور.

والاستبعاد الذي بسط المحدث النوري الكلام فيه، إنما يتّجه لو قلنا باقتصارهم بما دلَّت القرائن الخارجية على صحتها كما لا يخفى.

وثالثاً: لو كان المراد هو توثيقهم وتوثيق من بعدهم لكان عليه أن يقول، «أجمعت العصابة على وثاقة من نقل عنه واحد من هؤلاء» أو نحو ذلك من العبارات حتى لا يشتبه المراد، وما الدّاعي إلى ذكر تلك العبارة التي هي ظاهرة في خلاف المقصود(1).

ورابعاً: فان اطلاع العصابة على جميع الافراد الذين يروي هؤلاء الجماعة عنهم بلا واسطة ومعها بعيد في الغاية لعدم تدوين كتب الحديث والرجال في تلك الاعصار بنحو يصل الكلّ إلى الكلّ.

الوجه الثاني: إنَّ الشيخ قال في «العدّة»: «وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فان كان ممِّن يعلم أنه لا يرسل


1 . الطهارة لسيدنا الاستاذ: 1 / 188.
2 . محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى ابو أحمد الازدي، بغدادي الاصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام -وسمع منه احاديث، وروى عن الرضا - عليه السلام -توفّي عام 217 هـ .
3 . صفوان بن يحيى، كوفي ثقة ثقة عين روى عن الرضا - عليه السلام -وقد توكل للرضا وابي جعفر - عليهما السلام -، مات سنة 210 هـ.
4 . أحمد بن محمد بن عمرو بن ابي نصر لقي الرضا وابا جعفر - عليهما السلام -، مات سنة 221 هـ .
5 . العدة، الطبعة الحديثة: 386.


(194)

إلاّ عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمَّد بن أبي عمير(2) وصفوان بن يحيى(3) وأحمد بن محمد بن ابي نصر (4) وغيرهم من الثّقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم»(5).

قال المحدِّث النوري بعد نقل هذا الكلام: «إن المنصف المتأمل في هذا الكلام، لا يرتاب في أن المراد من قوله «من الثِّقات الذين... الخ» أصحاب الاجماع المعهودون، إذ ليس في جميع ثقات الرواة جماعة معروفون بصفة خاصة مشتركون فيها، ممتازون بها عن غيرهم، غير هؤلاء، فان صريح كلامه أن فيهم جماعة معروفين عند الاصحاب بهذه الفضيلة، ولا تجد في كتب هذا الفنّ من طبقة الثقات عصابة مشتركين في فضيلة غير هؤلاء، ومنه يظهر أن ما اشتهر من أن الشيخ ادّعى الاجماع على أن ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي خاصة لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، وشاع في الكتب حتى صار من مناقب الثلاثة وعُدّ من فضائلهم، خطأ محض منشأه عدم

المراجعة إلى «العدّة» الصريحة في أن هذا من فضائل جماعة، وذكر الثلاثة من باب المثال».

أقول: إن الاستدلال بعبارة «العدّة» على أن المراد من عبارة الكشّي هو توثيق رجال السند بعد اصحاب الاجماع غير تامّ. إذ الظاهر أن مراد الشيخ من


(195)

قوله «وغيرهم» هو الجماعة المعروفة بين الاصحاب بأنهم لا يروون إلاّ عن ثقة وهم عبارة عن: 1ـ أحمد بن محمد بن عيسى. 2ـ جعفر بن بشير البجلي. 3ـ محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني. 4ـ علي بن الحسن الطاطري. 5ـ بنو فضّال كلهم (على قول) وسيوافيك الكلام عن هؤلاء، ولا نظر لها إلى الفقهاء المعروفين من أصحاب الائمة الاربعة، وقد عرفت أن كلام الكشي خال عن هذا العنوان وأنه عرفهم بعنوان: «تسمية الفقهاء من أصحاب الائمة» في مواضع ثلاثة، وإنما اُفيض عليهم هذا العنوان في كلمات المتأخرين وجعل موضوعاً للبحث، وأما تخصيص الكشي هؤلاء الجماعة بالبحث، فلأجل فقاهتهم وتبحّرهم في الفقه، لما مرَّ أن اكثر الروايات تنتهي اليهم، وأما عدم ذكره أبا حمزة الثمالي، وعليّ بن يقطين، وزكريا بن آدم، وعلي بن مهزيار فلقلّة رواية الثلاثة الأول ـ مع جلالتهم ـ بالنسبة إلى أصحاب الاجماع.

فظهر من هذا البحث أيضاً أن الحق هو المعنى الأول، وأن المراد هو تصديقهم فيما يروون بلا واسطة، وتصديق حكاياتهم ونقولهم فيما يروون، فهم فقهاء وعلماء مصدَّقون في نقولهم، وأن لفظ «التصحيح» مرادف للفظ «التصديق» سواء اجتمعا كما في الطبقتين الثانية والثالثة، أم افترقا كما في الطبقة الأُولى.

وإن أبيت إلاّ عن تغايرهما وأن «التصحيح» يفيد غير ما يفيده «التصديق»، فالاحتمال الأول من المعنى الثاني، من تصحيح رواياتهم وحجّيتها هو المتعين، والمراد أن العصابة في ظل التفحّص والتتبّع وقفت على ان رواياتهم صحيحة إما لوثاقة رجال السند بعد أصحاب الاجماع، أو لقرائن خارجية كما مرت، وأما كون صحتها لخصوص وثاقة رجال السند إلى أن ينتهي إلى الإمام ـ كما هو المقصود في الاحتمال الثاني والثالث للمعنى الثاني ـ فلا، وعلى هذا فليست العبارة مفيدة لقاعدة رجالية، هي أن مشايخ هؤلاء إلى الإمام ثقات.


(196)

وبعبارة اخرى; لا يستفاد منها انهم لا يروون إلاّ عن ثقة حتى ينتهي السند إلى الإمام. وعلى ذلك فلا يكون رواية اصحاب الاجماع عن شيخ دليلاً على وثاقتة، فاذا وقع ذلك الشيخ في سند، وكان الراوي عنه غيرهم لا يحكم بوثاقته، وصحة السند، فما اشتهر بين المتأخّرين من تصحيح الاسناد إذا كان الراوي مهملاً بحجة انه من مشايخ اصحاب الاجماع مما لا دليل عليه.

تفصيل من العلامة الشفتي (1): قد عرفت أن الكشي ذكر اتفاق العصابة على هؤلاء في مواطن ثلاثة، وعرفت المحتملات المختلفة حول عبارته المردّدة بين كون المراد: 1ـ تصديق هؤلاء فيما ينقلون. 2ـ أو تصحيح صدور رواياتهم من المعصوم لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية. 3ـ أو توثيق مشايخهم إلى أن ينتهي السند، وعلى كل تقدير المراد من العبارة في المواضع الثلاثة واحد.

لكن يظهر من المحقّق الشفتي، التفصيل بين العبارة الأُولى والثانية والثالثة، بأن المراد من الأُولى هو تصحيح الحديث ومن الأخيرتين توثيقهم وتوثيق مشايخهم إلى آخر السند، ولاجل ذلك اكتفي في أُولى العبارات بذكر التصديق من دون اضافة قول «تصحيح ما يصحّ»، دون الاخيرتين. وانما فعل ذلك لأن الطبقة الأُولى يروون من الإمام بلا واسطة، وهذا بخلاف الواقعين في الثانية والثالثة، فهم يروون بلا واسطة ومعها.

وقال في هذا الصدد: «إن نشر الاحاديث لما كان في زمن الصَّادقين - عليهما السلام -، وكانت روايات الطبقة الأُولى من اصحابهما غالباً عنهما من غير واسطة، فيكفي للحكم بصحة الحديث تصديقهم، واما المذكورون في الطبقة الثانية والثالثة، فقد كانوا من أصحاب الصادق والكاظم والرضا- عليهم السلام -، وكانت رواية الطبقة الثانية عن مولانا الباقر- عليه السلام -مع


1 البحث عن هذا التفصيل، كلام معترض واقع بين الوجه الثاني والوجه الثالث للمحدث النوري، وسيوافيك ثالث الوجوه من أدلّته بعد هذا التفصيل.


(197)

الواسطة، وكانت الطبقة الثالثة كذلك بالنسبة إلى الصادق - عليه السلام -، ولم يكن الحكم بتصديقهم كافياً في الحكم بالصحة فما اكتفي بالتصديق وأضاف: «اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم» ولما روى كل من في الطبقة الثانية، عن الصادق - عليه السلام -، والطبقة الثالثة عن الكاظم والرضا - عليهما السلام -، أتى بتصديقهم أيضاً.

والحاصل; ان التصديق فيما إذا كانت الرواية عن الائمة- عليهم السلام -من غير واسطة والتصحيح إذا كانت معها»(1).

ولا يخفى أنه تفسير ذوقي لا يعتمد على دليل، بل الدليل على خلافه، ففيه:

أوّلاً: ان ما ذكره من أن رواية الطبقة الأُولى كانت عن الإمام بلا واسطة غالباً، غير تام، يعرف بعد الوقوف على مشايخهم في الحديث من أصحاب الائمة المتقدمين كالسجاد ومن قبله:

وهذا زرارة يروي عن ما يقرب من أربعة عشر شيخاً وهم:

1ـ ابو الخطاب 2ـ بكر 3ـ الحسن البزاز 4ـ الحسن بن السري 5ـ حمران بن أعين 6ـ سالم بن ابي حفصة 7ـ عبد الكريم بن عتبة الهاشمي 8ـ عبدالله بن عجلان 9ـ عبد الملك 10ـ عبد الواحد بن المختار الانصاري 11ـ عمر بن حنظلة 12ـ الفضيل 13ـ محمد بن مسلم 14ـ اليسع(2).

وهذا محمد بن مسلم يروي عن ستّة مشايخ وهم:

1ـ أبو حمزة الثمالي 2ـ ابو الصباح 3ـ حمدان 4ـ زرارة 5ـ كامل


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 769. بتصرّف يسير.
2 . معجم رجال الحديث: 7 / 218 ـ 260، الرقم 4663.


(198)

6ـ محمد بن مسعود الطائي(1).

وبريد بن معاوية يروي عن شيخ واحد وهو مالك بن اعين(2).

وهذا الفضيل بن يسار يروي عن شيخين وهما: 1ـ زكريا النقاض 2ـ عبد الواحد بن المختار الانصاري(3).

وهذا معروف بن خرّبوذ يروي عن شيخين وهما: 1ـ أبو الطفيل 2ـ الحكم بن المستور(4).

وهذا ابو بصير الاسدي (يحيى بن القاسم أو ابي القاسم) يروي عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم(5).

ومع ذلك كيف يمكن أن يقال إن مروياتهم عن الائمة بلا واسطة غالباً.

وثانياً: لو كان المراد ما ذكره لوجب عليه التصريح بذلك، فان ما ذكره ليس أمراً ظاهراً متبادراً من العبارة، والظاهر في الجميع تصديقهم فيما يقولون ويحكون.

الوجه الثالث: إن جماعة من الرواة وصفوا في كتب الرجال بصحة الحديث، كما نجده في حق الافراد التالية:

1ـ إبراهيم بن نصر بن القعقاع الجعفي، روى عن أبي عبدالله وأبي


1 . معجم رجال الحديث: 17 / 262 ـ 286، الرقم 11780 و 11783.
2 . معجم رجال الحديث: 3 / 277 و 278 و 280، و 287، الرقم 1166 و 1174.
3 . معجم رجال الحديث: 13 / 362 ـ 368، الرقم 9437.
4 . معجم رجال الحديث: 18 / 231.
5 . معجم رجال الحديث: 18 / 262 ـ 265، الرقم 12483. وجامع الرواة: ج 2، باب حدود الزنا، وأيضاً في معجم رجال الحديث: 13 / 166 ـ 167 في ترجمة عمران بن ميثم: روى محمد بن يعقوب بسنده عن ابي بصير عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم.


(199)

الحسن - عليهما السلام -،ثقة، صحيح الحديث.

2ـ ابو عبدالله أحمد بن الحسن بن اسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار الكوفي، ثقة، صحيح الحديث.

3ـ ابو حمزة انس بن عياض الليثي، ثقة، صحيح الحديث.

4ـ ابو سعيد جعفر بن أحمد بن ايوب السمرقندي، صحيح الحديث.

5ـ الحسن بن علي بن بقاح الكوفي، ثقة مشهور، صحيح الحديث.

6ـ الحسن بن علي بن النعمان الأعلم، ثقة، ثبت، له كتاب نوادر، صحيح الحديث.

7ـ سعد بن طريف، صحيح الحديث.

8ـ ابو سهل صدقة بن بندار القمّي، ثقة، صحيح الحديث.

9ـ ابو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، روى عن الرضا - عليه السلام -، ثقة، صحيح الحديث.

10ـ ابو الحسن علي إبراهيم بن محمد الجواني ثقة، صحيح الحديث.

11ـ النضر بن سويد الكوفي، ثقة، صحيح الحديث.

12ـ يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي ثقة ثقة، صحيح الحديث.

13ـ ابو الحسين محمد بن جعفر الاسدي الرازي، كان ثقة، صحيح الحديث.

هؤلاء الجماعة عرّفوا في كتب الرجال بصحة الحديث، ولا يمكن الحكم بصحة حديث راو على الاطلاق، إلاّ من جهة وثاقته ووثاقة من بعده إلى


(200)

المعصوم، واحتمال كونه من جهة القرائن فاسد كما مرّ، ولا فرق بينهم وبين اصحاب الاجماع إلاّ من جهة الاجماع في هؤلاء دونهم، وهم جماعة أيضاً كما عرفت(1).

أقول: أما دلالة لفظة «صحيح الحديث» على وثاقة نفس هؤلاء فممّا لا يخفى على أحد، وقد عدَّه الشهيد الثاني من الالفاظ الدالة على الوثاقة. قال في بداية الدراية وشرحها: «قوله: وهو صحيح الحديث، يقتضي كونه ثقة ضابطاً ففيه زيادة تزكية». أضف اليه انه غير محتاج اليه، لوجود لفظ «ثقة» في ترجمة هؤلاء إلاّ في مورد السمرقندي وابن طريف. انما الكلام في دلالته على وثاقة مشايخهم سواء كانت بلا واسطة أو معها. فقد اختار المحدث النوري دلالتها على وثاقة المشايخ عامة.

ولكن إنما يتمّ ما استظهره من قولهم «صحيح الحديث» إذا لم تكن قرينة على كون المراد صحّة أحاديث كتبه، لا وثاقة مشايخه، كما ورد في حق الحسين بن عبيدالله السعدي «له كتب صحيحة الحديث» فلا بدّ من الحمل على الموجود في الكتاب، ومثله إذا قال: «كان ثقة في الحديث إلاّ انه يروي عن الضعفاء» كما ورد في حقّ ابي الحسين الاسدي(2).

ولا يخفى انه لو ثبت ما يدَّعيه ذلك المحدث، لزم تعديل كثير من المهملين والمجهولين، فتبلغ عدد المعدَّلين بهذه الطريقة إلى مبلغ كبير والاعتماد على ذلك مشكل جدّاً.

أما أولاً: فلأن صحة الحديث كما تحرز عن طريق وثاقة الراوي، تحرز عن طريق القرائن الخارجية، فالقول بأن احراز صحة احاديث هؤلاء كانت مستندة إلى وثاقة مشايخهم فقط، ليس له وجه، كالقول بأن احرازها كان


1 . مستدرك الوسائل: 1 / 769 بتصرّف يسير.
2 . لاحظ مستدرك الوسائل: 3 / 770.


(201)

مستنداً إلى القرائن، بل الحق ان الاحراز كان مستنداً إلى الوثاقة تارة وإلى القرائن أخرى، ومع هذا العلم الاجمالي كيف يمكن احراز وثاقة المشايخ. بصحة الاحاديث مع أنها أعم منها.

وثانياً: إن اقصى ما يمكن ان يقال ما افاده بعض الاجلة من التفصيل بين الاكثار عن شيخ وعدمه، فاذا كثر نقل الثقة عن رجل، ووصف احاديث ذلك الثقة بالصحة، يستكشف كون الاحراز مستنداً إلى وثاقة الشيخ، إذ من البعيد احراز القرينة في واحد واحد من المجموعة الكبيرة من الاحاديث، وهذا بخلاف ما إذا قلّ النقل عنه ووصف احاديثه بالصحة، فمن الممكن جدّاً احراز القرينة في العدد القليل من الاحاديث.

هذا كله لو قلنا بأن الصحة من اوصاف المتن والمضمون، وإلاّ فمن الممكن القول بانها من أوصاف نفس النقل والتحدث والحكاية، وان المقصود منها كونه صدوقاً في النقل وصادقاً في الحكاية في كل ما يحكيه، كما ذكرناه في أصحاب الاجماع فلاحظ.

ثم ان الذي يدفع الاحتمال الثاني للمعنى الثاني رواية اصحاب الاجماع عن الضعفاء والمطعونين، ومعها كيف يمكن القول بأنهم لا يروون إلاّ عن الثقة واليك بعض ما يدل على المقصود.

1ـ روى الكليني في «باب من أوصى وعليه دين» وكذا في «باب اقرار بعض الورثة بدين في كتاب الميراث» عن جميل بن دراج، عن زكريا بن يحيى الشعيري، عن الحكم بن عتيبة(1) وقد ورد عدّة روايات في ذمّه(2).

2ـ حكى الشيخ في الفهرست أن يونس بن عبد الرحمن روى كتاب


1 . جامع الرواة: 1 / 266.
2 . لاحظ رجال الكشي: 137.


(202)

«عمرو بن جميع الازدي البصري قاضي الري»(1) وقد ضعفه الشيخ والنجاشي(2).

وسيوافيك بعض القول في ذلك عند الكلام في أن ابن ابي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، فانتظر.


1 . الفهرست للشيخ : 111.
2 . رجال الشيخ: 249، رجال النجاشي: 205.

Website Security Test